لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
ترتيب الأحاديث معنى معروف ، وهو اختيار كيفية تواليها فيما بينها ، أي اختيار موضع كل حديث بين باقي أحاديث ذلك الباب من أبواب الكتاب الذي رويت فيه تلك الأحاديث ، فيعيَّن أو يُختارُ الحديث الذي يوضع أولاً ، ثم يُختار عقبه الحديث الذي يليه ، ثم الثالث وهلم جرًّا إلى آخر أحاديث الباب.
ولترتيب أحاديث كتب الحديث وأحاديث أبوابها عند المتقدمين دلالات نقدية عميقة ، ولا سيما أصحاب الصحيحن وبعض كتب السنن. ومن أراد أمثلة ذلك وبعض تفاصيله فليطالع كتاب الشيخ الفاضل حمزة المليباري (عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح: دراسة تحليلية) وكتابه الآخر (ما هكذا تورد يا سعد الإبل). وإليك أقوال بعض العلماء في معنى إشارات البخاري ومقاصده بترتيب أحاديث أبواب كتابه ، مع مثالين على ذلك ، من كتابه "الصحيح". قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية) (5/101) في حديث رواه البخاري وفيه غلط: (والبخاري رواه في سائر المواضع على الصواب ليبين غلط هذا الراوي كما جرت عادته بمثل ذلك). وهذا تنبيه مهم، وفائدة عزيزة، وإليك بيان ذلك وتفصيله: قال البخاري في (صحيحه) (4/1835 - 1836) في "باب قوله وتقول هل من مزيد": [4567 ] - حدثنا عبد الله بن أبي الأسود حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فتقول: قط قط). [4568] - حدثنا محمد بن موسى القطان حدثنا أبو سفيان الحميري سعيد بن يحيى بن مهدي حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة رفعه، وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان: (يقال لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول: قط قط). [4569] - حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: (تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين؛ وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منهما ملؤها؛ فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحداً؛ وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقاً). انتهى. وقال البخاري في (صحيحه) (6/2453) في "باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته": [6284] - حدثنا آدم حدثنا شيبان حدثنا قتادة عن أنس بن مالك قال النبي ﷺ: لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول: قط قط وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض. رواه شعبة عن قتادة. وقال البخاري في (صحيحه) في "باب ما جاء في قول الله تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين": [7011] - حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: اختصمت الجنة والنار إلى ربهما فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار: - يعني - أوثرت بالمتكبرين فقال الله تعالى للجنة أنت رحمتي وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها؛ قال: فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحداً، وإنه ينشىء للنار من يشاء فيلقون فيها فتقول: هل من مزيد؟ ثلاثاً، حتى يضع فيها قدمه فتمتلىء ويرد بعضها إلى بعض وتقول: قط قط قط. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية) (5/99-103) بعد كلام ذكره ، في مصير الأطفال يوم القيامة: (ولهذا كان الصواب في الأصل الثاني قول من يقول: إن الله لا يعذب في الآخرة إلا من عصاه بترك المأمور أو فعل المحظور؛ والمعتزلة في هذا وافقوا الجماعة بخلاف الجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم، فإنهم قالوا: بل يعذب من لا ذنب له أو نحو ذلك. ثم هؤلاء يحتجون على المعتزلة في نفس الإيجاب والتحريم العقلي بقوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [سورة الإسراء 15] وهو حجة عليهم أيضاً في نفي العذاب مطلقاً إلا بعد إرسال الرسل؛ وهم يجوزون التعذيب قبل إرسال الرسل فأولئك يقولون: يعذب من لم يبعث إليه رسولاً لأنه فعل القبائح العقلية وهؤلاء يقولون: بل يعذب من لم يفعل قبيحاً قط كالأطفال وهذا مخالف للكتاب والسنة والعقل أيضاً. قال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [سورة الإسراء 15]. وقال تعالى عن النار: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ {{8}} قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ {{9}}) [سورة الملك 8-9]، فقد أخبر سبحانه وتعالى بصيغة العموم أنه كلما ألقي فيها فوج سألهم الخزنة، هل جاءهم نذير؟ فيعترفون بأنهم قد جاءهم نذير فلم يبق فوج يدخل النار إلا وقد جاءهم نذير فمن لم يأته نذير لم يدخل النار. وقال تعالى لإبليس: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) [سورة ص 85]، فقد أقسم سبحانه أنه يملؤها من إبليس وأتباعه، وإنما أتباعه من أطاعه ، فمن لم يعمل ذنباً لم يطعه، فلا يكون ممن تملأ به النار. وإذا ملئت بأتباعه لم يكن لغيرهم فيها موضع. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: لا يزال يلقى في النار وتقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه؛ وفي رواية "فيضع قدمه عليها " ، فتقول: قط قط ، وينزوى بعضها إلى بعض؛ أي تقول حسبي حسبي؛ وأما الجنة فيبقى فيها فضل فينشىء الله لها خلقاً فيسكنهم فضول الجنة. هكذا روي في الصحاح من غير وجه؛ ووقع في بعض طرق البخاري غلط قال فيه: "وأما النار فيبقى فيها فضل" ؛ والبخاري رواه في سائر المواضع على الصواب ليبين غلط هذا الراوي كما جرت عادته بمثل ذلك: إذا وقع من بعض الرواة غلط في لفظٍ ذكرَ ألفاظ سائر الرواة التي يعلم بها الصواب. وما علمت وقع فيه غلط إلا وقد بين فيه الصواب؛ بخلاف مسلم فإنه وقع في (صحيحه) عدة أحاديث غلط أنكرها جماعة من الحفاظ على مسلم. والبخاري قد أنكر عليه بعض الناس تخريج أحاديث لكن الصواب فيها مع البخاري. والذي أُنكر على الشيخين أحاديث قليلة جداً؛ وأما سائر متونهما فمما اتفق علماء المحدثين على صحتها وتصديقها وتلقيها بالقبول لا يستريبون في ذلك. وقد قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ {{130}} ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ {{131}} ) [سورة الأنعام 130 - 131]. فقد خاطب الجن والإنس واعترف المخاطبون بأنهم جاءتهم رسل يقصون عليهم آياته وينذرونهم لقاء يوم القيامة، ثم قال: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون)، أي هذا بهذا السبب؛ فعُلم أنه لا يعذب من كان غافلاً ما لم يأته نذير فكيف الطفل الذي لا عقل له----) إلى آخر كلامه رحمه الله. وراجع (مجموع الفتاوى) (16/46-47). وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في (حادي الأرواح) (ص278) عقب ذكرِه بعض الأحاديث الصحيحة المتقدمة: (وأما اللفظ الذي وقع في "صحيح البخاري" في حديث أبي هريرة وأنه ينشئ للنار من يشاء فيلقى فيها فتقول: هل من مزيد؟ فغلطٌ من بعض الرواة، انقلب عليه لفظه؛ والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده، فإن الله سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، وأنه [في الأصل فإنه] لا يعذب إلا من قامت عليه حجته وكذَّب رسله، قال تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ {{8}} قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ) [الملك 8-9] ولا يظلم الله أحداً من خلقه). وقال ابن القيم أيضاً في (أحكام أهل الذمة) (2/1104-1108): (واحتجوا بما روى البخاري في (صحيحه) في احتجاج الجنة والنار عن النبي ﷺ قال: (وأما النار فينشئ الله لها خلقاً يسكنهم إياها)؛ قالوا: فهؤلاء يُنشؤون للنار بغير عمل، فلأن يدخلها من ولد في الدنيا بين كافرين أولى؛ قال شيخنا: وهذه حجة باطلة فإن هذه اللفظة وقعت غلطاً من بعض الرواة وبينها البخاري رحمه الله تعالى في الحديث الآخر الذي هو الصواب فقال في "صحيحه"----) ، فذكر ابن القيم ذلك الحديث، وفيه لفظة " الجنة " مكان "النار"، في العبارة المتقدمة، ثم قال: (هذا هو الذي قاله رسول الله ﷺ بلا ريب، وهو الذي ذكره [أي البخاري] في "التفسير" [من صحيحه]؛ وقال في "باب ما جاء في قول الله عز وجل إن رحمة الله قريب من المحسنين": ----) وذكر ابن القيم الرواية الشاذة ثم قال: (فهذا غير محفوظ وهو مما انقلب لفظه على بعض الرواة قطعا كما انقلب على بعضهم "إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، فجعلوه "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال" ؛ وله نظائر من الأحاديث المقلوبة من المتن. وحديث الأعرج عن أبي هريرة هذا لم يحفظ كما ينبغي وسياقه يدل على أن راويه لم يقم متنه بخلاف حديث همام عن أبي هريرة). وقال ابن القيم أيضاً في (طريق الهجرتين) (ص576) في معرض رده لبعض المذاهب المخالفة للصحيح في بعض المسائل: (واحتجوا [يعني أصحاب المذهب المشار إليه] أيضاً بما روى البخاري في (صحيحه) في حديث احتجاج الجنة والنار عن النبي ﷺ أنه قال: وأما النار فينشىء الله لها خلقاً يسكنهم إياها " ؛ قالوا: فهؤلاء يُنشأون للنار بغير عمل، فَلَأَن يدخلها من ولد في الدنيا بين كافرين أولى. وهذه حجة باطلة فإن هذه اللفظة وقعت غلطاً من بعض الرواة وبينها البخاري في الحديث الآخر وهو الصواب، فقال في "صحيحه"---)، ثم ذكر نحو ما ذكره في "أحكام أهل الذمة ". وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (13/437) بعد كلام له في ذكر احتجاج بعض الفرق بهذا الحديث على بعض عقائدهم: (وليس في الحديث حجة للاختلاف في لفظه ولقبوله التأويل؛ وقد قال جماعة من الأئمة: إن هذا الموضع مقلوب؛ وجزم ابن القيم بأنه غلط واحتج بأن الله تعالى أخبر بأن جهنم تمتلىء من إبليس وأتباعه؛ وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني واحتج بقوله "ولا يظلم ربك أحدا " ----). وهذا مثال آخر: قال البخاري في (صحيحه)(1) في (باب القراء من أصحاب النبي ﷺ): 4999 - حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عمرو عن إبراهيم عن مسروق: ذكر عبد الله بن عمرو عبدَ الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه ، سمعت النبي ﷺ يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب. 5000 - حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: والله لقد أخذت مِن في رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة ؛ والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله ، وما أنا بخيرهم ؛ قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون ، فما سمعت رداً يقول غير ذلك. 5001- حدثني محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف ، فقال رجل: ما هكذا أنزلت ، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ ؛ فقال: أحسنتَ ، ووجد منه ريح الخمر ، فقال: أتجمع أن تكذّبَ بكتاب الله وتشربَ الخمر؟! فضربه الحد. 5002 - حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله رضي الله عنه: والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت ، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت ؛ ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه. 5003- حدثنا حفص بن عمر حدثنا همام حدثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ ؟ قال: أربعة ، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد. تابعه الفضل عن حسين بن واقد عن ثمامة عن أنس. 5004 - حدثنا معلى بن أسد حدثنا عبد الله بن المثنى حدثني ثابت البناني وثمامة عن أنس قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ؛ قال: ونحن ورثناه. 5005 - حدثنا صدقة بن الفضل أخبرنا يحيى عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال عمر: أُبيُّ أقرؤنا ، وإنا لندَع مِن لحن أبيّ ، وأبي يقول: أخذته مِن رسول الله ﷺ ، فلا أتركه لشيء ، قال الله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها). انتهى الباب بتمامه. فأنت ترى أن البخاري صنع ما يأتي: قدم في هذا الباب أصح الأحاديث. ثم ذكر ما يشهد لذلك الحديث. ثم ذكر رواية قتادة عن أنس ، وهي رواية يمكن أن يُجمع بينها وبين الروايات التي قبلها. ثم أشار إلى متابعة ثمامة لقتادة ، من رواية حسين بن واقد عن ثمامة. ثم ذكر رواية ثابت وثمامة عن أنس ، وهي رواية لا يستقيم أن يجمع بينها وبين ما قبلها ، فهي مخالفة لرواية ثمامة نفسه وقتادة عن أنس ، وهي مخالفة أيضاً لروايات ابن مسعود ؛ ولذلك أشار إلى عدم صحتها أنواعاً من الإشارات وهي: الأولى: تأخيرها عن رواية أنس الأولى ، وهي مخالفة لها ؛ وإذا اجتمع اختلاف المتن واتحاد المخرج كانت النكارة أوضح. الثانية: تأخيرها عن روايات ابن مسعود ، وهي مخالفة لها أيضاً. الثالثة: إشارته إلى الرواية المحفوظة عن ثمامة. الرابعة: إبراز سندها إذ فيه من تُكلم فيه. الخامسة: عدم ذكره أي متابعة لها ، بخلاف رواية ابن مسعود وهي الأصل في هذا الباب فقد أكثر البخاري من إيراد متابعاتها وشواهدها ، وكذلك رواية أنس الأولى ذكر لها متابعة. السادسة: عقَّب رواية أنس الثانية بما يخالفها، وهو قول عمر رضي الله عنه (أُبي أقرؤنا). والآن إلى مناقشة الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه لأحاديث هذا الباب. قال في (فتح الباري) (9/53): ( قوله "تابعه الفضل بن موسى عن حسين بن واقد عن ثمامة عن أنس" هذا التعليق وصله إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن الفضل بن موسى به؛ ثم أخرجه المصنف من طريق عبد الله بن المثنى: حدثني ثابت البناني وثمامة عن أنس قال: "مات النبي ﷺ ولم يَجمع القرآن غير أربعة " ، فذكر الحديث فخالف رواية قتادة من وجهين: أحدهما: التصريح بصيغة الحصر في الأربعة. ثانيهما: ذكر أبي الدرداء بدل أبي بن كعب فأما الأول فقد تقدم الجواب عنه من عدة أوجه. وقد استنكره جماعة من الأئمة؛ قال المازري: لا يلزم من قول أنس "لم يجمعه غيرهم" أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك ، لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه، وإلا فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد ، وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي ﷺ ؛ وهذا في غاية البعد في العادة ، وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك. [قلت: أنس رضي الله عنه أورع وأتقى وأعلم من أن يدعي على سبيل الحصر والقطع ما لا علم له به؛ فكلام المازري فيه نظر]. قال [أي المازري]: وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه فإنا لا نسلم حمله على ظاهره؛ سلمناه ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؛ سلمناه لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجم الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير؛ وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه ، بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى. واستدل القرطبي على ذلك ببعض ما تقدم من أنه قُتل يوم اليمامة سبعون من القراء ، وقتل في عهد النبي ﷺ ببئر معونة مثلُ هذا العدد ؛ قال: وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم ، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم. وأما الوجه الثاني من المخالفة: فقال الإسماعيلي: هذان الحديثان مختلفان ولا يجوزان في الصحيح مع تباينهما؛ بل الصحيح أحدهما. وجزم البيهقي بأن ذكر أبي الدرداء وهم والصواب أبي بن كعب. وقال الداودي: لا أرى ذكر أبي الدرداء محفوظاً. قلت: وقد أشار البخاري إلى عدم الترجيح، باستواء الطرفين، [قلت: هذه دعوى تفتقر إلى الدليل فمن الذي أخبرنا بأن البخاري أشار إلى ذلك ومن أين يظهر لنا استواء الطرفين ليشير البخاري بهذا الاستواء إلى عدم ترجيحه بين الروايتين؛ وأما ادعاء العكس فهو الصحيح ودلائله لائحة لمن أنصف وعرف طريقة البخاري؛ وسيقع ابن حجر رحمه الله تعالى في تناقض فانتظره يأتك قريباً، وهو ظنه أو تصريحه باحتمال أن يكون البخاري أشار إلى ترجيح رواية قتادة، قال ذلك بعد تصريحه بترجيحه رواية قتادة]. فطريق قتادة على شرطه وقد وافقه عليها ثمامة في إحدى الروايتين عنه. وطريق ثابت أيضاً على شرطه وقد وافقه عليها أيضاً ثمامة في الرواية الأخرى. لكن مخرج الرواية عن ثابت وثمامة بموافقته قد [الأصل وقد] وقع عن عبد الله بن المثنى وفيه مقال، وإن كان عند البخاري مقبولاً لكن لا تعادل روايته رواية قتادة. ويرجح رواية قتادة حديث عمر في ذكر أبي بن كعب وهو خاتمة أحاديث الباب ولعل البخاري أشار بإخراجه إلى ذلك ، لتصريح عمر بترجيحه في القراءة على غيره. ويحتمل أن يكون أنس حدث بهذا الحديث في وقتين فذكره مرة أبي بن كعب ومرة بدله أبا الدرداء. [قلت: ولكن إحدى الروايتين بصيغة الاستثناء وهو من أعلى صيغ الحصر، ومعنى ذلك إن الروايتين متنافيتان]. وقد روى ابن أبي داود من طريق محمد بن كعب القرظي قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري ، وإسناده حسن مع إرساله ، وهو شاهد جيد لحديث عبد الله بن المثنى في ذكر أبي الدارداء ، وإن خالفه في العدد والمعدود. [قلت: بل هو ضعيف، ولا يصلح للشهادة لحديث شاذ منكر، والمنكر أبداً منكر لا يصلح للتقوي ودفع النكارة!! ثم لو قدرنا أنه يصلح للشهادة فإنه حينئذ يشهد لبعض حديث عبد الله بن المثنى وهو ذكر أبي الدرداء، ولكنه يشهد على ضعف وشذوذ ذلك الحديث فإن فيه حصراً خرج عنه عبادة بن الصامت وأبو أيوب، وهذا الحديث يثبت لهما الحفظ، فالحصر على هذا الافتراض منكر، أو في الأقل فيه نظر ؛ فلماذا نقوي ذلك الحديث أو بعضه ببعض هذا حين وافقه، ولا نعل بعض ذلك ببعض هذا أيضاً حين خالفه؟]. ومن طريق الشعبي قال: جمع القرآن في عهد رسول الله ﷺ ستة منهم أبو الدرداء ومعاذ وأبو زيد وزيد بن ثابت؛ وهؤلاء الأبعة هم الذين ذكروا في رواية عبد الله بن المثنى ، وإسناده صحيح مع إرساله. [أقول: المرسل في تصحيحه نظر؛ ولئن صح وكان أصح من رواية عبد الله بن المثنى فإن روايته أي عبد الله تكون شاذة معللة بمخالفة رواية الشعبي هذه، فإنها أثبتت الحفظ لاثنين من الصحابة وتلك نفته عنهما]. فلله در البخاري ما أكثر اطلاعه وقد تبين بهذه الرواية المرسلة قوة رواية عبد الله بن المثنى وأن لروايته أصلاً والله أعلم. [قلت: أصلها خال من نفي الحفظ عن غير هؤلاء الأربعة بل عن أي أربعة آخرين من الصحابة، ولا بد]. وقال الكرماني: لعل السامع كان يعتقد أن هؤلاء الأربعة لم يجمعوا وكان أبو الدرداء ممن جمع فقال أنس ذلك رداً عليه وأتى بصيغة الحصر ادعاء ومبالغة ، ولا يلزم منه النفي عن غيرهم بطريق الحقيقة. قلت: هذا تكلف في الجمع بين النصوص المتعارضة مع أن أحدهما أقوى سنداً ومعنى من الآخر، وهو أكثر شواهد وأوضح دلائل ؛ والله أعلم. إنها ليست دعوة إلى الجرأة على صحيح الإمام البخاري، ذلك الحصن المحكم المتين ، بحمد الله ، ولكنها دعوة إلى فهم منهج البخاري بتثبت وتدبر يزيدان طالب العلم بصيرة بحقيقة منزلة هذا الكتاب العظيم ومنزلة صاحبه ذلكم العالم الجبل الذي منَّ الله به على هذه الأمة التي تكفل الله بحفظ دينها وسنة نبيها ﷺ ، وقد حصل ذلك - بحمد الله - بالبخاري وأمثاله رحمهم الله تعالى. إنني تكلمت في هذا الحديث ولي سلف تقدم نقْلُ كلامهم، وهم الإسماعيلي الحافظ الناقد الجهبذ، والبيهقي الحافظ الواسع الاطلاع على أقوال علماء العلل، ثم الداوودي؛ ومستندي في هذا الأصل ما شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية من طريقة الإمام البخاري في الأحاديث المتعارضات، وجرّأني على ذلك أيضاً ما اتضح لك من ضعف طريقة المتأخرين في الكلام على هذا الحديث، كما تقدم، فهذا يتكلم بتكلف ليجمع بين الأحاديث المتعارضات، وذاك يُبعد في التأويل بلا دليل، وثالث لا أدري كيف أعبر عن صنيعه، هل أقول: كلامه يشعر بنقد طريقة أنس رضي الله تعالى عنه في رواية الحديث، أو أقول: ألقى اللومَ في هذا الاختلاف بين ظاهر الروايتين على أنس رضي الله عنه دون غيره من رجال السند؟ إن القول بأن ابن المثنى وهِمَ لهو أهون ألف مرة وأقرب ألف مرة وأصح ألف مرة من أن يقال: إن أنس جزم بأمر لم يحط به علماً، وصرح بخبر يستحيل أن يعلمه على حقيقته، بسبب كثرة الصحابة وانتشارهم ونحو ذلك مما تقدم التعليل به في كلام المازري ؛ اللهم عفواً وغفراً. وقال ابن حجر في (فتح الباري) (9/246): (وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعين ذلك). قلت: هذا الكلام صحيح في أصله ، ولكن عادة ابن حجر أنه يتوسع في هذا الأمر ؛ ولعل التحقيق في هذا الباب هو أن الإمام البخاري لا يورد في كتابه حديثاً مسنَداً مرفوعاً وهو معلول ، من غير أن يشير إلى علته أو يصرح بها ، ثم هو في الوقت نفسه إذا احتاج إلى إعادة حديث فإنه يعيده ، ولكن قد يعيده من طريق فيها علة متنية أو سندية ، قال ابن حجر في (الفتح) (1/84): (تقرر أن البخاري لا يعيد الحديث إلا لفائدة؛ ولكن تارة تكون في المتن وتارة في الإسناد وتارة فيهما ؛ وحيث تكون في المتن خاصة: لا يعيده بصورته؛ بل يتصرف فيه، فإن كثرت طرقه: أورد لكل بابٍ طريقاً ، وإن قلَّت: اختصر المتن أو الإسناد). فمن هنا كان البخاري ربما أعاد الحديث من طريق معلولة ، فأما العلة فلا تمنع من تقوية الرواية الأولى المحفوظة بهذه الرواية التي وقعت فيها المخالفة أو الشذوذ ، لأن الحديثين إنما يقوي أحدها الآخر بما اتفقا عليه ، وهو القدر الأكبر منهما ، بل هو كل ما في الروايتين سوى موضع الاختلاف ؛ وهو يرى أن العلة لا تخفى على أهل العلم ولا سيما الذين فهموا عن البخاري منهجه وشروطه وإشارته ، والذين يميزون بين مراتب الرواة وأحوال الأسانيد. إذن الظاهر أن الإمام البخاري قد أورد في (صحيحه) جملة من الروايات الصحيحة في أصلها ولكن فيها بعض الزيادات أو التقييدات التي لا تصح ، ولكنه أشار إليها بتقديم الروايات الصحيحة المحفوظة عليها ، ولعله يشير إلى ذلك أحياناً بطريقة أخرى ، وهي أن يُورد الرواية المحفوظة على سبيل الاحتجاج بها في باب يترجمه بترجمة دالة على أنه يحتج بما في تلك الرواية من القدر الذي خالفتها فيه رواية أخرى ولو كانت تلك الرواية الشاذة قد تقدمت. __________ (1) طبعة قصي محب الدين الخطيب. |