الصفحة 142 من 164

ولعل أهم الأمثلة على هذه الظاهرة هي قسم عبد الله بن حزام على انه يشم الجنة دون احد ورؤية أسيد بن حضير لغمامة عند قراءة القران إلى غير ذلك من الامثلة، وتفسير هذه الظاهرة أن البصيرة تنقسم إلى قسمين: القلب، والواقع، فمن ناحية القلب يقول ابن القيم معاينة البصر ومعاينة الأبصار معروفة: وأما معاينة القلب فهي انكشاف صورة المعلوم له بحيث يكون نسبة إلى القلب كنسبة المرئي إلى العين، وقد جعل الله سبحانه القلب يبصر ويعمي كما تبصر العين وتعمي فإنها لاتعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب في الصدور.

ومعاينة البصيرة هي وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق للخالق حتى يكون إدراكه له بمنزلة ادراك العين للصورة وقد يقوي سلطان هذا الإدراك الباطن، بحيث يصير الحكم له، ويقوي استحضار القوة العاقلة لمدركها بحيث يستغرق فيه فيغلب حكم القلب على حكم الحس، والمشاهدة فيستولي على السمع والبصر بحيث يراه ويسمع خطابه في الخارج وهو في النفس والذهن ولكن لغلبة الرغبة وقوة الاستحضار وتمكن حكم القلب واستيلاءه على القوة صار كأنه مرئي بالعين مسموع بالأذن.

وهذا هو تفسير الذي وجده عبد الله بن حزام الانصاري يوم احد لما قال واها لريح الجنة أني أجد والله ريحها دون احد.

أما الواقع فهو المقصود، بقول ابن القيم: وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق للخارجي فالخارج هنا هو الواقع.

فرؤية هذه الحقائق الغيبية مرده إلى ان هناك واقعا لتلك الحقائق، فإذا اخذنا المثل المضروب وهو قسم عبد الله حزام على ان يشم الجنة دون احد، فإن الواقع في هذا المثال هو أن الجنة تحت ظلال السيوف [1] كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فعندما شم الصحابي الجنة فكان هذا، لآنه بلغ درجة المعاينة القلبية لواقع غيبي قائم وهو الجنة التي تكون تحت ظلال السيوف.

وبعد تحديد التصور القدري لمنهج التربية نأتي إلى الاساليب التطبيقية لتنفيذ هذا التصور، وتطبيق هذا التصور التربوي يقوم ابتداء على أساس النظرية الأجتماعية الإسلامية المتضمنة لسنن النفس البشرية.

2)النظرية الأخلاقية:

ويحدد ابن القيم هذه النظرية الأخلاقية المتضمنة لسنن الفتن النفس البشرية فيضرب ما يمكن أن نسميه بالمثل النهري للأخلاق الأنسانية فيقول: فالأخلاق ... نهر جار ففي صببه ومنحدره ومنته إلى تغريق أرض وعمران ودور وأصحابها يعلمون أنه لاينتهي حتى يخرب دورهم ويتلف اراضيهم وأموالهم فانقسموا ثلاث فرق.

وفرقة: رأت هذه الحالة وعلمت أنه لايغني عنها شيئا، فقالت لا خلاص من محذوره الا بقطعة من أصل الينبوع، فرامت قطعة من أصله، فتعذر عليها ذلك غاية التعذر، وأبت الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشد الاباء، فهم دائما في قطع الينبوع وكلما سدوه من موضع نبع من موضع، فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار.

فجاءت فرقة الثة خالفت رأي الفريقين وعلموا انهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم فأخذوا فيصرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى العمران فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله اليه ولا يتضررون به، فصرفوه إلى ارض قابلة للنبات وسقوها به، فانبت أنواع العشب والكلأ والثمار المختلفة والأصناف فكانت هذه الفرقة هي أصوب الفرق في شأن النهر.

(1) أخرجه الحاكم (394/ 3) عن أبي موسي ونحوه في الصحيحين،. فرقة صرفت قواها وقوي أعمالها إلى سكره وحبسه وايقافه فلا تصنع هذه الفرقة كبير أمر فإنه يوشك أن يجتمع، ثم يحمل على السكر فيكون إفساده وتخريبه أعظم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت