معجم مقاليد العلوم للسيوطي
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الحلولية ووحدة الوجود والكمونية:
التعريف من خلال دراسة مجموعة من المصطلحات المتقاربة ذات الحقل الدلالى المشترك أو المتداخل. هناك عدد من المصطلحات تُستخدَم للإشارة إلى مفهوم الحلول، وهي تُستخدَم أحياناً كمترادفات وأحياناً أخرى كمصطلحات تُشير إلى مفاهيم متقاربة. ويُلاحَظ أن المعاجم الفلسفية واللغوية المختلفة لا تتفق على معنى محدَّد أو دقيق لهذه المصطلحات، ولذا فإن حقلها الدلالي يتداخل بشكل كبير. ومن أهم المصطلحات ما يلي: 1 ـ «الحلولية» : وقد ترجمها أحد المراجع بالكلمة الإنجليزية «إنفيوشن infusion» . 2 ـ «وحدة الوجود» : وقد ترجمها أحد المراجع بالكلمة الإنجليزية كلمة «بانثيزم pantheism» . 3 ـ «الكمون» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «إمنانس immanence» . 4 ـ «الباطن والباطنية» : ولها ترجمات عديدة باللغة الإنجليزية مثل: «إسوتريك esotiric» ، كما تترجم إلى «أَكَّلت occult» بمعنى «الخفي» ، وإلى «إنترنزيك intrinsic» بمعنى «جزء لا يتجزأ» ، و «إيمنينت immanent» أي «كامن» . 5 ـ «المحايثة» : وهي ترجمة أخرى لكلمة «إمنانس immanence» الإنجليزية. 6 ـ «الاتحاد» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «يونيان union» . 7 ـ «الفناء» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «أنيهيليشن annihilation» . 8 ـ «الفيضية» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «إمانتيزم emanatism» . 9 ـ «التجسد» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «إنكارنيشن incarnation» . 10 ـ «النفسانية الشاملة» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة: «بان سايكيزم pansychism» . 11 ـ «المبدأ الحيوي» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «أنيميزم animism» . 12 ـ «إسقاط الصفات الإنسانية على كل الكائنات» : وتقابلها في الإنجليزية كلمة «أنثروبومورفيزم anthropomorphism» . 13 ـ «الماكروكوزم (الكون الأكبر) والميكروكوزم (الكون الأصغر، أي الإنسان) » : وتقابلها في الإنجليزية عبارة «ماكروكوزم آند ميكروكوزم macrocosm and microcosm» . وما يهمنا في المداخل المختلفة عن بعض هذه المصطلحات ليس تحديد معنى أو تعريف كل مصطلح على حدة، وإنما تحديد الحقل الدلالي العريض والإشارة إلى العناصر المشتركة والمتداخلة بين المصطلحات. ويُلاحَظ أن الحقل الدلالي لكل هذه المصطلحات يفترض أن التنوع والثنائيات (خالق/مخلوق ـ مطلق/نسبي ـ كلي/جزئي ـ جوهري/عرضي ـ روحي/مادي ـ ظاهر/باطن ـ داخل/خارج) هي أمور تنتمي إلى عالم الظاهر وما يحدث أن طرفي الثنائية يتصلان ثم يمتزجان، ويفنى أحدهما في الآخر ويذوب، حتى يكونا كلاًّ واحداً عضوياً لدرجة يستحيل معها التمييز بينهما فيختفي الحيز الإنساني ثم الحيز الطبيعي (الناجمان عن انفصال الخالق عن المخلوق) ويظهر في العالم جوهر واحد فيصبح عالماً واحدياً (أي أن الحلولية هي تعبير عن النزعة الجنينية في الإنسان، مقابل النزعة الربانية نحو قبول الحدود والتركيب والثنائية والمقدرة على التجاوز) . والمصطلحان الأول والثاني (الحلولية ووحدة الوجود) هما الأكثر شيوعاً، وسنقوم باستخدامهما للإشارة للحقل الدلالي الذي تصفه كل هذه المصطلحات، وذلك لعدة أسباب من بينها سهولة الاشتقاق من كلمة «حل» ، ومن ذلك أيضاً أن كلمة «حلول» تفيد درجات مختلفة من الحلول تشكل «وحدة الوجود» آخر درجاتها وأكثرها غلواً وتطرفاً. وذلك على عكس مصطلح «وحدة الوجود» ، فهو يشير إلى حالة نهائية مثالية غير قابلة للتدرج. وعلى هذا، فإن مصطلح «الحلولية» كلمة تشير إلى كلٍّ من عملية الحلول التدريجي التي تتم من خلال مراحل متدرجة وإلى ثمرة هذه العملية، أما مصطلح «وحدة الوجود» فيشير إلى مرحلة نهائية واحدة سكونية (تأتي بعد مراحل سابقة) ، أي إلى الثمرة وحسب، الأمر الذي يعني قصور القيمة الدلالية لهذا المصطلح وضعف قيمته التفسيرية والتصنيفية. ولزيادة القيمة التفسيرية والدلالية للمصطلح قد نضيف كلمة «واحدية» لنفرق بين الحلولية وبين درجات وحدة الوجود الأخرى، فالحلولية الواحدية هي وحدة الوجود، كما سنضيف كلمة «روحية» و «مادية» للتفرقة بين شكلي وحدة الوجود الأساسيين. وقد وجدنا أيضاً أن من الضروري إضافة كلمة «كموني» لكلمة «حلولي» بل واستخدامها أحياناً بمفردها لنصف النظم الحلولية. فنقول «نظام حلولي كموني» أو «المرجعية الكمونية» أو «اتجاه رحمي كموني» أو «الكمونية» . فكلمتا «حلولية» و «وحدة الوجود» تستدعيان عالماً جميلاً وربما لا عقلانياً من التصوف والزهد والدروشة، وهو ما يُقلِل من قيمتهما التحليلية والتفسيرية ويطمس الأبعاد الكلية والنهائية التي نريد أن نشير إليها: أن العالم مكون من جوهر واحد ويتسم بالواحدية الصارمة. الحلولية «حل المكان وبه» ، بمعنى «نزل به» ، و «حلّ البيت» ، بمعنى «سكنه» فهو «حالّ» . والحلول قد يكون بجزء وقد يكون بكل، ولكنه في أكثر درجاته تطرفاً وفي منتهاه هو " اتحاد الجسمين اتحاداً تاماً يذوب به كل منهما في الآخر بحيث تكون الإشارة الى أحدهما إشارة إلى الآخر ". ويعني مصطلح «الحلولية» أن الإله والعالم ممتزجان وأن الإله والقوة الداخلية الفاعلة في العالم (الدافعة للمادة الكامنة فيها) هما شيء واحد، وأن هناك جوهراً واحداً في الكون، ولذا تتسم المذاهب الحلولية بالواحدية الصارمة وإنكار الثنائيات الفضفاضة التكاملية، والسقوط في الثنائيات الصلبة أو الاثنينية وإنكار الحيز الإنساني. وقد ترجمها أحد المراجع بالكلمة الإنجليزية «إنفيوشن infusion» . أما معجم اللغة العربية المعاصرة لهانز فير (عربي ـ إنجليزي) ، فقد أدرج كلمة «إنكارنيشن incarnation» أي «التجسد» مقابلاً للكلمة. وحدة الوجود «وحدة الوجود» تقابلها في الإنجليزية كلمة «بانثيزم pantheism» ، وهي مشتقة من الأصل اليوناني «بان» بمعنى «كل» و «ثيوس» بمعنى «إله» . وكان جون تولاند الإنجليزي (وهو من رواد الفكر الصهيوني ـ غير اليهودي ـ والغنوصي) أول من نحت المصطلح عام 1705، ثم انتشر منه إلى اللغات الأوربية الأخرى. والمصطلح يعني أن كل الموجودات هي الإله وأن الإله هو كل الموجودات، وأن الإله هو العالم وأن العالم هو الإله، والإله والعالم حقيقة واحدة، ولهذا يقول أصحاب وحدة الوجود أنه ليس في العالم وجودان أو جوهران بل هناك جوهر واحد، وهو جوهر متجاوز للإنسان. الكمون «الكمون» تقابلها في الإنجليزية كلمة «إمنانس immanence» والصفة «إمنانت immanent» بمعنى «حالٍّ في» ، من الفعل اللاتيني «إيمانيري immanere» بمعنى «يبقى في» . وفي اللغة العربية، «كمن» بمعنى «توارى» و «كمن له» أي «استخفى في مكمن لا يفطن له» ، و «اكتمن» بمعنى «اختفى» . و «الكمون» هو «صفة ما هو كامن» ، و «الكامن» هو ما ينطوي عليه الشيء بصفة دائمة وإن كانت غير واضحة، وهو وصف ينطبق على جوهر الأشياء (ولذا، يذكر معجم أكسفورد [إنجليزي ـ عربي] لدونياش كلمة «جوهر» كإحدى ترجمات الكلمة) . وحينما يُقال إن " الله كامن في الكون " فهذا يعني أن الإله والكون كيان (جوهر) واحد، وحينما يُقال إن "قوانين الكون كامنة فيه" فهذا يعني أن من يريد أن يفهم هذا الكون عليه أن يدرس القوانين الكامنة فيه لا يتجاوزها. ومبدأ الكمون هو القول بأن " الكل داخل الكل " والقول بأن عناصر الوجود تتضمن بعضها بعضاً ولا تؤلف إلا حقيقة واحدة، وهو عكس التجاوز والتعالي (انظر: «التجاوز والتعالي» ) . ولذا، يُعَدُّ تطبيق مبدأ الكمون على هذه الصورة مقدمة من مقدمات مذهب وحدة الوجود أو نتيجة من نتائجه. ففي مذهب وحدة الوجود، تكون ماهية الإله كامنة/باطنة في العالم، أي أن الإله والعالم واحد. وقد قال إسبينوزا في تعريفه للإله باللاتينية «ديوس إست أومنيوم ريروم كاوزا إمانينز، نان فيرو ترانسينس deus est omnium rerum causa immanens, non vero transiens» ، «الإله هو السبب الكامن لكل الأشياء، لا العلة المؤثرة عليها من الخارج» . وارتباط اسم إسبينوزا بهذا المصطلح له دلالته، فإسبينوزا هو الذي نادى بتعادل وترادف الإله والطبيعة، أي كمون الإله في الطبيعة، أي أن الإله والطبيعة (وكل الأشياء) جوهر واحد. والكمون الكامل بهذا المعنى هو الإنكار الكامل للحيز الإنساني والسقوط التام في قبضة الصيرورة وإنكار أي وجود للكل المتجاوز. وقد وصف جان بياجيه المثل الأعلى البنيوي بأنه " السعي إلى تحقيق معقولية كامنة عن طريق تكوين بناءات مكتفية بنفسها، لا تحتاج من أجل بلوغها إلى الرجوع إلى أية عناصر خارجية ". وما تقوله هذه العبارة هو ما يقوله إسبينوزا مع تغيير في المصطلح، فاللغة واحدة، أما الكلام فمتغير (كما يقول البنيويون) . وقد ترجم عبد المنعم الحفني في موسوعته الفلسفية كلمة «إمنانتزم immanentism» بكلمة «مذهب الحلول» . وتَحدَّث في هذا المدخل عن حلولية طاليس (العالم حافل بالآلهة ـ الإله منبث في العالم) ، وأنكسماندر (اللامتناهي) ، وهرقليطس (المبدأ الواحد وأصل كل المخلوقات) ، وأكسانوفان (العالم هو الإله) ، والرواقيين (المبدأ الأول ـ الإله ينفذ في كل العالم) ، وإسبينوزا (الإله والوجود واحد) ، والحلاج (الناسوت صورة اللاهوت) ، وبعض نظريات التصوف الإسلامي الحلولي (نظرية النور المحمدي التي تزعم أن الرسول اجتمعت فيه روحان: روح إلهية قديمة لا تجرى عليها أحكام الفناء والتغير [اللاهوت] ، وروح بشرية حادثة تجرى عليها أحكام الكون والفساد [الناسوت] ) . كما يستخدم كانط «إيمنينت immanent» في مقابل «متجاوز» ، وهي تعني في واقع الأمر «الشيء في ذاته» . ويستخدم بعض الفلاسفة الماديين كلمة «كامن» بمعنى «مثالي» ، أي «منفصل عن عالم المادة» ، ففلسفة كانط في مصطلحهم فلسفة كمونية «إيمنينت immanent» أي «مثالية» . فعبارة «إيمنينت هستوري immanent history» (التي يمكن ترجمتها بعبارة «تاريخ كموني» أو حتى «تاريخ باطني» ) تُستخدَم للإشارة إلى رؤية تاريخ العالم باعتباره عملية تتم من تلقاء نفسها، مدفوعة بقوانين كامنة في التاريخ نفسه، دون الخضوع لأية مؤثرات خارجية مادية مثل الصراع الطبقي أو الوعي الاجتماعي. وتشير عبارة «فلسفة الكمون» ( «إيمانينس فيلوسوفي immanence philosophy» ) إلى مدرسة فلسفية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وُصفت بأنها فلسفة ذاتية مثالية وجَّهت النقد لمفهوم كانط «الشيء في ذاته» واعتقدت في عدم وجود أي شيء سوى موضوع الفكر، فالوجود كامن في الوعي، والذات مرتبطة تماماً بالموضوع. ودعاة هذا المذهب الفلسفي يرفضون القول بأن الفكر انعكاس للعالم في الوعي، فالإدراك هو دخول الأشياء في الوعي. وقد حاولوا التملص من التمركز الكامل حول الذات بافتراض وجود " وعي بشكل عام " أو " وعي نوعي " (بالإنجليزية: جنيريك generic) يُوجَد مستقلاً عن الدماغ الفردي. وقد ورثت المدرسة الفينومنولوجية كثيراً من هذه الأطروحات وطورتها، وقد ُوصفت هي الأخرى بأنها مدرسة «إيمنينت immanent» بمعنى «مثالية» . والخطاب التحليلي (الفلسفي وغير الفلسفي) الشائع في معظم أنحاء العالم خطاب هيجلي، أي حلولي كموني، وقد شاعت كلمة «إمنانس immanence» في الفلسفة الغربية الحديثة بمعنى «كامن» أو «باطن في الشيء» . فيقول هايدجر "لقد استبعدنا كل ما هو ليس بكامن في الوعي الإنساني"، وعُرِّفت الشكلانية (بالإنجليزية: فورماليزم formalism) بأنها "قراءة كمونية كاملة غير متأثرة بأي شيء خارجها"، وعرَّف أحد مؤرخي الفلسفة الرؤية العلمانية بأنها فلسفة الكمون الكامل، أي فلسفة الجوهر الواحد والواحدية الصارمة والحلولية الكمونية الواحدية. ومن منظور هذه الموسوعة، من المهم الإشارة إلى أن التجلي الأنثوي للإله في المنظومة القبَّالية هي الشخيناه وهي من فعل «شخن» بمعنى «سكن» و «حل» و «استقر» (وهو قريب من معنى «كمن» ومترادف مع فعل «إيمانيري immanere» اللاتيني) . والشخيناه، ليست التجلي الأنثوي للإله وحسب وإنما هي أيضاً شعب إسرائيل، فكأن ثمة وحدة كاملة بين الإله والشعب اليهودي (فهو حلول وكمون كامل) . وفي المنظومات الغنوصية، وهي منظومات حلولية كمونية كاملة، يُعد أصحاب الغنوص جزءاً من الإله. ولذا، فحينما يُرسل الإله بالمخلص لتخليصهم، فهو في واقع الأمر يُخلِّص نفسه، فهو المخلِّص المخلَّص (باللاتينية: سلفادور سلفانديس salvador salvandis) ، ومن ثم فصاحب الغنوص هو العبد والمعبود والمعبد الكامن فيه كل شيء. ونحن نذهب إلى أن العلمنة هي عملية «تكمين» أي جعل المركز كامناً في العالم فيصبح الكون مكتفياً بذاته (مرجعية ذاته) ، وهذه هي المرجعية الكامنة. وقد عُرّفت الوضعية بأنها تعني أن يكون معيار الحكم على الشيء هو ذات الشيء، لا من مصدر خارجه أو مستقل عنه، أي أن معياره كامن (حال) فيه. والمرجعية الكامنة لابد أن تكون واحدية وتنكر التجاوز. ولنضرب مثلاً: تؤمن اليهودية الحاخامية بأن الماشيَّح سيأتي في آخر الأيام عندما يشاء الإله ليعود بشعبه إلى صهيون، فالعودة منوطة بإرادة الإله ولذا كان اليهود لا يزورون فلسطين إلا للحج أو للتعبير عن «حب صهيون» ، أما الاستيطان فيها فكان محرماً، أي أن العودة كانت تدور في نطاق مرجعية متجاوزة (لإرادة اليهود) . فجاءت الحركة الصهيونية وقامت بعملية تكمين، إذ قررت أن مسألة العودة مسألة تتوقف على مشيئة البشر (الطليعة الصهيونية محل الكمون) الذين يمكنهم أن يقرروا متى يمكن تحقيق هذا المشروع في داخل الزمان (فلا تجاوز لإرادة البشر والزمان) . وستتم عملية العودة (بعد دراسة الملابسات المحلية وتوازن القوى الدولية) بهدف الاستيطان في فلسطين، وهي منطقة جغرافية تقع بين آسيا وأفريقيا مجاورة لمصر وتطل على قناة السويس، وهي منطقة مهمة لا لأن الإله باركها أو اختارها وإنما لأن بإمكان المستوطنين الصهاينة القيام على خدمة المصالح الغربية فيها. والفلسفة المثالية الألمانية (رغم مثاليتها وحديثها عن التجاوز والتعالي) هي في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير فلسفة حلولية كمونية، فالتجاوز والتعالي فيها يظل يدور في إطار المرجعية الكامنة. وثمة اتجاه عام في الغرب لاستخدام كلمة «بانثيزم pantheism» للإشارة إلى وحدة الوجود الروحية (التقليدية والوثنية) ، واستخدام كلمة «إمنانس immanence» (وترد أحياناً في شكل «إمننتزم immanentism» ) للإشارة إلى وحدة الوجود المادية، أي الرؤية العلمانية المادية الحديثة التي ترى أن العالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره، ومن ثم يمكن تأسيس النظم المعرفية والأخلاقية على أساس المعرفة العقلية والحسية وحسب دون الاهتمام بأي شيء خارج النظام الطبيعي. الفيضية «الفيضية» تقابلها في الإنجليزية كلمة «إمانتيزم emanatism» ، وهي من الكلمة الإنجليزية «إمانيشن emanation» ، ولذا تأتي الكلمة على النحو التالي: «إمانيشانزم emanationism» ، وهي شكل من أشكال القول بوحدة الوجود. ويُعتبر هرقليطس الفيلسوف المادي اليوناني أول من عبَّر عن نظرية الفيض بقوله: "كل الأشياء تفيض". وقد قال الأفلاطونيون المحدثون إن علاقة المُثُل (الأفلاطونية) بعالم الموجودات الحسية ليست علاقة خلق وإنما علاقة فيض، إذ يفيض الإله عن ذاته فيظهر العالم أو ينبثق عنه العالم، فالفيض يحدث كما تسيل المياه أو كما يصدر النور عن الشمس. ومهما كانت الصورة المُستخدَمة، فإن الفيضان أو الانبثاق لا يَنتُج عنهما تَغيُّر في المصدر، وعملية الفيضان والانبثاق تفترض وجود طرف أعلى وطرف أسفل وقمة وحضيض (ثنائية صلبة) ولكنهما ليسا منفصلين، فالإله هو النفس الكلية التي فاضت عنها نفوس الكواكب ونفوس البشر وسائر الموجودات الحسية، وبذلك تتحقق الصلة العضوية الحلولية الكمونية بين العالم الأعلى والعالم الأسفل. ولكن الصلة رغم عضويتها تتم من خلال حلقات، فالشعاع يتضاءل (وسخاء الفيض يتناقص) كلما ابتعد عن الأصل، ولذا نجد أن كل مرتبة أدنى من التي سبقتها وأعلى من التي تليها في الحقيقة والكمال والخيرية، حتى يخبو الشعاع أو يكاد وحتى ينضب الفيض أو يكاد. وبهذا يتحول الوجود إلى عدم ويصدر العدم عن الوجود، ويتلاشى النور في الظلام ويصدر الظلام عن النور، ويتبدد الخير في الشر ويصدر الشر عن الخير، وتتأكد الصلة الواحدية وتُسد الثغرات وتُملأ الفجوات. وبهذا، يمكن القول بأن نظرية الفيض محاولة لتأكيد الوحدة والواحدية الصارمة دون التخلي عن محاولة تفسير التنوع. وقد ذهب بعض الفلاسفة العرب إلى القول بالفيض، فقد وجدوا فيه رؤية تُضمر رفضاً للعقيدة الإسلامية التي تفصل بين الإله والعالم وتحصر الصلة بينهما في خلق الله لمخلوقاته وفي الوحي المُنزَل على الرسل والأنبياء وأخيراً على الرسول عليه الصلاة والسلام (خاتم المرسلين) ، أي أن الرؤية الفيضية بتأكيدها الصلة العضوية والمباشرة بين الخالق والمخلوق تُنكر فكرة الخلق من العدم وتفتح الباب على مصراعيه لتقاليد النبوة المنفتحة التي لا تنتهي، وتناسخ الأرواح. وما يهمنا هو أن نظرية الفيض تفترض وجود جوهر واحد في الكون، كما تفترض أنه يتسم بالواحدية. وكثير من الأيديولوجيات العلمانية هي أيديولوجيات فيضية، وإذا كانت النظريات الفيضية التقليدية (الروحية) ترى أن الحركة من أعلى إلى أسفل، فإن النظرية الداروينية وكل النظريات المادية الحديثة ترى الحركة من أسفل إلى أعلى. ونظرية هيجل نظرية فيضية، فكل شيء ليس سوى حالة وسط من الوجود والعدم، فالفيض هو وحدة الوجود والعدم والعملية التاريخية هي عملية الفيض التدريجية، فالفكرة المطلقة تتحقق تدريجياً من خلال المادة والتاريخ، والنفس الكلية قد انبثق عنها النور الذي يتخلل ثنايا الوجود إلى أن يصل إلى نهاية التاريخ فيصبح العالم كله نوراً وتصبح الذات موضوعاً. التجسد «التَجسُّد» تقابلها في الإنجليزية كلمة «إنكارنيشن incarnation» . وتستخدم الكلمة للإشارة إلى الإله حين يتجسد في العالم، أي حين يظهر على هيئة شيء محسوس يمكن إدراكه بالحواس الخمس وبالذات على صورة شخص، ويصبح اللاهوت ناسوتاً، فكأن الإله قد حل في أحد مخلوقاته فحدث اتحاد بينهما ولم يَعُد هناك فارق بين خالق ومخلوق فهما جوهر واحد. وتُستخدَم الكلمة في اللاهوت المسيحي للإشارة إلى تجسد الإله (الأب) في صورة المسيح (الابن) ، ولكنها تُستخدَم في الكتابات الفلسفية والمعرفية بشكل مجازي. التأيقن «الأيقونة» باليونانية «آيكون» بمعنى «صورة» أو «تمثيل» ، ومنها «التأيقن» بالنحت. وفي السياق المسيحي، تشير كلمة «أيقونة» إلى «لوحة» أو «رسم بارز» (بالفرنسية: با رليف bas-relief) أو "لوحة فسيفسائية للمسيح أو العذراء (وأحياناً أحد القديسين) . وكانت الأيقونات تُعتبَر أداة مساعدة أو وسيطاً للعابدين حتى يمكن للشخص المقدَّس" المصوَّر في الأيقونة والمتجسِّد فيها، أن يستمع لدعواتهم. وهناك حركة تُسمَّى «أيكونوكلازم iconoclasm» ، أي «تحطيم الأيقونات» أو «تحطيم الأوثان» ، ظهرت حول القسطنطينية في القرنين الثامن والتاسع (تحت تأثير الإسلام) ، رأت أن الأيقونات تشكل سقوطاً في الوثنية باعتبار أن كثيراً من المصلين أصبحوا يظنون أن الأيقونة هي نفسها الشخص المقدَّس المرسوم عليها. وقد نجحت الحركة بشكل مؤقت إذ ظهر أباطرة معادون للأيقونات. وحتى بعد قمع الحركة، كان الفنانون البيزنطيون يحاولون الابتعاد عن التصوير الواقعي والميل نحو التجريد، وذلك حتى يبتعدوا عن التجسيم والتوثين. وفي الفلسفة الحديثة يرى بيرس أن هناك علامات ثلاثاً: الشاهد «إندكس index» (وهو الإشارة العادية مثل إشارات المرور، على سبيل المثال، فثمة مسافة تفصل بين الشاهد والمشار إليه) ، والرمز (وهو إشارة تُختار لتقوم مقام شيء محدد فالعَلم هو رمز الوطن، فالثغرة بين الشاهد والمشار إليه تضيق) ، وأخيراً الأيقونة (وهي علامة تدل على موضوعها من حيث أنها ترسمه أو تحاكيه وبالتالي يُشترَط فيها أن تشاركه بعض الخصائص) . وفي هذه الموسوعة، نستخدم عبارة «لغة أيقونية» بمعنى أنها لغة تحاول أن تُلغي المسافة بين الدال والمدلول إلى أن يصبح الدال مدلولاً، ملتفاً حول نفسه لا يشير إلى شيء خارج ذاته (تَمركُز كامل حول الذات) ، وحالة التأيقن الكاملة هي حالة الالتفات الكامل حول الذات. ولنضرب بعض الأمثلة على اللغة الواحدية المتأيقنة أو تلك التي تحاول أن تصل إلى الواحدية: 1 ـ الصور والرسوم والنماذج والأشكال البيانية. 2 ـ اللغة التصويرية الصينية (الإيديوجراف) والكتابة الهيروغليفية حين تكون الكلمة هي نفسها الصورة المرئية للشيء، فيشار إلى " الشمس " بالشكل *، أو تكون الكتابة قائمة على رسوم ترمز إلى أشياء أو حالات (خلاف الكتابة الأبجدية المُكوَّنة من اجتماع حروف تستحيل أصواتاً وتستحيل الأخيرة مدلولات) . 3 ـ الكلمات التي يُحاكي صوتها معناها مثل «أزيز الطائرات» ، و «نهيق الحمير» و «وشوشة» و «غرغرة» و «سقسقة» و «فرقعة» و «طرقعة» . 4 ـ صيحات الألم مثل «آه» فهي كلمة تعبِّر عن الألم ولكنها ملتصقة به تماماً (وكذلك صيحات اللذة الجنسية) . 5 ـ يُقال إن لفظة «أم» (وهي لفظة تتكرر في كل اللغات) تشبه، حينما ينطقها الطفل، الصوت الذي يحدثه أثناء عملية الرضاعة. ويُلاحَظ أن الدال «أم» هنا قد التصق تماماً بالمدلول نفسه (حركة فم الطفل أثناء الرضاعة) ، فهي، إذن، لفظة جنينية بمعنى الكلمة. 6 ـ الأيقونة حينما يظن العابد أنها تصبح موضع الحلول الإلهي بالفعل لا مجرد رمز له، والتمثال حينما يظن العابد أن الإله حل فيه فأصبح التمثال هو الإله، أي تَصنَّم. 7 ـ اللغة العلمية الدقيقة، وخصوصاً في حالتها الجبرية، إذ تصبح اللغة مجموعة من الدوال المكتفية بذاتها. 8 ـ اللغة الخاصة جداً التي لا يفهمها إلا صاحبها. 9 ـ التعويذات السحرية التي لا تعني شيئاً في حد ذاتها ولكنها من المفترض أن تؤدي إلى إحداث أثر ما. 10 ـ اسم الإله الأعظم حينما تُنسَب له مقدرات سحرية. 11 ـ كان الناقد المسرحي أنطوان أرتو (مُنظِّر ما يُسمَّى «مسرح القسوة» ) يطمح إلى مسرح أيقوني ليس مبنياً على الكلمات وإنما على حركة الجسد مباشرةً وعلى مشاركة المتفرجين، دون وجود نص يُقيِّدهم. وكان مثله الأعلى هو المسرح في الحضارات البسيطة حين تكون التجربة المسرحية هي نفسها تجربة دينية شعائرية لا تحتاج إلى نص أو مُخرج ولا يوجد ممثلون أو جمهور ولا يفصل فاصل بين الواحد والآخر. 12 ـ حاول أرتو نفسه أن يكتب ما سماه «الشعر اللفظي» وهو شعر مبني على تجاور أصوات لا دلالة لها، إلا أن تركيباتها النبرية تصنع حالات شعرية، أو هكذا كان الظن. وعكس التأيقن واللغة الأيقونية هو الحرفية واللغة الحرفية. وهي تتحقق حينما لا يكون للدال أي قيمة في حد ذاته، لأنه يضاهي المدلول تماماً. ورغم اختلاف الأيقونية عن الحرفية، فإنهما يتشابهان تماماً في الواحدية الكمونية، فالأيقونة دال دون مدلول، والحرفية مدلول دون دال (أو دال لا قيمة له) . ففي الحالة الأولى يكون المعنى كامناً في الدال وحسب، وفي الثانية يصبح المعنى كامناً في المدلول وحسب. واللغة المحايدة شكل من أشكال اللغة الحرفية، فاللغة المحايدة تحاول أن تكون شفافة تماماً بحيث تعكس الواقع كما هو. والنظم الحلولية الكمونية تُعبِّر عن نفسها من خلال الأيقونية إذا كان مركز الكمون هو عقل الإنسان، وهي في هذه الحالة تستخدم صوراً مجازية عضوية، فالكائن العضوي المكتفي بذاته، الذي لا يشير إلى ما هو خارجه، هو قمة المرجعية الكامنة. كما تعبِّر الحلولية الكمونية عن نفسها من خلال الحرفية (إذا كان مركز الكمون هو الطبيعة والتاريخ) . أما النظم التي تدور في إطار المرجعية المتجاوزة فتُعبِّر عن نفسها من خلال اللغة المجازية التي تؤكد المسافة بين الدال والمدلول وعلاقة الاتصال والانفصال بينهما. وفي هذه الموسوعة نضع التأيقن الكامل مقابل العمومية الكاملة التي تصل إلى حالة السيولة. ففي حالة التأيقن يصبح الجزء مستقلاً تماماً عن أية مرجعية ويصبح هو الكل، مرجعية ذاته، ومركز الكمون. وتذهب بعض المدارس الفكرية (اللاعقلانية المادية) إلى أن كل ظاهرة كيان فريد لا يمكن أن تنتظمها أية أنماط، ومن ثم لا يمكن دراستها أو حتى فهمها، فالظاهرة هي تجسد اللوجوس ومركز الكمون. والشعب العضوي (فولك) هو تعبير عن حالة التأيقن هذه حين يحوي هذا الشعب معياريته داخله ولا يستطيع أحد أن يحكم عليه حسب معيارية خارجة عنه. والإنسان الطبيعي والتنويعات المختلفة عليه (الإنسان الدارويني والإنسان النيتشوي) يحمل معياريته داخله، فهو البدء والنهاية، هو الإنسان المتأله، بل هو الإله نفسه. على العكس من هذا تقف حالة العمومية الكاملة حيث يندمج الجزء في الكل تماماً فلا يكون له وجود خارجه ولا تكون له أية حدود مستقلة. وتذهب بعض المدارس (العقلانية المادية) إلى أن الظواهر كافة خاضعة لقانون واحد عام يمكن الوصول إليه ودراسته، ومن ثم يمكن التنبؤ بحركة الجزء في إطار معرفتنا بالكل. وثنائية التأيقن والعمومية هي صدى لثنائية صلبة أخرى: التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع. المبدأ الحيوى (أنيميزم) : الأساس العميق للحلولية الكمونية «المبدأ الحيوي» بالإنجليزية «أنيميزم animism» ويُقال له أحياناً بالعربية «مذهب حيوية المادة» أو «الحيوية» . وهو مذهب يرد الحياة والحركة إلى قوة باطنة في المادة هي «النفس» (باللاتينية: أنيما anima) . ويشير المصطلح إلى المذهب الذي يرى أن الكون يشتمل على عدد كبير من الأرواح الكامنة في الأشياء والظواهر الطبيعية (من بينها أرواح الموتى وبخاصة الأسلاف، وقوى كونية مختلفة) ومن ثم نشأ الإيمان بضرورة معاملة هذه الظواهر (مثل الأشجار والجبال والأحجار) كما لو كانت شخصيات حية لها مقدرة في التأثير على الإنسان ومسار حياته والتَدخُّل في مجرى الحوادث. ولذا كان الإنسان يعاملها معاملته لبني الإنسان من استرضاء (من خلال القرابين) وأحياناً المراوغة. وتُعَدُّ عبادة الأرواح والأسلاف تنويعات على المبدأ الحيوي. ونحن نرى أن كل الفلسفات والديانات الوثنية هي أيضاً تنويعات على هذا المبدأ، فالعبادة الرومانية هي عبادة تؤمن بمجمع الآلهة وبعدد هائل من آلهة كامنة في القوى الطبيعية والأماكن وهكذا. ولذا كان للمنزل إلهه وللمدفأة إلهتها، ولكل أسرة إلهها. وكان الإنسان يقدم القرابين لإله المكان لا إله العالمين. ولذا حينما كان ينتقل من بلدته إلى بلدة أخرى كان ينسى آلهته ويحاول التقرب لإله المكان الذي ارتحل إليه. وكلما ازدادت الوثنية رقياً قل عدد الآلهة، إلى أن نصل إلى فكرة الإله القومي الواحد الذي يحل في الأمة والشعب، ولكنه ليس إله العالمين وهو مقصور عليهما. ويمكن أن يصل المبدأ الحيوي إلى درجة من العالمية ويؤمن الإنسان بالنفس الكلية للعالم (باللاتينية: أنيما موندي anima mundi) وهو إله حال في الكون، فهو إله للعالمين ولكنه ليس مفارقاً للمادة أو التاريخ (وحدة وجود عالمية) . وكل العقائد الحلولية الكمونية هي في جوهرها تنويعات على المبدأ الحيوي مع تزايد وتناقص في درجات التجريد. والأنيميزم البدائية هي أدناها في الدرجة، والحلولية الكمونية هي أكثرها تجرُّداً. ويمكن القول بأن الهيجلية هي قمة التجريد في المبدأ الحيوي (أعلى درجات وحدة الوجود المادية العالمية) . وفكرة الإله/الصيرورة المحورية في المنظومة الهيجلية مرتبطة تمام الارتباط بالمبدأ الحيوي. والعلمانية هي الأخرى شكل من أشكال المبدأ الحيوي بعد أن استقرت الأنيما تماماً في المادة، بحيث أصبحت المادة مكتفية بذاتها، تحوي داخلها كل ما يكفي لتفسيرها. وبدلاً من أن يُقدِّم الإنسان القرابين للآلهة العديدة ويراوغها، أصبح يذعن لقوانين الحركة ولا يحاول التخلص من قبضتها (ويظهر التأرجح بين التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع، وبين تأليه الكون وإنكار الإنسان، وتأليه الإنسان وإنكار الكون) . وتحوَّلت عبادة الأسلاف إلى الإيمان بالأرض والوطن والشعب، ولعل هذا يُفسِّر المفردات والصور المجازية الأساسية المشتركة بين المنظومات الحلولية الكمونية البدائية والمنظومات الحلولية الكمونية المتقدمة. الماكروكوزم (الكون الأكبر) والميكروكوزم (الكون الأصغر، أى الإنسان ( «الماكروكوزم (الكون الأكبر) والميكروكوزم (الكون الأصغر، أي الإنسان) » ترجمة للعبارة الإنجليزية «ماكروكوزم آند ميكروكوزم macrocosm and microcosm» . وكلمة «كوزموس cosmos» تعني «كون» ولكنها تعني في الأصل «نظام» مقابل «كيوس chaos» أي «فوضى» ، أما «ماكرو macro» و «ميكروmicro» فتعنيان «أكبر» و «أصغر» على التوالي. ومفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم يؤكد أن ثمة تقابلاً كاملاً (أو شبه كامل) بين الكون والإنسان، سواء في الخصائص النفسية أو الروحية أو حتى في الخصائص الجسدية والتشريحية. وهذا المفهوم أو النموذج المعرفي (أو الصورة المجازية الإدراكية) هو امتداد للمبدأ الحيوي (أنيميزم) والنفسانية الشاملة والاتجاه نحو إسقاط الخصائص الإنسانية على الكون (بالإنجليزية: أنثروبوموفيزم anthropomorphism) ، بحيث يكون في العالم جوهر واحد (إنساني أو شبه إنساني) لا تتجاوزه كل الموجودات (ومنها الإله إن وجد (. والمصدر الأساسي للفكرة هو حوارات أفلاطون (فيليبوس Philebus) التي طورها أفلوطين فيما بعد. ويرد هذا المفهوم (أو النموذج) في كتابات أرسطو والرواقيين (الذين سموا العالم «الحيوان الأكبر» [باليونانية: ميجا زون mega zoon] ) . ويَرد المفهوم كذلك في كتابات فيلو السكندري، وهي فكرة أساسية أيضاً في النصوص الهرمسية وفي القبَّالاه اليهودية والقبَّاله المسيحية من بعدها. وفي إطار هذه المفهوم تَطوَّر علم التنجيم (ويتضح في "الخرائط" التنجيمية حيث يُمثَّل الكون بأبراجه على هيئة جسد إنسان) . وقد بُعث مفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم في عصر النهضة، مع تصاعد معدلات الحلولية الكمونية وترجمة الكتابات الهرمسية و"اكتشاف" القبَّالاه اليهودية واستخدامها في تفسير الكتاب المقدَّس. وتستند فلسفة جيوردانو برونو إلى مفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم، وهي أساس اهتمامه بالسحر وبفن الذاكرة، فالإنسان من خلال معرفته بذاته يمكنه أن يعرف كل أسرار الكون. وبعد تراجع الكتابات الهرمسية استمر النموذج في كتابات لايبنتس في فكرة الموناد. وحتى بعد ظهور الرؤية العلمية الحديثة برؤيتها الآلية استمر نموذج الماكروكوزم والميكروكوزم في أشكال مختلفة مثل إيمان الفلاسفة بتماثل عقل الإنسان والطبيعة وتماثل قوانين العقل وقوانين الطبيعة. كما تظهر الفكرة مرة أخرى في فلسفة شوبنهاور وإيمانه بالعالم كإرادة وفي النظرية الداروينية. والنظريات العضوية ككل هي تنويع على المبدأ الحيوي وتجل لمفهوم الماكروكوزم والميكروكوزم. واصطلاحات «علمية» مثل «المادة ذاتية التنظيم» هي امتداد خافت لهذا المفهوم. اللوجوس «لوجوس» كلمة يونانية تعني «قول» أو «كلام» أو «فكر» أو «عقل» أو «معنى» أو «دراسة» أو «علم» (وهذا المعنى الأخير هو المقطع «أولوجي ology» الذي يظهر في كلمات مثل «جيولوجي» أو «سيكولوجي» ... إلخ بمعنى «علم الأرض» أو «علم النفس» ... إلخ. وقد تطوَّر معنى الكلمة ليصبح «الأساس» و «المطلق» و «الحضور» (في مصطلح ما بعد الحداثة) . وسنلاحظ أن ثمة نمطاً أساسياً هو التأرجح بين اللوجوس كفكرة مجرد متجاوزة واللوجوس كتجسد وحلول وكمون. 1 ـ في العبادة اليونانية: يبدو أن الكلمة تعود إلى العبادة اليونانية القديمة، فكلمة «لوجوس» فيها تشير إلى كلمة الإله أو الآلهة إذ هي تبليغ يأتي للنبي بالوحي الإلهي والحكمة والإرشاد، والنبي هو إنسان يوحى إليه بالكلمة المقدَّسة (لوجوس) ويوصلها للناس. لكن فكرة التبليغ بدأت في التراجع وبدأ التجسد في التزايد فأصبح كلام النبي نفسه لوجوس (وهذا الصراع، بين التبليغ والتجسد، هو صراع بين التوحيد والتجاوز من جهة، والحلولية الواحدية ووحدة الوجود من جهة أخرى) . 2 ـ في الفلسفة اليونانية القديمة: استخدم بعض الفلاسفة اليوانيين (هرقليطس مثلاً) هذه الكلمة، فأصبح اللوجوس المبدأ الذي يسير الكون من خلاله، وهو الذي يفسر الثبات وراء التغير والنظام وراء الفوضى. فالأشياء رغم تنوعها تحدث حسب اللوجوس. ويبدو أن هرقليطس كان يرى أن اللوجوس له وجود أو تجلٍّ مادي مثل النار، فكأن اللوجوس لم يعد كلمة أو مبدأ وإنما تجسُّد في الكون على هيئة عنصر. ويعتبر اللوجوس فكرة أساسية عند الرواقيين بنزعتهم الحلولية التي تقرن بين الإله والطبيعة. وهم، مثل هرقليطس، يرون أن اللوجوس قوة مادية في العالم (النار الأزلية) تسري في كل الكائنات باعتبارها مصدر الحياة أو العلة السببية والمشتركة، الخالقة والحافظة والمقومة لجميع الأشياء، والتي تُنظم الكون وتحقق التوازن بين العناصر كافة، فهي العناية الإلهية أو القصد الإلهي وهي أيضاً روح الإنسان. واللوجوس أزلية كما أنها روح الكون. 3 ـ اللوجوس أورثوس واللوجوس سبرماتيكوس: من الاستخدامات الأخرى لكلمة «لوجوس» ، اصطلاح «لوجوس أورثوس» أي «العقل السليم» ، أو «الحجة السليمة» (وكلمة «أورثو» هي تلك الموجودة في كلمة «أورثوذكس» أي «العقيدة السليمة» ) . وقد استخدم السفسطائيون اصطلاح «لوجوس أورثوس» للإشارة إلى المبادئ والقواعد المنطقية التي ينبغي اتباعها للوصول إلى الاستنتاجات السليمة التي يمكن استخدامها لتقديم وجهة نظر ما بطريقة سليمة. وقد استخدم الرواقيون (من اليونانيين والرومان) العبارة اللاتينية «ريكتا راتيو recta ratio» للإشارة إلى النظام أو القانون السليم أو الضرورة التي يجب أن تمتثل لها أفعال الإنسان والعنصر العاقل الكامن في كل الأشياء. فكأن اللوجوس هنا هو الراتيو (التي اشتُّقت منها كلمة «راشيوناليزم rationalism» أي «العقلانية» ) . وقد استخدمت الكلمة أيضاً في الفلسفة الرواقية في عبارة «لوجوس سبرماتيكوس logos spermaticus» بمعنى «الكلمة التي تعطي الحياة» ، وهي عبارة تعني أن الكلمة بمنزلة البذرة أو المنيّ أو سائل الحياة الذي يُنثَر في العالم بأسره فيسبب الولادة والنمو والتغيُّر في كل الأشياء (وهنا تظهر واحدة من أهم مفردات الحلولية) . وإذا كان العالم من منظور اللوجوس أورثوس يشبه الآلة التي تُدار من الخارج، فهو هنا يشبه الكائن الحي. وتحوي اللوجوس سبرماتيكوس سائل الحياة الذي يحوي بدوره عدداً غير متناه من الحيوانات المنوية تقوم كل واحدة منها بخلق أو توليد كيانات، لكلٍّ منها هدف مستقل، ومع هذا فهي جميعاً متناغمة متساوية. 4 ـ فيلون: استخدم فيلون مفهوم اللوجوس باعتباره القانون قبل أن يُخلق ويُرسل إلى الأرض، والمثال والنموذج الذي خلق الإله العالم وفقاً له (كما يقول أفلاطون) ، وهو أيضاً العقل الكوني قبل خلقه، والوسيط الذي خلق الإله العالم به (كما يصنع الفنان بالآلة) والذي نعرف الإله به وهو الشفيع لنا عنده. وهو كذلك ملاك الإله المذكور في التوراة الذي ظهر للآباء وأعلن لهم أوامره. ولكن اللوجوس مع تصاعُد معدلات الحلول يصبح كامناً في جميع المخلوقات، ولذا فهو العقل والعاقل والمعقول (وهو العبد والمعبود والمعبد) . ويمكن القول بأن اللوجوس هو الركيزة والمرجعية النهائية التي قد تكون إما كامنة في الطبيعة أو متجاوزة لها، أو كامنة فيها متجاوزة لها في آن واحد. وإن جاز لنا استخدام اللوجوس كمقولة تحليلية، ذات دلالة عامة في مجال مقارنة الأديان فيمكننا القول بأن اللوجوس هو النقطة التي يلتقي فيها الإله (المطلق) مع الإنسان (النسبي) داخل التاريخ والزمان ليتواصل معه وأن هذه هي الإشكالية الأساسية التي تواجهها كل الأديان ويحلها كل دين بطريقة مختلفة، نابعة من رؤيته. وقد أخذ اللقاء بين الإنسان (النسبي) والإله (اللوجوس والمطلق) في حالة اليهودية شكل حلول الإله في الماشيَّح وفي التوراة ثم في التلمود وأخيراً في الشعب اليهودي الذي يصبح بذلك مركز خلاص البشرية جمعاء. ثم تعمَّق المفهوم مع انتقال اليهودية إلى تربة مسيحية (فقد عاش معظم أعضاء الجماعات اليهودية ابتداءً من القرن الرابع عشر في أوربا) . فازداد مفهوم اللوجوس مركزية وشيوعاً، ونجد أن التراث الحاخامي يجعل المشناه هي اللوجوس. أما التراث القبَّالي فيخلع هذه الصفة على الشعب اليهودي الذي لم يعد مجرد تجسد للإله بل أصبح جزءاً لا يتجزأ منه (والشخيناه هي الشعب اليهودي وهي أيضاً اللوجوس) . ويرى القبَّاليون أن اسم الإله الأعظم (اللوجوس) هو أكبر تَركُز للحضور الإلهي ("في البدء كانت الكلمة"، أي أن الكلمة هي الأصل) . ومن يفك شفرة هذا الاسم، ستتدفق فيه القداسة والحضور الإلهي ويمكنه الإتيان بالمعجزات والسيطرة على العالم، مثل التساديك الذي يُسمَّى «بعل شيم طوف» ، وهي عبارة عبرية يمكن ترجمتها بعبارة «صاحب اللوجوس» . ويرتبط السحر بين أعضاء الجماعات اليهودية بهذا المفهوم. وفي اللاهوت المسيحي، أصبحت كلمة «لوجوس» تعني «المسيح وابن الإله قبل أن ينزل إلى الأرض» ، وهو الأقنوم الثاني، وهو ليس منفصلاً عن الأب وإن كان متميِّزاً عنه. واللوجوس مخلوق من المادة الإلهية نفسها قبل بدء الخليقة. وهو موجود في عقل الإله ثم خرج إلى الكون. فالمسيح هو تجسد الإله (المطلق) في الزمان (النسبي) ينزل ويُصلَب ويقوم. وبعد قيامه، يعود المسيح إلى الأب، وتصبح الكنيسة (جسد المسيح) اللوجوس المتجسد، فهي معصومة والبابا (رئيسها) معصوم. ويرى البعض أن اللوجوس في الإسلام هو القرآن (نقطة لقاء المطلق بالنسبي) على اعتبار أن القرآن هو كلمة الإله المطلقة وعلى اعتبار أنه كان قائماً بذات الإله باعتباره صفة من صفاته تعالى، ثم تشخَّص تلاوة وسماعاً وكتابة في الوجود الكوني. ويؤكد المسلمون أن هذه ليست حالة تجسد وإنما مجرد تبليغ وتذكير (لفظي) ، فالعلاقة القائمة في حالة التجسد هي علاقة توالد (وهو ما عبَّر عنه القرآن بقوله: "وقالت النصارى المسيح ابن الله"، وجاء على لسان بني إسرائيل "نحن أبناء الله") . أما العلاقة بين كلام الله القائم بذاته والقرآن المتلو أو المكتوب في المصاحف فهي علاقة الدال والمدلول اللذين لا يلتحمان أبداً إذ تظل هناك مسافة بينهما، هي صدى للمسافة بين الخالق وكل مخلوقاته (الإنسان والطبيعة) . والرسول (صلى الله عليه وسلم) ليس تجسداً، فهو ليس إلا حاملاً للرسالة المكتوبة ولا يكتسب أية عصمة وإن كان يكتسب مكانة خاصة لا تماثلها مكانة. وتستند كل المنظومات المعرفية العلمانية إلى ركيزة نهائية (لوجوس) كامنة في المادة تكون بمنزلة العنصر الأساسي الذي يمكن من خلاله تفسير الكون. وهي ما يمكن تسميته «المطلق العلماني» وكلها تنويعات على المطلق العلماني النهائي: الطبيعة/المادة. والدولة في النسق الصهيوني هي اللوجوس الجديد (والعجل الذهبي) الذي يحل محل الإله في النسق الحلولي التقليدي. وتتهم فلسفة ما بعد الحداثة كل الفلسفات الغربية بأنها "متمركزة حول اللوجوس"، أي ملوثة بالميتافيزيقا، ويحاول أنصار ما بعد الحداثة تأسيس نسق فلسفي بدون لوجوس ومن ثم بدون مركز وبدون ميتافيزيقا بل بدون حقيقة. القداسة بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية «القداسة» لغةً هي الطهر والبركة. ويتغيَّر المعنى بتغيُّر مجال تطبيقه: 1 ـ حينما تشير الكلمة إلى الإله، فإنها تعني الكمال الإلهي والتنزه عن الموجودات، ولذا يُقال: «تَقدَّس الإله» بمعنى «تنزَّه» ، و «قدَّس فلان الإله» بمعنى «عظَّمه وكبَّره ونزَّهه عما لا يليق بالألوهية» . وجاء في التنزيل "ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك". ولذا، فالقداسة تعني الانفصال عن عالم الطبيعة والمادة، وهو معنى أساسي للكلمة داخل المنظومة التوحيدية. 2 ـ حينما تطبق الكلمة على البشر، يكون معناها الطهارة وحلول النعمة أو البركة. كما يمكن أن يكون معناها الطهر الذي يصل إليه الإنسان باتباع تعاليم الإله وبفعل الخير وتحاشي الشر. والمعنى الكامن هنا أن الإنسان يتطهر من أدران المادة مثلما يتنزه عن الطبيعة. وعلى هذا يُقال: «قدس الإله فلاناً» بمعنى «طهَّره وبارك عليه» ، و «قدَّس الإله تقديساً» بمعنى «طهَّر نفسه له» . من الواضح، إذن، أن تعريفات القداسة التي وردت في معاجم اللغة العربية تدور أساساً في إطار المنظومة التوحيدية. وقد وردت السمات التالية في معاجم علم الاجتماع باعتبارها السمات الأساسية للمقدَّس: 1 ـ غير خاضع للتقييم النقدي الذي يقتصر على ما هو زمني. 2 ـ المقدَّس يكون دائماً موضع احترام ممزوج بالخشية. 3 ـ لا يمكن انتهاكه أو الخروج عليه. 4 ـ عادةً ما تستلزم الموجودات المقدَّسة أن يقوم الإنسان حيالها بطقوس (دينية) وخصوصاً عند التجائه إليها أو معاملته لها أو اقترابه منها أو اتصاله معها مادياً أو معنوياً بأية صورة من الصور. 5 ـ يُستخدَم مصطلح «المقدَّس» مقابل «المدنَّس» (الحرام مقابل المباح) ، وهي ثنائية تعرفها جميع المجتمعات الإنسانية تقريباً. 6 ـ والشيء المقدَّس ليس مقدَّساً في ذاته وإنما نظراً لارتباطه بمصدر القداسة وإشارتها له، ولذا فإن ما قد يكون مقدَّساً في مجتمع قد يكون مدنَّساً في مجتمع آخر. 7 ـ والأشياء المقدَّسة يمكن أن تكون الآلهة والأرواح والملائكة، كما يمكن أن تكون الكائنات الخارقة للطبيعة أو حتى ينبوع ماء أو شجرة أو حجر أو قطعة نسيج أو فصيلة حيوانية، بل قد تكون الألفاظ والعبارات والصيغ الكلامية والأنغام الترتيلية أشياء مقدَّسة. ويمكن أيضاً أن تكون مفاهيم مجردة مثل: الأمة ـ القبيلة ـ أرض الوطن. 8 ـ جميع المجتمعات الإنسانية تستند إلى عقائد تعرف ما هو مقدَّس (مطلق) وغير خاضع للتقييم (من وجهة نظرها) وما هو مدنَّس ومباح (ونسبي) . والشيء المقدَّس تتحدد قداسته بسبب صلته بمصدر القداسة وتتحدد درجة قداسته بمدى قُربه أو بُعده عن هذا المصدر. لكل ما تقدَّم، لابد أن نشير إلى مفهومين مختلفين للقداسة، أحدهما داخل إطار المرجعية المتجاوزة (المنظومة التوحيدية) والآخر داخل إطار المرجعية الكامنة (المنظومة الحلولية) . فالمصدر الأوحد للقداسة في الإطار التوحيدي هو الإله العلي القدير، والقداسة التي تفيض منه ليست أمراً مادياً متجسداً يفيض على الأشياء فيتخلل ثناياها، وإنما هو أمر غير منظور وغير مفهوم، تماماً مثل سمات الإله. فحينما نقول «عمت بركة الإله» فإننا نعني: «فاضت رحمته» . وإذا كان الإله مصدر القداسة الأوحد، فإن جوهر قداسته يعني انفصاله عن الموجودات وتنزُّهه عنها. ولذا، حينما توجد أشياء مقدَّسة في المنظومات التوحيدية، فإنها تكون مقدَّسة بمعنى مجازي غير حرفي أو أيقوني، وتظل قداستها مرتبطة تماماً بكونها تشير إلى الإله العلي ولا تجسده. ويلخص عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) علاقته بالحجر الأسود (وعلاقة المسلم بالمقدَّسات) حينما قبَّل الحجر الأسود قائلاً: "إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقبِّلك ما قبَّلتك". فالحجر لا يعي، ولذا فإن عمر (رضي الله عنه) لم يقبِّله لأنه مقدَّس في حد ذاته أو بسبب خاصية كامنة فيه، ولكنه قبَّله لأنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يفعل ذلك ففعل مثله، أي أنه قبَّله من قبيل الطاعة والاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وسلم (. ولذا، فإن الشيء المقدَّس في إطار المرجعية المتجاوزة (المنظومة التوحيدية) هو دال يشير إلى المدلول المتجاوز، مع الاحتفاظ بمسافة بين الدال والمدلول، وهي مسافة لا يمكن تجاوزها بأية حال. ولكن الإنسان قد تفيض فيه القداسة بشكل جزئي وتنقص المسافة بينه وبين الخالق إن هو حوَّل المسافة التي تفصل بينه وبين الخالق إلى مجال للتفاعل معه. ويمكن إنجاز هذا إن حاول الإنسان الوصول إلى الصفاء والكمال الأخلاقيين باتباع تعاليم الإله التي أرسل بها في رسالته، ومن خلال الاستقامة والخلاص من الأدران والشوائب اللاخلقية والنزعات والميول البهيمية الغريزية (التي تدفعه نحو عالم الطبيعة/المادة، والواحدية المادية الكونية، بعيداً عن الإله (. وفي هذا الإطار، يمكن فهم التصوف التوحيدي، فعن طريق المجاهدات النفسية والتجارب الصوفية والزهدية، وما إليها من الممارسات، تتطهر النفس البشرية من أدرانها وترقى في معارج قدسية بالمعنى المجازي، فهو تقرُّب من الخالق لا يسد المسافات وإنما يحوِّلها إلى مجال للتفاعل، ومن ثم لا يمكن أن يلتصق المتصوف بالإله أو يفنى فيه أو يتوحد معه، فالإنسان هنا ليس دالاً بلا مدلول وليس دالاً يبحث عن مدلول، وإنما هو دال محدد له مدلول إنساني محدد لا يستطيع الإنسان اختزاله أو التخلي عنه أو تجاوزه وإنما يمكنه تحقيق إمكاناته الربانية الكامنة فيه عن طريق التواصل مع الإله والتقرب منه دون إلغاء المسافة (الحيز الإنساني) التي تفصل بين الخالق والمخلوق. والشعائر علامة على الطريق الذي لا نهاية له، وليست صيغة سحرية على المؤمن تملُّك ناصيتها. وإذا حاول الإنسان أن يؤدي الشعائر، بحذر شديد ودقة بالغة، فهذا من قبيل الطاعة والرغبة في الانتماء للجماعة والتقرب من الله، تماماً كما فعل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حينما قبَّل الحجر الأسود. وعادةً ما يحاط الشيء المقدَّس بمجموعة من المحرمات الطقسية بحيث لا يقترب الموجود العادي من النظام المقدَّس إلا إذا قام بطقوس تمهيدية وتطهرية تؤهله للاتصال به. وداخل الإطار التوحيدي، يُعَد هذا تعبيراً عن الخشوع للمدلول المتجاوز والمصدر الأوحد للقداسة، وعن احترام الإنسان للخالق وإدراكه لقداسته، بمعنى تجاوزه وتنزُّهه، وعن إدراكه لوجود الحدود الفاصلة بين الخالق والمخلوق. ولذا، فإن على الإنسان أن يقوم بشعائر الطهارة هذه (لا يمسه إلا المطهرون) . ومع هذا، لا يصبح الشيء المقدَّس مصدر القداسة أو مكمنها أو تجسيداً لها؛ إذ يظل جزءاً من النظام الدلالي التوحيدي ويظل مصدر القداسة الأوحد هو الإله. ومصدر القداسة في إطار المرجعية الكامنة (المنظومة الحلولية الواحدية) هو الإله أيضاً ولكنه إله حال في مخلوقاته كامن فيها، لا يتواصل مع مخلوقاته إلا من خلال تجسُّد، وتنتقل القداسة من خلال حلول الإله في مخلوقاته؛ الفرد أو الجماعة أو الكون بأسره. ولذا، تأخذ القداسة شكل مادة سائلة أو شحنة كهربية متنقلة أو موجات ضوئية تتنقل من الإله إلى الموجودات (التراب أو الطعام أو الشراب أو النبات أو الإنسان) . والموجودات التي تنتقل إليها القداسة تصبح قداستها كامنة فيها. ومن ثم، فإن الحجر الأسود يصبح (هو نفسه) بالنسبة لأصحاب الاتجاهات الحلولية مقدَّساً (تماماً مثل قبور الأولياء ومثل الأرض في المنظومة القومية العلمانية) . ولذا، فإن ملامسته تعني انتقال القداسة منه إلى من يلامسه، أي أن العملية هنا هي عملية التصاق مادية وملامسة جسدية وليست عملية طاعة وتهذيب للنفس وتجاوز لعالم المادة. فالشيء المقدَّس في النظام الحلولي الكموني هو دال يلتصق بالمدلول الأوحد (الإله) . والإنسان أيضاً دال يزداد في الاقتراب من مصدر القداسة حتى يلتصق بالإله تماماً ويتوحد به. ويتم هذا من خلال إشراق مباشر، أو من خلال اتباع صيغ طقوسية تُنفَّذ بشكل صارم، أو من خلال تعاويذ ولعنات وبركات معينة تُقرأ بدقة بالغة وكأنها معادلة رياضية، إن وضعنا الأرقام في موضعها وصلنا للنتيجة الصحيحة. ويمكن أن تنتقل القداسة من خلال الوراثة (لا من خلال القيام بأفعال خيِّرة) ، فهي مسألة تكاد تكون بيولوجية عضوية، بل تصبح كذلك حرفياً في كثير من الأحيان (الشعب المختار موضع الحلول) ، ومن ثم لا علاقة لها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفعل الخير وتحاشي الشر. والإنسان في المنظومة الحلولية الواحدية ليس دالاً يشير إلى مدلوله الإنساني، وإنما هو دال بلا مدلول يحاول أن يتجسد من خلال مدلول متجاوز عن طريق الالتصاق بمصدر القداسة وعن طريق التوحد به. وإذا كانت الشعائر في المنظومة التوحيدية تعبيراً عن طاعة الإله، فهي في المنظومة الحلولية وسيلة التوحد معه والالتصاق به، وهي في آخر الأمر تعبير عن رغبة الإنسان في أن تكون إرادته من إرادة الخالق حتى يمكنه التحكم في الكون - ومن هنا ارتباط القداسة في المنظومة الحلولية الواحدية بالسحر. وترتبط القداسة في هذه الحالة بالقوة التأثيرية الشاذة التي تتجاوز المقدرات الإنسانية العادية، ويحاول الإنسان أن يظفر بأكبر قسط من المنفعة من خلال قوته السحرية، وخصوصاً في الأمور التي يرى نفسه عاجزاً عن بلوغها بجهده الخاص: الانتصار في الحرب - التنبؤ والاستخارة - القوة الشافية - الخصوبة الإنجابية - الخصوبة الإنتاجية ... إلخ. وكما أسلفنا، يحاط الشيء المقدَّس بمجموعة من المحرمات الطقسية. ولذا، لابد من القيام بطقوس تطهرية. ولأن القداسة تأخذ شكل مادة في المنظومة الحلولية الواحدية، فإن الشيء المقدَّس الذي يحوي القداسة داخله لابد أن يُعزَل تماماً عن العالم غير المقدَّس حوله (وإلا، فإن شحنة القداسة الموجبة قد تضيع وتحيَّد بسبب شحنة الدناسة السالبة) . ويبالغ الشعب المقدَّس في شعائر الطهارة وفي عزل نفسه عن الآخر لنفس السبب. فالشيء المقدَّس والشعب المقدَّس يصبحان بذلك تجسداً لمصدر القداسة وتجلياً له وليس إشارة إليه. ولعل الفرق بين القرآن الذي يقرؤه المؤمن والحجاب الذي يصنعه الكاهن هو فرق بين الخشوع لله والإيمان بقدرته من جهة والرغبة في الالتصاق به والتحكم فيه من جهة أخرى. وقد ترتبط القداسة بصفات وسمات ليست مقدَّسة بالمعنى المحدود للكلمة ولكنها تحتوي على بعض السمات التي يتسم بها المقدَّس. ولذا، فإن الشيء أو الشخص الذي يتسم بهذه الصفات قد يُعدُّ مقدَّساً. ولهذا، يكتسب الطبيب شيئاً من القداسة بسبب أن مهمته لها بعض الخصائص التي لا توجد إلا في الأشياء المقدَّسة (في تصوُّر بعض الناس) ، فالطبيب يأخذ أعشاباً ويخلطها فتتحول الأعشاب من مجرد مادة طبيعية إلى دواء (سحري) قادر على الشفاء، والحداد يأخذ الحديد (هذه المادة الصلبة) ويضعها على النار (هذه المادة المهيبة غير الصلبة) فيلين الحديد. وفي كلتا الحالتين، فإن عملية التحويل غير مفهومة لدى الإنسان في بعض المجتمعات. وحتى بعد فهمها، تظل عملية التحويل عملية مذهلة ذات أبعاد رمزية تتجاوز العملية المادية المباشرة (وعلى سبيل المثال، فإننا نعلم سر قوس قزح، إلا أننا لا نملك إلا الإحساس بمهابته حينما يظهر) . بل إن الصانع نفسه، الذي كان يقوم بالعملية، يشعر بمهابتها، ولذا يقوم بتلاوة تعويذات معيَّنة ويقوم ببعض الشعائر وكأنه يقترب من شيء مقدَّس. وقد أخبرني أحد المهندسين المعماريين أن البنائين الذين يستخدمون الحجر لا يبدأون عملهم إلا عند الفجر بعد أداء الصلاة، وذلك حتى تحل البركة. وفي المجتمعات التقليدية، ظهرت أحاسيس الخوف من التاجر والمرابي لهذا السبب، فهما يحركان البضائع ورأس المال فيحدث التحول (الربح الوافر) دون إضافة أي شيء. ومن ثم، ارتبطت هذه المهن بالقداسة (بالمعنى الحلولي الواحدي) ثم بالسحر (ومن هنا إحساس أعضاء الجماعة الوظيفية بقداستهم وبمقدراتهم السحرية وبأهميتهم في المجتمعات التي وُظِّفوا فيها) . والبغاء المقدَّس في المجتمعات الوثنية البدائية مثل جيد على القداسة الحلولية المادية. فالبغي المقدَّسة، من خلال ممارسة الجنس مع العابدين، كانت توصِّلهم للآلهة، ويصبح مهبل البغي المكان الذي يلتقي فيه المقدَّس بالمدنَّس فيكتسب الإنسان القداسة. ويختلف نطاق الحلول والكمون ومن ثم نطاق القداسة، فيمكن أن يزداد تركز القداسة بتزايد درجة الحلول وكمون المركز. وقد تتركز القداسة في أحد عناصر الكمون دون غيره وتظهر الثنائية الصلبة. ويمكن أن يتركز المركز في الإنسان وهذا بدوره يأخذ شكلين: حلول في فرد، وحلول في جماعة. وفي حالة الحلولية الفردية، فإن الولي أو الزعيم يصبح هو وحده موضع القداسة أو الوسيط الأوحد بين مصدر القداسة في الكون والعالم المادي، وهو صاحب العرفان (والغنوص) ، كلامه من كلام الإله، وسلوكه إلهي، فهو تجسُّد كامل للإله في الأرض. وفي نطاق وحدة الوجود الروحية، نجد أن الماشيَّح هو موضع الحلول، أما في نطاق وحدة الوجود المادية فهو الزعيم المُلهم صاحب العرفان، كلامه من كلام الإله وسلوكه إلهي، فهو تجسُّد للإله في الأرض. ويتسع نطاق الحلول، ويتركز الحلول الإلهي في شعب فيصبح هو المركز وموضع القداسة، فهو الأنا المقدَّسة (الإمبريالية التي تحُوسل بقية البشر والطبيعة) ويصبح هذا الشعب تجسُّد الإله في الأرض، ولذا فهو شعب مقدَّس وأرضه مقدَّسة وتاريخه مقدَّس (أما بقية العالم فتنسحب منه القداسة تماماً) . وفي إطار وحدة الوجود الروحية، تأخذ الحلوليات الوثنية هذا الشكل، واليهودية قبل عصر الأنبياء تتبع نفس النمط. أما في إطار وحدة الوجود المادية، فالقوميات العلمانية (التي تقدس الشعب) هي تعبير عن هذا النمط. ويمكن أن تتركز القداسة في الطبيعة/المادة فتصبح هي المركز المقدَّس الذي على الإنسان أن يذعن له ويظهر هذا في وحدة الوجود الروحية على هيئة العبادة الحلولية للطبيعة وتأليهها وتقديس الأرض، ولا يختلف الأمر كثيراً في وحدة الوجود المادية فالقوميات العلمانية التي تقدس الأرض وحدود الدولة والدولة نفسها هي تعبير عن هذا الشكل من أشكال الحلول. كما أن الحركات البيئية الجديدة التي تقدس "أمنا الطبيعة" هي تعبير عن نفس النمط. ثم يتسع نطاق القداسة ليشمل الكون بأسره فيحل الإله في الكون (الطبيعة، الإنسان) ويكمن فيه، أي في كل الظواهر الطبيعية والإنسانية وبنفس الدرجة، أي أن كل المخلوقات (الإنسانية والطبيعية) تصبح ممتلئة بالقداسة وبنفس الدرجة ويتجسد المركز من خلالها وبنفس الدرجة. ولذا، يصبح كل شيء مقدَّساً ويتساوى في الدرجة مع الأشياء الأخرى (بمعنى التسوية لا المساواة) . وبذا، تصبح كل الأمور متساوية أفقية لا تراتب فيها ولا هرمية، يتساوى المطلق والنسبي، والمقدَّس والمدنَّس، والروحي والمادي، والمركزي والهامشي، والإنساني والطبيعي، أي أن كل الأمور تصبح نسبية مباحة لا قداسة لها، وهذه هي حالة السيولة الشاملة وحالة ما بعد الحداثة والحلولية بدون إله. ونحن نرى أن البحث عن المقدَّس شيء أساسي بالنسبة للإنسان، إذ يبدو أن الإنسان لا يمكنه أن يواجه عالماً من الصيرورة الكاملة، والحياد الكامل، لا مركز له ولا معنى ولا أسرار فيه، ولذا فهو دائم البحث عن مركز ومعنى، يحاول دائماً أن يستعيد القداسة لعالمه. وهذا يعود إلى أن الإنسان ليس مجرد إنسان طبيعي، مجموعة من العناصر البيولوجية، وإنما يوجد داخله ما يميِّزه عن الطبيعة/المادة. والعلمانية في تصوُّرنا هي محاولة نزع القداسة عن العالم. وما بعد الحداثة تحاول أن تلغي كل الثنائيات ومنها ثنائية المقدَّس والمدنَّس، حتى يصبح العالم عالماً من الصيرورة الكاملة لا هو مقدَّس ولا مدنَّس، ولا هو ثابت ولا متغير، ولا هو أزلي ولا زمني. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الحلولية الكمونية: تعريف
تدور معظم رؤى العالم حول ثلاثة عناصر هي في الواقع عنصران اثنان: الإله من جهة والإنسان والطبيعة (أي العالم) من جهة أخرى. ومذهب الحلول أو الكمون (أو الحلولية الكمونية الواحدية أو وحدة الوجود) هو المذهب القائل بأن الإله والعالم (الإنسان والطبيعة) مُكوَّن من جوهر واحد، ومن ثم فهو عالم متماسك بشكل عضوي مصمت لا تتخلله أية ثغرات ولا يعرف الانقطاع ويتسم بالواحدية الصارمة، ويمكن رد كل الظواهر فيه، مهما بلغ تَنوُّعها وانعدام تجانسها، إلى مبدأ واحد كامن في العالم هو مصدر وحدة الكون وتماسكه ومصدر حياته وحيويته وهو القوة الدافعة له الكامنة فيه، ويمكن تفسير كل شيء من خلاله. ووحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية قد يختلفان في بعض الأوجه الفرعية إلا أنهما يتفقان في الأساسيات والبنية. فكلاهما يرى أن العالم يتكون من جوهر واحد. 1 ـ وهذا الجوهر الواحد أو المبدأ الواحد يُسمَّى «الإله» أو «الجوهر الإلهي» في منظومات وحدة الوجود الروحية (الحلولية الكمونية الروحية) ، ويجري التعبير عن هذا بالقول: "حل الإله في العالم، أي في الطبيعة والإنسان". ويمكن تسمية الجوهر الواحد تسميات شبه روحية شبه مادية، كأن يُقال إن المبدأ الواحد هو «روح الشعب» أو «روح التاريخ» أو «العقل المطلق» وما شابه ذلك من مصطلحات هيجلية روحية اسماً مادية فعلاً. وتذهب وحدة الوجود الروحية إلى أن الإله هو الأصل، والعالم إن هو إلا وهم. وإن كان ثمة عالم فهو جزء من الإله وليس له وجود مستقل (إنكار الكونية) . 2 ـ أما في منظومات وحدة الوجود المادية (الحلولية الكمونية المادية) ، فهذا المبدأ (أو الجوهر) الواحد يُسمَّى «قانون الحركة» أو «قوانين الطبيعة» أو «الطبيعة/المادة» أو «قوانين الأشياء» أو «القانون الطبيعي» أو «قوانين الضرورة الطبيعية» أو «القوانين العلمية» . هذا القانون قانون شامل يمكن تفسير كل الظواهر، ومن بينها الظاهرة الإنسانية، من خلاله. وفي هذه الحالة، يجري التعبير عن وحدة الوجود بالقول "تسري قوانين الحركة المادية على كل الأشياء في الكون"، ويُقال: "استناداً إلى القوانين العلمية، نحن نذهب إلى كذا وكذا". وإذا كان ثمة إله فليس له جوهر مستقل وإنما هو كامن في العالم؛ باطن فيه، محايث له، وليس له وجود مستقل عنه، ولذا فإن العالم مكتف بذاته، يحوي داخله ما يكفي لتفسيره ولا وجود للإله خارجه (تأليه الكون) . ولا تصل المنظومة الحلولية الكمونية الواحدية دائماً إلى مرحلة وحدة الوجود دفعة واحدة، فثمة درجات من تَركُز الحلول والكمون في الكون. ويمكن أن تحدث درجة من الحلول أو الكمون لا تؤدي بالضرورة إلى وحدة الوجود، كما يمكن أن يتم الحلول (أو الكمون) جزئياً في الإنسان لا في الطبيعة، ولكن النموذج الحلولي يصل إلى تحقُّقه الكامل ولحظته النماذجية بالتجسد الكامل للإله في العالم وكمونه فيه، وفقدان الإله تجاوزه وتنزُّهه في مرحلة وحدة الوجود الروحية، ثم بفقدانه اسمه في مرحلة وحدة الوجود المادية، حيث يصبح الإله والعالم (الإنسان والطبيعة) شيئاً واحداً، ويصبح الإنسان جزءاً لا يتجزأ من العالم، ليست له إرادة مستقلة أو وعي مستقل، غير قادر على تجاوز محيطه. لا يوجد، إذن، أي فارق بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية إلا في التسمية. وكما يقول نوفاليس ليس هناك فرق بين أن تقول "أنا جزء لا يتجزأ من العالم" وأن تقول "العالم جزء لا يتجزأ مني"، ونفس القول ينطبق على وحدة الوجود، فلا يوجد فرق بين أن تقول "إن العالم إن هو إلا جزء لا يتجزأ من الإله" وأن تقول "إن الإله إن هو إلا جزء لا يتجزأ من العالم"، ولا فرق بين أن يقول المرء "لا موجود إلا هو" (أي الإله، بالمعنى الحرفي) أو "لا موجود إلا هي" (أي الطبيعة/المادة) . أشرنا إلى أن ثمة تَماثُلاً بل تَرادُفاً بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية، ولذا فإن أية منظومة حلولية كمونية يمكن أن تصبح روحية ثم مادية في فترتين متتاليتين، أو تصبح روحية اسماً مادية فعلاً في الوقت نفسه، كما هو الحال في المنظومة الهيجيلية حيث يتم التعبير عن الظواهر الروحية بمصطلحات مادية ويتم التعبير عن الظواهر المادية بمصطلحات روحية، أي أنها واحدية روحية/مادية أو مثالية/مادية في آن واحد. وهذا هو المعنى الحقيقي لاتحاد المقدَّس والزمني وعبارات هيجل الأخرى. وعلى المستوى التاريخي يُلاحَظ أن عمليات العلمنة عادةً ما تسبقها مرحلة يسود فيها الفكر الحلولي الكموني الروحي، ثم يصبح فكراً حلولياً كمونياً مادياً، أي علمانياً، في نهاية الأمر. ولعل أهم أشكال الحلولية الواحدية هي الغنوصية التي نذهب إلى أنها خطاب فلسفي (معرفي أخلاقي) واحدي كموني استمر عبر مئات السنين وتَبدَّى من خلال عدة فلسفات وأنساق معرفية ودينية من أهمها: القبَّالاة اللوريانية، وأفكار غلاة المتصوفة والباطنية، وفلسفة إسبينوزا وهيجل ونيتشه، وأخيراً العلمانية الشاملة المادية الحديثة التي هي فلسفة غنوصية وشكل من أشكال الحلول. وهكذا، فإن الغنوصية كانت وحدة وجود (واحدية) روحية وأصبحت عبر مسار التاريخ وحدة وجود واحدية مادية، إلى أن انتهى بها الأمر إلى السيطرة على العالم بأسره بعد تدويل المنظومة العلمانية من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي. ويمكن القول بأن وحدة الوجود الروحية كانت الشكل الأكثر شيوعاً حتى القرن الثامن عشر، وأن الشكل الآخر (وحدة الوجود المادية، أي العلمانية الشاملة) هو الشكل الغالب الآن. الحلولية الكمونية بين الثنائية الصلبة والسيولة الشاملة توجد أشكال مختلفة من الحلولية الكمونية حسب مدى اتساع نطاقها وكيفية تسميتها للمبدأ الواحد ونقطة الحلول والكمون وتأرجُحها بين إنكار الكون وتأليهه ونوعية الاستجابة لوحدة الوجود. ومع هذا يمكن الحديث عن شكلين أساسيين هما: الحلولية الكمونية الصلبة والحلولية الكمونية السائلة الشاملة. وفي إطار الحلولية الكمونية الثنائية الصلبة، يمكن أن يتركز الحلول أو الكمون في الإنسان (الواحدية الذاتية ـ تأليه الإنسان وإنكار الطبيعة) ، فيمكن أن يكون فرد بعينه (البطل الذي لا يُقهَر) الذي يصبح بذلك مركز الكون. ويمكن أن يكون الجنس البشري بأسره (الواحدية الإنسانية) . ويمكن أن يتركز الحلول أو الكمون في جماعة بعينها (الشعب المقدَّس المختار) تصبح مركز الكون، فتتم التفرقة وبشكل حاد بين من يقع داخل دائرة القداسة وموضع الحلول والكمون ومن يقع خارجها (الواحدية الإمبريالية والعرْقية) . ويمكن أن يتركز الحلول والكمون في الطبيعة فيمكن أن يكون موضع الحلول الأرض المقدَّسة أو جبلاً بعينه أو شجرة أو الطبيعة بأسرها (الواحدية الموضوعية المادية ـ تأليه الطبيعة وإنكار الإنسان) . وهناك بطبيعة الحال تناقض عميق بين تأليه الإنسان وتأليه الطبيعة، ففي الحالة الأولى يشغل الإنسان مركز الكون أما في الحالة الثانية فهو كائن ليست له أية أهمية خاصة. فالحلولية الكمونية بهذا المعنى تؤدي إلى تأرجح حاد بين إنسانية متطرفة تنكر الكون وطبيعية متطرفة معادية للإنسان وتنكر وجوده. وهذه هي مرحلة الثنائية الصلبة التي تتسم بالهرمية الصارمة. ولكن الثنائية الصلبة عادةً ما تُمحى لصالح الموضوع والكون فيهيمن الموضوع وتظهر الواحدية الموضوعية المادية التي تنكر الثنائية والتجاوز. ثم يتسع نطاق دائرة الحلول والكمون ليشمل الكون بأسره وتصبح كل الأشياء موضع الحلول ومن ثم تتعدد المراكز ويصبح العالم لا مركز له. وهذه هي الحلولية الكمونية الشاملة السائلة، إذ يتجلَّى المركز من خلال كل الكائنات فيذوب فيها ويختفي وتفقد كل الكائنات حدودها وحيزها، إذ تختفي المساحات بينها ومن ثم هويتها وتَعيُّنها وقيمتها وتذوب في القوة الواحدة التي تسري في الكون وتتخلل ثناياه (القوة الدافعة للمادة، الكامنة فيها) وتعود الأشياء إلى حالة جنينية رحميّة محيطية (تشبه الفطيرة) تُسقط أية ثنائية أو تعددية ولا تعرف تمييزاً بين ما هو أعلى (في قمة الهرم) وما هو أدنى (في قاعدته) ، وما هو هامشي وما هو مركزي، وما هو خير وما هو شر؛ نظام دائري مصمت لا تتخلله ثغرات أو مسافات، تشبه نهايته بدايته، وتشبه قمته قاعدته، وتشبه أسبابه نتائجه، وتشبه هوامشه مركزه، ومن ثم تنشأ إشكاليات في النظام المعرفي والأخلاقي، إذ تفقد الأشياء حدودها وهويتها ويَصعُب التمييز بينهما، كما تَصعُب التفرقة بين الخير والشر، وتختفي الإرادة والمقدرة على التجاوز وتسود الواحدية والحتمية. التوحيد والحلولية الكمونية الواحدية نرى أن ثمة تضاداً بين التوحيد والحلولية الكمونية، فالتوحيد هو الإيمان بإله واحد، قادر فاعل عادل، قائم بذاته، واجب الوجود، مُنزَّه عن الطبيعة والتاريخ والإنسان، بائن عن خلقه، مغاير للحوادث، فهو مركز الكون المفارق له الذي يمنحه التماسك. وهو لأنه مفارق للكون يخلق حيزاً إنسانياً وحيزاً طبيعياً الأمر الذي يمنح الإنسان الاستقلال عن سائر الموجودات والمقدرة على الاختيار وعلى تجاوز عالمه المادي وذاته الطبيعية المادية. أما الحلولية الكمونية، كما أسلفنا، فهي الإيمان بإله حال كامن في الطبيعة والإنسان والتاريخ، أي أن مركز الكون كامن فيه، وهو بحلوله هذا يلغي أي حيز، إنسانياً كان أم طبيعياً، ومن ثم فإن التوحيد هو عكس الحلولية الكمونية. كما أن تصاعد معدلات الحلولية الكمونية يعني تزايد محاولة تفسير الكون في إطار القوانين الكامنة فيه دون الإهابة بأية قوانين خارجة عنه متجاوزة له، ويُحسَم الصراع لصالح التمركز حول الموضوع وتأليه الكون. مفردات الحلولية الكمونية الواحدية تحل المنظومة الحلولية الكمونية مشكلة التواصل بين الخالق والمخلوق (وعلاقة الكل بالجزء) عن طريق التجسد والكمون، إذ أن الإله (حسب هذه المنظومة) كي يتواصل مع المخلوق، يفقد تجاوزه ويتجسد ويكمن (ويحل) في أحد مخلوقاته أو في بعضها أو فيها كلها، فيتحد بالكون، وبذا يستطيع الإنسان إدراكه بشكل مباشر، إما من خلال حواسه الخمس أو من خلال عملية عرفان إشراقية تتم من خلال الصلة المباشرة بين الإنسان ومصدر العرفان، ولذا فإن الكل يصبح هو الجزء ويصبح الجزء هو الكل ويصبح مركز الكون كامناً فيه. ويقف هذا على طرف النقيض من المنظومة التوحيدية حيث يتواصل الخالق مع المخلوق من خلال العقل والوحي، ويظل مركز الكون هو الإله العلي المتجاوز للكون. ومن هنا، يمكن القول بأن المنظومة الحلولية الكمونية منظومة مغلقة دائرية، ملتفة حول نفسها، نصفها بأنها منظومة عضوية. ودائرية المنظومة الحلولية الكمونية وانغلاقها والتفافها حول نفسها تعبير عن النزعة الجنينية في الإنسان، أي رغبته في الانسحاب من عالم الهوية والخصوصية والتركيب والحدود والإرادة الحرة إلى الكل الكوني الطبيعي المادي والذوبان فيه باعتباره القوة الدافعة للمادة، الكامنة فيها، والذي يقضي على كل الثنائيات بحيث يتوحد الخالق والمخلوق وتلتصق الذات بالموضوع والإنسان بالطبيعة، وبحيث يُختزَل كل شيء إلى مستوى بسيط أملس، أي أن الإنسان يعود إلى الرحم الدافئ الرخو (حالة كمونية محيطية سائلة) حيث لا حدود ولا وعي ولا هوية ولا اختيارات، أو يعود إلى اللحظات الأولى بعد الولادة، حين كان الطفل الإنساني يظن أنه جزء من أمه لا ينفصل عنها، وحين كان يمسك بثديها ويظن أنه قد تواصل مع العالم بأسره وتَحكَّم فيه! والنزعة الكمونية الجنينية تعبِّر عن نفسها من خلال مفردات الحلولية الكمونية الواحدية الإدراكية الأساسية وأهمها الجسد (وبخاصة الجنس والرحم وثدي الأم والأرض) . فالجسد أكثر الأشياء مباشرةً لدى الإنسان؛ إدراكه عملية سهلة لا تتطلب إعمال الفكر، والعلاقة بين أجزائه واضحة، والمسافة بين المدرك والمدرَك في حالة الجسد غير موجودة، والعلاقة بين السبب والنتيجة والدافع والمؤثر واضحة تمام الوضوح للإنسان. وعلاوة على هذا، فإن الجسد أول شيء يشعر به الإنسان، فالطفل يدرك في البداية جسده ثم جسد أمه، ويعرف تضاريس جسده ثم تضاريس جسد أمه الذي يتركز في الثدي مصدر حياته واستمراره ولذته. ويبدو أن الإنسان، في بداية بزوغ وعيه، أدرك عمليات أخرى مرتبطة بجسده، رسَّخت عنده إدراك العالم من خلال الجسد المادي: 1 ـ عملية الولادة وخروج الطفل من الرحم، إذ رأى الإنسان الجسد وهو يتولد من جسد آخر، فظن أن الجسد مصدر الحياة. 2 ـ في اللحظات والأيام والشهور الأولى من حياته، يستمد الإنسان حياته من خلال التواصل الجسدي المباشر بثدي أمه ويتصور أنه جزء منها. 3 ـ في تواصله مع الآخر (الأنثى) ، كان أول أشكال الاتصال (وأسهلها وأكثرها بساطة) الجماع الجنسي: دخول الذكر في فرج الأنثى، بكل ما يحمله ذلك من تواصل جسدي مباشر. كما أن الجنس كان يمنحه لحظات فردوسية يفقد فيها إحساسه بالحدود والهوية والإرادة ويمارس إحساساً بالخلود ويلتحم بالكون. 4 ـ وحينما ربط الإنسان بين العملية الجنسية والولادة (الحياة) وبين الرضاعة (استمرار الحياة) ، اكتملت عنده مفردات الحلولية الكمونية الواحدية التي تؤكد الجسد باعتباره مصدراً للمعرفة والعلم والتكامل والتماسك. فالجسد هو الذي يحل محل فكرة الكل، ولذا فإن من الأفكار الأساسية في المنظومات الحلولية الكمونية فكرة تفاعل الماكروكوزم والميكروكوزم، أي تقابل العالم الكبير (الكون) بالعالم الصغير (جسد الإنسان) وتعادلهما (فالأول صورة مكبرة من الآخر) . كما تؤكد مفردات الحلولية الجنس باعتباره مصدراً للحياة وطريقة للتواصل بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والقوى الكونية (مانحة الحياة) . ولذا، فإنه ربط بين كل هذا وبين مفهوم الأرض، هذا الشيء الموضوعي الموجود خارجه. ولكنه، مع هذا، يحيطه من كل جانب (مثل الرحم) ويمنحه الحياة (مثل الثدي) . إن كل المفردات التي أشرنا إليها كامنة في تجارب الإنسان المباشرة الأولية للإنسان. كما أن استخدام الإنسان للجسد (والجنس والرحم وثدي الأم والأرض) كصورة مجازية إدراكية (تفيد معنى محو المسافة بين الذات وما هو أكبر منها وذوبانها فيه) هو أمر متوقع، بمعنى أن الإنسان في بدايته الجنينية وفي طفولته الأولى كان جزءاً من الطبيعة. ومن هنا، فإن جوانبه الطبيعية/المادية تظل معه عبر حياته مهما بلغ من ربانية وتَجاوُز. ولهذا، فإن إدراك الإنسان للعالم من خلال المقولات المادية الجسدية اللصيقة بتجاربه المادية المباشرة الأولى، دون تجريد أو تجاوز ودون اجتهاد أو إجهاد، أمر طبيعي. فمن منا لا يدرك جسده ولا يعرفه؟ ومن منا لا يعرف الجوع والعطش والفرح والحزن الجسدي؟ ومن منا لا يعرف الأرض والجنس والرحم والرضاعة واللحظات الفردوسية الأولى؟ لكن أن نستخدم المقولات الأولية في تفسير الجوانب المادية البسيطة من حياتنا الإنسانية المركبة شيء، وأن نستخدمها في تفسير كل جوانب حياتنا الإنسانية شيء آخر. والمحاولة التفسيرية الحلولية الكمونية (بمفرداتها الجنينية الجسدية) تتسم ببدائيتها وسذاجتها وبالارتباط المتطرف بين النموذج والظاهرة إذ لا تكاد توجد أية مسافة بين النموذج والظاهرة وبين السبب والنتيجة وبين الدال والمدلول. وهي محاولة تستخدم المادة البسيطة لفهم ما ليس بمادة، فكل مفردات الحلولية الكمونية هي أشياء مادية لها صفات المادة، فهي مقولات إدراكية مادية، وهي تمثل محاولة المتناهي (المادي) القفز على التناهي وصولاً إلى حالة اللامتناهي، ولكنه يصر على العثور على اللامتناهي في المحسوس والمتناهي، أي أنها تفترض كمون مركز العالم في المادة. ومن ثم، فهي محاولة تفسيرية مستحيلة تؤدي إلى اختزال الإنسان المركب (الرباني) القادر على التجاوز الذي يعيش في الثنائيات ويحوي داخله درجة من التركيب لا يمكن ردها إلى النظام الطبيعي (أي القبس الإلهي) بحيث يصير إنساناً طبيعياً مادياً ذا بُعد واحد لا يمكنه تجاوز ذاته أو تجاوز الطبيعة أو المرجعية الكمونية فيسقط في حمأة المادة ويعود إلى السيولة الرحمية والطبيعة/المادة. وقد عبَّرت الحلولية الكمونية عن نفسها بشكل مباشر وواضح في الرؤى الوثنية للكون وقصة الخلق، فهذه الرؤى عادةً ما تستبعد فكرة خلق العالم من عدم (والتي تفترض وجود مسافة بين الخالق والمخلوق) ، كما تستبعد فكرة الخلق المحدد في زمان ومكان بمشيئة إلهية ولغرض إلهي، وتستبدل بها نظريات تذهب إلى أن العالم نتيجة التقاء جنسي بين الآلهة (التي تمثل عناصر الطبيعة المادية) فتتزوج آلهة الأرض من آلهة السماء أو آلهة الشمس من عنصر في الأرض، أي أن الخلق ليس نتيجة عملية تتم خارج المادة والطبيعة أو لغرض إلهي أخلاقي. وتكتسب الآلهة خصائص البشر (إذ لا توجد مسافة بينها وبينهم) فتحابي شعبها وتغار عليه، وقد تدخل معه علاقة جنسية أو شبه جنسية أو علاقة حب جنسي يعقبها زواج مقدَّس، أو تقيم علاقة تعاقدية خاصة جداً تُميِّز هذا الشعب عن بقية الشعوب وتمنحه مركزية في الكون (بل يُلاحَظ أن عبادة القضيب أو الرحم أو إلهة الخصب التي ترمز للرحم تنتشر في الحلوليات الكمونية الأكثر بدائية، فالقضيب يصبح هنا الدال والمدلول وأيقونة الحلولية الكبرى. كما أن الاحتفالات والشعائر الدينية الحلولية تأخذ عادةً طابعاً جنسياً، وفي عبادات المايا كان الطقس الأساسي هو أن يقوم الملك باستقطار بعض نقط الدم من قضيبه، وأثناء هذه العملية كان يرى الآلهة ويعرف إرادتها) . هذا على عكس العبادات التوحيدية حيث يحتل الجنس مكانته كنشاط إنساني ضمن نشاطات إنسانية أخرى، مختلطاً بها وليس منفصلاً أو مستقلاً عنها، ومن ثم يكتسب الجنس مضموناً اجتماعياً مركباً، وبالتالي فهو لا يحتل أية مركزية ولا يصبح صورة مجازية إدراكية كبرى. وإذا كانت المنظومات الحلولية الكمونية ترى أن الإنسان يحقق ذاته من خلال إلغاء حدود كل شيء، فإن كثيراً من الحركات المشيحانية والباطنية تُلغي حدود الملكية الخاصة والجنس. ومن ثم، تظهر شيوعية الأرض والنساء (الرحم الطبيعي والرحم الإنساني) ، الأمر الذي يُلغي أي تمايز أو هرمية وأية هويات إنسانية محددة. أما المنظومات التوحيدية فتؤكد فكرة الحدود، ومن ثم تؤكد فكرة العدل في توزيع الملكية وإدارتها دون إلغائها، وتؤكد فكرة الزواج والأسرة كمؤسسات مبنية على الاستقرار والطمأنينة والحب. وحتى حينما ابتعد الإنسان البدائي الطبيعي عن الجسد (والجنس والثدي والرحم) ، فإن هذا لم تَنتُج عنه أية مقدرة على التجاوز أو التجريد إذ أصبحت الأرض (بدلاً من الجسد) موضع تقديس الإنسان. فالمكان مباشر ومادي (على عكس الزمان، فهو غير مباشر وغير ملموس) . ولذا، نجد أن العقل البدائي يتسم بإدراك عميق للمكان، أي الأرض، وإغفال شبه تام للزمان، وهي سمة يتصف بها أيضاً إدراك الطفل الذي يبدأ بالإحاطة بمفهوم المكان متدرجاً تدرجاً بالغ البطء إلى أن ينضج ويحيط بفكرة الزمان والتاريخ. ومن هنا، نجد أن العقل البدائي (الحسي المادي الوثني العاجز عن التجريد) قد ربط بين مفردات الحلولية الكمونية الجسد (الجنس ـ ثدي الأم ـ الرحم) من جهة وبين الأرض من جهة أخرى. فالأرض، مثل الجسد، هي أقرب الأسباب للنتائج وأكثرها التصاقاً بها، ولا توجد مسافة بينها وبين الإنسان. وهي كيان مادي يستطيع الإنسان أن يدركه بحواسه الخمس دون إعمال عقل أو جهد. وقد رأي هذا الإنسان البدائي المادي الوثني الديدان وهي تخرج من باطن الأرض والنباتات وهي تشقها وتُخرج براعم ثم زهوراً. والأرض، بهذا، في نظره المصدر المباشر للرزق، فمنها تأتي المحاصيل بل مواد البناء. وهو يرى الأرض وهي تُخْصب ثم تُقحل ثم تُخْصب عبر الفصول؛ مصدر حياتها وحيويتها من داخلها. والإنسان، أخيراً، يعود للأرض فيُدفَن فيها، فالأرض إذن هي البداية ومصدر الرزق والمأوى والنهاية أي أنها موضع الكمون، ولذا فإن الأرض هي الرحم النهائي والجسد الأعظم مصدر الحياة والخلق وهي الإله، فهي المصدر وإليها المآل. وعادةً ما تدور العبادات الوثنية الحلولية حول تقديس الأرض المقدَّسة والدورة الكونية للطبيعة، وعادةً ما تُقرَن الأرض بفرج المرأة مصدر الحياة والخلق (ومن هنا تركيز الغنوصية على الجنس والمرأة) . وتظهر فكرة الإله الحي أو المصلوب أو المذبوح الذي يُبعَث من جديد كل عام، وهي عملية ذبح وبعث تُفسِّر دورات الطبيعة، فكأن الإله جزء من الطبيعة/المادة ودورتها لا يتجاوزها، يحيا بحياتها ويموت بموتها، يُخْصب حينما تُخْصب الطبيعة ويُجدب تماماً بجدبها. والصورة المجازية: الجسد/الأرض/الجنس/الثدي/الرحم، تحاول أن تفرض قدراً من الوحدة على تعددية العالم وتنوُّعه وكثرته وأن تبين العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ولكن هذه الوحدة هي وحدة لا تتجاوز العالم المادي (حتى ولا جسد الإنسان) إذ أن مبدأ الوحدة كامن فيه لا يتجاوزه ولا يعلو عليه. والفلسفات المادية (التي تُعبِّر عن وحدة الوجود المادية) ، وضمن ذلك العلمانية الشاملة (الحلولية الكمونية المادية) ، تستخدم مفردات الحلولية الكمونية، وخصوصاً فيما يتعلق بتقديس الجنس والأرض. ولعل فكر ما بعد الحداثة، باستخدامه الأعضاء التناسلية كصورة مجازية إدراكية أساسية، يُشكِّل عودة للحلوليات الوثنية وعبادة القضيب والرحم. صيغ مختلفة للتعبير عن العلمانية الشاملة (وحدة الوجود المادية والحلولية الكمونية المادية) تلخص التعبيرات القرآنية: "إن هي إلا حياتنا الدنيا" (الأنعام 292 ـ المؤمنون 37) ، و"ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت وتحيا" (الجاثية 24) الموقف الحلولي الكموني الواحدي المادي أو العلمانية الشاملة ببساطة وبلاغة. فالمرجعية الوحيدة هي الدنيا وعالم الحواس الخمسة والعقل المادي الذي يتواصل مع العالم المادي من خلال الحواس الخمس. ولكن الخطاب العلماني لا يعبِّر عن العلمانية الشاملة والحلولية الكمونية بهذه البساطة. ولعل الصيغة الهيجلية في الحديث عن اتحاد المقدَّس بالزمني والفكرة بالطبيعة والإله بالتاريخ ... إلخ من أكثر الصيغ تركيباً وأكثرها شيوعاً للتعبير عن الحلولية الكمونية والواحدية المادية/الروحية. وهناك صياغات أخرى أقل تركيباً من الصيغة الهيجلية وأكثر بساطة وأصبحت جزءاً من خطابنا التحليلي دون أن ندرك النموذج (الواحدي المادي) الكامن وراءها. وقد قمنا بتحليل مصطلحات مثل: «وحدة (أي واحدية) العلوم» و «الإنسان الطبيعي» و «نهاية التاريخ» في مداخل أخرى لنبين أنها تعبِّر عن نموذج العلمانية الشاملة، ويمكن أن نورد فيما يلي بعض المصطلحات الأخرى الشائعة ذات البُعد الواحدي المادي: - يتحدث البعض عن أن "ما يحكم العالم هو قوانين الحركة أو قوانين التغير أو قوانين الضرورة الطبيعية"، ومثل هذا القول يصدر عن الإيمان بوجود جوهر واحد يتبعه كل شيء وتذعن له كل الظواهر وأن القوانين كامنة في المادة غير مفارقة لها. - إن قلنا "لا يستطيع الإنسان تَجاوُز حدود المادة" أو "حدود الطبيعة" أو "حدود جسده"، فنحن نتحدث في إطار حلولي كموني واحدي مادي، ينكر وجود أية آفاق مفارقة للمعطيات المادية، وهي وحدها تحوي كل ما يلزم لفهم العالم. - إن قلنا "لابد من القضاء على الثنائيات" فنحن نقول "لابد من سيادة الواحدية المادية والقانون الواحد الكامن في الأشياء، فنحن لا نعرف قانونين؛ واحد للأشياء وواحد للإنسان"، أي أننا نرى أن ثمة جوهراً واحداً وقانوناً واحداً كامناً. - إن استخدم أحد مثل هذه العبارة: "إن النموذج الذي استخدمه هو نموذج اقتصادي محض" فقد َعبَّر بشكل مصقول عن الحلولية الكمونية المادية والواحدية المادية، فهو يقول في واقع الأمر إن النموذج الذي يستخدمه قد استبعد من الظاهرة التي يدرسها كل العناصر الإنسانية غير الاقتصادية، وأبقى على عنصر واحد هو العنصر الاقتصادي (المادي) وفسَّر الإنسان في إطاره ونظر إليه باعتباره ظاهرة بسيطة، إنساناً ذا بُعد واحد يسري عليه ما يسري على الظواهر الطبيعية، فهو شيء بين الأشياء يمكن دراسته في إطار دوافعه الاقتصادية، ومن ثم يمكن رصده من خلال نماذج اقتصادية رياضية محضة، دون الإهابة بأي شيء متجاوز للمادة (الاقتصادية) المحضة. وقل نفس الشيء عمن يستخدم نموذجاً فرويدياً محضاً (يؤكد الواحدية المادية الجنسية بدلاً من الواحدية المادية الاقتصادية) . - وقد تزداد الأمور صقلاً، فيضطر الحلول الكموني المادي إلى أن يتحدث عن قدر من التجاوز لسطح المادة وعن استقلالية الوعي الإنساني وعن البناء الفوقي المستقل عن البناء التحتي وهكذا. ولكن الحلولية الكمونية الواحدية تفرض نفسها لتؤكد أن مُستقَر الحقيقة هو القانون الكامن في المادة فيضطرون إلى القول بأن الوعي الإنساني، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، يمكن رده إلى حركة المادة، وأن البناء الفوقي ليس ظاهرة مستقلة (بالإنجليزية: فينومينون phenomenon) وإنما هو ظاهر تابعة وحسب (بالإنجليزية: إبي فينومينون epiphenomenon) ، ولذا فإن البناء التحتي (المادي) هو ما يحدد حركة وشكل وبنية البناء الفوقي ويتحكم فيه. - في هذا الإطار أيضاً يمكن فهم عبارة مثل "إن الإنسان يصوغ ذاته أثناء صراعه مع الطبيعة/المادة"، فوعيه ـ حسب هذه الصياغة ـ يتشكل ويزداد تركيباً (هكذا، بشكل آلي مادي يُقال له «جدلي» من داخل عملية الصراع مع الطبيعة نفسها وبسبب تكرارها) ، فتتراكم المعرفة وربما ذرات الوعي الإنساني، وبدلاً من الحديث عن لحظة الخلق الفارقة يتحدثون عن "الطفرة" وعن "تحوُّل الكم إلى كيف" وهكذا، وهي عبارات أقل ما توصف به أنها غامضة جداً، مجرد أسماء ذات رنين علمي لعملية غير مفهومة. ولكن ما يهم فيها من منظور هذا المدخل أنها تؤكد كمونية القوى التي تُحدث التغيير وتنكر وجود أية قوى خارجية مفارقة. فالإنسان يصوغ نفسه بنفسه من خلال صراعه مع مادة أولية (الجوهر المادي الواحد) وفي إطارها، تماماً كما يخلق الإله العالم من مادة قديمة في النظريات الحلولية الكمونية الواحدية الروحية. - وحينما يظهر نظام وتناسق في الكون قد يفصح عن وجود مُنظِّم خارجي مفارق وعن غائية، فإنهم يحاولون استيعابه في الحلولية الكمونية الواحدية المادية، بحيث يصبح النظام كامناً في المادة فيتحدثون عن "المادة ذاتية التنظيم" أو "المادة رفيعة التنظيم". - النظرية الداروينية نظرية حلولية كمونية واحدية مادية، لا تقبل سوى قوانين التطور الكامنة في المادة لتفسير الظواهر كافة. - وقول الداروينيين (والنيتشويين والماركسيين) "بأن الصراع بين الأنواع أو الأجناس أو الطبقات هو المحرك الوحيد أو الأساسي للسلوك الإنساني" هو القول بأن ثمة مبدأ واحداً كامناً في البشر وفي الطبيعة/المادة يحركهم ويتحكم فيه في حتمية كاملة. - المبدأ الواحد يمكن أن يتجلى من خلال التاريخ فيُقال "إن مسار التاريخ أثبت كذا ... " أو "هذا هو حكم التاريخ" أو "لابد أن تواكب حركة التاريخ والتقدم وإلا اكتُسحت تماماً وأُلقي بك في مزبلة التاريخ" فهذه كلها صياغات ترى أن التاريخ هو موضع الكمون، وهو التعبير عن الجوهر الواحد الذي ينتظم كل الكائنات ويحركها. - النظرية العنصرية والنظريات التفسيرية العرْقية نظريات حلولية كمونية مادية، فهي تجد أن ثمة عنصراً مادياً واحداً، العرْق، هو الذي يمكن من خلاله تفسير تَطوُّر التاريخ. والصفات العرْقية صفات مادية كامنة في الإنسان. - الحديث عن "زمانية كل شيء" و"زمانية النص" و"تاريخانية الظواهر الإنسانية كافة" هو القول بأن كل شيء يوجد داخل الزمان لا يتجاوزه، فالزمان هو مُستقَر كل شيء، كل المعرفة كامنة فيه، ولا يوجد شيء خارجه، فهو المبدأ المادي الواحد الذي يتخلل كل الأشياء ويدفعها. - نحن نرى أن هيمنة الصورة المجازية العضوية على التفكير الغربي مظهر من مظاهر الحلولية الكمونية الواحدية المادية، فالصورة المجازية العضوية صورة مجازية تَجسُّدية حلولية تدور حول المبدأ الواحد الكامن لا المتجاوز، فالكائن العضوي تُوجَد في داخله قوة نموه وفنائه ولا يُدفَع من الخارج. واستخدام الجسد والجنس كصور مجازية أساسية هو محاولة لاستخدام صور مجازية إدراكية تنقل العالم في ماديته وشيئيته الكاملة، دون أي شيء متجاوز له، فالجسد، مثل العالم المادي، هو موضع الحلول والكمون. - وتتضح الحلولية الكمونية في مفهوم الشعب العضوي (فولك) . فالشعب العضوي هو شعب تربطه علاقة عضوية بأرضه وثقافته، يكونون كلاًّ متلاحماً فلا يوجد للشعب وجود خارج أرضه ولا يمكن أن يؤسس ثقافته بدون وجوده عليها. وثقافة هذا الشعب تعبير عضوي عن روح هذا الشعب النابعة من خصوصيته والتصاقه بأرضه. وهكذا، فكل شيء كامن داخل الشعب في كيان عضوي مصمت لا يستطيع الأجنبي أن يخترقه أو حتى يفهمه. ولذا، تدور معظم الأيديولوجيات العنصرية (الصهيونية ـ النازية ـ القوميات المتطرفة) حول صورة مجازية عضوية، وهي أيديولوجيات حلولية كمونية مادية. - وقول البنيويين إن العالم لا يُوجَد خارج مجموعة من البنى، وأن قوانين البنية كامنة فيها، محايثة لها، هو القول بأن ثمة مبدأ واحداً ذا مقدرة تفسيرية كبرى هو مبدأ مادي واحدي في نهاية الأمر، فالبنية تتسم بالوحدة الصارمة (رغم كل ما تحويه من ثنائيات متعارضة) . وهي توجد في في هذ العالم لا تتجاوزه. - وقول أنصار ما بعد الحداثة، والسوفسطائيين من قَبْلهم، بالصيرورة الكاملة، هو القول بأن المبدأ المادي الواحد يأخذ شكل صيرورة مطلقة تسقط في قبضتها الأشياء كافة، ولا تملك الإفلات منها. وهذا يعني في واقع الأمر تَحوُّل الإله/الصيرورة (إله هيجل، مقابل الإله/الطبيعة، إله إسبينوزا) إلى صيرورة وحسب ويفقد ألوهيته، أي أنها تعميق للكمونية وإنكار لأي تَجاوُز حتى لو كان لفظياً. - تظهر الحلولية الكمونية الواحدية المادية في إصرار أنصار ما بعد الحداثة على إنكار أصل الإنسان الرباني، فيتحدث دريدا عن "وعي إنساني كامل بدون أساس إلهي، بل بدون أساس إنساني"، لأن الأساس الإنساني يعني قدراً من الانفصال عن الطبيعة/ المادة بحيث لا يوجد سوى جوهر مادي واحد. ومن هنا حديث رورتي عن عالم لا يَعبُد فيه الإنسان شيئاً، لا إلهاً ولا ذاته، عالم تُنزَع فيه القداسة عن كل شيء لأنه لا يوجد سوى جوهر مادي، فلا مجال للحيز الإنساني المستقل. - وقول أنصار ما بعد الحداثة (الذي قد يبدو وكأنه لا معنى له) "لا يوجد شيء خارج النص" يمكن فهمه في إطار الصيرورة الكاملة. فالمبدأ المادي الواحد هنا هو الصيرورة الكاملة بدون إله، لعب اللغة وتراقص الدوال، والمعنى لا يُوجَد خارجهما، ومن ثم فالنص هو نفسه صيرورة بدون إله أو مركز، ومن يريد أن يعرف معناه فليدخل في دوامته، وهو إن دخل فلن يخرج، إذ لا يُوجَد شيء خارج النص، فالمعنى كامن فيه، وهو، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، بلا معنى ثابت أو نهائي. وفي محاولتنا تطوير خطاب تحليلي يصل إلى هذه الواحدية الصارمة وإلى فكرة الجوهر المادي الواحد ويعبِّر عنها، نستخدم بعض العبارات والمصطلحات التي تُعبِّر بأشكال مختلفة عن فكرة الكمون والحلول والواحدية المادية. وهذه المصطلحات والعبارات ليست من نحتنا أو صياغتنا تماماً، فهي جزء من الخطاب التحليلي الفلسفي العام في الغرب الذي يتسم كما أسلفنا بالهيجلية، وما نفعله نحن هو أننا نُبيِّن أبعادها الكلية والنهائية وعلاقتها بالتفكير الحلولي الكموني المادي، وفيما يلي بعض هذه العبارات: - يمكن أن يُشار إلى المبدأ الواحد، سواء كان متجاوزاً للطبيعة أو كامناً فيها، بأنه «المطلق» ، فيقال تعبيراً عن الحلولية: "حَلَّ المطلق في النسبي وأصبح كامناً فيه وامتزجا تماماً وأصبحا كلاًّ واحداً". - ويمكن أن يُشار إلى المبدأ الواحد بأنه «المقدَّس» ، فيُقال تعبيراً عن الحلولية: "امتزج المقدَّس بالزمني أو الدنيوي"، كما يمكن أن نقول: "لقد أصبح كل شيء مفعماً بالقداسة فتَسَاوَى المقدَّس والزمني وأصبحا كلاًّ عضوياً واحداً، وتساوت الأشياء وتمت تسويتها". - ويمكن أن يُشار إلى المبدأ الواحد بأنه «الكل» ، فيُقال تعبيراً عن الحلولية الكمونية الواحدية: "استوعب الكل الأجزاء بحيث أصبح هناك كلٌّ واحد وحسب" كما يُقال "الكل لا يوجد إلا في الأجزاء". - كما يمكن أن يُشار إلى المبدأ الواحد بالمركز، فيُقال: "حل المركز في العالم وأصبح كامناً فيه بحيث أصبح هناك كل عضوي". على عكس النماذج التوحيدية حيث يظل المطلق منفصلاً عن النسبي، والمقدس منفصلاً عن الزمني، والكل عن الجزء، ويظل المركز مفارقاً للعالم فتظل هناك ثنائية فضفاضة، وتظل هناك مسافة بين الخالق والمخلوق هي في جوهرها الحيز الإنساني الذي يؤدي إلى ظهور كل متكامل فضفاض بشكل غير عضوي لا كل متلاحم بشكل عضوي، يتساوى داخله الإنسان بالأشياء وتهيمن الواحدية المادية. شحوب الإله «شحوب الإله» مصطلح قمنا بصياغته (على غرار مصطلح نيتشه «موت الإله» ) لنصف إحدى مراحل الحلولية الكمونية ومستوى من مستويات العلمنة والانتقال من المرجعية المتجاوزة إلى المرجعية الكامنة. وهي مرحلة يحل فيها الإله في الإنسان أو في الطبيعة أو في كليهما معاً ويوشك أن يتوحد بهما دون أن يفعل. ولكنه مع هذا يفقد كثيراً من تجاوزه وربما لا يبقى منه سوى الاسم بحلوله في الكون. كما يمكن أن يحدث العكس، وهو أن يخلق الإله العالم ثم ينسحب منه ويتركه وشأنه، ويحتفظ الإله باسمه ولكنه يفقد فاعليته نتيجة ابتعاده عن الكون وانفصاله عنه. وسواء حل الإله في العالم أو انسحب منه، فإنه يتم تهميشه، ومن ثم فإن الغرض والغاية في العالم يختفيان تقريباً. وبعض المنظومات العلمانية الجزئية (الربوبية على سبيل المثال) تقف عند مرحلة شحوب الإله دون أن تَعبُر الخط إلى مرحلة موت الإله. فالربوبية والماسونية والموحدانية كلها تعبِّر عن فكرة شحوب الإله. ظلال الإله أشار نيتشه إلى ما سماه «ظلال الإله» وهي بعض الأفكارالكلية والمطلقة التي استمر وجودها حتى بعد ظهور الرؤية العلمية المادية وانتشارها. ومن أهم تبديات ظلال الإله فكرة الكل والحقيقة والثنائيات الأخلاقية والسببية والغائية وفكرة الإنسان نفسه كذات مستقلة عن الطبيعة/المادة. ورغم أنها مجرد ظلال إلا أنها تصبح بمنزلة مركز للعالم وتمنحه قدراً من الصلابة. وطالب نيتشه بضرورة تطهير العالم تماماً من ظلال الإله هذه حتى يصبح العالم عالماً سائلاً لا مركز له. وعالم ما بعد الحداثة هو العالم الذي تم تطهيره تماماً من كل ظلال الإله، فأصبح عالماً بلا مركز، مادة محضة سائلة. واختفت الذات الإنسانية وكل أوهام الإنسانية الهيومانية الغربية، كما اختفى الموضوع الثابت ذو الحدود الواضحة. موت الإله «موت الإله» مصطلح يعني أن القوة الخالقة للعالم المتجاوزة له قد اختفت وفَقَد الإله اسمه، وهو ما يعني الاختفاء الكامل للمرجعية المتجاوزة وظهور المرجعية الكامنة. عندئذ يُسمَّى المبدأ الواحد، مصدر وحدة العالم وتماسكه، «الطبيعة/المادة» أو التنويعات المختلفة عليه. وحين يتم ذلك تتحوَّل وحدة الوجود الروحية إلى وحدة وجود مادية. ونحن نُعبِّر عن هذا بقولنا إن الإله يحل في المادة ويتوحد بها ولا يصبح له وجود، فلحظة الوحدة الكاملة للوجود والواحدية المادية (اللحظة النماذجية العلمانية) هي أيضاًَ لحظة فقدان الإله لتجاوزه واسمه، أي موته. ويصبح مركز الكون كامناً فيه، ويصبح الكون (الإنسان والطبيعة) مكوَّناً من مادة واحدة ويختفي الغرض والغاية تماماً ويموت الإنسان، أي يختفي كمقولة مستقلة عن النظام الطبيعي/المادي. وعبارة «موت الإله» عند نيتشه (صاحب العبارة) تعني غياب فكرة الكل التي تشكل أساس الأنطولوجيا الغربية. ولو أردنا التعبير عن هذه الفكرة بالمصطلح الإسلامي لقلنا «نسيان الإله» بدلاً من «موت الإله» ، وذلك انطلاقاً من الآية "نسوا الله فأنساهم أنفسهم" (الحشر/19) . وهي تعني وجود الإنسان ككيان مستقل عن الطبيعة يحقق قدراً من التجاوز لها بسبب علاقته بالإله المتجاوز. فإن نسى الإنسان الله وظن أنه غير موجود، نسي نفسه وجوهره الإنساني المتجاوز ومركزيته في الطبيعة وما يُميِّزه كإنسان ونسي أنه إنسان إنسان، إنسان غير طبيعي مُستخلَف من إله عليٍّ قدير مجاوز للطبيعة والمادة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
244 - سهل بْن مُحَمَّد بْن سهل، الكَمّونيّ، أبو القَاسِم السَّرْخَسِيّ، ثُمَّ المَرْوَزِيّ. [المتوفى: 557 هـ]
شيخ صالح، خيّر متواضع. سمع أَبَا نصر مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الماهانيّ، ومحمد بْن عَبْد الواحد الدّقّاق. وتُوُفيّ فِي رمضان وله سبعون سنة. روى عَنْهُ أبو المظفَّر عبد الرحيم. |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
نبات زراعي عشبى حولي من الفصيلة الخيمية، ثماره من التوابل، وأصنافه كثيرة، منها: الكرماني، والنّبطى، والحبشي، والكمون الحلو: هو الأنسون، والآرمنى: هو الكرويا.
«المعجم الوسيط (كمن) 2/ 831، والمطلع ص 129». الكِنّ: قال في «القاموس» : الكن: وقاء كل شيء وستره، كالكنّة والكنان بكسرهما والبيت، والجمع: أكنان وأكنه. «القاموس المحيط (كنن) 4/ 265، 266 (حلبي)، والمعجم الوسيط (كنن) 2/ 833، والمصباح المنير (كنن) ص 542 (علمية)، ونيل الأوطار 4/ 4». |