إن شروط الامارة المحددة في قصة طالوت هي:
الشرط الأول: الاختيار الشرعي وهو المأخوذ من كون طالوت قد بعث لهؤلاء الملأ بخبر نبيهم.
والشرط الثاني: هو الكفاءة وهو الشرط المأخوذ من ايتاء طالوت بسطة العلم والجسم.
والشرط الثالث: هو الطمأنينة النفيسة إليه، وهو الشرط المأخوذ من الآية التي جعلها الله لطالوت.
والشرط الرابع: الامتداد الواقعي الصحيح لتاريخ الدعوة وهو الشرط المأخوذ من ان تكون الآية والعلامة: (وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ) .
وهذه هي الشروط الأصلية لنشأة الأمارة في واقع التفرق والفراغ العلمي.
تأتي بعذ ذلك شروط الاسامرار في الإمارة بعد نشأتها وأول هذه الشروط الدخول في الواقع العملي لأنه بمجرد أن تقرر اصطاء طالوت تبين الايات أنه لم يكن هناك فروق زمني بين أختياره والعمل إذ تقول الايات: (قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ هذا هو الشرط الأول في الاستمرار يتبعه الشرط الثاني وهو التربية وانتقاء الصفوة القادرة: والجسم الشديد في هذه المهمة وهو المأخوذ من الابتلاء بالنهر كما في قوله:(إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) .
وبعد إنشاء الواقع العلمي بأبعاده الكاملة تنشأ معايير الاختيار الشرعية والعملية بصورة طبيعية، والمثال عليها اختيار داوود عليه السلام، وذلك أن داود كان فردا ضمن الذين كانوا مع طالوت، وكان له دور متقدم بين الصفوة مكنة من أن يقتل جالوت فتميز داود بصورة لم تجعل له قرينا فكان هو الملك بعد طالوت بصورة تلقائية: (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) .
وبعد الاستفادة من مضمون الايات المبينة لقضية الإمارة في واقع الاستضعاف والتفرق ننتقل إلى الصياغة الفقهية لهذا المضمون، بأعتبار أن تلك الصياغة هي أساس التزامنا في واقع الحركة الإسلامية القائم الان، وهذه الحقائق التي تدور حولها أحكام تلك الصياغة هي:
الأولى: أن نشأة الإمارة بمقتضي الواقع والأشياع، يعني أن فرض الإمارة الواحدة على الواقع أسلوب معتبر شرطا بشرط أن يكون فرض الإمارة الواحدة بصفة سليمة عادلة.
وعلى هذا تسقط أساليب التهجم والتنقيص من الغير باعتبار عدم شرعيتها مهما كانت صحة الهدف وشرعيته.
الثانية: أن اعتبار الكفاءة في اختيار الإمارة الواحدة يعني أن القدرة على تحقيق الهدف الإسلامي هو المعيار الاساسي للاختيار، وأن المقارنة بين أصحاب الفكر النظري وأصحاب القدرة على تحقيق الهدف الإسلامي الصحيح عمليا يجب أن تكون لصالح أصحاب هذه القدرة العملية.
الثالثة: أن اعتبار السبق في اختيار الإمارة يعني أن عنصر السبق الزمني في اختيار الإمارة الواحدة أمر له اعتباره، إذ تتمثل فيه قيمة الفضل الذي يجب أن يبقي لأهله وقيمة التجربة التي تمثل إمكانية هائلة في تحقيق غاية الدعوة.