فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 194

ومع مرور الزمن، يمكن للبنية ذات الطابع الرسمي الأكثر حدة أن تبدأ بأخذ ش ـكل يح ـث على ظهور نظام أمني عبر أوراس ي يغطي لأول مرة القارة كلها. وإن تشكل ه ـذا النظ ـام، أي تحديد ماهيته ثم إضفاء الطابع المؤسساتي عليه، يمكن أن يصبح المبادرة الهندسية الرئيسية ف ـي العقد القادم بمجرد أن تخلق السياسات التي ذكرت سابقًا الشروط الضرورية لذلك. ويستطيع مثل هذا الإطار العملي الأمني عبر القاري الواسع أن يضم أيضًا لجنة أمنية دائمة، مؤلفة من كيانات أوراسية رئيسة بغية تحسين قدرة النظام الأمني عبر الأ وراسي على تطوير تعاون ف?ع ـ ال ف ـي القضايا الحساسة المتعلقة بالاستقرار العالمي. يمكن أن تك ـون أميرك ـا، وأوروب ـا، وال ـصين، وروسيا الكونفدرالية، والهند، وربما بعض البلدان الأخرى، بمنزلة الثعلب لمثل هذا النظام عب ـر القاري الأكثر قوة. وإن الظهور النهائي لهذا النظام الأمني عبر الأوراسي ي ـستطيع أن يخف ـف بالتدريج عن أميركا بعض أعبائها، حتى عندما تستمر بدورها الحاسم كعنصر استقرار وتحك ـيم في أوراسيا.

ماوراء القوى العظمى في أوراسيا

ترتبط السياسة العالمية، في المدى البعيد، بأن تصبح غير ملائمة، على نحو متزايد، لتركيز القوى المهيمنة في أيدي دولة واحدة. فأميركا ليست فق ـط الق ـوة العظم ـى العالمي ـة الأول ـى، والوحيدة، بل يحتمل أن تكون أيضًا الأخيرة.

ولا يعود ذلك فقط إلى أن الدول القومية تصبح أكثر فأكثر قابلة لأن يتم النفوذ عبرها، ب ـل لأن المعرفة، شأنها ش أن القوة أصبحت أكثر انتشارًا وأكثر قابلية للمشاطرة، وأقل تقييدًا بالحدود القومية. وكذلك يحتمل أن تصبح القوة الاقتصادية أكثر توزعًا. وفي السنوات القادمة لا يحتم ـل أن تصل قوة (دولة) واحدة إلى مستوى 30 بالمئة أو ما يقرب من هذا الرقم من إجمالي الن ـاتج القومي السنوي للعالم كله، علمًا أن أميركا حافظت على هذا الرقم خلال معظ ـم ه ـذا الق ـرن، وبغض النظر عن رقم ال 50 بالمئة الذي وصلته في الع ـام 1945. وعموم ـًا ف ـإن بع ـض التقديرات تشير إلى أن أميركا ستظل ح تى نهاية هذا العقد محافظة على نسبة 20 في المئة م ـن الناتج القومي السنوي للعالم، وربما تتراجع هذه النسبة إلى 10 ـ 15 في المئة في الع ـام 2020 عندما تزداد الحصة النسبية بقوى (أو دول) أخرى مثل أوربا، والصين، واليابان، إلى نسبة أكثر أو أقل من المستوى الأميركي. (قد تزيد النسبة لإحداها فتصبح أكثر أو أقل وتقل النسبة لدول ـة أخلى منها فتصبح أقل) . ولكن التفوق الاقتصادي العالمي لكيان واحد، ومن النوع الذي حققت ـه أميركا خلال هذا القرن، ليس محتم ًلا علمًا أنه ستكون لذلك تأثيرات عسكرية وسياس ـية بعي ـدة المدى. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطابع المتعدد القوميات والاستثنائي للمجتمع الأميركي جع ـل من السهل على أميركا أن تجعل هيمنت ها ذات طابع عالمي دون أن تدع هذه الهيمنة تب ـدو ذات طابع قومي صارم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت