الصفحة 143 من 164

فإذا تبين هذا المثل فالله سبحانه وتعالى قد اقتضت حكمته أن ركب الانسان، بل وسائر الحيوان، على طبيعة محمولة على قوتين، غضبية، وشهوانية وهي الادارية وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها، وهما مركوزتان في جبلة كل حيوان، فبقوة الشهوة والارادة يجذب المنافع إلى نفسه ويقوي الغضب يدفع المضار عنها، فإذا استعمل الشهوة في طلب ما يحتاج إليه تولد منها الحرص واذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه تولد منه القوة والغسرة فإذا عجز عن ذلك الضار أورثه قوة الحقد، وان عجز وصول ما يحتاج إليه ورأي غير مستبدا به أورثه الحسد، فإن ظفر به أورثته شدة شهوته وإرادته خلق البخل والشح، وإن اشتد حرصه وشهوته على الشيء ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية فاستعملها فيه أورثه ذلك العدوان والبغي والظلم؛ ومنه يتولد الكبر والفخر والخيلاء فإنها أخلاق متولدة من بين قوتي الشهوة والغضب وتزوج أحدهما بصاحبه.

إذ تبين هذا فهذه الفرقة الثالثة رأت أن هذه الصفات ما خلقت سدي ولا عبثا وأنها بمنزلة ماء يسقي به الورد والشوك والثمار والحطب، وأنها صوان وأصداف لجواهر منطوية عليها، وإن ما خاف منه أولئك هو نفس الفلاح والظفر فرأوا أن الكبر نهر يسقي به العلو والفخر والبطر والظلم والعدوان

ويسقي به علو الهمة والأنفة والحمية والمراغمة لأعداء الله وقهرهم والعلو عليهم. وهذه درة في صدفته فصرفوا مجراه إلى هذا الغرس واستخرجوا هذه الدرة من صدفته وأبقوه على حالة في نفوسهم لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع. وقد رأي النبي صلى الله عليه وسلم أبا دجانة بين الصفين فقال: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع) .

فإن قلت: هل يمكن أن يقع الخلق كسبيا، أو هو أمر خارج عن الكسب؟

قلت: يمكن أن يقع كسبيا بالتخلق والتكلف حتى يصير له سجية وملكة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج بن عبد القيس رضي الله عنه: (إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والإناة) فقال: أخلقين تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ فقال: (بل جبلك الله عليهما) ، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله.

فدل على أن من خلق ما هو طبيعة وجبلة وما هو مكتسب. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت [1] واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت) ، فذكر الكسب والقدر والله أعلم.

فمن سنن الله في النفس البشرية أن الله يحسن خلقها إذا سعي صاحبها ابتداء إلى هذا التحسين. وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحري الصدق حتى يسمي [2] عند الله صديق، وإياكم والكذب فإن الكذ يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما زال الرجل يكذب حتى يسمي عند الله كذابا [3] .

فتبين من الحديث أن الله سبحانه يكتب بقدره الخلق على صاحبه إذا داوم عليه فلا يفارقه أبدا.

(1) قطعة من حديث صحيح أخرجه مسلم في المسافرين (771) من حديث على رضي الله عنه قال ابن القيم في (203) : (والمحفوظ أن هذا الاستفتاح إنما كان يقول في قيام الليل)

(2) وفي رواية يكتب 0

(3) متفق عليه: البخاري في الأدب (باب قول الله تعالى) : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، وما ينهي عن الكذب)، ومسلم البر (2606) ، و (2607)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت