( تنبيهات ) : الأول دلت الروايات التي ذكرناها على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال , وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة لكنه غير معروف لديهم , وأما ما وقع في رواية النسائي من طريق أبي فروة في آخر الحديث"وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي"فإن قوله نزل في صورة دحية الكلبي وهم , لأن دحية معروف عندهم , وقد قال عمر"ما يعرفه منا أحد", وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي فقال في آخره"فإنه جبريل جاء ليعلمكم دينكم"حسب . وهذه الرواية هي المحفوظة لموافقتها باقي الروايات . الثاني: قال ابن المنير: في قوله"يعلمكم دينكم"دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علما وتعليما , لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال , ومع ذلك فقد سماه معلما , وقد اشتهر قولهم: حسن السؤال نصف العلم , ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث لأن الفائدة فيه انبنت على السؤال والجواب معا . الثالث قال القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له أم السنة , لما تضمنه من جمل علم السنة . وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابيه"المصابيح"و"شرح السنة"اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة , لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالا . وقال القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالا ومآلا ومن أعمال الجوارح , ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال , حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه . قلت: ولهذا أشبعت القول في الكلام عليه , مع أن الذي ذكرته وإن كان كثيرا لكنه بالنسبة لما يتضمنه قليل , فلم أخالف طريق الاختصار . والله الموفق . قوله: ( قال أبو عبد الله ) يعني المؤلف"جعل ذلك كله من الإيمان"أي الإيمان الكامل المشتمل على هذه الأمور كلها .