قوله: ( الإحسان ) هو مصدر , تقول أحسن يحسن إحسانا . ويتعدى بنفسه وبغيره تقول أحسنت كذا إذا أتقنته , وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع , والأول هو المراد لأن المقصود إتقان العبادة . وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا محسن بإخلاصه إلى نفسه , وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود , وأشار في الجواب إلى حالتين: أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه بعينه وهو قوله"كأنك تراه"أي وهو يراك , والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل ما يعمل , وهو قوله"فإنه يراك". وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته , وقد عبر في رواية عمارة بن القعقاع بقوله"أن تخشى الله كأنك تراه"وكذا في حديث أنس . وقال النووي: معناه أنك إنما تراعى الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك , لكونه يراك لا لكونك تراه فهو دائما يراك , فأحسن عبادته وإن لم تره , فتقدير الحديث: فإن لم تكن تراه فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك . قال: وهذا القدر من الحديث أصل عظيم من أصول الدين , وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين , وهو عمدة الصديقين وبغية السالكين وكنز العارفين ودأب الصالحين , وهو من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم , وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من التلبس بشيء من النقائص احتراما لهم واستحياء منهم , فكيف بمن لا يزال الله مطلعا عليه في سره وعلانيته ؟ انتهى . وقد سبق إلى أصل هذا القاضي عياض وغيره , وسيأتي مزيد لهذا في تفسير لقمان إن شاء الله تعالى .