الصفحة 29 من 252

( تنبيه ) : دل سياق الحديث على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة , وأما رؤية النبي صلى الله عليه وسلم فذاك لدليل آخر , وقد صرح مسلم في روايته من حديث أبي أمامة بقوله صلى الله عليه وسلم:"واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". وأقدم بعض غلاة الصوفية على تأويل الحديث بغير علم فقال: فيه إشارة إلى مقام المحو والفناء , وتقديره فإن لم تكن - أي فإن لم تصر - شيئا وفنيت عن نفسك حتى كأنك ليس بموجود فإنك حينئذ تراه . وغفل قائل هذا - للجهل بالعربية - عن أنه لو كان المراد ما زعم لكان قوله"تراه"محذوف الألف , لأنه يصير مجزوما , لكونه على زعمه جواب الشرط , ولم يرد في شيء من طرق هذا الحديث بحذف الألف , ومن ادعى أن إثباتها في الفعل المجزوم على خلاف القياس فلا يصار إليه إذ لا ضرورة هنا . وأيضا فلو كان ما ادعاه صحيحا لكان قوله"فإنه يراك"ضائعا لأنه لا ارتباط له بما قبله . ومما يفسد تأويله رواية كهمس فإن لفظها"فإنك إن لا تراه فإنه يراك"وكذلك في رواية سليمان التيمي , فسلط النفي على الرؤية لا على الكون الذي حمل على ارتكاب التأويل المذكور , وفي رواية أبي فروة"فإن لم تره فإنه يراك"ونحوه في حديث أنس وابن عباس , وكل هذا يبطل التأويل المتقدم . والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت