الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْوَقْتُ: مِقْدَارٌ مِنَ الزَّمَانِ مُقَدَّرٌ لأَِمْرٍ مَا، وَكُل شَيْءٍ قَدَّرْتُ لَهُ حِينًا فَقَدْ وَقَّتُّهُ تَوْقِيتًا. وَأَوْقَاتُ الصَّلاَةِ هِيَ: الأَْزْمِنَةُ الَّتِي حَدَّدَهَا الشَّارِعُ لِفِعْل الصَّلاَةِ أَدَاءً، فَالْوَقْتُ سَبَبُ وُجُوبِ الصَّلاَةِ، فَلاَ تَصِحُّ قَبْل دُخُولِهِ، وَتَكُونُ (قَضَاءً) بَعْدَ خُرُوجِهِ (1) . أَقْسَامُ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ: 2 - تَنْقَسِمُ الصَّلَوَاتُ الَّتِي لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْقِسْمُ الأَْوَّل: صَلَوَاتٌ مَفْرُوضَةٌ، وَهِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ. الْقِسْمُ الثَّانِي: صَلَوَاتٌ وَاجِبَةٌ، وَهِيَ الْوِتْرُ وَالْعِيدَانِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: صَلَوَاتٌ مَسْنُونَةٌ، كَالسُّنَنِ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَالْجُمْهُورُ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَالْوِتْرُ عِنْدَهُمْ سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ الْعِيدَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ أَصْل مَشْرُوعِيَّةِ هَذِهِ الأَْوْقَاتِ: 3 - أَصْل مَشْرُوعِيَّةِ هَذِهِ الأَْوْقَاتِ عُرِفَ بِالْكِتَابِ، __________ (1) المصباح مادة " وقت " والطحطاوي ص 93. قَال تَعَالَى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمَدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} (1) قَال بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاَةُ، أَيْ: صَلُّوا حِينَ تُمْسُونَ، أَيْ حِينَ تَدْخُلُونَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. وَ {حِينَ تُصْبِحُونَ} الْمُرَادُ بِهِ صَلاَةُ الصُّبْحِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَشِيًّا} صَلاَةُ الْعَصْرِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} صَلاَةُ الظُّهْرِ. (2) وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (3) وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ أَوْقَاتَ الصَّلاَةِ كَحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصُّهُ: أَمَّنِي جِبْرِيل عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الأُْولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْل الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُل شَيْءٍ مِثْل ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَْمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأَْوَّل، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْل، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ سَفَرَتِ الأَْرْضُ، ثُمَّ __________ (1) سورة الروم / 17، 18. (2) أحكام القرآن للقرطبي 14 / 14. (3) سورة الإسراء / 78. الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيل وَقَال: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ (1) عَدَدُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ: 4 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عَدَدَ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ خَمْسٌ بِقَدْرِ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ فَيَكُونُ عَدَدُ الأَْوْقَاتِ سِتًّا لَيْسَ صَحِيحًا، بَل إِنَّهُ يَقُول: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، وَهُوَ أَقَل رُتْبَةً مِنَ الْفَرْضِ. (2) مَبْدَأُ كُل وَقْتٍ وَنِهَايَتُهُ مَبْدَأُ وَقْتِ الصُّبْحِ وَنِهَايَتُهُ: 5 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَبْدَأَ وَقْتِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ الصَّادِقِ (3) وَيُسَمَّى الْفَجْرُ الثَّانِي، وَسُمِّيَ صَادِقًا؛ لأَِنَّهُ بَيَّنَ وَجْهَ الصُّبْحِ وَوَضَّحَهُ، وَعَلاَمَتُهُ بَيَاضٌ يَنْتَشِرُ فِي الأُْفُقِ عُرْضًا. أَمَّا الْفَجْرُ الْكَاذِبُ، وَيُسَمَّى الْفَجْرُ الأَْوَّل، فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَلاَ يَدْخُل بِهِ وَقْتُ الصُّبْحِ، وَعَلاَمَتُهُ بَيَاضٌ يَظْهَرُ طُولاً يَطْلُعُ وَسَطَ السَّمَاءِ ثُمَّ يَنْمَحِي بَعْدَ ذَلِكَ. __________ (1) حديث: " أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر. . . " أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال ابن عبد البر في التمهيد: وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم. (سنن الترمذي 1 / 178 - 280 ط الحلبي، ونصب الراية 1 / 221، وجامع الأصول 5 / 209، 210) . (2) بدائع الصنائع 1 / 123 الطبعة الأولى سنة 1327 هـ، وبداية المجتهد 1 / 47 المطبعة المولوية بفاس سنة 1327 هـ. (3) البدائع 1 / 142، وبداية المجتهد 1 / 51، والإقناع في شرح ألفاظ أبي شجاع 1 / 273 مطبعة بولاق. والمغني 1 / 395 مطبعة المنار بمصر. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَجْرَيْنِ مُقَدَّرٌ بِثَلاَثِ دَرَجَاتٍ. وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ إِمَامَةِ جِبْرِيل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حَيْثُ قَال: ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتِ الأَْرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَال: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذِهِ الْوَقْتَيْنِ (1) 6 - أَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الصُّبْحِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: قُبَيْل طُلُوعِ الشَّمْسِ (2) ، وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ الأَْقْوَال عَنْهُ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الاِخْتِيَارِيَّ لِلصُّبْحِ إِلَى الإِْسْفَارِ، وَبَعْدَ الإِْسْفَارِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لأَِصْحَابِ الأَْعْذَارِ، كَالْحَائِضِ تَطْهُرُ بَعْدَ الإِْسْفَارِ، وَمِثْل ذَلِكَ النُّفَسَاءُ، وَالنَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ، وَالْمَرِيضُ يَبْرَأُ مِنْ مَرَضِهِ، جَازَ لِهَؤُلاَءِ الصَّلاَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهِيَةٍ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصُّبْحَ كُل وَقْتِهِ اخْتِيَارِيٌّ. (3) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصُّبْحَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَهُوَ أَوَّلُهُ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ إِلَى الإِْسْفَارِ، وَجَوَازٍ بِلاَ كَرَاهَةٍ إِلَى الْحُمْرَةِ، وَكَرَاهَةٌ بَعْدَ الْحُمْرَةِ، وَالْمُرَادُ بِوَقْتِ الْفَضِيلَةِ مَا فِيهِ ثَوَابٌ أَكْثَرُ مِنْ وَقْتِ الاِخْتِيَارِ، وَالْمُرَادُ بِوَقْتِ الْجَوَازِ بِلاَ كَرَاهَةٍ مَا لاَ ثَوَابَ فِيهِ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الاِخْتِيَارِيِّ الإِْسْفَارُ. وَبَعْدَ الإِْسْفَارِ وَقْتُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَمَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةِ __________ (1) حديث: " أمني جبريل. . . " سبق تخريجه (ف / 3) . (2) ابن عابدين 1 / 240. (3) بلغة السالك 1 / 83. الصُّبْحِ وَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إِلاَّ بَعْدَ الإِْسْفَارِ، جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ بِلاَ كَرَاهَةٍ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَيْقَظَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَخَّرَ صَلاَةَ الصُّبْحِ إِلَى مَا بَعْدَ الإِْسْفَارِ بِدُونِ عُذْرٍ، كَانَتْ صَلاَتُهُ مَكْرُوهَةً. (1) 7 - مِمَّا تَقَدَّمَ يُعْرَفُ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الشَّمْسِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: إِنَّ لِلصَّلاَةِ أَوَّلاً وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّل وَقْتِ الْفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ، وَآخِرَهُ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ (2) مَبْدَأُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَنِهَايَتُهُ: 8 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ زَوَال الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ تُجَاهَ الْغَرْبِ، وَلاَ يَصِحُّ أَدَاؤُهَا قَبْل الزَّوَال. (3) وَيُعْرَفُ الزَّوَال بِأَنْ تَغْرِزَ خَشَبَةً مُسْتَوِيَةً فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، وَالشَّمْسُ لاَ زَالَتْ فِي الْمَشْرِقِ، فَمَا دَامَ ظِل الْخَشَبَةِ يُنْتَقَصُ فَالشَّمْسُ قَبْل الزَّوَال، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْخَشَبَةِ ظِلٌّ، أَوْ تَمَّ نَقَصَ الظِّل، بِأَنْ كَانَ الظِّل أَقَل مَا يَكُونُ، فَالشَّمْسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي تُحْظَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ، فَإِذَا انْتَقَل الظِّل مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَبَدَأَ فِي الزِّيَادَةِ، فَقَدْ زَالَتِ __________ (1) نهاية المحتاج 1 / 353 وما بعدها. (2) حديث: " إن للصلاة أولا وآخرا. . . " أخرجه الترمذي مطولا وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: هو حديث حسن (سنن الترمذي 1 / 238، 284 ط الحلبي، وجامع الأصول 5 / 214، 215.) ". (3) بداية المجتهد 1 / 48. الشَّمْسُ مِنْ وَسَطِ السَّمَاءِ وَدَخَل وَقْتُ الظُّهْرِ. وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ الظُّهْرِ الزَّوَال، حَدِيثُ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمُ. وَأَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الظُّهْرِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَمَعَهُمْ الصَّاحِبَانِ، إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ بُلُوغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَهُ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال، لِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ (1) . وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: حِينَ يَبْلُغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال: وَالْمُرَادُ بِفَيْءِ الزَّوَال: الظِّل الْحَاصِل لِلأَْشْيَاءِ حِينَ تَزُول الشَّمْسُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَسُمِّيَ فَيْئًا؛ لأَِنَّ الظِّل رَجَعَ إِلَى الْمَشْرِقِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي الْمَغْرِبِ، وَيَخْتَلِفُ ظِل الزَّوَال طُولاً وَقِصَرًا وَانْعِدَامًا بِاخْتِلاَفِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ. وَكُلَّمَا بَعُدَ الْمَكَانُ مِنْ خَطِّ الاِسْتِوَاءِ كُلَّمَا كَانَ فَيْءُ الزَّوَال أَطْوَل، وَهُوَ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَل مِنْهُ فِي الصَّيْفِ. (2) وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ بُلُوغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال، بِمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُْمَمِ كَانَ بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْل التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا. ثُمَّ أُوتِيَ أَهْل الإِْنْجِيل الإِْنْجِيل فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ، __________ (1) راجع المراجع المذكورة لجميع الفقهاء في أوقات الصلاة. والمغني (1 / 374، 375) ط الرياض. (2) ابن عابدين 1 / 240، وبلغة السالك 1 / 83، ونهاية المحتاج 1 / 353، والمغني 1 / 395. فَعَمِلَنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَال: أَهْل الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً؟ قَال: قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَل: هَل ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ، قَالُوا: لاَ. قَال: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ (1) دَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْعَصْرِ أَقَل مِنْ مُدَّةِ الظُّهْرِ وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا كَانَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ الْمِثْلَيْنِ. وَاسْتَدَل لأَِبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَالإِْبْرَادُ لاَ يَحْصُل إِلاَّ إِذَا كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، لاَ سِيَّمَا فِي الْبِلاَدِ الْحَارَّةِ كَالْحِجَازِ (2) . وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الظُّهْرَ لَهُ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَهُوَ أَوَّلُهُ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ إِلَى آخِرِهِ، وَوَقْتُ عُذْرٍ لِمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدَ الْجَمْعِ. (3) وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الاِخْتِيَارِيَّ لِلظُّهْرِ إِلَى بُلُوغِ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَوَقْتُهُ الضَّرُورِيُّ حِينَ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ، فَيُصَلِّي __________ (1) حديث: " إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر. . . " أخرجه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (فتح الباري 2 / 38 ط السلفية، وعمدة القاري 5 / 50 ط المنيرية) . (2) حديث أبي سعيد: " أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم. . . . " أخرجه البخاري مرفوعا من حديث أبي سعيد رضي الله عنه (فتح الباري 2 / 18 ط السلفية) وانظر البدائع 1 / 122، 123، وبداية المجتهد 1 / 48. (3) حاشية شرح المنهاج 1 / 270. الظُّهْرَ بَعْدَ بُلُوغِ الظِّل مِثْلَهُ، إِلَى مَا قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ بِوَقْتٍ لاَ يَسَعُ إِلاَّ صَلاَةَ الْعَصْرِ. (1) مَبْدَأُ وَقْتِ الْعَصْرِ وَنِهَايَتُهُ: 9 - أَمَّا مَبْدَأُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَهُوَ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْل، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْلَيْنِ (2) وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى تَدَاخُل وَقْتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا صَلَّى الظُّهْرَ عِنْدَ صَيْرُورَةِ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَآخَرُ صَلَّى الْعَصْرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَانَتْ صَلاَتُهُمَا أَدَاءً، وَخَالَفَ فِي هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ (3) . اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مَثَلَكُمْ وَمَثَل مَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُْمَمِ. . .، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا كَانَ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُدَّةَ الْعَصْرِ أَقَل مِنْ مُدَّةِ الظُّهْرِ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّل وَقْتِ الْعَصْرِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْلَيْنِ. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، أَيْ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْل، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ فِي الْحَدِيثِ؛ لأَِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يَدُل عَلَى أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل، وَهُوَ يَتَعَارَضُ مَعَ صَلاَتِهِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، الأَْمْرُ الَّذِي يَدُل عَلَى تَدَاخُل __________ (1) بلغة السالك 1 / 82، 83 ط بيروت. (2) المراجع المذكور في أوقات الصلاة. (3) بلغة السالك 1 / 82. وَقْتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَدَفْعًا لِهَذَا التَّعَارُضِ قَالُوا: إِنَّهُ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، أَيْ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْل. (1) وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِظَاهِرِ حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل، وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، الأَْمْرُ الَّذِي يَدُل عَلَى تَدَاخُل الْوَقْتَيْنِ. 10 - أَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَمَا لَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ (2) وَيُضِيفُ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّ وَقْتَ الاِخْتِيَارِ يَنْتَهِي بِمَبْدَأِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَفِي رِوَايَةٍ: حِينَ يَصِيرُ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ؛ لِحَدِيثِ: إِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ (3) ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَصْرَ لَهُ سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ، فَضِيلَةٌ: أَوَّلُهُ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ: إِلَى الْمِثْلَيْنِ، وَوَقْتُ عُذْرٍ - لِمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ - فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ تَطْهُرَانِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَالْمَرِيضُ يَبْرَأُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَيْضًا، وَوَقْتُ جَوَازٍ بِلاَ كَرَاهَةٍ وَهُوَ بَعْدَ الْمِثْلَيْنِ، وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ __________ (1) بدائع الصنائع 1 / 22. (2) حديث: " من أدرك. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 56 ط السلفية) . (3) حديث: " إذا صليتم العصر. . . " أخرجه مسلم مرفوعا من حديث عبد الله بن عمرو (صحيح مسلم 1 / 426 ط عيسى الحلبي) وبداية المجتهد 1 / 49. حُرْمَةٍ، وَهُوَ مَا قَبْل آخِرِ الْوَقْتِ بِوَقْتٍ لاَ يَسَعُ جَمِيعَهَا. (1) مَبْدَأُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَنِهَايَتُهُ: 11 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَبْدَأَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فِي الْيَوْمَيْنِ جَمِيعِهِمَا. أَمَّا آخِرُ وَقْتِهَا فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقْتُ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ (2) . وَالْقَوْل الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ امْتِدَادَ لَهُ، بَل يُقَدَّرُ بِقَدْرِ ثَلاَثِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ تَحْصِيل شُرُوطِهَا مِنْ مَكَارِهِ حَدَثٍ وَخَبَثٍ وَسِتْرِ عَوْرَةٍ. (3) وَلِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمَيْنِ جَمِيعًا. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ: يَنْقَضِي وَقْتُهَا بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ، وَهِيَ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ الْمَغْرِبُ وَرَكْعَتَانِ سُنَّةٌ بَعْدَهَا. (4) مَبْدَأُ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَنِهَايَتُهُ: 12 - يَبْدَأُ وَقْتُ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا __________ (1) نهاية المحتاج 1 / 353. (2) حديث: " وقت صلاة المغرب. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 1 / 427 ط عيسى الحلبي) . (3) بداية المجتهد 1 / 51 - 52. (4) البدائع 1 / 123، وجواهر الإكليل 1 / 33، ونهاية المحتاج 1 / 353، 354، وحاشية القليوبي على المنهاج 1 / 114 ط عيسى الحلبي، والمغني 1 / 374، 375. فِي مَعْنَى الشَّفَقِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ بَعْدَ ذَهَابِ الْحُمْرَةِ الَّتِي تَعْقُبُ غُرُوبَ الشَّمْسِ، وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْحُمْرَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّفَقَيْنِ يُقَدَّرُ بِثَلاَثِ دَرَجَاتٍ، وَهِيَ تَعْدِل اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَقِيقَةً. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْعِشَاءِ سَبْعَةَ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَهُوَ أَوَّلُهُ، وَاخْتِيَارٌ إِلَى آخِرِ ثُلُثِ اللَّيْل الأَْوَّل، وَقِيل إِلَى نِصْفِ اللَّيْل لِحَدِيثِ: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأََخَّرْتُ صَلاَةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْل (1) وَجَوَازٌ بِلاَ كَرَاهَةٍ لِلْفَجْرِ الأَْوَّل، وَبِكَرَاهَةٍ إِلَى الْفَجْرِ الثَّانِي، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ وَضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ. اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْبَيَاضُ، بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ: إِنَّ آخِرَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ يَسْوَدُّ الأُْفُقُ (2) وَإِنَّمَا يَسْوَدُّ إِذَا خَفِيَتِ الشَّمْسُ فِي الظَّلاَمِ، وَهُوَ وَقْتُ مَغِيبِ الشَّفَقِ الأَْبْيَضِ. (3) وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْحُمْرَةُ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ عِنْدَ __________ (1) حديث: " لولا أن أشق. . . " أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ". وقال: حديث أبي هريرة حديث صحيح (تحفة الأحوذي 1 / 508 نشر المكتبة السلفية) . (2) حديث: " إن آخر وقت المغرب حين يسود الأفق. . . " أورده الزيلعي في نصب الراية بلفظ: " آخر وقت المغرب إذا اسود الأفق " واستغربه، وقال ابن حجر في الدراية: لم أجده لكن في حديث أبي مسعود عند أبي داود: ويصلي المغرب حين تسقط الشمس ويصلي العشاء حين يسود الأفق (نصب الراية 1 / 234، والدراية 1 / 103، وعون المعبود 1 / 152 ط الهند) . (3) بدائع الصنائع 1 / 124. مَغِيبِ الْقَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ (1) وَهُوَ وَقْتُ مَغِيبِ الشَّفَقِ الأَْحْمَرِ. (2) 13 - أَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الْعِشَاءِ، فَحِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَغَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوَّل وَقْتِ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وَآخِرُهُ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ (3) وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا ثُلُثُ اللَّيْل، لِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلاَّهُمَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي ثُلُثِ اللَّيْل. __________ (1) حديث: " أنه كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة الثالثة " أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي من حديث النعمان بن بشير بلفظ " أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة " قال ابن العربي: هو حديث صحيح. (تحفة الأحوذي 1 / 507 نشر المكتبة السلفية، وسنن النسائي 1 / 264 وسنن أبي داود 1 / 291، 292 ط استانبول، ونيل الأوطار 2 / 9، 10 ط المطبعة العثمانية) . (2) بدائع الصنائع 1 / 124. (3) حديث: " أول وقت العشاء حين يغيب الشفق، وآخره حين يطلع الفجر " الشطر الأول من الحديث أخرجه الترمذي بلفظ " إن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق " ضمن حديث طويل، وقال عبد القادر الأرناؤوط: هو حديث حسن. وأما الشطر الثاني من الحديث أورده ابن حجر في الدراية بلفظ: " آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر " وقال: لم أجده، لكن قال الطحاوي: يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر، وذلك أن في حديث ابن عباس وأبي موسى وأبي سعيد الخدري رووا أنه أخرها إلى ثلث الليل، وفي حديث أبي هريرة وأنس: أنه أخرها حتى انتصف، وفي حديث عائشة: أنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل، فثبت أن الليل كله وقت لها، ويؤيده كتاب عمر إلى أبي موسى: وصل العشاء أي الليل شئت. وحديث أبي قتادة: " ليس في النوم تفريط " (سنن الترمذي 1 / 283، 284 ط الحلبي. وجامع الأصول 5 / 241، 215، والدراية 1 / 103 ط الفجالة) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الاِخْتِيَارِيِّ ثُلُثُ اللَّيْل، وَبَعْدَهُ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ، بِأَنْ يَكُونَ مَرِيضًا شُفِيَ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ طَهُرَتَا. (1) انْقِسَامُ الْوَقْتِ إِلَى مُوَسَّعٍ وَمُضَيَّقٍ وَبَيَانُ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الأَْدَاءِ 14 - الْوَقْتُ الْمُوَسَّعُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِكُلٍّ مِنَ الْفَرَائِضِ هُوَ: مِنْ أَوَّل الْوَقْتِ إِلَى أَلاَّ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ أَكْثَرُ مِمَّا يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ لِلصَّلاَةِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ إِلاَّ مَا يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ لِلصَّلاَةِ فَهُوَ وَقْتٌ مُضَيَّقٌ، يَحْرُمُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ. وَعِنْدَ زُفَرَ: يَتَضَيَّقُ الْوَقْتُ إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَا يَتَّسِعُ لِرَكَعَاتِ الصَّلاَةِ. أَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَهُوَ مِنْ أَوَّل الْوَقْتِ إِلَى مَا قَبْل خُرُوجِهِ بِزَمَنٍ يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ أَوْ ثَلاَثَ رَكَعَاتِ الْمَغْرِبِ مَثَلاً. وَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ فَهُوَ الْوَقْتُ الْبَاقِي الَّذِي يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ أَوْ ثَلاَثَ رَكَعَاتِ الْمَغْرِبِ. هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (2) ، وَمِنْهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَقَبْل آخِرِ الْوَقْتِ يَكُونُ الْمُكَلَّفُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَدَاءِ الصَّلاَةِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ وَبَيْنَ عَدَمِ أَدَائِهَا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ __________ (1) بداية المجتهد 1 / 9، وجواهر الإكليل 1 / 33، وقليوبي 1 / 114، والمغني 1 / 381، والمراجع السابقة. (2) بدائع الصنائع 1 / 94 - 95. يَتَعَلَّقُ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ. (1) وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلاَفِ فِي مُقِيمٍ سَافَرَ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حِينَ يَقْضِي الظُّهْرَ يَقْضِيهِ رَكْعَتَيْنِ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَهُوَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَانَ مُسَافِرًا، فَيَقْضِي صَلاَةَ الْمُسَافِرِينَ. وَعِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ يَقْضِي الظُّهْرَ أَرْبَعًا؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِالْجُزْءِ الأَْوَّل مِنَ الْوَقْتِ وَمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ فِي الْجُزْءِ الأَْوَّل مِنَ الْوَقْتِ كَانَ مُقِيمًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلاَةِ الْمُقِيمِينَ. وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ نَفِسَتْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ جُنَّ الْعَاقِل أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ قَضَاءُ هَذَا الْفَرْضِ إِذَا زَال الْمَانِعُ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَهَؤُلاَءِ جَمِيعًا لَيْسُوا أَهْلاً لِلْخِطَابِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَحَيْثُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الأَْدَاءُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ. الأَْوْقَاتُ الْمُسْتَحَبَّةُ لِلصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ: وَقْتُ الصُّبْحِ الْمُسْتَحَبِّ (2) : 15 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الإِْسْفَارُ بِالْفَجْرِ أَيْ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَنْ يَنْتَشِرَ الضَّوْءُ وَيَتَمَكَّنَ كُل مَنْ يُرِيدُ الصَّلاَةَ بِجَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَنْ يَسِيرَ فِي الطَّرِيقِ بِدُونِ أَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ، كَأَنْ تَزِل قَدَمُهُ، أَوْ يَقَعَ فِي حُفْرَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْضْرَارِ الَّتِي تَنْشَأُ __________ (1) القليوبي 1 / 115، 117، والمغني 1 / 397. (2) المستحب: هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم أو رغب فيه ولم يوجبه، ولم يواظب عليه. مِنَ السَّيْرِ فِي الظَّلاَمِ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَْجْرِ (1) . وَلأَِنَّ فِي الإِْسْفَارِ تَكْثِيرًا لِلْجَمَاعَةِ، وَفِي التَّغْلِيسِ أَيِ السَّيْرِ فِي الظُّلْمَةِ تَقْلِيلُهَا، فَكَانَ أَفْضَل، هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَال، أَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُنَّ يُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ أَوَّل الْوَقْتِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الشَّابَّاتُ وَالْعَجَائِزُ، لاَ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَكَذَلِكَ الْحَاجُّ فِي مُزْدَلِفَةَ فَجْرَ يَوْمِ النَّحْرِ، يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ فِي أَوَّل الْوَقْتِ؛ لِيَتَفَرَّغَ لِوَاجِبِ الْوُقُوفِ الَّذِي يَبْدَأُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي يَوْمَ النَّحْرِ وَآخِرُهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْوُقُوفَ وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ. (2) وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (3) إِلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ - أَيِ السَّيْرَ فِي الظَّلاَمِ - أَفْضَل؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلاَةَ لاَ يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ (4) __________ (1) حديث: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر. . . " أخرجه أبو داود والترمذي واللفظ له وقال: هذا حديث حسن صحيح قال الحافظ ابن حجر في الفتح: رواه أصحاب السنن وصححه غير واحد (سنن أبي داود 1 / 294 ط استانبول، وتحفة الأحوذي 1 / 477 - 479 نشر المكتبة السلفية، وفتح الباري 2 / 55 ط السلفية) . (2) حاشية الطحطاوي على المراقي ص 98، وابن عابدين 2 / 178 ط الأولى، وبدائع الصنائع 1 / 125. (3) بلغة السالك 1 / 73، والإقناع 1 / 378 - 379، والمغني 1 / 405. (4) حديث عائشة رضي الله عنهما: " كن نساء المؤمنات " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 54 ط السلفية) . 16 - أَمَّا وَقْتُ الظُّهْرِ الْمُسْتَحَبُّ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى الإِْبْرَادِ بِظُهْرِ الصَّيْفِ، وَالتَّعْجِيل بِظُهْرِ الشِّتَاءِ، إِلاَّ فِي يَوْمِ غَيْمٍ فَيُؤَخِّرُ. (1) وَمَعْنَى الإِْبْرَادِ بِالظُّهْرِ تَأْخِيرُهُ إِلَى أَنْ تَخِفَّ حِدَّةُ الْحَرِّ، وَيَتَمَكَّنُ الذَّاهِبُونَ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنَ السَّيْرِ فِي ظِلاَل الْجُدَرَانِ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّأْخِيرُ أَفْضَل لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ (2) وَلأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ، وَفِي التَّعْجِيل تَقْلِيلَهَا فَكَانَ أَفْضَل. أَمَّا ظُهْرُ الشِّتَاءِ فَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ فِي أَوَّل وَقْتِهَا رِضْوَانُ اللَّهِ، وَلاَ مَانِعَ مِنَ التَّعْجِيل؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنَ التَّعْجِيل فِي ظُهْرِ الصَّيْفِ لُحُوقُ الضَّرَرِ بِالْمُصَلِّينَ، الأَْمْرُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى تَقْلِيل الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا الْمَانِعُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي ظُهْرِ الشِّتَاءِ، فَكَانَ التَّعْجِيل أَفْضَل. أَمَّا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ فَيُؤَخِّرُ، مَخَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ قَبْل دُخُول وَقْتِهِ. (3) وَذَهَبَتِ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّعْجِيل أَفْضَل صَيْفًا وَشِتَاءً إِلاَّ لِمَنْ يَنْتَظِرُ جَمَاعَةً، فَيُنْدَبُ التَّأْخِيرُ بِرُبُعِ الْقَامَةِ، أَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَيُنْدَبُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَبْلُغَ الظِّل نِصْفَ قَامَةٍ. (4) وَالْمُرَادُ بِرُبُعِ الْقَامَةِ أَوْ نِصْفِهَا - اللَّذَيْنِ يُنْدَبُ __________ (1) المراجع المذكورة للحنفية والحنابلة في أوقات الصلاة. (2) حديث: " أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم. . . " سبق تخريجه (ف / 8) . (3) واللجنة ترى أن هذا إذا لم يكن هناك ضوابط للوقت كالساعات وغيرها. (4) بلغة السالك 1 / 73. التَّأْخِيرُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - رُبُعُ الْمِثْل أَوْ نِصْفُهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ يُصَلِّي وَحْدَهُ يُعَجِّل، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي بِجَمَاعَةٍ يُؤَخِّرُ حَتَّى يَكُونَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ حَارٍّ كَالْحِجَازِ (1) . 17 - أَمَّا وَقْتُ الْعَصْرِ الْمُسْتَحَبُّ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (2) يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا مَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً (3) وَلِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّنَفُّل قَبْلَهَا؛ لأَِنَّ التَّنَفُّل بَعْدَهَا مَكْرُوهٌ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِهَا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْوَقْتُ الأَْوَّل مِنَ الصَّلاَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الآْخِرُ عَفْوُ اللَّهِ (4) 18 - أَمَّا وَقْتُ الْمَغْرِبِ الْمُسْتَحَبُّ: فَلاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِهَا؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ - أَوْ قَال عَلَى الْفِطْرَةِ - مَا لَمْ __________ (1) الإقناع 1 / 398 - 399. (2) ابن عابدين 1 / 246، 247. (3) حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. . . ". أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري. (عون المعبود 1 / 158 ط الهند، ومختصر سنن أبي داود للمنذري 1 / 240 نشر دار المعرفة) . (4) حديث: " الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله " أخرجه الترمذي والبيهقي من طريق يعقوب بن الوليد المدني، وقال البيهقي: هذا الحديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني، ويعقوب منكر الحديث، وضعفه يحيى بن معين، وكذبه أحمد بن حنبل، وسائر الحفاظ نسبوه إلى الوضع، وقد روي بأسانيد أخر كلها ضعيفة. (سنن الترمذي 1 / 321 ط الحلبي، والسنن الكبرى للبيهقي 1 / 435 ط الهند، ونصب الراية 1 / 242، 243) . يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ (1) وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ مَخَافَةَ أَنْ تُصَلَّى قَبْل دُخُول وَقْتِهَا. (2) 19 - أَمَّا وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُسْتَحَبُّ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إِلَى مَا قَبْل ثُلُثِ اللَّيْل؛ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأََخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل أَوْ نِصْفِهِ (3) ، وَالتَّأْخِيرُ إِلَى النِّصْفِ مُبَاحٌ، وَبَعْدَ النِّصْفِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً. وَالْمَكْرُوهُ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ عِقَابًا أَقَل مِنْ عِقَابِ تَارِكِ الْفَرْضِ، أَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ بِتَرْكِ وَاجِبٍ عَمْدًا. وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ مَظِنَّةَ الْمَطَرِ أَوِ الْبَرْدِ؛ لأَِنَّهُمَا يُؤَدِّيَانِ إِلَى تَقْلِيل الْجَمَاعَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى الْمُصَلِّينَ؛ لِحَدِيثِ: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي. . . الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا. أَمَّا أَوْقَاتُ الاِسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ. أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الْوَاجِبَةُ وَالْمَسْنُونَةُ 20 - الصَّلَوَاتُ الْوَاجِبَةُ - غَيْرُ الْفَرْضِ - الَّتِي لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، هِيَ: الْوِتْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعِيدَانِ. أ - أَمَّا الْوِتْرُ: فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ مَبْدَأَ وَقْتِ __________ (1) حديث: " لا تزال أمتي بخير. . . " أخرجه أبو داود وسكت عنه، وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: إسناده حسن. (عون المعبود 1 / 161 ط الهند، وجامع الأصول 5 / 233) وانظر المراجع المذكورة سابقا. (2) المراجع المذكورة، والبدائع 1 / 123، والمغني 1 / 319. (3) حديث: " لولا أن أشق. . . " سبق تخريجه (ف / 12) . الْوِتْرِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَبْدَأُ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَغِيبُ الشَّفَقِ الأَْبْيَضِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُصَلَّى الْوِتْرُ قَبْل الْعِشَاءِ لِلتَّرْتِيبِ اللاَّزِمِ بَيْنَهُمَا. وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّ مَبْدَأَ وَقْتِهِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (1) اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِدَلِيلٍ مَعْقُولٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَل الْعِشَاءَ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَزِمَهُ قَضَاءُ الْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُهُ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْوِتْرِ لأََنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَقْتُهُ؛ لأَِنَّ وَقْتَهُ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ لَمْ يُصَلِّهَا، وَيَسْتَحِيل أَنْ تَنْشَغِل ذِمَّتُهُ بِصَلاَةِ الْوِتْرِ بِدُونِ فِعْل الْعِشَاءِ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَقْتَهُ هُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلاَةً، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى صَلاَةِ الصُّبْحِ: الْوِتْرُ، الْوِتْرُ (2) وَكَلِمَةُ (بَيْنَ) فِي الْحَدِيثِ تَدُل عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ. وَالْخِلاَفُ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ حَقِيقِيٌّ، يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي حَال مَا إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ نَاسِيًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الْوِتْرَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعِيدُ الْعِشَاءَ دُونَ الْوِتْرِ؛ لأَِنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، أَمَّا الْوِتْرُ __________ (1) انظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 288، وابن عابدين 1 / 241، 247، وجواهر الإكليل 1 / 75، وقليوبي 1 / 212، والمغني 2 / 161. (2) حديث: " إن الله زادكم صلاة فصلوها فيما بين العشاء إلى صلاة الصبح الوتر الوتر. . . " روي بعدة طرق منها ما أخرجه أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي بصرة الغفاري، قال الهيثمي: له إسنادان عند أحمد، أحدهما رجاله رجال الصحيح عدا علي بن إسحاق السلمي شيخ أحمد وهو ثقة. (مجمع الزوائد 2 / 239 نشر مكتبة القدسي، ونصب الراية 2 / 108 وما بعدها) . فَلاَ يُعِيدُهُ؛ لأَِنَّهُ صَلاَّهُ فِي وَقْتِهِ بِوُضُوءٍ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُعِيدُ الْوِتْرَ وَالْعِشَاءَ. أَمَّا الْوِتْرُ فَلأَِنَّهُ صَلاَّهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَلأَِنَّهُ صَلاَّهَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ. (1) أَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الْوِتْرِ فَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي ذَلِكَ؛ لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلاَةً. . . الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (2) ب - أَمَّا الْعِيدَانِ فَوَقْتُهُمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، وَيَخْتَلِفُ وَقْتُهُمَا بِاخْتِلاَفِ الأَْمْكِنَةِ. وَأَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِهِمَا فَزَوَال الشَّمْسِ مِنْ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهَذَا مِمَّا لاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا. 21 - أَمَّا السُّنَنُ الَّتِي لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ وَتُسَمَّى السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي تُطْلَبُ كُل يَوْمٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْل الْفَجْرِ، وَأَرْبَعٌ قَبْل الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْل الْجُمُعَةِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا، فَتَكُونُ الرَّكَعَاتُ الْمَطْلُوبَةُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بِخِلاَفِ سَائِرِ الأَْيَّامِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا فِي كُل يَوْمٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَالأَْصْل فِي هَذِهِ السُّنَنِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ: رَكْعَتَيْنِ قَبْل الْفَجْرِ، وَأَرْبَعٍ قَبْل الظُّهْرِ، __________ (1) بدائع الصنائع 1 / 272. (2) المراجع السابقة. وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ (1) وَأَمَّا الأَْرْبَعُ الَّتِي بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَدَلِيلُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَل أَرْبَعًا (2) . وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَا الْفَجْرِ. قَال: وَتَأَكُّدُ النَّفْل قَبْل الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا، وَقَبْل الْعَصْرِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَلاَ حَدَّ فِي الْجَمِيعِ، وَيَكْفِي فِي تَحْصِيل النَّدْبِ رَكْعَتَانِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَسْنُونَ مِنَ الصَّلَوَاتِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَانِ قَبْل الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْل الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (3) . لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: حَفِظْتُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْل الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْل الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْل صَلاَةِ الصُّبْحِ (4) . __________ (1) حديث: " من ثابر على ثنتي عشرة ركعة. . . " أخرجه الترمذي (2 / 273 ط الحلبي، والنسائي 3 / 260، 261 ط المطبعة المصرية، وابن ماجه 1 / 361 ط الحلبي من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا وإسناده حسن. كما قال المباركفوري وشعيب الأرناؤوط (تحفة الأحوذي 2 / 467 نشر السلفية، وشرح السنة بتحقيق شعيب الأرناؤوط 3 / 444) وفي الباب عن أم حبيبة وأبي هريرة وأبي موسى وابن عمر. قال الترمذي: وحديث أم حبيبة من طريق عنبسة حديث حسن صحيح. (2) حديث: " من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا. . . " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (صحيح مسلم 2 / 600 ط الحلبي) . وانظر البدائع 1 / 284. (3) الإقناع 1 / 390 - 391، والمغني 1 / 762، وبلغة السالك 1 / 771. (4) حديث ابن عمر " حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 58 ط السلفية) . 22 - أَمَّا الْمَنْدُوبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَأَرْبَعٌ قَبْل الْعَصْرِ وَقَبْل الْعِشَاءِ وَبَعْدَهُ، وَسِتٌّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ. (1) وَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُؤَكَّدِ أَنْ يَزِيدَ رَكْعَتَيْنِ قَبْل الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا، وَيُنْدَبُ أَرْبَعٌ قَبْل الْعَصْرِ، وَاثْنَتَانِ قَبْل الْعِشَاءِ. وَلِتَفْصِيلِهِ وَرَأْيِ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ ارْجِعْ إِلَى الْمَنْدُوبِ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي (بَابِ النَّوَافِل) . أَوْقَاتُ الْكَرَاهَةِ أَوَّلاً - أَوْقَاتُ الْكَرَاهَةِ لأَِمْرٍ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ عَدَدُ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ: 23 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ عَدَدَهَا ثَلاَثَةٌ: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ تَرْتَفِعَ بِمِقْدَارِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، وَعِنْدَ اسْتِوَائِهَا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ حَتَّى تَزُول، وَعِنْدَ اصْفِرَارِهَا بِحَيْثُ لاَ تُتْعِبُ الْعَيْنَ فِي رُؤْيَتِهَا إِلَى أَنْ تَغْرُبَ. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ الصَّلاَةَ بِمَكَّةَ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ كَمَا يَأْتِي. (2) وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الأَْوْقَاتُ أَوْقَاتَ كَرَاهَةٍ؛ لأَِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَتَسْتَوِي وَتَصْفَرُّ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ فَتَكُونُ الصَّلاَةُ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ تَشَبُّهًا بِمَنْ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ؛ لأَِنَّهُمْ يَعْبُدُونَهَا فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ. يَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ __________ (1) البدائع 1 / 290. (2) ابن عابدين 1 / 246، والمغني 1 / 753، والبجيرمي على الإقناع 2 / 109 وما بعدها. قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا، وَنَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ (1) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَدَدَ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ اثْنَانِ: عِنْدَ الطُّلُوعِ وَعِنْدَ الاِصْفِرَارِ، أَمَّا وَقْتُ الاِسْتِوَاءِ فَلاَ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِيهِ عِنْدَهُمْ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي وَقْتِ الاِسْتِوَاءِ، وَعَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لأَِنَّ الْمَدِينَةَ مَوْطِنُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْوَحْيُ كَانَ يَنْزِل بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، وَالَّذِي يَدُل عَلَى النَّهْيِ فِي وَقْتِ الاِسْتِوَاءِ، لَعَمِلُوا بِهِ. (2) وَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْوْقَاتَ الثَّلاَثَةَ مَكْرُوهَةٌ إِلاَّ فِي مَكَّةَ، وَإِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الاِسْتِوَاءِ. أَمَّا فِي مَكَّةَ فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ (3) . وَأَمَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الاِسْتِوَاءِ فَلأَِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ فِي وَقْتِ الاِسْتِوَاءِ حَتَّى __________ (1) حديث: " إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان. . . " أخرجه مالك في الموطأ واللفظ له والنسائي وابن ماجه، وقال الحافظ البوصيري: إسناده مرسل ورجاله ثقات (الموطأ 1 / 219 ط الحلبي، وسنن النسائي 1 / 275، وسنن ابن ماجه 1 / 397 ط الحلبي) . (2) بداية المجتهد 1 / 53. (3) البجيرمي على الإقناع 2 / 109 وما بعدها. وحديث: " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف. . . " أخرجه الترمذي والبغوي من حديث جبير بن مطعم وصححاه (سنن الترمذي 3 / 220 ط الحلبي، وشرح السنة 3 / 331 نشر المكتب الإسلامي) . يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ لِيَخْطُبَ فِيهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. 24 - وَلاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَرَاهَةِ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ. أَمَّا السُّنَنُ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى كَرَاهَتِهَا (1) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيل الشَّمْسُ، وَحِينَ تُضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ - أَيْ حِينَ تَمِيل - حَتَّى تَغْرُبَ (2) . وَالْمُرَادُ بِقَبْرِ الْمَوْتَى فِي الْحَدِيثِ صَلاَةُ الْجِنَازَةِ، لاَ الدَّفْنُ، فَإِنَّ الدَّفْنَ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا إِبَاحَةُ السُّنَنِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ، إِلاَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُ، وَالثَّانِيَةُ: كَرَاهَةُ السُّنَنِ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ. وَحُجَّتُهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْولَى: أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ دَلِيلاَنِ مُتَعَارِضَانِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (أَحَدُهُمَا) حَدِيثُ عُقْبَةَ الْمَارُّ ذِكْرُهُ، وَالَّذِي يَدُل عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ أَيَّ صَلاَةٍ كَانَتْ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ. (ثَانِيهِمَا) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاَةِ أَوْ غَفَل فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا (3) ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُل عَلَى جَوَازِ الصَّلاَةِ فِي كُل وَقْتٍ عِنْدَ التَّذَكُّرِ. وَأَشَارَ ابْنُ رُشْدٍ إِلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ __________ (1) بدائع الصنائع 1 / 315 وما بعدها. (2) حديث عقبة بن عامر: " ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 1 / 568، 569 ط الحلبي) . (3) أخرجه مسلم (1 / 477 - ط الحلبي) . الْحَدِيثَيْنِ، بِأَنْ نَسْتَثْنِيَ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ السُّنَنَ، وَيَكُونُ النَّهْيُ مُنَصَّبًا عَلَى الْفَرَائِضِ، أَمَّا السُّنَنُ فَلَيْسَتْ مَنْهِيًّا عَنْهَا. وَحُجَّةُ مَالِكٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ كَرَاهَةُ السُّنَنِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ: حَدِيثُ عُقْبَةَ الَّذِي يَدُل عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ مُطْلَقًا فِيهَا. (1) وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ صَلاَةَ الْكُسُوفِ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إِذَا دَخَل الْمَسْجِدَ لاَ لِغَرَضِ أَنْ يُصَلِّيَهَا، بِأَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ، ثُمَّ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ (2) . وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ. 25 - وَأَمَّا حُكْمُ صَلاَةِ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ؛ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ الْمَارِّ ذِكْرُهُ، وَالَّذِي يَدُل عَلَى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهَا مُطْلَقًا. وَلاَ تَجُوزُ صَلاَةُ الْجِنَازَةِ إِذَا حَضَرَتْ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ أُخِّرَتِ الصَّلاَةُ عَلَيْهَا بِدُونِ عُذْرٍ إِلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ. وَلاَ تَجُوزُ سَجْدَةُ تِلاَوَةٍ تُلِيَتْ آيَتُهَا أَوْ سُمِعَتْ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ سَجَدَ لَهَا التَّالِي أَوِ السَّامِعُ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ. أَمَّا إِذَا حَضَرَتِ الْجِنَازَةُ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَمِثْل ذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ إِذَا تُلِيَتْ آيَتُهَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ سَجَدَ لَهَا التَّالِي أَوِ السَّامِعُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، إِذَا حَضَرَتِ الْجِنَازَةُ فِي الْوَقْتِ غَيْرِ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ أُخِّرَتِ الصَّلاَةُ عَلَيْهَا إِلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ: حَدِيثُ __________ (1) بداية المجتهد 1 / 53. (2) البجيرمي على الإقناع 2 / 109 وما بعدها. عُقْبَةَ الْمَارُّ ذِكْرُهُ. وَدَلِيلُهُمْ عَلَى صِحَّةِ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلاَوَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ: أَنَّ مَا وَجَبَ فِي وَقْتٍ نَاقِصٍ يُؤَدَّى فِي النَّاقِصِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَمَا وَجَبَ فِي كَامِلٍ لاَ يُؤَدَّى فِي النَّاقِصِ، وَمَنْ أَجْل ذَلِكَ صَحَّ عَصْرُ الْيَوْمِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، إِذَا أُدِّيَ فِي وَقْتِ الاِصْفِرَارِ؛ لأَِنَّهُ وَجَبَ فِي نَاقِصٍ فَيُؤَدَّى كَمَا وَجَبَ، وَلَمْ يَصِحَّ عَصْرُ أَمْسِ إِذَا أَدَّاهُ فِي وَقْتِ الاِصْفِرَارِ الْيَوْمَ؛ لأَِنَّهُ وَجَبَ فِي كَامِلٍ فَلاَ يُؤَدَّى فِي النَّاقِصِ. (1) وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ الثَّلاَثَةِ؛ لِحَدِيثِ: إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاَةِ أَوْ غَفَل عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، دَل الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي كُل وَقْتٍ عِنْدَ التَّذَكُّرِ. (2) ثَانِيًا: أَوْقَاتُ الْكَرَاهَةِ لأَِمْرٍ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ 26 - وَهِيَ عَشْرَةُ أَوْقَاتٍ، كَمَا ذَكَرَهَا الشُّرُنْبُلاَلِيُّ: وَأَوْصَلَهَا ابْنُ عَابِدِينَ إِلَى نَيِّفٍ وَثَلاَثِينَ مَوْضِعًا، أَهَمُّهَا: (3) الْوَقْتُ الأَْوَّل: قَبْل صَلاَةِ الصُّبْحِ. 27 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى كَرَاهِيَةِ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الصُّبْحِ إِلاَّ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ إِذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَهُ بِاللَّيْل، فَلَمْ يُصَلِّهِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الصُّبْحِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَلِّغَ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ، __________ (1) ابن عابدين 1 / 250. (2) بداية المجتهد 12 / 53 وما بعدها، والبجيرمي على الإقناع 2 / 209 وما بعدها، والمغني 1 / 753 وما بعدها. (3) ابن عابدين 1 / 254. وَلاَ تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إِلاَّ سَجْدَتَيْنِ. (1) أَيْ لاَ صَلاَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. (2) الْوَقْتُ الثَّانِي: بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ: 28 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل الْمُطْلَقِ (وَهُوَ مَا لاَ سَبَبَ لَهُ) بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، (3) لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ أَدَاءِ كُل صَلاَةٍ لَهَا سَبَبٌ، كَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ وَالطَّوَافِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ فَائِتَةً فَرْضًا أَمْ نَفْلاً، لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَال: هُمَا اللَّتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ. (4) __________ (1) حديث: ليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين " أخرجه أبو داود واللفظ له والترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال: حديث ابن عمر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى وروى عنه غير واحد. وذكر الزيلعي طرقا أخرى للحديث من غير طريق قدامة بن موسى، وقال: وكل ذلك يعكر على الترمذي في قوله: لا نعرفه إلا من حديث قدامة. ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له - من حديث حفصة " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركع وسنن الترمذي 2 / 279، 280 ط الحلبي، وفتح الباري 3 / 58 ط السلفية، وصحيح مسلم 1 / 500 ط الحلبي، ونصب الراية 1 / 255، 256) . (2) اللباب شرح مختصر القدوري ط المطبعة الأزهرية 1 / 50، وابن عابدين 1 / 254، والإقناع 2 / 110، والمغني 1 / 447، وبلغة السالك 1 / 77. (3) المراجع السابقة. (4) البجيرمي على الخطيب 2 / 101 والحديث أخرجه البخاري 3 / 105 وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الإِْتْيَانِ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذَا نَسِيَهَا وَلَمْ يَتَذَكَّرْهَا إِلاَّ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ فَهْدٍ قَال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الصُّبْحَ، فَوَجَدَنِي أُصَلِّي، فَقَال: مَهْلاً يَا قَيْسُ أَصَلاَتَانِ مَعًا؟ قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَكُنْ رَكَعْتُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. قَال: فَلاَ إِذَنْ (1) ظَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرَّجُل يُصَلِّي الصُّبْحَ بَعْدَ أَنْ صَلاَّهُ مَعَهُ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ يُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ. وَلأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدِ الْعَصْرِ، وَسُنَّةُ الْفَجْرِ فِي مَعْنَاهَا. (2) الْوَقْتُ الثَّالِثُ: بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ: 29 - ذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل الْمُطْلَقِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ، لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ: لاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ. (3) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ قَضَاءِ سُنَّةِ الظُّهْرِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَافِلَةَ الظُّهْرِ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ. (4) الْوَقْتُ الرَّابِعُ: قَبْل صَلاَةِ الْمَغْرِبِ: 30 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الْمَغْرِبِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَ كُل أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ __________ (1) حديث قيس بن فهد " خرج رسول الله. . . " أخرجه الترمذي (2 / 285 ط الحلبي) والحاكم (1 / 274 - 275 ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي. (2) المغني 1 / 757. (3) ابن عابدين 1 / 254 وما بعدها، والشرح الصغير 1 / 404، والقليوبي وعميرة 1 / 211. (4) المغني 1 / 758. إِلاَّ الْمَغْرِبَ. (1) وَالْمُرَادُ بِالأَْذَانَيْنِ: الأَْذَانُ وَالإِْقَامَةُ، فَبَيْنَ أَذَانِ الصُّبْحِ وَإِقَامَتِهِ سُنَّةُ الْفَجْرِ، وَبَيْنَ أَذَانِ الظُّهْرِ وَإِقَامَتِهِ سُنَّةُ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةُ، وَبَيْنَ أَذَانِ الْعَصْرِ وَإِقَامَتِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ مَنْدُوبَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَيْنَ أَذَانِ الْعِشَاءِ وَإِقَامَتِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ مَنْدُوبَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ الْمَغْرِبَ لِقِصَرِ وَقْتِهِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: صَلاَةُ رَكْعَتَيْنِ قَبْل الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ؛ لِلأَْمْرِ بِهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد صَلُّوا قَبْل صَلاَةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، (2) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: هُمَا جَائِزَتَانِ، وَلَيْسَتَا بِسُنَّةٍ. (3) كَمَا اسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلاَةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، (4) فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إِنَّ الرَّجُل الْغَرِيبَ لَيَدْخُل الْمَسْجِدَ، فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلاَةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا. (5) __________ (1) حديث " بين كل أذانين صلاة إلا المغرب. . . ". أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننيهما من طريق حيان بن عبيد الله العدوي من حديث بريدة بلفظ: " إن عند كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب " رواه البزار في مسنده وقال: لا نعلم من رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن عبيد ال ونصب الراية 2 / 140، وعمدة القاري 5 / 138 ط المنيرية) . (2) الحديث أخرجه البخاري (3 / 59) . (3) المراجع السابقة، والمغني 2 / 129. (4) أي أسرع كل واحد منهم إلى عمود من أعمدة المسجد لصلاة الركعتين. (5) المغني 1 / 466. وحديث: " كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب. . . " أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (صحيح مسلم 1 / 573 ط الحلبي) . الْوَقْتُ الْخَامِسُ: عِنْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلاَتِهِ: 31 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل عِنْدِ خُرُوجِ الْخَطِيبِ إِلَى الْمِنْبَرِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ - وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ. (1) دَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِالإِْنْصَاتِ، كَانَ أَمْرُهُ لَغْوًا مِنَ الْكَلاَمِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ الأَْمْرُ بِالإِْنْصَاتِ - وَهُوَ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ - لَغْوًا مِنَ الْكَلاَمِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، كَانَ التَّنَفُّل لَغْوًا مِنَ الأَْعْمَال مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ التَّنَفُّل يُفَوِّتُ الاِسْتِمَاعَ إِلَى الْخَطِيبِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ، فَلاَ يُتْرَكُ الْوَاجِبُ مِنْ أَجْل النَّفْل. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لِمَنْ دَخَل وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ، فَأَجَازُوا التَّنَفُّل بِرَكْعَتَيْنِ. (2) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَال: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَجَلَسَ، فَقَال لَهُ: يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا. (3) الْوَقْتُ السَّادِسُ: عِنْدَ الإِْقَامَةِ: 32 - ذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل عِنْدَ الإِْقَامَةِ لِلصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ، إِلاَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، أَمَّا إِذَا خَافَ فَوْتَهَا تَرَكَهَا، وَإِنَّمَا كُرِهَ التَّنَفُّل لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ __________ (1) حديث: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " أخرجه البخاري مرفوعا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (فتح الباري 2 / 414 ط السلفية) . (2) ابن عابدين 1 / 255 وما بعدها، والشرح الصغير 1 / 513، والبجيرمي 1 / 189، والمغني 2 / 319 ط الرياض. (3) حديث جابر: " قال جاء سليك الغطفاني. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 2 / 597 ط الحلبي) . الْمَكْتُوبَةَ. (1) وَاسْتَثْنَى مِنَ الْحَدِيثِ سُنَّةَ الْفَجْرِ لِكَوْنِهَا آكَدَ السُّنَنِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الإِْمَامَ يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَلْيَدْخُل مَعَهُ فِي صَلاَتِهِ، وَيَتْرُكْ سُنَّةَ الْفَجْرِ. وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ: فَإِنْ خَافَ أَنْ يَفُوتَهُ الإِْمَامُ بِرَكْعَةٍ تَرَكَ سُنَّةَ الْفَجْرِ وَقَضَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ أَنْ يَفُوتَهُ الإِْمَامُ بِرَكْعَةٍ أَتَى بِالسُّنَّةِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. (2) وَالْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَكَوْنِهِ دَاخِلَهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ دَاخِل الْمَسْجِدِ وَصَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ، وَالإِْمَامُ يُصَلِّي الصُّبْحَ، كَانَتَا صَلاَتَيْنِ مَعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَيَكُونُ مُخْتَلِفًا مَعَ الإِْمَامِ، فَهُوَ يُصَلِّي نَفْلاً، وَالإِْمَامُ يُصَلِّي فَرْضًا، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَال: سَمِعَ قَوْمٌ الإِْقَامَةَ، فَقَامُوا يُصَلُّونَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: أَصَلاَتَانِ مَعًا؟ أَصَلاَتَانِ مَعًا؟ وَذَلِكَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْل الصُّبْحِ. (3) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ يَشْرَعُ فِي صَلاَةٍ نَافِلَةٍ وَلَوْ رَاتِبَةً، وَلَوْ __________ (1) حديث: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا. (صحيح مسلم 1 / 493 ط الحلبي) . (2) الشرح الصغير 1 / 409. (3) حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: " سمع قوم الإقامة فقاموا يصلون. . . " أخرجه مالك في الموطأ وقال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث. وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: في إسناده أيضا شريك بن عبد الله ابن أبي نمر، وهو جامع الأصول 6 / 22) . شَرَعَ فِيهَا لاَ تَنْعَقِدُ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ سُنَّةُ الْفَجْرِ وَغَيْرُهَا مِنَ السُّنَنِ؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. (1) الْوَقْتُ السَّابِعُ: قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا: 33 - ذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ فِي الْمَنْزِل وَالْمَسْجِدِ، وَبَعْدَ الصَّلاَةِ يُكْرَهُ التَّنَفُّل فِي الْمَسْجِدِ، وَلاَ يُكْرَهُ فِي الْمَنْزِل؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يُصَلِّي قَبْل الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى الْمَنْزِل صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. (2) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ. (3) وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ التَّنَفُّل قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ لِغَيْرِ الإِْمَامِ. (4) الْوَقْتُ الثَّامِنُ: بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ: 34 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّل بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي عَرَفَةَ، وَالْمَجْمُوعَتَيْنِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ فِي مُزْدَلِفَةَ، فَإِذَا جَمَعَ الإِْمَامُ بَيْنَ الظُّهْرِ __________ (1) الشرح الصغير 1 / 409 ط. دار المعارف. والبجيرمي على الخطيب 2 / 4 ط دار المعرفة، وكشاف القناع 1 / 459، والمغني 2 / 387. (2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي قبل العيد. . . " أخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري. قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. وقال الحافظ البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات. (سنن ابن ماجه 1 / 41 ط الحلبي، وفتح الباري 2 / 476 ط السلفية) . (3) الشرح الصغير 1 / 189، والمغني 2 / 387. (4) القليوبي 1 / 308. وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَيَتْرُكُ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةَ، وَمِثْل ذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. فَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَيَتْرُكُ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ الْبَعْدِيَّةَ؛ لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَيْنَهُمَا. قَال الْقُرْطُبِيُّ: فَأَمَّا الْفَصْل بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بِعَمَلٍ غَيْرِ الصَّلاَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَل فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُل إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا. (1) وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ أَعْلَمُ خِلاَفًا فِي أَنَّ السُّنَّةَ أَلاَّ يَتَطَوَّعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ. (2) الْوَقْتُ التَّاسِعُ: عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ: 35 - لاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّنَفُّل عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ، فَإِذَا ضَاقَ وَقْتُ الظُّهْرِ مَثَلاً، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلاَّ مَا يَسَعُ صَلاَتَهُ، حَرُمَ التَّنَفُّل لِمَا فِي التَّنَفُّل مِنْ تَرْكِ أَدَاءِ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالاِشْتِغَال بِالنَّفْل، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَمْ تَنْعَقِدْ نَافِلَةً - وَلَوْ رَاتِبَةً - مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ. (3) __________ (1) حديث أسامة بن زيد " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 240 ط السلفية) . (2) تفسير القرطبي 2 / 424، 425 في تفسير قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات) في المسألة الخامسة عشر، ونهاية المحتاج 3 / 281، وكشاف القناع 2 / 492، والدر المختار ورد المحتار 1 / 485، ومراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي ص 239. (3) كشاف القناع 1 / 261، ونهاية المحتاج 2 / 114، وابن عابدين 1 / 483، والحطاب 2 / 66. حُكْمُ الصَّلاَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ بِلاَ عُذْرٍ: 36 - لاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا بِدُونِ عُذْرٍ ذَنْبٌ عَظِيمٌ، لاَ يُرْفَعُ إِلاَّ بِالتَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنَ الْعَبْدِ، وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فَعَل ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ أَيْ مُقَصِّرٌ، حَيْثُ قَال: لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ. (1) 37 - أَمَّا تَأْخِيرُهَا بِعُذْرِ النِّسْيَانِ، فَلاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا فِي أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ عَلَى هَذَا التَّأْخِيرِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (2) 38 - وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا بِعُذْرِ النَّوْمِ، فَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا. (3) أَنَّ النَّوْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا لاَ يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَلاَ يُعْتَبَرُ مُفَرِّطًا، وَقَدْ نَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ فِي حَدِيثِ التَّعْرِيسِ (4) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَال: سِرْنَا مَعَ __________ (1) حديث: " ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة. . . " أخرجه أبو داود والترمذي واللفظ له، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأصل الحديث أخرجه مسلم مطولا (سنن الترمذي 1 / 3341، 335 ط الحلبي، وسنن أبي داود 1 / 304 ط عزت عبيد دعاس، وصحيح مسلم 1 / 472، 473 ط الحلبي) . (2) حديث: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. . . " سبق تخريجه في مصطلح أهلية (ف / 39) . (3) حديث: " ليس في النوم تفريط. . . " سبق تخريجه (ف / 36) . (4) التعريس: نزول القوم المسافرين في مكان الاستراحة آخر الليل، ثم يرتحلون بعد ذلك. رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، فَقَال بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلاَةِ، قَال بِلاَلٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا، وَأَسْنَدَ بِلاَلٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَال: يَا بِلاَل أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ فَقَال: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَال: إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلاَل قُمْ فَأَذِّنِ النَّاسَ بِالصَّلاَةِ، فَتَوَضَّأْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وَابْيَاضَّتْ، قَامَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ (1) غَيْرَ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ نَامَ تَفُوتُهُ الصَّلاَةُ يُكَلِّفُ أَحَدًا بِإِيقَاظِهِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. (2) وَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْل صَلاَةِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ، لِحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. (3) وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْل الصَّلاَةِ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ، وَالظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ كَرَاهَةُ النَّوْمِ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ، أَمَّا قَبْل دُخُولِهِ فَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ. (4) 39 - أَمَّا تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ تَقْدِيمُهَا بِعُذْرِ السَّفَرِ أَوِ الْمَطَرِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بِعُذْرِ __________ (1) حديث أبي قتادة " سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه البخاري، وزيادة " بالناس " عند أبي داود فقط. (فتح الباري 2 / 66، 67 ط السلفية، وسنن أبي داود 1 / 307 ط عزت عبيد دعاس) . (2) حاشية ابن عابدين 1 / 246، وبلغة السالك في أوقات الصلاة 1 / 232 وما بعدها. (3) حديث: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبلها. . . " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 49 - ط السلفية) ومسلم (1 / 447 ط الحلبي) . (4) رد المحتار 1 / 246، وشرح المحلى على المنهاج 1 / 115. السَّفَرِ أَوِ الْمَطَرِ (1) لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَجَّل بِهِ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. (2) وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ارْتَحَل قَبْل أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ - أَيْ قَبْل أَنْ تَزُول الشَّمْسُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ - أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَل، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْل أَنْ يَرْتَحِل صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. (3) دَل الْحَدِيثُ الأَْوَّل عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا، وَأَسْرَعَ فِي السَّيْرِ؛ لِيَصِل إِلَى غَرَضِهِ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ، أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. وَدَل الْحَدِيثُ الثَّانِي عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ابْتَدَأَ السَّفَرَ قَبْل دُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ، أَخَّرَ الظُّهْرَ وَجَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ، وَإِذَا ابْتَدَأَ السَّفَرَ قَبْل دُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ، صَلاَّهَا ثُمَّ سَافَرَ، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ، وَيُسْتَدَل لِلْجُمْهُورِ أَيْضًا بِالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ لِلسَّفَرِ وَغَيْرِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ إِلاَّ فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَيَجْمَعُ الإِْمَامُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، بِأَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَاتٍ، وَيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ بِمُزْدَلِفَةَ فَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ __________ (1) جواهر الإكليل 1 / 92، والإقناع 2 / 169، والمغني 1 / 409. (2) حديث ابن عمر أخرجه البخاري (الفتح 2 / 572 ط السلفية) ومسلم (1 / 489 ط الحلبي) . (3) حديث أنس بن مالك أخرجه البخاري (الفتح 2 / 582 ط السلفية) ومسلم (1 / 489 ط الحلبي) . وَالْعِشَاءَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ. وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ لِجَوَازِ هَذَا الْجَمْعِ: أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ لاَ عُمْرَةٍ، وَأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلاَةُ بِجَمَاعَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ فِي جَمْعِ عَرَفَةَ هُوَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ. وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ - أَنْ تَكُونَ الصَّلاَةُ بِجَمَاعَةٍ، وَأَجَازُوا لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَنْ يُصَلِّيَ صَلاَةَ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا، أَمَّا الْجَمْعُ فِي مُزْدَلِفَةَ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ غَيْرُ الإِْحْرَامِ وَالْمَكَانِ، وَهُوَ مُزْدَلِفَةُ. 40 - وَقَدْ تَضَمَّنَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمْرَيْنِ: (الأَْوَّل) أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ. (الثَّانِي) لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِعُذْرِ سَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ. أَمَّا الأَْمْرُ الأَْوَّل فَدَلِيلُهُ: أَنَّ الَّذِينَ رَوَوْا نُسُكَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجِّهِ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ هَذَا الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ. وَأَمَّا الأَْمْرُ الثَّانِي - وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ بِعُذْرِ سَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ - فَدَلِيلُهُ: أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ عُرِفَتْ مُؤَقَّتَةً بِأَوْقَاتِهَا بِالدَّلاَئِل الْمَقْطُوعِ بِهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالإِْجْمَاعِ، فَلاَ يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا بِنَوْعٍ مِنَ الاِسْتِدْلاَل وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالسَّفَرُ أَوِ الْمَطَرُ لاَ أَثَرَ لَهُمَا فِي تَأْخِيرِ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ تَقْدِيمِهَا عَنْ وَقْتِهَا. (1) مَنْ لَمْ يَجِدْ بَعْضَ الأَْوْقَاتِ الْخَمْسَةِ 41 - اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ بَعْضَ __________ (1) انظر رد المحتار 1 / 256، والبدائع 1 / 127. الأَْوْقَاتِ الْخَمْسَةِ، كَسُكَّانِ الْمَنَاطِقِ الْقُطْبِيَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَنَاطِقَ تَسْتَمِرُّ فِي نَهَارٍ دَائِمٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَفِي لَيْلٍ دَائِمٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أُخْرَى، كَمَا يَقُول الْجُغْرَافِيُّونَ، فَهَل يَجِبُ عَلَى سُكَّانِ هَذِهِ الْمَنَاطِقِ - إِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ - أَنْ يُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَمْ يَجِدُوا وَقْتًا لَهَا، بِأَنْ يُقَدِّرُوا لِكُل صَلاَةٍ وَقْتًا أَوْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ هَذِهِ الصَّلَوَاتُ؟ . وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْبِلاَدِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَنَاطِقِ الْقُطْبِيَّةِ، تَأْتِي فِيهَا فَتَرَاتٌ لاَ يُوجَدُ وَقْتُ الْعِشَاءِ، أَوْ يَطْلُعُ الْفَجْرُ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ مُبَاشَرَةً. وَفِي بَعْضِ الْمَنَاطِقِ لاَ تَغِيبُ الشَّمْسُ مُطْلَقًا. ذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ سُقُوطِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ عَنْهُمْ، وَيُقَدِّرُونَ لِكُل صَلاَةٍ وَقْتًا، فَفِي السِّتَّةِ الأَْشْهُرِ الَّتِي تَسْتَمِرُّ فِي نَهَارٍ دَائِمٍ يُقَدِّرُونَ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَالْفَجْرِ وَقْتًا، مِثْل ذَلِكَ السِّتَّةُ الأَْشْهُرِ الأُْخْرَى يُقَدِّرُونَ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتًا، بِاعْتِبَارِ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ الَّتِي لاَ تَتَوَارَى فِيهَا الأَْوْقَاتُ الْخَمْسَةُ. وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَيَّامِ الدَّجَّال، الَّذِي هُوَ مِنْ عَلاَمَاتِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّقْدِيرِ فِيهَا، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَال: ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّال وَلُبْثَهُ فِي الأَْرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قَال الرَّاوِي: قُلْنَا يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْيَوْمَ الَّذِي كَالسَّنَةِ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاَةُ يَوْمٍ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنِ اقْدُرُوا لَهُ. أَيْ صَلُّوا صَلاَةَ سَنَةٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ كَسَنَةٍ، وَقَدِّرُوا لِكُل صَلاَةٍ وَقْتًا. (1) __________ (1) حديث: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الدجال ولبثه في الأرض. . . " أخرجه أحمد والترمذي مطولا من حديث النواس بن سمعان الكلابي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. (مسند أحمد بن حنبل 4 / 181 ط الميمنية، وسنن الترمذي 4 / 510 - 514 ط الحلبي) . وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى سُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَمْ يَجِدُوا وَقْتًا لَهَا؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، فَإِذَا عُدِمَ السَّبَبُ - وَهُوَ الْوَقْتُ - عُدِمَ الْمُسَبَّبُ وَهُوَ الْوُجُوبُ. (1) وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْبِلاَدِ الَّتِي يَقْصُرُ فِيهَا اللَّيْل أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي الصَّيْفِ، فَقَبْل أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَْحْمَرُ، يَظْهَرُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ فَلاَ يُوجَدُ وَقْتٌ لِلْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ؛ لأَِنَّ أَوَّل وَقْتِ الْعِشَاءِ مَغِيبُ الشَّفَقِ الأَْحْمَرِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْفَجْرُ الصَّادِقُ قَبْل أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ. فَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ سُقُوطِ الْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ عَنْ أَهْل هَذِهِ الْبِلاَدِ، بَل يُقَدِّرُونَ لِلْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَقْتًا بِاعْتِبَارِ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ. وَذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى سُقُوطِ الْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ نُورِ الإِْيضَاحِ وَعِبَارَتُهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ. لَكِنَّهُ خِلاَفُ الْمَذْهَبِ وَمَا عَلَيْهِ الْمُتُونُ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (2) إِلَى تَقْدِيرِ مَغِيبِ شَفَقِ أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ أَقْرَبُ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ يَغِيبُ فِيهَا الشَّفَقُ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمُدَّةُ اللَّيْل فِي هَذِهِ الْبِلاَدِ ثَمَانِي سَاعَاتٍ، فَيَكُونُ أَوَّل الْعِشَاءِ عِنْدَهُمْ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ __________ (1) الدر المختار ورد المحتار عليه 1 / 242، 244. (2) بلغة السالك 1 / 72، والمنهاج 1 / 110. غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِذَا كَانَتْ مُدَّةُ اللَّيْل فِي الْبِلاَدِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا عِشَاءٌ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً، فَيُقَدَّرُ مَغِيبُ الشَّفَقِ عِنْدَهُمْ بِسَاعَةٍ وَنِصْفٍ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لأَِنَّ مُدَّةَ بَقَاءِ الشَّفَقِ فِي أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ سَاعَةٌ، وَهِيَ تُعَادِل الثُّمُنَ مِنَ اللَّيْل؛ لأَِنَّ اللَّيْل عِنْدَهُمْ ثَمَانِي سَاعَاتٍ، وَالْبِلاَدُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا عِشَاءٌ وَلَيْلُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، يُقَدَّرُ لِغِيَابِ الشَّفَقِ ثُمُنَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهِيَ سَاعَةٌ وَنِصْفٌ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ قَضَاءِ الْعِشَاءِ عَلَى أَهْل هَذِهِ الْبِلاَدِ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ. (1) قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَقَلُوا فِيهَا الْخِلاَفَ بَيْنَ ثَلاَثَةٍ مِنْ مَشَايِخِنَا وَهُمُ: الْبَقَّالِيُّ وَالْحَلْوَانِيُّ وَالْبُرْهَانِيُّ الْكَبِيرُ، وَأَفْتَى الْبَقَّالِيُّ: بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَكَانَ الْحَلْوَانِيُّ يُفْتِي بِالْقَضَاءِ، ثُمَّ وَافَقَ الْبَقَّالِيَّ حِينَمَا أَرْسَل إِلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَمَّنْ أَسْقَطَ صَلاَةً مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ: أَيَكْفُرُ؟ فَأَجَابَ الْبَقَّالِيُّ السَّائِل: مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ أَوْ رِجْلاَهُ كَمْ فُرُوضُ وُضُوئِهِ؟ قَال: ثَلاَثٌ. قَال: فَكَذَلِكَ الصَّلاَةُ، فَاسْتَحْسَنَ الْحَلْوَانِيُّ، وَرَجَعَ إِلَى قَوْل الْبَقَّالِيِّ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ. أَمَّا الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ فَقَدْ رَجَّحَ الْقَوْل بِالْوُجُوبِ، وَمَنَعَ مَا أَفْتَى بِهِ الْبَقَّالِيُّ مِنَ الْقَوْل بِعَدَمِ الْوُجُوبِ لِعَدَمِ السَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ، كَمَا يَسْقُطُ غُسْل الْيَدَيْنِ عَنْ مَقْطُوعِهِمَا. وَقَال: لاَ يَرْتَابُ مُتَأَمِّلٌ فِي ثُبُوتِ الْفَرْقِ بَيْنَ عَدَمِ مَحَل الْفَرْضِ، وَبَيْنَ عَدَمِ السَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ. إِلَى أَنْ قَال: وَانْتِفَاءُ الدَّلِيل عَلَى الشَّيْءِ لاَ يَلْزَمُ فِيهِ انْتِفَاءُ هَذَا الشَّيْءِ؛ لِجَوَازِ دَلِيلٍ آخَرَ. وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ __________ (1) المنهاج 1 / 110. مَا تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُ الإِْسْرَاءِ، مِنْ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَجَعْلِهَا شَرْعًا عَامًّا لأَِهْل الآْفَاقِ، لاَ تَفْضِيل بَيْنَ قُطْرٍ وَقُطْرٍ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ مُصَحَّحَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالأَْرْجَحُ الْقَوْل بِالْوُجُوبِ، لاَ سِيَّمَا إِذَا قَال بِهِ إِمَامٌ مِنَ الأَْئِمَّةِ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهَل يَنْوِي الْقَضَاءَ أَوْ لاَ يَنْوِيهِ؟ ذَكَرَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَنْوِي الْقَضَاءَ لِفَقْدِ وَقْتِ الأَْدَاءِ، وَاعْتَرَضَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْوِ الْقَضَاءَ يَكُونُ أَدَاءً، ضَرُورَةً لاَ وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ لَيْسَتْ أَدَاءً؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي صُلِّيَتْ فِيهِ لَيْسَ وَقْتًا لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ، بَل وَقْتٌ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ. (1) وَمَعْنَى التَّقْدِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: افْتِرَاضُ أَنَّ الْوَقْتَ مَوْجُودٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَقْتًا لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَعْنَى التَّقْدِيرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا مِنْ مَذْهَبِهِمْ. (2) أَمَّا الْبِلاَدُ الَّتِي يَقْصُرُ فِيهَا وَقْتُ الظُّهْرِ، فَيَبْلُغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَهُ بَعْدَ زَوَال الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ بِوَقْتٍ قَصِيرٍ لاَ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الْمُصَلِّي مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ، فَلَمْ نَجِدْ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ نَصًّا عَلَى حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. أَوْقَاتُ الْكَرَاهِيَةِ انْظُرْ: أَوْقَاتَ الصَّلاَةِ __________ (1) ابن عابدين 1 / 242، 243. (2) واللجنة ترى أن الأخذ بالرأي الثاني أقرب إلى مقاصد الشريعة ألا وهو الذي يؤيده حديث الدجال، وفي الموضوع مسائل عصرية يرجع إليها في ملحق المسائل المستجدة |
ترجمة المصطلحات الاسلامية إلى الإنجليزية - موقع أرشيف الإسلام
|
الأَزْمِنَةُ الـمُقَدَّرَةُ شَرْعاً لأَداءِ الصَّلاةِ.
Prayer times: The times set by Shariah for the performance of prayers. |