ودعاه إلى زيارته في منزله بحلوان القريبة من القاهرة. وبعد تعرف الشيخ على الشاب جيدا أجازه هو أيضا. هكذا استطاع أن يلم بأطراف من العالم العربي، ليعرف ما فيه، زيادة عما كان يعرفه في الجزائر وتونس.
آمن «ابن باديس» بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم، وهي الدعوة التي حمل لواءها الشيخ محمد عبده، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة (1321 هـ= 1903 م) ، فعمل ابن باديس على نشر التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى، ومقاومة الزيف والخرافات، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت المستعمر.
وبمجرد أن عاد إلى بلده شرع على الفور في تنفيذ خطوات المشروع المتكامل الذي كان قد بدأه قبل سفره إلى الحجاز والذي يرتكز على العمل الإصلاحي من خلال نشر التعليم وتربية الأجيال، وحتى لا يتكرر ما حدث بينه وبين الشيخ ابن الموهوب، استصدر له أبوه رخصة رسمية من والي عمالة «قسنطينة» تسمح له بأن يدرس بالمجّان في «الجامع الأخضر» أحد المساجد الثلاثة الجامعة في المدينة التي تشرف عليها الحكومة.
وهكذا بدأ التدريس هذه المرة وفي يديه إذن قانوني، يخوّل له ذلك، فنظّم دروسا لعامة الناس، وأخرى خاصة بالطلبة الوافدين يلقى بعضها في الجامع الأخضر وبعضها في مسجد «سيدي قموش» ، لا يتقاضى على عمله من الحكومة ولا غيرها أجرا. وكان من دروسه العامة تفسير القرآن، ظل يلقيه حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عامًا، فاحتفلت الجزائر بختمه في 13 من ربيع الثاني (1357 هـ= 1938 م) . والحديث النبوي الشريف من الموطأ حتى ختمه في أواسط ربيع الثاني عام (1358 هـ = 1939 م) .
أما الدروس الموجهة للطلبة فتختلف حسب مستوى كل طبقة، ويركز فيها على العلوم الدينية واللغوية والتاريخ الإسلامي والتوحيد والمنطق وغير ذلك من العلوم التي تدخل في تكوين الطالب.
ويُعدّ الجانب التعليمي والتربوي من أبرز مساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار الذي بلغوا سن التعلم، ولم يجدوا مكانا لهم في المدارس الحكومية، أو