نتائج البحث عن (العبراني) 9 نتيجة

(العبرانية) لُغَة الْيَهُود والواحدة مِنْهُم
العبرانيين
وهم بنو إسرائيل، وكانت عنايتهم بعلوم الشرائع، وسير الأنبياء، فكان أحبارهم أعلم الناس بأخبار الأنبياء، وبدء الخليقة، وعنهم أخذ ذلك علماء الإسلام، لكنهم لم يشتهروا بعلم الفلسفة، ولغتهم تنسب إلى عابر بن شالخ، والقلم العبراني من اليمين إلى اليسار، وهو من أبجد إلى آخر قرشت، وما بعده سواقط، وهو مشتق من السرياني.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في العالم القديم - العبرانيون

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

العبرانيون: تاريخ
‏Hebrews History
مصطلح «عبراني» أو «عبري» يدل على معان كثيرة وأحياناً متناقضة، فهو ذو دلالات عرْقية وطبقية وحضارية. والعبرانيون كتلة بشرية سديمية ضخمة يعود أصلها إلى الجزيرة العربية، استقرت في منطقة الهلال الخصيب وفلسطين في أوقات متفرقة. والكلمة في معناها العام تضم كل القبائل السامية التي تناسلت من صفوفها الشعوب المختلفة التي انتشرت في كنعان وسوريا وبلاد الرافدين، ومن بينها تلك القبيلة التي جاء منها إبراهيم ونسله. وقد سُمِّيت هذه القبيلة الأخيرة باسم «العبرانيين» ، وذلك من قبيل إطلاق العامّ على الخاص. وقد شاع هذا الاستخدام حتى بين المؤرخين، وهو الاستخدام الذي سنتبناه في هذه الموسوعة نظراً لشيوعه. وثمة رأي يذهب إلى أن العبرانيين كانوا إما قبائل ليست لها هوية محدَّدة واكتسبت هويتها من خلال اتحادها وعبادتها ليهوه، أو كانوا قوماً من الأقوام الكنعانية انسلخوا عن العقيدة السائدة وعبدوا يهوه.
وقد دخل العبرانيون أرض كنعان نتيجة ثلاث هجرات غير محدَّدة. بدأت موجة الهجرة الأولى من بلاد الرافدين في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وكانت معاصرة لانتشار الهكسوس والحوريين في الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وكانت الثانية في القرن الرابع عشر قبل الميلاد وتُوافق هجرة الآراميين الثانية. وهاتان الفترتان توافقان فترة الآباء (2100 ـ 1200 ق. م) التي تمتد من هجرة إبراهيم من بلاد الرافدين وتستمر حتى هجرة يوسف إلى مصر أثناء حكم الهكسوس ورحيل العبرانيين عنها. أما الهجرة الثالثة، فهي التي أتت من مصر بقيادة موسى ويشوع بن نون في الثلث الأخير من القرن الثالث عشر قبل الميلاد أو في عهد مرنبتاح بن رمسيس الثاني (1224 ـ 1215 ق. م) كما يقول بعض المؤرخين.

ومنذ هجرة أو خروج العبرانيين من مصر، بدأ اسمهم يتواتر في التاريخ المدوَّن والمقدَّس. فنعرف، حسب الرواية التوراتية، عن مسيرتهم في سيناء، وعن تَلقِّي موسى الوصايا العشر وعن تَعلُّمه عبادة يهوه على يد كاهن مَدْيَن. وبعد موت موسى، تولى يوشع بن نون قيادتهم. ثم حدثت عملية التسلل العبراني إلى أرض كنعان (نحو 1250 ق. م) التي كانت تغصّ بالقبائل السامية الكنعانية وقبائل أخرى غير سامية. فكان العموريون، وهم ساميون، يسكنون المرتفعات. أما الأقوام الأخرى، مثل الحوريين والحيثيين، فكانوا يعيشون في أماكن متفرقة. كما كان الفلستيون يحتلون المدن الخمس التي تشغل الشريط الساحلي الجنوبي. وقد أخذت عملية التسلل أشكالاً عسكرية وسلمية مختلفة في تلك المرحلة التي يُطلَق عليها عصر القضاة (1250ـ 1020 ق. م) ، فدخل العبرانيون في صراع مع الفلستيين (الذين هزموهم واستعبدوهم بعض الوقت) ومع الأقوام الكنعانية السامية وغير السامية الأخرى. وقد استقر المقام بالعبرانيين في نهاية الأمر داخل بضعة جيوب غير متصلة، إذ استمر وجود الأقوام الأخرى إلى ما بعد التهجير الآشوري والبابلي.
وقد تبع تلك الفترة عصر اتحاد القبائل أو عصر الملوك فظهرت المملكة العبرانية المتحدة في عهد داود وسليمان، وقد كان اتحاداً مؤقتاً انحلَّ فور موت سليمان (928 ق. م) وانقسم العبرانيون إلى المملكة الجنوبية (التي ضمَّت قبائل الجنوب البدوية) والمملكة الشمالية (التي ضمَّت قبائل الشمال الزراعية) . وقد ظلت المملكتان في حالة حرب شبه دائمة إلى أن قضى الآشوريون على المملكة الأولى، والبابليون على الثانية، وبذلك ينتهي تاريخ العبرانيين.

ولم يكن العبرانيون جماعة عرْقية متجانسة منذ البداية، ولذا يقرنهم بعض المؤرخين بالخابيرو. ومن المعروف أنهم، عند هجرتهم من مصر، لم يكونوا عنصراً عبرانياً خالصاً إذ تقول التوراة (خروج 12/38 ـ عدد 11/4) إنهم كانوا يضمون في صفوفهم لفيفاً كثيراً من غير العبرانيين، وبعد تسللهم إلى كنعان، اختلطوا بالعناصر الحورية والحيثية والكنعانية حتى استوعبتهم الحضارة الكنعانية هناك، فتركوا لهجتهم السامية القديمة واتخذوا الكنعانية لساناً لهم.
ولم يكن العبرانيون القدامى من الشعوب المهمة أو المهيبة في المنطقة، فقد كانت المملكتان العبرانيتان خاضعتين للإمبراطوريات المجاورة. وقد تأثرت رؤية العبرانيين للكون بما حولهم. ففي داخل التشكيل الحضاري السامي، نجد أن الإله هو الذي خلق العالم وهو الذي يحفظ الكون، وقد أخذ العبرانيون عن العموريين فكرة أن الرسول من عند الإله، وعن الكنعانيين اللغة، وعن المصريين الحكمة.
ومن الناحية الحضارية، لم ينجز العبرانيون شيئاً ذا بال إذ لم تكن لديهم أية اهتمامات أو مهارات فنية. وحينما شيَّدوا الهيكل، اضطروا إلى الاستعانة بفنانين من البلاد المجاورة. ولا يوجد أسلوب عبراني متميِّز في المعمار، فالهيكل نفسه بُني بالأسلوب الفرعوني الآشوري على يد فنانين فينيقيين. وربما كان هذا راجعاً إلى أن الطابع البدوي ظل غالباً عليهم. فرغم توحُّد القبائل العبرية في مملكة داود وسليمان، بقي التراث القبلي قوياً متجذراً. كما أن تحقيق الاستقرار في كنعان تَطلَّب وقتاً طويلاً، بالإضافة إلى أن المملكة العبرانية المتحدة لم تُعمَّر كثيراً، ولم تُرسِّخ أية تقاليد حضارية عبرانية مستقلة. ولعل هذا يفسر عدم ذكر العبرانيين في السجلات المصرية القديمة.

ومن أهم المشاكل التي واجهها العبرانيون في تاريخهم القصير، توجههم السياسي في عهد الإمبراطوريات الكبرى الآشورية والبابلية والمصرية والفارسية واليونانية والرومانية، إذ كان عليهم أن يتحالفوا مع جيرانهم الآراميين أو غيرهم، كما كان عليهم أن يقبلوا حماية إحدى القوى العظمى لضمان البقاء.
ونتيجةً لافتقار العبرانيين إلى الهوية الحضارية المحددة، ولضعفهم السياسي ووجودهم ككيان شبه مستقل في موقع إستراتيجي، كانت كل القوى العظمى تطمح إلى الاستيلاء عليه وإلى تأمين وجود عنصر موالٍ لها فيه، كما أنهم تعرضوا لصدمات كثيرة بدأت بالتهجير الآشوري (721 ق. م) فالبابلي (587 ق. م) ثم فُرضت عليهم الهيمنة الفارسية واليونانية والرومانية. وتأثرت هويتهم الحضارية بذلك، فتركوا العبرية وتحدثوا بالآرامية بعد التهجير البابلي. ثم بدأ انتشار الجماعات اليهودية بعيداً عن كنعان، فتكوَّن تَجمُّع في بابل ثم في الإسكندرية، وهما التجمعان اللذان أصبح لهما استقلالهما وحريتهما ولغتهما وتفكيرهما المستقل، بل تجاوزا في أهميتهما أحياناً التجمع الموجود في كنعان. ولذلك، فحينما حطَّم تيتوس الهيكل (70م) ، لم تكن هذه الواقعة ذات دلالة كبيرة من الناحية السكانية فهي لم تكن متعارضة مع الوضع السكاني الحضاري القائم بالفعل، وهو اختفاء الهوية العبرانية وظهور جماعات يهودية متفرقة في أنحاء العالم تستقي كل منها هويتها من الحضارة التي تنتمي إليها.
ورغم هذا، نجد أن معظم الدراسات لا تُفرّق بين تاريخ العبرانيين والتواريخ اللاحقة للجماعات اليهودية، متأثرةً في ذلك بالرؤية الإنجيلية التي تنظر إلى اليهود باعتبارهم شعباً مقدَّساً، وهي رؤية تخلط التاريخ الدنيوي بالتاريخ المقدَّس.
الخابيرو
‏Chabiru

«خابيرو» كلمة أكادية ذات دلالات متعددة، وأحياناً متناقضة، تُطلَق على قبائل رُحَّل من البدو، وقد ورد أول ذكر لكلمة «الخابيرو» في النقوش المصرية في القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد لتعني «العابر» و «المتجول» و «البدوي» . كما استخدمت التسمية أيضاً للإشارة إلى القبائل التي كانت تهاجم قديماً بلاد الرافدين وحدود مصر وكانت تُغير على أرض كنعان من آونة إلى أخرى فتشيع فيها الفوضى والاضطراب مثلما حدث عندما استولوا على شكيم، كما ورد في ألواح تل العمارنة والمدونات المصرية (1300 ـ 1150 ق. م) . ومن دلالات الكلمة أيضاً «الجندي المرتزق» ، فهي إذن تُطلَق على أية جماعة من الرحل أو الغرباء المستعدين للانضمام إلى صفوف أي جيش مقابل أجر أو بدافع الحصول على الغنائم. ويُوصف الخابيرو في وثائق نوزي في القرن الخامس عشر قبل الميلاد بأنهم «عبيد أصبحوا كذلك باختيارهم» . لكن الكلمة كانت تُستخدَم أحياناً للإشارة إلى أية عناصر فوضوية في المجتمع، ففي فترات الفوضى في مصر الفرعونية كانت تتواتر الإشارات إلى الخابيرو. ومعنى هذا أن الكلمة ذات مدلول عرْقي (الغرباء) ، وأن لها في الوقت نفسه مدلولاً اجتماعياً طبقياً ووظيفياً.
وإذا كانت الكلمة غامضة في معناها، فالأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة إلى الخابيرو أنفسهم، إذ لا يُعرَف الكثير عن أصلهم من الناحية العرْقية. وكل ما يمكن أن يُقال عنهم إنهم ساميون لا يتميَّزون تميزاً واضحاً، ولا يختلفون اختلافاً كبيراً عن غيرهم من الساميين وهم بعد في مرحلة التجوال. وقد ظهروا ضمن القبائل الآرامية التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية، وإن كان بعض الباحثين يرون أنهم لم يكونوا ساميين وإنما جماعات مهاجرة عاشت حياتها متجولة لتبيع خدماتها لأية أمة في المنطقة، وأنهم (في معظم مراحل تاريخهم غير المدوَّن) تزاوجوا واختلطوا بعديد من الأجناس.

ويقرن بعض الباحثين الخابيرو بالعبرانيين اعتماداً على التشابه الصوتي الموجود بين الكلمتين. وهم يبرهنون على صدق ما ذهبوا إليه بالإشارة إلى عدد من العادات والتقاليد التي ورد ذكرها في أسفار موسى الخمسة والتي لا علاقة لها بالحضارة أو العادات السامية.
عبيرو
‏Apiru
«عبيرو» كلمة ترد في المدونات المصرية القديمة في الفترة من منتصف القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، ومعناها «عبد» . وتشير كلمة «عبيرو» إلى العمال الذين استُخدموا في أعمال السخرة. وفي نصب تذكاري أقامه أمنحوتب الثاني، يشير أمنحوتب إلى أنه أسر ثلاثة آلاف وستمائة من الـ «عبيرو» أثناء غزوة قام بها في كنعان. وقد ورد في السجلات التي تركها رمسيس الثاني أنه استخدم عبيداً من العبيرو في مشاريع البناء التي قام بها. ويقرن بعض المؤرخين هذه الكلمة بكلمة «خابيرو» التي ترد في المدونات الأكادية والتي تُقرَن بدورها بالعبرانيين لأن الأكادية تخلط بين العين والخاء وفي بعض فتراتها لم يكن فيها حرف العين. لكن هذا غير أكيد، كما أن المجال الدلالي لكلمتي «عبيرو» و «خابيرو» أوسع بكثير من كلمة «عبراني» .
جبل سيناء
‏Mount Sinai
«سيناء» جبل يقع في شبه جزيرة سيناء. ويُسمَّى جبل سيناء في العهد القديم «حوريب» ، وهو اسم يُطلَق أيضاً على شبه الجزيرة كلها. كما يُشار إليه كذلك بأنه «الجبل» أو «جبل الله» أو «جبل الإله في حوريب» . وجاء في سفر الخروج أن اليهود ضربوا خيامهم عند سفحه بعد خروجهم من مصر، بينما صعد موسى إلى قمته وتسلَّم الوصايا العشر. ولا يُعرَف أي الجبال في سيناء هو الجبل المقصود، فيرى البعض أنه جبل موسى، ويرى البعض الآخر أنه جبل سريال القريب منه. ويُعَدُّ جبل سيناء ومعه جبل صهيون الجبلين المقدَّسين اللذين يرتكز عليهما العالم روحياً في الرؤية الدينية اليهودية.

وجاء في الأجاداه أنه لولا أن أعضاء جماعة يسرائيل وقفوا أمام الجبل لسقطت الدنيا وتهدَّمت. ويُقال إن للجبل ثلاثة أسماء معلَّلة: فهو «جبل الله» لأن الإله كشف عن قدسيته عليه. وهو «جبل سيناء» لأن الإله كره (بالعبرية: سانا) أهل السماوات وفضَّل عليهم أهل الأرض من اليهود وأعطاهم التوراة. وهو «حوريب» لأن التوراة التي تُسمَّى «حريب» أي «سيف» ، قد نزلت هناك. وثمة تفسير ديني آخر هو أن كره الأغيار للشعب اليهودي بدأ هناك في سيناء. وهذه تفسيرات شعبية إذ يبدو أن اسم «سيناء» مشتق من اسم إله القمر «سين» .
شبه جزيرة سيناء
‏Sinai Peninsula
تقع شبه جزيرة سيناء شمال شرقي مصر، اسمها مشتق من اسم إله القمر «سين» معبود أهل شبه جزيرة العرب. ويقع جبل سيناء في شبه الجزيرة. وتبلغ مساحة شبه الجزيرة أربعة وعشرين ألف ميل مربع. وقد كانت سيناء دائماً حلقة الوصل بين آسيا وأفريقيا. وكان الفراعنة يعتمدون منذ أقدم الأزمنة عليها للحصول على النحاس والفيروز وبعض الأحجار. زارها عدد كبير من فراعنة مصر، وفيها عبد المصريون القدامى الإلهة حتحور وجعلوها ربة المناجم. وقد اكتُشفت فيها أقدم كتابة كنعانية بأحرف شبيهة بالكتابة المصرية، كانت نواة الحروف الهجائية التي طوَّرها وهذَّبها الكنعانيون وأخرجوا منها حروف الكتابة التي أذاعوها على العالم.
وسيناء هي البرّية التي عبرها إبراهيم ويعقوب عندما نزلا إلى مصر، وعبرها العبرانيون عند خروجهم أو هجرتهم من مصر ودخولهم إلى أرض كنعان. وقد حارب شاؤول العماليق في الجزء الشمالي من سيناء. وحينما ترد كلمة «سيناء» في العهد القديم، فهي لا تشير إلى كل شبه الجزيرة وإنما إلى جزء منها وحسب. وترد الإشارة أيضاً إلى «بَرّية سيناء» وهي الجزء المحيط بجبل سيناء.
وكانت سيناء مسرح كثير من المعارك السياسية والحربية. وقد ضمَّها الإسرائيليون عام 1967 ثم أجلوا عنها بعد حرب 1973 في إطار اتفاقيات كامب ديفيد.

فلسطين
‏Palestine
«فلسطين» هو الاسم الذي يُطلَق في الوقت الحاضر على المنطقة الواقعة غربي نهر الأردن والممتدة حتى لبنان وسوريا شمالاً والبحر المتوسط وسيناء غرباً. وحتى نهاية الأسرة التاسعة عشرة وبداية الإمبراطورية الحديثة، كان الاسم المصري القديم لها (هي وسوريا ولبنان) هو «رتنو» أي «البلاد الأجنبية» . وفي فترة الإمبراطورية الجديدة، كانت أرض فلسطين تُسمَّى «حور» نسبة إلى الحوريين. وأول ذكر لكلمة «كيناهي» أو «كنهانا» ، أي «كنعان» ، يظهر في ألواح تل العمارنة في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وهذا الاسم يشير إلى غرب نهر الأردن وضمن ذلك سوريا. ولكن المصريين القدماء كانوا يشيرون أيضاً إلى «بالاستو» أي «فلستيا» التي اشتق اسمها من أحد شعوب البحر وهم الفلستيون. وقد ورد ذكر فلسطين لأول مرة في الوثائق المصرية عام 75 ق. م. ويشير الآشوريون إلى «أرض عمري» كما كانوا يستخدمون عبارة «أرض حيتي» أي «أرض الحيثيين» للإشارة إلى كل الشام وفيها فلسطين وقبرص. وتُستخدَم كذلك عبارة «عبر النهر» للإشارة إلى هذه المنطقة. ويستخدم هيرودوت كلمة «باليستاني» . أما فيلون السكندري، فيقرن كنعان بفلسطين. وقد استخدم الرومان كلمة «بالستينا» للإشارة إلى هذه المنطقة بشكل رسمي ابتداءً من عام 138 بعد الميلاد، وقد ظلت المنطقة المشار إليها تُعرَف بهذا الاسم حتى الوقت الحالي. ويُشار إلى فلسطين بعبارة «إرتس يسرائيل» و «صهيون» و «أرض الميعاد» في الكتابات الدينية اليهودية وفي اللغة العبرية. أما في الكتابات غير الدينية، فكان يُشار إليها باسم «فلسطين» . ولذا، فقد كان الاسم الرسمي للوكالة اليهودية هو الوكالة اليهودية لفلسطين. وكانت الجيروساليم بوست هي بالستاين بوست، بل إن المؤرخ هاينريش جرايتز أشار إلى القومية اليهودية باعتبارها «القومية الفلسطينية» . وفي كل الكتابات العلمية والمتاحف، يُشار إلى المنطقة المذكورة بأنها فلسطين. ومع هذا،

يشير الصهاينة إلى فلسطين باعتبارها «الوطن القومي» أو «الوطن اليهودي» ، كما يُشار إليها باعتبارها «اليشوف» أي «المُستوطَن» . وفي عام 1948، مع قيام الدولة الصهيونية، تغيَّر اسم المنطقة إلى «إسرائيل» (كما يحدث عادةً مع الدول الاستيطانية) .
ويعود تاريخ فلسطين إلى ما قبل التاريخ، فقد عُثر على صناعات يدوية من العصر الحجري القديم (400.000 ـ 14.000) ومن العصر الحجري الوسيط (من 14.000 إلى 8.000) ومن العصر الحجري الحديث (8.000 ـ 4.200) . ومن أهم المدن التاريخية بفلسطين مدينة أريحا التي يعود تاريخها إلى 8.000 ق. م، مع أن تشكيل المدن والدول يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. وقد اكتسبت فلسطين طابعها السامي في الألف الثاني مع دخول العموريين ونشأة الحضارة الكنعانية (2100 ق. م) . وقد غزا الهكسوس فلسطين ومصر في القرنين الثامن عشر والسادس عشر قبل الميلاد. ويبدو أن بداية التغلغل العبراني تعود إلى الفترة ما بين القرنين 16و13 (فترة الآباء) حين أخذ العبرانيون يستوطنون فلسطين والأردن ومصر. وقد قام المصريون في الفترة 1500 ـ 1450 بطرد الهكسوس، ثم ضموا فلسطين تحت لواء تحتمس الثاني. ولكن قبضة المصريين تراخت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد (أيام حكم إخناتون) . ولكن رمسيس الثاني أعاد الهيمنة في القرن الثالث عشر بعد حروبه مع الحيثيين. بدأت في هذه الفترة هجرة العبرانيين من مصر إلى فلسطين، وهي الفترة نفسها التي استقر فيها الفلستيون على الساحل (والآراميون في سوريا) . وقد امتد حكم الدولة العبرانية في الفترة 1020 ـ 928 ق. م، ثم انقسمت إلى دويلتين. ويُلاحَظ أن هاتين الدويلتين لم تشغلا قط كل الأرض المعروفة باسم «فلسطين» في الوقت الحاضر. وقد أسقط الآشوريون المملكة الشمالية عام721 ق. م، وأسقط البابليون المملكة الجنوبية 587 ق. م، ثم حكم الفرس فلسطين في الفترة 538 ـ 332 ق. م إلى أن فتحها الإسكندر. وقد ظلت فلسطين تابعة للدولة

البطلمية (التي كانت تحكم مصر) حتى عام 198 ق. م حين فرض السلوقيون هيمنتهم عليها وهي الهيمنة التي استمرت حتى عام 142 ق. م حينما نجح الحشمونيون في تأسيس أسرتهم. وقد انتهى هذا الاستقلال النسبي بظهور القوة الرومانية عام 63 ق. م فحوَّلت فلسطين إلى مقاطعة رومانية. وعند تقسيم الإمبراطورية الرومانية، وقعت فلسطين ضمن الدولة البيزنطية من القرن الخامس حتى القرن السابع باستثناء الفترة 614 ـ 628م حيث وقعت تحت حكم الفرس. وقد تم الفتح العربي لفلسطين عام 638م.
أرض كنعان
‏Land of Canaan
«كنعان» تعني «الأرض المنخفضة» ، وهي من «قنْع» أو «خنع» لاختلافها عن مرتفعات لبنان، والقنْع في اللغة العربية أرض سهلة بين رمال تُنبت الشجر. لكن هذا الاشتقاق أصبح مشكوكاً فيه. وأصل الاشتقاق الأقرب إلى الصحة حوري الأصل وهو «كناجي» بمعنى «الصبغ الأرجواني» الذي أصبح بالفينيقية «كنع» وبالعبرية «كنعان» أي بلاد الأرجوان. وبعد عام 1200 ق. م، أصبحت كلمة «فينيقي» ، وهي كلمة يونانية تعني أيضاً «الأحمر الأرجواني» ، مرادفة لكلمة «كنعاني» .
وقد استُخدم اسم كنعان في أول الأمر للدلالة على غربي فلسطين، ثم أصبح اللفظ علماً على ما هو متعارف عليه جغرافياً باسم «فلسطين» وعلى قسم كبير من سوريا.

وأرض كنعان هي الأرض التي وعد الرب بها نسل إبراهيم، حسبما جاء في سفر التكوين. وكان على اليهود أن يخوضوا معارك ضارية ضد الكنعانيين ليستوطنوها، فقد ورد في أحد أسفار العهد القديم (عدد 33/50 ـ 56) : «وكلَّم الرب موسى ... قائلاً كلّم بني إسرائيل وقل لهم إنكم عابرون الأرض إلى أرض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم. تملكون الأرض وتسكنون فيها لأني قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها، وتقتسمون الأرض بالقرعة حسب عشائركم ... وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في أعينكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها، فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم» . وقد تسلل العبرانيون إلى أرض كنعان بعد خروجهم أو هجرتهم من مصر.
ويرتبط تاريخ كنعان بالتاريخ المصري إلى حدٍّ كبير، فقد ضمتها مصر إليها خلال حكم الأسرة الثانية عشرة (2000 ـ 1176 ق. م) فعمها الرخاء. ثم قام الهكسوس باحتلال كنعان ومصر مدة مائة وثمانين عاماً، ثم طردهم المصريون وضموا أرض كنعان مرة أخرى. ومع قيام الأسرة التاسعة عشرة (1320 ـ 1200 ق. م) ، عادت كنعان إلى الهيمنة المصرية.
وكانت كنعان من نصيب المصريين بعد معركة قادش (1288 ق. م) التي دارت مع الحيثيين، وهي المعركة التي لم يُكتَب فيها النصر لأي من الفريقين. وشهدت أوائل القرن الثاني عشر قبل الميلاد غزو شعوب البحر من الفلستيين الذين استوطنوا الشريط الساحلي. كما شهدت في الوقت نفسه التسلل العبراني، وكذلك قيام مملكة داود وسليمان والمملكتين العبرانيتين الشمالية والجنوبية، والغزوات الآشورية والبابلية.

وقد أخذ الوجود العبراني في كنعان شكل جيوب وحسب إذ أن الوجود الحضاري والإثني للشعوب الأخرى ظل مستمراً. ويتضح هذا من احتفاظ القدس (مدينة اليبوسيين) باستقلالها إلى أن احتلها داود. كما أن الشعوب السامية المختلفة، من مؤابيين وأنباط وعمونيين وتلك التي جرى استيعابها في الحضارة السامية (مثل الفلستيين) ، ظل لها وجود مستمر حتى بعد الهجمات البابلية والآشورية. وقد جاء في سفر نحميا شكوى من أن العناصر العبرانية التي لم تُهجَّر إلى بابل قد استوعبت هي الأخرى ضمن العناصر المحلية: في تلك الأيام رأيت اليهود الذين ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيات ومؤابيات، ونصف كلام بنيهم باللسان الأشدودي، ولم يكونوا يحسنون التكلم باللسان اليهودي (نحميا 13/23 ـ 24) . وتُطلق الأدبيات الدينية اليهودية على كنعان اسم «إرتس يسرائيل» ، أي «أرض إسرائيل» ، وهي أيضاً في هذه الأدبيات «صهيون» .
يهودا (مقاطعة)
‏Judah
تُستخدَم كلمة «يهودا» للإشارة إلى ما يلي:
1 ـ أرض يهودا: وهي إشارة إلى نصيب قبيلة يهودا من الأرض، والذي يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الميت وكان حده الشمالي نهر روبين جنوبي يافا. وعلى هذا، فإن القدس كانت خارج أرض يهودا. ولم تكن أرض يهودا تضم المدن الساحلية، كأشدود وغزة وعسقلان، لأنها بقيت في أيدي الفلستيين. كان عرض أرض يهودا (من الغرب إلى الشرق) نحو خمسين ميلاً، وكان طولها (من الجنوب إلى الشمال) نحو خمسة وأربعين ميلاً، وكانت مساحتها أكثر من ألفي ميل مربع.

2ـ المملكة الجنوبية (يهودا) : وتضم أرض يهودا وأكثر أرض بنيامين إلى الشمال الشرقي، ودان إلى الشمال الغربي، وشمعون إلى الجنوب. وكانت مساحتها نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة ميل مربع. وقد أُطلقت الكلمتان «يهود» الفارسية ثم «يوديا» الرومانية على المقاطعة المحيطة بالقدس. ولكن جرى العرف على استخدام كلمة «يهودا» للإشارة إلى «يهودا» العبرانية و «يهود» الفارسية و «يوديا» الرومانية. ويُلاحَظ أن الحشمونيين سمَّوا دولتهم باسم «يهودا» .
وقد اختفى الاسم بصيغتيه العبرية والرومانية منذ عام 135م، حينما أُطلق على فلسطين بأقسامها كافة (يهودا والسامرة والجليل وغيرها) اسم «بالستينا» . ويُطلق الصهاينة مصطلح (يهودا والسامرة) على الضفة الغربية لإنكار كل التطورات التاريخية التي حدثت منذ ذلك الحين، ولتسويغ عملية الضم.
وفي هذه الموسوعة، نستخدم كلمة «يهودا» ، ولكننا نقرنها أحياناً باسم الإمبراطورية الحاكمة فنقول «يهودا السلوقية» أو «يهودا البطلمية» أو «يهودا الرومانية» ، إلا إذا كان السياق يجعل نسبتها واضحة. وبهذا، فإننا نشير إلى رقعة جغرافية تختلف حدودها وكذا وضعها الإداري باختلاف الإمبراطورية الحاكمة، كما أننا نُفرق بهذا بين يهودا وفلسطين، فيهودا ليست سوى جزء من فلسطين.
يهود (مقاطعة)
‏Yehud (or Yahud)
حين ضم الفرس فلسطين ضمن ما ضموا من ممتلكات الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية، أُطلق على كل أرض فلسطين اسم «عبر النهر» ، أي الأرض التي تقع عبر نهر الفرات. وكان المرزبان (الحاكم الفارسي) يحكمها من دمشق. وكانت مقاطعة يهودا (التي كان يطلق عليها الفرس «يهود» ) مساحة صغيرة تحيط القدس، طولها خمسة وثلاثون ميلاً وعرضها يتراوح بين خمسة وعشرين وخمسة وثلاثين ميلاً، فكان معظمها أرضاً صحراوية.

ونستخدم في هذه الموسوعة كلمة «يهودا» ونقرنها باسم الإمبراطورية الحاكمة فنقول «يهودا الفارسية» أو «يهودا الرومانية» . وبهذا، فإننا نشير إلى رقعة جغرافية تختلف حدودها وكذا وضعها الإداري باختلاف الإمبراطورية الحاكمة. كما أننا نفرق في الوقت نفسه بين يهودا وفلسطين، فيهودا ليست سوى جزء من فلسطين.
جوديّا
‏Judea
«جوديّا» هو الاسم الذي كان يُطلَق على القسم الجنوبي من فلسطين إبّان حكم الإمبراطورية الرومانية. تمتد حدود يوديا الشمالية من يافا على ساحل البحر المتوسط إلى نقطة الأردن التي تَبعُد عشرة أميال إلى الشمال من البحر الميت. وتمتد حدودها الجنوبية من وادي غزة على بُعد سبعة أميال إلى الجنوب الغربي من غزة إلى بئر سبع ثم إلى القسم الجنوبي من البحر الميت. وكان طولها من الشمال إلى الجنوب نحو خمسة وخمسين ميلاً، كما كان طولها من الشرق إلى الغرب نحو خمسة وخمسين ميلاً تقريباً. وتشتمل جوديا على كلٍّ من القدس وبيت لحم. وهي تُعتبَر أحد أقسام فلسطين الثلاثة: الجليل في الشمال، والسامرة في الوسط، ويوديا في الجنوب. وقد استُخدم مصطلح «يهود» الفارسية لأول مرة في سفر عزرا (5/8) للإشارة إلى تلك الرقعة الصغيرة التي تحيط بالقدس والتي كانت ولاية تابعة لها ثم للبطالمة والسلوقيين. وقد ضمَّها الرومان في عام 63 ق. م، فكان يحكمها حاكم (بروكيوراتو) يعيِّنه الإمبراطور الروماني.

وتجب ملاحظة أن المصطلح كان يُستخدَم أحياناً، بالمعنى السياسي لا الجغرافي، ليشير إلى رقعة أكثر اتساعاً. فكان يُشار أحياناً إلى كل فلسطين (ما عدا المدن الهيلينية) باعتبار أنها «جوديا» ، كما كان يُشار إلى كل الأرض التي حكمها هيرود على أنها «جوديا» ، وهي رقعة واسعة تضم معظم فلسطين. وقد شغل أرخيلاوس، ابن هيرود،منصب رئيس القوم (إثنآرخ) في جوديا التي كانت تشير إلى يهودا والسامرة فقط. وترد الكلمة في العهد الجديد بمعنى سياسي واسع، فقد جرى العرف على استخدام كلمة «يهودا» للإشارة إلى كل من يهودا (القبيلة العبرانية) ، وإلى المنطقة التي كانت من نصيبهم، وإلى المملكة الجنوبية، وللإشارة أيضاً إلى يوديا الرومانية.
وفي عام 135م، أُطلق مصطلح «بالستينا» على كل فلسطين ومنها جوديا الرومانية. ولمواجهة فوضى المصطلحات، نستخدم كلمة «يهودا» ونقرنها باسم الإمبراطورية الحاكمة، فنقول «يهودا السلوقية» أو يهودا البطلمية أو «يهودا الرومانية» ، إلا إذا كانت النسبة واضحة من السياق ذاته. وبهذا، فإننا نشير إلى رقعة جغرافية تختلف حدودها وكذا وضعها الإداري باختلاف الإمبراطورية الحاكمة، كما أننا نفرق بهذا بين يهودا وفلسطين، فيهودا ليست سوى جزء من فلسطين.
شيلوه
‏Shiloh
«شيلوه» اسم عبري معناه «موضع الراحة» . و «شيلوه» اسم مدينة من أصل كنعاني تقع على بعد عشرة أميال شمالي بيت إيل على الطريق بين نابلس والقدس، على بعد سبعة عشر ميلاً منها. وقد تكون شيلوه هي خربة سيلون (من العربية: سَلْوى) .
كانت هذه المدينة موطن النبي صموئيل. وقد وضع يشوع بن نون فيها تابوت العهد حيث بقي ثلاثمائة عام. كما كانت هذه المدينة المركز الديني والإداري أثناء فترة الاستيطان الأول. وقد قسَّم فيها يشوع أرض كنعان ووزعها على القبائل العبرانية. وكان العبرانيون يَحجُّون إليها ويقضون فيها العيد إبّان حكم القضاة.

ومنذ أن اختطف الفلستيون تابوت العهد، لم يرجع هذا التابوت إلى شيلوه. ففقدت المدينة مكانتها، وانتقل مركز العبادة إلى القدس.
بيت إيل
‏Bethel
«بيت إيل» تعبير عبري معناه «بيت الرب» . وهي مدينة كنعانية قديمة كانت تُعرف باسم «لوز» على بعد ستة عشر كيلو متراً من القدس ونابلس، واسمها الحديث «بيتين» . ولم تكن بيت إيل مدينة حصينة، لكنها كانت محاطة بعدة عيون ماء، وواقعة على الطريق من أريحا إلى البحر الأبيض المتوسط. وقد كانت بيت إيل مكاناً مقدَّساً لدى الكنعانيين قبل التسلل العبراني، ثم استولت عليها قبيلة يوسف وصارت من نصيب قبيلة إفرايم. ويربط الموروث الديني اليهودي بين إيل وكلٍّ من إبراهيم ويعقوب، إذ بنى فيها الأول مذبحاً حيث تَجدَّد العهد الإلهي. وفيها رأى يعقوب حلماً وتغيَّر اسمه إلى يسرائيل، وأصدرت دبوراه أحكامها بالقرب منها. وقد وُضعت فيها خيمة الاجتماع، كما وُضع فيها تابوت العهد قبل أن يُنقل ويستقر في القدس. وكانت بيت إيل مركزاً لاتحاد القبائل، ولكنها فقدت أهميتها بعد بناء الهيكل. وشيَّد فيها يربعام ملك المملكة الشمالية هيكلاً قومياً لمملكته، كما شيد هيكلاً آخر في دان وزوَّده بعجول ذهبية، حتى لا يحج سكان مملكته إلى هيكل القدس. ويبدو أنها كانت عاصمة المملكة الشمالية لبعض الوقت. وقد ألقى فيها عاموس نبوءاته، وهاجمها يوشيا ملك المملكة الجنوبية وذبح كهنتها وخرب أصنامها وهياكلها. وهدمها الآشوريون ثم دمَّرها بعد ذلك البابليون ومن بعدهم الفرس. وقد أُعيد بناؤها في العصر الهيليني، ولكنها هُجرت مع الفتح العربي.
شكيم
‏Shechem

«شكيم» ، وتُكتَب أيضاً «شيكيم» ، ويكتبها السامريون «شخيم» ، وهي كلمة عبرية معناها «كتف» أو «منكب» ، وتُطلَق هذه الكلمة عَلَماً على مدينة كنعانية قديمة تقع بين جبل جريزيم وجبل عيبال في الضفة الغربية. وتعود أقدم حوائطها إلى عام 2000 ق. م، وهي فترة تسبق التسلل العبراني. وكانت المدينة تحت حكم الأسرة الثانية عشرة المصرية، وضرب الآباء العبرانيون خيامهم على أطرافها (تكوين 12/6) . وقد حدث أول اتصال بين إبراهيم والكنعانيين فيها، وفيها أيضاً ظهر الإله لإبراهيم وبنى له مذبحاً. ووجد يعقوب أن الحويين يقيمون فيها. وأثناء التسلل العبراني، نهبتها قبيلتا سيمون ولاوي، ووقعت فيها حادثة دينا وشكيم بن حامور الملك. وأصبحت شكيم أول مركز ديني للعبرانيين. وعند انقسام المملكة العبرانية المتحدة، أصبحت شكيم عاصمة المملكة الشمالية لبعض الوقت وفقدت أهميتها بتصَاعُد أهمية مدينة السامرة. ولكنها، مع هذا، ظلت مركز العبادة للسامريين. وفي عام 72م، أسس فسبسيان مدينة نيابوليس التي كان معظم سكانها سامريين، وهي التي اشتُق من اسمها اسم نابلس الحالية. وقد عُثر في المدينة على طبقات سكنية تعود إلى العصور البرونزية الوسيطة والبرونزية الحديثة وإلى العصرين الحديدي واليوناني. كما عُثر فيها على معبد كنعاني ضخم يُعتبَر من أكبر المعابد الكنعانية على الإطلاق.
جلعاد
‏Gilead

«جلعاد» تعبير عبري من «جال» التي تعني «حجر» و «عد» التي تعني «شاهد» ، أي أن «جلعاد» تعني «شاهد حجر» . وقد أتى في العهد القديم «هذه الرجمة هي شاهدة بيني وبينك اليوم. لذلك دُعي اسمها جلعاد» (تكوين 31/47) . وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى كل المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن وجنوبي نهر اليرموك وكان يسكنها بعض القبائل العبرانية ومن أهمها قبيلة جاد. وقد كتب لورنس أوليفانت كتاباً بعنوان أرض جلعاد يحتوي على مشروع صهيوني استيطاني. وتركز الكتابات الإسرائيلية الصهيونية في الوقت الحاضر على أهمية أرض جلعاد باعتبارها جزءاً من أرض إسرائيل الكبرى.
السامرة
‏Samaria

«السامرة» هي عاصمة المملكة الشمالية ويُطلَق عليها باللغة العبرية «شومرون» نسبة إلى «شمر» الذي كان يمتلك التل الذي بُنيت عليه المدينة. تقع السامرة على بعد ثلاثين ميلاً إلى الشمال من القدس، وستة أميال إلى الشمال الغربي من شكيم (نابلس) ، وهي المدينة التي يقع فيها جبل جريزيم الذي يحج إليه السامريون في عيد الفصح. وتُطلَق كلمة «السامرة» أحياناً على المملكة ككل. أُسِّست المدينة عام 880 ـ 879 ق. م. حينما جعلها عمري عاصمة المملكة الشمالية، وقد أتاح هذا الموقع الحصين للمدينة والمطلّ على طريقين رئيسيين أحدهما من الجنوب والثاني من الشرق لعمري ومملكته السيطرة على طرق التجارة التي كانت تعبر فلسطين إلى الممر الساحلي. وقد شيَّد عمري في المدينة قصراً عُرف باسم «بيت العاج» ، ويبدو أنه كان من الضخامة والثراء بحيث ظلت الحوليات الآشورية تشير إلى السامرة باسم «بيت عمري» مدة قرن من الزمن. وظلت المدينة قائمة إلى أن استولى عليها سرجون الثاني في (722 ـ 721 ق. م) بعد حصار دام ثلاثة أعوام، وقد تحوَّلت إلى عاصمة إدارية للمنطقة. وبعد خضوع السامرة لفتوحات الإسكندر، استوطنتها جالية مقدونية وأصبحت السامرة مدينة يونانية في مظاهرها كافة. وقد هاجمها يوحنا هيركانوس الحشموني سنة 109 ق. م وخربها وباع أهلها عبيداً. وبعد مجيء القائد الروماني بومبي، أُعيدت المدينة لأصحابها السابقين، وأعاد هيرود الأكبر بناءها في الفترة 37 ـ 4 ق. م، وهو الذي سماها «سباست» (سبسطية) تكريماً للإمبراطور أوغسطس (سباسطوس باليونانية) .

وقد اهتم هيرود بإقامة حصن وقلعة بالمدينة ووطَّن فيها عناصر مخلصة له، ولذلك جاء إلى المدينة بستة آلاف من جنوده المُسرَّحين كان بينهم ألمان وغاليون (من الغال أي فرنسا) وغيرهما من الأجناس. وقد كانت سبسطية مصدراً لجنود الإمبراطورية الرومانية. لذلك، حينما قامت الثورة اليهودية ضد الرومان عام 66م، قتل اليهود الكثيرين من سكان سبسطية ودمروا أجزاء منها، لكنها استرجعت نشاطها بعد عام 70م.
وتُطلَق كلمة «السامرة» أيضاً على الجزء الأوسط من فلسطين (بين الجليل ويهودا) والذي سُمِّي باسم السامرة التي تقع فيه، وتَكثُر في السامرة التلال ويغلب عليها المظهر الجبلي، كما تتميَّز بوفرة أمطارها. ويَحدُّها جبل الكرمل والبحر غرباً ووادي يزرعيل شمالاً وجبل جلبوع ونهر الأردن شرقاً ووادي عجلون جنوباً. وقد استقرَّت في هذه المنطقة قبيلة يوسف (منَسَّى في الجزء الشمالي منها وإفرايم في الجنوب) . وتضم السامرة وبيت إيل وترصه ومجدو وبيسان وجبل جريزيم. وبعد التهجير الآشوري، وطَّن فيها سرجون الثاني قبائل أخرى اختلطت بالعناصر اليهودية المتبقية، فظهر السامريون نتيجة تزاوج هذه العناصر (حسب الرواية التوراتية) . وقد كانت المنطقة تابعة لآشور وبابل وفارس ومقدونيا والمملكة الحشمونية على التوالى. ويشير الأنبياء إلى المنطقة باسم «إفرايم» . أما اسم «السامرة» ، فيعود، على ما يبدو، إلى الآشوريين الذين كانوا يُطلقون اسم العاصمة على المنطقة التي يضمونها. والآن يُطلق الصهاينة مصطلح «يهودا والسامرة» على الضفة الغربية لتسويغ الضم.
الجليل
‏Galilee

«الجليل» من «الجلجال» وهو لفظ سامي يُرجَّح أن يكون كنعاني الأصل ومعناه «الحجر المسندي الشكل» ، ومعنى الكلمة بالعبرية «دائرة» أو «مقاطعة» . والجليل هو اسم المنطقة الشمالية من فلسطين، وتقع بين نهر الليطاني ووادي يزرعيل، عرضها تسعة عشر ميلاً وطولها خمسة وعشرون ميلاً. وهي مقاطعة جبلية منتجة للحبوب وتَكثُر فيها الجبال، مثل الكرمل وجلبوع، التي يَبلُغ ارتفاع بعضها أربعة آلاف قدم.
وتُعدُّ الجليل من أوليات المناطق التي سكنها الإنسان، ومن أقدم مدنها مدينة مجدو التي شهدت معارك طاحنة بين الكنعانيين والمصريين (1480 ق. م) . وقد سكنها الحويون والجرجاشيون وغيرهم من الأقوام. وقد استقرت قبائل نفتالي وآشر ويساكر وزوبولون في الجليل. كما انتقلت إليها قبيلة دان. ولم يستطع العبرانيون طرد سكان الجليل، ولذا ظل سكانها خليطاً. وقد أعطى سليمان لحيرام (ملك صور) عشرين من مدنها نظير أدوات بناء ابتاعها منه. وبعد التهجير إلى بابل والعودة منها، أصبحت أغلبية سكانها من غير اليهود. وقد غزاها شيشنق أثناء حكم رحبعام، وضمها الآشوريون ثم حكمها الفرس والسلوقيون. وفي عام 63 ق. م. احتلها الرومان وأصبحت الجليل تابعة لهم. وفي عهد الرومان كانت فلسطين تُقسَّم إلى ثلاث مناطق: الجليل والسامرة ويهودا (يوديا باللاتينية) . وكانت الجليل ذاتها تُقسَّم إلى الجليل الأعلى والجليل الأسفل.

وحينما قام التمرد الحشموني، كان عدد اليهود من القلة بحيث اضطر سيمون الحشموني إلى تهجير الأقلية اليهودية منها خشية أن تهاجمهم الأغلبية. وقد هاجر بعض اليهود إليها أثناء حكم الأسرة الحشمونية بعد أن ضم أرسطوبولوس الأول منطقة يهودا. وفي تلك المرحلة التاريخية، كان يهود الجليل غير ملتزمين بالشعائر الدينية كتلك الخاصة بالختان والعشور. ولذا، كان يُشار إليهم باسم «عَمْ هآرتس» أي «عوام الأرض» ، وهي عبارة تفيد أنهم أجلاف غير مؤمنين. وكان نطقهم للعبرية مختلفاً عن نطق اليهود الموجودين في يهودا. وتقول المصادر إنهم لم يكن بوسعهم التمييز بين حرفي الألف والعين. وقد انضم بعض يهود الجليل إلى التمرد الأول ضد روما (66 ـ 73م) وكان قائد القوات اليهودية في الجليل هو يوسيفوس الذي استسلم للرومان. ولم يتخذ الرومان إجراءات انتقامية ضد سكانها من اليهود لأن أعداداً منهم، وخصوصاً في صفورية وطبرية، كانت متعاطفة مع الرومان. أما التمرد الثاني (132 ـ 135م) ضد روما، فلم يؤيده سكان الجليل من اليهود.
وأصبحت الجليل مركزاً للدراسات الدينية إذ تضم طبرية التي صارت مقراً للسنهدرين. ومن مدن الجليل أيضاً الكرمل وصفد. ويقع فيها بحر طبرية المعروف باسم «بحر الجليل» . وقد نشأ المسيح في الجليل، ولذا فقد كان يعرف بـ «الجليلي» . ثم دخلت الجليل بعد ذلك نطاق الحضارة الإسلامية، ونزلت قبائل عربية كثيرة فيها. وتأسست في العهد العثماني بعض الإمارات الإسلامية. ومن أهم مدن الجليل صفد وطبرية وبيسان وعكا. ولا تزال الكثافة السكانية العربية عالية في منطقة الجليل، رغم المحاولات الصهيونية الرامية لتغيير طابعها السكاني.
غزة
‏Gaza
«غزة» كلمة سامية فيما يبدو، وتعني «قُوَى» أو «كنوز» أو «مخازن» . وقد عرفها العبرانيون باسم «عزة» ، والفرس باسم «هازاتو» ، وسماها العرب «غزة هاشم» نسبة إلى هاشم بن عبد مناف جد الرسول الذي مات ودُفن فيها.

وتشير الكلمة في الثقافة العربية إلى كلٍّ من قطاع غزة ومدينة غزة. وتَبعُد المدينة ثلاثة أميال عن ساحل البحر المتوسط إلى الشرق، وعشرة أميال إلى الجنوب من عسقلان. ويمر بها الطريق الساحلي الرئيسي الممتد من لبنان إلى مصر ماراً من شمال فلسطين إلى جنوبها. وغزة آخر مدينة كبيرة قبل الوصول إلى سيناء، وآخر محطة لمن يريد دخول مصر، وأول محطة لمن يريد دخول فلسطين من ناحية الجنوب. ونظراً لموقعها الجغرافي، كان الاستيلاء على غزة يعني السيطرة على طرق الحرب والتجارة بين آسيا وأفريقيا في العالم القديم.
كانت غزة من نصيب قبيلة يهودا عند تقسيم أرض كنعان بين القبائل العبرانية، ولكن الفلستيين طردوهم منها واسترجعوها. وقد كانت غزة أيضاً مركز نشاط شمشون، كما كانت مركزاً لعبادة داجون الفلستية. وبقيت هياكل هذا الإله فيها حتى سنة 400م حيث حُطِّمت المعابد الوثنية فيها بمرسوم إمبراطوري حينما تحولت روما إلى المسيحية.
وكانت غزة على حدود المملكة العبرانية المتحدة حين احتلها الآشوريون عام 720 ق. م. وعلى هذا، فقد اشتركت في التمرد ضد الحكم الآشوري ثم ضد نخاو (فرعون مصر) عام 608 ق. م. وكانت غزة المدينة الوحيدة في فلسطين التي لم تستسلم للإسكندر، فنكَّل بها وهدم أسوارها. وقد قاومت غزة المكابيين حينما قاموا بثورتهم وأبت الخضوع لهم، لكنها استسلمت لهم عام 145 ق. م ثم تمرَّدت عام 95 ق. م، فحاصرها ألكسندر يانايوس لمدة عام. وبعد أن دخلها، أحرقها وقتل أعداداً كبيرة من أهلها.
وقد قاومت غزة الغزو الروماني لمدة طويلة. وبعد أن أخضعها الرومان، تحوَّلت إلى مستعمرة عسكرية. ولما نكَّل هادريان باليهود الذين ثاروا ضد الإمبراطورية الرومانية، بعث بأسراهم إلىها حيث قُتلوا في المصارعة التي أُقيمت في حفلة الألعاب الهدريانية.

وظلت غزة تحت حكم الرومان إلى أن فتحها العرب عام 634م. واستولى الفرنجة عليها عام 1100، فظلت بحوزتهم حتى تحررت بعد معركة حطين عام 1187. ثم احتلها الإنجليز عام 1917.
وبعد عام 1948، دخلت غزة تحت الحكم الإداري المصري، ومنها قام الفدائيون الفلسطينيون بشن هجماتهم على إسرائيل. وفي عام 1967، ضمَّتها إسرائيل، ولكنها قاومت الاحتلال بضراوة. وقد اعترف ديان وزير الدفاع الإسرائيلي حينذاك بأن غزة «يحكمها الفدائيون في الليل» . وقد اندلعت منها الانتفاضة الفلسطينية في ديسمبر 1987، واستمرت في التصاعد. وبمقتضى اتفاقية أوسلو أصبحت غزة خاضعة للسلطة الفلسطينية.
طبرية
‏Tiberias
«طبرية» مدينة في الجليل. وهي إحدى المدن الأربع التي يقدِّسها اليهود في فلسطين والتي يجب ألا تنقطع فيها الصلاة. أما الثلاث الأخرى فهي: القدس والخليل وصفد. تقع طبرية شمال شرقي فلسطين عند البحيرة المسماة باسمها (بحيرة طبرية) على بُعد أربعة أميال من طرفها الجنوبي. شيَّدها هيرود أنتيباس (ابن هيرود) عام 22م وسماها على اسم الإمبراطور طيباريوس لتحل محل صفورية كعاصمة للجليل. وكانت طبرية تقع على طريق تجاري يربط سوريا بمصر، واشتهرت بالتجارة وصيد الأسماك. وتوجد على مقربة منها عيون ساخنة جعلت منها منتجعاً صحياً مشهوراً. وفي النهاية، استقر فيها أثرياء اليهود. ولذا، كانت المدينة تضم مكاتب الحكومة والصيارفة. كما أن بعض أعضاء الطبقات الفقيرة من اليهود استوطنوها ليحصلوا على الأرض والسكنى.

وطبرية أول مدينة يهودية تنال استقلالها وتصبح مدينة (بوليس) لها الحق في أن تعلن الحرب وتُوقِّع المعاهدات وتفرض الضرائب، وكان يحكمها حاكم مُنتخَب تساعده لجنة من عشرة أفراد ومجلس مدينة من ستمائة شخص. وقد استسلمت طبرية للرومان أثناء التمرد اليهودي الأول ضد الرومان، ولذا لم يتم تخريبها. وقد أصبحت مركزاً لليهودية بعد تدمير القدس، فشُيِّدت فيها حلقة تلمودية دُوِّنت فيها المشناه وأجزاء من الجماراه. ومعنى هذا أن التلمود الأورشليمي وُضع في طبرية.
دخلت طبرية دائرة الحضارة الإسلامية وأرسل الخليفة عثمان ابن عفان إليها عام 30 هجرية مصحفاً كي يقرأ المسلمون فيه القرآن الكريم. وسقطت في يد الفرنجة بعض الوقت ثم استعادها صلاح الدين عام 1187 ولكنها سقطت مرة أخرى في يد الصليبيين عام 1240، ثم تم تحريرها بشكل نهائي عام 1247.
استولى العثمانيون على طبرية عام 1517، وسمح سليمان القانوني لليهود بالإقامة فيها (1562) . واستولى نابليون علىها عام 1799 ولمدة قصيرة. وازدهرت المدينة أيام الحكم المصري لفلسطين إلا أن الدمار لحق بها بسبب الزلزال الشديد الذي وقع عام 1837.
وطبرية من مدن فلسطين الأولى التي استقر فيها المستوطنون الصهاينة بسبب وجود مركز ديني فيها، كما كانت أول مدينة فلسطينية سلمتها قوات الاحتلال الإنجليزية للصهاينة.
الخليل
‏Hebron
كلمة «الخليل» هي المقابل العربي للكلمة العبرية «حبرون» ، ومعناها «صاحب» أو «عصبة» أو «رباط» أو «اتحاد» .، والخليل مدينة في فلسطين، وكان الكنعانيون يسمونها «قرية أربع» (باليونانية «تيترابوليس» أي «مدينة رباعية» ) . وتقع مدينة الخليل على بعد تسعة عشر ميلاً من القدس وثلاثة عشر ميلاً ونصف الميل من بيت لحم، على ارتفاع ثلاثة آلاف وأربعين قدماً من سطح البحر، وحولها عيون ماء كثيرة. والخليل إحدى المدن الأربع المقدَّسة لدى اليهود التي يجب ألا تنقطع فيها الصلاة، إلى جانب القدس وصفد وطبرية.

ويعود تاريخ الخليل إلى أبعد من عام 3500 ق. م. فقد سَكَن إبراهيم (الذي تُنسَب إليه المدينة) إلى جوارها لبعض الوقت واشترى مغارة المكفيلة (حسبما جاء في العهد القديم) حيث دُفن فيها فيما بعد. ثم سكنها بعده (حسب الرواية التوراتية) إسحق ويعقوب ويوسف.
وقد استولى العبرانيون على المدينة أثناء تسللهم إلى كنعان، وأبادوا سكانها من العناقيين. وقد لجأ إليها داود هرباً من شاؤول (ويُقال إن يوشع بن نون هو الذي غيَّر اسمها من «قرية أربع» إلى «حبرون» ) . وتقع الخليل في منطقة يهودا التي كانت تَخُصُّ قبيلة يهودا، ولكن المدينة نفسها كانت إحدى مدن الملجأ. وقد احتلها الأدوميون بعد التهجير البابلي، وضمها الحشمونيون إلى مملكتهم، ثم أصبحت جزءاً من فلسطين الرومانية.
ثم دخلت الخليل مجال الحضارة العربية الإسلامية. والخليل تضم الحرم الإبراهيمي الشريف ومزار سيدنا إبراهيم عليه السلام. ازدهرت المدينة في العصر المملوكي والعثماني (استولى عليها الفرنجة وجعلوها مركز إبراشية وبنوا كنيسة في موقع الحرم عام 1168) ، وانتشر العمران خارج أسوارها منذ نهاية القرن التاسع عشر.
وفي العصر الحديث بعد دخول القوات البريطانية فلسطين ووصول المستوطنين الصهاينة كانت الخليل ملجأً للمجاهدين لانتشار المغارات القديمة في جبالها ولأن أية قوة مطاردة يصعب علىها أن تعثر على المجاهدين. وكانت معاركها قبل إعلان الدولة الصهيونية هي الأعنف في الاشتباكات مع العدو حتى أن المستوطنين الصهاينة سبق أن فروا من المدينة كلها عام 1929 تاركين بيوتهم ومحالهم يوم ثورة البراق.

وقد شهدت الخليل ثورة ديموجرافية حقيقية بعد احتلال فلسطين عام 1948 لوفود عدد كبير من اللاجئين إليها. فزاد عدد سكانها 54% خلال 27 عاماً. وقد اختارت إسرائيل بعد ضم الضفة الغربية عام 1967 موقعاً متميِّزاً على تلة لتقيم مستوطنة صهيونية تُسمَّى «قريات أربع» وقامت بمحاولات لتهويد الحرم الإبراهيمي.
وقد شهدت المدينة واحدة من أكبر المذابح الصهيونية حينما قام المستوطن الصهيوني باروخ جولدشتاين بإطلاق النار على المصلين وهم ساجدون داخل الحرم الإبراهيمي فاستُشهد منهم أكثر من ثلاثين. وقد تبيَّن أن الإرهابي الصهيوني (الذي قُتل أثناء الحادث) من مستوطنة قريات أربع، وأنه ضابط طبيب في الجيش الإسرائيلي وأنه استخدم رشاشه الرسمي في الجريمة. وقد أقام له المستوطنون مقبرة خاصة أصبحت مزاراً لهم.
صفد
‏Safed
«صفد» من الكلمة الكنعانية «صفت» بمعنى «العطاء» ، وهي مدينة في الجليل تقع فوق جبل على ارتفاع ألفين وسبعمائة وثمانين قدماً من سطح البحر. وهي إحدى المدن الأربع المقدَّسة عند اليهود (إلى جانب القدس والخليل وطبرية) . ومع هذا، لم يأت ذكرها في الكتاب المقدَّس إذ يبدو أنها كانت قرية صغيرة ضئيلة الشأن. وقد ظلت كذلك حقباً طويلة من الزمن، فلم يأت لها ذكر في الفتوحات العربية الأولى. وقد دارت المعارك بين الفرنجة والمسلمين حول صفد إلى أن حررها الظاهر بيبرس عام 1267 ثم أصبحت عام 1517 جزءاً من الدولة العثمانية.
ولا نعرف الكثير عن تاريخ وجود أعضاء الجماعات اليهودية فيها، وحينما زارها بنيامين التطيلي في القرن الثاني عشر، لم يجد فيها يهوداً. لكن بعض اليهود المهاجرين من إسبانيا استوطنوها في القرن الخامس عشر. وكان اليهود المقيمون فيها يتاجرون في التوابل والجبن والزيت والخضراوات والفواكه.

وفي القرن السادس عشر، أصبحت صفد مركزاً دينياً، إذ عاش فيها يوسف كارو مؤلف الشولحان عاروخ وإسحق لوريا وتلميذه حاييم فيتال، وهم من أهم القبَّاليين، وبذلك أصبحت صفد مركزاً للدراسات القبَّالية. ومع هذا، لم يكن عدد اليهود فيها يزيد على سبعمائة وست عشرة أسرة عام 1548. وفي نهاية القرن السابع عشر، كان عدد اليهود من دافعي الضرائب لا يزيد على عشرين. وقد استوطنها، مع نهاية القرن الثامن عشر، بعض الحسيديين. وقد احتلتها القوات البريطانية ضمن ما احتلت من فلسطين عام 1918، واستوطنها الصهاينة. وفي عام 1948 تم طرد سكانها العرب وحل محلهم مستوطنون صهاينة.
أريحا
‏Jericho
«أريحا» من «يرخو» وهي كلمة كنعانية تعني «مدينة القمر» (وقد يدل هذا على أن عبادة القمر السامية كانت منتشرة فيها) ويُقال إن معناها أيضاً «الروائح العطرية» (ويشار إليها في العصر الحديث أحياناً بكلمة «الريحا» ) .
وأريحا مدينة كنعانية قديمة يرجع تاريخها إلى حوالي سبعة آلاف عام، واكتُشف فيها أقدم فخار وأقدم نحت في العالم، وتُعَدُّ أقدم مدن فلسطين. بل ويُقال إنها أقدم مدينة في العالم قائمة حتى اليوم (وحيث إنها هُجرت بعض الوقت، فإن دمشق ودمنهور هما المدينتان اللتان تستحقان هذا الشرف، إذ أن الحياة البشرية مستمرة فيهما دون انقطاع منذ ظهرتا إلى الوجود) .

وتقع أريحا على مسافة سبعة وثلاثين كيلو متراً شرقي الشمال الشرقي لمدينة القدس، في الطرف الغربي لغور الأردن الغربي (يُقال له غور أريحا) على بُعد حوالي ثمانية كيلو مترات غربي نهر الأردن الذي تصب مياهه بعدها بقليل في البحر الميت. وترتبط أريحا مع غور الأردن ومع الضفتين الشرقية والغربية بشبكة طرق، وهي منفتحة جنوباً على البحر الميت وصحراء النقب. وكانت أريحا المعبر الغربي لنهر الأردن والبحر الميت، يمر منها الحجاج المسيحيون القادمون من القدس. ومن جهة أخرى، كانت أريحا بوابة شرقية لفلسطين عبرها كثير من الجماعات البشرية المهاجرة إلى فلسطين على مدى العصور. ومساحة المدينة إدارياً تبلغ خمسة وعشرين كيلو متراً مربعاً تقريباً، وهي بذلك تساوي منطقة الخليل التي تقع جنوبها. وأريحا منخفضة تحت سطح البحر بنحو مائتين وستة وسبعين متراً (ولذا فجوها حار) .

وأريحا القديمة تقع في تل السلطان بالقرب من عين السلطان (على مقربة من أريحا الحديثة) وقد اتخذها الهكسوس قاعدة لهم بين عامي 1750 - 1600 ق. م. وهي أول مدينة هاجمها العبرانيون أثناء تسللهم في أرض كنعان (فلسطين) وغزوهم إياها. وقد أرسل يشوع بن نون جاسوسين إلى المدينة (حسب الرواية التوراتية) ، فدخلا بيت امرأة اسمها «راحاب» (يُشار إليها دائماً بالزانية) . و «راحاب» من الكلمة العبرية «رحب» أو «مُتَّسع» ، إذ يبدو أنها استقبلت الجاسوسين على الرحب والسعة (سفر يشوع 2/1 - 24) . وحينما علم ملك أريحا بأمرهما، حاول القبض عليهما ولكن راحاب خبأتهما، وضللت الرسل، وقالت: "لست أعلم أين ذهب الرجلان، اسعوا سريعاً وراءهما حتى تدركوهما". وبعد أن رحل حرَّاس الملك، قالت راحاب للرجلين: "علمت أن الرب قد أعطاكم الأرض وأن رُعبكم قد وقع علينا وأن جميع سكان الأرض ذابوا من أجلكم، لأننا قد سمعنا كيف جفَّف الرب مياه بحر القلزم قدامكم عند خروجكم من مصر". ثم ذكرت لهما بعض الأحداث الأخرى التي بثت الرعب في نفوس أهل أريحا "ولم تبق بعد روحٌ في إنسان بسببكم"، وطلبت منهما الأمان لنفسها ولأهلها عند سقوط المدينة في يد العبرانيين، وعاد الجاسوسان وقالا ليشوع: "إن الرب قد دفع بيدنا الأرض كلها وقد ذاب كل سكان الأرض بسببنا".
ووفقاً لأمر الرب، حسب الرواية التوراتية، سار المحاربون من إسرائيل في صحبة سبعة من الكهنة، حاملين أبواقاً وتابوت العهد، وقد طاف هؤلاء حول المدينة مرة في اليوم لمدة ستة أيام. وفي اليوم السابع طافوا حولها سبع مرات وضربوا بالأبواق وهتفوا هتافاً عالياً فسقطت أسوار المدينة، فقام العبرانيون بذبح "كل من في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير… وقال يشوع للرجلين اللذين تجسسا الأرض: دخلا بيت المرأة الزانية وأخرجا من هناك المرأة وكل ما لها كما حلفتما لها" (يشوع 6/24) .

ويذكر العهد القديم أن راحاب عاشت في وسط إسرائيل (يشوع 6/25) بل تذكر التقاليد الدينية أنها تزوَّجت يشوع وأن عدداً من أنبياء اليهود جاءوا من نسلها من بينهم إرميا. ثم حلف يشوع في ذلك الوقت قائلاً ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة أريحا (يشوع 6/27) .
وفي عصر القضاة أخرج عجلون ملك المؤابيين اليهود من أريحا واتخذها عاصمة له وأقام لنفسه قصراً فيها (قضاه 3/13) . وقد أقام فيها رسل داود الذين حلق ملك عمون لحاهم إلى أن نمت مرة أخرى (صموئيل الثاني 10/5) . وفي زمن الملك العبراني أحاب، بناها حيئيل البيتئيلي ولكنه فَقَد ابنيه (وفقاً لنبوءة يشوع) . وقد قبض البابليون على الملك العبراني صدقيا بالقرب من أريحا ثم حطموا المدينة عام 587 ق. م.
وفي العصر الهيليني، تحوَّلت أريحا إلى مقبرة، ثم قام الحشمونيون (المكابيون) بتعميرها. وقد جدَّد هيرود المدينة ووسَّعها وأسَّس فيها القصور والميادين والقنوات والحصون، فامتدت فوق ما يُعرَف اليوم بتلال أبي العليق. وقد خُرِّبت، ولكن أُعيد بناؤها في القرن الرابع الميلادي في عهد قسطنطين الأكبر (306 - 327م) وانتشرت فيها المسيحية وأقيمت في ضواحيها الأديرة والكنائس وأصبحت مركز الأسقفية.
وفي العصر الإسلامي، استقرت فيها قبائل بني النضير اليهودية بعد طردها من الجزيرة العربية وازدهرت المدينة وأصبحت أهم مدينة زراعية في غور الأردن وأحيطت بمزارع النخيل والموز وقصب السكر والريحان والحنة والبلسم وسكنها قوم من قيس وجماعة من قريش.
وقد استولى الفرنجة على أريحا وأسس فرسان الهيكل قلعة بالقرب منها، ولكن صلاح الدين حررها عام 1187 ثم تحولت أريحا بعد ذلك إلى قرية صغيرة متواضعة لا أهمية لها.

وكانت أريحا مركزاً حياً في أواخر العهد العثماني ثم أصبحت مركز قضاء في عهد الانتداب البريطاني حتى عام 1944 حين أُلحقت بقضاء القدس. وبعد عام 1948، عادت أريحا مركز قضاء يحمل اسمها داخل الضفة الغربية. وقد تَدفَّق عليها آلاف اللاجئين وأُقيمت بجوارها مخيمات عين السلطان وعقبة جبر. وبلغ عدد سكانها في أواخر السبعينيات ما يزيد على 15 ألف نسمة.
وأريحا مشهورة في الوقت الحاضر بأراضيها الزراعية التي تعتمد أساساً على الينابيع والآبار. ويُوجَد بجوار أريحا مشروع موسى العلمي للزراعة وتربية المواشي الذي استوعَب كثيراً من اللاجئين. وتوجد عدة صناعات في أريحا من بينها صناعة السكر من القصب وتصنيع التمر من البلح وصناعة النسيج. وتتميَّز أريحا بما فيها من آثار ترجع إلى العصور القديمة والرومانية والمسيحية والإسلامية وهي تُعَدُّ مشتى ممتازاً.
ولموقع أريحا بُعْد عسكري، فهي بوابة طبيعية تشرف على الطرق المؤدية إلى الأغوار والمرتفعات الجبلية، ولذا حرصت إسرائيل على احتلالها في حرب 1967 قبل غيرها من مدن الضفة الغربية لنهر الأردن، وذلك بالالتفاف حول الضفة الغربية لاحتلال محور طوباس - أريحا وعزل الضفة الغربية عن الضفة الشرقية.
وينطلق مشروع آلون من مفهوم أن حدود إسرائيل الدائمة لابد أن يَسهُل الدفاع عنها وأن تعتمد على عوائق طبوغرافية دائمة مثل قناة السويس أو نهر الأردن. ولذلك اقترح آلون ضم شريط من الأراضي بعمق 10 - 15 كيلو متراً على طول وادي الأردن حتى البحر الميت ثم زيد بعد ذلك إلى 20 كيلو متراً، وقد بلغ عدد المستعمرات في هذا الشريط عام 1971 عشر مستعمرات، ثم أخذت تزداد إلى أن بلغت عام 1982 أربعين مستعمرة. وبمقتضى اتفاقية أوسلو أصبحت أريحا في يد السلطة الفلسطينية.
القدس: أسماؤها
‏Jerusalem: Names

«القدس» تقابلها في العبرية كلمة «يروشالايم» ، وقد وردت الكلمة بهذه الصيغة في العهد القديم أكثر من ستمائة وثمانين مرة. وهي كلمة مشتقة (منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد) من الكلمة الكنعانية اليبوسية «يورشاليم» (من مقطع «يارا» بمعنى «يؤسس» أو من «أور» بمعنى «موضع» أو «مدينة» ؛ ومقطع «شولمانو» أو «شالم» أو «شلم» وهو الإله السامي للسلام) . وفي الكتابات المصرية المعروفة بـ «نصوص اللعنة» التي يرجع تاريخها إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، وردت الكلمة بشكل «روشاليموم» . وقد ورد في مراسلات تل العمارنة (القرن الرابع عشر قبل الميلاد) ست رسائل من عبدي خيبا، ملك «أوروسالم» . ويتكرر الاسم بشكل «أوروسليمو» في الكتابات الآشورية التي تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. أما في كتابات القرن الرابع اليونانية، فقد سُمِّيت «هيروسوليما» ، ومن الواضح أن الاسم اللاتيني «جروسالم» جاء من الاسم الكنعاني للمدينة. وذكر ياقوت المدينة باسم «أورشلين» و «أوريسلم» و «أورسلم» . ويُشار إليها أيضاً بأنها «يبوس» نسبة إلى سكانها من اليبوسيين، وهم من بطون العرب الأوائل الذين نزحوا من الجزيرة العربية نحو عام 2500 ق. م واحتلوا التلال المشرفة على المدينة القديمة. وقد ورد اسم «يبوس» في الكتابات المصرية الهيروغليفية باسم «يابثي» و «بابتي» وهو تحريف للاسم الكنعاني.
وقد بنى اليبوسيون قلعة حصينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس سُمِّيت «حصن يبوس» ، ثم أُطلق عليها فيما بعد اسم «حصن صهيون» . ويُعرَف الجبل الذي أُقيم عليه الحصن باسم «الأكمة» أو «هضبة أوفل» ، وأحياناً باسم «جبل صهيون» . وقد أنشأ السلوقيون، في موضع حصن يبوس، قلعة منيعة عُرفت باسم «قلعة عكرا» أو «إكرا» . وتُسمَّى القدس أحياناً «صهيون» .

وتُطلق التوراة على المدينة، إلى جانب لفظ «يروشالايم» ، لفظ «شاليم» و «مدينة الإله» و «مدينة العدل» و «مدينة السلام» و «مدينة الحق» ، وكذلك «المدينة المقدَّسة» و «مدينة الشعب المقدَّس» و «آرئييل» (أي «أسد الإله» ) . ويذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت، في القرن الخامس قبل الميلاد، مدينة كبيرة في سوريا (بلاد الشام) سماها «قديتس» . (والاسم على الأرجح تحريف للنطق الآرامي «قديشتا» أي «القدس» ) . وعندما استولى داود على المدينة حوالي سنة 1000 ق. م، لم يجد اسماً خاصاً يُطلَق عليها فسماها «مدينة داود» ولكنها عادت بعد ذلك إلى اسمها القديم.
وفي العهد الروماني، دمَّر الإمبراطور إيليوس هادريانوس المدينة (عام 135) وغيَّر اسمها إلى «إيليا كابيتولينا» ؛ و «إيليا» هو اسم الإمبراطور، و «كابيتولينا» نسبة إلى «الكابيتول» معبد جوبتر كبير آلهة الرومان. وأعاد إليها الإمبراطور قسطنطين، الذي اعتنق المسيحية في القرن الرابع الميلادي، اسمها القديم «أورشليم» . ويبدو أن اسم «إيليا» ظل مُتداوَلاً بدليل وروده في العهد العُمَري أو عهد الأمان الذي منحه الخليفة عمر بن الخطاب إلى سكان المدينة عام 638. وفي العصور التالية، سُمِّيت المدينة «بيت المقدس» و «القدس الشريف» ، وقد سماها أحد علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري بالاسمين: «بيت المقدس» و «إيليا» .
القدس: مكانتها في الوجدان الديني اليهودي
‏Jerusalem: Status in the Jewish Religious Imagination

للقدس أهميتها الخاصة عند المسلمين والمسيحيين واليهود نظراً لما تحتويه من آثار دينية، وهذا ما يجعلها من أهم المراكز الروحية ومن أهم مراكز التوحيد. ولكنها في الوقت نفسه ذات أهمية جغرافية حيث تقع على تَقاطُع الطرق التي تربط جميع أرجاء العالم القديم بقاراته الثلاث. وهذا ما جعلها (شأنها شأن فلسطين ككل) ، هدفاً لجميع القوى السياسية الدولية على مرّ العصور. والاهتمام الصهيوني بالقدس والدعم الاستعماري للاستيطان الصهيوني فيها لا علاقة له بتطلعات اليهود الدينية، التي يمكن الوفاء بها دون حاجة لتهويد القدس وتوطين نصف مليون يهودي فيها وربطها بأنفاق وجسور، بالمستوطنات، التي تقع داخل نطاق ما يُسمَّى «القدس الكبرى» . بل إن كثيراً من اليهود المتدينين يشكون من أن تهويد القدس يتم في إطار الإثنية اليهودية (اللادينية) وليس في إطار الانتماء الديني، ولذا يُلاحَظ أن المدينة التي كانت ذات صبغة دينية واضحة (مقابل تل أبيب الشيطانية) بدأت تفقد طابعها الديني وتتحوَّل إلى مركز سياحي توجد فيه محلات الأشياء الإباحية على مقربة من حائط المبكى!
وقبل أن نتناول مكانة القدس في الوجدان الديني اليهودي قد يكون من المفيد أن نتناول بشكل موجز مكانتها في وجدان المسيحيين والمسلمين.

ظلت للقدس، لبعض الوقت، مكانتها الخاصة في الوجدان المسيحي، إذ كانت فلسطين تُعَدُّ الوطن المقدَّس الذي ورَّثه المسيح لأبنائه المسيحيين. ولم تكن القدس تُوصَف بأنها «صهيون اليهودية» بل بأنها «مدينة العهد الجديد المقدَّسة» . ولم تتضاءل أهمية هذه المدينة كمدينة مقدَّسة إلا بعد عام 590 حين أصبح عرش البابا جريجوري العظيم مركز السلطة المسيحية، وأصبحت لروما الحظوة على القدس. وأصبح أسقف القدس يحتل المرتبة الخامسة في السلسة الهرمية لهيئة الكهنوت الكاثوليكية. ومع ذلك، بقيت فلسطين (الأرض المقدَّسة) تتغلغل في حياة وخيال مسيحيّي العصور الوسطى. وكانت الرحلة إلى الأرض المقدَّسة مطمح كل مسيحي، مع ما قد يرافق ذلك من إغراء بالمغامرة والكسب الاقتصادي ومن مشاهد رائعة، وكان من يزورونها يثيرون لدى الآخرين الرغبة في زيارتها. ولا تزال للقدس مكانتها الخاصة في الوجدان المسيحي (رغم تَراجُع أهمية الحج على الأقل بالنسبة للمسيحيين الغربيين) . وللكنيسة القبطية موقف خاص من القضية، فالحج لا يزال من الشعائر المهمة بالنسبة للأقباط، ومع هذا أصدر البابا قراراً بتحريم أداء هذه الشعيرة طالما أن القدس تحت هيمنة الدولة الصهيونية. وأهم الآثار المسيحية في القدس كنيسة القيامة التي تضم قبر السيد المسيح والكنائس المقامة على جوانب طريق الآلام.

أما بالنسبة للمسلمين فيرجع اهتمامهم بالقدس إلى أنها غاية مسرى الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأرض المعراج ولكونها مباركة (بنص سورة الإسراء) وبها أولى القبلتين وثالث الحرمين. وكان المسلمون يتوجهون بالصلاة إليها حينما كانوا بمكة قبل الهجرة، واستمروا في التوجه للصلاة إلى بيت المقدس حوالي سبعة عشر شهراً حتى أمرهم الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة. وهناك أحاديث شريفة كثيرة تبيِّن أهمية القدس ومكانتها عند المسلمين. وقد اهتم بها الحكام والخلفاء المسلمون فأُنشئت فيها المساجد والمقابر والزوايا والتكايا فضلاً عن الأسبلة والأربطة والمدارس. كما أَوقف الكثيرون على القدس معظم الأراضي المجاورة لها. ومن أهم الآثار الإسلامية المقدَّسة في المدينة مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى والحرم المقدسي الذي يضم المسجدين.
وتشغل القدس ( «أورشليم» في المصطلح الديني) مكاناً مركزياً في الوجدان اليهودي. فبعد أن استولى عليها داود، نُقل إليها تابوت العهد ثم بنى سليمان فيها الهيكل. ويُطلَق على المدينة اسم «صهيون» في الموروث الديني، أما الشعب فهو «بنت صهيون» . وهي تضم أيضاً جبل صهيون وقبر داود وحائط المبكى. وقد أصبحت المدينة مركزاً للدين اليهودي يتَّجه إليها اليهود ويذكرونها في صلواتهم، وخصوصاً في الاحتفال بعيد الفصح حيث يرددون: "نلتقي في العام القادم في أورشليم"، وهي المدينة التي كانوا يحجون إليها ثلاث مرات في العام.

وقد أحاط التشريع اليهودي والتراث الأجادي مدينة القدس بكثير من القوانين والأساطير. وفي الأجاداه، تُوجد أوصاف مُسرفة في مديح أورشليم وأهلها، فهي على سبيل المثال سُرَّة العالم ولا يضاهيها في حُسنها مدينة أخرى. وفي محاولة تفسير سبب سقوطها، تلوم الأجاداه أهلها وتُلقي عليهم المسئولية، فأهل أورشليم: "كانوا يحبون المال، يكرهون بعضهم بعضاً، ويكرهون العلماء، ولم يقيموا شعائر السبت". وجاء في الأجاداه أيضاً أن الإله خلق أورشليم عند خلقه العالم، وأنه أقام خيمة الاجتماع فيها، وصلَّى متمنياً ألا يعصيه أبناؤه وحبيبته، أي أورشليم. وهناك كذلك إشارات إلى أورشليم في العصر المشيحاني (أي بعد عودة الماشيَّح المخلِّص اليهودي وقيادته الشعب إلى فلسطين) : "فستمتلئ حدودها بالأحجار الكريمة، وسيأتي اليهود ويأخذونها، وسيضاف إليها آلاف الحدائق". وقد طوَّرت القبَّالاه هذه الأفكار حيث صوَّرت أورشليم كأنها المكان الذي سيفيض فيه الخير من السماء ومنها يوزَّع على بقية العالم. وهي، بهذا، الشخيناه أو الملكوت الذي سيحكم العالم. وتحيط التلال بالقدس حتى لا تصل إليها قوى الظلام (الجانب الآخر في القبَّالاه) ويقوم على حراستها ملائكة الشخيناه. وأورشليم لا يفصلها أي فاصل عن الإله، وتصعد كل أدعية جماعة يسرائيل من خلالها. كما أن أورشليم، باعتبارها الملكوت، تلعب دوراً مهماً في عملية الإصلاح (تيقون) ، إذ ستعلو جدرانها وتقترب من العرش الإلهي. وبهذا، يعود التوازن للعالم، ولعالم التجليات (سفيروت) . والقدس إحدى مدن فلسطين الأربع المقدَّسة التي يجب ألا تنقطع فيها الصلاة (إضافة إلى الخليل وصفد وطبرية) .

ومع هذا تُحرِّم اليهودية الحاخامية العودة إلى فلسطين (إرتس يسرائيل) ومن ثم القدس، إلا في آخر الأيام. وفي العصر الحديث أحجم أحد كبار الحاخامات عن زيارة القدس وقطع رحلته في طريقه إليها، خوفاً من أن يُفسِّر الصهاينة رحلته هذه بأنها قبول لمبدأ العودة.
وقد حاولت اليهودية الإصلاحية أن تخفَّف من الجانب القومي في اليهودية بأن تُحوِّل فكرة اللقاء في القدس إلى فكرة معنوية تشبه فكرة العصر الذهبي والحلم بالسعادة والفردوس. ولكن الصهيونية فسَّرت الشعار الديني تفسيراً حرفياً وحولته إلى شعار سياسي. وفى إطار هذا الفهم السياسي الضيق، قام الإسرائيليون بتغيير الصلوات، واستبدلوا بالصيغة التقليدية في الدعاء صيغة جديدة تقول: في العام القادم نعيد بناء أورشليم. ولا يعترف السامريون بالقدس مركزاً للدين اليهودي، فنابلس هي مدينتهم المقدَّسة.
القدس: تاريخ
‏Jerusalem: History

للقدس أهميتها الخاصة عند المسلمين والمسيحيين واليهود نظراً لما تحتويه من آثار دينية، وهذا ما يجعلها من أهم المراكز الروحية ومن أهم مراكز التوحيد. ولكنها في الوقت نفسه ذات أهمية جغرافية حيث تقع على تَقاطُع الطرق التي تربط جميع أرجاء العالم القديم بقاراته الثلاث. وهذا ما جعلها (شأنها شأن فلسطين ككل) ، هدفاً لجميع القوى السياسية الدولية على مرّ العصور. والاهتمام الصهيوني بالقدس والدعم الاستعماري للاستيطان الصهيوني فيها لا علاقة له بتطلعات اليهود الدينية، التي يمكن الوفاء بها دون حاجة لتهويد القدس وتوطين نصف مليون يهودي فيها وربطها بأنفاق وجسور، بالمستوطنات، التي تقع داخل نطاق ما يُسمَّى «القدس الكبرى» . بل إن كثيراً من اليهود المتدينين يشكون من أن تهويد القدس يتم في إطار الإثنية اليهودية (اللادينية) وليس في إطار الانتماء الديني، ولذا يُلاحَظ أن المدينة التي كانت ذات صبغة دينية واضحة (مقابل تل أبيب الشيطانية) بدأت تفقد طابعها الديني وتتحوَّل إلى مركز سياحي توجد فيه محلات الأشياء الإباحية على مقربة من حائط المبكى!
وقبل أن نتناول مكانة القدس في الوجدان الديني اليهودي قد يكون من المفيد أن نتناول بشكل موجز مكانتها في وجدان المسيحيين والمسلمين.

ظلت للقدس، لبعض الوقت، مكانتها الخاصة في الوجدان المسيحي، إذ كانت فلسطين تُعَدُّ الوطن المقدَّس الذي ورَّثه المسيح لأبنائه المسيحيين. ولم تكن القدس تُوصَف بأنها «صهيون اليهودية» بل بأنها «مدينة العهد الجديد المقدَّسة» . ولم تتضاءل أهمية هذه المدينة كمدينة مقدَّسة إلا بعد عام 590 حين أصبح عرش البابا جريجوري العظيم مركز السلطة المسيحية، وأصبحت لروما الحظوة على القدس. وأصبح أسقف القدس يحتل المرتبة الخامسة في السلسة الهرمية لهيئة الكهنوت الكاثوليكية. ومع ذلك، بقيت فلسطين (الأرض المقدَّسة) تتغلغل في حياة وخيال مسيحيّي العصور الوسطى. وكانت الرحلة إلى الأرض المقدَّسة مطمح كل مسيحي، مع ما قد يرافق ذلك من إغراء بالمغامرة والكسب الاقتصادي ومن مشاهد رائعة، وكان من يزورونها يثيرون لدى الآخرين الرغبة في زيارتها.
ولا تزال للقدس مكانتها الخاصة في الوجدان المسيحي (رغم تَراجُع أهمية الحج على الأقل بالنسبة للمسيحيين الغربيين) . وللكنيسة القبطية موقف خاص من القضية، فالحج لا يزال من الشعائر المهمة بالنسبة للأقباط، ومع هذا أصدر البابا قراراً بتحريم أداء هذه الشعيرة طالما أن القدس تحت هيمنة الدولة الصهيونية. وأهم الآثار المسيحية في القدس كنيسة القيامة التي تضم قبر السيد المسيح والكنائس المقامة على جوانب طريق الآلام.

أما بالنسبة للمسلمين فيرجع اهتمامهم بالقدس إلى أنها غاية مسرى الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأرض المعراج ولكونها مباركة (بنص سورة الإسراء) وبها أولى القبلتين وثالث الحرمين. وكان المسلمون يتوجهون بالصلاة إليها حينما كانوا بمكة قبل الهجرة، واستمروا في التوجه للصلاة إلى بيت المقدس حوالي سبعة عشر شهراً حتى أمرهم الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة. وهناك أحاديث شريفة كثيرة تبيِّن أهمية القدس ومكانتها عند المسلمين. وقد اهتم بها الحكام والخلفاء المسلمون فأُنشئت فيها المساجد والمقابر والزوايا والتكايا فضلاً عن الأسبلة والأربطة والمدارس. كما أَوقف الكثيرون على القدس معظم الأراضي المجاورة لها. ومن أهم الآثار الإسلامية المقدَّسة في المدينة مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى والحرم المقدسي الذي يضم المسجدين.
وتشغل القدس ( «أورشليم» في المصطلح الديني) مكاناً مركزياً في الوجدان اليهودي. فبعد أن استولى عليها داود، نُقل إليها تابوت العهد ثم بنى سليمان فيها الهيكل. ويُطلَق على المدينة اسم «صهيون» في الموروث الديني، أما الشعب فهو «بنت صهيون» . وهي تضم أيضاً جبل صهيون وقبر داود وحائط المبكى. وقد أصبحت المدينة مركزاً للدين اليهودي يتَّجه إليها اليهود ويذكرونها في صلواتهم، وخصوصاً في الاحتفال بعيد الفصح حيث يرددون: "نلتقي في العام القادم في أورشليم"، وهي المدينة التي كانوا يحجون إليها ثلاث مرات في العام.

وقد أحاط التشريع اليهودي والتراث الأجادي مدينة القدس بكثير من القوانين والأساطير. وفي الأجاداه، تُوجد أوصاف مُسرفة في مديح أورشليم وأهلها، فهي على سبيل المثال سُرَّة العالم ولا يضاهيها في حُسنها مدينة أخرى. وفي محاولة تفسير سبب سقوطها، تلوم الأجاداه أهلها وتُلقي عليهم المسئولية، فأهل أورشليم: "كانوا يحبون المال، يكرهون بعضهم بعضاً، ويكرهون العلماء، ولم يقيموا شعائر السبت". وجاء في الأجاداه أيضاً أن الإله خلق أورشليم عند خلقه العالم، وأنه أقام خيمة الاجتماع فيها، وصلَّى متمنياً ألا يعصيه أبناؤه وحبيبته، أي أورشليم. وهناك كذلك إشارات إلى أورشليم في العصر المشيحاني (أي بعد عودة الماشيَّح المخلِّص اليهودي وقيادته الشعب إلى فلسطين) : "فستمتلئ حدودها بالأحجار الكريمة، وسيأتي اليهود ويأخذونها، وسيضاف إليها آلاف الحدائق". وقد طوَّرت القبَّالاه هذه الأفكار حيث صوَّرت أورشليم كأنها المكان الذي سيفيض فيه الخير من السماء ومنها يوزَّع على بقية العالم. وهي، بهذا، الشخيناه أو الملكوت الذي سيحكم العالم. وتحيط التلال بالقدس حتى لا تصل إليها قوى الظلام (الجانب الآخر في القبَّالاه) ويقوم على حراستها ملائكة الشخيناه. وأورشليم لا يفصلها أي فاصل عن الإله، وتصعد كل أدعية جماعة يسرائيل من خلالها. كما أن أورشليم، باعتبارها الملكوت، تلعب دوراً مهماً في عملية الإصلاح (تيقون) ، إذ ستعلو جدرانها وتقترب من العرش الإلهي. وبهذا، يعود التوازن للعالم، ولعالم التجليات (سفيروت) . والقدس إحدى مدن فلسطين الأربع المقدَّسة التي يجب ألا تنقطع فيها الصلاة (إضافة إلى الخليل وصفد وطبرية) .

ومع هذا تُحرِّم اليهودية الحاخامية العودة إلى فلسطين (إرتس يسرائيل) ومن ثم القدس، إلا في آخر الأيام. وفي العصر الحديث أحجم أحد كبار الحاخامات عن زيارة القدس وقطع رحلته في طريقه إليها، خوفاً من أن يُفسِّر الصهاينة رحلته هذه بأنها قبول لمبدأ العودة.
وقد حاولت اليهودية الإصلاحية أن تخفَّف من الجانب القومي في اليهودية بأن تُحوِّل فكرة اللقاء في القدس إلى فكرة معنوية تشبه فكرة العصر الذهبي والحلم بالسعادة والفردوس. ولكن الصهيونية فسَّرت الشعار الديني تفسيراً حرفياً وحولته إلى شعار سياسي. وفى إطار هذا الفهم السياسي الضيق، قام الإسرائيليون بتغيير الصلوات، واستبدلوا بالصيغة التقليدية في الدعاء صيغة جديدة تقول: في العام القادم نعيد بناء أورشليم. ولا يعترف السامريون بالقدس مركزاً للدين اليهودي، فنابلس هي مدينتهم المقدَّسة.
القدس: تهويدها
‏Jerusalem: Judaization
«التهويد» هو عملية نزع الطابع الإسلامي والمسيحي عن القدس وفرض الطابع الذي يُسمَّى «يهودياً» عليها. وتهويد القدس جزء من عملية تهويد فلسطين ككل، ابتداءً من تغيير اسمها إلى «إرتس يسرائيل» ، مروراً بتزييف تاريخها، وانتهاءً بهدم القرى العربية وإقامة المستوطنات ودعوة اليهود للاستيطان في فلسطين) .
وقد بدأت عملية التهويد منذ عام 1948، وزادت حدتها واتسع نطاقها منذ يونيه 1967. وقد ارتكزت السياسة الإسرائيلية على محاولة تغيير طابع المدينة السكاني والمعماري بشكل بنيوي فاستولت السلطات الإسرائيلية على معظم الأبنية الكبيرة في المدينة واتبعت أسلوب نسف المنشآت وإزالتها لتحل محلها أخرى يهودية، كما قامت بالاستيلاء على الأراضي التي يمتلكها عرب وطردهم وتوطين صهاينة بدلاً منهم.

وقد أعلن بن جوريون في مجلس الشعب المؤقت (الكنيست فيما بعد) يوم 24 يونية 1948 أن مسألة إلحاق القدس بإسرائيل ليست موضع نقاش، فما يُناقش هو كيفية تحقيق هذا الهدف. وقد أُعلنت القدس عاصمة لإسرائيل في 23 يناير 1950.
وقد قامت السلطات الإسرائيلية بنقل وزاراتها إلى القدس (الغربية) وأنفقت موازنات كبيرة على تطويرها. وبعد أن كان المستوطنون الصهاينة لا يملكون سوى 18% فقط من الأرض قبل عام 1948، أصبح الوجود العربي في هذا الجزء لا يُذكَر وبخاصة مع طرد 30 ألف فلسطيني من القدس (الغربية) نفسها و40 ألف آخرين من القرى المجاورة التي دخلت غالبيتها فيما بعد في نطاق بلدية القدس.
وحينما نشبت حرب 1967 اجتاحت القوات الإسرائيلية المدينة بأكملها. وحينما ظهرت إمكانية صدور قرار عن مجلس الأمن يقضي بوقف إطلاق النار قبل تنفيذ خطة الاستيلاء على المدينة تقرر اقتحام المدينة القديمة، وتم الاستيلاء عليها في السابع من يونيه ودخل ديان إلى القدس ليُعلن أمام حائط المبكى: "لقد أعدنا توحيد المدينة المقدَّسة، وعدنا إلى أكثر أماكننا قداسة، عدنا ولن نبارحها أبداً".
وقد صدر في 26 يونيه 1967 قانون يسري بموجبه قانون الدولة وقضاؤها وإدارتها على القدس (ثم تكرَّست هذه السيطرة القانونية بقرار ضم مدينة القدس في 30 يوليه 1980، حين أقر الكنيست قانوناً أساسياً يعتبر القدس الكاملة والموحَّدة عاصمة لإسرائيل) . ثم شرعت بعد ذلك في استكمال التهويد حيث هوَّدت القضاء النظامي والشرعي الإسلامي، ثم عملت على تهويد التعليم العربي من خلال إخضاعه لبرامج التعليم اليهودي. كما هوَّدت اللوائح والإجراءات والقوانين التي كانت تحكم الأوضاع المهنية والتجارية والاقتصادية. ثم استكمالاً لهذه العملية، قامت بتغيير أسماء الشوارع والطرق والساحات واستبدلتها بأسماء صهيونية.

ورغم أن القانون القاضي بضم القدس قد صدر بعد 18 يوم من احتلال المدينة، إلا أن عملية تغيير معالمها بدأت في اليوم التالي للحرب، حين قامت الجرافات الإسرائيلية بهدم 135 بيتاً يسكنها 650 شخصاً في حي المغاربة، وهدمت مسجدين في المنطقة نفسها و200 بيتاً ومخزناً كانت تقع في المنطقة الحرام. وفي الأيام المعدودة اللاحقة هدمت 38 بيتاً ضمنها 14 بيتاً من البيوت الأثرية التي تُعتبَر من معالم المدينة القديمة. وعلقت تميمة الباب (ميزوزاه) على أبواب القدس باعتبار أنها «بيت» اليهود.
وحتى يمكننا فهم عملية تهويد القدس يجب أن نراها لا باعتبارها عملية التهام عشوائية نهمة، وإنما باعتبارها مخططاً بارداً له أهدافه الواضحة ويُترجَم من خلال إجراءات محدَّدة. هذا المخطط يهدف إلى "تأسيس القدس الكبرى الموسعة، اليهودية الخالصة: كتلة استيطانية ضخمة تُمزِّق وإلى الأبد الوحدة الجغرافية للضفة الغربية" (كما ورد في إحدى وثائق حزب الليكود) . ويستهدف هذا المخطط أن تكون القدس الكبرى عام 2000 بمنزلة متربو ليتان، تمتد غرباً باتجاه تل أبيب، وجنوباً باتجاه حلحول والخليل، وشمالاً إلى ما وراء رام الله، وحتى حدود أريحا شرقاً. وكل هذا يعني ضم حوالي 1250 كم (ثلاثة أرباعها من الضفة الغربية) ، وأن تبلغ مساحة القدس الكبرى 21% من مساحة الضفة، بحيث يبلغ طول المدينة 45 كم وعرضها 25 كم.
ولتنفيذ هذا المخطط، قامت القوات الإسرائيلية ابتداءً بتشريد حوالي 60 ألف فلسطيني وأصبحت ممتلكاتهم وأراضيهم، وفقاً لقانون أملاك الغائبين، عُرضة لعمليات استيلاء متواصل عليها. وحرصت السلطات الإسرائيلية على استغلال القانون السابق وقانون الاستملاك للمصلحة العامة من أجل مصادرة الأراضي العربية التي لم يمكنها الاستيلاء عليها "بصورة قانونية" بدونهما.

واستولت السلطات الإسرائيلية على أراضي تُقدَّر في مجموعها بحوالي 40% من القدس المحتلة في 1967 وأقامت عليها مستعمرات ومستوطنات وأحياء ومصانع ليصل عدد اليهود في نهاية السبعينيات فيها إلى 19 ألف يهودي. كما صادرت أيضاً 6000 دونم لبناء وتوسيع أحياء عديدة مثل نافي يعقوف وراموت وإيست تيلبوت، وفي عام 1990 تمت مصادرة بضعة آلاف دونم لتوسيع أحياء قديمة وبناء مطار دولي. وفي عام 1995 استولت السلطات على 4400 دونم بهدف دعم الاستيطان، وهو ما كان نتنياهو يُعنى بتنفيذه. وإذا كان للفلسطينيين حسابياً في نهاية 1995 حوالي 21% من أراضي القدس فإن النسبة الفعلية بعد حذف المناطق الوعرة وخلافه تصل إلى 4% فقط من القدس. وقد بلغ مجموع سكان القدس عام 1993 حوالي 555 ألف نسمة منهم 155 ألف فلسطيني مقابل 400 ألفاً من الإسرائيليين. ورغم هذا لا يحصل الفلسطينيون إلا على 5% فقط من موازنة بلدية القدس.
وكانت السلطات الإسرائيلية تفرض قيوداً على بناء العرب لمساكنهم حيث لم تكن تسمح لهم إلا ببناء 56% فقط من الدونم في حين كان يُسمَح في المساحات المملوكة لغير العرب ببناء تزيد نسبته على 300%، حيث كانت تسمح ببناء أبنية شاهقة، أما المناطق العربية فكان معدل الارتفاع فيها لا يزيد عن طابقين أو ثلاثة. وفي السنوات الخمسة والعشرين التالية لحرب 1967 شكلت الوحدات السكنية الفلسطينية 12% من 72 ألف وحدة سكنية بُنيت في القدس الكبرى.

وقد شهدت عملية التهويد من ناحية الإسكان طفرة بعد مجىء رئيس الوزراء الليكودي بنيامين نتنياهو للحكم في إسرائيل. وكان أول ما شرعت فيه حكومته بعد توليها الحكم أن استكملت مشروع شارون القديم الذي يقوم على إقامة 26 بوابة حول القدس. وهو المشروع الذي كان قد وضعه إبان حكومة شامير الليكودية مستهدفاً به سد الفجوات الموجودة في الطوق الاستيطاني الإسرائيلي داخل الأحياء الفلسطينية، بإقامة تجمعات سكنية يتم من خلالها الدمج التام بين شرق المدينة وغربها وتحويل الأحياء العربية إلى جيتوات فقيرة معزولة، يتم تفتيتها إلى وحدات سكنية صغيرة جداً، كما كان يهدف المخطط إلى إنجاز تطويق القدس بالحزام الاستيطاني. وتقوم طريقة شارون في العمل الاستيطاني على ثنائية الأحزمة والبؤر لتطويق التجمعات الفلسطينية بالمستوطنات والأحياء اليهودية، ثم الاندفاع في تركيز هذه البؤر (التي لن تلبث حتى تتوسَّع) لتُفتت ما تبقَّى من تجمعات عربية.
ولم تَسلَم آثار المدينة من عملية التهويد التي سارت في مسارين متوازيين أولهما الاتجاه لتصفية الآثار الإسلامية بسبب طابعها الواضح، وهو ما تم أغلبه عن طريق الهدم والجرف أو تحت مسمَّى الكشف عن الجدار الغربي للحرم القدس وكذلك الحائط الجنوبي، حيث أُزيلت بعض الآثار لهذا الغرض وتصدَّعت أخرى بسبب الجهود نفسها.
ولقد استخدمت إسرائيل أساليب مختلفة لتحقيق هذا الهدف، آخرها حفريات بطول 400 متر، بزعم البحث عن قواعد الهيكل وإنشاء نفق طولي تحته يصل إلى بيت لحم بمحازاة السور الجنوبي للمسجد الأقصى. وتستخدم إسرائيل آليات ضخمة وأجهزة تحدث موجات اهتزازية عنيفة (بدلاً من الحفر اليدوي) بهدف تقويض دعائم المسجد. وعلى مستوى مواز تحرص إسرائيل على تهويد الآثار غير الإسلامية ونسبتها إلى ما تسميه «التاريخ اليهودى» .

ومن أهم الآثار التي تعرضت لعملية تدمير، وكانت مُستهدَفة من قبَل الجرافات الإسرائيلية، المسجد الأقصى، حيث يبقى وجوده تعبيراً عن هوية وتاريخ وعقيدة. وبصرف النظر عن محاولات التسلل للمسجد أو المطالبة بفتحه لليهود لأداء صلواتهم دون قيد، فإن هناك محاولات جادة لتخريبه ومن ثم هدمه. فمحاولات الاقتحام وفتح النيران العديدة في المسجد أصابته بالعديد من التشققات والتصدعات، وقد تم إحباط العديد من محاولات المتطرفين تفجير المسجد بسبب ارتفاع التكلفة الساسية والأمنية لمثل هذه التصرفات، وكان أخطرها ما تم إحباطه في 27 يناير 1984 حيث حاولت جماعة مسلحة يهودية تسلق جدار الحرم القدسي من الناحية الشرقية لكن الحراس تنبَّهوا للأمر، وهو ما أدَّى إلى هروب المقتحمين مخلفين وراءهم كمية كبيرة من القنابل والمتفجرات. كما أن محاولات حرق المسجد الأقصى معروفة، وكان أبرزها الحريق الذي تم في 15 سبتمبر 1969 والذي أدانه قرار مجلس الأمن رقم 271. إلا أن أخطر خطط الهدم هي تلك الكشوف الأثرية المزعومة والتي لم تتوقف حتى مع صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 36/15 الصادر في 28 أكتوبر 1981 والذي يطالب إسرائيل بالكف عن هذا العبث. وتتطلع بعض العناصر الدينية الصهيونية إلى إعادة بناء الهيكل (ليحل محل المسجد الأقصى) .

ويعيش بمدينة القدس حالياً 564 ألف نسمة منهم 413.7 يهودي (أي حوالي 10% من سكان إسرائيل اليهود) بنسبة 73.3% و150.6 ألف غير يهودي بنسبة 26.7% (يُلاحَظ أن تعداد القدس عام 1967 كان حوالي 266.300 نسمة، فزاد عدد اليهود بنسبة 99% ولم يزد عدد السكان غير اليهود عن 20%) . وفي ظل التوسعات الصهيونية في المدينة فإن مساحتها أصبحت تعادل عُشر مساحة الضفة الغربية. وهذه الزيادة المشار إليها لم تأت نتيجة تكثيف تهجير اليهود أو ارتفاع معدلات الخصوبة بشكل كبير بين الجماعات اليهودية في إسرائيل، بل أتت من خلال محاولة التحكم العددي في السكان الفلسطينيين من خلال مجموعة من الآليات مثل التهجير والإخلاء والإرهاب، والتضييق عليهم في مستوى معيشتهم، ومن خلال التضييق في إصدار تراخيص البناء، كما أسلفنا.
وقد استطاعت إسرائيل في اتفاقها مع منظمة التحرير الفلسطينية (إعلان المبادئ الإسرائيلي الفلسطيني الصادر في 13 سبتمبر 1993) تأجيل بحث موضوع القدس إلى ما بعد عامين من الحكم الذاتي الفلسطيني أي حتى قبل يونيه 1996 (حيث كان المُفترض أن تبدأ المفاوضات النهائية في منتصف عام 1996) وذلك ضمن موضوعات مهمة أخرى (اللاجئين - السيادة - المستوطنات - المياه) .

ومع هذا وافقت إسرائيل في تشرين الأول 1993 على الاعتراف بأن كل المؤسسات الفلسطينية في القدس الشرقية، وكذلك الأماكن المقدَّسة لدى المسيحيين والمسلمين، تقوم بدور حيوي بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين، واستناداً إلى ذلك تعهدت إسرائيل بعدم المساس بأنشطتها. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها إسرائيل مصطلح «القدس الشرقية» في إطار معناه الجغرافي والاجتماعي وفي إطاره السياسي أيضاً. وتقوم 13 مؤسسة فلسطينية مرتبطة بالسلطة الفلسطينية بممارسة أنشطتها المختلفة في القدس. ويُعَدُّ بيت الشرق أهم هذه المؤسسات، وقد بدأ العمل فيه منذ انعقاد مؤتمر مدريد في عام 1991، كمركز لقيادة الوفد الفلسطيني لمحادثات السلام، وكمفوضية سياسية غير رسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية في مجال العلاقات الخارجية. وتُجرى، في الأساس، في هذه الدائرة مراسم يُقصَد منها إظهار الهوية العربية للقدس الشرقية. وقد استلم فيصل الحسيني مهمة معالجة شئون القدس بتكليف من سلطة الحكم الذاتي، بمرتبة وزير غير رسمية، لتجاوز القرار الإسرائيلي الذي يحظر على السلطة الفلسطينية العمل من داخل حدود مدينة القدس، كذلك بدأ جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني، في ممارسة نشاطاته في المدينة.
ورداً على النشاطات الفلسطينية داخل مدينة القدس أقر الكنيست الإسرائيلي في السادس والعشرين من ديسمبر 1994، قانوناً بمنع السلطة الفلسطينية من مزاولة نشاطاتها داخل أراضي إسرائيل، واستناداً إلى القانون نفسه في القدس أيضاً. وفي مايو 1995، أمرت إسرائيل بإخلاء جزء من المؤسسات الفلسطينية الموجودة في القدس. كذلك أسرعت في تنفيذ خطط إسكان مختلفة، مثل خطة الإسكان في جبل السور جنوبي المدينة.

ويُلاحَظ أن عمليات التهويد والتوسع أخذت في التسارع قبل حلول مناقشات الوضع النهائي التي كان من المفترض إجراؤها في منتصف عام 1996، بهدف تغيير وضع القدس من الناحية البنيوية. وكما قال أحد المسئولين الإسرائيليين: "سيستحيل على السيد عرفات أن يَزعُم أن القدس الشرقية عاصمته. قد ينجح في القيام بعمل رمزي، غير أن عمليات البناء التي قمنا بها ستجعل تقسيم المدينة من جديد أمراً مستحيلاً".
وقد جرت محاولة التباحث مع الطرف الفلسطيني بصورة غير رسمية لاختبار نياته، وهو ما كشفته الصحف الإسرائيلية أخيراً، وينص على إشراف فلسطيني على المسجد الأقصى والقبول بجعل ثلاث قرى من منطقة القدس هي أبو ديس والعيزرية والسلوان عاصمة للضفة الغربية وقطاع غزة التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية وطبقاً لمخطط العمل فإن هذه القرى الثلاث ستحمل اسم «القدس» أما بقية القدس الشرقية والغربية فستحمل اسم «أورشليم» .
وفقد دخل نتنياهو في حلبة المزايدات، وتجلت هذه المزايدات في تزييف تاريخ القدس. وتحرك بمزيد من الإثارة في مسألة النفق ومنطقة رأس العامود التي هدف منها منع التواصل بين القرى الثلاث المذكورة والمسجد الأقصى.
بيت المقدس
‏Jerusalem
انظر: «القدس» .
أورشليم
‏Jerusalem
«أورشليم» مصطلح نستخدمه للإشارة إلى القدس باعتبارها فكرة دينية. (انظر: «القدس» ) .

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في العالم القديم - التسلل أو الغزو العبراني لكنعان

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

التسلل أو الغزو العبراني لكنعان
‏Hebrew Infitration into, or Conquest of, Canaan
يُعَدُّ خروج العبرانيين من مصر حركة هجرة تمكن رؤيتها في إطار حركة طرد من مصر وجذب من كنعان. وتشير بعض المراجع، استناداً إلى الرواية التوراتية، إلى هذه الهجرة باعتبارها حركة «غزو» عسكرية، ونحن نفضل استخدام اصطلاح «تسلل» لوصف هذه العملية التاريخية الطويلة التي لم تتم عن طريق معركة أو عدة معارك عسكرية حاسمة، وإنما عن طريق التسلل والتجسس والتزاوج والاندماج وأحياناً الغزو. وقد كان العبرانيون قبائل بدوية بدائية حينما خرجوا من مصر وعبروا سيناء ووصلوا إلى مشارف أرض كنعان. ولذلك لم يكن في مقدورهم غزو هذه الأرض والاستيلاء عليها، ولم يكن أمامهم سوى التسلل التدريجي فيها، وقد كانت عملية طويلة استمرت ما بين 1250 و1200 ق. م. وما كان لهذا التسلل أن ينجح لولا تضافر عدة عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية، لعل أهمها كان الغياب المؤقت للإمبراطوريات العظمى في تلك المرحلة. فالإمبراطورية الحيثية في الشمال كانت قد انهارت في الربع الأخير من الألف الثاني قبل الميلاد، وكانت عوامل الضعف تزحف على القوة المصرية في الجنوب التي تضاءلت هيمنتها على كنعان، ولم تكن آشور قد أصبحت بعد قوة عظمى ذات أهمية. أما في كنعان ذاتها، فقد كانت المدن الدول الكنعانية قد أحرزت تقدماً حضارياً ملحوظاً. ويُرجَّح أن السبب في أن جماعة يسرائيل أو العبرانيين قد أخذت بلغة وحضارة وحتى بديانة كنعان يعود إلى كونها جماعة بدائية تفتقر إلى أدنى المقومات الحضارية، وذلك كما نستنتج من الروايات التوراتية إذ يخاطب الإله موسى قائلاً: «إني سأسوقك إلى مدن عظيمة لم تبنها، وبيوت مملوءة كل خير لم تملأها، وآبار محفورة لم تحفرها، وكروم وزيتون لم تغرسها ... وأكلت وشبعت ... » (تثنية 6/10ـ 12) . ومع ذلك، كانت هذه المدن/الدول تتطاحن فيما بينها، وهو ما أدَّى إلى تَدهور الوضع الأمني في البلاد. ويبدو أن الوضع الإثني في كنعان كان يتَّسم بعدم التجانس، فالعهد القديم

يذكر دائماً الأقوام السبعة التي تقطن المكان ويزداد العدد أحياناً ليصل إلى عشرة في سفر التكوين (15/19ـ21) «القينيين والقنزيين والقدمونيين والحيثيين والفرزيين والرفائيين والعموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين» . وهذه نقطة أدركها جواسيس موسى، فقد ذهبوا ورأوا أرضاً «تفيض لبناً وعسلاً وأن مدنها حصينة عظيمة جداً» أي أنها تتمتع بقدر عال من التقدم الحضاري. ولكنهم لاحَظوا أيضاً تنوعها الإثني، إذ قالوا: «العمالقة ساكنون في أرض الجنوب والحثيون واليبوسيون والعموريون ساكنون في الجبل والكنعانيون ساكنون عند البحر وعلى جانب الأردن» (عدد 13/28 ـ 29) .
ومع هذا، لم يحرز العبرانيون نصراً عسكرياً، فلم يحتلوا سوى بعض المناطق الجبلية عن طريق استخدام التجسس والتخريب وعنصر المفاجأة. أما في السهول، حيث توجد العربات الحربية، فقد ظلت الهيمنة للكنعانيين. ويظهر هذا في رد قبيلة يوسف على يوشع بن نون حين يقولون: «لا يكفينا الجبل، ولجميع الكنعانيين الساكنين في أرض الوادي مركبات حديد» (يشوع 17/16 ـ 18) . والوضع نفسه ينطبق على قبيلة يهودا، فقد ملكت الجبل لكنها لم تطرد سكان الوادي «لأن لهم مركبات حديد» (يشوع 17/12ـ 18) .
ومن يقرأ سفر القضاة (1/21 ـ 35) ، ويشوع (16/10) يعرف أن الغزو العبراني كان مجرد استيطان في عدة جيوب غير مترابطة، رغم كل التهويل الخاص بقتل عشرات الملوك. ويؤكد السفر أن الكنعانيين كانوا يقطنون وسط العبرانيين. بل يمكن القول بأن العبرانيين ظلوا مُشرَّدين لاجئين على قمم التلال، ومن تجرَّأ منهم ونزل إلى السهول أصبح خادماً أو عبداً. وظل هذا الوضع فترة طويلة جداً، ففي سفر الملوك الأول إشارة إلى إله العبرانيين باعتباره «إله جبال لذلك قووا علينا. ولكن إذا حاربناهم في السهل فإننا نقوى عليهم» (ملوك أول 20/23) .

ولا يمكن فَهْم هذا التسلل العبراني باعتباره غزواً بالمعنى العادي، فهو تسلل يعتمد على القوة العسكرية أحياناً وعلى المكر أحياناً أخرى وعلى التزاوج في بعض الأحيان. كما أن العبرانيين المتسللين تزاوجوا مع أقاربهم الذين لم يهاجروا معهم إلى مصر كما تزاوجوا مع الكنعانيين. وقد سيطر العبرانيون في نهاية الأمر على قسم كبير من أراضي فلسطين الشمالية، فاستوطنت قبائل يهودا وبنيامين الأراضي المرتفعة المحيطة بالقدس، واستوطنت القبائل الأخرى السهول الشمالية، وقام اتحاد القبائل المعروف بالمملكة العبرانية المتحدة التي انقسمت فيما بعد إلى الدويلتين العبرانيتين. ولكن سيطرة العبرانيين لم تَدُم طويلاً إذ قامت القوى الإمبراطورية العظمى فاكتسحت دويلات الشام وفلسطين كلها وتعاقبت السيطرة عليها.

ومن القضايا التي تثار، عمليات الإبادة الافتراضية التي صاحبت التسلل العبراني، فحسب ما جاء في العهد القديم، كان العبرانيون لا يكتفون بفتح المدن وإنما كانوا يقومون بإتلاف وتدمير كل ما تقع عليه أيديهم من إنجازات مادية أوحضارية وبإبادة الرجال والنساء والشباب والشيوخ والثيران والخراف والحمير بحد السيف. ويذكر العهد القديم بفخر واضح الألوف التي تمت إبادتها. ومما لا شك فيه أن الحديث عن الإبادة، مثل الحديث عن الانتصارات العسكرية، أمر مبالغ فيه. ومع ذلك، يظل هناك جزء من الحقيقة. ولعل اتجاه العبرانيين نحو الإبادة هو تعبير عن تَخلُّفهم الحضاري، فالعبرانيون كما أسلفنا كانوا جماعات متحركة هاربة من مصر، دخلت أرضاً فيها مدن مستقرة بلغت مرحلة حضارية وثقافية أعلى وأكثر رقياً. ولم يكن تحقيق الانتصار والاستيلاء على هذه المدن ممكناً إلا عن طريق الإبادة الجسدية والإفناء المادي الشامل بسبب غياب أية مؤسسات إدارية عبرانية تتمتع بقدر من التركيب. كما أنهم، نظراً لتخلفهم الاقتصادي والحضاري، لم تنشأ عندهم الحاجة إلى الأيدي العاملة التي كان الأسرى من أهم مصادرها. ومن هنا، نجد أن العبرانيين كانوا يتخلصون من الأسرى بإبادتهم جسدياً. وقد استمر هذا الوضع حتى بعد إنشاء الدولة العبرانية المتحدة التي كانت تَسدُّ حاجتها من الأرقاء والعبيد المطلوبين لأداء خدمات يومية اعتيادية للأرستقراطيين والموسرين عن طريق استعباد المذنبين والأفراد الذين يعجزون عن تسديد ديونهم فيبيعون أنفسهم أو أبناءهم ليكونوا عبيداً لدى الدائن.
يَشُوَّع بن نون
‏Joshua

«يَشوَّع بن نون» هو المقابل العربي للاسم العبري «يهوشواع» ومعناه «يهوه هو الخلاص» . ويشوع بن نون، كان اسمه في البداية «شواع» وأضاف موسى الجزء الأول فصار «يهوشواع» ، ثم دعاه موسى «يشوع» . وهو يُسمَّى أيضاً «يوشع» . وهو خليفة موسى وخادمه وابن نون من سبط إفرايم. وُلد في مصر، وأرسله موسى مع كالب ليتجسسا. ويُصوِّره العهد القديم باعتباره نبياً وقائداً عسكرياً قاد القبائل العبرانية إلى أرض كنعان واقتحمها حسب الرواية التوراتية بعد معارك ضارية مع العموريين والمؤابيين والفرزيين والكنعانيين والحيثيين والجرجاشيين والحوريين واليبوسيين، فأحرقوا بعض مدنهم وقتلوا رجالهم مستخدمين الوسائل كافة ـ ومن ذلك الخداع والتجسس عن طريق العاهرات (1250 ـ 1200 ق. م) .

استمر يشوع بن نون في حكم العبرانيين مدة ثمانية وعشرين عاماً، فقسَّم الأرض التي احتلوها بالقرعة على القبائل العبرانية، واستثنى اللاويين الذين قاموا بالأعمال الكهنوتية. وترك ست مدن على الشاطئين الأيمن والأيسر لنهر الأردن لتكون ملجأ للمشرَّدين من العبرانيين المتهمين بالقتل الخطأ. وكان يُحذِّر جماعة يسرائيل من ترك الرب وعبادة آلهة غريبة. ويروي سفر يشوع أخباره، ومن بينها أنه أصدر أمره إلى الشمس بأن «تقف» حتى ينتقم من أعدائه «فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل» (يشوع 10/13) . ويشوع هو الذي أمر العبرانيين بأن يطوفوا بأسوار أريحا سبع مرات وأمامهم سبعة كهنة ينفخون في الأبواق، فسقط السور وسقطت المدينة في أيديهم. ويُفسِّر بعض المحدَثين من اليهود هذه الظاهرة بأنه من تأثير شدة ذبذبات أصوات الأبواق. ومهما يكن الأمر، فقد قام يشوع بإحراق أريحا بالنار بأمر يهوه «وكل ما بها» ما عدا راحاب العاهرة (يشوع 6/22 ـ 24) . ويُلاحَظ أن التصوُّر السائد للخالق في سفر يشوع لا يختلف كثيراً عما جاء على نقش ميشع حيث نجد أن الإله القومي يجد غبطة غير عادية في عمليات القتل والإبادة التي يقوم بها شعبه.

وتحاول الأجاداه أن تبرر قيامه باغتصاب أرض كنعان من أهلها على أساس أن العهد الإلهي قد وعد بهذه الأرض لنسل يعقوب وأن الكنعانيين كانوا مجرد أوصياء عليها. وقد تزوج يشوع من العاهرة راحاب التي ساعدت جواسيسه وذلك بعد أن تهودت. ومما تجدر الإشارة إليه، أن العَالم هـ. تامارين قد أجرى استفتاء، في عدد من مدارس تل أبيب والمدن والمستعمرات الإسرائيلية، حول الأساليب الهمجية التي انتهجها يشوع، فتوصَّل إلى أن نحو 66 - 95% أيَّدوا ذلك الأسلوب وأن 30% من التلاميذ كانوا يؤيدون بصورة قطعية إبادة السكان العرب تماماً في المناطق المحتلة. ومن الأجوبة التي تلقاها: «لقد تصرَّف يشوع بن نون تصرفاً حسناً بقتله جميع الناس في أريحا، ذلك لأنه كان من الضروري احتلال البلاد كلها، ولم يكن لديه وقت لإضاعته مع الأسرى» . وثمة إشارات عديدة في أدبيات جوش إيمونيم وجماعة كاخ إلى يشوع وإلى أن أسلوبه الإبادي هو الأسلوب الأمثل في التعامل. وقد دعا كاهانا المؤسسة الدينية إلى تبيان أن أسلوبه هذا جزء عضوي من الدين اليهودي والرؤية اليهودية لسكان الأرض من غير اليهود.
الأسباط
‏Hebrew Tribes
«الأسباط» صيغة جمع مفردها «سبط» ، وهي كلمة عربية تعني «ولد الابن أو الابنة» ، وتستخدم في النصوص الدينية للإشارة إلى القبائل العبرانية. ونحن لا نستخدم هذا المصطلح في هذه الموسوعة إذ نؤثر استخدام المصطلح الأكثر حياداً وهو كلمة «قبيلة» وجمعها «قبائل» ، ونُفرِّق بين السياق الديني والتاريخي فنقول «قبائل يسرائيل» و «القبائل العبرانية» .
القبائل العبرانية الإثنتا عشرة
‏Twelve Hebrew Tribes

كلمة «سبط» بالعبرية معناها «عصا» أو «جماعة يقودها رئيس بعصا» . ويُطلَق تعبير «أسباط» أو «قبائل» على أولاد يعقوب وكذلك على كل من إفرايم ومنَسَّى ابني يوسف. وقد انتظمت مجموعة القبائل العبرانية (في العصر التالي لموسى والمسمَّى «فترة القضاة» في اثنتي عشرة قبيلة أو اثنى عشر سبطاً على ما جرت عادة النظام الاجتماعي للتجمعات الكنعانية في فلسطين في العصور القديمة. وتسمَّت هذه القبائل بأسماء أبناء يعقوب: رؤوبين وشمعون ويهودا وبساكر وزبولون وبنيامين ودان ونفتالي وجاد وأشير وإفرايم ومنَسَّى، وتضاف إليها قبيلة لاوي. وُسمِّيت هذه القبائل معاً «يسرائيل» ، فهي من صلب يعقوب (يسرائيل) . وكانت كل قبيلة مقسَّمة إلى بطون وأُسَر. وقد استوطنت قبيلتان ونصف (رؤوبين وجاد ونصف منَسَّى) الضفة الشرقية لنهر الأردن، واستقرَّت القبائل الأخرى في ضفته الغربية. وكانت أهم القبائل قبيلة يهودا التي استوطنت في الجنوب وسُمِّيت باسمها المملكة الجنوبية بعد تفكُّك اتحاد القبائل في المملكة العبرانية المتحدة. أما أكبر قبيلة في الشمال، فهي قبيلة «إفرايم» ، ولذا سُمِّيت المملكة الشمالية «إفرايم» . وحينما قَسَّم يشوع بن نون الأراضي المُستولَى عليها بين القبائل، أُوكلت أعمال الكهانة إلى قبيلة لاوي التي لم تنل نصيباً من الأرض. ولذا، فإنها لم تَعُد تُحسَب ضمن القبائل. ومع هذا، ظل العدد (12) كما هو، لأن قبيلة يوسف قُسِّمت إلى قبيلتين هما منَسَّى وإفرايم. وكانت شيلوه المركز المقدَّس لكل القبائل إذ وُضع فيها تابوت العهد. ولكن هناك نظرية تذهب إلى وجود مراكز مقدَّسة أخرى مثل شكيم وجلجال ودان بحيث كان لكل قبيلة مركزها المقدَّس، وكانت شيلوه المركز المقدَّس للقبائل جميعاً.

وجدير بالذكر أن العدد (12) رقم مفضل في العهد القديم، فهناك وعد من الرب لإبراهيم بأن يُخرج من نسل ابنه إسماعيل اثنتى عشرة قبيلة (تكوين 17/20) كما أن عدد أبناء يعقوب كان اثنى عشر أيضاً، وهو نفسه الرقم الذي يتكون منه اتحاد ملوك الحيثيين. وربما كان لذلك علاقة بعدد البروج والشهور في التقاويم الشهيرة. ومع هذا، تختلف الروايات في عدد القبائل على وجه الدقة، فأغنية دبوره (قضاة 5) تذكر عشر قبائل وحسب ولا تذكر يهودا أو شمعون. ويذكر موسى (تثنية 33) إحدى عشرة قبيلة إذ لا يذكر سيمون. وهناك قبائل ورد ذكرها ولم يُعرَف مصيرها، كما أن بعض المراجع التي حصرت كل الأسماء تذكر أن عدد القبائل يبلغ عشرين.

ظل التقسيم القبلي هو النظام الاجتماعي القائم في فترة القضاة (1250 ـ 1020 ق. م) ، والذي استمر إبّان نظام الملكية بعد أن قام داود وسليمان بتوحيد القبائل تحت حكم ملكي شمولي. ولذا، فبعد أن أُقيمت المملكة العبرانية المتحدة، ما لبثت هذه المملكة أن انقسمت إلى مملكتين: الشمالية والجنوبية. وكانت المملكة الجنوبية (يهودا) تضم قبيلتي يهودا وبنيامين، بينما ضمَّت المملكة الشمالية (يسرائيل) القبائل العشر الباقية. ويبدو أن الوحدة بين هذه القبائل كانت ضعيفة للغاية، فالمعارك التي يرد ذكرها في سفر القضاة تدل على أن القبائل لم تشترك جميعاً في معركة واحدة. وهذا أمر طبيعي في أي اتحاد قبلي، وإن كانت المراجع الصهيونية التي تحرص على إبراز مفهوم الوحدة اليهودية تحرص على إخفائه. بل كانت المعارك تنشب أحياناً بين هذه القبائل كما حدث أثناء حكم القضاة حينما نشب صراع بين سكان منطقة جلعاد (قبيلة رؤوبين وجاد ونصف قبيلة منَسَّى) وقبيلة إفرايم. وقد هُزمت قبيلة إفرايم في هذه المعركة وذُبح كثير من أفرادها بعد أسرهم. وقد جاء في العهد القديم (قضاة 7/8، 12) أنه كلما كان يدَّعي أحد أفراد قبيلة إفرايم أنه من جلعاد كان يُطلَب منه أن ينطق بكلمة «شبُولت» أي «سنبلة» ، فإن فشل في ذلك، بسبب اللهجة التي كانوا يتحدثون بها، كان يُذبَح. وهذا يدل على تلك الرغبة في الاستقلالية والتمييز بين القبائل المختلفة، كما يدل على قوة تأثير البيئة الكنعانية في مختلف القبائل بحيث كانت كل قبيلة تتبع اللهجة السائدة في المنطقة التي استقرت فيها.
وقد هاجمت دبوره في أغنيتها (قضاة 5/24) سكان جلعاد وقبائل رؤوبين ودان، وأشارت إلى أنهم لم يهبّوا لنجدتها. ويذهب بعض العلماء إلى أن مرحلة القضاة لم تشهد ظهور قيادات قومية لكل القبائل إذ كانت لكل مجموعة من القبائل قيادتها المستقلة.

ويبدو أن المحرِّض الأساسي على الصراعات والحروب كان قبيلة إفرايم التي كانت تخشى على مكان الصدارة الذي كانت تحتله. وهذا ما حدث بالفعل بعد اتحاد القبائل في المملكة العبرانية المتحدة خلال عصر داود وسليمان. فبعد موت سليمان، استقلت عشر قبائل تحت قيادة إفرايم (928 ق. م) وكوَّنت المملكة الشمالية التي كان لها استقلالها السياسي وبالتالي الديني، وذلك باعتبار أن الدين والسياسة كانا متداخلين في العالم القديم، كما كان الاستقلال الديني مظهراً من مظاهر الاستقلال السياسي.
منسَّى (منسه)
‏Menasseh
«منَسَّى» اسم عبري معناه «من ينسى» وهو اسم الابن البكر ليوسف. كما يُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي كان نصيبها في الأرض موقعاً على ضفتي نهر الأردن. وكانت منَسَّى من القبائل الأولى التي هجَّرها الآشوريون.
رؤوبين
‏Reuben
«رؤوبين» هو اسم عبري معناه «انظروا الابن» وهو الابن البكر ليعقوب وليئة. ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي كان نصيبها من الأرض في شرق الأردن على البحر الميت. وكانت رؤوبين من أوائل القبائل التي هُجِّرت.
شمعون
‏Simeon
«شمعون» اسم عبري معناه «سماع» ، وهو اسم ابن ليعقوب من ليئة، ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي لم يَحصُل أفرادها على نصيب من الأرض التي فُتحت، فسكنوا مدناً في أرض يهودا ثم استولوا على بعض المواقع من جبل سعير.
يسَّاكر
‏Issachar
«يسَّاكر» اسم عبري معناه «يعمل بأجرة» ، أو «يرتزق» هو اسم لأحد أبناء يعقوب من ليئة. وأُطلق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي امتدت الأرض التي أُعطيت لها من جبل الكرمل إلى نهر الأردن.
زبولون
‏Zebulun

«زبولون» اسم عبري معناه «سكن» أو «إقامة» ، وهو اسم ابن ليعقوب من ليئة. ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية. كانت أرض هذه القبيلة تقع في أقصى الشمال، واشترك أفرادها مع كلٍّ من دبوره وباراق في حربهما ضد الكنعانيين. ولم يلعبوا دوراً مهماً في تاريخ العبرانيين.
بنيامين
‏Benjamin
«بنيامين» اسم عبري معناه «ابن يدي اليمنى» . وهو اسم ابن ليعقوب من راحيل. وقد أُطلق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية التي استقرت في جنوب فلسطين، وكان أفرادها مشهورين بشدة بأسهم وقوة بنيتهم. كان منهم أول ملوك العبرانيين. وكانت مدينة القدس وبيت إيل داخل حدودهم. وجاء في سفر القضاة أن القبائل تحالفت ذات مرة ضدَّهم وكادت تفنيهم عن آخرهم، وقد انضمت قبيلة بنيامين إلى يهودا حين انفك اتحاد القبائل داخل المملكة العبرانية المتحدة.
دان
‏Dan
«دان» اسم عبري معناه «القاضي» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من بلْهة. وهو اسم إحدى القبائل العبرانية التي استقر أفرادها في وسط فلسطين من جهة الغرب. طردهم الفلستيون من هذه الأرض فاستوطنوا بقعة في الشمال بعد أن أبادوا سكانها الأصليين. ومنهم شمشون.
نفتالي
‏Naphtali
«نفتالي» اسم عبري معناه «مصارعتي» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من بلْهة. ويُطلَق هذا الاسم على قبيلة عبرانية، كان نصيب أفرادها في الأرض وادي الليطاني والأردن وبحيرة طبرية.
جاد
‏Gad
«جاد» اسم عبري معناه «طالع حسن» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من زلفه. ويُطلَق هذا الاسم على إحدى القبائل العبرانية. وقد كان نصيب قبيلة جاد في شرق الأردن، كما اشتمل على الجزء الجنوبي من جلعاد.
آشير
‏Asher

«آشير» اسم عبري معناه «سعيد» أو «مغتبط» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من زلفة. كما أنه اسم إحدى القبائل العبرانية. امتدت المنطقة التي خُصِّصت لهم على ساحل البحر الأبيض من جنوب الكرمل إلى حدود صيدون (صيدا) . ولم تتمكن قبيلة آشير من طرد الكنعانيين من المدن الساحلية مثل عكا وصور وصيدون. وكانت معظم المنطقة المعيَّنة لهم في يد الفينيقيين حتى عصر داود وسليمان. ولم تشترك قبيلة آشير في حرب دبوره وباراق ضد الكنعانيين.
إفرايم
‏Ephraim
«إفرايم» كلمة عبرية معناها «الثمار المضاعفة» . وهو اسم أحد أبناء يوسف وأسنات، وهو اسم إحدى القبائل العبرانية. أما المنطقة التي عُيِّنت نصيباً لهم فكانت تقع في القسم الأوسط غربي فلسطين، وكانت شيلوه من أهم مدن إفرايم. ساعد الإفراميون دبوره وباراق في حربهما ضد الكنعانيين، ومنهم صموئيل. ويبدو أن هذه القبيلة كانت تتنازع القيادة مع قبيلة يهودا. ولذا، فقد تزعَّمت حركة الانشقاق بعد موت سليمان. ويُشار إلى المملكة الشمالية باعتبارها مملكة إفرايم.
اللاويون
‏Levites

«لاوي» اسم عبري معناه «مقترن» . وفي الإنجليزية، يَرد هذا الاسم في صورة «ليفي» . ولاوي ثالث أبناء يعقوب من ليئة، ويُطلَق اسمه على إحدى القبائل العبرانية الاثنتي عشرة، نصَّبهم موسى ليخدموا في خيمة الاجتماع مكافأة لهم على رفضهم الاشتراك في عبادة العجل الذهبي واشتراكهم في ذَبْح عبدته. وقد أُوكلت إلى كل عائلة من قبيلة لاوي مهام وواجبات محددة تتصل بنقل وجمع أجزاء خيمة الاجتماع إلى البرّية، وتعليم أفراد الشعب الشريعة. واختصت عائلة هارون ونسله بالخدمة داخل الخباء نفسه، وهو الهيكل فيما بعد. أما اللاويون، فقد كانوا متوسطين بين الشعب والكهنة ولم يجز لهم أن يقدموا ذبائح أو يحرقوا بخوراً أو يشاهدوا الأشياء المقدَّسة إلا مغطاة. ولذلك، حينما يحل وقت قراءة التوراة في الصلوات اليهودية بالمعبد اليهودي، ينادى على من يُتصور أنه من نسل الكهنة أولاً، ثم يُنادَى بعد ذلك على اللاويين.

وبعد تسلل القبائل العبرانية في أرض كنعان واستيطانهم إياها، قام يشوع بن نون بتوزيع القبائل للانتشار في الأرض. كما قام، حسب الرواية التوراتية، بتقسيمها بينهم دون اللاويين الذين لم ينالوا أي نصيب منها إذ أعطاهم ثماني وأربعين مدينة صغيرة في فلسطين بأسرها، وهي المدن الحرة أو مدن الملجأ التي يلجأ إليها القتلة إلى حين محاكمتهم، فإن كان القتل بالصدفة ظل القاتل في المدينة، أما إذا كان متعمداً فإنه يسلم للقبيلة للقصاص. ويذهب بعض العلماء إلى أن اللاويين لم يرتبطوا بأية أرض على الإطلاق لأن هذا لا يتفق مع مهامهم الكهنوتية. ويذهب فريق آخر إلى أن اللاويين لم يكونوا قبيلة، وإنما كانوا يضمون ممثلين لكل القبائل. وكان نظام الكهنة اللاويين قائماً على النظام الذي اتبعه الكهنة المصريون في تمثيل كاهن لكل معبد من معابد مختلف الآلهة المصرية في مصر القديمة، ومتفقاً أيضاً مع طبيعة النظام الديني قديماً في مصر وبلاد الرافدين على السواء حيث كانت هناك أسرة معيَّنة تختص بتَوارُث مهمة الكهانة وتطويع العلاقة بين الرب والمؤمنين ليتم التعبير عنها من خلال الكهنة وحدهم.
وكانت العلاقة بين اللاويين والكهنة غير مستقرة، فسفر التثنية يتحدث عن ضرورة أن ينضم اللاويون إلى صفوف الكهنة. ولكن يبدو أن السلطة الكهنوتية في القدس رفضت انخراطهم في سلكها ووضعتهم في منزلة متدنية في عبادة يسرائيل القربانية لأنهم اندمجوا مع الكنعانيين، وهكذا تم الفصل بين اللاويين والكهنة. ويُلاحَظ أن اللاويين في عهد داود كانوا يُقسَّمون إلى أربعة أقسام:
1 ـ مساعدي الكهنة.
2 ـ القضاة ومندوبيهم والكتبة.
3 ـ البوَّابين.
4 ـ الموسيقيين.

وبهذا المعنى، يمكن الحديث عن اللاويين باعتبار أنهم قبيلة/طبقة وأنهم في مرحلة من المراحل أصبحوا الطبقة الحاكمة بمعنى الكلمة، وكذلك أداتها التنفيذية وجهازها الإداري، فمنهم الشرطة والقضاة والكتبة. ولذا، فإننا نجد أن يُربعام الأول، لتأكيد استقلاليته وأمنه الداخلي، قام بطرد اللاويين من مملكته. وقد تحسَّن وضع اللاويين بعد العودة من بابل إذ أصبح الكهنة واللاويون يعودون بأصلهم إلى مصدر واحد وإن ظل الكهنة يشغلون أهم الوظائف الكهنوتية.
لاوي
‏Levi
«لاوي» اسم عبري معناه «مقترن» . وهو اسم أحد أبناء يعقوب من ليئة. وقد أُطلق اسمه على إحدى القبائل العبرانية، ألا وهي عشيرة موسى وهارون التي كانت لها الزعامة الدينية والاجتماعية على سائر القبائل. ويُقال لأفراد هذه القبيلة «اللاويون» ، ومنهم الهارونيون الذين اضطلعوا بدور الكهنة.
يهودا (قبيلة)
‏Judah (Tribe)
«يهودا» اسم عبري مأخوذ من اسم يهودا رابع أبناء يعقوب وليئة. والاسم يعني «الشكر لله» . وقد كان يهودا هو الذي اقترح على إخوته ألا يذبحوا يوسف وأن يكتفوا ببيعه، كما كان قائد رحلة أسرة يعقوب إلى مصر. تزوج يهودا امرأة كنعانية، وتنتسب إليه أكبر قبائل العبرانيين وأهمها، وهي قبيلة داود التي سيأتي منها الماشيَّح وشعارها الأسد، ومن هنا يُقال «أسد يهودا» . وقد سُمِّي كل العبرانيين «اليهود» نسبة إلى هذه القبيلة بعد شيوع اسمها جغرافياً في المنطقة الجنوبية. وقد ارتبط الاسم بمفهوم بيت يهودا بالمعنى الديني السياسي. وكانت قبيلة يهودا في صراع دائم مع قبيلة إفرايم من أجل الرئاسة والسيطرة على القبائل. والصيغتان «يهودا» و «يهوذا» متداولتان في اللغة العربية، ولكننا في هذه الموسوعة نقتصر على استخدام كلمة «يهودا» للإشارة إلى كلٍّ من الشخصية التوراتية التي تحمل هذا الاسم، والقبيلة أو المنطقة أو الدولة التي كانت تُدعَى كذلك.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في العالم القديم - المملكة العبرانية المتحدة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الملوك والملكية
‏Kings and Kingship
بعد فترة من تسلل القبائل العبرانية في كنعان (1250 ق. م تقريباً) ، بدأ طابعها الاقتصادي والاجتماعي في التحول تأثراً بالبيئة الكنعانية المحيطة، فظهرت الحرف المختلفة والملكية الخاصة للأرض وإقامة المدن، وذلك ليحل نمط جديد محل الاقتصاد البدائي والملكية الجمعية، أي أن المجتمع بدأ يتحول عن القبيلة والبداوة اللتين وسمتاه أثناء عصر القضاة (1250 ـ 1020 ق. م) ليصبح أكثر تركيباً نتيجة عناصر التحول داخله ونتيجة الاحتكاك بالمجتمعات الأخرى الأكثر تركيباً وتَحضُّراً. كما شهدت هذه الفترة ضغطاً عسكرياً عنيفاً على العبرانيين ورفضاً شديداً لهم من جانب الفلستيين والكنعانيين والمؤابيين والأدوميين، وقد واكب ذلك غياب القوى العظمى في منطقة الشرق الأدنى القديم بسبب ظروفها الداخلية. وقد ساهمت هذه الأوضاع الداخلية والخارجية في أن نظام القضاة أصبح نظاماً بالياً غير قادر على التعبير عن الأوضاع الجديدة، وأصبح نظام الملكية أمراً حتمياً للتعبير عن البنية الجديدة للمجتمع. وتعبر القصة التوراتية عن ذلك حيث طلب الشعب إلى صموئيل أن يجعل لهم ملكاً مثل الشعوب الأخرى المتحضرة المحيطة بهم. فتوَّج عليهم شاؤول، ثم داود (1004 ـ 965 ق. م) الذي وحَّد القبائل العبرانية فيما يُسمَّى «المملكة العبرانية المتحدة» . وقد خلفه ابنه سليمان، ثم انقسمت المملكة إلى مملكتين (928 ق. م) : المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية اللتين حكمتهما سلسلة من الملوك.
ولم تكن مؤسسة الملكية العبرانية تختلف كثيراً عن مؤسسة الملكية المقدَّسة التي شاعت في الشرق الأدنى القديم، حيث يُعتبَر الملك نقطة الحلول الإلهي ومن خلاله يتم التواصل بين مملكة الأرض ومملكة السماء. ولذا، كان الملك هو أيضاً الكاهن الأعظم أو أعلى في المرتبة.

وكان الملوك العبرانيون يُعتبَرون نواباً عن الرب، كما كانوا الزعماء الدنيويين والدينيين للعبرانيين، تعلو سلطتهم الدينية سلطة الكاهن الأعظم، ولذا كان الملك هو الزعيم والرئيس الرسمي للشعائر والاحتفالات الدينية العامة. فكان يقدم القرابين إلى يهوه باسم الشعب ويتلقى البركات منه نيابة عنهم ويعمل على تنفيذ وصاياه وشريعته في وقت السلم، كما كان يقوم بقيادة الشعب في وقت الحروب والمحن. وكان الملك يُسمَّى «الماشيَّح» لأنه كان يمسح رأسه بالزيت عند تتويجه. ورغم كل هذا، لم يكن الملك تجسيداً للإله، كما أن حقوقه لم تكن مطلقة، ولم يكن من حقه مصادرة الأرض أو الاستيلاء عليها، كما كانت تنطبق عليه القوانين الأخلاقية والمدنية. وكان الأنبياء يوجهون انتقادهم للملكية باعتبارها مؤسسة سياسية مرتبطة بالفساد والثراء الفاحش والسخرة، ولكن هذا لم يمنع من وجود حكام مُطلقين. وكان من حق الملك أن يعيّن من يخلفه على العرش، غير أن الابن البكر، عادةً، كان يُختار لهذا المنصب.
وقد ظل الموقف العبراني من الملكية مبهماً. فأحد أسفار العهد القديم (تثنية 17/13 ـ 2) يتحدث عن القواعد الواجب اتباعها عند تعيين الملك وهو ما يتضمن اعترافاً بمؤسسة الملكية. ولكننا نجد أن سفر صموئيل يتضمن تحذيراً عميقاً من الملكية لأن الملك لن يلتزم بالقواعد. والرأي السائد بين فقهاء اليهود أن الملكية تخالف روح الدين اليهودي، وأن تعيين ملك أمر يقف ضد إرادة الرب، وأن الشكل الأمثل للحكومة هو حكومة غير ملكية. ولذلك، فحينما استولى الحشمونيون على الحكم (164 ق. م) ، رفضوا في بادئ الأمر أن يتخذوا لقب «ملك» ، كما رفض الغيورون الملكية ولم يرتضوا إلا بالإله ملكاً. ويرى بعض فقهاء اليهود أنه يمكن تعيين ملك كما فعل صموئيل إن هو اتبع التعاليم الدينية وقَبل أن يقوم أحد الأنبياء بتعيينه. وفي التراث الديني اليهودي أن الماشيَّح سيكون ملكاً من نسل داود.

وقد ساهمت الملكية في إضعاف النظام القَبَلي بإنشاء سلطة مركزية وتقسيم الأرض إلى مناطق إدارية لا تتفق بالضرورة مع التقسيمات القَبَلية السابقة، حتى أصبحت القيادات القَبَلية مسألة رمزية أو اسمية أو شكلية ليست لها وظيفة محدَّدة. وقد قوَّضت الملكية القيادة القَبَلية بخلق طبقة من الموظفين الملكيين الذين يعتمدون على الملك ويدينون له بالولاء خارج نطاق شبكة الولاء القَبَلية. وكانت هذه الطبقة تضم الوزراء والمقاتلين والمديرين والعمال في الضياع الملكية وطبقة الكهنة واللاويين. كما أن طبقة التجار ازدهرت بتأثير ظهور الملكية التي شجعت على التجارة كما شجعت على ظهور المهارات الحرفية المتخصصة. وظهرت كذلك طبقة كبار الملاك الذين كان الملك يقتطع لهم ضياعاً كبيرة مكافأة لهم على خدمات قدموها له. وقد قُدِّر لهذه الطبقة أن تلعب دوراً كبيراً في تاريخ المملكة الشمالية اللاحق، وخصوصاً تلك الشريحة التي كانت موجودة في شرق الأردن ولعبت دوراً حاسماً في الحقبة الأخيرة من تاريخ المملكة الشمالية، على خلاف ما حدث في المملكة الجنوبية، حيث لم تلعب هذه الطبقة دوراً كبيراً لضعفها ولعل هذا كان يعود إلى عدم وجود أراض زراعية كافية.

وقد أدَّت هذه التحولات الإدارية والاجتماعية والطبقية إلى ضعف سلطة شيوخ القبائل في المدن وخارجها. ومع هذا، فقد ظلت شبكة العلاقات القَبَلية قوية. ولعل انقسام المملكة العبرانية المتحدة، بعد موت سليمان مباشرة، أكبر دليل على استمرار قوتها. وقد نجم عن ضعف النظام الطبقي القَبَلي والتقليدي ظهور طبقة العمال العبرانيين الموسميين وتحوُّل العناصر المحلية الأصلية التي لم تندمج في المجتمع العبراني إلى ما يشبه العبيد. وكان هناك كذلك طبقة العبيد نفسها، ولكن لابد أن نشير إلى أن العبيد لم يكونوا طبقة مهمة لأن المجتمع العبراني لم يكن متقدماً بالقدر الذي يجعله يحتاج إلى أيد عاملة بشكل دائم، كما أن المجتمع العبراني كان يسد حاجته المحدودة إلى العبيد عن طريق استعباد المذنبين أو العبرانيين الذين لم يسددوا ديونهم. ويمكن القول بأن المعالم الأساسية لبناء المجتمع العبراني (واليهودي فيما بعد) قد تحددت في هذه الفترة، كما ظل المجتمع محتفظاً ببنيته الأساسية إلى أن اختفى في القرون الميلادية الأولى، وقد كانت بنية ثلاثية تتكون أساساً مما يلي:
1 ـ الملك أو الكاهن الأعظم والنخبة الحاكمة التي كانت تتكون من الأثرياء وكبار الكهنة وكبار ملاك الأراضي وكبار التجار (والتجار الدوليين وملتزمي الضرائب فيما بعد) والأرستقراطية العسكرية التي حل محلها فيما بعد جنود الإمبراطورية الحاكمة: الفرس فالبطالمة ثم السلوقيون والرومان.
2 ـ صغار التجار وصغار المزراعين وصغار الكهنة.
3 ـ الفلاحون المعدمون والعمال الموسميون والعبيد والجماعات الهامشية المختلفة.
ويمكن القول بأن ما يُقال له «الحزب الشعبي» كان يضم الطبقتين الثانية (الوسطى) والثالثة (الدنيا) ، وأن الطبقة الثرية هي الطبقة التي تحولت إلى جماعة وظيفية وسيطة تخدم المصالح الإمبراطورية وتسوس المجتمع العبراني لصالحها.

وقد ساد الحكم الملكي بين العبرانيين في المملكة المتحدة ثم في المملكتين الشمالية والجنوبية. ومع هجوم الآشوريين ثم البابليين، تم أسر آخر ملوك العبرانيين. وبعد أن سمح قورش بعودة زعماء اليهود إلى فلسطين (538 ق. م) ، قامت محاولة لتتويج زروبابل ملكاً، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل، ذلك لأن الفرس لم يقفوا وراءها مؤثرين التعاون مع الكهنة على التعاون مع الأرستقراطية العسكرية وبقايا أسرة داود الملكية. وقد ظهر بعد ذلك الحكم الكهنوتي حيث تقع معظم أدوات السلطة الدينية في يد السلطة الإمبراطورية الحاكمة وحيث يشرف الكاهن الأعظم وأثرياء اليهود على شئون اليهود الداخلية. وقد كان الرومان يطلقون لقب «ملك روماني (دوكس) » على بعض الحكام اليهود التابعين لهم مثل هيرود، ولكن هذا اللقب كان لقباً شرفياً محضاً، وقد حجبه الرومان عن أولاد هيرود.
شاؤول (1020-1004 ق. م)
‏Saul
«شاؤول» اسم عبري معناه «الذي سُئل من الإله» . وشاؤول أول ملوك العبرانيين من قبيلة بنيامين. وقد توجه صموئيل ملكاً بعد أن طالبه الشعب بذلك. كان شاؤول يسكن في خيمة ويعيش حياة شيخ قبيلة بدوي، ولم يكن قوي الإرادة، بل كان يميل في مزاجه إلى الكآبة والتقوقع. وهو يمثل انتقال المجتمع العبراني من حكم القضاة إلى حكم الملوك العبرانيين، ومن حالة البداوة إلى حالة الاستقرار والتمدن والزراعة، ولذا فقد كان أقرب إلى القائد العسكري منه إلى الملك.
لم تمتد حدود مملكته الصغيرة إلى أبعد من منطقة قبيلته (بنيامين) . ومع ذلك، فإن انتخابه كان يعني الثورة ضد الفلستيين الذين هزمهم في بادئ الأمر. قام بحملات تأديبية ضد القبائل المعادية، وحاول تطهير الدين من عوامل السحر التي استشرت فيه، ولكنه اصطدم، في نهاية الأمر، بكلٍّ من صموئيل وداود.

ألحق به الفلستيون هزيمة نكراء بجوار جبل جَلْيوع، وقتلوا ثلاثة من أولاده وأصابوه هو نفسه بجراح خطيرة فانتحر. ثم تم تتويج أحد أبناء شاؤول ملكاً على جزء من فلسطين لبعض الوقت، لكن صموئيل توج داود محله. واسم «شاؤول» ليس مقصوراً على العبرانيين إذ أن أحد ملوك الأدوميين كان يُسمَّى بهذا الاسم.
يوناثان
‏Jonathan
يوناثان هو ابن شاؤول البكر، وكان قائداً لقوات العبرانيين في عهد أبيه. والاسم عبري معناه «يهوه أعطى» . وحينما شعر شاؤول بالغيرة المجنونة من داود قام يوناثان بحمايته، بل لم يشعر بالحقد نحو داود حينما عرف أنه سيعتلي العرش. وقد قُتل في المعركة الأخيرة مع الفلستيين ورثاه داود. وتُصوِّر إحدى المسرحيات الاسرائيلية الحديثة العلاقة بين يوناثان وداود كعلاقة شاذة.
المملكة العبرانية المتحدة: ظهورها وانقسامها
‏United Hebrew Kingdom: Emergence and Division
المملكة المتحدة هي، في واقع الأمر، اتحاد القبائل العبرانية الذي سعى إليه شاؤول وأخذ شكل مملكة صغيرة أسسها شاؤول سُمِّيت «مملكة يسرائيل» . ولكن الفضل الحقيقي في تأسيس المملكة يعود إلى داود، وقد خلفه ابنه سليمان في حكمها. وقد تمكَّن العبرانيون من تأسيس مملكتهم حوالي 1020 ق. م بسبب الفراغ الذي نشأ في الشرق الأدنى القديم. فمصر كانت تتعرض آنذاك لضغط الليبيين من الغرب إلى أن قامت أسرة ملكية تنحدر من أصل ليبي، وكان الحيثيون مشغولين بصد الغزاة من البحر (شعوب البحر) ، ولم تكن بابل (العراق) قوة عظمى بعد، كما كانت الدويلات الآرامية في صراع بعضها مع بعض. أما آشور، فلم تكن قد بلغت بعد أوج عظمتها الإمبراطورية.
وبعد موت سليمان، انقسمت المملكة العبرانية المتحدة إلى دولتين: المملكة الشمالية (يسرائيل-إفرايم) والمملكة الجنوبية (يهودا) ، وذلك لأسباب غير مباشرة وأخرى مباشرة. ولنبدأ بالأسباب غير المباشرة:

1 ـ لم يكن اتحاد القبائل العبرانية اتحاداً قومياً في صورة أمة وشعب وأرض وحضارة، بل كان تجمعاً اتحادياً لقبائل متفرقة يجمعها نسبها إلى بيت يعقوب وشريعة موسى ويجمعها وقوعها تحت سيطرة الشعوب الأخرى في كنعان وخارجها.
2 ـ ظهور آشور وبعدها بابل، وكذلك استعادة مصر سيطرتها على حدودها الشرقية ومركزها في فلسطين وبدء حملات شيشنق التأديبية في فلسطين. ولذا، فقد اختفى الفراغ في الشرق الأدنى القديم الذي سمح بظهور المملكة العبرانية المتحدة. أما الدويلتان الصغيرتان اللتان حلَّتا محلها، فقد كانتا خاضعتين لتقلبات القوى الداخلية في كنعان والقوى الخارجية في بلاد الرافدين ومصر.
3 ـ كانت الاختلافات الاجتماعية والدينية عميقة بين مجموعتي القبائل الشمالية والجنوبية. فالقبائل التي كانت تسكن الشمال كانت مندمجة في بيئة زراعية وكانت أكثر تعرضاً للأثر الكنعاني، وكانت تمارس عبادة إلوهيم بطقوس مستمدة من العبادات الكنعانية، وخصوصاً بمفهوم بعل وعشتروت. وقد اعتاد أعضاء هذه القبائل سُكْنَى البيوت المُنعَّمة وتخلوا عن خشونة حياة البدو والرعي التي بدأوا بها. أما القبيلتان الجنوبيتان (يهودا وبنيامين) ، فكان أعضاؤهما يعيشون حياة تقترب من حياة البدو ويعتمدون على الرعي في المرتفعات الصالحة لرعي الأغنام وسائر الأنعام، كما كانوا يمارسون عبادتهم بأسلوب يسرائيلي قديم يتَّسم بالقبلية والتعصب.

ولكن، حتى في فترة اتحاد القبائل في عصر داود وسليمان، حيث كانت تُعتبَر أكثر عهود العبرانيين رفاهيةً واستقراراً، ظل الاقتصاد معتمداً بالدرجة الأولى على المعاملات المالية والضرائب وجزية الرؤوس، حيث كان النشاط التجاري الداخلي محصوراً داخل نطاق ضيق جداً. أما الصناعة، فقد كانت في حالة بدائية ومتخلفة عما كانت عليه في الدويلات المجاورة. وحتى قبل عهد سليمان بزمن قصير، لم يكن معروفاً غير صناعتي الخزف والحديد البدائيتين. وكان هذا الوضع يدفع الأرستقراطية العبرانية ورجال الدين إلى استغلال العامة وانتزاع أكبر قدر يمكن انتزاعه من مواردهم الضئيلة عن طريق الربا والإقراض والقرابين والهبات والصيرفة، الأمر الذي كان يؤدي إلى تركُز الثروة في أيدي قلة. وقد حال هذا الوضع دون استطاعة العبرانيين بناء كيان مستقر ذي تقاليد سياسية ثابتة. وبعد ظهور الدولتين الشمالية والجنوبية، لم يقم اقتصاد زراعي/صناعي في أي منهما، بل ظل الاقتصاد ربوياً صيرفياً.
أما الأسباب المباشرة التي أدَّت إلى انقسام المملكة فكانت متعددة، فثمة أسباب سياسية متمثلة في الرغبة في الانفصال عن سطوة الهيكل في القدس أو في ممارسة حياة بعيدة عن الثيوقراطية، وثمة أسباب اقتصادية تمثلت في مشكلة الضرائب الباهظة التي فرضها سليمان. ولكل هذا، حين اجتمع ممثلو القبائل الاثنتى عشرة في القدس لينصبوا رحبعام بن سليمان ملكاً، أثيرت قضية الضرائب الباهظة التي فرضها أبوه، ولكنه رفض تخفيضها. ولذلك، رفضت القبائل العشر الاعتراف به، وانتخبت يربعام من قبيلة إفرايم ملكاً عليها وكان الناطق بلسانها. وشكلت هذه القبائل مملكة يسرائيل الشمالية التي كانت عاصمتها شكيم أولاً ثم ترصه ثم السامرة.

أما قبيلتا يهودا وبنيامين، فقد ظلتا متمسكتين ببيت داود ومصرتين على فرض السيطرة الدينية والسياسية على القبائل العبرانية كافة. واتسمت المملكة الجنوبية (يهودا) بالميل إلى الانغلاق مع استمرار العداوة قائمة بينها وبين المملكة الشمالية طوال تاريخهما، وقد كانتا تدخلان في تحالفات مع الدول المجاورة في صراعهما الواحدة ضد الأخرى.
داود (1004-965 ق. م)
‏David
«داود» اسم عبري معناها «محبوب» ، وداود هو ثاني ملوك العبرانيين، ويرجع نسبه إلى إسحق بن إبراهيم. وُلد في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وتولَّى العرش عام 1004 ق. م حتى وفاته في عام 965 ق. م، وقد رُويت قصته في سفر صموئيل الثاني. وداود، حسب العقيدة الإسلامية، نبي وملك، ولكنه حسب العقيدة اليهودي ملك وحسب. ويحيطه التراث اليهودي بحكايات تجعله يتصف بصفات غير محمودة.

كان داود راعياً وقاطع طريق، عمل حامل دروع عند شاؤول، وكان يعزف له ليُسرى عنه. وأظهر شجاعة غير عادية في قتال الفلستيين حينما صرع العملاق جُليات بالمقلاع، ثم تزوَّج من ميكال ابنة الملك. ولكن شعبية داود أثارت غيرة الملك عليه، فاضطر إلى الفرار والاحتماء بأعدائه. ولكن، بعد هزيمة شاؤول على يد الفلستيين وانتحاره، عاد داود إلى الخليل (حبرون) ، وتوَّجه صموئيل ملكاً ليهودا. ولكن أسرة شاؤول توَّجت أحد أبنائه ملكاً. ونتيجة خسائر بقية القبائل في الحرب (ويُقال بسبب مساعدة الفلستيين له) ونتيجة مجموعة من الاغتيالات السياسية دبرها قائد قوات داود، انتهى الأمر باغتيال ابن شاؤول نفسه. ثم وجدت القبائل نفسها بدون ملك أو قواد حربيين، فقبلته القبائل العبرانية كافة وضمنها قبائل الشمال، فأسس المملكة العبرانية المتحدة. وبعد ثمانية أعوام من حكمه، فتح داود يبوس أو القدس وحوَّلها إلى عاصمة لمملكته لأنها تتوسط وتسيطر على أهم الطرق الداخلية، وبنى معبداً ليهوه أودع فيه تابوت العهد مؤكداً بهذا توحيد المملكة والقبائل العبرانية. وقد أصبح اللاويون الذراع الإدارية والتنفيذية للدولة، فكان منهم رجال الشرطة والقضاة والكتبة. ثم أسس جيشاً محترفاً بعد تركيز السلطة في القدس، وحارب الفلستيين حلفاءه السابقين والمؤابيين وآرام (سوريا) والعمونيين. وقد استمرت الحروب سجالاً بينه وبين قبائل المنطقة في أرض كنعان.
ومع أن داود ضم قطاعات واسعة من الأرض ووسع حدود مملكته وأبرم معاهدات مع صور وصيدا، إلا أن مملكته لم تكن مع هذا مملكة بمعنى الكلمة إذا ما قورنت بالوحدات السياسية المماثلة في ذلك العصر.

ولا يمكن فهم الإنجازات العسكرية أو السياسية لداود إلا في إطار العلاقات الدولية القائمة حينذاك في الشرق الأدنى القديم، إذ لم يكن من الممكن أن تحقق دويلة صغيرة مثل هذا التوسع إلا في حالة غياب القوى العظمى في ذلك الوقت. ويتميَّز حكم داود بتَحوُّل القبائل العبرانية من الحياة القبلية الرعوية شبه الزراعية إلى حياة مستقرة نوعاً ما تتميَّز بوجود ملكيات كبيرة للأرض. ومع هذا، لم يَخلُ الأمر من متاعب داخلية، مثل ثورة ابنه ضده وغضب الأنبياء عليه وهو ما يدل على أن النمط القَبَلي لم يكن قد فقد تأثيره بعد.
ويُصوَّر داود كشاعر ومحارب وعاشق يرتكب الذنوب بسرعة غريبة ثم يندم عليها بالسرعة نفسها. وقصته التي ترويها التوراة أقرب ما تكون إلى قصة حياة زعيم همجي منها إلى قصة حياة رئيس جماعة يدعو إلى ديانة متطورة أخلاقياً، فقد نسبت التوراة إليه أنه اغتصب بتشبع زوجة أوريا الحيثي أحد رجاله العسكريين، فقد رآها عارية وهي تستحمّ فدفع زوجها إلى الجبهة في الحرب مع العمونيين كي يموت وتبقى المرأة خالصة له. ولكن الإله، برغم كل معاصي داود، كان يصطفيه ويغفر له. ويُنسَب إلى داود أحد أسفار العهد القديم (المزامير) .
وقد عقد الإله معه عهداً أزلياً مثل العهد الذي عقده مع يسرائيل، ولذا سيكون الماشيَّح المخلّص «ملك يسرائيل» من نسله. ومع هذا، نجد أنه لم يكن يهودياً خالصاً إذ أن جدته راعوث كانت مؤابية.

وتصوِّره الأجاداه في صورة الملك الذي لا يمكن أن ينازعه أحد في حقه، كما تؤكد قدراته الجسدية الخارقة، وأنه حجة في الشريعة يقرأ التوراة دائماً، ولذا لم يستطع ملاك الموت أن يقبض روحه إلا باللجوء إلى الخديعة. وقد حاول الحاخامات أن يبينوا أنه لم يرتكب أياً من الذنوب التي ورد ذكرها في العهد القديم. أما في القبَّالاه، فإنه يُقرَن بالتجلي النوراني العاشر ويتسم بصفات «الملكوت» . ويوجد إلى جوار داود الدنيوي داود الأعالي أو داود الآخر، وهو قرين داود الدنيوي، والذي يقود سكان العالم العلوي، ولذا فهو الشخيناه. كما أن داود هو القدم الرابعة للمركبة الإلهية، ويشكل الآباء الثلاثة الأقدام الأخرى. وتفسِّر القبَّالاه قتله أوريا الحيثي بأنه رمز لقتل الثعبان، وداود تجسيد للإنسان الأول (آدم) . أما كونه مولوداً لمؤابية، فقد فُسِّر بأنه مثل نزول الماشيَّح إلى عالم الظلمة وفي الهوة وغوصه في الجانب المظلم حتى يمكنه أن يتغلب على قوى الشر.
ويحب كثير من الصهاينة والإسرائيليين أن يُشخِّصوا دولة إسرائيل بأنها داود الصغير الذكي سريع الحركة، والذي يهزم جليات البطل الفلستي المدجج بالسلاح (والذي يُقرَن بالعرب) عن طريق استخدام المقلاع. وهذه هي صورة الصراع العربي الإسرائيلي كما رسخت في الوجدان الغربي. ولعل لاأخلاقية داود، وتَحوُّله من قاطع طريق إلى راع ثم إلى ملك وشاعر ومحب، تجعله إنساناً عصرياً ليست لديه هموم أخلاقية وقادراً على التكيف مع كل الظروف. وبعد الانتفاضة، واستخدام الفلسطينيين العزل الحجارة ضد آلة الحرب الإسرائيلية المتفوقة، أُعيدت صياغة الرموز وأصبح الفلسطينيون هم داود وأصبحت الدولة الصهيونية هي جُليَّات.
سليمان (965-928 ق. م)
‏Solomon

«سليمان» اسم عبري معناه «رجل سلام» . ويبدو أن هذا هو الاسم الملكي الذي اتخذه يديديا ابن داود بعد اعتلائه العرش. وكلمة «يديديا» معناها «أثير ليهوه» أو «خليل الرب» . ويُعتبَر سليمان عند اليهود ملكًا وليس نبياً، وهو ثالث ملوك العبرانيين، ابن داود من بتشبع. حكم اتحاد القبائل العبرانية المسمَّى «المملكة العبرانية المتحدة» قبل وفاة أبيه بسبب احتيال أمه بمساعدة النبي ناثان. وقد بدأ سليمان حكمه، فيما روت التوراة، بحمام دم استهله بقتل أخيه إدونيا بعد أن خضع له، كما ذبح أفراداً آخرين كانوا يمثلون خطورة عليه مثل يؤاب رئيس جيش أبيه (ولكن عمله هذا لم يُغضب يهوه كثيراً) ، كما أنه عزل آبيثار الكاهن.
وقد تحوَّلت القدس في عهده إلى مدينة تجارية بسبب ازدهار التجارة التي قامت على الاتصالات بالشعوب المحيطة وعلى استخدام السفن في البحر الأحمر ونقل البضائع. وبنى سليمان في عصيون جابر (إيلات) أسطولاً تجارياً بمساعدة الملك التاجر حيرام ملك صور الذي مده أيضاً ببحارة عارفين بالبحر، واستخدم هذا الطريق الجديد بدلاً من طريق مصر في تجارته مع بلاد العرب وأفريقيا. وقام سليمان ببناء الهيكل وبنى قصره الملكي في القدس. وقد قامت ملكة سبأ بزيارته لذيوع صيته، حسب الرواية التوراتية.
وبشكل عام، نعمت مملكته بالسلام لأسباب كثيرة من بينها الحلف الذي عقده أبوه مع الفينيقيين، والتحالفات التي عقدها هو مع الدويلات المجاورة. وقد تمتعت المملكة بحالة من الاستقرار والاستقلال النسبيين بسبب حالة الفراغ السياسي التي عاشتها المنطقة في تلك الفترة نتيجة انكماش كل القوى الإمبراطورية فيها أو غيابها لسبب أو آخر. ولكن، لا ينبغي مع ذلك أن نظن أن دولة سليمان كانت دولة عظمى، فاقتصادها كان محدوداً، ونشاطها التجاري الداخلي كان محصوراً في نطاق ضيِّق جداً، وكانت الصناعة بدائية ومتخلفة.

جمع سليمان عدداً كبيراً من الزوجات والسراري يصل إلى الألف (ملوك أول 11/3) من الأجناس كافة، منهن الفينيقيات والمؤابيات والعمونيات والحيثيات والمصريات. وبنى بتأثيرهن منصات عبادة قرب القدس لعبادة إله صيدا ومؤاب وعمون (ملوك أول 11/5 ـ 8) . وازداد اندماج العبرانيين في عهده مع الشعوب والقبائل المحيطة بهم في فلسطين واتخذوا مظاهر العبادات الكنعانية المختلفة الأمر الذي ابتعد بالدين عن جوهر ديانة موسى، وأدَّى ذلك فيما بعد إلى ظهور الحركة الاجتماعية للأنبياء. وتذكر التوراة أن سليمان صاهر فرعون، ملك مصر، وتزوَّج ابنته (ملوك أول 3/1) ، وقد حصل على مدينة جيزر (بالقرب من القدس) ، وكانت تابعة لمصر، مهراً لزواجه، وهذا هو التوسع الوحيد الذي أنجزه سليمان. ويبدو أن هيبة ملوك مصر في تلك الحقبة كانت قد هبطت حتى ارتضت مصر أن يتزوَّج ملك صغير الشأن كسليمان من إحدى أميراتها.
وفي أواخر حكم سليمان، حرر الملك الآرامي رزين نفسه ومملكته منه، كما بدأ الأدوميون في إزعاجه، بل بدأت تظهر مشاكل داخلية حادة بسبب حالة الاستقطاب الطبقي والضرائب الثقيلة التي فرضها لتمويل أعمال البناء والسخرة اللازمة لتنفيذها. وقد أدَّى ذلك إلى سخط قبائل الشمال، فانحلّ اتحاد القبائل العبرانية بعد وفاته وانقسمت المملكة إلى مملكتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. واستولى شيشنق، أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين، على القدس ونهب معظم ما فيها من كنوز (ملوك أول 14/25) .
ويقف كثير من النقاد موقف المستريب إزاء قصة مجد سليمان التي توردها أسفار الملوك والأيام، ويقولون إن التحيز القومي لدى كُتَّاب متأخرين هو الذي دعاهم إلى الإضافة والمغالاة في القصة. وهو يُعَدُّ حسب فلكلور الماسونية مؤسِّس أول محفل ماسوني في العالم باعتباره باني الهيكل. وتُنسَب إليه بعض كتب العهد القديم، كالأمثال ونشيد الأنشاد وبعض المزامير ... إلخ.

التلويح السابع: في العبرانيين

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

التلويح السابع: في العبرانيين
وهم بنو إسرائيل، وكانت عنايتهم بعلوم الشرائع، وسير الأنبياء، فكان أحبارهم أعلم الناس بأخبار الأنبياء، وبدء الخليقة، وعنهم أخذ ذلك علماء الإسلام، لكنهم لم يشتهروا بعلم الفلسفة، ولغتهم تنسب إلى عابر بن شالخ، والقلم العبراني من اليمين إلى اليسار، وهو من أبجد إلى آخر قرشت، وما بعده سواقط، وهو مشتق من السرياني.
الخط العبراني
أول من كتب به عامر بن شالح، وهو مشتق من السرياني.
وإنما لقب بذلك حيث عبر إبراهيم الفرات يريد الشام، وزعمت اليهود والنصارى لا خلاف بينهم أن الكتابة العبرانية في لوحين من حجارة، وأن الله سبحانه وتعالى رفع ذلك إليه.

رمز الحقايق العبرانية وكنز المعارف السريانية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

رمز الحقايق العبرانية، وكنز المعارف السريانية
ذكره البوني.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت