الرابعة: ان اعتبار درء المفسدة الأعظم في الأبقاء على الإمارة التي قد لاتكتمل فيها الشروط يعني أن العجز في اختيار الإمارة الكاملة الصواب لايمكن ان يكون سببا في إبقاء حالة التفرق، بل يجب اختيار الامارة الأقرب إلى الصواب، ويجب أن يكون تقييمها محصلة نهائية لبعدين الأول: المفروض الذي يجب أن يكون، الثاني الواقع الذي يجب مواجهته، وهنا تبرز قيمة تلك الأمارة.
وبعد طرح القضية الأساسية الأولى وهي قرآنية المنج الحركي وتفسير الفاعلية القدرية للنص القرآني وطرح القضية الأساسية الثانية وهي الدفع بين الإسلام والجاهلية بمقتضياه وافتراضاته نأتي إلى القضية الاساسية الثالثة في التصور القدري لمنهج الحركة الإسلامية.
ثالثا: المقتضي المنهجي لعلامات الساعة:
1)تقدير الزمان:
والتحديد القدري للزمان الذي ستمارس فيه الدعوة من أهم قواعد التحديد المنهجي لها، اذ انه سينشأ عن هذا التحديد حقائق ومقتضيات هامة في الأسلوب المباشر للحركة ولاجل قيمة التحديد القدري للزمان. في تحديبد منهج الدعوة، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بما كان وماهو كائن فعن ابي زيد الانصاري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضر الظهر نزل فصلي الظهر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس، فحدثنا بما كان ما هو كائن فأعلمناه أحفظنا [1] وفي حديث اخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم أر كاليوم خيرا وشرا) ، حتى سأل الصحابة [2] .
وهذه هي أسس التحديد القدري للزمان:
الأساس الأول: التحديد العام لزمان الدعوة:
ومن أهم حقائق هذا التحديد أن الزمان ابتداء من بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة هو الوقت المقدر للعمل الإسلامي، بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: مثل المسلمين واليهود والانصاري كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لاحاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وماعملنا باطل. فقال لهم: لاتفعلوا، أكملوا بقية يومكم، وخذوا أجركم، فأبوا، وتركوا، واستأجروا أخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية يومكم، ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا. حتى إذا كان العصر قالوا ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شئ يسير فأبو فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس فاستكملوا جر الفريقين فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور [3] ، ومن هذه الحقيقة يثبت أن واقع الدعوة الإسلامية هو الحركة المناط بها قدرا تحقيق إرادة الله عز وجل في الواقع البشري إلى اخر الزمان من خلال الخلافة عن الله وهداية البشر والشهادة عليهم.
كما ينشأ عن هذه الحقيقة ضرورة أن يكون المسلمون أداة صالحة لتحقيق هذه الإرادة الالهية.
كما يثبت بهذه الحقيقة مسئولية الدعوة الإسلامية، بصفة مستمرة، باعتبار أنهم يعملون لله إلى نهاية الزمان في كل أرض وهذا هو الأساس الأول في التحديد القدري للزمان في ممارسة الدعوة.
الأساس الثاني: تفصيل زمن الدعوة:
(1) أخرجه مسلم في الفتن رقم 2892 من حديث عمرو ابن أخطب أبو زيد الأنصاري.
(2) هو قطعة من حديث الكسوف في الصحيح وسبق تخريجه.
(3) البخاري في الاجارة باب الاجارة من العصر إلى الليل وفي مواقيت الصلاة باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب من حديث أبي موسي الأشعري.