سير أعلام النبلاء
|
القزاز، الراشد بالله، الغضائري:
3824- القزاز 1: العَلاَّمَةُ، إِمَامُ الأَدَب، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ التَّمِيْمِيُّ، القَيْرَوَانِيُّ، النَّحْوِيّ. مُؤَلِفُ كِتَابِ "الجَامع" فِي اللُّغَة، وَهُوَ مِنْ نفَائِس الكُتُب. وَكَانَ يُعْرَفُ بِالقَزَّاز، صَنَّفَ كُتُباً لِلعَزِيْزِ العُبَيْدِي صَاحِب مِصْر. وَكَانَ مَهِيْباً، عَالِي المَكَانَة، مُحَبَّباً إِلَى العَامَّة، لاَ يَخُوْضُ إلَّا فِي عِلْمِ دِيْنٍ أَوْ دُنْيَا. وَلَهُ نَظْمٌ جَيِّدٌ، وَشُهْرَةٌ بمصر، وعمر تسعين عامًا. قِيْلَ: مَاتَ بِالقَيْرَوَان سَنَة اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَع مائة. 3825- الراشد بالله: الشَّرِيْفُ، صَاحِبُ مَكَّة، الحَسَنُ بنُ جَعْفَرٍ، العَلَوِيُّ. كَانَ الوَزِيْر أَبُو القَاسِمِ بنُ المَغْرِبِيّ قَدْ هَرَبَ مِنَ الحَاكِمِ، وَصَارَ إِلباً عَلَيْهِ؛ فحسَّن لحَسَّانِ بنِ مُفَرِّج الخُرُوجَ عَلَى الحَاكِمِ لِجَوْرِهِ وَكفر نَفْسه، وَأَمَرَهُ بِنَصْب صَاحِبِ مَكَّةَ إِمَاماً لِصِحَةِ نَسَبِهِ، فَبَادَرَ حَسَّانٌ إِلَى مَكَّةَ، وَبَايع صَاحِبَهَا، وَأَخَذَ مَالَ الكَعْبَة، وَمَالَ التُّجَّار، وَلَقَّبُوهُ بِالرَّاشد، وَأَقبلَ إِلَى الشَّامِ، فَتَلَقَّاهُ وَالِدُ حَسَّان وَوُجُوهُ العَرَبِ، وَتَمَكَّنَ، وَخُطِبَ لَهُ عَلَى المنَابِرِ، وَكَانَ مُتَقَلِّداً سَيْفاً زَعَمَ أَنَّهُ ذُو الفَقَار، وَفِي يَدِهِ قَضِيْبُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَعَهُ عَدَدٌ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَفِي ركَابِهِ أَلفُ عَبْدٍ، فَنَزَلَ الرَّمْلَةَ، فَرَاسَلَ الحَاكِمُ مُفَرِّجَ بنَ جرَّاحٍ المَذْكُوْر، وَاسْتمَاله بِالرَّغْبَة وَالرَّهْبَة، وَأَحَسَّ الرَّاشِدُ بِالأَمْرِ، فَذلَّ، وَتَذَمَّم بِمُفَرِّجٍ، وَقَالَ: أَنَا رَاضٍ مِنَ الغَنِيْمَةِ بِالإِيَاب، أَنْتُم غَرَّيْتُمُونِي. فَجَهّزَه مُفَرِّجٌ إِلَى الحِجَاز، وَتسحّبَ ابْنُ المَغْرِبِيّ إِلَى العِرَاقِ، وَجرَى ذَلِكَ سَنَة بِضْعٍ وَأَرْبَع مائَة. 3826- الغضائري 2: الإِمَامُ الصَّالِحُ الثِّقَةُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، الحُسَيْنُ بنُ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَلْبَس، المَخْزُوْمِيُّ، الغَضَائِرِيُّ، البَغْدَادِيُّ. سَمِعَ: مُحَمَّدَ بنَ يَحْيَى الصُّوْلِيّ، وَإِسْمَاعِيْلَ بنَ مُحَمَّدٍ الصَّفَّار، وَأَبَا جَعْفَرٍ البَخْتَرِيّ، وَأَبَا عَمْرٍو بن السَّمَّاكِ، وَأَبَا بَكْرٍ النَّجَّاد. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، وَأَبُو الحُسَيْنِ ابْن المُهْتَدِي بِاللهِ، وَعَبَّاسُ بنُ بَكْرَانَ الهَاشِمِيُّ، وأبو عبد الله القاسم ابن الفضل الثقفي، وَآخَرُوْنَ. قَالَ الخَطِيْبُ: كَانَ ثِقَةً فَاضِلاً مَاتَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَع مائَة. قُلْتُ: لَعَلَّهُ جَاوز التِّسْعِيْنَ، وَلَهُ "جُزءٌ" مَشْهُوْرٌ سمعناه. __________ 1 ترجمته في معجم الأدباء لياقوت الحموي "18/ 105"، ووفيات الأعيان لابن خلكان "4/ 374". 2 ترجمته في تاريخ بغداد "8/ 34"، والأنساب للسمعاني "9/ 155"، والمنتظم لابن الجوزي "8/ 14". |
سير أعلام النبلاء
|
4749- الراشد با لله 1:
أمير المؤمنين، أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله الفضل بن أحمد العباسي. وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْس مائَة فِي رَمَضَانَ. فَقِيْلَ: وُلِدَ بِلاَ مَخْرَجٍ، فَفُتِقَ لَهُ مَخرج بآلةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُمّه أُمُّ وَلد. خُطِبَ لَهُ بِوِلاَيَةِ العَهْد سَنَةَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَخَمْس مائَة، وَاسْتُخْلِفَ فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ. وَكَانَ أَبْيَضَ مَلِيحاً، تَامَّ الشّكل، شَدِيد الأَيد، يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بِدَارِ الخِلاَفَة أَيِّلٌ عَظِيْم اعترضَهُ فِي البُسْتَان، فَأَحجم الخَدَمُ، فَهجم عَلَى الأَيِّل، وَأَمسك بِقَرنَيْهِ وَرَمَاهُ، وَطلب مِنشَاراً، فَقطع قَرنَيْهِ. وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، مُؤثراً لِلْعدل، فَصِيْحاً عذْبَ العِبَارَة، أَديباً شَاعِراً، جَوَاداً، لَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَى المَوْصِلِ، ثُمَّ إِلَى أَذْرَبِيْجَان، وَعَاد إِلَى أَصْبَهَانَ، فَأَقَامَ عَلَى بَابِهَا مَعَ السُّلْطَان دَاوُد، مُحَاصراً لَهَا، فَقتلته الملاَحدَةُ هُنَاكَ، وَكَانَ بَعْدَ خُرُوْجه مِنْ بَغْدَادَ مَجِيْءُ السُّلْطَان مَسْعُوْد بن مُحَمَّدِ بنِ مَلِكْشَاه، فَاجتمع بِالأَعيَان، وَخلعُوا الرَّاشِدَ، وَبَايعُوا عَمَّه المقتفِي. قَالَ أَبُو طَالِبٍ بنُ عبد السمِيْع: مِنْ كَلاَم الرَّاشد: إِنَّا نَكْرَهُ الفِتَنَ إِشفَاقاً عَلَى الرَّعِيَّة، وَنُؤْثِرُ العَدْلَ وَالأَمْنَ فِي البَرِيَّة، وَيَأْبَى المقدور إلَّا تَصَعُّبُ الأُمُوْر، وَاختلاَطُ الجُمْهُوْر، فَنَسْأَل الله العَوْنَ عَلَى لَمِّ شَعَثِ النَّاسِ بِإِطفَاءِ نَائِرَةِ البَأْسِ. قَالَ أَبُو الحَسَنِ البَيْهَقِيّ فِي "وِشَاح دُمِيَة القَصْر": الرَّاشد بِاللهِ أَعْطَاهُ الله مَعَ الخِلاَفَة صورةٌ يُوْسُفِيَّة، وسيرةٌ عُمرِيَّةً. أَنشدنِي رَسُوْلُه لَهُ: زمانٌ قَدِ اسْتَنَّتْ فِصَالُ صُرُوْفِهِ ... وَذَلَّلَ آسَادَ الكِرَامِ لِذِي القَرْعَى أَكُوْلَتُهُ تَشْكُو صُرُوْفَ زَمَانِهِ ... وَلَيْسَ لَهَا مَأْوَى وَلَيْسَ لَهَا مَرْعَى فَيَا قَلْبُ لاَ تَأْسَفْ عَلَيْهِ فَرُبَّمَا ... تَرَى القَوْمَ فِي أَكْنَافِ أَفْنَائِهِ صَرْعَى وَلَهُ قصيدَة طَوِيْلَة مِنْهَا: أُقْسِمُ بِاللهِ وَهلْ خَلِيْفَه ... يَحْنَثُ أَنْ أَقْسَمَ فِي اليَمِيْنِ لاَ تَّزِرَنَّ فِي الحُرُوْبِ صَادِقاً ... لأَكْشِفَ العَارَ الَّذِي يَعْلُوْنِي مُشَمِّراً عَنْ سَاقِ عَزْمِي طَالباً ... ثأْرَ الإِمَامِ الوَالِدِ الأَمِيْنِ عُمْرِيَ عُمْرِي وَالَّذِي قُدِّرَ لِي ... مَا يَنْمَحِي المَكْتُوْبُ عَنْ جَبِيْنِي قَالَ ابْنُ نَاصر: بَقِيَ الأَمْر لِلرَاشِد سَنَة، ثُمَّ دَخَلَ مَسْعُوْد، وَفِي صحبته أصحاب المسترشد __________ 1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "10/ 76"، والعبر "4/ 89"، وشذرات الذهب "4/ 100". |
تاريخ دولة آل سلجوق
|
وهجم على الخليفة جماعة من الباطنية ففتكوا به في سرادقه، وفجعوا الزمان بسيد خلائفه خلائقه. وذلك في يوم الخميس الثامن عشر من ذي القعدة سنة 529 هـ، فعرف بقرائن الأحوال أن سنجر سير الباطنية لقتله، وما أشنع وأفظع ما أقدم عليه من فعله.
ولاية أمير المؤمنين أبي جعفر منصور الراشد بالله بن المسترشد بالله-رضي الله عنهما- قال: فوصل الخبر إلى بغداد باستشهاد الخليفة-رضوان الله عليه-يوم السبت السابع والعشرين من ذي القعدة سنة 529 هـ، وبويع للراشد بالخلافة، وجلس في منصبها في ذي الحجة، وبقي في دار الإمامية ببغداد قريب تسعة أشهر على إرجاف مزعج للأرجاء، وخوف غالب على الرجاء. حتى تفرغ مسعود إلى شغله، فشمل بيته بيت شمله. وأخرج بدره من بيت شرفه، وأتى على متلده ومطرفه. وسيأتي ذكر ذلك في موضعه. قال: فأما السلطان مسعود، فإنه بعد حادثة الخليفة بالمراغة، قبحت سمعته، فذكرته الألسن، ونكرته الأعين. فصار يفكر في شيء ينفي عنه الظنة، ويستل به من القلوب السخيمة المستكنّة. حتى سولت له نفسه قتل الأمير دبيس بن صدقة، وكان في القرب منه بمنزلة إنسان عينه الذي بوأه الحدقة. فرأى أنه إذا قتله نسب الناس إليه قتل الخليفة، وأن السلطان لذلك لم يبق عليه. وكان الأمير دبيس المزيدي حضر باركاه السلطان، وهو جالس ينتظر الإذن، فجاءه من ورائه وهو لا يراه بختيار الوشاق، وأبان بسيفه رأسه وأسال على البساط دمه المهراق. وكان بين استشهاد الخليفة وقتل دبيس شهر واحد. وكانت هذه النوبة أيضا شنيعة، والفضيحة فظيعة وشفعت الكبيرة بالكبيرة، وأتبعت الجريرة بالجريرة. فتقرحت القلوب وتحرقت، وأسفت النفوس |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
الراشد بالله المنصور بن المسترشد بالله 529 هـ ـ 530 ه
الراشد بالله : أبو جعفر المنصور بن المسترشد ولد في سنة اثنتين و خمسمائة و أمه أم ولد يقال : إنه ولد مسدودا فأحضروا الأطباء فأشاروا بأن يفتح له مخرج بآلة من ذهب ففعل به ذلك فنفع و خطب له أبوه بولاية العهد سنة ثلاث عشرة و بويع له بالخلافة عند قتل أبيه في ذي القعدة سنة تسع و عشرين و كان فصيحا أديبا شاعرا شجاعا سمحا جوادا حسن السيرة يؤثر العدل و يكره الشر و لما عاد السلطان مسعود إلى بغداد خرج هو إلى الموصل فأحضروا القضاة و الأعيان و العلماء و كتبوا محضرا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم و أخذ الأموال و سفك الدماء و شرب الخمر و استفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك : هل تصح إمامته ؟ و هل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه و يستبدل خيرا منه ؟ فأفتوا بجواز خلعه و حكم بخلعه أبو طاهر بن الكرخي قاضي البلد و بايعوا عمه محمد بن المستظهر و لقب المقتفي لأمر الله و ذلك في سادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين و بلغ الراشد الخلع فخرج من الموصل إلى بلاد آذربيجان و كان معه جماعة فقسطوا على مراغة مالا و عاثوا هناك و مضوا إلى همذان و أفسدوا بها و قتلوا جماعة و صلبوا آخرين و حلقوا لحى جماعة من العلماء ثم مضوا إلى أصبهان فحاصروها و نهبوا القرى و مرض الراشد بظاهر أصبهان مرضا شديدا فدخل عليه جماعة من العجم كانوا فراشين معه فقتلوه بالسكاكين ثم قتلوا كلهم و ذلك في سادس عشر رمضان سنة اثنتين و ثلاثين و جاء الخبر إلى بغداد فقعدوا للعزاء يوما واحدا قال العماد الكاتب : كان للراشد الحسن اليوسفي و الكرم الحاتمي قال ابن الجوزي : و قد ذكر الصولي أن الناس يقولون : إن كل سادس يقوم للناس يخلع فتأملت هذا فرأيته عجبا قلت : و قد سقت بقية كلامه في الخطبة ولم تؤخذ البردة و القضيب من الراشد حتى قتل فأحضرا بعد قتله إلى المقتفي |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
الباطنية يغتالون الخليفة العباسي المسترشد بالله وتولي ابنه الراشد بالله الخلافة.
529 ذو القعدة - 1135 م لما قبض المسترشد بالله أسيرا وأنزله السلطان مسعود في خيمة، ووكل به من يحفظه، وقام بما يجب من الخدمة، وترددت الرسل بينهما في الصلح وتقرير القواعد على مال يؤديه الخليفة، وأن لا يعود يجمع العساكر وأن لا يخرج من داره. فأجاب السلطان إلى ذلك، وأركب الخليفة وحمل الغاشية بين يديه ولم يبق إلا أن يعود إلى بغداد. فوصل الخبر أن الأمير قران خوان قد قدم رسولاً من السلطان سنجر، فتأخر مسير المسترشد لذلك، وخرج الناس والسلطان مسعود إلى لقائه، وفارق الخليفة بعض من كان موكلاً به، وكانت خيمته منفردة عن العسكر، فقصده أربعة وعشرون رجلاً من الباطنية ودخلوا عليه فقتلوه، وجرحوه ما يزيد على عشرين جراحة، ومثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه وتركوه عرياناً، فقتل معه نفر من أصحابه منهم أبو عبد الله بن سكينة، وكان قتله يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة على باب مراغة، وبقي حتى دفنه أهل مراغة. وأما الباطنية فقتل منهم عشرة، وقيل: بل قتلوا جميعهم، والله أعلم. فكانت خلافته سبع عشرة سنة وستة أشهر وعشرين يوماً، ولما قتل المسترشد بالله بويع ولده أبو جعفر المنصور، ولقب الراشد بالله، وكان المسترشد قد بايع له بولاية العهد في حياته، وجددت له البيعة بعد قتله يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي القعدة، وكتب السلطان مسعود إلى بك أبه الشحنة ببغداد فبايع له، وحضر الناس البيعة، وحضر بيعته أحد وعشرون رجلاً من أولاد الخلفاء. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
قتل الراشد بالله.
532 رمضان - 1138 م لما وصل الراشد بالله إلى همذان، وبها الملك داود وبوزابة ومن معهما من الأمراء والعساكر بعد انهزام السلطان مسعود وتفرق العساكر، سار الراشد بالله إلى خوزستان مع الملك داود، ومعه خوارزم شاه، فقاربا الحويزة، فسار السلطان مسعود إلى بغداد ليمنعهم عن العراق، فعاد الملك داود إلى فارس وعاد خوارزم شاه إلى بلاده، وبقي الراشد وحده، فلما أيس من عساكر العجم سار إلى أصفهان فلما كان الخامس والعشرون من رمضان وثب عليه نفر من الخراسانية الذين كانوا في خدمته، فقتلوه وهو يريد القيلولة، وكان في أعقاب مرض قد برئ منه. ودفن بظاهر أصفهان بشهرستان، فركب من معه فقتلوا الباطنية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
120 - منصور الرّاشد بالله، أمير المؤمنين أبو جعفر ابن المسترشد بالله الفضل ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بالله عبد الله، الهاشمي، العباسي. [المتوفى: 532 هـ]-[582]-
ولد سنة اثنتين وخمسمائة، ويقال: إنه ولد مسدودًا، فأحضروا الأطباء، فأشاروا بأن يُفتح له مخرجٌ بآلةٍ من ذَهَب، ففُعل ذلك به فنفع، وأُمُّه أمّ ولد، خطب له أبوه بولاية العهد في سنة ثلاث عشرة. قال ابن واصل القاضي: حُكي عمّن كان يدخل إلى دار الخلافة ويطّلع على أسرارهم، أنّ الخليفة المسترشد أعطى ولده الرّاشد، وعُمره أقل من تسع سِنين، عدَّة جواري، وأمرهن أنّ يلاعبْنَه، وكانت فيهنّ جارية حَبَشيَّة، فحملت من الرّاشد، فلمّا ظهر الحَمْل وبلغ ذلك المسترشد أنكره، فسألها، فقالت: والله ما تقدَّم إليَّ سواه، وإنّه احتلم، فسأل باقي الجواري فقلن كذلك، فأمر أن تحمل الجارية قطنًا، ثم وطئها الرّاشد، ثمّ أخرجت القطْن وعليه المَنِيّ، ففرح المسترشد، وهذا من أعجب الأشياء، ثمّ وضعت الجارية ولدًا سمّاه أمير الجيش، وقد قيل: إنّ صبيان تِهامة يحتلمون لتسعٍ، وكذلك نساؤهم، وكان للراشد نيّف وعشرون ولدًا. بويع بالخلافة في ذي القعدة سنة تسعٍ وعشرين، وكان أبيض، مليحًا، تامّ الخَلْق، شديد الأَيْد، شجاعًا، قيل: إنّه كان في بستان دار الخلافة أيّل عظيم الشّكْل، اعترض في البستان، وأحجم الخَدَمُ عنه، فهجم هو عليه، وأمسك بقَرْنَيْه ورماه إلى الأرض وطلب مِنشارًا، وقطع قَرْنَيْه. وكان حَسَن السّيرة، جيّد الطَّوِيَّة، يُؤْثر العدْل، ويكره الشر، وكان فصيحًا، أديبًا، شاعرًا، سَمْحًا، جوادًا، لم تطُل أيّامه حتّى خرج من بغداد إلى الموصل، ودخل ديار بكر، ومضى إلى أَذَرْبَيْجان، ومازَنْدَران، ثمّ عاد إلى أصبهان، وأقام على باب أصبهان ومعه السلطان داود بن محمود بن محمد بن ملكشاه محاصرا لأصبهان إلى أنّ قتلته الملاحدة هناك. وكان بعد خروجه من بغداد وصول السّلطان مسعود بن محمد إليها، فاجتمع بالكبار، وخلع الرّاشد بالله، وبايع عمّه الإمام المقتفيّ، ودام الأمر سنةً للراشد قبل ذلك. قال ابن ناصر الحافظ: دخل السلطان مسعود إلى بغداد وفي صُحبته أصحاب المسترشد بالله الوزير عليّ بن طِراد، وصاحب المخزن ابن طلحة، وكاتب الإنشاء، فخرج الرّاشد بالله طالبًا إلى الموصل في صُحبة أميرها زنكيّ. -[583]- وفي اليوم الثالث أحضروا ببغداد القُضاة والعلماء عند الوزير عليّ بن طِراد، وكتبوا محضرًا فيه شهادة طائفةٍ بما جرى من الرّاشد بالله من الظُّلم، وأخْذ الأموال، وسفْك الدّماء، وشرب الخمر، واستفتوا الفقهاء في من فعل ذلك، هل تصحُّ إمامته؟ وهل إذا ثَبَتَ فِسْقُه يجوز لسلطان الوقت أنّ يخلعه، ويستبدل به خيرًا منه؟ فأفتوا بجواز خلْعه، وفسْخ عقْده، ووقع الاختيار على تولية الأمير أبي عبد الله محمد ابن المستظهر بالله، فحضر السّلطان مسعود والأمراء إلى دار الخلافة، وأحضر الأمير أبو عبد الله، وحضر الوزير، وأبو الفتوح بن طلْحة، وابن الأنباريّ الكاتب، وبايعوه، ولُقّب بالمقتفيّ لأمر الله، وبايع الخلْق وعُمره أربعون سنة، وقد وَخَطَه الشَّيْب. وخرج الرّاشد بالله من الموصل إلى بلاد أَذَرْبَيْجان، وكان معه جماعة، فقسّطوا على مَرَاغَة مالًا، وعاثوا هناك، ومضوا إلى هَمَذَان فدخلوها، وقتلوا جماعة، وصلبوا آخرين، وحلقوا لِحَى جماعة من العلماء وأفسدوا، ثمّ مضوا إلى نواحي أصبهان فحاصروا البلد ونهبوا القرى، ونزل الرّاشد بظاهر أصبهان، ومرض مرضًا شديدًا، فَبَلَغَنَا أنّ جماعةً من العجم كانوا فرّاشين معه دخلوا عليه خركاهه في سابع وعشرين رمضان، فقتلوه بالسّكاكين، ثمّ قُتِلوا كلّهم، وبَلَغَنَا أنّهم كانوا سَقَوْهُ سُمًّا، ولو تركوه لَمَا عاش، وبنى له هناك تربةً، سامحه الله. قال ابن السّمعانيّ: قُتل فتْكًا في سادس وعشرين رمضان صائمًا، ودُفِن في جامع مدينة جيّ، وعُقِد له العزاء ببغداد وأنا بها، عاش ثلاثين سنة. وقال العماد الكاتب: كان له الحُسْن اليُوسُفيّ، والكرم الحاتميّ، بل الهاشميّ استدعى والدي صفيّ الدّين ليولّيه الوزارة، فتعلّل عليه، خلّف ببغداد نيفًا وعشرين ولدًا ذَكَرًا. وقال ابن الجوزيّ: في سبب موته ثلاثة أقوال: أحدها: أنّه سُقي السُّم ثلاث مرات، والثّاني: أنّه قتله الفرّاشون، والثالث: أنّه قتلته الباطنيَّة، وجاء الخبر، فقعدوا له للعزاء يومًا واحدًا. -[584]- قال: وقد ذكر الصُّوليّ أنّ النّاس يقولون: أنّ كلّ سادسٍ يقوم للنّاس يُخْلَع، فتأملت هذا، فرأيته عَجَبًا، اعتُقِد الأمر لنبيّنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثمّ قام بعده أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، والحسن فخُلع، ثمّ معاوية، ويزيد، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد الملك، وابن الزبير، فخلع وقتل، ثم الوليد، وسليمان، وعمر، ويزيد، وهشام، والوليد، فخُلع وَقُتِلَ، ثمّ لم ينتظم لبني أُميَّة أمر، فوُلّي السّفّاح، والمنصور، والمَهْديّ، والهادي، والرشيد، والأمين، فخُلِع وَقُتِلَ، ثمّ المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين، فخُلِع وَقُتِلَ، ثمّ المُعتز، والمهتدي، والمعتمد، والمعتضد، والمكتفي، والمقتدر، فخُلِع، ثمّ رد ثم قتل، ثم القاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، والطائع فخُلِع، ثمّ القادر، والقائم، والمقتدي، والمستظهر، والمسترشد، والراشد، فخُلِع. قلت: وهذا الفصل منخرمٌ بأشياء، أحدها قولُه: وعبد الملك وابن الزُبَير، وليس الأمر كذلك بل ابن الزُّبير خامس، وبعده عبد الملك، أو كلاهما خامس، أو أحدهما خليفة والآخر خارج على نزاعٍ بين العلماء في أيّهما خارج على الآخر، والثّاني تركه لعدد يزيد النّاقص وأخيه إبراهيم الذي خلع، ومروان، فيكون الأمين باعتبار عددهم تاسعًا، فلا يستقيم ما ادعاه، والمستعين خلعوه أيضًا كما قال، وخلعوا الّذي بعده، وهو المُعْتَزّ بالله، وقتلوا المهتدي بالله، رضي الله عنه، وخلعوا القاهر وسَمَلوه، فليس الخلْع مقتصرًا على كلّ سادسٍ لو صحّ العدد. |