نتائج البحث عن (تيط) 11 نتيجة

تيط
وممَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْه من فصل التَّاء مَعَ الطّاءِ:! تيط، كميلٍ: قريةٌ بساحِلِ بلادِ أَزْمورَ بالمَغْرِب، بِهِ رِباطٌ حَسَنٌ، وتُعْرَف أَيْضاً بعَيْنِ القطْرِ.

الجماعات اليهودية إشكاليات - يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟ - الجماعات الوظيفية اليهودية القتالية والاستيطانية والمالية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

جماعة يهودية وظيفية قتالية استيطانية (المرتزقة)
‏Jewish Military Settler Functional Group (Mercenaries)
«الجماعة الوظيفية الاستيطانية» هي الجماعة البشرية التي تُستجلَب من خارج المجتمع أو تُجنَّد من داخله ثم تُنقَل من مكان إلى مكان آخر لتُوطَّن فيه بغرض أن تؤدي وظيفة محدَّدة ذات طابع قتالي عادةً، ولكن ليس ضرورياً أن تكون كذلك دائماً، فقد تكون ذات طابع زراعي أو تجاري، أو ذات طابع مُختلَط؛ زراعي قتالي، أو تجاري قتالي، أو زراعي تجاري، وهكذا.

أما «الجماعة الوظيفية القتالية» فهي الجماعة التي يضطلع أعضاؤها بدور قتالي وحسب، فالجندي المرتزق هو الجندي الذي يُستجلَب من خارج المجتمع، أو يُجنَّد من داخله (عادةً من صفوف أقلية إثنية أو دينية معينة لها علاقة خاصة بالمجتمع) . وهو يقوم بالقتال من أجل المال بالدرجة الأولى، فالدوافع هنا يجب ألا تكون دوافع داخلية مركبة (الانتماء ـ حب الوطن ـ الانتقام) ، بل لابد أن يكون الدافع خارجياً بسيطاً وهو الربح المادي الذي يأخذ صورة أجر مادي عاجل ومباشر (راتب شهري) أو آجل (إقطاعية أو غيرها من العوائد المالية) . وكل من العنصر الاستيطاني والقتالي يشكل جماعة وظيفية، فهو عنصر متحرك غير منتم لا يدين بالولاء لأحد إلا لراعيه الذي يقوم بتمويله، وهو عنصر لا يُعرَّف من خلال سماته الإنسانية وإنما من خلال وظيفته، فهو وسيلة لا غاية، وأداة لا هدف، والمجتمع ينظر إليه من ناحية مدى نفعه ومدى احتياجه إليه، ويدخل معه في علاقة تعاقدية محايدة. والجندي المرتزق والمستوطن هما وسيلة من وسائل الإنتاج، أو بتعبير أدق إحدى أدوات الفتك التي تنظم علاقات الإنتاج وعملية توزيع الثروة لصالح من يسيطر على هذه الآلة أو الوسيلة. وعادةً ما يعيش الجنود المرتزقة، وكذلك أعضاء الجماعات الاستيطانية، على مقربة من أعضاء الأغلبية، ولكنهم مع هذا يظلون في عزلة عنهم فهم منبتو الصلة بالجماهير مرتبطون بالنخبة الحاكمة التي تسخرهم لمصلحتها، دون أن تخشى بأسهم أو تخاف من أن يقوموا بمحاولة المشاركة في السلطة أو القرار السياسي، فهم بلا قاعدة ولا شرعية ولا سلطات إلا ما يستمدونه من الراعي، وذلك على عكس المقاتلين من أعضاء الأغلبية، فهؤلاء عادةً ما يطالبون بنصيبهم في السلطة إن قويت شوكتهم، كما أنهم يستندون إلى قاعدة جماهيرية يستمدون منها الشرعية.

وفي تقديرنا أن الجندي الذي يدافع عن وطنه ويتقاضى أجراً عن ذلك ليس بمرتزق، لأن دوافعه للقتال والاستيطان أكثر تركيباً من الجندي المرتزق، كما أنه أقل حركية لارتباطه بوطنه. والشيء نفسه ينطبق على المواطن الذي يرابط في مناطق حدودية دفاعاً عن الوطن، فهو مرتبط بوطنه ولا يتسم بأية حركية إلا في إطار رؤيته.
وهنا يمكن أن تثار قضية الغارات التي يشنها البدو أو القراصنة على المدن والسفن من أجل الغنائم، أي من أجل الربح المادي، وهل يمكن اعتبارهم مرتزقة. ونحن نميل إلى عدم تصنيفهم كمرتزقة، فرغم وجود عنصر مشترك أساسي بين المرتزقة من جهة والبدو والقراصنة من جهة أخرى (الحركية والقتال من أجل المال) إلا أن هناك عنصراً أساسياً آخر غائباً في حالة الفريق الثاني وهو الراعي أو الحامي الذي يصدر الأوامر للعنصر المرتزق ويوجهه ويوظفه. ومن هنا تظهر مشكلة تصنيف المماليك، فقد تم استجلابهم كرقيق ليقاتلوا نظير أجر أو نظير التمتع بمستوى معيشي مرتفع. ولكنهم، بالتدريج، أصبحوا يقاتلون لصالح أنفسهم كجماعة إثنية مُستجلَبة مستقلة. ولتحديد الأمور، يمكننا أن نتخيل مُتصَلاً أحد أطرافه المجاهد الذي لا يقاتل إلا ابتغاء مرضاة الله والمقاتل الذي يموت من أجل الوطن أو العقيدة ولا يستهلك إلا ما يضمن له الاستمرار في الجهاد والقتال دون الحصول على أية مكاسب مادية، والطرف الآخر للمُتصَل هو المرتزق الذي لا يقاتل إلا ابتغاء الأجر، ويمكننا أن نضع بينهما الجندي الذي يدافع عن قضية ويأخذ أجراً ويحقق مكاسب مادية وطبقية تزيد عن حاجته، ثم نضع بعد ذلك المماليك بعد أن تحولوا إلى طبقة مقاتلة تقاتل من أجل زيادة مكاسبها وتدافع في الوقت نفسه عن الوطن (مصدر المكسب) . ويجيء بعد ذلك جماعات البدو والقراصنة الذين يشنون الغارات من أجل الربح، ثم يجيء أخيراً الجندي المرتزق.

ويبدو أن كثيراً من المجتمعات (عبر التاريخ) نظرت إلى العبرانيين وإلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم مادة بشرية استيطانية وقتالية. وهذا لا يعني أن سائر المجتمعات كانت تنظر إلى سائر العبرانيين وإلى الجماعات اليهودية كافة في كل زمان ومكان من هذا المنظور، كما لا يعني أنها كانت تنظر إلى اليهود فقط من هذا المنظور (إذ تُوجَد عناصر بشرية استيطانية وقتالية أخرى كاليونانيين على سبيل المثال) . ولا يعني هذا أيضاً أن اليهود بطبيعتهم مادة بشرية استيطانية وقتالية أو أن عندهم قابلية طبيعية ليصبحوا كذلك. فمن المعروف أن الغالبية الساحقة من العبرانيين ومن أعضاء الجماعات اليهودية لم تضطلع بأيٍّ من هاتين الوظيفتين. فالقضية، إذن، هي قضية مجموعة أو مجموعات من البشر عاشت تحت ظروف تاريخية اقتصادية وثقافية معيَّنة أدَّت إلى اضطلاع قطاعات منها بهذه الوظيفة. وما سنتناوله في هذا المدخل هو نمط تكرَّر بشكل لافت للنظر في عدد من المجتمعات في العالم القديم، ثم تكرَّر في بلاد الغرب بشكل أكثر وضوحاً في العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، وترجم نفسه في نهاية الأمر إلى وعد بلفور ثم إلى الدولة الصهيونية في العصر الحديث. ولكن الطبيعة الاستيطانية والقتالية للدولة الصهيونية (التي نسميها «الدولة الوظيفية» ) ، وهيمنة هذه الدولة على أذهان الغالبية الساحقة ليهود العالم في الوقت الحالي، يُكسب هذا النمط أو النموذج أهمية غير عادية ويضفي علىه مركزية لم يكن يتمتع بها من قبل. ومن ثم يصبح من اللازم لنا اكتشاف جذوره وسُبُل تَشكُّله في ماضي العبرانيين والجماعات اليهودية.

لقد تَعمَّق هذا الاتجاه بسبب مانسميه «المسألة العبرانية» ، أي قلة عدد العبرانيين وتَخلُّف المجتمع العبراني الحضاري والتكنولوجي والعسكري مع وجوده في واحد من أهم المواقع الإستراتيجية في العالم. فلم يتمكن المجتمع العبراني من استيعاب الطاقات البشرية داخله، ومن ثم كان لابد من تصديرها. وإلى جانب هذا، كان هذا المجتمع عُرضة لغزوات جيوش الإمبراطوريات الكبرى التي كانت تقوم بأسر أعداد كبيرة من العبرانيين ثم تُهجِّرهم إلى أماكن أخرى أو تُجنِّدهم في صفوفها.
ويبدو أن العبرانيين القدامى كانوا من المرتزقة منذ بداية ظهورهم في التاريخ، فكلمة «عبراني» ذاتها تشير إلى العبد الذي أصبح كذلك برضاه وحوَّل نفسه إلى أداة في يد الآخر. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن كلمة «خابيرو» (التي يذهب البعض إلى أنها تعني العبرانيين) تعني «الجندي المرتزق» ، وأن الكلمة كانت تُطلَق على أية جماعات من الرحل أو الغرباء أو الأشقياء المستعدين للانضمام إلى صفوف أي جيش لقاء أجر أو بدافع الحصول على الغنائم. ولكن يبدو أن الخابيرو، كانوا بدواً مرتزقة يغيرون لاستلاب الغنائم أو ربما جماعة كانت تنضم بشكل مؤقت لقوة محاربة نظامية أو غير نظامية من أجل تحقيق الربح. ولعل اشتراكهم مع الهكسوس في غزو مصر كان شيئاً من هذا القبيل. وعلى كل، ومهما كانت اشتقاقات الكلمة، فإن هناك مؤشرات عديدة على أن العبرانيين القدامى، مع استقرارهم في كنعان، كانوا يعملون كمرتزقة، كما أنهم حاربوا في صفوف الفلستيين كمرتزقة ضد بني جلدتهم.

وقد قام الملك العبراني أمصيا) 769ـ 798 ق. م) ، تاسع ملوك المملكة العبرانية، بجمع جيش من المرتزقة من المملكة الشمالية وحاول إخضاع أدوم للهيمنة العبرانية. كما تم تجنيد العبرانيين كمرتزقة في جيوش مصر الفرعونية حينما بدأ ملوك المملكة الجنوبية مبادلة الأحصنة بالجنود. وفي الأسرة السادسة والعشرين استعان بهم بسماتيك الأول (663 ـ 605 ق. م) الذي كوَّن جيشاً من المرتزقة كان يضم في صفوفه يهوداً، وقام بسماتيك الثاني (594 ـ 589 ق. م) من بعده بتوطين جماعة استيطانية في جزيرة إلفنتاين. وحينما سقطت المملكة الجنوبية، فرت جماعات من العبرانيين إلى مصر واستقرت في أماكن معروفة بأن فيها حاميات عسكرية. ويُلاحَظ أن الدياسبورا هنا (أي انتشار اليهود في بقاع الأرض) مرتبطة بنشاطين متلازمين هما في واقع الأمر نشاط واحد: الاستيطان والقتال كمرتزقة. والانتشار لا علاقة له بتحطيم الهيكل كما يدَّعي الصهاينة. ومما يجدر ذكره أن التهجيرين، الآشوري والبابلي، لم يكن الهدف منهما تأديب العبرانيين وحسب وإنما نقلهم ليصبحوا جماعة وظيفية استيطانية، إذ تحوَّل المُهجَّرون إلى العمل بالزراعة والشئون المالية، وليس هناك ما يدل على تَحوُّلهم إلى جماعة وظيفية قتالية. وقد استخدم الفُرس العبرانيين كجماعة استيطانية قتالية، فأقاموا جماعات يهودية موالية للدولة الفارسية على هيئة مستعمرات في أرجاء الإمبراطورية، كما عمل اليهود جواسيس وجنوداً مرتزقة. وقد حوَّلت حامية إلفنتاين ولاءها من السلطة المصرية إلى السلطة الفارسية الفاتحة، فالمرتزقة كما أسلفنا يتبعون من يدفع لهم. وأسس دارا الأول جيشاً قوياً يضم جنوداً يونانيين ويهوداً مرتزقة.

وحينما فتح الإسكندر الشرق الأدنى القديم، تصاعدت ظاهرة تحويل اليهود إلى جماعات استيطانية قتالية بالدرجة الأولى خصوصاً أن الحكم البطلمي والسلوقي كان مبنياً أساساً على المرتزقة. وقد أبقى الإسكندر على المزايا التي منحها الفرس لليهود، فانضموا إلى الجيوش اليونانية كمرتزقة. ولم تكن هناك فرقة قومية خاصة باليهود، ولذا انضم المرتزقة اليهود إلى فرق الآسيويين الذين تَكاثَر عدهم بين عامي 200 و150 ق. م. وكان يُشار إلى اليهود أحياناً بوصفهم «فُرساً» ، ويذكر يوسيفوس أن المرتزقة من يهود الإسكندرية كان يُشار إلىهم بوصفهم «مقدونيين» .
وكان البطالمة ينظرون إلى اليهود كجماعة استيطانية قتالية وتجارية يتوقف أمن أعضائها على رضا النخبة الحاكمة الأمر الذي يجعل منهم عنصراً مأمون الجانب، ولذا شجعهم البطالمة على الهجرة إلى مصر للعمل فيها مرتزقة وتجاراً ومزارعين وأفراد شرطة وموظفين وملتزمي ضرائب. وحينما أسر سوتر الأول عدداً كبيراً من اليهود في إحدى حملاته على فلسطين، وطنهم في مصر ليستخدمهم أداة لقمع المصريين. وقد قام بطليموس الثاني (فيلادلوفوس) (283 ـ 244 ق. م) بإعتاق العبيد العبرانيين الذين أسرهم ثم وَطَّنهم في معسكرات باعتبارهم وحدات قتالية استيطانية (باليونانية: كليروخوا) . وحينما فتح البطالمة برقة في عام 145 ق. م، وَطَّنوا اليهود فيها ليشددوا قبضتهم علىها (على حد قول يوسيفوس) . وفي العام نفسه، شيَّد أونياس الرابع معبداً يهودياً في لينتوبوليس كانت تُرابط حوله فرقة من المرتزقة اليهود.

وقد خدم اليهود في فرق المشاة والفرسان على حدٍّ سواء، خصوصاً إبان حكم بطليموس السادس (180 ـ 145 ق. م) الذي سلَّم مملكته تقريباً إلى المرتزقة اليهود الذين وصلوا إلى أعلى المراتب العسكرية بما في ذلك القيادات. ويُقال إن الملكة كليوباترا الثالثة اعتلت العرش بفضل مساعدة قواد الجيش من اليهود. وكان من بينهم خلكياس وأنانياس ولدا أونياس اللذان قادا جيشها في فلسطين. وكان المرتزقة اليهود من أرباب الإقطاعات، وكان في وسعهم تأجير أرضهم وتوريثها لأبنائهم دون عناء كبير. وانخرط اليهود أيضاً في سلك الشرطة وحراسة الممتلكات وتحصيل المكوس الجمركية على ضفتي النيل، وهو عمل ذو طابع عسكري، ولذا كان يُطلَق على المحصلين اسم «حراس النهر» لكن هناك من يذهب إلى أنهم كانوا موظفين من قبل الإدارة المالية ولا شأن لهم بأعمال الحراسة.
ولم يختلف موقف السلوقيين كثيراً عن موقف البطالمة، فقد نقل أنطيوخوس الثالث ألف أسرة يهودية من بابل (التي كانت تابعة للإمبرطورية السلوقية) ، مع أجهزتها الحربية، إلى ليديا وفريجيا في آسيا الصغرى في عام 210 ق. م.، وذلك لتأسيس حامية منهم موالية للسلوقيين، ولقمع حركات السكان ضد الحكم السلوقي. ويبدو أن مثراديتيس قد وَطَّن بعض هؤلاء أو غيرهم في شبه جزيرة القرم.

ومع وصول الرومان إلى المنطقة، تم تسريح الجيش البطلمي، فانهار الوضع الاقتصادي المتميِّز لليهود والذي ارتبط بوظيفتهم كمرتزقة، لا سيما أن الرومان كانوا لا يُجنِّدون سوى اليهود الذين تخلوا عن دينهم. ومع هذا، انخرط اليهود في سلك الجندية كمرتزقة واستمروا يعملون في الجيوش الرومانية حتى القرن الرابع الميلادي. وهذا يعني أن الرومان كانوا أيضاً يوطنونهم كعنصر استيطاني قتالي. ونحن نعرف أن أول توطين لليهود في أوربا كان مع الحامية الرومانية التي وُطِّنت في مدينة (كولونيا) والتي اشتُق اسمها من كلمة لاتينية تعني «مستعمرة» (وكلمة «كولونيالية» مشتقة من الجذر نفسه) . ولكن يبدو أنهم لم يُوطَّنوا كعنصر قتالي وإنما كعنصر مالي. ومع هذا، يمكن القول بأن الاستيطان والقتال كانا متلازمين في معظم الأحوال في العالم القديم.
وقد اختلف الأمر بشكل جوهري مع انتشار المسيحية والإسلام. فالقتال لم يَعُد يُمارَس من أجل الكسب المالي وتحقيق المغانم الاقتصادية وحسب وإنما أصبح يتم أيضاً من منطلق عقائدي ديني، الأمر الذي نجم عنه استبعاد غير المؤمنين. ولذا لم يَعُد بإمكان المرتزقة اليهود الاستمرار في ممارسة مهنتهم، فانخرطوا في وظائف أخرى وأصبح أعضاء الجماعات اليهودية من الجماعات الوظيفية المالية الوسيطة التي تعمل بالتجارة والربا. ولابد هنا من ملاحظة أن حامل رأس المال الربوي لا يختلف كثيراً عن حامل السلاح نظير أجر، فكلاهما عنصر متعاقد غريب لا ينتمي للجماهير التي يضربها أو يستغلها، تم حوسلته تماماً، أي تحويله إلى وسيلة، تستخدمها الطبقة الحاكمة. وكلاهما عنصر حركي لا ولاء له (إلا إلى أرض بعيدة أو وطن وهمي أصلي يحلم بالعودة اليه ولا يعود له أبداً) ومن هنا تسميتنا للجماعة الوظيفية المالية «المماليك المالية» حتى يتبيَّن التواصل بين وظائف أعضاء الجماعات اليهودية الاستيطانية والقتالية ووظائفهم المالية (التجارية الربوية) .

وقد صُنِّف اليهود في الحضارة الغربية على أنهم غرباء، والغريب في العرف الألماني (الذي حل محل القانون الروماني في كثير من المجالات) كان تابعاً للملك تبعية مباشرة، ومن ثم أصبح اليهود أقنان بلاط. ولكن من الصعب الحديث عن أقنان البلاط باعتبارهم جماعة استيطانية.
ومع هذا، فهناك حالات محددة من الاستيطان اليهودي في العصور الوسطى. فقد قام شارلمان بتوطين اليهود في جنوب فرنسا في ماركا هسبانيكا لتكون حاجزاً على حدود العالم المسيحي لوقف التوسع الإسلامي. ويمكن أن نستخدم عبارة «جماعة استيطانية» بشيء من التجاوز للإشارة إلى أعضاء الجماعة اليهودية الذين دعاهم شارلمان للاستيطان في فرنسا ذاتها بهدف تشجيع التجارة، وإلى أولئك الذين صاحبوا الغزو النورماندي لإنجلترا في القرن الحادي عشر، وإلى أولئك الذين استقروا فيها باعتبارهم مادة استيطانية تجارية.
وقد عرفت شبه جزيرة أيبريا الاستيطان اليهودي سواء في إسبانيا الإسلامية (الأندلس) أو المسيحية. فأثناء الفتح الإسلامي، كان المسلمون يُوطِّنون اليهود في المدن التي يفتحونها، مثل قرطبة وغرناطة وطليطلة وإشبيلية حتى يتفرغ المسلمون للعمليات القتالية. وقد ثار المسيحيون في إشبيلية، وفتكوا بأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم عنصراً استيطانياً قتالياً. كما لجأت القوات المسيحية إلى النهج نفسه أثناء حرب الاستعادة، فكانت تسمح، من الناحية الاسمية، لكل من اليهود والمسلمين بالاحتفاظ بمنازلهم والبقاء فيها، ولكنها من الناحية الفعلىة كانت تسمح لأعضاء الجماعة اليهودية وحسب بالاستيطان والبقاء في المناطق المفتوحة (مثل بالينسيا ولامنشا والأندلس وغيرها) .

ولا ندري هل كانت الفرق المسماة «تشاليزيان» في المجر في القرن العاشر جماعة استيطانية قتالية أم كانت جماعة قتالية وحسب. فكلمة «تشاليزيان» مشتقة من الجذر نفسه الذي اشتُقت منه كلمة «حالوتسيم» العبرية (بمعنى رواد) ، وهي الكلمة التي استخدمها الصهاينة فيما بعد لوصف طلائع المستوطنين الصهاينة. والرائد هو الجندي الذي يُوضَع في مقدمة الصفوف. ويبدو أن جنود التشاليزيان كانوا من بقايا يهود الخزر، إذ أن مملكة المجر اجتذبت أعداداً كبيرة منهم عند تأسيسها، فعملوا بالقتال نظير المال، أي أنهم كانوا جماعة قتالية وربما استيطانية ولكنهم تحولوا بالتدريج إلى جماعة وظيفية مالية.
ومن المعروف لنا أن الدولة العثمانية قامت، حينما ضمت أجزاء من المجر في عام 1526، بتهجير 2000 يهودي إليها ليكونوا عنصراً استيطانياً موالياً للسلطان العثماني. ولعل هذا كان ضمن نظام السورجون العثماني، و «سورجون» كلمة معناها «نفي أو ترحيل أو تهجير عنصر بشري ما، إما كشكل من أشكال العقاب أو لتحقيق خدمة للدولة العثمانية» . وقد وطَّن العثمانيون اليهود في قبرص لموازنة العنصر المسيحي فيها، كما وطنهم ملوك بولندا في المدن البولندية لتشجيع التجارة.

ولكن أهم التجارب الاستيطانية شبه القتالية للجماعات اليهودية على الإطلاق (قبل التجربة الصهيونية) هي تجربتهم كجماعة استيطانية تجارية شبه قتالية في إطار الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا، حيث اضطلع بعض أعضاء الجماعة اليهودية بوظيفة الأرندا (دفع مقابل عائد الأراضي الزراعية) منذ أواخر القرن السادس عشر، فقاموا باستئجار ضياع النبلاء البولنديين (شلاختا) في أوكرانيا وإدارتها لحسابهم. وكان الأرنداتور (المديرون أو الوكلاء) اليهود يستأجرون مناطق ومدناً بأكملها فيعتصرون الأقنان الأوكرانيين لحساب النبلاء البولنديين. ولحماية هؤلاء الوكلاء وأسرهم، شيَّد النبلاء مدناً صغيرة تُسمَّى «شتتل» كانوا يعيشون فيها تحت حماية القوة العسكرية البولندية، كما كان عليهم هم أنفسهم أن يتدربوا على حمل السلاح.

ومن التجارب الاستيطانية الأخرى للجماعات اليهودية تجربة يهود رومانيا الذين كان يُطلَق عليهم اسم «هرسوفلتسي» (وهو مُشتق من كلمة «هرسوف» الرومانية وتعني «ميثاق» ) ،والذين وَطَّنهم النبلاء الإقطاعيون (البويار) في رومانيا بعد منحهم ميثاقاً حصلوا بمقتضاه على ميزات معيَّنة، من بينها الإعفاء من الضرائب لعدة سنين والحصول على أرض فضاء دون مقابل لإقامة معابدهم ومدارسهم وحمَّاماتهم ومقابرهم. وكانت علاقة الهرسوفلتسي بالبويار تشبه إلى حدٍّ كبير علاقة يهود الأرندا بالنبلاء الشلاختا، فقد أسس البويار لليهود مدناً صغيرة تشبه الشتتل من أوجه كثيرة. ويُلاحَظ أن اليهود هنا كانوا عنصراً استيطانياً تجارياً غير قتالي. ورغم أن التجربة الاستيطانية لليهود في رومانيا استمرت أساساً في الفترة من منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر، إلا أننا ذكرناها مع تجارب الجماعة اليهودية الاستيطانية في العصر الوسيط في الغرب لأنها من ناحية البنية تقع داخل إطار الاستيطان الوسيط. وعلى كلٍّ، فقد كانت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الروماني تشبه إلى حدٍّ كبير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في أوربا الوسيطة.

ويمكننا الآن الدخول إلى العصر الحديث، لنقول إن كثيراً من أساطير وديباجات الاستيطان الغربي وُلدت مع الإصلاح الديني البروتستانتي. وقد ظهرت الأسطورة الاسترجاعية التي تذهب إلى أن الخلاص لن يتحقق إلا بعودة اليهود إلى صهيون كجماعة وظيفية استيطانية دينية يسهم توطينها في صهيون في الإسراع بعملية الخلاص. وبالتدريج، مع تَطوُّر مراحل الإمبريالية الغربية من الأطوار المركنتالية الأولى إلى المراحل التالية (المرحلة الصناعية وغيرها) ، أخذت معالم الأسطورة تتكشف وتتحدد بحيث تحولت صهيون إلى فلسطين البلد الواقع في وسط بلاد الشرق ويطل على بوابات مصر والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وقناة السويس (بعد افتتاحها) . وبدأ اليهود يتحولون من شعب مقدَّس أو شعب شاهد أو شعب منبوذ إلى جماعة وظيفية تجارية وقتالية نشطة. وبعد سنوات طويلة من المقاومة والرفض من جانب أعضاء الجماعات اليهودية، تلقفت الحركة الصهيونية الأسطورة وتحولت من أسطورة بروتستانتية إلى أسطورة يهودية. وهكذا أصبحت صهيون المكان الذي تَخرُج منه جيوش المستوطنين اليهود «حالوتسيم» الذين يسيرون في المقدمة مسلحين أمام الرب.

وإذا كانت الأسطورة الاسترجاعية تجعل من اليهود جماعة استيطانية، فإن الأساطير الأخرى كانت تجعل من سائر المستوطنين الغربيين البيض يهوداً. فالبيوريتان، أي المُتطهِّرون، وهم المستوطنون الأوائل في الولايات المتحدة، كانوا يتوحدون تماماً بالعبرانيين القدامى. فهم، في خروجهم من أوربا ودخولهم الأرض العذراء، كانوا يتصورون أنهم يشبهون تماماً العبرانيين القدامى حينما خرجوا من مصر ودخلوا كنعان، وأن استيلاءهم على أرض أمريكا العذراء وإبادة سكانها يشبه استيلاء العبرانيين على المدن الكنعانية وإبادة سكانها (حسب الرواية التوراتية) . ومن ثم، نجد أن أرض أمريكا كان يُشار إليها بوصفها صهيون الجديدة، وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم بأنهم أبناء العهد (بل لقد اقترح أحدهم، لدى التفكير في اختيار لغة للولايات المتحدة بعد استقلالها، أن تكون العبرية لغة الدولة الجديدة) . ونجد أن الأسطورة نفسها تسيطر وبشكل درامي على المستوطنين البيض في جنوب أفريقيا (الأفريكانر) .

هذا من ناحية الإطار الفكري أو التصوري. أما من ناحية الممارسة التاريخية الفعلىة، فيمكننا القول بأن الاستيطان أصبح البُعد الأساسي في تجارب أعضاء الجماعات اليهودية. بل ويمكننا الذهاب إلى أنه لايمكن فهم تفاعلات هذه التواريخ وحركياتها إلا بإدراك مدى استيعاب أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي (أي غالبية يهود العالم) في تجربته الاستيطانية. فقد اشترك أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من النشاطات الاستيطانية خصوصاً في البلاد البروتستانتية إما كممولين أو كجماعة وظيفية استيطانية. ومع بداية العصر الحديث، كانت أهم جماعة يهودية في العالم تُوجَد في هولندا التي كانت من أنشط الدول الاستيطانية. وقد ساهم اليهود في كثير من النشاطات المرتبطة بالاستيطان الغربي، مثل شركتي الهند الشرقية والغربية الهولنديتين وغيرهما من الشركات وفي تجارة العبيد كما اشترك عدد من أعضاء الجماعات اليهودية في عملية الاستيطان ذاتها في بداية الأمر كان أعضاء الجماعة جزءاً من النشاط الاستيطاني الهولندي، فاستوطنوا ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر في الهند الغربية في ترينيداد والمارتينيك وجامايكا وجزر الباهاما وكوراساو وسورينام.

وكوراساو هي إحدى جزر الهند الغربية الهولندية على مقربة من ساحل فنزويلا، مساحتها 212 ميلاً مربعاً، احتلها الأسبان عام 1527، ثم استولى عليها الهولنديون عام 1634. وتعود أهميتها إلى أنها من التجارب الأولى للجماعات اليهودية الاستيطانية، وإلى أنها تندرج في إطار الاستعمار الاستيطاني الغربي الذي بدأ نشاطه في العالم الجديد واستمر في التوسع إلى أن وصل إلى آخر حلقاته في فلسطين في العصر الحديث. وقد جرى أول استيطان يهودي في كوراساو عام 1650 حين وصلت 12 عائلة يهودية يحمل أفرادها خطاباً من مجلس هولندا يطلب من حاكم الجزيرة أن يمد لهم يد المساعدة، بأي صورة من الصور؛ بالعبيد أو بالأرض أو بالأحصنة أو القطعان أو الأجهزة. ويبدو أن اليهود كانوا جماعة استيطانية زراعية، على حين أن المستوطنين الهولنديين كانوا يهملون الزراعة لأن تجارة البضائع المهربة كانت أكثر ربحاً. ومع هذا، يبدو أن التجربة لم تنجح تماماً بسبب بعض القيود التي فُرضت على حركتهم (ربما بسبب جو محاكم التفتيش الذي ساد العالم الجديد والذي وجد طريقه إلى كوراساو رغم أنها كانت تابعة لهولندا) . ولذا، حينما طلب مجلس هولندا إلى أحد أعضاء الجماعة اليهودية أن ينقل مزيداً من الأسر اليهودية إلى كوراساو وعرض منحهم حقوقاً وامتيازات استثنائية (مثل الإعفاء من الضرائب لمدة عشرة أعوام، وحق حيازة الأراضي التي يجدونها ملائمة، وحق الامتناع عن العمل يوم السبت) ، لم يجد هذا الطلب أذناً صاغية. وحينما استولت البرتغال على البرازيل من هولندا، عام 1654، فرت مجموعة من اليهود إلى كوراساو وأخذت رأس مالها معها. وقد كان ضمن نشاطاتهم الأساسية تجارة العبيد. وفي تلك الآونة، أُزيلت كل القيود عن الجماعة اليهودية. وفي عام 1693، رحلت مجموعة من اليهود إلى الولايات المتحدة، فكانت أول جماعة يهودية تستوطن فيها.

ولكن سورينام كانت أهم التجارب الاستيطانية الأولى، وقد بدأ وصول اليهود إليها عام 1639 من هولندا ثم من إنجلترا عام 1652، فكُفلت لهم كل الحريات والمزايا، ومُنح اليهود الجنسية الإنجليزية. وبعد أن ضم الهولنديون سورينام مرة أخرى، عام 1667، حاول بعض اليهود عام 1674 الرحيل مع الرعايا البريطانيين، ولكن الهولنديين أرغموهم على البقاء فيها باعتبارهم جماعة استيطانية نافعة. وقد تَركَّز اليهود فيما يُسمَّى «يودين سافان» ، أي «سافاناه اليهود» ، وأسسوا مستوطنة يهودية في برزدينتس أيلاند عام 1670 كانت تتمتع بما يشبه الاستقلال الكامل (ومن ثم فهي أول دولة أو شبه دولة يهودية استيطانية قتالية في العصر الحديث) . وكان اقتصاد المستعمرة يعتمد على العبيد الذين راحوا يشقون الطرق ويزيلون الغابات والأعشاب، حتى أقاموا مدينة جديدة محاطة بالطرق. وقد بلغ عدد سكان المستعمرة عشرة آلاف نسمة عام 1719، غالبيتهم الساحقة من العبيد بطبيعة الحال. وكان العبيد المُستجلَبون من أفريقيا يهربون ويلجأون إلى الأحراش ويختلطون بسكان الجزيرة الأصليين، فيضطر سكان المستوطنة إلى استجلاب المزيد من العبيد من أفريقيا، ولكنهم كانوا يهربون بدورهم وينضمون إلى السكان الأصليين. ثم بدأ تحالف من جماعات العبيد الأفارقة والسكان الأصليين في شن هجمات على المستوطنة في الفترة من 1692 ـ 1774، وكوَّن المستوطنون البيض ميليشيات عسكرية وجردوا الحملات ضد الثوار (تماما كما تفعل الدولة الصهيونية ضد الفلسطينيين) ، ولكن الإرهاق من الحرب وانتشار الأمراض أدَّى إلى انتصار تَحالُف السود السكان الأصليين وإلى سقوط أول دولة يهودية في العصر الحديث.
كما استوطن اليهود معظم بلاد أمريكا اللاتينية، خصوصاً الأرجنتين التي وطَّن فيها المليونير هيرش آلاف اليهود، فيما يُعدُّ أهم تجربة استيطانية زراعية في العصر الحديث بخلاف تجربة إسرائيل.

ويُلاحَظ أن هذه النشاطات الاستيطانية تدور إما في إطار الاستعمار الهولندي (البروتستانتي) أو الاستعمار الإسباني والبرتغالي (الكاثوليكي) . والمادة البشرية الأساسية هنا هي يهود السفارد (المارانو) . ولكن المادة الاستيطانية الحقيقية كان مصدرها يهود اليديشية (الإشكناز في روسيا وبولندا في شرق أوربا) الذين كانوا يشكلون الغالبية الساحقة ليهود العالم مع نهاية القرن التاسع عشر، وهي أيضاً الفترة التي شهدت الهجرات الاستيطانية الغربية. ويمكننا أن نترك التسلسل التاريخي قليلاً، لنركز على حركة يهود اليديشية داخل إطار التشكيل الاستعماري الروسي (الأرثوذكسي) في عصر القياصرة ثم في عصر البلاشفة. وقد تحكمت في السياسة الاستيطانية عند الروس والبلاشفة عدة عوامل متداخلة:
1 ـ المسألة اليهودية، ومحاولة دمج اليهود ثقافياً واقتصادياً.
2 ـ المشكلة السكانية في روسيا باعتبارها دولة مترامية الأطراف.
3 ـ محاولة الدولة الروسية ترويس المناطق التي ضمتها من الدولة العثمانية وغيرها من المناطق، وخَلْق كثافة سكانية روسية فيها (وهنا كان اليهود يُعَدّون جماعة وظيفية استيطانية روسية) .
وفي محاولة دمج الجماعة اليهودية، كان التصور السائد أن المسألة اليهودية يمكن حلها، أو التخفيف من حدتها، بتحويل اليهود إلى جماعة وظيفية استيطانية تُنقل إلى أماكن مختلفة فتستفيد الدولة الروسية بتعمير الأراضي وتتخلص في الوقت نفسه من الفائض اليهودي (وهذا هو المنهج الغربي الصهيوني نفسه، أي حل المسألة اليهودية لدول أوربا عن طريق نقل اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها، وبذا تصبح فلسطين قاعدة للغرب) .

وفي الفترة بين عامي 1807 و1808، خصَّص القيصر بعض أراضيه لتوطين بعض أعضاء الجماعة اليهودية فيها لتحويلهم إلى عنصر نافع، ولدمجهم في المجتمع. وبعد ضم الخانات التركية حول البحر الأسود، سُميَّت المنطقة المحتلة باسم «روسيا الجديدة» ، وتم تشجيع اليهود على الاستيطان فيها بهدف تعميرها وتأكيد الوجود السكاني الروسي فيها. وقد استمر البلاشفة في الاتجاه الاستعماري الاستيطاني نفسه والذي يرمي إلى حل المسألة اليهودية وتعمير المناطق التي تم ضمها في آن واحد. وفي إطار هذا، تم توطين اليهود في بيروبيجان، وجري التفكير في توطينهم في القرم. ويجب أن نشير هنا إلى أن كثيراً من اليهود الموجودين في الجمهوريات السوفيتية (غير الروسية) السابقة، مثل جورجيا وأوزبكستان وبخارى وليتوانيا ولاتفيا، يوجدون فيها في إطار الاستعمار الاستيطاني الروسي السوفيتي الذي كان يرمي إلى خَلْق كثافة سكانية روسية.
ولكن النشاط الاستيطاني الأكبر ليهود اليديشية كان داخل التشكيل الاستيطاني الأنجلو ساكسوني (البروتستانتي) ، فاتجه ملايين اليهود إلى جنوب أفريقيا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا وهونج كونج، واتجهت غالبيتهم (85%) إلى الولايات المتحدة أهم التجارب الاستيطانية الغربية. وقد يُثار هنا سؤال: بأي معنى يمكن استخدام اصطلاح «جماعة وظيفية استيطانية» في حالة المهاجرين اليهود، مع أنهم كانوا ضمن جماعات أخرى من المهاجرين الغربيين الذين هاجروا بكامل حريتهم، علماً بأن الولايات المتحدة لم تعد دولة استيطانية بعد إعلان استقلالها؟ وسنقر ابتداءً بأن استخدام المصطلح في هذا السياق فيه شيء من التجاوز وقَدْر من المجاز، ومع هذا يمكن أن نشير إلى مايلي:

1 ـ لم تفقد الولايات المتحدة طابعها الاستيطاني إلا مع بداية القرن العشرين، بل إن عملية طرد السكان الأصليين وإبادتهم لم تبدأ إلا عام 1830. وقد ضمت الولايات المتحدة أراضي شاسعة من المكسيك وغيرها بعد ذلك التاريخ، وهي أراض احتاجت إلى مستوطنين. كما أن رعاة البقر (أو الكاوبوي) في الغرب الأمريكي ظلوا ملمحاً أساسياً في الحضارة الأمريكية، ورعاة البقر هم الرواد (حالوتسيم) الأمريكيون البيض.
2 ـ لم يكن اليهود أحراراً تماماً في عملية الهجرة، فقد صنفتهم أوروبا باعتبارهم فائضاً بشرياً منبوذاً.
3 ـ كانت الولايات المتحدة تسمح ليهود اليدشية بالهجرة إليها والاستيطان فيها بقدر حاجتها إليهم، وبما يتفق مع أمنها القومي.
ويجب ملاحظة أن الدول الاستيطانية التي استقرت فيها غالبية اليهود، بدأت تفقد طابعها الاستيطاني وتتحول إلى دول مستقرة ذات بنية سكانية ثابتة واضحة. ومع اختفاء السكان الأصليين، تلجأ هذه المجتمعات إلى الحصول على المادة البشرية بطرق قانونية (عن طريق الهجرة) ، وتقوم بدمج وصهر العناصر الوافدة. كما أنها دول ذات مستوى اقتصادي متقدم استوعب أعضاء الجماعات اليهودية فيه دون تمييز أو قيود، وهي مجتمعات ذات أصول بروتستانتية وصلت إلى درجة عالية من العلمنة والتعاقدية. لكل هذا، فهي مجتمعات لا تحتاج إلى أي متعاقدين غرباء أو جماعة وظيفية تجارية أو زراعية أو استيطانية أو قتالية، إذ يتم تجنيد العاملين (والخبراء والمقاتلين) من داخل المجتمع ذاته. ولعل هذا يُفسِّر سر اختفاء اليهود باختفاء الوظيفة التي كانت سبباً من أسباب استمرارهم.

من كل ما تَقدَّم يتبين مدى ارتباط الجماعات اليهودية في العالم (الغربي بالذات) بالاستيطان وبالقتال. ويمكن أن نشير هنا إلى ظاهرة أخرى وهي أن العالم العربي بدأ، منذ حوالي منتصف القرن التاسع عشر، في تحويل اليهود المستعربة، أي يهود العالم العربي المحليين، إلى جماعة وظيفية استيطانية تدين له بالولاء بغض النظر عن أصولهم العرْقية والحضارية. وقد تم هذا من خلال عدة قنوات:
1 ـ منح الجنسيات الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها لأعضاء الجماعة اليهودية.
2 ـ فرنسة يهود العالم الغربي من خلال مدارس الأليانس.
3 ـ هجرة عناصر يهودية غربية إلى العالم العربي تولت قيادة الجماعات اليهودية في العالم العربي.
ومع انتصاف القرن العشرين، وظهور الدولة الصهيونية، تم تحويل الغالبية العظمي من يهود العالم العربي إلى مادة استيطانية لاجذور لها في المنطقة وعلى استعداد لأن تُنقل إلى أي مكان وأن تُوظَّف لصالح من يقوم بعمليات النقل والتوظيف والتمويل.
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن أعداداً كبيرة من المستوطنين الفرنسيين في الجزائر كانوا يهوداً أتوا من فرنسا أو تم تجنيدهم من بين صفوف اليهود المحليين الذين كان يتم فرنستهم، كما كانت الفرقة الأجنبية (الفرنسية) تضم أعداداً كبيرة من اليهود.

ونحن نرى أن من الأفضل تفسيرياً أن ننظر إلى الدولة الصهيونية لا باعتبارها دولة عادية لها نمط إنتاجي مما هو معروف (إقطاعي ـ رأسمالي ... إلخ) وإنما باعتبارها دولة وظيفية، فهي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية على هيئة دولة. وقد تم توقيع عقد بلفور بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية العالمية والذي جرى بمقتضاه نقل من يرغب من اليهود إلى فلسطين ليصبح عنصراً استيطانياً قتالياً يدافع عن المصالح الغربية نظير مستوى معيشي مرتفع، وهذا هو نمط القتال نظير المال. ولذا، فإن إسرائيل، بالنسبة للراعي الإمبريالي الجديد (الذي حل محل البطالمة والسلوقيين والرومان والنبلاء البولنديين [شلاختا] ) ، هي أساساً، وظيفة تُؤدَّى ودور يُلعَب.
ولم يُطلَق مصطلح «مرتزقة» على الصهاينة لأن هذا المصطلح لا يترك انطباعاً طيباً في النفس البشرية، ولذا يُطلق الصهاينة على أنفسهم اسم «حالوتسيم» ، أي «المنخرطون في السلك العسكري في مقدمة الصفوف» ، ومن هنا تأتي ترجمتها بكلمة «الرواد» . ويُشار إلى إسرائيل بأنها قلعة على حدود أوربا في الشرق وحصن ضد الهمجية الشرقية. ومن المعروف أن المرتزقة، في العصور الحديثة، كانوا يوضعون دائماً في مقدمة الصفوف، أي على الحدود الأمامية، كما حدث على سبيل المثال عام 1956 عند إنزال القوات البريطانية أثناء العدوان على مصر، حيث أُنزل الأفارقة والهنود في بداية الأمر باعتبارهم مادة بشرية رخيصة، ثم أُنزلت المادة البشرية البريطانية الثمينة فيما بعد. وهذا هو وضع الدولة الصهيونية، والرواد الصهاينة، حيث يوضعون في المقدمة، فهم الشعب المختار للاستيطان والقتال.

ولا يُنظَر إلى الدولة الصهيونية إلا من منظور مدى نفعها: فهي تارة ثروة إستراتيجية، وهي تارة أخرى حاملة طائرات وحارس للمصالح الغربية. ولكنها، في جميع الأحوال، أداة ووسيلة وحسب لا غاية أو هدف. وتتسم الدولة الصهيونية الوظيفية أيضاً بالعزلة عما حولها حتى يتسنى لها الاضطلاع بوظيفتها بكفاءة.
وبعد أن ضمت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، تبلورت الأمور تماماً. وأدرك المستوطنون الصهاينة هويتهم كجماعة وظيفية استيطانية قتالية. وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته في فكر جماعة جوش إيمونيم التي ترى أن الاستيطان والقتال عبء مقدَّس ملقى على عاتق الشعب المختار، وأن على اليهودي أن يقبل مصيره الإلهي إذ لاخيار له.

ويمكننا أن نقول إن الدور الذي تلعبه الدولة الصهيونية، والوظيفة التي تضطلع بها، هما السلعة الأساسية التي تنتجها، وهما مصدر دخلها الثابت. ولذا، يمكننا الحديث عن هذا الدور باعتباره إحدى علاقات الإنتاج مع الإمبريالية (وعلاقات الفتك مع الشعب الفلسطيني المُستَهْدَف) . وقد سمينا المستوطنين الصهاينة «المماليك الاستيطانية القتالية» تمييزاً لهم عن «المماليك المالية» وهم الجماعات اليهودية الوظيفية المالية. ونحن نرى أن هذا النموذج التحليلي أكثر تفسيرية لأنه يفسر كثيراً من جوانب الاقتصاد الإسرائيلي والسياسية الخارجية الإسرائيلية. ومع هذا، فإننا نذهب إلى أن دور الدولة الوظيفية الصهيونية سيتغير، مع ظهور النظام العالمي الجديد، حيث سيتراجع دورها القتالي (المرتبط بوضعها الاستيطاني) وسيتحول «المماليك الاستيطانية القتالية» إلى «المماليك المالية» مرة أخرى، وسيحل رأس المال العالمي محل السيف والمدفع ورأس المال الربوي، وسيحمل الجنرال الإسرائيلي السابق السامسونايت بدلاً من المدفع الرشاش، وسيحضر بالطيران المدني المكيف بدلاً من الطيران العسكري وبالليموزين بدلاً من الدبابة، ولن يمطرنا بالصواريخ والنابالم، كما كان يفعل حتى عهد قريب، وإنما بعقود الصفقات التجارية المريبة والرشاوى الخفية التي تفسد العباد وتفلس البلاد.

وكما قال شمعون بيريز: «الشعب اليهودي لا يهدف إلى السيطرة وإنما يهدف إلى البيع والشراء» ، أي أن الجنرال أصبح إنساناً اقتصادياً يمثل شعباً مختاراً لعمليات البيع والشراء والأعمال المالية. ومثل هذا الإنسان لا يحب ولا يكره فهو يبحث عن الربح، كما أنه لا يصدع رأسه بالحديث عن القيم أو المطلقات أو الهويات، ولا يكنُّ احتراماً للآخر لأنه لا يكنُّ احتراماً لذاته، وهو في النهاية عنصر حركي طرح عن نفسه تراثه وقيمه ونزع نفسه من وطنه ليستوطن أرض الآخرين. وعلى هذا، فإن هدف العمليات القتالية والاستيطانية والمالية واحد في كل هذه الحالات، ضمان تدفق خيرات هذه الأرض لقوى خارجها.
وقد لُوحظ أن أعداداً كبيرة من الإسرائيليين تعمل مرتزقة في بعض دول العالم الثالث. وتشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 2000 فرد من الجيش الإسرائيلي عملوا كمرتزقة ومدربين في أفريقيا على مدى الأعوام الثلاثين الماضية بدءاً بالطيارين في أوغندا وانتهاءً بالمظليين في زائير. وتُوجَد شركات خاصة (مثل شركة ليفدان) يديرها جنرالات سابقون ويشغل صفوفها أفراد سُرِّحوا حديثاً من الجيش الإسرائيلي. ويتلقى المرتزق الإسرائيلي مبلغ 2500 دولار علاوة على بدلات أخرى. وقد صرح مسئول من الشركة بأن ما تفعله هذه الشركة لا يختلف عما كانت تفعله الحكومة الإسرائيلية لسنوات طويلة.
جماعة يهودية وظيفية تجارية
‏Jewish Trading Functional Group

«الجماعة الوظيفية التجارية» هي الجماعة التي يضطلع أفرادها بالتجارة والنشاطات التجارية. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية بمهنة التجارة في كثير من المجتمعات الإنسانية. ويُفسِّر أعداء اليهود هذه الظاهرة بصيغهم اللفظية الجاهزة، مثل: «الطبيعة اليهودية الخاصة» أو «خصوصية الشخصية اليهودية» أو «النزوع الأزلي عند اليهود نحو استغلال الآخرين» . وهناك أيضاً التفسير الصهيوني الذي لا يقل تهافتاً عن الصيغ السابقة، وهو «أن المجتمعات التي عاش فيها اليهود فرضت علىهم مهنة التجارة ثم الربا فرضاً ومنعتهم من الاشتغال بالزراعة أو ملكية الأراضي الزراعية» . وهكذا، فبينما يرى التفسير الأول (المعادي لليهود) أن الأغيار ضحية عنف اليهود، يرى التفسير الصهيوني أن اليهود هم ضحية عنف الأغيار. وهذه الأقوال السابقة كلها لا قيمة لها من الناحية التفسيرية، ولولا شيوعها لما كلفنا أنفسنا عبء ذكرها أو الرد عليها.

ولكن، بدلاً من استخدام النماذج التفسيرية العنصرية الجاهزة التي تختزل التفاصيل وتعفي الإنسان من مشقة التفكير والتمحيص، يمكننا أن نستقرئ أحداث التاريخ المتعيِّن وبعض تفاصيله الدالة لنصوغ منها نماذج أكثر تركيبية وتفسيرية. لقد ورد ذكر العبرانيين لأول مرة في التاريخ المدوَّن على أنهم بدو رحل يقومون بالرعي والتجارة. ولكن، عند استقرارهم في أرض كنعان عملوا بالزراعة أساساً وظل نشاطهم التجاري محدوداً بل يكاد يكون منعدماً. ويُلاحَظ أن لفظ «كنعاني» كان مرادفاً للفظ «تاجر» (هوشع 12/8 وأشعياء 23/8 وأمثال 31/24) . ولعل هذا يُفسِّر خلو العهد القديم من الإشارة إلى التجارة باعتبارها نشاطاً اقتصادياً مهماً، بعكس الإشارات الكثيرة إلى الزراعة والقوانين والطقوس والشعائر والأعياد المرتبطة بها. وإن كان ثمة رأي يذهب إلى أن هذا لا يعكس بالضرورة حالة المجتمع العبراني قبل قيام المملكة المتحدة وإنما يعكس، في واقع الأمر، الموقف السلبي الذي اتخذه كُتَّاب العهد القديم المحافظون ضد التجار وشئون المال. ولكن مما له دلالته أن التلمود يضم كتاباً كاملاً يُسمَّى «زراعيم» يتناول أمور الزراعة.

ومهما تكن حقيقة الأمر، فقد تغيَّر الوضع مع ظهور المملكة العبرانية المتحدة التي كانت تشكل وحدة سياسية كبيرة نوعاً ما ولها سلطة مركزية أكثر مما كان علىه الحال إبان عصر القضاة. فقد كانت دولة في حاجة إلى تمويل المشروعات المعمارية الكبرى مثل هيكل سليمان، ووجدت أنه قد يكون من الممكن توفير الاعتمادات اللازمة من خلال النشاط التجاري. ومما شجع على هذا الاتجاه موقع فلسطين باعتبارها ممراً رئيساً بين التشكيلين الحضاريين الأساسيين في الشرق الأدنى القديم (مصر وبلاد الرافدين) ، فضلاً عن وقوعها على واحد من أهم طرق التجارة في العالم القديم، بحيث كان بإمكان من يحكمها أن يحقق أرباحاً كبيرة من خلال التجارة. وبالفعل، قامت الدولة العبرانية بتطوير العلاقات التجارية مع مدينة صور إحدى أهم القوى التجارية الاقتصادية آنذاك. واشتركت الدولتان في إنشاء أسطول في عتسيون جابر، ونشطت تجارة وصناعة التجميع، فكانت المملكة تشتري العربات الحربية من مصر وتُجمِّعها وتشتري الأحصنة من مصادر أخرى وتبيعها لملوك سوريا من الحيثيين والأراميين. وقد تكون قصة ملكة سبأ وزيارتها لسليمان دليلاً على ازدهار التجارة الدولية للمملكة العبرانية المتحدة. ومما يجدر ذكره أن الدولة احتكرت هذه التجارة. أما التجارة الداخلية، فيبدو أنها ظلت ضئيلة الشأن وبدائية تأخذ شكل المقايضة. ولم يتغيَّر الوضع كثيراً بعد انقسام المملكة المتحدة إلى المملكتين الشمالية والجنوبية.

ولكن الصورة تبدأ في التغير قليلاً مع التهجير البابلي، حيث اشتغل بالتجارة كثير من أعضاء الجماعة اليهودية المهجَّرين، خصوصاً أن الإمبراطورية البابلية كانت لديها تجارة دولية نشطة في ذلك الوقت. وقد تحوَّلت الجماعة اليهودية في بابل إلى جماعة وظيفية وسيطة، وأصبح هذا هو النموذج السائد مع ازدياد انتشار الجماعات اليهودية في العالم القديم خارج فلسطين، إذ ظهرت جماعات يهودية وسيطة في أرجاء الدولة الفارسية وفي الإسكندرية وروما وفي أنحاء أخرى من العالم القديم. لكن هذا لا يعني أن جميع اليهود، في جميع أنحاء العالم، كانوا يعملون بالتجارة منذ التهجير البابلي، إذ أن من الثابت تاريخياً أن قطاعات كبيرة منهم ظلت تعمل بالزراعة في بابل وفي بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط.

وقد تبلور تماماً هذا الاتجاه نحو العمل بالتجارة مع سقوط الدولة الرومانية وبداية العصور الوسطى في القرن الخامس الميلادي، إذ تعرضت أوربا بعد سقوط الإمبراطورية لهجمات القبائل البربرية، مثل: الوندال والفرنجة والهن والقوط والسكسون والتيوتون وغيرهم، وهو ما أدَّى إلى تَحوُّل مركز الحياة ثانيةً من المدينة (التي كانت تمر بالمراحل الأولى من نموها) إلى الريف. وأدَّى هذا بدوره إلى حدوث تراخ شديد في عملية تَحوُّل الاقتصاد من إنتاج طبيعي استهلاكي يستند إلى القيمة الاستعمالية إلى إنتاج بضاعي يستند إلى القيمة التبادلية. ونتيجة ذلك، ظلت القارة الأوربية كياناً استهلاكياً بصورة أساسية، يُصدِّر العبيد والنساء والصبيان والفراء والسيوف ويستورد الأقمشة والحبوب والتوابل وغير ذلك من المنتجات التي تستهلكها بالدرجة الأولى طبقة الإقطاعيين والنبلاء. ونجم عن هذا استقطاب المجتمع الأوربي إلى طبقتين: طبقة السادة ملاك الأراضي وطبقة الفلاحين. وكانت أولاهما تحتكر التجارة، أما الثانية فلم تكن قادرة على الاضطلاع بها لعدم تَوفُّر رأس المال أو الخبرة لديها. لكن النشاط التجاري لم يكن من الاتساع بحيث يستدعي ظهور طبقة تجارية محلية. وأدَّى هذا الوضع إلى اتساع الهوة بين الطبقتين، ومن هنا كان من الطبيعي أن يضطلع بوظيفة التجارة جسم غريب مثل أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يقطنون المدن والموانئ مع التجار الفينيقيين. ويقول الحاخام آجوس: «لقد ورثت المسيحية القانون الروماني المعادي للتجارة والربا، بينما ورث اليهود المدن والحياة في المدينة وتقاليدها القانونية والحضارية» . وهذا قول يتسم بكثير من المبالغة ولكنه، مع هذا، يصف جانباً مهماً من الواقع.

وبعد الفتح الإسلامي وضم منطقة سوريا وفلسطين، تبلور دور اليهود كتجار داخل التشكيل الحضاري الغربي بصورة نهائية. وبالتالي اختفى التجار الفينيقيون، وفُتح المجال على مصراعيه أمام اليهود ليصبحوا الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة تقريباً في الغرب. بل وأصبحت الجماعات اليهودية، بانتشارها في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العالمين الإسلامي والمسيحي، تشكل أول نظام ائتماني عالمي يُسهِّل عملية انتقال التاجر من بلد إلى آخر ويُيسِّر عمليات التبادل التجاري وينظمها. وبذلك، أصبح أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون الجسر التجاري والمالي بين العالمين الإسلامي والمسيحي مع بداية العصر الوسيط في الغرب، ولعبوا دوراً خطيراً في التجارة الدولية بينهما. ومما يجدر ذكره أن التجارتين الدولية والمحلية كانتا مرتبطتين تماماً، إذ كان التاجر يحمل السلعة من بلد إلى آخر أو من سوق إلى آخر ويبيعها بنفسه أو يبيعها لتاجر يهودي آخر مقيم في المدينة. ويُقال إن أعضاء النخبة الحاكمة في مملكة الخَزَر كانوا يرغبون في تطوير التجارة بمملكتهم، ومن ثم اعتنقوا اليهودية حتى يمكنهم التمتع بالتسهيلات الائتمانية التي يتمتع بها اليهود في شتاتهم، أي انتشارهم.
ومن العناصر التي ساهمت في تحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، علاقتها الخاصة بالزراعة في أوربا إبَّان العصور الوسطى (انظر: «علاقة الجماعات اليهودية بالزراعة» ) .

ولعل العنصر الحاسم في عملية تحويل أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة هو اكتمال ملامح النظام الإقطاعي، فهو مجتمع يقوم على التفرقة بين الطبقات والجماعات ويحافظ على استقلال كل واحدة منها وعلى هويتها، كما أنه مجتمع يستند إلى التضامن المسيحي. وقد كان على الفلاح أن يقسم يمين الولاء الديني، كما كان الملوك يحكمون بالحق الإلهي للملوك. ولهذا، لم يَعُد بإمكان اليهودي أن ينتمي إلى مثل هذا المجتمع بعد تبلور هويته المسيحية، فلم يَعُد بوسع اليهودي، على سبيل المثال، أن يؤدي الخدمة العسكرية أو يمتلك الأراضي أو يزرعها لأن كل هذا يتطلب يمين الولاء المسيحي. ولمّا كانت الزراعة والقتال هما الوظيفتان الأساسيتان في المجتمع الإقطاعي الغربي فقد تَحوَّل اليهودي بالدرجة الأولى إلى غريب، كما استُبعد على المستوى الاقتصادي والديني والحضاري، أي على جميع المستويات تقريباً. ولذا لم يكن أمام أعضاء الجماعات اليهودية سوى أن يملأوا الفراغات في المجتمع ويضطلعوا بالوظائف التي ليست من صميم بنيته، أي أنهم تَحوَّلوا إلى وسطاء عليهم شراء المواثيق من الملوك والأمراء، وتوثقت علاقتهم بالسلطة الدنيوية الحاكمة حتى أصبحوا أقنان بلاط يتبعون التاج الملكي والخزانة الملكية ويُوضَعون تحت حماية الملك ويشكلون ما يشبه الملْكية الخاصة له، يحققون له الأرباح عن طريق التجارة والقيام بنشاطات مالية وإدارية أخرى مثل: جمع الضرائب والعمل في بعض الصناعات، أي أنهم أصبحوا جزءاً من الطبقة الحاكمة وأداة طيعة لها.

وقد يكون من المفيد هنا أن نحذر من افتراض وجود نموذج عام يُطبَّق بأسلوب واحد وعلى مستوى العالم الغربي من مرحلة زمانية إلى مرحلة زمانية أخرى. فالنموذج الذي طرحناه عام للغاية ويصلح إطاراً تصورياً متحرراً إلى حدٍّ ما من الزمان والمكان، وذا قيمة تحليلية وحسب، ويظل التطور التاريخي ذاته مختلفاً ومليئاً بالتعرُّجات والنتوءات. ويمكننا أن نقول إن النموذج ينطبق إلى حدٍّ كبير على إنجلترا، وبدرجة أقل على فرنسا حيث كان يوجد يهود يعملون بالزراعة. وفي ألمانيا، استولى النبلاء على حق ملكية اليهود إذ أصدر تشارلز الرابع مرسوماً بذلك في عام 1356 يسمح لهم بامتلاك وحماية اليهود. وكان هناك يهود يعملون بالحرَف، مثل الصباغة وصناعة الحرير والدباغة والصياغة، خصوصاً في إسبانيا الإسلامية وإسبانيا المسيحية. ويختلف الوضع في إيطاليا من مقاطعة إلى أخرى ومن مرحلة زمنية إلى أخرى. ويمكن أن نضيف أن شرق أوربا كان وثنياً حتى القرن العاشر الميلادي، أي أنه ظل خارج هذا الإطار تماماً لفترة زمنية طويلة. وحينما انضوى تحت هذا الإطار، فإنه ظل تشكيلاً اقتصادياً له خصوصيته، ولعب اليهود داخله دوراً مغايراً بعض الشيء عن الدور الذي لعبوه في غرب أوربا ووسطها.

وبعد كل هذه التحفظات، يمكننا أن نبدأ في عرضنا التاريخي، ونشير إلى أن اليهود أصبحوا ـ منذ القرن الخامس الميلادي ـ تجاراً دوليين ومحليين وازدادت أهميتهم مع الفتح الإسلامي. وقد أشار ابن خرداذبة إلى التجار الراذانية باعتبارهم تجاراً دوليين يمتد نشاطهم في كل أرجاء العالم القديم. وقد احتكر أعضاء الجماعات اليهودية معظم التجارة الدولية، سواء في حوض البحر الأبيض المتوسط أو في الطريق البري الشمالي عبر القارة الأوربية من خلال بلاد السلاف، في الفترة بين عامي 800 و1200. وكانوا يقومون بتجارة الأنسجة والفراء والعقاقير والسلع التَرفَيِّة التي يأتون بها من الشرق والرقيق الذي يأتون به من بلاد السلاف التي اشتُق اسمها من كلمة من لاتينية العصور الوسطى إسكلافوس scelavus أي «عبد» ، ومن هنا أيضاً تسميتهم «الصقالبة» . ولهذا، أصبح اليهودي المتجول معروفاً في كل مدينة وبلدة وفي كل سوق ومولد. وكانت الدول التي تريد إنعاش حركة التجارة فيها ترسل في طلب بعض اليهود وتوطنهم كي يقوموا بدور الوسيط وينشطوا الحركة التجارية التي يعجز المجتمع الزراعي بتنظيمه الجامد التقليدي عن القيام بها. ولهذا السبب، كان يُنص في المعاهدات أحياناً على تَبادُل اليهود. فقد اشترطت مدينة رافنا في معاهدة عُقدت مع البندقية في أواخر العصور الوسطى أن ترسل المدينة الأخيرة بعض اليهود ليقوموا بالأعمال المصرفية والتجارية فيها. كما كان الملوك يحاولون الحفاظ على اليهود ضمن اهتمامهم بالتجارة والحركة التجارية. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية بالتجارة إلى درجة أن كلمة «تاجر» أصبحت مرادفة لكلمة «يهودي» تقريباً. ففي أحد المواثيق الألمانية الصادرة في القرن العاشر الميلادي (965) ترد إشارة إلى «اليهود والتجار الآخرين» . غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن التجارة التي اشتغل بها أعضاء الجماعات اليهودية تتسم بصفتين أساسيتين، أولاهما أن التجارة اليهودية هي ما

يعرف باسم «التجارة البدائية» ، وهي تجارة تختلف عن التجارة الحديثة من عدة وجوه. فالتجارة الحديثة هي جزء عضوي وأساسي من نظام المجتمع الرأسمالي والرأسمالية الرشيدة، أما التجارة البدائية فتلعب دوراً ثانوياً وهامشياً في مجتمعات ما قبل الرأسمالية (العبودي والإقطاعي وغيرهما) ، حيث يتميَّز الإنتاج في هذه المجتمعات بأنه إنتاج لقيمة استعمالية وليست تبادلية، أي أن الإنتاج كان موجهاً نحو إشباع حاجات المجتمع وحسب، وإذا ما تَبقَّى فائض من السلع بعد أن يستهلك المجتمع ما يريد، يقوم التاجر البدائي بنقله من هذا المجتمع إلى مجتمع آخر. كما كانت تنشأ داخل مجتمعات ما قبل الرأسمالية، حاجة إلى بعض السلع الكمالية مثل التوابل والذهب، فكان التاجر البدائي يقوم بتوريدها وسد الحاجة التي تنشأ إلىها. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار التجارة البدائية تجارة هامشية دون أن يضفي هذا الاعتبار إيحاءات سلبية، فهي لا تلعب أيَّ دور في حركة الإنتاج وإنما تظل على هامشها.
والصفة الثانية للتجارة اليهودية وثيقة الصلة بالأولى. فالتجارة اليهودية، على خلاف التجارة التي تطورت بين المسيحيين، كانت منذ البداية مرتبطة بالطبقة الحاكمة في المجتمع الإقطاعي، حيث كان التاجر اليهودي (وكذلك المرابي اليهودي) ، كما أسلفنا، ملكية للأمير أو الإمبراطور أو النبيل الإقطاعي، وكان يقوم بالتجارة ليحقق أرباحاً لا تتحول إلى رأسمال مستثمر في المجتمع وإنما تصب في خزائن النبيل الإقطاعي من خلال الضرائب والإتاوات التي كان على اليهود دفعها. ومن هنا، كانت التجارة اليهودية تعبيراً عن العلاقات القائمة في المجتمع الإقطاعي ولا تشكل نقيضاً لها على الإطلاق. ولعل هذا ما كان يعنيه ماركس حين أشار إلى وجود اليهود في مسام المجتمع الإقطاعي، فهم فيه وليسوا منه، وهم هامشيون في وجودهم لا يشكلون أي تحدٍّ له.

ولكن حركيات التطور داخل المجتمع الغربي، التي جعلت اليهود يضطلعون بدور التجارة الدولية والمحلية، هي ذاتها التي جعلت استمرارهم فيها مستحيلاً. وبعد أن كان وضعهم القانوني مستقراً، بدأ هذا الوضع في الانهيار مع تضاؤل أهمية دورهم الاقتصادي. ويمكن أن نورد بعض الأسباب التي أدَّت إلى هذا الوضع:
1 ـ سيطرت المدن الإيطالية في القرن العاشر الميلادي على التجارة في حوض البحر الأبيض المتوسط. ومما عقَّد الأمر بالنسبة للتجار اليهود، عدم وجود الإمكانات المالية أو العسكرية الكافية لامتلاك الأساطيل البحرية، وهو أمر كان متاحاً لمدينتي البندقية وجنوة اللتين كانتا تمتلكان أساطيل تجارية قوية وكانتا من أوائل المدن/الدول الأوربية التي ظهرت فيها طبقة تجارية نشطة. وقد حاولت هاتان المدينتان قدر استطاعتهما أن توقفا التجارة اليهودية. ومما عوض اليهود لبعض الوقت عن فقدانهم تجارة المتوسط تنشيط تجارتهم من خلال الطريق البري الذي يمر عبر الدول السلافية ابتداءً من إسبانيا وانتهاءً بالبحر الأسود.
2 ـ ساهمت حروب الفرنجة التي يُطلَق عليها اسم «الحروب الصليبية» ، وهي تعبير عن الإرهاصات الأولى لولادة الرأسمالية الأوربية، في القضاء على كثير من مراكز التجمع التجاري اليهودي في أوربا. وإلى جانب ذلك، دعمت هذه الحروب العلاقات بين الدول الأوربية المختلفة وبدأت تظهر شبكة علاقات بينها. كما أصبح الطريق إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، وغيره من الطرق، مفتوحاً بعد أن أخذ التجار المسيحيون يتحركون بسهولة خلف جنود حملات الفرنجة. وقد ظهرت شبكة طرق في القارة الأوربية استخدمها التجار المسيحيون، ولكنها لم تكن آمنة بالنسبة للتجار من أعضاء الجماعات اليهودية، حتى أن السلطات سمحت للتجار اليهود بالتظاهر بأنهم مسيحيون حتى يمكنهم الانتقال بسهولة والاستمرار في تجارتهم.

3 ـ بدأت تظهر هياكل مركزية حكومية في بعض الدول الأوربية مثل إنجلترا وفرنسا مع القرن الثالث عشر الميلادي، وفي إسبانيا بعد ذلك التاريخ. وهذه الهياكل لم تجد في أعضاء الجماعات اليهودية ـ من حيث هم أقنان بلاط ـ فائدة كبرى، ولذا طُرد اليهود في تلك المرحلة. ورغم عدم قيام سلطة مركزية في ألمانيا، فإن وضع اليهود تخلخل تماماً هناك.
4 ـ بدأت تظهر في أوربا طبقة تجارية محلية بلغت شيئاً من القوة في القرن الحادي عشر الميلادي. وقد أخذت قوة هذه الطبقة في التعاظم، فبدأ التجار والحرَفيون في تكوين نقابات تضمهم وتقوم بالضغط لصالحهم، وتحاول طرد التاجر اليهودي المنافس الذي كان يحظى بالدعم من السلطة الإقطاعية. وبدأت المدن تكتسب شيئاً من القوة والاستقلال، ووصلت حركة استقلالها إلى ذروتها مع القرن الثالث عشر الميلادي، واستولى التجار من الطبقة الوسطى بصورة متزايدة على المجالس المدنية والحكومات المحلية.
ومما يجدر ذكره أن الرأسمالية الحديثة أو الرشيدة في الغرب وُلدت على يد هؤلاء التجار المسيحيين وداخل جدران هذه المدن المستقلة الجديدة لا بين صفوف أعضاء الجماعات اليهودية أو داخل الجيتو أو الشتتل. حيث قام هؤلاء التجار بالاستثمار بعيد المدى في إنتاج سلعة ما وتخصصوا فيها وفي تصنيعها وتسويقها، أي أن العملية الإنتاجية لم تَعُد تهدف إلى إشباع الرغبات كما هو الحال داخل النظام الإقطاعي، بل إلى إنتاج سلع بهدف بيعها. وقد قام هؤلاء التجار المسيحيون بتضييق الخناق على التجار اليهود بدرجات متفاوتة من النجاح. وبدأت تسقط معاقل التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها حتى اختفت التجارة اليهودية تماماً مع القرن السادس عشر الميلادي، باستثناء بعض الجيوب في إيطاليا ووسط ألمانيا حيث تَركَّز نشاطهم بالدرجة الأولى في الربا وأعمال الرهونات، وإن ظلوا يقومون بدور تجاري أيضاً.

وبالتدريج، أخذ أعضاء الجماعات اليهودية في تحويل مدخراتهم إلى النوع السائل الذي يَسهُل حمله من بلد إلى بلد، وتَحوَّل اليهودي إلى مبادلة النقد ثم إلى إقراضه بالفائدة العالية، أي أنه وجد نفسه خارج النشاط الزراعي ثم خارج النشاط التجاري فتَحوَّل من تاجر إلى مراب، وتَحوَّل اليهود ككل من جماعة وظيفية وسيطة تقوم بدور الوساطة بين طبقات المجتمع إلى جماعة وسيطة عميلة تقوم بدور الوساطة ولكنها في الوقت نفسه أداة في يد الطبقة الحاكمة أولاً وقبل كل شيء.
ولكن معدلات النمو لم تكن متساوية في أوربا، فلم تكن البنية الاقتصادية لشرق أوربا تشبه البنية الاقتصادية لغربها مع بداية العصور الوسطى. ولذا، رحبت النخبة الإقطاعية الحاكمة في بولندا وليتوانيا في أواخر القرن الثالث عشر بالعناصر التجارية، مثل اليهود والأرمن والتجار الألمان، لتطوير القطاع التجاري الدولي والمحلي فيها، دون اللجوء إلى بورجوازية محلية لها جذور في المجتمع ولها قاعدة جماهيرية فيه قد تطالب بقدر من الاستقلال بعد أن يقوى ساعدها، وقد تطالب بالمشاركة في صنع القرار وتُصرُّ على تَبنِّي سياسة تهدف إلى حماية الصناعة والتجارة المحلية، الأمر الذي قد يُضرُّ بمصالح كبار الملاك الإقطاعيين الذين كانوا يُصدِّرون محاصيلهم إلى الغرب ويحتكرون التجارة في بعض السلع الحيوية. ومن ثم، وجد النبلاء الإقطاعيون البولنديون في التجار اليهود ضالتهم المنشودة لأنهم أكثر العناصر بُعداً وغربة عن البيئة، وبالتالي يمكنهم القيام بالنشاط التجاري والمالي والصناعي دون تشكيل أي خطر على انفتاح الاقتصاد الإقطاعي البولندي، فأصبحوا أداة هذا الإقطاع. وقد ظهر في بولندا يهود الأرندا الذين لعبوا دوراً أساسياً في تصدير المحاصيل البولندية إلى أوربا، ولاسيما إبَّان حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648 (.

وقد اضطلع يهود الأرندا بأنشطة مالية وصناعية أخرى مثل تحصيل الضرائب واحتكار تجارة الملح، وساهموا بذلك في ملء خزائن النبلاء وفي ضرب البورجوازية المحلية.
وبعد سقوط التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها وانسحاب التجار اليهود منها، ظهر عنصر جديد هو يهود إسبانيا والبرتغال من المارانو السفارد الذين طُردوا من شبه جزيرة أيبريا مع نهاية القرن الخامس عشر وانتشروا في أوربا والدولة العثمانية في القرن السادس عشر الميلادي. وكان يهود المارانو يمتلكون الخبرات اللازمة ورأس المال اللازم للأعمال المالية الكبرى، وهو ما جعلهم يمولون كثيراً من الشركات الاستعمارية الجديدة وعمليات الاستيطان والاستثمار في العالم الجديد. فاستقروا في البرازيل واشتركوا في تجارة السكر والرقيق والمنسوجات حيث استفادوا بعلاقاتهم بالحكومة البرتغالية التي كانت تملك مستعمرات في أفريقيا مثلت مصدراً جيداً للعبيد.

وشهد منتصف القرن السابع عشر الميلادي ذروة تطوُّر الدور الاقتصادي للجماعات اليهودية في أوربا والعالم، حيث اكتملت حلقة ما يمكن تسميته «التجارة الدولية اليهودية» ووصلت إلى قمتها وأصبحت عالمية بشكل لم يسبق له مثيل. وكان يهود المارانو هم حلقة الوصل الأساسية في هذه التجارة، فتركزوا في المدن الأوربية الكبرى، خصوصاً في تلك البلاد التي يتبعها إمبراطوريات مثل هولندا وإنجلترا وإسبانيا والبرتغال، حيث احتفظ المارانو بعلاقتهم مع أقاربهم الذين لم يُطرَدوا من شبه جزيرة أيبريا. وبذلك أصبحوا يلعبون دوراً أساسياً في تجارة الأطلسي والعالم الجديد. كما تركز المارانو في هامبورج وبوردو وبايون، وظهر من بينهم (ومن صفوف الإشكناز) يهود البلاط الذين لعبوا دوراً أساسياً في تجارة الإمارات الألمانية ووسط أوربا بشكل عام. وكانت تساعد هذا المركز الأوربي قاعدة ضخمة من صغار التجار اليهود وتجار العملة، حيث كان يهود الأرندا الإشكناز في بولندا، الذين امتدت نشاطهم من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، يشكلون أحد أجنحتهم المهمة. أما الجناح الآخر، فتَمثَّل في يهود الدولة العثمانية الذين تمركزوا في موانئ البحر الأبيض المتوسط. بل وكان للمارانو - كما أشرنا - قاعدة في المغرب وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا وفي المستعمرات الهولندية والإسبانية والبرتغالية والإنجليزية في العالم الجديد. وهكذا اكتملت هذه الحلقة التجارية الدولية الضخمة. ومع أواخر القرن السابع عشر الميلادي، بدأ يهود الإشكناز انتشارهم مرة أخرى في أنحاء العالم إلى أن أصبحوا أغلبية يهود العالم.

ويُلاحَظ أن عودة اليهود إلى دول غرب أوربا، في القرن السابع عشر الميلادي، كانت عودة إلى دول لها مشروعها الرأسمالي الاستعماري الضخم المتكامل. ولكن، رغم أنهم كانوا يمثلون عنصراً تجارياً نشطاً، إلا أنهم لم يشكلوا عنصراً مستقلاً يمثل تجارة يهودية ملتصقة بالإقطاع، بل أصبحوا تجاراً يدينون باليهودية ويشكلون جزءاً من كلٍّ غربي لا يتحكمون فيه ولا يشكلون فعالية مستقلة داخله، حتى وإن تمتعوا بقدر من الاستقلال، لأنه في النهاية قَدْر صغير لا يؤثر على الاتجاه العام للرأسماليات التي ينتمون إليها. وقد ظلت التجارة اليهودية الهامشية قائمة في وسط أوربا وشرقها بدرجة أكبر حتى عصر الإعتاق (في القرن الثامن عشر) ، فظهرت بورجوازيات محلية في ألمانيا ثم بولندا أخذت تزاحم التجار اليهود وتطردهم. وقد تدهور وضع التجار اليهود، خصوصاً في بولندا بعد تقسيمها وبعد تَدنِّي وضع اليهود الاقتصادي فيها. ومن هنا ظهرت مسألة يهودية في كل من هذه البلاد.

وكان للتجارة اليهودية دائماً بُعد سلبي أو مظلم، فقد كانت تجارة هامشية طفيلية " تعيش على تَخلُّف المجتمع " على حد قول ماركس، وتتسلل دائماً إلى الشقوق الناجمة عن التخلف، وإلى الأطراف التي تحفّ بها المخاطر ولا تجد من يعمل فيها، ولذا نجد أن أعضاء الجماعات اليهودية اشتغلوا بتجارات مشينة مثل: تجارة الرقيق والمشروبات الكحولية والرقيق الأبيض، وهي جميعاً تجارات كريهة للنفس البشرية. فكانت تجارة المشروبات الكحولية في شرق أوربا من النشاطات التجارية الأساسية بينهم، وكانت مشكلة السكْر مشكلة أساسية تواجه الفلاحين والأقنان في شرق أوربا، وهو ما زاد سخط الجماهير عليهم. كما أن احتكار أعضاء الجماعات اليهودية لبعض السلع الأساسية، مثل الملح (لحساب النبلاء الإقطاعيين) ، جعلهم في حالة احتكاك وتوتر دائمين مع الفلاحين وكل عملائهم، رغم أن أرباح تجارة الكحول والملح كانت تَصبُّ أساساً في خزائن النبلاء ولم يكن اليهود سوى وسطاء فيها. ومنذ عام 1880، ومع تدهور دورهم التجاري، اشتغل بعض أعضاء الجماعات اليهودية بتجارة الرقيق الأبيض، فكانوا يُصدِّرون الفتيات اليهوديات من منطقة الاستيطان عبر جاليشيا إلى العالم الجديد، خصوصاً إلى الأرجنتين. وقد وصل نشاط تجار الرقيق الأبيض من اليهود إلى مصر والهند والصين أيضاً.
كما أدَّى التدني التدريجي لوضع أعضاء الجماعات اليهودية، وتضييق الخناق عليهم، إلى اشتغالهم بأنواع من التجارة غير المشروعة مثل تهريب السلع دون دفع جمارك عليها. وساعدهم في ذلك تَوفُّر شبكة الاتصالات الضخمة لديهم، وتَحدُّثهم باللغة اليديشية التي لم يكن يفهمها سواهم. وكانت مثل هذه النشاطات مسئولة عن ظهور الصورة السلبية التي أشاعها عن اليهود المعادون لهم، وعمموها بعد عزلها عن الظروف الاجتماعية التي أدَّت إلى ظهورها، بحيث تحوَّلت هذه الصورة إلى نموذج يُعبِّر عن الطبيعة الأزلية لليهود!

وقد حاربت مختلف الحكومات بقايا التجارة اليهودية وعزلتها، وحاولت دمج أعضاء الجماعات اليهودية عن طريق تحويلهم إلى عناصر اقتصادية منتجة، إلى أن قضت الثورات الشيوعية والإبادة النازية لبعض يهود الغرب على البقية الباقية من التجارة اليهودية الشرعية وغير الشرعية.
ويُلاحَظ أنه لا يوجد أثر للتجارة اليهودية في الولايات المتحدة، إذ أن اليهود هاجروا مع ملايين المهاجرين إلى مجتمع تجاري علماني نفعي يحكم على الأعضاء بمقدار مدى نفعهم ومدى إسهامهم الاقتصادي في مجتمعهم.
ومع هذا، تركت التجارة اليهودية أثرها في يهود روسيا السوفيتية حيث تواجدت أعداد كبيرة منهم في قطاع تجارة التجزئة والسوق السوداء. أما في الولايات المتحدة، فيظهر أثر الميراث الاقتصادي للمهاجرين اليهود في تَركُّز رأس المال اليهودي في الصناعات القريبة من المستهلكين، مثل السينما والملابس، وفي بُعدهم عن الصناعات الثقيلة التي تتطلب استثماراً بعيد المدى وتنطوي على مخاطر كبيرة. ولكن ميراث التجارة اليهودية آخذ في الزوال تماماً.
وقد ترك اشتغال يهود العالم الغربي بالتجارة والأعمال المالية أثره العميق فيهم، إذ يُعَدُّ اشتغالهم بالتجارة سبباً في «استمرارهم» واحتفاظهم بنوع من الاستقلال العرْقي والقومي، وهذه سمة أساسية في الجماعات الوظيفية.
والتجارة اليهودية التي تفترض انعزال التاجر عن مجتمعه هي الأساس الاقتصادي للجيتو ولكثير من التصورات الدينية والفكرية التي يُقال لها «قومية» والتي تتحدث عن «الشعب اليهودي» و «الشعب المختار» الذي يُوجَد على هامش التاريخ أو ربما خارجه، شأنها شأن التاجر اليهودي.

والتجارة اليهودية مسئولة عن تحديد صورة اليهودي في أدبيات معاداة اليهود. فاليهودي يظهر على أنه التاجر والمموِّل الشره والرجعي المحافظ في آن واحد. وربما يعود هذا إلى أن التجارة اليهودية نشاط شبه رأسمالي ولكنها تجارة مرتبطة بالنظام الإقطاعي، ولذلك فهي شيء مُبهَم يَصعُب تصنيفه. بل ويُقال إن الفلاحين كانوا ينظرون إلى التجارة اليهودية باعتبارها ضرباً من السحر، نظراً لطبيعتها الهامشية والطفيلية. فالنبيل الإقطاعي والفلاح يعملان بالزراعة، ولا غرابة إذا ظهرت ثمرة جهدهما، لأنهما يقومان بجهد في تحويل مادة ما (الأرض) إلى شيء آخر (الثمرة) من خلال الجهد الإنساني، أما اليهودي فكان لا يملك سوى رأسماله الذي يقوم بتحريكه (شراء السلع وبيعها) فيراكم الثروات دون جهد أو عمل دون أن ينتج شيئاً ملموساً وكأنه ساحر يخرج الأرنب من القبعة بتحريكها.
والفكر الصهيوني ذو بُعد تجاري واضح، فهرتزل والصهاينة يتحدثون باستمرار وجدية عن شراء حائط المبكى بل وعن شراء فلسطين ذاتها. وانطلاقاً من التصور التجاري نفسه، لا يزال الإسرائيليون يتحدثون عن دفع تعويضات للفلسطينيين نظير أن يبحثوا لأنفسهم عن وطن آخر، كما تُقدِّم الحركة الصهيونية ما يشبه الرشوة لليهود السوفييت ليهاجروا إلى الأرض المقدَّسة. وأخيراً، فإننا نميل إلى تسمية الدولة الصهيونية بالدولة الوظيفية، فهي تلعب دوراً يشبه في كثير من النواحي دور التجارة اليهودية في أوربا. كما أن الدولة الصهيونية هامشية ترتبط مصالحها بمصالح الإمبريالية الغربية مثل ارتباط التجار اليهود بالطبقات الحاكمة التي كانت تستخدمهم أداة لضرب القوى الوطنية المحلية.
الراذانية
‏Radhanites

«الراذانية» جماعة من التجار اليهود، وورد اسمهم في صيغتين: الراذانية عن ابن خرداذبه والرادانية عند ابن فقيه. ويُقال إن الاسم مُشتق من كلمة «ردن» الفارسية بمعنى «عرف الطريق» . وهناك من يذهب إلى أنه من الكلمة «رادنوس» اللاتينية (نهر الرون) . ويختلف الباحثون في أصلهم فيقول البعض إنهم من جنوب فرنسا، بينما يذهب البعض الآخر إلى أنهم أصلاً من العراق. وقد وصف ابن خردازبه في كتابه المسالك والممالك نشاطهم في المجال التجاري، قائلاً إنهم يتكلمون «العربية والفارسية والرومية [اليونانية] والإفرنجية [لغة الفرنجة أي الفرنسية القديمة] والأندلسية [الإسبانية] والصقلية [اللغات السلافية] » . وهم يسافرون من الغرب إلى الشرق براً أو بحراً، من فرنسا إلى السند والهند والصين ثم يعودون حاملين من الصين المسك والعود والكافور. وهم في رحلتهم هذه يسلكون عدة طرق. يجلبون من الغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف. وقد استمر نشاط التجار الراذانية حتى القرن التاسع الميلادي حين سيطرت المدن/الدول الإيطالية على التجارة الدولية.
جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض)
‏Jewish Financial Functional Group (Usury and Money Lending)

«الجماعة الوظيفية المالية» هي الجماعة التي يضطلع أعضاؤها بوظائف مالية مختلفة مثل الربا وجمع الضرائب. ويُفرِّق علم الاقتصاد الحديث والمؤرخون الاقتصاديون في الغرب بين الربا والإقراض بفائدة. ففي الإطار الربوي يتم الإقراض لسد حاجة أو لدفع ضريبة أو جزية أو لبناء قصر أو كنيسة أو لتجريد حملة عسكرية. والقرض الربوي لا يصبُّ في أية عملية إنتاجية، كما أن سعر الفائدة يكون عالياً جداً وغير محدَّد، وغالباً ما يُحدَّد في ضوء مدى حاجة المدين إلى القرض. أما الإقراض بفائدة، فقد عُرِّف بأنه إقراض مبلغ من المال بهدف استثماره في شراء البضائع أو في مشروع صناعي لتحقيق ربح، والقرض هنا يصبُّ في العملية الإنتاجية وعادة ما يتم تحديد نسبة فائدة معقولة. لكن هذه التفرقة لم تكن معروفة أو معمولاً بها في العصور القديمة حتى الثورة الصناعية في الغرب. ولذلك، فسوف نستخدم مصطلح «الربا» للإشارة إلى عملية الإقراض بفائدة أياً كان الهدف وأياً كان سعر الفائدة، خصوصاً وأن الإقراض اليهودي كان في معظمه ربوياً بالمعنى الاصطلاحي للكلمة. وقد ارتبطت صورة اليهودي بشخصية المرابي في العقل الغربي وعَبْر التاريخ الغربي، وهي الصورة التي خلدها شكسبير بشخصية شيلوك في مسرحية تاجر البندقية. وقد فسر المعادون لليهودية اشتغال اليهود بالربا، مثلما فسروا اشتغالهم بالتجارة، على أنه جزء من طبيعتهم الأزلية ونزوعهم الأبدي نحو امتصاص دم الآخرين، في حين فسره المؤرخون الصهاينة بأنه وظيفة فُرضت على اليهود فرضاً باعتبارهم ضحايا أزليين لذئاب الأغيار. وليس لهذين التفسيرين أية علاقة بالواقع المتعيِّن للجماعات اليهودية.

فقد كان العبرانيون، حين ظهروا لأول مرة في التاريخ، بدواً رُحَّلاً لا يتعاملون بالنقود، ولذا لم يكن هناك مجال للإقراض أو الاقتراض. ولم يكن اقتصاد المملكة العبرانية المتحدة متقدماً بما فيه الكفاية ليتطلب السيولة النقدية اللازمة لعمليات الاستثمار أو حتى لشراء السلع التَرفَيِّة، حيث كان الاقتصاد الداخلي بدائياً مبنياً على المقايضة والتبادل. أما الإنشاءات المعمارية التي قامت بها الدولة، فتم تمويلها من خلال التجارة الدولية التي احتكرتها.
واشتغل العبرانيون المُهجَّرون إلى بابل بالزراعة، ولكن أعداداً منهم بدأت تقطن المدينة حيث اشتغلوا بالتجارة الدولية والمحلية، وظهرت بيوتات مالية تجارية ـ مثل بيت موراشو ـ كانت تُقدِّم القروض نظير فوائد. ويبدو أن بعض يهود الإسكندرية اشتغلوا بأعمال الربا، فيَذكُر يوسيفوس أن كبير الموظفين (ألبارخ) الإسكندري أقرض الملك أجريبا مبلغاً من المال. ولكن حالة يهود الإسكندرية كانت الاستثناء وليست القاعدة، ولذا لا نجد حتى القرن الرابع الميلادي أي هجوم على اليهود باعتبارهم مرابين.

ومع القرن السادس الميلادي، بدأ اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا في الإمبراطورية الفرنجية. كما ظهر مرابون يهود في العالم الإسلامي، ولكنهم لم يحتكروا هذه المهنة إذ اشتغل بها أعضاء الأقليات العرْقية والدينية الأخرى كما اشتغل بها بعض أعضاء الأغلبية. ولم تتركز أغلبية اليهود في هذه المهنة بل كانوا يعملون في معظم الحرف والمهن الأخرى. وبدأ تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي في مهنة الربا ابتداءً من القرن العاشر الميلادي. وفي محاولة تفسير هذه الظاهرة، تُساق عدة أسباب ربما كان أهمها اضطرار اليهود إلى اعتزال التجارة الدولية والمحلية، وظهور المدن/الدول الإيطالية، وحروب الفرنجة، وتشكيل نقابات الحرَفيين. ومن ثم اضطر اليهود إلى تحويل ممتلكاتهم إلى رأسمال سائل يَسهُل حمله، وإلى الاشتغال بأعمال الصيرفة واستبدال العملة ثم الربا. وقد شجعت على هذه العملية عدة أسباب أخرى أهمها:
1 ـ كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون جماعة وظيفية وسيطة في التشكيل الحضاري الغربي. والجماعة الوسيطة هي التي تضطلع بوظائف (مثل الاتجار والإقراض بالربا) لا يقبل أعضاء المجتمع القيام بها بسبب ارتباطهم بأواصر قرابة أو صداقة أو جيرة تجعل دخولهم في علاقات موضوعية باردة محايدة أمراً عسيراً. ومن هنا كان من المنطقي أن يعمل أعضاء الجماعة اليهودية الوسيطة، الذين يقومون بمهنة التجارة، بالربا حينما تضطرهم الظروف إلى تغيير وظيفتهم.
2 ـ ولعل التنظيم الجامد للمجتمع الإقطاعي الغربي لعب دوراً أساسياً في هذا المضمار، فلم يكن أمام التاجر اليهودي الذي كانت تُغلَق أمامه فرص التجارة بدائل كثيرة مطروحة، إذ لم يكن بمقدوره أن يعمل في الزراعة أو القتال أو في كثير من الحرف الأخرى، خصوصاً بعد تشكيل نقابات الحرفيين التي كانت تُعَد أكثر القطاعات عداء لليهود.

3 ـ تُحرِّم الكنيسة الربا على المسيحيين حيث صدرت عدة قرارات في هذا الشأن. وكان أولها قرار اتُخذ في مجمع نيقيا في عام 325 ثم في مجمع أورليان في عام 538، ولكن هذه القرارات كانت تُحرِّم الربا على رجال الدين لا على جميع المسيحيين، إلى أن صدر قرار شارلمان عام 789. ووصل التحريم قمته في المجمع اللاتراني الثالث عام 1179 حيث شمل التحريم كل المسيحيين ( «إن الذين يجهرون بالربا لا يُقبَلون في العشاء الرباني وإذا ماتوا وهم على إثمهم لا يُدفَنون دفن المسيحيين، وليس لقسيس أن يقبل صلواتهم» ) . أما اليهودية فلم تُحرِّمه، ولكنها حرَّمت إقراض اليهودي لأخيه اليهودي بالربا، فقد جاء في سفر التثنية (23/19 - 20) «لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء مما يُقرَض بربا للأجنبي. تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها» ومن المعروف أن الجماعات الوظيفية تتبنى مقاييس أخلاقية مزدوجة، مقاييس تنطبق على عضو الجماعة وأخرى تنطبق على أعضاء المجتمع المضيف. ومع هذا، يجب الإشارة إلى أن الفقه الديني اليهودي لم يتقبل بسهولة مسألة الإقراض بربا وقد قال راشي في القرن الحادي عشر الميلادي «إن كل من يقرض أجنبياً بفائدة سيهلك»

وقد أصبح التحريم أقل حدة في القرن الحادى عشر الميلادي عندما أصدر أحد الحاخامات فتوى مفادها أن اليهودي ينبغي عليه ألا يقرض الأغيار بربا، حين يكون بوسعه أن يكسب رزقه بطريقة أخرى. كما أصدر الحاخام أليعازر بن ناثان (من ألمانيا) فتوى مماثلة جاء فيها: «حينما لا يملك اليهود حقولاً أو كروماً يمكنهم العيش من ريعها، يصبح إقراض المال بربا ضرورياً لكسب رزقهم ومسموحاً به» . وقد جاء في المشناه «بإمكان الإنسان أن يُقرض ويقترض بربا من الكفار» . ولكن وردت إلى جانب ذلك تحفظات بحيث لا تصبح المسألة مطلقة، فأورد التلمود اقتباساً من المزمور 15 الذي جاء فيه «فضته لا يعطيها بالربا» ، كما جاء في سفر الأمثال (28/8) ما يبيِّن أن الإقراض بالربا ليس مُحرَّماً ولكنه مع هذا مكروه، ثم ذُكر أن الإقراض بالربا مباح إذا كانت الفائدة ضرورية لحياة الإنسان وليس الهدف منها الحصول على الثروة والترف.
4 ـ تزامنت عملية تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية عن التجارة مع ظهور حاجة ماسة إلى المال السائل اللازم لتجريد حملات حروب الفرنجة ولبناء الكاتدرائيات والكنائس. بل وبدأت تظهر في أوربا، بسبب التحولات الاقتصادية العميقة التي كانت تخوضها آنذاك، حاجة ماسة إلى اقتراض النقود، لا لسد الحاجة الشخصية وإنما للاستثمار التجاري، أي أن عملية الاقتراض بدأت تصبح مسألة أساسية للنظام الاقتصادي.

وفي القرن الحادي عشر الميلادي، تصاعدت وتيرة تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية عن التجارة واشتغالهم بالربا. وبعد عدة عقود، كان معظم السكان في أوربا المسيحية، في غربها ووسطها، مدينين لليهود الذين أصبحوا مالكين لقرى ومدن بل بعض الأماكن المسيحية المقدَّسة مثل الأضرحة والمزارات. وقد احتكر اليهود عملية الإقراض نظير فائدة عالية بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر الميلاديين، وأصبح الربا هو مصدر حياة معظم يهود أوربا. وأصبحت كلمتا «مرابي» و «يهودي» مترادفتين مع نهاية القرن الثالث عشر الميلادي.
وقد مارس المرابون اليهود نشاطهم في إنجلترا مع بداية القرن الحادي عشر الميلادي حتى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. أما في فرنسا، فقد مارسوا نشاطهم في فترات مختلفة من نهاية القرن الثاني عشر الميلادي حتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي. واكتسب أعضاء الجماعات اليهودية أهميتهم في ألمانيا، بوصفهم مرابين، من القرن الثالث عشر الميلادي حتى القرن الخامس عشر الميلادي. ثم امتد نشاطهم بعد ذلك إلى بولندا واستمر حتى القرن التاسع عشر الميلادي. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن كل أعضاء الجماعات اليهودية تحولوا عن التجارة، إذ ظل هناك يهود يعملون بها حتى القرن الخامس عشر الميلادي بل وحتى بعد ذلك التاريخ، خصوصاً في الدول السلافية. كما أن من المعروف أن التجارة اليهودية وصلت قمة ازدهارها في القرن السابع عشر الميلادي أيام يهود البلاط.

وقد كُسر احتكار أعضاء الجماعات اليهودية للربا مع ظهور جماعات من المرابين المسيحيين مثل جماعات فرسان المعبد الألمانية، واللومبارد في إيطاليا، والكوهارسين في فرنسا. ويبدو أن الكنيسة الكاثوليكية ذاتها كانت متورطة في عمليات الإقراض بالربا وكانت تلتف حول التحريم الذي أصدرته بأن تقوم بإقراض المال المطلوب للمدين الذي يقدم كضمان قطعة أرض تقوم الكنيسة باستثمارها لحسابها وتستولى على ريعها الذي يشكل الفائدة إلى حين استرداد القرض الأصلي. كما ساندت الكنيسة كثيراً من جماعات المرابين. وقد منح البابا إنوسنت الرابع في عام 1248 لقب «أبناء الكنيسة الرومانية المميَّزين» للمرابين المسيحيين. ومع هذا، كان ارتباط كلمة «المرابي» بكلمة «اليهودي» من القوة حتى أن إحدى القصائد الألمانية تشير إلى «اليهود المسيحيين» أي «المرابين المسيحيين» . وكانت كلمة «لومبارد» أيضاً مرادفة لكلمة «مرابي» ، ولذا يُوجَد نص فرنسي (1315) يشير إلى «اللومبارد واليهود والمرابين الآخرين» .
وقد احتدمت المنافسة في بداية الأمر بين أعضاء الجماعات اليهودية من جهة، واللومبارد والكوهارسين من جهة أخرى. فهؤلاء المرابون كانوا يشغلون المكانة نفسها ويضطلعون بالوظيفة نفسها ويتمتعون بالمزايا نفسها وتنزل بهم الكوارث نفسها، فقامت صراعات بينهم لهذا السبب. وحينما اضطهد هنري الثالث ملك إنجلترا الكوهارسين في عام 1251 وزج ببعضهم في السجن (وفرَّ البعض الآخر) ، عم الفرح أعضاء الجماعة اليهودية. ولكن بعد عامين، حينما قام لويس التاسع بطرد اليهود، استولى الكوهارسين على بيوتهم وممتلكاتهم بحماس غير عادي.
وكانت المواثيق تعامل أعضاء الجماعات اليهودية وغيرهم من المرابين على قدم المساواة، وكانوا أحياناً يُطرَدون جميعاً كما حدث عام 1427 في برن (سويسرا) .

ومع ذلك لم يقوَ المرابون اليهود على الاستمرار في المنافسة، إذ تمتَّع المرابون المسيحيون بمساندة حكوماتهم التي كانوا يوفرون لها قدراً كبيراً من الأمن اللازم للعمليات المالية. ولكن الأهم من هذا أن جماعات اللومبارد أو الكوهارسين كانت لديهم شبكة اتصال ضخمة، وكان بوسعهم تدبير قروض ضخمة لم يكن بمقدور اليهود تدبيرها. ومع تراجع الكنيسة باعتبارها أحد المنافسين، وتأييدها اللومبارد وغيرهم، ومع تزايد ابتزاز الأمراء لأقنان البلاط، أي المرابين اليهود، سقط الربا اليهودي مع نهاية العصور الوسطى ولم تعد لرأس المال اليهودي أهمية كبرى، كما لم يعد هناك رأسمال يهودي ضخم عند وقوع الثورة التجارية.

وبينما كان المرابي اليهودي في البداية يُقرض الملوك والأباطرة ثم كبار النبلاء الإقطاعيين، فإنه راح يُقرض صغار النبلاء والفرسان ثم بعد ذلك الحرفيين والفلاحين والفقراء. وبدلاً من وجوده بجوار الطبقة الحاكمة، انسحب إلى الهامش حيث لم يَعُد اليهود يشكلون الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة. وهبط اليهودي من مرتبة الصيرفي إلى المرابي الذي يُقرض مبالغ صغيرة لمدة قصيرة بفائدة عالية وبضمان رهونات بسيطة مثل درع أو قطعة حلي أو بعض الملابس. ولعل ماحدث في مدينة ريجنزبرج في ألمانيا مثل جيد على هذا التدهور التدريجي التاريخي، فحتى عام 1250 كانت بلدية المدينة هي أهم مدين لليهود، وحتى عام 1400 كان أهم المدينين هم النبلاء ورجال الدين. أما بعد ذلك التاريخ، فقد احتل الفرسان ومواطنو المدن والحرفيون هذا المكان. وفي القرن الثالث عشر الميلادي، كان القرويون في جنوب فرنسا يُشكلون 65% من المقترضين حيث اقترضوا 43% من المبالغ، وكان سكان المدينة يشكلون 30% من عملاء المرابين اليهود حيث اقترضوا 41%، وكان الفرسان والنبلاء يمثلون 2% واقترضوا 9%، ورجال الدين 1% واقترضوا 5%. ولم يكن النمط مختلفاً في إنجلترا، حيث تخصص المرابي اليهودي في إقراض الطبقات الفقيرة التي يقترض أعضاؤها أموالاً ثم يجدون بعد ذلك في الغالب صعوبة بالغة في تسديد الديون.
وقد امتد نشاط المرابي اليهودي إلى بني جلدته على عكس تصورات المعادين لليهود. ولكن الإقراض في هذه الحالة كان يأخذ شكلاً خاصاً حتى يتم التحايل على أشكال التحريمات الدينية الخاصة بعدم إقراض اليهودي بالربا. فكان المرابي يصبح شريكاً موصياً أو شريكاً يشترك بالمال لا بالعمل وينال نصيباً من الربح إذا كسبت التجارة، ولا يخسر شيئاً من ماله إذا لم يربح، وهذا هو ما تفعله بعض البنوك الإسرائيلية الآن لتتمكن من إقراض الإسرائيليين دون الإخلال بالقواعد الدينية.

وكان المرابي يلعب دوراً اقتصادياً أساسياً في المجتمع الغربي، فإن أراد الأمير الإقطاعي تزويج ابنته أو تجريد حملة في حروب الفرنجة أو تعمير أرض جديدة، أو أزمعت دار البلدية بناء كنيسة أوكاتدرائية، أو واجه أعضاء الطبقات الفقيرة مصاعب شخصية فجائية، في كل هذه الحالات كان المرابي هو الذي يزود المجتمع بالأموال السائلة التي يحتاج إليها والتي تضمن استمراره. وعلى سبيل المثال، ساعد هارون (من لنكولن في إنجلترا) في القرن الثاني عشر الميلادي في بناء ما لا يقل عن تسع كاتدرائيات. كما موَّل المرابون اليهود بعض حملات حروب الفرنجة.
والربا اليهودي، شأنه شأن التجارة اليهودية، كان عملية هامشية غير منتجة. فالمرابي برغم أهميته لا يلعب دوراً متعيِّناً واضحاً في العملية الإنتاجية، إذ إن أساس فائض القيمة في النظام الإقطاعي هو نمط الإنتاج الإقطاعي ذاته الذي ينتج قيمة استهلاكية وحسب دون الاهتمام بالقيمة التبادلية. وكان الأمير الإقطاعي والفلاح يشتركان في الإنتاج، أما المرابي فيظل خارج العملية أو على هامشها. ومن هنا، فإن الإقراض الربوي، شأنه شأن التجارة البدائية، لا يلعب دوراً في العملية الإنتاجية لأنه إقراض من أجل الاستهلاك أو نشاطات أخرى تقع خارج نطاق العملية الإنتاجية، على عكس الإقراض الرأسمالي الذي يُوظَّف في العملية الإنتاجية ذاتها. بل إن الإقراض هو أحد أسس عملية الإنتاج الرأسمالي. ولا شك في أن هذه الهامشية جعلت عناصر المجتمع تنظر إلى اليهودي على أنه شخصية طفيلية لا تبدع ولا تنتج، ولكنها تستولي على عائد الإنتاج. بل كان البعض يرون أن الربا، مثله مثل التجارة البدائية، يُعَدُّ شكلاً من أشكال السحر، إذ ينتج المرابي الثروة عن طريق تحريك أمواله لا عن طريق أي جهد إبداعي متعيِّن.

لكن المرابي اليهودي لم يكن سوى أداة في عملية اقتصادية ضخمة إذ كان يَعُدُّ من أقنان البلاط، أي ملكية خاصة للملك يبيعهم متى شاء. وكانت أموال المرابي تئول إلى الملك من الناحية القانونية، ولكنه كان من الناحية الفعلية يتركها لأولاد المرابي حتى يستمروا في وظيفتهم. وكان الأمير أو الملك يبيع لليهود المواثيق التي تحميهم، وتحدد حقوقهم وتؤكدها، وتضمن لهم الأمن اللازم للاستمرار في العمليات المالية. وهذه حقوق لم يكن يتمتع بمثلها سكان المدن أو عامة الشعب. وكانت عملية بيع المواثيق هذه تضمن أن تصب ثمرة العملية الربوية بأسرها في خزانة الملك الذي كان يُسمَّى «شيخ المرابين» . أما اليهود فلم يكونوا سوى الوسيط الذي يلعب دور الإسفنجة، فهم يمتصون ثروة الشعب التي يعتصرها الحاكم فيما بعد عن طريق منح المواثيق لأعضاء الجماعة اليهودية وفرض الضرائب علىهم. وقد كان اليهود أكبر مصدر دخل للملك في إنجلترا، حيث كانوا يشكلون حوالي 12% من كل مصادر دخله. وفي بعض الإمارات المسيحية، في إسبانيا مثلاً، كانوا يشكلون نسبة أكبر من ذلك.
وقد اضطر أعضاء الجماعات اليهودية إلى الاعتماد الكامل على الملك أو الأمير الإقطاعي لحمايتهم من غضب الجماهير وفتكها، وكان هو بدوره يفضلهم في مرحلة من المراحل على غيرهم من المرابين نظراً لعجزهم وانفصالهم عن المجتمع ولعدم وجود قاعدة بشرية تدعمهم وتساندهم، وهو ما جعل منهم جماعة وظيفية وسيطة مثالية. وهنا لابد من الإشارة إلى أننا نميِّز بين الجماعة الوظيفية الوسيطة والجماعة الوظيفية الوسيطة العميلة. فالجماعة الوسيطة، رغم قربها من الطبقة الحاكمة، تؤدي خدمة لكل طبقات المجتمع. أما الجماعة العميلة، فهي أداة في يد الحاكم يستخدمها لصالحه ضد بقية طبقات المجتمع. وعلى هذا، كان التاجر اليهودي وسيطاً، أما المرابي اليهودي فكان عميلاً.

ولكل هذا، كان الملك يبذل قصارى جهده ليمنع المرابين من اعتناق المسيحية إذ أن هذا يشكل إضعافاً وتبديداً للأداة التي يستخدمها. وكان المرابي الذي يَتنصَّر يفقد كل ثروته التي كانت تئول إلى العرش، لأنه لا يحق له أن يتمتع بثمرة الرذيلة (أو هكذا كان التبرير والادعاء) . كما كان الملك يمنع اليهود من العمل في أي وظيفة أخرى، وكانت المواثيق التي تُمنَح لهم تمنع المسيحيين من الاشتغال بالربا. وقد طُرد طبيب ألماني مسيحي من مدينته لأنه تعدى على الحقوق والاختصاصات التجارية والمالية لليهود بأن اسثمر أمواله في الربا من خلال صديق يهودي له. وكان الملك يلجأ عند عجزه عن تسديد ديونه، إلى منح المرابي اليهودي حق جَمْع الضرائب من الفلاحين. ولكنه كان يلقي بالمرابي اليهودي إلى الجماهير الغاضبة، كبشاً للفداء، إذا ما ثبت أنه يكلف أكثر مما يفيد. ولعل هذا هو السبب في أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يراكموا قط رأسمالاً كافياً ولم يتحولوا قط إلى طبقة حاكمة، بل كانوا يعملون دائماً من خلال السلطة الحاكمة وفي خدمتها.
ورغم أن المرابي اليهودي كان مجرد أداة، إلا أنه أصبح محط كراهية معظم أعضاء المجتمع وطبقاته، بما في ذلك المستفيدون منه. فقد كانوا يرون الربا شراً لابد منه، ولكنه شر أكيد، حيث تُعَدُّ كراهية المرابي أمراً متأصلاً في المجتمعات البشرية. وكان لفظ «سكتور sector» يُطلَق على كل من المرابي والقاتل في الإمبراطورية الرومانية. وربما يُعزَى توجيه تهمة الدم لليهود والقول بأنهم يطبخون عجين عيد الفصح بدم طفل مسيحي إلى اشتغالهم بمهنة الربا، فهم يمتصون دم ضحاياهم مجازاً. وليس من الصعب على الوجدان الشعبي أن يضع ما هو مجازي مقام الحقيقة الواقعة.

وثمة أسباب متباينة جعلت المرابي اليهودي محط كراهية شديدة من كثير من الطبقات. فبالنسبة للطبقات الفقيرة، كان المرابي هو أداة الاستغلال المباشرة حيث كان يحتك بهم بشكل دائم، فضلاً عن أنهم كثيراً ما كانوا يخفقون في تسديد ديونهم فيفقدون مصدر رزقهم ذاته سواء كان هذا المصدر قطعة الأرض أو الآلات التي يعملون بها أو ملابسهم ذاتها. أما كبار النبلاء، فكانوا يرون في اليهودي قوة مالية ضخمة تساند الملك في صراعه معهم، كما أن المرابي اليهودي كان يعوق محاولتهم الاستيلاء على أراضي صغار البارونات الذين كان المرابي اليهودي يقرضهم فيحققون البقاء والاستمرار. وكان سكان المدن يرون في المرابي اليهودي غريماً لهم، وأداة في يد الحاكم الإقطاعي يستخدمها لقمعهم ولإعاقة تطورهم، خصوصاً أنه كان يتمتع بمزايا لا يتمتعون بها. ثم كان هناك عداء الكنيسة لهم، وهو عداء له بطبيعة الحال جذوره الدينية العقائدية وإن كان قد اكتسب بعداً اقتصادياً أيضاً لأن الكنيسة كما أسلفنا كانت تقوم هي ذاتها بالإقراض وتساند جماعات من المرابين.

ومن أكبر مصادر الكراهية، ارتفاع سعر الفائدة عن معدلها المفترض وهو 12.5%. لكن المرابي لم يكن يتمتع في العصور الوسطى بضمانات كافية، بل كان معرضاً باستمرار لخسارة أمواله وفقدان حياته. كما لم يكن في مقدور المرابين على الدوام أن يلزموا مدينيهم بالوفاء بالتزاماتهم عن طريق الالتجاء إلى القانون، فكانوا دائماً مهدَّدين بالطرد. ويضاف إلى ذلك أن القانون المسيحي في العصور الوسطى، بتحريمه الربا، قد اضطر المرابين إلى ابتداع حيل قانونية عديدة من بينها وجود وسيط بين الدائن والمدين، الأمر الذي كان يؤدي إلى زيادة سعر الفائدة. فوصلت الفائدة في إنجلترا إلى ما بين 43 و86% وفي النمسا (في عام 1244) إلى 173% وفي بروفانس (فرنسا) إلى 300%. ومن الصعب على من يقترض بمثل هذه الفائدة أن يسدد ديونه. ولذا، كانت عملية الإقراض والتسديد تنتهي بتوجيه تهمة السرقة إلى المرابي، وهي كذلك بشكل من الأشكال. ومما كان يدعم شكوك الناس في المرابي أن المواثيق التي كانت تُمنَح للمرابين اليهود تجعل من حقهم الاستيلاء على الأشياء المرهونة حين يعجز أصحابها عن تسديد القرض والتصرف فيها حتى لو اكتُشف أنها مسروقة، وكان هذا يتناقض مع القانون والأعراف الألمانية. ومن هنا، تصورت الجماهير أن المواثيق التي تُمنح لليهود تحابيهم وأنها بمنزلة ستار لتغطية عمليات السرقة الفعلية.

وكان اليهودي يسقط ضحية الثورات الشعبية لأنه قريب ومتاح ومباح باعتباره عضواً في جماعة وظيفية، على خلاف الملك الموجود في قصره خلف حراسه، والذي يشكل الهجوم عليه لا مجرد مظاهرة شعبية وإنما ثورة هائلة. ويُلاحَظ في الهجمات الشعبية على المرابين أنها لم تستهدفهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم مرابين. ومن هنا كانت الجماهير لا تميِّز بين اليهود أو اللومبارد والكوهارسين أو غيرهم من المرابين مثل أعضاء العصبة الهانسية في إنجلترا (حوالي عام 1381) . وحينما كانت الجماهير تطلب طرد المرابين، فإنها لم تكن تخص المرابين اليهود وحدهم بهذا الطلب بل كان يتم طرد وملاحقة كل المرابين. وحينما كان المرابون اليهود يُطردون «إلى الأبد» من مدينة أو مقاطعة ويحل محلهم مرابون لومبارد أو كوهارسين، كانت الجماهير تكتشف أن المرابين الجدد ليسوا أفضل من اليهود الأشرار. بل تذكر المصادر أن متوسط معدل الفائدة الذي كان يتقاضاه اليهود كان أقل في العادة من المعدل الذي كان يتقاضاه اللومبارد والكوهارسين، ربما بسبب ضعف مركزهم. ولكن هناك حالات، كما حدث في بوهيميا في نهاية القرن الخامس عشر، تقاضى فيها اليهود ضعف معدل الفائدة الذي كان يتقاضاه المرابي غير اليهودي، وذلك حتى يمكنهم تسديد الضرائب المفروضة عليهم. وكثيراً ما كانت المدن التي تطرد اليهود تطلب عودتهم من جديد، وترحب بهم، وتعتبرهم منقذين، لتقوم بطردهم مرة أخرى بعد فترة. وفي الفترة من 1300 إلى 1500 طُرد اليهود مائة وخمسين مرة من أماكن في جنوب ووسط أوربا، ولكن ورغم ذلك، لم تخل هذه المنطقة منهم في أية لحظة تاريخية.

وقد ترك اشتغال الجماعات اليهودية بالربا أعمق الأثر عليهم، فقد جعلهم جماعة هامشية مكروهة من المجتمع، بغيضة لدى معظم طبقاته. وكرد فعل لمشاعر الكراهية ضدهم ولهامشيِّتهم، نمت في صفوفهم أفكار مثل الشعب المختار الذي لا علاقة له بالتاريخ أو الجغرافيا، فضلاً عن النزوع إلى تقسيم العالم إلى «يهود أبرار» و «أغيار أشرار» ، وهذه هي التربة التي نمت فيها الصهيونية فيما بعد.
وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية يرون أن الاشتغال بالربا وسيلة من وسائل الانتقام من الأغيار، وطريقة لتوسيع الهوة بين اليهود وغيرهم. وبالتالي لم يَعُد الربا مجرد مهنة أو مصدر للدخل وإنما أمراً مرغوباً فيه في حد ذاته، وتَحوَّل من مجرد وظيفة إلى فعل رمزي ذي مضمون نفسي مُحدَّد. وهذه طريقة إنسانية مألوفة يبرر بها الإنسان ما يقوم به من أعمال بغيضة تتنافى مع إنسانيته، بل إن بعض المفكرين الدينيين وصف الاشتغال بالربا بأنه طريقة مثالية لتحقيق أرباح سريعة دون إنفاق وقت طويل بما يتيح لليهودي التفرغ لأسمى أهداف حياته، أي دراسة التوراة. وقد فسر بعض الحاخامات ازدهار الدراسات التلمودية في ألمانيا، والدينية على وجه العموم، بأن اليهود كانوا يعملون فيها بالربا أكثر من أي بلد آخر.
ومن جهة أخرى، ترك اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا أو الإقراض الربوي أثراً عميقاً في هيكلهم الوظيفي، فلم تظهر بينهم طبقة رأسمالية، ولم يحصلوا على قوة سياسية حقيقية بل تزايد ارتباطهم بالمجتمع الإقطاعي واعتمادهم الكامل على القوة السياسية الحاكمة. كما اشتغلوا بحرَف مرتبطة بأعمال الرهونات، مثل إصلاح الملابس المُستعمَلة وتسويقها وإصلاح الدروع والمجوهرات. وكان من شأن هذا كله أن يؤثر في التطور الاقتصادي اللاحق للجماعات اليهودية في أوربا.

ويرتبط نظام الأرندا بالإقراض الربوي داخل إطار الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا، فقد كان المرابي اليهودي يقوم بإقراض النبيل الإقطاعي البولندي بضمان ريع ضيعته ثم يتعاقد النبيل مع اليهودي لإدارة الضيعة، فكان هذاالأخير يلجأ إلى قمع واستغلال الفلاحين الأوكرانيين حتى يسترد قرضه. والواقع أن نظام الأرندا هو أهم مؤسسة في التاريخ الاقتصادي للجماعات اليهودية في الغرب، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار التطورات اللاحقة وظهور الدولة الصهيونية التي تدخل في علاقة مع الولايات المتحدة من ناحية والعرب من ناحية أخرى، تشبه في كثير من الوجوه علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالنبلاء البولنديين والفلاحين الأوكرانيين.
غير أن وضع أعضاء الجماعات اليهودية تدهور، كما أسلفنا، في معظم أنحاء أوربا، فاشتغلوا بأعمال الرهونات. ولكن، مع القرن السابع عشر الميلادي وظهور يهود المارانو السفارد الذين اشتغلوا أيضاً بإقراض الدولة والملكيات المطلقة وتوفير المال اللازم للوفاء باحتياجاتهم، بدأت طبيعة الربا اليهودي في التغير. فالأمراء الذين يقترضون من يهود البلاط كانوا ينفقون جزءاً من تلك الأموال في الترف والحروب، ولكنهم كانوا ينفقون الجزء الآخر في تطوير الصناعات في إماراتهم وفي تحديثها. وبذلك نكون قد بدأنا في دخول العصر الحديث. وقد وجد رأس المال اليهودي طريقه إلى النظام المصرفي الحديث، ولكنه أصبح في أوربا الغربية جزءاً صغيراً من كلٍّ أكبر، بحيث لا يمكن الحديث عن رأسمال يهودي مستقل. وكان الوضع في ألمانيا مختلفاً حيث تَركَّز اليهود في أهم ثلاثة مصارف بعد الحرب العالمية الأولى. ولكن النازية قضت على هذا الهيكل الاقتصادي.
جماعة وسيطة
‏Middleman Group
» الجماعة الوسيطة «هي الجماعة الوظيفية التجارية أو المالية التي تضطلع بدور التجارة والإقراض بالربا وبدور الالتزام.
التجارة اليهودية
‏Jewish Trade
انظر: «جماعة وظيفية يهودية تجارية «

الربا اليهودي
‏Jweish Usury
انظر: «جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض) «
الضرائب التي يدفعها أعضاء الجماعات اليهودية
‏Taxes Paid by Members of Jewish Communities
علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالضرائب لها وجهان مترابطان تمام الترابط: فهم من جهة دافعو ضرائب، ومن جهة أخرى محصلو ضرائب. وقد خلَّفت علاقة الجماعات اليهودية بالضرائب، سواء في دفعها أو جمعها، أثراً عميقاً فيهم، وسنتناول في هذا المدخل الجماعات اليهودية من منظور الضرائب المفروضة على أعضائها.
لم يتمتع العبرانيون باستقلال سياسي إلا لفترات قصيرة للغاية، ولذلك كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون دائماً أقلية صغيرة داخل تشكيل إمبراطوري أو حضاري ضخم. وكانت الضرائب دائماً أكبر مصدر للريع بالنسبة للإمبراطوريات في العصور القديمة أو في العصور الوسطى في الغرب، أو في العصر الإسلامي الأول (الأموي والعباسي) أو في العصر الإسلامي الثاني (العثماني) ، أي حتى الثورة الصناعية.

وكانت الضرائب تُفرَض في كثير من الأحيان على الجماعة اليهودية ككل، لا على أعضائها كل على حدة شأنها في هذا شأن معظم الأقليات والجماعات الأخرى. ويبدو أن إطار السلطة الذاتية للجماعات المحكومة كان أنجع الطرق لضمان تَدفُّق الريع الضرائبي، فكانت الجماعة اليهودية، وغيرها من الجماعات، تتمتع باستقلال ذاتي في الأمور الدينية والتربوية والقضائية. وكانت قيادتها تتمتع بسلطات خاصة، فكانت، في كثير من الأحيان، هي التي تحدِّد الضرائب وتقوم بجمعها من أعضاء الجماعة، بل أصبحت هذه المهمة أهم وظائفها. ولذا، حاولت السلطة الحاكمة دائماً أن تُقوِّي قبضة القيادات اليهودية وتحقق لها مركزاً متميِّزاً داخل الجماعة، لتضمن ولاءها لها ولتصبح أداة طيعة في يدها. ومن ثم، كانت قيادات الجماعة تُعفَى من الضرائب عادةً، وكان أمير اليهود (الناسى) ، ورأس الجالوت (المَنْفَى) ، وكثير من الحاخامات، يُعْفَون من الضرائب، بل وكان يُسمَح لهم بفرض ضريبة خاصة لتمويل منصبهم ذاته. وكثيراً ما كان الحاخامات يحصلون على معاشهم من خلال ضريبة خاصة تُفرَض لهذا الغرض. وكان الهدف من هذا هو تحويل هذه القيادات إلى أداة في يد السلطة الحاكمة وموظفين عندها بحيث يمكنها من خلالهم اعتصار الجماعة اليهودية.

وكانت الضرائب تُفرَض على الجماعة اليهودية أحياناً لا كوسيلة لاعتصار أعضائها وحسب وإنما لاعتصار الجماهير الشعبية، وبذلك لم يكن أعضاء الجماعة سوى الإسفنجة التي يتم امتصاص هذه الجماهير عن طريقها. فكان الحاكم على سبيل المثال يفرض ضريبة عالية على أعضاء الجماعة اليهودية، ويمنحهم نظير ذلك مزايا وحقوقاً خاصة تُيسِّر لهم عملية استغلال الجماهير، كأن يسمح لهم بتحصيل فائدة عالية على القروض أو يصرح لهم بحرية الحركة من مدينة لأخرى دون أن تتصدى لهم السلطات الإقطاعية المختلفة. وقد يسَّر هذا على كل من التاجر والمرابي اليهودي إدارة أعمالهما وجعلهما أكثر كفاءة من نظرائهما المسيحيين. وكلما تزايد السخط الشعبي، كان يتزايد اعتماد هؤلاء المرابين اليهود على السلطة الحاكمة التي كانت تزيد من اعتصارهم عن طريق فرض ضرائب جديدة عليهم أو تسلمهم للجماهير فتمتص السخط الشعبي وتصادر أموال اليهود وتطردهم، ثم تستدعيهم مرة أخرى لتبيع لهم من جديد المزايا والمواثيق والحماية، أي أن جَمْع الضرائب ودفعها ساهم في عملية حوسلة اليهود.

لكن العناصر السابقة لم تتحقق في كل زمان ومكان، فتعرُّجات التاريخ وتركيبيته تتحدى أي نسق منظم وأية سمات عامة، وهذا لا يقلل من دلالة وفاعلية النموذج التفسيري. وإذا انتقلنا الآن إلى العرض التاريخي، يمكننا القول بأن العبرانيين، حتى انتهاء عصر القضاة، لم يعرفوا نظاماً ضريبياً بسبب أسلوب حياتهم القَبَلي وبساطته. بل إن الدولة العبرانية المتحدة ذاتها، إبَّان حكم داود، كانت أقرب إلى اتحاد القبائل، ولذا لم تُفرَض أية ضرائب في عهده. ومع حكم سليمان، بدأت الدولة تصل إلى قدر من التركيب والمركزية، وظهرت طبقة حاكمة تضم داخلها قطاعات كهنوتية وأخرى عسكرية وثالثة إدارية، كما بدأت حركة تشييد مبان حكومية من أهمها بناء الهيكل. وقد تطلَّب كل ذلك تمويلاً وهو ما أدَّى إلى فرض الضرائب، ففُرضت ضريبة الشيقل حيث كان على كل عبراني بالغ أن يدفع للهيكل نصف شيقل (ويتناول التلمود في أحد كتبه الأحكام الخاصة بالشيقل) . كما كانت تُقدَّم للهيكل هدايا وضرائب عينية. ومنذ هذه اللحظة التاريخية، بدأت الضرائب تلعب دوراً مهماً في حياة العبرانيين، ومن المعروف أن من أسباب انقسام الدولة العبرانية المتحدة شكوى قبائل الشمال من فداحة الضرائب التي فرضها سليمان. وبطبيعة الحال، استمرت المملكتان العبرانيتان، الشمالية والجنوبية، في تحصيل الضرائب. وثمة إشارة في العهد القديم إلى أن الملك العبراني كان يأخذ عُشر إنتاج الحقول، وكان من حقه أن يُجنِّد بعض الرجال والنساء ليعملوا خَدَماً له، حسب نظام السخرة السائد في الشرق الأدنى القديم والذى طبقه سليمان إبَّان حكمه. كما فرض ملوك المملكتين ضرائب خاصة أثناء الحروب وحينما تعيَّن عليهم دفع جزية للآشوريين أو البابليين.

واستمر هذا الوضع قائماً إلى أن اجتاح الأشوريون ثم البابليون المملكتين وهجَّروا بعض عناصرها إلى بلاد الرافدين. حيث شهدت هذه الفترة تحوُّلاً مهماً، تمثَّل في بداية تحوُّل العبرانيين إلى جماعة وظيفية. وقد ظهر بيت موراشو في بابل، فكانت شركتهم تقوم بجباية الضرائب عما تنتجه الأرض من محصولات زراعية، كما كانت تستوفي بنفسها الضرائب المفروضة على الطرق العامة وقنوات الري لقاء الإفادة منها.
وبعد صدور مرسوم قورش وعودة بعض اليهود، دخل أعضاء الجماعات النمط الأساسي الذي أشرنا إليه من قبل، وهو أنهم أصبحوا جماعة تُفرَض عليها ضرائب جماعية وتتمتع باستقلال ذاتي لتسهيل عملية جَمْع الضرائب، وقد ترأس هذه الجماعة الكهنة الذين أُعفوا من الضرائب. وقد أصبح الهيكل هو المركز الأساسي للجماعة (ولم تَعُد مؤسسة الملكية تزاحمه) ، فكان يجمع ضريبة نصف الشيقل ويحصل على ضرائب عينية وهدايا من الجماهير. وفي مرحلة لاحقة، قبل سقوط الهيكل، كان يجمع ما يُسمَّى بالشيقل المقدَّس ويساوي ضعف الشيقل العادي وهو عبارة عن جزية سنوية يدفعها يهود فلسطين والعالم وتُنقَل إلى الهيكل (مركز العبادة القربانية) . وكان الصدوقيون هم الذين يحصِّلون هذه الضرائب ويحصلون على هذه الهدايا وعلى جزء كبير من القرابين، وهو ما حوَّلهم إلى أرستقراطية كهنوتية ثرية. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الضرائب مصدر الشقاق الأساسي بين الأرستقراطية اليهودية (المندمجة في الثقافة الإمبراطورية، فارسية كانت أم هيلينية) من جهة، والجماهير اليهودية المتشبعة بالثقافة المحلية (الآرامية) ، ومنهم فقراء رجال الدين، من جهة أخرى.

وقد اهتم اليونانيون بالريع الضريبي، فكانوا يفرضون ضرائب متنوعة على اليهود وغيرهم، بل وضريبة على الزيجات أحياناً. كما أسسوا شبكة ضخمة منظمة لتحصيل الضرائب عمادها أعضاء الطبقات الثرية المحلية. وكان الملتزمون اليهود يحاولون قدر استطاعتهم، مثلما هو الحال دائماً مع البشر، أن يحصلوا ضرائب أكثر من المفروضة لأنهم كانوا يحصلون على الفرق بين ما ينبغي عليهم تسديده لخزانة الدولة وما يحصِّلونه بالفعل. وكانت هذه الجماعة الوظيفية المالية، التي ارتبطت مصالحها بمصالح الدولة الهيلينية (البطلمية أو السلوقية) ، متأغرقة تماماً من الناحية الثقافية، الأمر الذي زاد الهوة بينها وبين الجماهير. وكان السبب الأساسي للتمردات اليهودية المتتالية هو الضرائب المتزايدة.

ويُلاحَظ أن اليهود في الدولة البطلمية عملوا كملتزمي ضرائب ليس إزاء أعضاء الجماعة اليهودية وحسب وإنما على مستوى المجتمع ككل، فقد قاموا بتحصيل المكوس الجمركية (وهي مهن مالية ولا شك، يرى البعض أنها كانت قتالية أيضاً، إذ كان المحصلون يُطلَق عليهم اسم «حراس النيل» ) . كما اشتركوا في تحصيل الضرائب على الأسماك والكروم والنخيل والمراعي بل وعلى صناعة الأحذية وهي نشاطات اقتصادية عامة. وكان كبير الموظفين (ألبارخ) ، وهو منصب استمر حتى الدولة البيزنطية، هو المسئول عن جَمْع الجمارك على السفن. ويبدو أنه كان من أهم المناصب الإدارية المالية، وكان لمن يشغل هذا المنصب مكانة قيادية. ومع تَزايُد أزمة السلوقيين نتيجة حروبهم مع البطالمة، ونتيجة تَصاعُد الضغوط الرومانية، وبعد هزيمتهم على يد الرومان، كان عليهم دفع تعويض ضخم لهم، وهو ما اضطر الملوك السلوقيين إلى البحث عن مصادر جديدة للريع، فتعاونوا مع أثرياء المجتمع اليهودي، خصوصاً فئة ملتزمي الضرائب الذين تنافسوا على رفع الضرائب إرضاءً للسلطة السلوقية. ويبدو أن الضرائب تحت حكم الأسرتين اليهوديتين، الحشمونية التي تمتعت بشيء من الاستقلال، والهيرودية التي حكمت باسم روما، لم تكن أخف وطأة، كما هو واضح في التمردات التي حدثت بين جماهير الشعب.

وبعد أن ضُمت فلسطين للدولة الرومانية، عُيِّن لها حاكم روماني برتبة بريفكتوس، وكان يُشار له أيضاً باسم «بروكرياتور» والتي تعني حرفياً «الوكيل المالي» أو «محصل الضرائب» ، وذلك باعتبار أن تحصيل الضرائب هو النشاط المالي الأكبر لكل موظفي الإمبراطورية. وفي مصر، ألغى يوليوس قيصر نظام جمع الضرائب البطلمي، فانهار الوضع الاقتصادي لليهود، وخصوصاً أن اليهود أصبح عليهم (رغم عضويتهم في البوليتيوما) أن يدفعوا ضريبة رؤوس كاملة، الأمر الذي كان يعني مساواتهم النسبية بالمصريين وفقدان غالبيتهم لمكانتهم المتميِّزة، باستثناء كبار الأثرياء الذين أصبحوا مواطنين رومانيين. كما تزايدت الضرائب عليهم، الأمر الذي كان أحد أسباب التمرد اليهودي الأول الذي انتهى بتحطيم الهيكل. وبعد هذا التمرد، فرض الرومان أول ضريبة مقصورة على اليهود وهي الفيسكوس جواديكوس، أي الضريبة اليهودية، وهي عبارة عن الشيقل الذي كان يدفعه اليهود من قبل للهيكل، واستمرت الإمبراطورية الرومانية في تحصيله وإرساله لمعبد جوبيتر كابيتولينوس.
وبعد انتشار المسيحية والإسلام في الشرق الغربي، لم يتغيَّر وضع أعضاء الجماعات اليهودية كثيراً من منظور الضرائب، إذ أنهم كانوا يدفعون للمسلمين ما كان يدفعه أهل الذمة نظير الإعفاء من الخدمة العسكرية.

أما في العالم الغربي، فقد تغيرت أحوال أعضاء الجماعات اليهودية بالتدريج، ولم يَعُد الاختلاف بينهم وبين أعضاء المجتمع مجرد ضريبة أو ضريبتين يدفعونهما للنظام الحاكم، فمع تآكل البقية الباقية من القانون الروماني أصبح أعضاء الجماعة اليهودية حسب العرف الألماني «غرباء» ، وهو ما كان يعني وضعهم تحت الحماية الملكية لأنهم أصبحوا ملْكية خاصة للملك أو الإمبراطور، أي أن أعضاء الجماعة أصبحوا أداة من أدوات الإنتاج ومصدراً من مصادر الريع. وقد كُرِّس هذا الوضع تماماً بعد حروب الفرنجة في نهاية القرن الحادي عشر (1096) وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية إما فعلاً (أو اسماً وفعلاً) أقنان بلاط يشترون المواثيق والمزايا والحماية من الحاكم. وكانت الضرائب المفروضة عليهم تُعَدُّ مصدراً أساسياً مباشراً للريع الذي كان يُحصِّله الحاكم، أو وسيلة غير مباشرة لجمع الضرائب، وكان ذلك يتم من خلال الإقراض بالربا. فكان الحاكم يرفع الضريبة على اليهودي ويجعلها على سبيل المثال 11%، مقابل 10% للتاجر المسيحي، ثم يمنحه حقوقاً مقابل ذلك مثل حق رفع سعر الفائدة على الأموال. ولذا، نجد أن خُمْس دخل الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة كان مصدره اليهود، رغم أن عددهم كان لا يزيد عن 1% من عدد السكان قبل القرن الرابع عشر. وفي القرن الثالث عشر، حصلت الحكومة الإنجليزية على 13% من دخلها من الضرائب التي فرضتها على اليهود رغم أن عددهم كان يتراوح بين 4 آلاف و15 ألفاً في كل إنجلترا. وقد أصبح حق فرض الضرائب على اليهود، باعتباره مصدراً من أهم مصادر الريع، محل صراع بين الإمبراطور والنبلاء.

وقد فُرضت على أعضاء الجماعات اليهودية مجموعة متنوعة من الضرائب من بينها ضريبة الرؤوس (وهي استمرار للفيسكوس جودايكوس) التي بُعثت في ألمانيا عام 1342 تحت اسم «أُبفربفينج Opferpfennig» وتعني «ضريبة المليم» ثم أصبحت تُسمَّى «لايب تسول leibzoll» ، أي «ضريبة الجسد» ، و «يودين تسول Judenzoll» ، أي «ضريبة اليهودي» . وبعد أن حل الأمراء محل الحكم الإمبراطوري (القرن السادس عشر) في فَرْض الضرائب على اليهود، أصبحت الضريبة تُسمَّى «نقود حماية اليهود» . وكان على اليهودي الذي ينتقل من بلد إلى آخر أن يدفع رسم المرور ورسماً للإقامة المؤقتة. ومن الضرائب الأخرى، ضريبة «يودين جلايت Judengeleit» ، أي «المرور الآمن» ، وهي ضريبة كانت تُفرَض على اليهود الذين يودون الانتقال من مكان إلى آخر، فكان يدفعها اليهود الأجانب العابرون، وكانت الضريبة تعطيهم الحق في التعاملات المالية. وكانت تُفرَض ضرائب على اللحم والذبح الشرعي وعلى شموع السبت، وفُرضت أحياناً ضريبة على الطعام كانت تُسمَّى «ضريبة السلة» . وفُرضت ضريبة تُسمَّى «ضريبة الفم» كان الهدف منها استبعاد اليهود غير النافعين الذين يأكلون ولا ينتجون.

وفي العصر الحديث، ظلت الضرائب إشكالية أساسية في حياة الجماعات اليهودية. فاختفت الأشكال المختلفة للإدارة الذاتية، وتكفلت الدولة المركزية التي يتبعها جهاز إداري مركزي قوي بتقدير الضرائب وجمعها، وأُلغيت بالتدريج الضرائب المفروضة على أعضاء الجماعات اليهودية. وفي محاولة للحد من الانفجار السكاني، كانت تُفرَض أحياناً ضرائب على طعام اليهود الشرعي وشموع السبت والزواج، وذلك لجعل هذه الشعائر مُكلِّفة. وكان عدد كبير من اليهود يتهربون من الضرائب ويقومون بتهريب البضائع للتهرب من الجمارك. فوقفت الدول الحديثة ضد هذا الوضع وحاولت تصفيته. وكان من بين إجراءات المنع، عدم استخدام اليديشية في المعاملات التجارية، ومطالبة اليهود بإضافة اسم العائلة لأسمائهم إذ كان أعضاء الجماعة اليهودية يكتفون بتسمية الفرد باسمه واسم أبيه بدون اسم العائلة، الأمر الذي كان يعني وجود عدد كبير من الأشخاص باسم واحد، مما يُسهِّل عملية التهريب. وقد ارتبط النظام الضريبي بمدى نفع اليهود، فكانت العناصر النافعة من ذوي المهن التي تحددها الدولة تُعفَى من الضرائب بل وتمنح امتيازات ضريبية خاصة. أما العناصر غير النافعة، فكانت تُفرَض عليها ضرائب تهدف إلى تشجيعها على الخروج والهجرة. ولكن، مع تَصاعُد معدلات التحديث في الغرب وفي داخل الجماعات اليهودية، ألغت الدولة الحديثة بالتدريج الضرائب الخاصة، ومنها البدلية العسكرية، وتم توحيد النظام الضريبي.

وتقوم المنظمة الصهيونية العالمية والدولة الصهيونية بفرض ضرائب منظورة وغير منظورة على أعضاء الجماعات. فسندات إسرائيل والاشتراكات التي تُدفَع والتبرعات التي يتم جمعها من خلال حملات مسعورة جميعها نقود تُدفَع اسماً عن طيب خاطر ولكنها تُدفَع من الناحية الفعلية خوفاً من الفضيحة. ولذلك أشار آرثر هرتزبرج إلى اليهود المؤيدين لإسرائيل بوصفهم «يهود النفقة» ، أي اليهود الذين يدفعون تبرعات تشبه النفقة التي يدفعها الزوج السابق لمطلقته لا حباً فيها وإنما خوفاً منها. كما أشار إلى ما سماه «يهودية دفتر الشيكات» وهي يهودية أولئك اليهود الذين ينصرفون عن ممارسة شعائر دينهم ويحاولون تخفيف الإحساس بالذنب عن طريق دفع التبرعات للدولة الصهيونية. وقد بدأت حركات السلام داخل إسرائيل تُكوِّن جماعات في الخارج مهمتها جمع التبرعات لها خارج نطاق النداء اليهودي الموحَّد والنداء الإسرائيلي الموحَّد، وهي مؤسسات جمع الضرائب/التبرعات للمؤسسة الصهيونية.
ويمكننا القول بأن علاقة الإمبريالية الغربية بالدولة الصهيونية علاقة شبيهة بعلاقات الأباطرة بأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية. فالإمبريالية الغربية تمنح العديد من التسهيلات والمزايا للدولة الصهيونية، مثل الدعم المالي والعسكري، والمعاهدات والمواثيق، نظير ضريبة يدفعها المستوطنون الصهاينة وهي القتال. والضريبة قد تكون دموية بعض الشيء، ولكن لها مردودها الريعي، وهو فرض السكون والسلام الغربي على المنطقة وضمان تَدفُّق الطاقة الرخيصة ودوران الدول العربية في فلك النظام الاقتصادي العالمي!
أعضاء الجماعات اليهودية كمحصلي ضرائب
‏Members of Jewish Communities as Tax Collectors

عمل كثير من أعضاء الجماعات اليهودية محصلي ضرائب. ففي عهد شارلمان، عمل أعضاء الجماعة ملتزمي ضرائب، وأُعفوا من الضرائب والمكوس المفروضة على المسافرين. وقد اضطلعوا بالمهمة نفسها في إنجلترا وألمانيا. كما أشرف أعضاء الجماعة على جمع الضرائب في إسبانيا المسيحية، وحينما طُردوا منها واجه النظام الجديد مشكلة البحث عن ملتزمي ضرائب بدلاً منهم. وكان أعضاء الجماعة يضطلعون بكثير من الوظائف المرتبطة بالضرائب في الدولة العثمانية سواء، باعتبارهم محصلي أو مفتشي ضرائب أو موظفي جمارك أو ملتزمين. وكانت غالبية العاملين في الضرائب في الدولة العثمانية من اليهود، كما أن الإيصالات كانت تُكتَب أحياناً بحروف عبرية. ومن المعروف أنه عندما ذهب شبتاي تسفي إلى مصر، ساعده المموِّل روفائيل يوسف شلبي (من حلب) الذي كان من كبار ملتزمي الضرائب في مصر آنذاك.
ولكن بولندا تظل دائماً أهم المناطق بسبب حجم الجماعة اليهودية فيها وبسبب علاقة دورهم فيها بالتطورات اللاحقة في تواريخ الجماعة اليهودية في العصر الحديث. وكانت الضرائب في بولندا تُفرَض من قبل الحكومة على الجماعة اليهودية ككل. ولتحصيلها، كان القهال يقوم بفرض مجموعة من الضرائب على أعضاء الجماعة، فكانت هناك ضريبة ملْكية وضريبة رؤوس وضريبة القهال لتمويل الجهاز التنفيذي والإداري والتعليمي والقضائي للقهال. ومع تدهور وضع القهال، أصبحت هذه الضريبة تُفرَض على الطعام وأُطلق عليها ضرائب السلة. وكان يُباع امتياز تحصيلها في مزاد عام، وهو ما كان يعني تزايد الضرائب عاماً بعد عام. ولأن المهمة الأساسية للقهال هي جَمْع الضرائب، باعتباره مؤسسة الإدارة الذاتية، فقد أُلغي مجلس البلاد الأربعة في بادئ الأمر ثم كل مؤسسات القهال عندما بدأ الريع يتناقص.

وقد اضطلع أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا بوظيفة جمع الضرائب من خلال نظام الأرندا، إذ كان اليهود يدفعون إيجار الضيعة للنبيل البولندي مقدماً ثم يقومون بتحصيل ريعها، وكانت الضرائب المختلفة تشكل جزءاً مهماً من هذا الريع. وكلما كان النبلاء البولنديون يزدادون حاجة إلى النقود، كان على اليهود أن يدفعوا إيجاراً أعلى ويحصلوا على المزيد من الضرائب من الفلاحين والأقنان. بل كان الملتزمون اليهود يحققون مزيداً من الأرباح ويرفعون الضرائب أحياناً دون علم النبيل الإقطاعي، كما كانوا يعاملون الفلاحين والأقنان بقسوة بالغة لتحصيل هذه الضرائب. ومن أهم هذه الضرائب ضريبة مفتاح الكنيسة، وكان على الفلاحين الأوكرانيين الأرثوذكس دفعها للمموِّل اليهودي ليدفعها للإقطاعي البولندي الكاثوليكي إن أرادوا أداء الصلاة. وكانت هناك ضريبة أخرى على الرداء الكهنوتي للقس كان عليه أن يدفعها إن أراد إقامة إحدى الشعائر.
وقد أدَّى اضطلاع أعضاء الجماعة بهذه المهمة إلى تَزايُد كراهية الجماهير لهم، فاضطروا إلى الإقامة في الشتتلات داخل الريف بعيداً عن المراكز التلمودية في المدن. وكانت هذه العناصر سبباً في اقتلاع أعضاء الجماعة اليهودية وتآكل اليهودية الحاخامية.
وفي وسط أوربا، كان يهود البلاط مصدر دخل كبير للأمراء الألمان والحكام (من حيث هم دافعو ضرائب) . كما قاموا بتنظيم الإطار الإداري للنظام الضريبي في كثير من الدول التي تواجدوا فيها، وعملوا كملتزمي ضرائب.
ومع ظهور الدولة الحديثة، قامت بجمع الضرائب وصدرت قوانين تمنع أعضاء الجماعات اليهودية من الاشتغال بالالتزام، باعتباره وظيفة طفيلية غير منتجة.
المتعهدون العسكريون
‏Army Contractors and Suppliers

» المتعهدون العسكريون» هم المموِّلون من أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الذين كانوا يزودون الجيوش المتحاربة بالسلاح والعتاد العسكري الذي تحتاج إليه، وكذلك بالجراية اللازمة، وقد كانت وظيفة ذات أهمية حيوية لكثير من الدويلات التي لم تكن قد طورت بيروقراطيات متخصصة تتولى هذه المهمة ولم يكن عندها لا رأس المال ولا الاتصالات الدولية اللازمة لإنجاز هذه المهمة.
وقد اضطلع بعض أعضاء الجماعة اليهودية بهذه الوظيفة في إسبانيا المسيحية، ومن أهمهم يهودا ديلا كفالريا الذي زود ملك أراجون بالسلاح اللازم لحروبه عام 1276 ضد المسلمين في بالنسيا. وقام الأخوان رفايا بتمويل الملك بدرو الثالث ملك أراجون (1276 ـ 1285) في حروبه ضد نبلاء قشطالة. كما قام إسحق أبرابانيل بتزويد فرديناند وإيزابيلا بالسلاح في الفترة من عام 1489 إلى عام 1492، بينما قام أبراهام سنيور بتوفير السلاح اللازم للقوات الإسبانية التي قامت بتصفية الجيب الإسلامي الأخير في غرناطة. ويبدو أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يعملون أيضاً في صناعة السلاح في هذه الفترة ذاتها. ولذا، فقد عارض بعض أعضاء المجلس الاستشاري لملك البرتغال قرار طردهم حتى لا تقع أسرار المهنة في يد العثمانيين إن استقر اليهود المطرودون في أملاك الدولة العثمانية، ويُقال إنهم ساهموا بالفعل في تطوير الأسلحة النارية فيها.

واشترك اليهود في تجارة السلاح في وسط أوربا في القرن السادس عشر، ففي ألمانيا سُمح لإسحق ماير بالاستقرار في هالبرشتات في عام 1537 ليُزوِّد أحد الأديرة بالأسلحة. وحصل يوسف جيرشون من الإمبراطور على ميثاق يقضي بحمايته، وحدَّد الميثاق نشاطاته في توريد السلاح. ومن المعروف أن يهود المارانو (البرتغاليون في أمستردام) اضطلعوا بالوظيفة نفسها، فزودوا جيوش هولندا وإنجلترا والمغرب بالسلاح. ويبدو أن المتعهدين العسكريين اليهود اغتنموا فرصة الحروب الأهلية في المغرب في القرن السابع عشر وزودوا كل الأطراف المتحاربة بالسلاح. وقام يهود البلاط المتعهدون بتزويد حكومات وسط أوربا بكل اللوازم العسكرية من الخيول والجراية والزي العسكري الرسمي والأسلحة. وقد يسرت هذه المهمة، ليهود البلاط ولكل الجماعات اليهودية، الشبكة العالمية الضخمة التي كانت تضم يهود الأرندا في شرق أوربا وصغار التجار المتجولين بل والمتسولين اليهود المنتشرين في كل أرجاء أوربا. كما كانت الشبكة تضم تجار الدولة العثمانية. وكان بوسع هذه الشبكة أن تزود أي جيش بكل ما يريده من جراية ومعادن نفيسة وأموال، ولذا ساد الاعتقاد آنذاك بأن كل المتعهدين العسكريين يهود وأن كل اليهود متعهدون عسكريون (وقد روج النازيون هذه المقولة فيما بعد في دعايتهم ضد اليهود باعتبارهم مستفيدين من مآسي الآخرين) . ومن أهم عائلات يهود البلاط التي اضطلعت بهذه الوظيفة عائلات أوبنهايمر وجومبيريز وفيرتايمر ومايير وهيرشيل. ومما زاد من أهمية المتعهدين العسكريين اليهود ظهور الدولة المركزية المطلقة بحكامها المطلقين، والتي أسست جيوشاً مركزية لتوسيع نفوذها، ولفرض هيمنتها على مناطق جديدة، ولتشديد قبضتها على السوق المحلية.

وقد لعب المتعهدون اليهود دوراً مماثلاً في إنجلترا في القرن السابع عشر. فكان أهم المتعهدين العسكريين في عصر كرومويل هو أبراهام إسرائيل كارفاجال الذي اشترك مع خمسة تجار آخرين في تزويد الجيش البريطاني بالقمح عام 1649. وقد تَمكَّن وليام أوف أورانج من أن يبحر إلى إنجلترا عام 1688 بعد أن حصل على قرض بدون فوائد من أحد الممولين اليهود وهو فرانسيسكو لوبيزسوسو (من لاهاي) . وقام فرانسيسكو دي كورفا وإسحق برييرا بتزويد الحملة بالعتاد العسكري. وكان وليام دي مدينا هو المتعهد العسكري لدوق مارلبورو. أما في أيرلندا، فقد قامت شركة ماكادو وبرييرا بتزويد جيوش دوق شومبرج بالجراية والسلاح.

وقام المتعهدون العسكريون اليهود بالمهمة نفسها في فرنسا. فقد سُمح لعدد من الأسر اليهودية بالاستقرار في ميتز عام 1567 شريطة أن يتعهدوا بتزويد القوات الفرنسية بما تحتاج إليه. وكان لبعض الأسر اليهودية الفرنسية دور ملحوظ في المجال نفسه إبان الحكم المطلق لملك فرنسا لويس الرابع عشر. فكان يعقوب ويرمز هو المتعهد العسكري الأساسي في عصره، وهو دور اضطلع به هرز سرفبي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وكان هذا المتعهد من الأهمية بمكان، حتى أنه استُثنى، حين تَقرَّر عام 1776 إنهاء نظام المتعهدين العسكريين، واستمر في ممارسة نشاطه في الألزاس واللورين. وفي أواخر القرن الثامن عشر، اضطلع بهذه الوظيفة موسى بلين (في ميتز) ، وموسى أليعازر لايفمان كالمر (في هانوفر) . ومن أهم المتعهدين العسكريين أبراهام جراديس الذي زود الجيوش الفرنسية بما كانت في حاجة إليه من عتاد وجراية إبَّان حرب الأعوام السبعة (1756ـ 1763) . كما اشترك معه كلٌّ من روفائيل منديس وبنيامين جراديس، وبعض مُلاَّك السفن اليهود، في تنظيم عملية إبحار السفن الفرنسية من أوربا إلى كندا. وقد أعطى فريدريك الأكبر إبان هذه الحرب عدداً من العقود للمتعهدين العسكريين من أعضاء الجماعة اليهودية، والذين أدوا عملهم بكفاءة عالية وحصلوا على كثير من المزايا وراكموا الثروات. وبدأ بعض أعضاء الأرستقراطية الألمانية في الاقتراض منهم وازداد الاختلاط بين الأرستقراطية وأثرياء اليهود، وكان هذا أحد الأسباب التي أدَّت إلى ما يُسمَّى» صالونات النساء اليهوديات. «

ولعب بعض أعضاء الجماعة اليهودية دوراً بارزاً في تزويد الجيوش الإنجليزية التي أُرسلت إلى المستعمرات بالسلاح والجراية. فزود ماتياس بوش قوات بنسلفانيا في المستعمرات الأمريكية بالسلاح في حربها ضد الفرنسيين. وقامت أسرة فرانكس، التي كان لها فروع في كل من لندن ونيويورك، بتزويد الجيش البريطاني في المستعمرات الأمريكية. وبعد الاستقلال، زودت أسرة شيفتول (من جورجيا) الجيش الأمريكي بالسلاح. واستمرت بعض الأسر اليهودية في القيام بهذا الدور إبَّان الحرب الأهلية، فزود المتعهدون اليهود الجيشين المتحاربين، الشمالي والجنوبي، بالجراية والأزياء العسكرية اللازمة. وقد اضطلع بعض المتعهدين اليهود بالدور نفسه في الدولة العثمانية، ولذلك كانت تربطهم علاقة وثيقة بالإنكشارية. أما في روسيا (في القرن التاسع عشر) ، فقد قام المتعهدون اليهود بتزويد الجيش بالجراية وبالمساهمة في بناء التحصينات العسكرية والطرق والسكك الحديدية.
وقد انتهى دور المتعهدين العسكريين اليهود تماماً مع ظهور الدولة القومية الحديثة التي كانت تتبعها بيروقراطيات متخصصة تقوم بتزويد الجيش بكل ما يلزم من جراية وعتاد. ونحن لا نعرف الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات اليهودية في تجارة السلاح في الوقت الحاضر، وإن كان من المعروف أن إسرائيل تلعب دوراً مهماً فيها، وبخاصة في مجال توريد السلاح للدول الفاشية والعنصرية التي تود الحكومات الغربية مساندتها ولكنها تخشى الرأي العام داخل بلادها وخارجها. ومن ثم تتولى إسرائيل هذه الوظيفة نيابة عنها، فكانت تقوم مثلاً بتزويد حكومة جنوب أفريقيا العنصرية بالأسلحة، بما في ذلك المواد والمعلومات اللازمة لإنتاج القنبلة الذرية، وبذا تعيد إسرائيل إنتاج أحد الأدوار الوظيفية لبعض الجماعات اليهودية في العالم الغربي.

ومما لا شك فيه أن اضطلاع بعض أعضاء الجماعات اليهودية بهذه الوظيفة دعم الصورة الإدراكية السلبية لليهود في ذهن الكثيرين. وكما أسلفنا، فقد استغل النازيون هذه الحقيقة التاريخية لتوثيق ادعاءاتهم. ولكن مما يجدر ذكره أن اليهود، مهما بلغت درجة تَورُّطهم في تجارة السلاح، لم يكونوا قط مسئولين عنها، فما حدث هو ظهور حاجة لدى بعض المجتمعات الغربية إلى السلاح والعتاد الحربي والجراية اللازمة لتجريد حملات عسكرية كبيرة ومتكررة نتيجة ظهور الدولة المركزية المطلقة. ولكن هذه المجتمعات لم تكن تملك الإمكانات المادية أو الإدارية للوفاء بهذه الحاجة، ومن ثم نشأت ثغرة كان لا يمكن أن يملأها سوى عنصر وظيفي واحد مثل اليهود الذين كانوا يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية المالية. وهذا ما لم يذكره النازيون. والواقع أن رؤيتهم للأمور، تماماً مثل رؤية الصهاينة وكل العنصريين، تجتزئ من الواقع عنصراً ـ أو بعض العناصر ـ وتجعله النقطة المرجعية الوحيدة ثم تُوظِّفه في تبرير أي فعل تقوم به، مع إهمال كامل لكل عناصر الصورة التاريخية المركبة.
جاك بافيا (؟ -1687)
‏Jack Pavia

تاجر ماس يهودي من أصل ماراني (برتغالي) ، وهو مؤسس الجماعة اليهودية في إقليم مدراس بالهند. وُلد لعائلة يهودية عاشت في هولندا، وهاجر إلى إنجلترا ليصبح من أوائل اليهود الذين استوطنوا بها بعد أن أُعيد فتح باب الاستيطان اليهودي في إنجلترا. اهتم بعملية استغلال مناجم الماس في جولكوندا فسافر إلى الهند وأسَّس تجارة له بها، واشتغل في تصدير الماس إلى إنجلترا واستيراد المرجان عن طريق أفراد أسرته في لندن. وفي عام 1683، نجح في الحصول على أذون من شركة الهند الشرقية تسمح باستيطان اليهود في مدراس وسافر إلى هناك عام 1684. وأثناء وجوده بها، نجح في إقناع حاكم الإقليم بتأسيس ميلشيا من الأوربيين. وقام بافيا بتمويل الخيل والسلاح على نفقته الخاصة كعضو في هذه الميليشيا التي ضمت أيضاً عدداً آخر من اليهود، وقد عُيِّن بافيا قبل عدة أيام من وفاته نائباً لملك بريطانيا في مدراس مدى الحياة.
وتعود أهمية بافيا إلى ما يلي:
1 ـ تُبيِّن سيرة حياته ذلك الدور الحيوي الذي لعبه يهود المارانو في التشكيل الاستعماري الاستيطاني للغرب.
2 ـ كما تُبيِّن سيرة حياته الدور الريادي الذي لعبه أعضاء الجماعات اليهودية في هذه العملية.
3 ـ تُعَدُّ حياة بافيا نموذجاً جيداً لكيفية تَحوُّل جماعة وظيفية وسيطة إلى جماعة عسكرية، أو لتداخل الدورين المالي والقتالي للجماعات الوظيفية. ومن ثم، فإن تَطوُّره الشخصي يشبه تَطوُّر الجماعات اليهودية في الغرب، تلك الجماعات التي كانت جماعات وظيفية مالية في أوربا ثم تحوَّلت إلى جماعة وظيفية في فلسطين.
الأرندا والإقطاع الاستيطاني
‏Arenda and Settler Feudalism

«أرندا» كلمة بولندية تعني حرفياً «أجرة» تُدفَع مقابل استئجار. وهي، كمصطلح، تُستخدَم للإشارة إلى استئجار ممتلكات ثابتة، مثل الأرض والطواحين والفنادق الصغيرة ومصانع الجعة ومعامل تقطير الكحول، أو إلى امتيازات أو حقوق خاصة مثل تحصيل الجمارك والضرائب. وقد تم تَبنِّي المصطلح بالمنطوق والمعنى المذكور في اليديشية والعبرية. وكان يُشار إلى المستأجر نفسه، خصوصاً الصغير، على أنه «أرندا» ، كما كان يُقال له «الأرنداتور» . وكان المصطلح ذائع الانتشار ويصف واحداً من أهم جوانب الاقتصاد البولندي الليتواني في أواخر العصور الوسطى. وقد ارتبط يهود بولندا بنظام الأرندا من بدايته. فهم، كجماعة وظيفية وسيطة عميلة، كانوا مهيأين للاضطلاع بهذا الدور، خصوصاً أن المؤسسة اليهودية الأرثوذكسية أحلت عمليات الإقراض بالربا بين اليهود من خلال التحلِّة، وهو ما سهَّل لأي يهودي أن يُموِّل يهودياً آخر ويقرضه بربا، الأمر الذي وفر الاعتمادات اللازمة للاستثمارات. وكان الارتباط بين أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا وهذا النظام من العمق بحيث أن كلمة «أرنداتور» أصبحت مرادفة لكلمة «يهودي» .

وكان يُشار إلى الأرندا، في بداية الأمر، بمصطلح «الأرندا الكبرى» أو «الأرندا الملَكَية» أو «الأرندا الحكومية» . ويشير هذا المصطلح إلى استئجار الاحتكارات العامة والعوائد العامة. وكانت أول أرندا كبرى حصل عليها أعضاء الجماعة اليهودية هو حق تحصيل بعض العوائد الملكية، أو حق إدارة مؤسسات ملكية مثل دار صك النقود ومناجم الملح والجمارك أو جمع الضرائب. وقد انتشر المستأجرون اليهود من المشتغلين بالأرندا في المقاطعات الشرقية من بولندا في القرن الخامس عشر. أما في غرب بولندا، حيث كان يتوفر للنبلاء البولنديين (شلاختا) رأسمال كبير، فقد مُنع اليهود من استئجار حق تحصيل العوائد الملكية باعتبار أن هذه عملية مربحة. ومع ازدياد نفوذ النبلاء، اتخذ البرلمان البولندي (سييم) قراراً عام 1538 بمنع اليهود من استئجار العوائد والمؤسسات الملكية. وقد اتخذ مجلس البلاد الأربعة قراراً مماثلاً حتى يقلل من الاحتكاك بين اليهود والنبلاء. ولكن القرار لم ينجح في وقف نشاط الأرندا بين اليهود، فاستمر المموِّلون اليهود في استئجار كثير من المزايا الملكية مثل الجمارك والضرائب على الخدمات، خصوصاً مطاحن الدقيق وبحيرات الأسماك، وفي إنتاج وتسويق المشروبات الكحولية. كما كان بعض أعضاء الجماعة اليهودية يستأجرون ضياعاً بأكملها. بل ظلوا، حتى منتصف القرن السادس عشر، أهم مستأجري حق جمع الضرائب في المحطات المخصصة لذلك في ليتوانيا وروسيا البيضاء، كما كان هناك يهود أرندا في جاليشيا. وكان جامعو الضرائب (من اليهود وغير اليهود) يستخدمون أكثر الطرق قسوة للحصول على العائد، وكثيراً ما كانوا يُحصِّلون ضرائب أكثر من المقررة. وكان من حق جامع الضرائب أن يفتش العربات التي تمر من خلال البوابات وأن يُصادر العربات التي تحاول التهرب من استخدام الطريق العام. وقد حَدَث صراع بين النبلاء الليتوانيين واليهود، فأصدر البرلمان الليتواني (سييم) قراراً بقصر حق

الأرندا على النبلاء. ولكن اليهود تحدوا هذا القرار، كما أصدر المجلس الليتواني (وهو يقابل مجلس البلاد الأربعة) قراراً يتحدى هذا القرار. وقد اشتغل عدد كبير منهم بالأرندا من الباطن، عن طريق كفيل مسيحي، حينما لم تكن تسنح لهم فرصة الاشتغال بها بشكل مباشر.
ولكن، حدثت عدة تطورات أدَّت إلى ظهور الأرندا الزراعية الإقطاعية الاستيطانية التي تختلف في كثير من الوجوه عن الأرندا الكبرى أو الحكومية أو الملكية. ولعل العنصر الأساسي والحاسم في ظهور الأرندا الزراعية هو إبرام اتحاد برست ليتوفسك (ويُسمَّى أيضاً اتحاد لوبلين) عام 1569 بين ليتوانيا وبولندا. وهو الاتفاق الذي حوَّل الوحدة الاسمية (وحدة الأسرتين المالكتين) بين البلدين إلى وحدة حقيقية. وقامت بولندا بضم أوكرانيا نتيجة هذه الوحدة.
ونتيجة عملية الضم هذه، وقع تحت تصرف النبلاء البولنديين مساحات ضخمة من الأراضي كانت في حاجة إلى رأس مال ضخم لاستثماره لإدارتها ولمد الطرق اللازمة لذلك. وقد تزامن هذا مع تَزايُد الصادرات الزراعية لبولندا إلى غرب أوربا (بسبب الانفجار السكاني وحرب الثلاثين عاماً) ، فأصبحت بولندا في الفترة 1577 ـ 1654 مصدراً أساسياً للقمح في أوربا. فكان يتم تصدير القمح البولندي إلى فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، وأحياناً إلى الشرق الأوسط من خلال أمستردام حيث كانت هناك أهم بورصة لبيع الحبوب.
كما أخذت بولندا تُصدِّر محصولات زراعية أخرى. وأصبحت جدانسك أهم مدينة تجارية في أوربا بعد أمستردام إذ كانت تُصدِّر مواداً عديدة مثل الحبوب والأخشاب والكتان والقنب والماشية. ومع تزايد الصادرات الزراعية، حَدَث تَطوُّر في الصناعات الغذائية، وهو ما أدَّى إلى صَبْغ الزراعة في بولندا بصبغة تجارية.

هذه هي الأرضية الاقتصادية المادية لظهور الأرندا الإقطاعية الاستيطانية. ولكن هذا وحده لا يكفي لتفسير ما حدث. فثمة عناصر خاصة بالتركيب الطبقي للشلاختا ورؤيتهم لأعضاء الجماعات اليهودية ووضع اليهود كجماعات وظيفية ساهمت (كلها مجتمعة أو بدرجات متفاوتة) في تشكيل هذه الظاهرة ودفعها من عالم الإمكانية إلى عالم الوجود المتحقق:
1 ـ أول هذه العناصر هو أن النبلاء البولنديين لم يكن لديهم الكفاءات أو رأس المال أو الرغبة في إدارة هذه الضياع البعيدة.
2 ـ كان النبلاء في بولندا، برغم سطوتهم وقوة نفوذهم، خاضعين لقوانين جامدة، فكانوا يتمتعون بمكانتهم والمزايا الطبقية ماداموا لا يعملون بالتجارة. وكان اشتغالهم بالتجارة يعني، في واقع الأمر، فقدانهم مكانتهم ووضعهم. ولذا، كان يُوجَد نبلاء فقراء (النبلاء الحفاة) معدمون يفضلون الجوع والفاقة على العمل بالتجارة.
3 ـ كان يتعيَّن على النبلاء أيضاً البقاء في وارسو بالقرب من مراكز السلطة حيث تتم عملية صنع القرار السياسي والعسكري بسبب طبيعة النظام السياسي البولندي كملكية جمهورية، وحفاظاً على المكانة السياسية والتمتع بمظاهر الأبهة الأرستقراطية.
4 ـ كانت حاجة النبلاء الإقطاعيين إلى المال تزداد يوماً بعد يوم، وبخاصة مع تزايد فقر بولندا، فكانوا يقترضون من المرابين اليهود مبالغ طائلة للوفاء باحتياجاتهم بضمان ضياعهم وغلتها وعوائدها وريعها.
5 ـ تزامن كل هذا مع تزايد تضييق المدن الملكية الخناق على أعضاء الجماعات اليهودية وممارسة التمييز ضدهم.
6 ـ شهدت الفترة من 1539 - 1549 تَزايُد التقارب بين النبلاء وأعضاء الجماعات اليهودية الذين لم يعودوا تحت الحماية الملكية. فكان اليهود إذا طردتهم إحدى المدن الملكية انتقلوا منها إلى مدن النبلاء أو إلى الشتتلات داخل ضياع النيلاء.

7 ـ كان لدى اليهود كل ما يلزم عملية الاستثمار في ضياع النبلاء من الخبرة التجارية والإدارية ورأس المال. كما كانوا مادة بشرية حركية، ولم يكن لديهم أي مانع من الانتقال إلى أوكرانيا ليكونوا ممثلين للنبلاء البولنديين.
8 ـ ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون أية خطورة على النبلاء لأنهم لم يكن بوسعهم، كعنصر غريب أجنبي، أن يطالبوا بنصيب في السلطة السياسية يتناسب مع وزنهم الاقتصادي، وذلك على عكس العناصر البورجوازية المحلية التي عادةً ما تطالب بمزيد من الحقوق كلما تزايدت قوتها الاقتصادية.
9 ـ كان النبلاء البولنديون ينظرون إلى أعضاء الجماعة اليهودية كعنصر ريادي استيطاني كفء ونافع يساهم في تعمير المناطق غير المأهولة بالسكان وكأداة تستخدم لتنشيط الاقتصاد الزراعي الخامل وإدخال بعض النشاطات التجارية فيه حتى يزيد من ريع الأراضي الزراعية.
لكل هذا، ظهرت الأرندا الزراعية الإقطاعية الاستيطانية وتشكلت علاقة تعاقدية نفعية بين الشلاختا من جهة واليهود كجماعة استيطانية من جهة أخرى.
ومع تَصاعُد نفوذ النبلاء وضعف نفوذ السلطة المركزية الملكية، تزايد اعتماد الجماعات اليهودية على النبلاء ابتداءً من القرن السابع عشر، وانتقل مركز الجاذبية بالنسبة إليهم من غرب ووسط بولندا إلى المناطق الشرقية في أوكرانيا وغيرها. ومن منتصف القرن السابع عشر، أصبحوا الطبقة الثالثة أو الجماعة الوظيفية الوسيطة بين النبلاء والأقنان. وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية أداة النبلاء في ممارسة سلطتهم.

ونحن نصف نظام الأرندا الزراعي (غير المَلَكي) بأنه «إقطاع استيطاني» لنميِّزه عن أشكال الإقطاع السائدة في أوربا آنذاك. فالنظام الإقطاعي يتسم ولا شك بالاستغلال الطبقي، شأنه في هذا شأن النظم الاقتصادية الدنيوية (فهذه هي إحدى سمات البشر) . ولكن نظام الأرندا في أوكرانيا اكتسب أبعاداً استغلالية متطرفة تفوق كثيراً الإقطاع العادي. فالعلاقات السائدة في أوكرانيا كانت ولا شك علاقات إقطاعية بين النبلاء البولنديين (والليتوانيين) من جهة، والفلاحين والأقنان الأوكرانيين من جهة أخرى، وذلك فيما يختص بملكية الأراضي وتوزيع غلتها. ولكنه كان إقطاعاً اقتصادياً (مجرداً) بلا علاقات اجتماعية إقطاعية (متعيِّنة) . فالإقطاع التقليدي (في أوربا وفي غيرها من البلاد) يفترض وجود ثقافة مشتركة بين النبيل والقن، كما يفترض أن النبيل عادةً ما يوجد في ضيعته يديرها بنفسه ويدخل في علاقة مباشرة مع فلاحيه. ولذا، لم تكن علاقة النبيل الإقطاعي بأرضه علاقة تجارية خارجية موضوعية برانية وحسب وإنما كانت ذات جانب جواني يأخذ شكل الالتزام بمسئولياته كنبيل إقطاعي بكل ما تقتضيه النبالة وتفترضه وتفرضه من أعباء.

وكانت هذه الروابط الإقطاعية المتعيِّنة تخفف إلى حدٍّ ما من حدة الاستغلال الاقتصادي. أما في حالة النبيل الإقطاعي البولندي، فهذه الشروط لم تكن متوفرة البتة، فهو كان دائماً غائباً عن ضيعته، ولم تكن له أية علاقة مباشرة معها أو مع فلاحيها، وكان يمثله عنصر بشري استيطاني غريب يمثل همزة الوصل بينه وبين فلاحيه. وكان اهتمامه بضيعته اهتماماً مالياً (تجارياً) ضيقاً، حيث كانت تمثل مصدراً للدخل وحسب (وليست مظهراً من مظاهر الأبهة الإقطاعية والمكانة الأرستقراطية والحسب والنسب) فهو لا يتحدث لغتهم الأوكرانية ولا ينتمي إلى كنيستهم الأرثوذكسية. وأدَّى هذا إلى تَزايُد استغلال النبلاء للفلاحين في أوكرانيا وفي خارجها، وإلى تَحوُّل نظام الأقنان إلى نظام عبودي إذ لم تكن تُوجَد قوة تقف في وجه النبلاء وتضع حدوداً لاستغلالهم. وقد أصر النبلاء على حقهم المطلق في إقرار الحياة والموت بالنسبة إلى الأقنان.
وما بين النبلاء البولنديين الكاثوليك والأقنان الأوكرانيين الأرثوذكس كان يقف الملتزم (الأرنداتور) اليهودي، أداة الأول في سحق الثاني. وبذلك تشكلت واحدة من أهم الجماعات الوظيفية المالية الاستيطانية شبه القتالية. وكانت العلاقة بين النبيل ووكيله اليهودي عادةً ما تأخذ شكل قرض يحصل عليه النبيل من اليهودي للوفاء باحتياجاته بضمان ريع ضيعته (التي يديرها اليهودي) أو أي عوائد أخرى مثل عوائد قطع الأخشاب ونقل البضائع وغير ذلك من النشاطات الحرفية والتجارية.

وكان المموِّلون اليهود يستأجرون أحياناً مناطق ومدناً بأكملها ولعدة سنوات. ففي عام 1598، قام أحد أثرياء اليهود باستئجار جملة الأراضي التي يمتلكها مجموعة من النبلاء بلغت مساحتها مئات الأميال المربعة، وكان يدفع إيجاراً ضخماً لها. وكان كثير من يهود الأرندا يؤجرون الضياع من الباطن لصغار الممولين اليهود أو يرسلون في طلب أقارب لهم من بولندا ليقوموا بإدارة الضياع نيابة عنهم.
وكان الأرنداتور اليهودي يحصل على كل الامتيازات الممكنة مثل إدارة الحانات وطواحين الغلال ومعامل الألبان ومعامل التقطير وصناعة الكحول ومناجم الملح وقطع الأخشاب والفراء ودبغ الجلود والصباغة وصناعة الزجاج وصنع الصابون (وقد أصبح أعضاء الجماعات اليهودية العنصر الإثني السائد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر في مثل هذه القطاعات الاقتصادية) . كما كانوا يجمعون ضرائب المرور على الكباري والبوابات. بل لم يكن من الممكن إقامة الصلوات الأرثوذكسية إلا بعد العودة للوكيل اليهودي إذ لم يكن بمقدور القساوسة الحصول على مفتاح الكنيسة أو استعارة ردائهم الكهنوتي لإقامة شعائر الصلاة إلا بعد دفع ضريبة. وكان اليهود يشترون أيضاً المحصولات من الفلاحين. ولأنهم هم الذين كانوا يمتلكون وسائل النقل النهري، فكانوا هم أيضاً الذين يقومون بنقلها. كذلك كان أعضاء الجماعة اليهودية تجار القرية الذين يبيعون الفلاحين ما يريدونه من السلع الضرورية مثل الملح والسلع الترفية.

ونظراً لغياب النبيل الإقطاعي، أصبحت السلطة المباشرة شبه المطلقة في يد اليهودي الذي كان يدير الضيعة، تسانده في ذلك القوة العسكرية البولندية التي تضمن بقاءه واستمراره في عملية اعتصار الأقنان الأوكرانيين من كل ثمرات عملهم. وبعد الانتهاء من هذه العملية، كان الأرنداتور يُبقي حصته من الريع ويرسل الباقي إلى النبيل. ولكن كثيراً ما كان الوكيل اليهودي يقوم بتحصيل ضرائب من الأقنان والفلاحين بما يزيد على حقه. وقد كانت جماعة يهود الأرندا تتسم بكثير من الخيلاء والقسوة (كما تقول الموسوعة العالمية اليهودية) . وكان يهود الأرندا لا يقومون بأية مهام قتالية بل كانوا جماعة وظيفية متحوسلة تقوم باستغلال الجماهير لحساب الحاكم (شأنهم شأن المماليك في المراحل الأولى من تاريخهم قبل تَحوُّلهم إلى نخبة حاكمة) ؛ وكان رأس المال الربوي والخبرة الإدارية يحلان محل السيف كأداة للاستغلال.

ومع هذا، لم يكن البُعد العسكري مُفتقَداً تماماً. وقد ترجم الإقطاع الاستيطاني نفسه في ظاهرة الشتتل والمعبد/القلعة، فقد قام النبلاء بتشييد العديد من المدن الصغيرة كانت الواحدة منها تُسمَّى «شتتل» ويعيش فيها الملتزمون اليهود وأسرهم وأتباعهم في حماية القوة العسكرية البولندية، كما كان عليهم هم أنفسهم أن يتدربوا على حمل السلاح. ولذا، نص القانون على أنه: «يجب على كل رب عائلة يهودية أن يحتفظ ببنادق بعدد الذكور في بيته وبثلاث خرطوشات وثلاثة أرطال من البارود» . كما كانت المعابد اليهودية تأخذ شكل قلاع تُوجَد في حوائطها كوات حتى يمكن أن تخرج منها فوهات البنادق والمدافع. ويتضح مدى تحوُّل اليهود إلى مادة استيطانية شبه قتالية في تحولهم هم أنفسهم إلى موضوع للصراع بين القوى الشعبية الفلاحية الأوكرانية المنتفضة من جهة والقوى الاستغلالية البولندية من جهة أخرى. فحينما حقق بوجدان شميلنكي (الزعيم الفلاحي الأوكراني) انتصاراً على البولنديين عام 1649، نصت المعاهدة المبرمة بين الطرفين على عدم السماح لليهود بالاستيطان في أوكرانيا إذ أن وجودهم فيها كان علامة على الهيمنة البولندية فهم أداته الطيعة. ولكن حينما ألحقت القوات البولندية الهزيمة بقوات شميلنكي عام 1651، اضطر إلى الاعتراف بحق اليهود في الاستيطان في ضياع الملك والشلاختا. ولذا، قد يكون من الأفضل أن نسمي يهود الأرندا «المماليك التجارية الاستيطانية شبه القتالية» . وقد كانت هذه الشتتلات تضم المعبد/القلعة (وهو معبد يهودي كان مُصمَّماً بحيث يمكن استخدامه كحصن وقلعة عسكرية، كما كانت تُقام فيه أيضاً الصلاة والدراسة) . وكانت حوائط المعبد/القلعة سميكة للغاية، كما أن المتاريس كانت مزودة بكوات لتخرج منها المدافع والبنادق.

وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية، بعلاقتهم القوية مع النبلاء والقوى التجارية الدولية، محميين من تقلبات المجتمع الإقطاعي ومن غش وخداع البلديات والموظفين الملكيين، ووجدوا المناخ المستقر الذي يحتاج إليه النشاط التجاري والمالي دون ضغوط وتهديد. وتَحسَّن وضعهم كثيراً. وقد أصبح بعض يهود بولندا وروسيا من كبار تجار الأخشاب والحبوب في أوربا.
وكان مسرح نظام الأرندا هو أوكرانيا التي أصبحت النقطة التي التقت فيها عناصر عديدة غير متجانسة أهمها النبلاء البولنديون الإقطاعيون الكاثوليك والفلاحون الأوكرانيون الأرثوذكس (الذين يتحدثون الأوكرانية) والتجار اليهود (الذين يتحدثون اليديشية) غير المنتمين لهذا أو ذاك والذين يشكلون الوسيط التجاري والإداري والمالي بين الطرفين (إلى جانب الغجر والتتار وبعض الأرمن) .
ويُلاحَظ أن التقسيم الطبقي كان أيضاً تقسيماً عرْقياً وإثنياً ودينياً. ولم يكن نشاط الأرندا مقصوراً على أوكرانيا وبولندا بل أصبح جزءاً من شبكة تجارة دولية. فكان كبار النبلاء الإقطاعيين البولنديين يمتلكون الأرض في أوكرانيا ويؤجرونها، والألمان يديرون الموانئ على بحر البلطيق، والهولنديون يمتلكون السفن البحرية لنقل السلع. أما أعضاء الجماعة اليهودية، فقد قاموا ببقية العملية ومن بينها نقل المحاصيل بوسائل النقل النهري التي كانوا يمتلكونها. وقد نشأت علاقة قوية بين يهود البلاط في دول أوربا الوسطى، وبين يهود الأرندا إبان حرب الثلاثين عاماً، حيث كان يهود البلاط يستوردون الحبوب من بولندا. وكان يهود الأرندا يقومون بتدبير الغلال المطلوبة التي كانت تتزايد حاجة أوربا إليها (وهذا يبين كيف كانت العلاقات بين الجماعات اليهودية تُسهِّل اتصالاتهم وتجعل منهم شبكة قوية ووحيدة للتجارة الدولية) .

وقد ارتبط مصير أعضاء الجماعة اليهودية تماماً بمصير الأرندا (الزراعي الإقطاعي الاستيطاني البولندي) والقوة العسكرية البولندية التي كانت تسانده. وقد كان لنظام الأرندا الإقطاعي الاستيطاني أعمق الأثر في تَطوُّر تاريخ الجماعة اليهودية في بولندا، وهو ما أثر بدوره في تاريخ الجماعات اليهودية في غرب أوربا وأعطى المسألة اليهودية في شرق أوربا ملامحها الخاصة:
1 ـ وجد اليهود أنفسهم بين مطرقة النبلاء وسندان الفلاحين. وقد كان اليهودي هو ممثل الإقطاع البولندي الشره وأداة الاستغلال المباشرة الواضحة، إذ تم حوسلته تماماً من قبل النبلاء. وكانت شراهة النبلاء الإقطاعيين تزداد سنة بعد سنة، فكانوا يزيدون من قيمة الإيجار، وكان على الوكيل اليهودي أن يزيد بدوره من الضرائب والإيجارات التي يحصلها من الفلاحين. ولكن يهود الأرندا كانوا يعيشون بين الفلاحين في أوكرانيا، بينما كان النبيل الإقطاعي يعيش في ضيعته أو قصره في بولندا.
2 ـ حدث ليهود بولندا، نتيجة نظام الأرندا، تطوران متناقضان:
أ) انعزل يهود الريف عن المراكز التلمودية في المدن الكبرى، واكتسبوا ثقافة الفلاحين السلافيين المتخلفة، وتشبعوا بالفلكلور الريفي بما في ذلك العقائد الشعبية المسيحية، الأمر الذي أضعف هويتهم اليهودية. وكانت هذه تربة خصبة لنشوء الحركات المشيحانية. ويُلاحَظ أن الحركتين الحسيدية والفرانكية نشأتا في منطقة بودوليا، وانتشرتا بين يهود أوكرانيا أسرع من انتشارها بين بقية يهود شرق أوربا.

ب) في الوقت نفسه، ونظراً لتزايد عددهم، كان اليهود يوجدون لا على هيئة أقلية صغيرة تعيش داخل الجيتو في إحدى المدن المسيحية وإنما على هيئة مدن صغيرة (شتتلات) تضم تجمعات بشرية يشكل اليهود فيها نسبة مئوية كبيرة بل الأغلبية العظمى أحياناً، ومن هنا تكلست هويتهم وانعزلت واحتفظ اليهود برطانتهم الألمانية (اليديشية) . وقد ساهم الانفجار السكاني الذي حدث بينهم في تعميق هذا الاتجاه.
3 ـ زادت الأرندا من تَشوُّه البناء الطبقي ليهود بولندا بحيث تركزوا في تجارة الخمور التي أصبحت مشكلة أساسية في الريف البولندي (ثم الروسي بعد ذلك) .
4 ـ وبعد تَشوُّه البناء الوظيفي والعزلة وتزايد الأعداد، ضُمَ هذا الجزء من بولندا إلى روسيا، فوجدت روسيا عندها هذه الكثافة البشرية التي تتحدث اليديشية وتؤمن بالحسيدية وتتاجر في الخمور، وهي كتلة كانت مكروهة من السكان المحليين. وكانت البيروقراطية الروسية جاهلة باليهود وبكيفية التعامل معهم، ذلك لأنه كان مُحرَّماً عليهم دخول الإمبراطورية حتى نهاية القرن الثامن عشر.
5 ـ كان الوضع الطبقي المميَّز لليهود داخل البناء الاستيطاني للإقطاع يعني أنهم ليسوا عنصراً من التشكيل الحضاري البولندي. ولذا، حينما نشأت حركات ثورية مثل انتفاضة شميلنكي في أوكرانيا ثم الحركة القومية في بولندا، كان اليهود يقفون خارجها امتداداً لوضعهم الطبقي الهامشي والطفيلي. فهم لم يكونوا مستغلين فقط، مثل النبيل الإقطاعي الفرنسي أو التاجر الإنجليزي، وإنما كانوا غرباء أيضاً فسقطوا مع سقوط نظام الإقطاع الاستيطاني البولندي.
وقد أضفت كل هذه العناصر على المسألة اليهودية في شرق أوربا ملامحها الخاصة.

6 ـ لم يكن هناك يهود يعيشون بشكل قانوني في إنجلترا أو فرنسا أو هولندا أو إسبانيا أو البرتغال أو الدول الإسكندنافية أو إمارة موسكوفي حتى عام 1550. وكان يهود أوربا كافة مُركَّزين أساساً في بولندا وبعض أجزاء من ألمانيا أو إيطاليا حتى أنه، في القرن السابع عشر، كان هناك مركزان أساسيان في العالم لليهود: أحدهما في الإمبراطورية العثمانية وهو الذي استوعب العديد من اليهود الذين طُردوا من أوربا الغربية وشبه جزيرة أيبريا، وثانيهما في بولندا وليتوانيا. وقد أخذ غزو يهود بولندا في الزيادة ابتداءً من القرن السادس عشر حتى أن أغلبية يهود العالم كانت في بداية القرن العشرين من نسل يهود بولندا (بل يُقال إن كل يهود العالم الغربي من أصل بولندي باعتبار أن العناصر اليهودية المحلية تم صهرها تماماً في الأغلبية (.
7 ـ كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن التجارة والاستيطان والقتال جزء أساسي من التجربة التاريخية للغالبية العظمى من الجماعات اليهودية في الغرب، وأنهم دخلوا العصر الحديث وعندهم قابلية (تبادل اختياري) للاشتراك في العمليات الاستيطانية القتالية. وفي هذه التربة الخصبة، ظهر جوزيف فرانك اليهودي البولندي المُتنصِّر الذي طالب بتسليح اليهود وتأسيس دولة مستقلة لهم. كما ظهر الحل الصهيوني للمسألة اليهودية المبني على تصديرها باعتبار أن اليهود عنصر استيطاني غريب (ومن المعروف أن معظم قيادات الصهيونية الاستيطانية من أصل بولندي روسي (.

ويمكن القول بأن الأرندا الإقطاعية الاستيطانية تُكمل الحلقة المفقودة بين تجربة يهود الغرب والتجربة الصهيونية. فالعلاقة الثلاثية (النبلاء البولنديون ـ الوسطاء اليهود المستوطنون ـ أقنان أوكرانيا) تشبه كثيراً العلاقة الثلاثية السائدة في الشرق الأوسط (الإمبريالية الأمريكية ـ الوسطاء الصهاينة المستوطنون - عرب فلسطين) . والعنصر اليهودي في كلتا الحالتين عنصر استيطاني نافع يتم الحفاظ عليه بمقدار نفعه وليست له أهمية في حد ذاته.
وما حدث، بشيء من التبسيط، هو أن المماليك التجارية الاستيطانية شبه القتالية في أوكرانيا تحوَّلت إلى مماليك استيطانية قتالية شبه تجارية في فلسطين بعد تأسيس الدولة المملوكية الصهيونية، وهي دولة ذات قيمة إستراتيجية عسكرية بالنسبة للغرب (بالدرجة الأولى) وذات أهمية تجارية اقتصادية (بالدرجة الثانية) .ومع ظهور النظام العالمي الجديد، قد تتراجع الوظيفة العسكرية القتالية لتشغل المرتبة الثانية بينما تشغل الوظيفة التجارية الاقتصادية الدرجة الأولى، ولذلك سيتطابق وضع الدولة الصهيونية مع يهود الأرندا إذ ستصبح دولة وظيفية تجارية شبه قتالية. ونحن، بهذا، نكون قد اكتشفنا استمرارية تاريخية ونمطاً متكرراً داخل التاريخ الغربي الحقيقي، وليس استمرارية ميتافيزيقية داخل التاريخ اليهودي الوهمي.
الخمور (النبيذ والكحول) والاتجار فيها
‏Wine and Liquor Trade

«تجارة الخمور والنبيذ» هي تجارة عادةً ما تضطلع بها جماعة وظيفية، ربما لأن الخمر تُذهب الوعي وترتبط في كثير من العقائد بالمقدَّس والغيب، أي أن الخمر مرتبطة بمنطقة وجدانية تقع خارج نطاق المألوف والعادي والروتيني، ومن هنا تظهر ضرورة اللجوء إلى جماعة وظيفية محايدة، ليس في مقدورها أن تُوظِّف لحظة غياب الوعي هذه لصالحها (بسبب عجزها) ، تماماً مثل الحلاق الذي تُسلِّم له رأسك ليقص الشعر، ويمكنه أن يقطع رأسك ويسلم من العقوبة إن كانت تسانده مجموعة من البشر لها سلطة. والشيء نفسه ينطبق على الماشطة التي تدخل البيوت وتعرف أخص خصائص النساء، وهو ما يجعلها مستودعاً لكثير من الأسرار التي يمكن أن تُستخدَم ضد من قالها. ولذا، فلابد لمن يقوم بمثل هذه الوظائف أن يكون محايّداً مجرَّداً من السلطة تحت رحمة المجتمع تماماً، حتى لا يسيطر عليه.

ويبدو أن التحريم التلمودي الخاص بتناول خمور الأغيار جعل أعضاء الجماعات اليهودية مضطرين إلى أن يكون لهم كرومهم ومصانع الخمور الخاصة بهم. ولكن، مع بداية القرن الخامس عشر الميلادي في الغرب، كانت كل مزارع الكروم المملوكة لليهود قد تمت تصفيتها مع انسحابهم التدريجي من مهنة الزراعة. ولكن اتجارهم في النبيذ والمشروبات الكحولية استمر حتى أصبحت هذه المهنة إحدى المهن أو الوظائف اليهودية الأساسية في شرق أوربا وألمانيا. ومع بداية القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، كان إنتاج المشروبات الكحولية وبيعها في بولندا وليتوانيا عملاً أساسياً يمتهنه أعضاء الجماعات اليهودية ومصدراً من أهم مصادر الدخل بالنسبة لهم، كما أصبح هذا العمل مهنة أساسية في بوهيميا والمجر. وقد ازداد ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بتجارة الخمور نتيجة لنظام الأرندا. فرغم أن الخمور كانت تمثل الترف الأساسي في حياة الفلاحين، إلا أنهم كانوا ممنوعين من تقطيرها، إذ أن هذا الحق كان مقصوراً على النبلاء البولنديين، وكان تأجير هذا الحق مصدراً أساسياً للريع الذي يحصل عليه النبيل من مستأجر الامتياز (الأرنداتور) . فكان اليهود يستأجرون معامل التخمير والتقطير والحانات، والتي كانت مرتبطة بنظام الأرندا في بولندا وأوكرانيا وروسيا البيضاء. وقد أصبح اليهودي (صاحب الحانة) شخصية أساسية في الريف الأوكراني وفي المدن الصغيرة. وكان اليهود يحتكرون ـ تقريباً ـ إنتاج وبيع المشروبات الكحولية. وكانت نسبة عالية منهم تعمل في هذه التجارة حتى بلغت، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، 15% من مجموع يهود المدن و85% من يهود الريف.
وقد تسبَّب اشتغال اليهود بهذه التجارة في نشوء كثير من التوترات بينهم وبين بقية السكان. كما كان الفلاحون السلاف يفرطون في الشرب، وهو ما كان يزيد من أرباح اليهود، خصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا لا يشربون بهذا الإفراط.

وكان أعداء اليهود بين طبقات المجتمع الأخرى يلقون اللوم على اليهود، مع أن الإفراط في الشرب كان ظاهرة اجتماعية صاحبت تَدنِّي الأوضاع الاقتصادية والثقافية في شرق أوربا والذي لم يكن اليهود مسئولين عنه بل ضحية له. وكانت الطبقات الحاكمة في شرق أوربا (روسيا وبولندا) ترى أن اليهودي هو سر بلاء الريف وبلاء سكانه، ولذا كانوا يرون أن إصلاح حال الفلاحين لن يتأتى إلا بطرد اليهود من صناعة الخمور. ومع تدهور الاقتصاد البولندي ابتداءً من القرن الثامن عشر الميلادي، بدأت العناصر التجارية المسيحية تتجه إلى الهيمنة على تجارة النبيذ والكحوليات المربحة بين السكان. وكلما ازداد إفقار المدن وإفقار سكانها، كانت المطالبة بتأميم تجارة الخمور تزداد ضراوة. وأصبح استبعاد اليهود من هذه التجارة مطلباً أساسياً تطرحه الطبقة الوسطى البولندية، ثم أصبح هذا جزءاً من سياسة كثير من الدول المطلقة المستنيرة.
وقد بدأت حركة استبعاد أعضاء الجماعات اليهودية من صناعة الخمور في بولندا وامتدت إلى روسيا واستمرت فيها. ونصت براءة التسامح التي أصدرها جوزيف الثاني على ضرورة طرد اليهود من صناعة الخمور خلال عامين. ومع تفاقم مشكلة سُكْر الفلاحين، ازدادت ضراوة التشريعات ضد اشتغال اليهود بتجارة الخمور. ولكن كل هذه التشريعات لم تفلح، إذ أن إدمان الفلاحين السلاف للخمر كان نتاج ظروف حضارية واجتماعية مُركَّبة لم يكن اليهود مسئولين عنها، وإن كانوا قد استفادوا منها. ولم تُحسَم المسألة نهائياً إلا مع ظهور نظم اشتراكية في روسيا وبولندا أممَّت كل وسائل الإنتاج، ومنها صناعة الخمور، وأوجدت فرصاً بديلة لليهود.

ويبدو أن تقاليد الاشتغال بإنتاج النبيذ وتسويقه استمرت على يد المستوطنين الصهاينة في فلسطين، إذ زرعوا كثيراً من الكروم وقاموا بتقطير الخمور. وقد قامت مدرسة مكفيه إسرائيل الزراعية بزراعة أول أشجار كروم أوربية، وأسست أول قبو خمور على الطريقة الأوربية. وكان البارون إدموند دي روتشيلد مهتماً بزراعة الكروم في فلسطين مؤملاً أن تتحوَّل إلى أحد الأسس الاقتصادية للقرية اليهودية في فلسطين، وقد قام ببناء أقبية كبيرة للخمور. ولكن التجربة لم تنجح، مثلها مثل كثير من التجارب الاستيطانية الأخرى.
الإعلان
‏Advertising
لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً للغاية في صناعة الإعلان، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث ارتبطت هذه الصناعة بآليات المجتمعات الرأسمالية الحديثة. ويُعتبَر رجال صناعة الإعلان من اليهود من أهم العناصر المسئولة عن تَطوُّر مؤسسة الإعلان الحديثة وعن اتساع نشاطها وتَطوُّر أسلوب عملها.
والواقع أن التبادل التجاري في المجتمعات التقليدية لا يعرف ظاهرة الإعلان، إذ كان النشاط الاقتصادي محكوماً بمجموعة من القيم الدينية والأخلاقية التي لا تسمح بالتنافس الشديد ولا بمحاولة التأثير على الزبائن واصطيادهم. ومع هذا، كان كثير من التجار في كثير من بلدان العالم الغربي يجأرون بالشكوى من التجار اليهود بسبب ملاحقتهم الزبائن أمام المحال التجارية وفي الطرقات وحتى في منازلهم. ولعل هذا يعود إلى أن التاجر اليهودي لم يكن ملتزماً بالقيم المسيحية مثل الثمن العادل والمحبة. كما أن أعضاء المجتمع المضيف، في علاقتهم به كعضو في جماعة وظيفية، هم مجرد شيء يشكل مصدراً للربح.

وتزايدت أهمية الإعلانات في التجارة مع تزايد علمنة المجتمع وتزايد حدة المنافسة التجارية. لكن النقلة النوعية حدثت مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن حقَّقت الثورة الصناعية توسعاً في الإنتاج، وبعد نمو طبقة وسطى من المستهلكين شكلت السوق الأساسية للمنتجات والسلع الاستهلاكية المختلفة، حيث أصبحت الإعلانات جزءاً لا يتجزأ من آليات السوق. وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية من العناصر الرائدة في قطاع الإعلان نتيجة ميراثهم التاريخي كجماعات وظيفية تمتلك خبرات تجارية ومالية مهمة أهلتهم لدخول مجالات كانت لا تزال تُعَدُّ جديدة وغير مألوفة وبالتالي تتميَّز بقدر كبير من المخاطرة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن فهم ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بصناعة الإعلان من خلال ارتباطهم بتجارة التجزئة والصحافة اللتين كانتا أيضاً من الأنشطة الجديدة التي صاحبت نمو المجتمعات الصناعية الرأسمالية، وهي أنشطة احتل فيها أيضاً أعضاء الجماعات اليهودية مكان الريادة. وبالتالي اكتسبت صناعة الإعلان أهمية كبيرة لتسويق منتجات مؤسسات التجزئة التجارية الجديدة، في حين شكلت الصحافة الأداة الرئيسية للإعلان عن هذه المنتجات.
ويُعتبَر الأمريكي اليهودي ألبرت لاسكر أباً لصناعة الإعلان الحديثة حيث عمل على تحويل مهمة وكالة الإعلان، من مجرد وسيط بين المؤسسات التجارية التي كانت تضع برنامج الإعلانات لمنتجاتها من ناحية والصحافة وأجهزة الإعلام من ناحية أخرى، لتصبح الجهة الرئيسة المسئولة عن رسم وتخطيط ونشر الإعلانات الخاصة بمنتجات هذه المؤسسات. وقد انضم لاسكر عام 1898 إلى وكالة إعلان لورد وتوماس في شيكاغو، وأصبح عام 1904 (وعمره 24 سنة) شريكاً بها، ثم أصبح مالكها الوحيد عام 1912. وقد نجح لاسكر خلال ثلاثة عقود في تحويلها إلى واحدة من أهم وكالات الإعلان في الولايات المتحدة.

ويُعتبَر ميلتون بيو Biow المسئول عن تطوير وكالة الإعلان الحديثة لتلبية احتياجات عالم التجارة والأعمال الحديثة. كما أسس إحدى أهم كبريات وكالات الإعلان في الولايات المتحدة والعالم. ويُعَدُّ أول من استخدم الراديو والتليفزيون لتقديم الفقرات الإعلانية القصيرة.
وتُعتبَر وكالة جراي للإعلان، التي أسسها لورانس فالنستاين، من أهم مؤسسات الإعلان التي أوجدت فكرة خَلْق الطلب على السلعة قبل طرحها في الأسواق. كما ابتكرت وكالة إعلان أخرى هي وكالة دوتل داين وبرنبارخ التي تأسست في عام 1949 أسلوباً جديداً في الإعلان يعتمد على تَبنِّي نبرة هادئة تميل إلى التواضع في تقديم الإعلانات وهو أسلوب تبنته كثير من وكالات الإعلان الأخرى. وابتكرت وكالة أخرى، وهي وكالة نورمان كرايج وكومل، أسلوباً جديداً في الإعلان أطلقت عليه اسم «الإعلان العاطفي» ، وهو أسلوب يهدف إلى خَلْق نوع من التماثل والاندماج العاطفي عند المتلقي تجاه السلعة موضوع الإعلان. وكل هذه أساليب تميل إلى اللعب على الجوانب النفسية والعاطفية والحسية لدى المستهلك باعتباره مجرد هدف يتم توظيفه. ومن الجدير بالذكر أن عالم النفس المعروف إرنست ديختر من أهم الشخصيات اليهودية الأمريكية التي كانت لها مساهمات مهمة في صناعة الإعلان والذي أسس معهد بحوث الدوافع.
وفي إنجلترا، لم يصل أعضاء الجماعة اليهودية إلى مواقع بارزة في صناعة الإعلان إلا بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تَنمُ صناعة الإعلان في أوربا إلا بعد الحرب العالمية الأولى، بعد أن شهدت وسائل الاتصال نمواً وتوسعاً كبيرين، إلا أن مشاركة أعضاء الجماعات اليهودية فيها انتهت مع مجئ النازية واندلاع الحرب العالمية الثانية. أما بعد الحرب، فكان لاتساع وامتداد نشاط وكالات الإعلان الأمريكية والبريطانية إلى أوربا دور في أن يصبح لرجال الإعلان من اليهود شأن بارز في صناعة الإعلان الأوربية.

ويجب التنبه إلى أن اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في قطاع الإعلانات لا يجعل منه نشاطاً اقتصادياً يهودياً، فهو أولاً وأخيراً جزء لا يتجزأ من آليات السوق بكل وحشيته وعدم اكتراثه بالقيم الإنسانية والأخلاقية، ومحاولته توظيف الدوافع الإنسانية، خصوصاً الدافع الجنسي، في محاولة بيع السلع. وقد ظهر قطاع الإعلانات وتَطوَّر بظهور وتَطوُّر الاقتصاد الحديث، خصوصاً الرأسمالي. ويمكن القول بأن قطاع الإعلان كان سيظهر ويتطور سواء كان هناك يهود أم لا، تماماً كما ظهر وتَطوَّر في اليابان والهند وهي بلاد لا تُوجَد فيها أقليات يهودية تُذكر. ومع هذا، يمكن القول بأن وجود أعضاء الجماعة اليهودية داخل هذا القطاع بشكل ملحوظ لا يمكن تفسيره إلا على أساس انتمائهم إلى أقلية تشكل جماعة وظيفية، أي أن يهوديتهم تفسر تزايد عددهم داخل هذا القطاع الاقتصادي ولكنها لا تفسر وجود هذا القطاع وتطوره وآلياته. وهذا، على كلٍّ، هو النمط المهم في كثير من الظواهر في العالم الغربي ابتداءً من الرأسمالية والاستعمار وانتهاءً بالطلاق والإباحية والشذوذ الجنسي.
تجارة الرقيق
‏Slave Trade

«تجارة الرقيق» هي تجارة تقوم بها عادةً جماعة وظيفية مالية. وتُحرِّم اليهودية على اليهودي استعباد اليهودي مدة تزيد على ستة أعوام، ولكنها لا تُحرِّم استعباد غير اليهود أو الاتجار فيهم. ويُقال إن العبرانيين القدامى كانوا عبيداً في مصر، وهو قول غير دقيق. فبرغم أن الاقتصاد المصري كان متقدماً، فإنه كان يعتمد أساساً على السخرة، مع عدم استبعاد أن تكون جماعة غريبة مثل العبرانيين قد تحوَّلت إلى عبيد وبخاصة بعد انحسار حكم الهكسوس: حُماتهم. ولم يكن العبرانيون، عند هجرتهم من مصر وتغلغلهم في كنعان وسكناهم فيها (في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد) ، على مستوى اقتصادي وحضاري متقدم، ولذا لم تكن لديهم حاجة إلى العبيد. ومن هنا حديث العهد القديم الدائم عن إبادة سكان القرى والمدن التي كان يجتاحها العبرانيون. ولم تكن المملكة العبرانية المتحدة، هي الأخرى، في حاجة إلى العبيد بسبب بساطة اقتصادها، فقد سدت حاجتها من العبيد عن طريق استعباد العبرانيين الذين فشلوا في أداء ديونهم. ولم يختلف الوضع كثيراً في المملكة الشمالية أو المملكة الجنوبية. ولا يُعرف عن العبرانيين أنهم اشتغلوا بتجارة الرقيق أو أنهم كانوا يستعبدون أعضاءً من الشعوب المجاورة. كما أنهم لم يتحولوا إلى عبيد. ولكن هناك إشارة إلى أن بعض فراعنة مصر كانوا يتبادلون مع المملكتين العبرانيتين الأحصنة المصرية بالمقاتلين اليهود، وأن هؤلاء العبيد هم الذين تحوَّلوا إلى جماعة وظيفية قتالية في جزيرة إلفنتاين. وكان التهجير الآشوري والبابلي عملية نقل كتلة بشرية من مكان إلى آخر ولكنها لم تحوِّل المهجَّرين إلى عبيد، بل إن بعضهم أصبح من كبار المموِّلين. ولا تختلف الصورة في عصر الإمبراطوريات الفارسية واليونانية (السلوقية والبطلمية) ثم الرومانية.

لكن الصورة تختلف في العصور الوسطى في أوربا. فنظراً لفقر أوربا الشديد، كان الرقيق أحد السلع القليلة التي يمكنها توريدها إلى الإمبراطورية البيزنطية والعالم الإسلامي حتى يمكنها استيراد البضائع منها. أي أن توريد العبيد كان نوعاً من أنواع تصحيح ميزان المدفوعات. ولذا، كانت تجارة الرقيق جزءاً أساسياً من التجارة الدولية. ولكن المصدر الأساسي للعبيد كان هو بلاد السلاف الوثنية المشتق اسمها من كلمة «سكلافوس scelavus» من لاتينية العصور الوسطى أي عبد (ومن هنا اسمهم العربي «الصقالبة» ) ، إذ كانت الدول المسيحية تُحرِّم الاتجار في العبيد المسيحيين كما كانت الدولة الإسلامية تُحرِّم الاتجار في العبيد المسلمين. وكانت قوافل اليهود تنتقل لأخذ العبيد من السلاف لنقلهم وبيعهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية مهيئين أكثر من أي قطاع آخر في المجتمع للاضطلاع بهذه الوظيفة، فقد كانوا جماعة وظيفية وسيطة يمكنها أن تعيش بين الفراغات وأن تدير مثل هذه التجارة المشينة التي لا يمكن أن يقوم أعضاء المجتمع بإدارتها. كما أن كونهم يهوداً قد زودهم بالحماية في حركتهم الدائبة بين العالمين المسيحي والإسلامي وكان بوسعهم أن يبيعوا عبيداً مسيحيين في العالم الإسلامي وعبيداً مسلمين في العالم المسيحي. ويذكر ابن خرداذبة أن العبيد كانوا من أهم السلع التي يحملها التجار الراذانية.

وقد عملت أعداد كبيرة من التجار اليهود في تجارة الرقيق منذ العصور الوسطى حتى القرن الخامس عشر الميلادي، وهذا أمر طبيعي، فتجارة الرقيق كانت جزءاً من التجارة الدولية. وقد مُنح هؤلاء التجار المواثيق التي تحميهم وتحمي سلعهم. وكان من الممنوع تعميد العبد لأن هذا يعني فقدان التاجر اليهودي سلعته. وكان هذا مصدر احتكاك شديد بين التجار اليهود والكنيسة، بل بين هؤلاء التجار ومعظم طبقات العالم الغربي المسيحي في العصر الوسيط. وبعد الثورة التجارية، ظهرت تجارة الرقيق - المرتبطة بالنظام الاقتصادي التجاري الجديد - والتي تطلبت إمكانات مادية ضخمة من سفن إلى جنود وحاميات في المستعمرات تحتاج إليها عملية اصطياد العبيد من أفريقيا وتوريدهم إلى المستوطنات في العالم الجديد. وقد انضم بعض كبار المموِّلين اليهود إلى هذه التجارة ولعبوا دوراً نشطاً، فامتلك يهود المارانو (السفارد) العبيد، خصوصاً في مستعمرات الكاريبي، وقاموا بالاتجار فيهم. ومما يسر لهم عملهم هذا، شبكة الاتصالات اليهودية الضخمة في تلك الآونة، فقد كان للمارانو قواعد في البرتغال وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا وفي العالم الجديد وفي هولندا ومستعمراتها، كما كانت لهم ركائز في الدولة العثمانية وغيرها من الدول.

وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية من كبار تجار العبيد في المستعمرات الهولندية في الأمريكتين، فكانوا يعملون بهذه المهنة في البرازيل الهولندية (1630 ـ 1654) ، كما عمل بعضهم بها في القرن الثامن عشر الميلادي في العالم الجديد. فاشتركوا في التجارة المثلثة أي شحن البضائع الأوربية، مثل الأسلحة والبارود والمشروبات الروحية (الجن) والحلي الرخيصة، إلى الساحل الأفريقي، وتحميل هذه السفن بالعبيد الذين كانوا يباعون في المزارع الأمريكية وفي جزر الكاريبي، ثم تعبئة هذه السفن بالمنتجات الاستوائية كالسكر والنيلة والتبغ والقهوة وغيرها من السلع لنقلها إلى أوربا. وكان يوجد مثلث آخر يبدأ في نيو إنجلاند في الولايات المتحدة حيث تُحمَّل السفن بشراب الروم وتتجه إلى أفريقيا حيث يباع الروم وتُحمَّل بالعبيد وتتجه لجزر الكاريبي لتُحمَّل بعسل قصب السكر الأسود الذي يُصنَّع منه الروم. وتظهر أسماء تجار يهود بين تجار العبيد في كوراساو، فيرد اسم مانويل ألفاريس كوريا باعتباره تاجر عبيد نشيطاً اشتغل بهذه المهنة عدة سنوات وعمل وسيطاً عام 1699 بين شركة الهند الغربية الهولندية والشركة البرتغالية، وذلك لنقل العبيد من أفريقيا إلى المكسيك عبر كوراساو حيث كانت تتم مبادلة العبيد بالعسل الأسود الذي يُصدَّر إلى نيو إنجلند ليُستخرَج منه الروم لبيعه في أفريقيا. ومن أهم التجار في أمريكا الشمالية: ديفيد فرانكس وآرون لوبيز وجيكوب رودريجيز. وفي جامايكا، ترد أسماء ديفيد هنريك وهيمان ليفي وألكسندر ليندو الذين كانوا من كبار تجار العبيد هناك في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وكان أعضاء أسرة جراديس اليهودية المقيمة في بوردو نشطاء في تجارة العبيد بالمستعمرات الفرنسية في العالم الجديد مثل سانتو دومينجو. وكان هناك بعض اليهود من أصحاب المزراع الكبيرة في جزر الهند، وبالتالي فقد كانوا يمتلكون العبيد الذين تعتمد الزراعة عليهم هناك. ومن أهم

التجارب الاستيطانية اليهودية تجربة سورينام حيث أسس أعضاء الجماعة اليهودية في بريزدنتس أيلاند ما يشبه الدويلة المستقلة التي كانت تعتمد على العبيد المستَجْلَبين من أفريقيا في الزراعة.
ولم يكن موقف أعضاء الجماعة اليهودية في الجنوب الأمريكي (في الولايات المتحدة) يختلف عن موقف بقية الأمريكيين من مؤسسة الرقيق، فقد امتلك اليهود فيها العبيد. وبلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يمتلكون العبيد 25%، وهي نسبة لا تختلف عن نسبة البيض حسب إحصاء 1860. وكان هناك بين مُلاَّك المزارع القليل من أعضاء الجماعة اليهودية.
أما معاملة يهود الجنوب الأمريكي للعبيد، فلم تختلف عن معاملة المسيحيين لهم. كما أن نسبة عدد العبيد، الذين كان يعتقهم أعضاء الجماعة اليهودية، لم تكن تختلف عن النسبة بين المسيحيين، غير أن أعضاء الجماعة اليهودية اشتغلوا بسائر الأعمال التنفيذية الخاصة بتيسير النظام العبودي. ويُلاحَظ أن العبيد والمُحرَّرين من العبيد السود كانوا يتعاملون بنسبة أعلى مع التجار اليهود، نظراً لأن هؤلاء كانوا يفتحون محالهم يوم الأحد، وهو اليوم الوحيد الذي كان بإمكانهم أن يتسوقوا فيه.

وفيما يتعلق بمؤسسات تجارة الرقيق، فقد اشترك فيها أعضاء الجماعة اليهودية، شأنهم شأن كل سكان الجنوب، فعملوا بالمزايدات وتقديم الائتمانات وإنجاز الأعمال التجارية في سوق الرقيق. ويبدو أن نسبة المشتغلين بتسيير تجارة الرقيق منهم كانت أعلى من نسبة المشتغلين بها بين المسيحيين، نظراً لتَركُّز اليهود في الأعمال التجارية والمالية. ولم يقتصر اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية على المؤسسات الخاصة بإدارة تجارة الرقيق، بل تعاملوا في سلعته البشرية الأساسية، أي الرقيق. فكان لابد لمن يمتلك رقيقاً أن يتاجر فيه بيعاً وشراءً، لأن الرقيق كان سلعة ثمينة. ومع هذا، لم يكن يوجد يهودي واحد بين كبار التجار. والواقع أن رأس المال المُركَّز في أيدي ممولين يهود كان ضئيلاً بالنسبة إلى رأس مال العمالقة من المسيحيين البيض. ففي ريتشموند، كان هناك ثلاثة تجار يهود من بين سبعين تاجراً، وفي تشارلستون كان يوجد أربعة تجار يهود بين أربعة وأربعين، وفي ممفيس تاجر واحد بين اثنى عشر تاجراً. وبرغم الانخفاض المطلق في عددهم، فإن نسبة وجودهم في تجارة الرقيق كانت عالية للغاية، إذ كانوا يشكلون نحو 8% من التجار في المتوسط. وكانت نسبة اليهود إلى عدد السكان، في الجنوب وفي الولايات المتحدة، ضئيلة للغاية لأن عصر الهجرة اليهودية من شرق أوربا، الذي أتى بالكثافة السكانية، لم يكن قد بدأ بعد. وعلى أية حال، لم تتجاوز نسبة اليهود في الولايات المتحدة في ذلك الوقت نصفاً في المائة.

ولعل عدم وجود اليهود في هذا القطاع بنسبة كثيفة كان انعكاساً لوضعهم داخل الاقتصاد الأمريكي، فهم دائماً على مقربة من المستهلك، بعيدون عن الصناعة الثقيلة وعن المراحل الأولى من الإنتاج، وقد كان الرقيق جزءاً من المراحل الأولى للإنتاج الزراعي في الجنوب. ولم يكن هناك رفض يهودي لتجارة الرقيق، إذ كان جيكوب لفين رئيس الجماعة اليهودية في ساوث كارولينا وإسرائيل جونز رئيس الجماعة في موبيل (ألاباما) من تجار العبيد في عام 1850. وقد استمر التجار اليهود مشاركين في تجارة الرقيق حتى نهاية الحرب الأهلية الأمريكية.
وقد أبقى بعض اليهود البيض محظيات سوداوات وعاشروهن جنسياً، وهذا يعني وجود يهود سود. ولكن من الصعب تحديد عددهم، خصوصاً أن المؤسسات الدينية اليهودية كانت ترفض السماح للسود بالانتماء إليها. كما أن الأسياد اليهود لم يلقنوا عبيدهم الديانة اليهودية. ومع هذا، يدَّعي العبرانيون السود أنهم من نسل هؤلاء. وأثناء الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، لم يكن لأعضاء الجماعة اليهودية موقف مستقل عن المناطق الجغرافية التي كانوا يعيشون فيها، فتَبنَّى يهود الشمال موقفاً رافضاً لتجارة الرقيق، وتَبنَّى يهود الجنوب موقفاً مؤيداً لها، بينما تَبنَّى كثير من يهود الولايات الوسط المجاورة للولايات الجنوبية موقفاً محايداً. ومع هذا، لم يلعب أعضاء الجماعة اليهودية بشكلٍّ عام دوراً ملحوظاً في حركة تحرير العبيد أو التحريض ضدها، أو في حركة تهريب العبيد من الجنوب إلى الشمال.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - الدولة الاستيطانية الإحلالية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
أسطورة الاستعمارالاستيطاني الغربي
‏Myth of Western Settler Colonialism
الاستعمار الاستيطاني (الإحلالي أو المبني على الأبارتهايد) هو انتقال كتلة بشرية من مكانها وزمانها إلى مكان وزمان آخر، حيث تقوم الكتلة الواحدة بإبادة السكان الأصليين أو طردهم أو استعبادهم، أو خليط من كل هذه الأمور (كم حدث في أمريكا الشمالية وفي فلسطين) . ومهما بلغ الإنسان من وحشية وحياد، فهو لا يستطيع القيام بمثل هذه الأفعال إلا إذا كان هناك مبرر، وهذه هي وظيفة الأسطورة (التي نُعرِّفها بأنها نموذج معرفي، أي رؤية كاملة للكون [الإله ـ الإنسان ـ الطبيعة] ، ولكن علاقتها بالواقع واهية إلى أقصى درجة) .
1 ـ إذا كان جوهر الأسطورة، أية أسطورة، هو إلغاء الزمان أو تجميده والانفصال عن المكان، فإن هذا الاتجاه يأخذ شكلاً متطرفاً في حالة أسطورة الاستعمار الاستيطاني بشكل عام، الذي ينطلق من الإنكار الكامل للتاريخ بشكل متطرف، وإعلان نهايته. ويزداد الإنكار حدة وعنفاً في حالة المجتمعات الاستيطانية الإحلالية، التي لابد أن تُغيِّب السكان الأصليين تماماً. ونقطة البداية عند المستوطنين البيض المهاجرين من العالم الغربي هي عادةً رفض تاريخ بلادهم الأصلية، باعتباره تاريخ اضطهاد وكفر. ويحاول المهاجرون أن يضعوا "حلاً نهائياً" لمشاكلهم وأن يبدأوا من نقطة الصفر الفردوسية في الأرض الجديدة. ومع هذا يتباهى هؤلاء المستوطنون بانتمائهم للعالم الغربي الذي لفظهم. ويتضح هذا الجانب في أسطورة الاستيطان الصهيونية التي تبدأ برفض تاريخ اليهود في المنفى (وضمن ذلك العالم الغربي) . والصهيونية هي الحل النهائي الذي يطرحه الصهاينة والاستيطان في صهيون هو نقطة البداية والصفر، ومع هذا لا يكف الصهاينة عن الحديث عن دولتهم باعتبارها واحة الديموقراطية الغربية في الشرق وقاعدة الحضارة الغربية فيه.

2 ـ ينكر المستوطنون البيض تاريخ السكان الأصليين في الأرض التي سيهاجرون إليها ويستوطنون فيها. فهي عادةً أرض عذراء بلا تاريخ، غير مأهولة بالبشر (أرض بلا شعب) ، على عكس الأرض التي يأتي منها المستوطنون، فهي مكتظة بالسكان.
ومرة أخرى نجد أن أسطورة الاستيطان الصهيونية تعبِّر عن هذا بشكل متبلور، إذ يزعم الصهاينة أن فلسطين هي إسرائيل أو صهيون، وأن تاريخها قد توقَّف تماماً برحيل اليهود عنها. بل إن تاريخ اليهود أنفسهم قد توقَّف هو الآخر برحيلهم عنها، ولن يُستأنف هذا التاريخ إلا بعودتهم إليها، ولكنه تاريخ جديد خال من الاضطهاد والصراع، فهو أقرب إلى التاريخ المقدَّس.
3 ـ لا تؤكد أسطورة الاستيطان الغربية نهاية التاريخ وحسب وإنما نهاية الجغرافيا كذلك، فالأرض التي يستوطن فيها الإنسان الأبيض هي أرض وحسب، ليس لها حدود واضحة، ولذا فهي تتسع حسب قوة الإنسان الأبيض الذاتية، كلما زاد عدد المستوطنين وازدادوا قوة اتسعت الحدود. ومن هنا فكرة الرائد والجبهة المتسعة دائماً. والرائد هو الذي يرتاد أرضاً جديدة دائماً، لا يعرف حدوداً ولا قيوداً ولا سدود. وارتباط نهاية التاريخ بنهاية الجغرافيا أمر متوقَّع، ففكرة الحدود فكرة إنسانية حضارية غير طبيعية، أما عالم الطبيعة فلا يعرف الإنسان، ومن ثم فهو لا يعرف الحدود.
وأسطورة الاستيطان الصهيونية هي أسطورة التوسع بالدرجة الأولى، فإرتس يسرائيل ليس لها حدود واضحة، فالعهد القديم يحتوي أكثر من خريطة. والمستوطنون الصهاينة أطلقوا على أنفسهم مصطلح «حالوتسيم» ، أي» رواد. «

4 ـ إذا حدث أن كانت الأرض العذراء مأهولة بالسكان فإن أسطورة الاستيطان الغربية تحاول تهميشهم، فهم قليلو العدد متخلفون يفتقرون إلى الفنون والعلوم والمهارات المختلفة، يهملون الثروات الطبيعية الكامنة في الأرض. وهم عادةً مجرد رحالة لا يستقرون في أرض ما، وهم شعب لا تاريخ له، فأعضاؤه جزء لا يتجزأ من الطبيعة (كالثعالب والذئاب) ومن ثم لا حقوق لهم. لكل هذا فإن وجود مثل هؤلاء الناس هو وجود عرضي ومن الضروري وضع حل جذري ونهائي للمشكلة الديموجرافية، أي مشكلة وجود السكان الأصليين في الأرض العذراء، وضرورة اجتثاث شأفتهم تماماً.
وأسطورة الاستيطان الصهيونية تنظر للوجود الفلسطيني في فلسطين باعتباره أمراً عرضياً هامشياً، والاعتذاريات الصهيونية مليئة بالحديث عن فلسطين باعتبارها أرض مهجورة مهملة، وكثيراً ما يتحدث الصهاينة عن الفلسطينيين كما لو كانوا جزءاً من الطبيعة بلا تاريخ. وكل هذا ينتهي بطبيعة الحال بتأكيد حق اليهود المطلق في فلسطين (ومن هنا قانون العودة) وينكرون هذا الحق على الفلسطينيين (ومن هنا مخيمات اللاجئين) . وتحاول الحركة الصهيونية وضع حل نهائي للمشكلة الديموجرافية فقامت أحياناً بالإبادة (دير ياسين ـ كفر قاسم) ولكن الطرد كان الشكل الأساسي. وبعد اتفاقيات أوسلو أخذ الحل النهائي شكل عزل السكان الأصليين داخل مجموعة من القرى والمدن ومحاصرتهم بالقوات العسكرية الإسرائيلية والطرق الالتفافية.

5 ـ تم تبرير الرؤى الاستيطانية الإحلالية عن طريق القصص الإنجيلية، وهنا يحدث تلاق كامل بين أسطورة الاستيطان الغربية العامة وأسطورة الاستيطان الصهيونية. فالمستوطنون البيض (وضمنهم الصهاينة) ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم من الآباء (البطارقة) الذين تركوا بلادهم ليستقروا في بلاد أكثر اتساعاً، أو في أرض عذراء لم يستوطن فيها أحد من قبل. وهم مثل العبرانيين يخرجون من مصر (أو بابل) أرض المنفى البغيضة، وينسلخون من تاريخها ليعودوا إلى صهيون (الجديدة) بأن "يصعدوا" لها. فإن وجدوها مأهولة فأهلها إذن من الكنعانيين الذين لا حق لهم في الأرض ومصيرهم هو الحل النهائي: الطرد أو الإبادة.
وغني عن القول أننا حينما نتحدث عن «أسطورة» فنحن لا نتحدث عن واقع تشكَّل ولا حتى عن برنامج عمل، وإنما عن قصة أو قصص يوجد فيها بشكل كامن نموذج معرفي، وهذه القصة مستبطنة تماماً، تعبِّر عن نفسها بشكل جزئي وتتحقق بعض جوانبها في أماكن وأزمنة متفرقة، ولا تتحقق مجتمعة إلا في لحظة نماذجية نادرة.
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني: أهدافه وآلياته وسماته الأساسية
‏Zionist Settler Colonialism: Objectives, Methods, and Main Traits
تنطلق الحركة الصهيونية من أن اليهود شعب واحد بلا أرض، وأن فلسطين أرض بلا شعب. ومن ثم يرى الصهاينة أن فلسطين هي المسرح الذي يتحقق فيه الشروع الصهيوني، وأنها في واقع الأمر ملك للشعب اليهودي، سواء كان يشغلها الفلسطينيون أم لا.

ووضع هذه الرؤية الأسطورية موضع التنفيذ لم يكن أمراً سهلاً، إذ أن المستوطنين الصهاينة حلّوا في أرض لا يعرفونها وهي أرض مأهولة بالسكان، ومن هنا كان من الضروري أن يُنظِّموا أنفسهم بطريقة صارمة، وأن تكون لهم مؤسساتهم الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. فتم تأسيس الوكالة اليهودية ومهمتها القيام بمعظم عمليات التخطيط والتطبيق الفعلي لهجرة وتدريب المستوطنين وتأمين كل ما يحتاجونه من وسائل وأدوات إنتاج وخدمات للمهاجرين. وكانت مهمة الصندوق القومي اليهودي شراء الأرض لصالح الفلسطيني. وتُعتبَر المؤسسة العسكرية والتنظيمات شبه العسكرية من أبرز القواعد التي تضطلع بتطبيق المخطط الاستيطاني الصهيوني والمحافظة على استمرار العملية الاستيطانية وحمايتها. فتقوم المؤسسة العسكرية بتعبئة الجماهير وتجنيدهم حول فكرة الاستيطان باعتبارها المثل الأعلى للمواطن الإسرائيلي. أما التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية مثل الهاجاناه والناحال والجدناع فتقوم بأدوار الحراسة والأدوار الأمنية ورفع الروح المعنوية.
ويمكن القول بأن الأهداف والسمات الأساسية للاستيطان الصهيوني هي ما يلي:
1 ـ يهدف الاستيطان الصهيوني إلى أن تحل الكتلة البشرية (الصهيونية) الواحدة محل السكان الأصليين فهو استعمار إحلالي، وإحلاليته هي سمته الأولى والأساسية (حتى عام 1967) . (انظر الباب المعنون «إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني» ) .

2 ـ حدَّدت منظمة الهاجاناه جوهر الإستراتيجية الاستيطانية عندما أكدت (عام 1943) أن الاستيطان ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما هو وسيلة الاستيلاء السياسي على البلد، أي فلسطين. وقد استمرت هذه السياسة قبل وبعد عام 1948، أي أنها العنصر الأساسي الثابت في الإستراتيجية الصهيونية. ومن ثم عرَّف بن جوريون الصهيونية بأنها الاستيطان، وهو مُحق في ذلك تماماً. ولذا يمكن القول بأن الاستيطان هو نفسه التوسع الصهيوني، لا يوجد أيّ فاصل بينهما. وهذه هي السمة البنيوية الثانية من سمات الاستيطان الصهيوني.
3 ـ ثمة سمة بنيوية ثالثة يتسم بها الاستيطان الصهيوني هي أنه ليس مشروعاً اقتصادياً وإنما مشروع عسكري إستراتيجي، ولذا فهو لا يخضع لمعايير الجدوى الاقتصادية، ولابد أن يموَّل من الخارج (الخارج يمكن أن يكون الدياسبورا اليهودية الثرية [أي الجماعات اليهودية في العالم] أو الراعي الإمبريالي) .
4 ـ يتسم الاستيطان الصهيوني بأنه استيطان جماعي عسكري بسبب الهاجس الأمني (استجابة لمقاومة السكان) ولأن جماعة المستوطنين ترفض الاندماج في المحيط الحضاري الجديد الذي انتقلت إليه (انظر: «الاقتصاد الاستيطاني في فلسطين قبل عام 1948: أسباب ظهوره» ) وتساهم عمليات التمويل من الخارج في تعميق هذه السمة.
5 ـ ارتبط انتشار المستوطنات بحركة الهجرة اليهودية، وهو ما جعل إستراتيجية الاستيطان تتخذ خطاً متوازياً مع الخطوات التي قطعها المشروع الصهيوني لجذب المهاجرين اليهود واقتلاعهم من البلاد التي أقاموا فيها.

6 ـ من المُلاحَظ أن المؤسسات الاستيطانية الصهيونية تقف على رأسها بدلاً من أن تقف على قدميها (ويمكن أن نسميها الهرم الاستيطاني الصهيوني المقلوب) ، فقد كان هناك مزارع الكيبوتس وهي تنظيمات زراعية هدفها الاستيلاء على الأرض التي ستُزرع وتكوين طبقة مزارعين يهود. كما كان هناك الهستدروت، وهو نقابة عمال تهدف إلى خَلْق الطبقة العمالية (وذلك على خلاف النقابات العمالية التي لا تظهر إلا كتعبير عن وضع قائم بالفعل) . ثم كانت هناك جماعات الحراس المختلفة مثل الحارس والهاجاناه والبالماخ وهي تنظيمات عسكرية تهدف إلى خَلْق الشعب اليهودي (أي أن الجيش يسبق الشعب، أو كما قال شاعر إسرائيلي: كل الشعوب تملك سلاح طيران إلا في إسرائيل حيث يوجد سلاح طيران يملك شعباً) . بل إن الجامعة العبرية نفسها أُسِّست بادئ الأمر كمبان وهيئة تدريس في انتظار الطلبة. ويمكن سحب هذا المنطق على كل الحركة الصهيونية، فهي قد بدأت بتأليف الحكومة التي كان هدفها الأساسي إقامة الدولة التي كانت ترمي أساساً إلى تجميع السكان (حكومة فدولة فشعب) . وما من شك في أن هذا يعود إلى أن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي صيغة غير يهودية تم تهويدها لتجنيد المادة البشرية التي رفضت هذه الصيغة أو تملَّصت منها. كما أن الأصول الطبقية لبعض العناصر البشرية المستوطنة صعَّبت عليهم الاضطلاع بوظائف معينة، ولذا كان حتمياً أن يسبق عملية الاستيطان مؤسسات استيطانية مختلفة، مهمتها جذب المستوطنين وتدريبهم. كما أن من أهم سمات الاستيطان الصهيوني أن الكيان الاجتماعي الصهيوني في فلسطين لم يكن متكاملاً، بل كان في مرحلة بداية التكوُّن والتشكُّل، ولم يكن هدف المستوطنين الاندماج في المجتمع القائم بل إقامة كيان اجتماعي وسياسي مستقل.

ويُعَد عام 1967 لحظة فارقة في تاريخ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، إذ ضمت الدولة الصهيونية مساحات شاسعة من الأراضي، وقرَّرت الاحتفاظ بها وتأسيس المستوطنات فيها، رغم وجود كثافة سكانية فلسطينية فيها. ومن ثم تحوَّل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني من استعمار استيطاني إحلالي إلى استعمار استيطاني مبني على الأبارتهايد وفكرة المعازل البشرية للسكان الأصليين. ولكن، مع هذا، لم تتغيَّر الثوابت الإستراتيجية الصهيونية، وإن اختلفت الأهداف والآليات بسبب تغيُّر الظروف.
ويمكن تحديد أهداف الاستيطان الصهيوني في الأراضي المحتلة بعد عام 1967 بما يلي:
1 ـ تهيئة الفرصة لوجود عسكري إسرائيلي، سواء من خلال قوات الجيش الرئيسية أو عن طريق الاستعانة بمستوطنين مسلحين يتبعون هذه القوات أو باستخدام وحدات من جيش الاحتلال يتم نشرها.
2 ـ أن تكون المستوطنات رأس جسر لكسب مزيد من الأرض من خلال نزع الملكية أو سُبل أخرى أكثر دهاءً مثل إزالة المزروعات واقتلاع الأشجار ورفض التصريح بإقامة مبان جديدة أو إصلاح المباني القديمة.
3 ـ خَلْق الحقائق الاستيطانية الجديدة في الأراضي المحتلة بحيث تصبح العودة إلى حدود عام 1967 مستحيلة. ومما يجدر ذكره أن الاستيطان قام، دائماً، بدور أساسي في رسم حدود الكيان الصهيوني، وخصوصاً منذ بداية عرض خطط تقسيم فلسطين في النصف الثاني من الثلاثينيات، وصولاً إلى صدور قرار تقسيمها سنة 1947. ولا شك في أن الإسرائيليين يطمعون في أن يقوم الاستيطان الجديد بدور مماثل في توسيع حدود كيانهم.
واستهدفت السياسة الاستيطانية بناء خط من المستوطنات من الجولان حتى شرم الشيخ مروراً بغور الأردن. وأهم مشروع استيطاني كان مشروع إيجال آلون الذي استهدف بناء حاجز بين الضفتين الغربية والشرقية وتصحيح الحدود وتعديل مسار الخط الأخضر، وتجزئة الضفة الغربية إلى منطقتين.

4 ـ إيجاد القاعدة البشرية من المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء العالم.
5 ـ بعد فشل الصهاينة في "إقناع" الفلسطينيين (عن طريق شراء الأراضي والإرهاب) بترك الأرض بحيث تصبح أرضاً بلا شعب، قرَّر الصهاينة اللجوء إلى أسلوب الأبارتهايد التقليدي وهو تأسيس المعازل، ومن ثم أصبح من أهم أهداف المستوطنات قطع التواصل بين مناطق سكنى الفلسطينيين، بحيث ينقطع الاستمرار بين المراكز السكانية الفلسطينية الأساسية، أي أن وظيفة المستوطنات أصبحت تحويل الضفة الغربية إلى كانتونات ممزقة مفصولة بعضها عن بعض ولا تربطها سوى ممرات محدودة تحيط بها من كل جانب المستوطنات والثكنات العسكرية للجيش الإسرائيلي بحيث لا يستطيع الفلسطينيون التحرك بحرية داخل الأراضي المحتلة. وبالفعل قامت المستوطنات الموزَّعة في كتل أو أطواق بخدمة إستراتيجية "الفصل" و"الوصل" الاستيطانية. فالأطواق الاستيطانية المحيطة بالقدس تؤمن التواصل فيما بينها وبين القدس الغربية، وتفصل القدس الشرقية عن سائر الضفة، كما تفصل شمال الضفة عن جنوبها، في آن واحد. كما أن الشريط الاستيطاني المحاذي للخط الأخضر يُشكِّل استمراراً إقليمياً لفلسطين المحتلة سنة 1948، وعازلاً بين الفلسطينيين على جانبي الخط، على غرار الهدف الذي حدده دروبلس لخطة "الكواكب السبعة". وينطبق الأمر نفسه على كتلتي الاستيطان في جنوب مرتفعات الجولان وشمالها، وعلى كتلة مستوطنات إيرز الناشئة في شمال قطاع غزة. أما كتلة قطيف الاستيطانية في جنوب القطاع فتُشكِّل تطويقاً لمدن القطاع، وعازلاً صهيونياً على الحدود الفلسطينية ـ المصرية.

وشهد الاستيطان الإسرائيلي، خلال هذه الفترة، تقلبات في الوتيرة وتغيرات في التركيز الجغرافي، تعود أساساً إلى اختلاف الحزب/الائتلاف الحزبي الحاكم، وبالتالي، اختلاف تكتيكه الاستيطاني باختلاف نظرته السياسية الأمنية إلى الأراضي المحتلة ومتسقبلها. ومع ذلك، فإن الخريطة الاستيطانية الراهنة جاءت نتاجاً للتفاعل والتجاذب بين هذا التباين التكتيكي والإجماع القومي الإستراتيجي الذي يلف مختلف الأحزاب الصهيونية (عدم العودة إلى حدود 1967، وخصوصاً تهويد القدس وضمها إلى إسرائيل) .
ففي بداية الاستيطان بعد حرب يونيه 1967، كان هناك منطق سياسي وراء إنشاء المستوطنات، إذ تم تحضيرها استناداً إلى الخطة التي وضعها ييجال آلون، وعلى أساس الاحتياجات "الأمنية" الحيوية لدولة إسرائيل، وأصبحت هذه الخطة منذ أن وُضعت الموجِّه الأساسي لسياسة حزب العمل تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما كانت الموجِّه الأساسي لنمط الحلول السياسية التي تقترحها أو تقبلها إسرائيل.
ولكن حتى حكومات حزب العمل، خرجت عن معايير مشروع آلون، إما خضوعاً للمتزمتين حين أنشأوا مستعمرة كريات أربع في الخليل، أو نزوة وزير الدفاع موشي ديان، الذي أنشأ مستعمرة يميت في سيناء، أو نتيجة صراعات داخلية بين إسحق رابين وشمعون بيريز في عهد حكومة رابين الأولى، حيث حدث توسُّع في مناطق معينة في الضفة الغربية لا تشملها خطة آلون. ولكن سلوكها كان محكوماً بالمنطق الداخلي لبنية الاستيطان الصهيوني، التي تتجه نحو المزيد من ضم الأراضي والتوسع.

والخروج على قواعد خطة آلون في عهد حزب العمل كان بمنزلة قطرات خفيفة نسبياً، ولكن هذه القطرات تحوَّلت في عهد حكومات الليكود إلى طوفان، وبعد إخلاء مستعمرة يميت إثر توقيع الصلح المصري ـ الإسرائيلي، وبعد الفشل في حرب لبنان عام 1982، أرادت حكومات حزب الليكود إرضاء ناخبيها فضاعفت زخم الاستيطان، ولم يعارض حزب العمل ذلك، وغطى موافقته آنذاك، بموقف سياسي يقول "ضمن العلاقات السلمية من الممكن أن تظل مستوطنات يهودية تحت السيادة العربية، كما توجد مدن وقرى عربية تحت السيادة الإسرائيلية".
لقد جاءت المحصلة الاستيطانية منسجمة مع جوهر الإستراتيجية الاستيطانية الصهيونية سواء من جهة انتشار المستوطنات أو تركيزها. فمن جهة الانتشار غطت المستوطنات مختلف أنحاء الأراضي العربية المحتلة بهدف إحكام السيطرة عليها، فأُقيمت مستوطنات لا مبرر أمنياً لها ولا جدوى اقتصادية لها، مثل مستوطنة نتساريم في غزة، وهذه حال المستوطنات التي أقامها المعراخ في وسط الجولان إثر حرب 1973، والمستوطنات التي نثرها الليكود في سائر أنحاء الضفة خارج مناطق الأمن.
الطبيعة العسكرية للاستعمار الاستيطانى الصهيوني
‏Military Nature of Zionist Settler Colonialism

اختيرت فلسطين كبقعة لتوطين اليهود فيها وإقامة الدولة الوظيفية القتالية بسبب موقعها الإستراتيجي. ففلسطين ليست معروفة بثرواتها الطبيعية، وهي صغيرة الرقعة، وأرضها ليست خصبة (فهي ليست في ثراء ولا خصوبة أوغنده التي وقع عليها الاختيار في بادئ الأمر لتكون الوطن اليهودي الجديد ثم عُدل عنها) . وموقع فلسطين هو الذي جعلها ضحية مباشرة للاغتصاب الاستعماري الغربي ثم الصهيوني. وقد قال نابليون: "إن من يسيطر في المعركة على تقاطع الطرق يصبح سيد الأرض". وفلسطين التي تطل على البحر المتوسط والأحمر وقناة السويس، والتي تُقسِّم العالم العربي إلى قسمين وتقع على نقطة الالتقاء بين آسيا وأفريقيا، هي ولا شك موقع ممتاز لإقامة قاعدة لخدمة مصالح الاستعمار الغربي ليفرض إرادته وهيمنته. وبالفعل، لا يمكن أن نرى الدولة الصهيونية إلا باعتبارها معسكراً كبيراً يخضع أساساً للاعتبارات الإستراتيجية العسكرية وليس للاعتبارات الاقتصادية.

وينطبق الشيء نفسه على الاستيطان الصهيوني ككل فهو مشروع عسكري بالدرجة الأولى، وهو كذلك الهدف الكامن وراء كل مستوطنة على حدة، فهي كيان صهيوني مُصغَّر في طبيعة بنائها ونوعية أعمال مستوطنيها أنفسهم وموقعها (وبخاصة قبل عام 1948) . فهندسة بناء المستوطنات وطبيعة تنظيمها الداخلي آنذاك تكشف عن أغراض هي أقرب ما تكون إلى الطبيعة العسكرية البحتة. إذ كان يُخطِّط لبناء المستوطنات في أماكن يَسهُل الدفاع عنها كرؤوس التلال والهضاب وعلى مشارف الوديان والممرات. وليس من الصدفة أن تكون أول مستوطنة صهيونية في فلسطين (عام 1868) قد أقيمت على جبل الكرمل المشرف على حيفا. وأن تكون معظم المستوطنات التي أنشئت بعد ذلك، خلال فترة الاستعمار البريطاني، قد أنشأت على مفارق الطرق، وعلى المرتفعات المشرفة على أماكن التجمُّعات العربية في المدن والقرى، وعلى الطريق بين يافا والقدس. وليس غريباً أن نجد أن العسكريين البريطانيين هم الذين اختاروا في بداية الأمر كل المستوطنات الأولى. وليس غريباً أن نجد كذلك أن مواقع بعض المستوطنات الزراعية في ذلك الوقت لا تؤهلها للزراعة. وبيَّن آلون كيف أن الموقع الدقيق للمباني والمنشآت وجميع المرافق في كل مستوطنة جديدة كانت تقرر اختياره هيئة أركان الهاجاناه، بغية تأمين الترتيب الأفضل للهجوم والدفاع (حبيب قهوجي) .
وقد كان الفلاحون العرب يسمون هذه المستوطنات «القلاع» ، وكانوا محقين تماماً في تسميتهم هذه. فكل مستعمرة صُمِّمت لتكون بمنزلة قلعة حصينة قادرة على الدفاع عن نفسها وعن المستعمرات المجاورة أيضاً (وهي تُذكِّر الدارس بالمعبد/القلعة في أوكرانيا إبان حكم الإقطاع الاستيطاني البولندي فيها) . ويُعتبَر هذا التصميم تطبيقاً للتشكيل العسكري الروماني المعروف باسم «الدفاع على شكل أضلاع مغلقة» حيث كانت كل مستعمرة تقوم بتوفير الاحتياجات الأساسية لأعضائها ذاتياً.

ورغم أن المستوطنات كانت مستوطنات زراعية إلا أن الزراعة الاستيطانية لا علاقة لها بالاستثمار الزراعي. فالموقع وليس التربة هو العنصر الذي يتم على أساسه الاختيار. ولذا فنحن نسميها «الزراعة المسلحة» .
وكان المستوطنون يقيمون مستوطناتهم الزراعية على طريقة السور والبرج. فكانوا يأتون بألواح جاهزة وبرج مراقبة وسياج وخيام على أن تنقل كلها خلسة في ليلة واحدة بمساعدة مئات المستوطنين ويحيطون الأرض العربية المغتصبة بسور من الأسلاك الشائكة ثم يبنون برج مراقبة مزوداً بالأسلحة. وفي الصباح تكون المستوطنة الجديدة جاهزة، وقادرة على صد "الإرهابيين" العرب الذين اغتُصبت أرضهم أثناء الليل. ثم تبدأ عملية الزراعة والقتال.
وكانت كل مستعمرة (شأنها شأن المُستوطَن الصهيوني ككل) تتخذ موقعها ضمن إقليم عربي لتخترق تماسكه وتجانسه وأمنه وفي دفاعها عن "أمنها" تدخل حالة صراع مع المجتمع المحيط بها وتستولى على مزيد من الأرض.
والطبيعة العسكرية للاستيطان هي رد فعل للرفض العربي. ولكنها، في الوقت نفسه، جزء لا يتجزأ من المخطَّط الصهيوني الإستراتيجي الذي يهدف إلى تأسيس تجمُّع استيطاني له هويته وحدوده الحضارية والاقتصادية والاجتماعية التي تفصله عما حوله والاستيلاء على الأرض العربية، ويهدف كذلك إلى تقسيم العالم العربي عن طريق عملية الاستيلاء هذه. ويمكن تلخيص تكامل البُعْد الاستيطاني والبُعْد العسكري في المستوطنات بأن الواحد منهما يخدم الآخر، فالاستعمار الاستيطاني يخدم العمل العسكري فيما يلي:
1 ـ تشارك المستوطنات في عملية البناء العسكري الدفاعي، وخصوصاً فيما يتعلق بتأمين الحدود الخارجية والمناطق الداخلية الحيوية.
2 ـ تشكل المستوطنات قواعد للقوات المسلحة ومراكز لوثوبها خارج أراضي إسرائيل لتحقيق المزيد من التوسع الإقليمي.
3 ـ المستوطنات في واقع الأمر مستودع للقوى البشرية المدربة عسكرياً واللازمة للقوات المسلحة.

4 ـ بعد ضم المناطق الجديدة تقوم المستوطنات بملء الفراغ وخلق الوجود المادي السكاني لها.
وإذا كانت المستوطنات تخدم الإستراتيجية العسكرية الصهيونية فالعكس أيضاً صحيح فالمؤسسة العسكرية تخدم المستوطنات.
1 ـ تقوم القوة العسكرية الصهيونية بتوفير الأراضي والمشاركة في الدفاع عنها، وبالتالي تهيئة الظروف المناسبة لازدهار الاستعمار الاستيطاني.
2 ـ تقوم المؤسسة العسكرية بتخليق الزارع الجندي اللازم لإقامة المستعمرات الدفاعية الحصينة وتأمين الحدود.
إن الاستيطان الصهيوني هو جوهر المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي يهدف إلى اغتصاب الأرض الفلسطينية العربية من أهلها وإحلال عنصر بشري وافد محلهم، ولذا فهو مشروع لا يمكن تنفيذه إلا بالعنف، ومن هنا طبيعته العسكرية. ويمكن دراسة طريقة توزيع المستوطنات الصهيونية وإعادة انتشار القوات المسلحة الإسرائيلية في الإطار نفسه.
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني قبل عام 1948: تاريخ
‏Zionist Settler Colonialism before 1948: History
قبل ظهور الحركة الصهيونية، لم يكن ثمة استيطان يهودي في فلسطين. فأعضاء الجماعات اليهودية (الذين لم يتجاوز عددهم 25 ألفاً) كانوا يقطنون في التجمعات المدنية، وبخاصة مدن القدس وطبريه وصفد، وقد استقروا في فلسطين لأسباب دينية لا علاقة لها بالمشروع الصهيوني، ولم يكن هناك وجود للاستيطان الزراعي الذي لم يبدأ إلا عام 1878 عندما توجهت مجموعة من يهود القدس ـ بعد حصولها على دعم خارجي ـ إلى السهل الساحلي حيث تمكَّنت من تأسيس مستوطنة بتاح تكفا. ومع ظهور حركة أحبّاء صهيون وبداية موجات الهجرة الاستيطانية عام 1880، أمكن تأسيس عدد من المستوطنات الزراعية. فتم عام 1882 تأسيس مستوطنات ريشون لتسيون، وزخرون يعقوب، وروش بينا. وفي سنة 1883، أُسِّست مستوطنتا يسود همعلية وإكرون، وأُقيمت مستوطنة جديرا عام 1884.

غير أن هذه المستوطنات لم تلبث أن تعرضت لخسائر فادحة ولجأت إلى الاعتماد على الدعم الخارجي، وبخاصة البارون روتشيلد. وقد مكَّن هذا الدعم المستوطنات القديمة من الاستمرار، كما مكَّن من إقامة ثلاث مستوطنات أخرى عام 1890 (رحوبوت، ومشمارهياردن، والخضيرة) . ولكن مع إقامة تنظيمات صهيونية توطينية ابتداءً من عام 1891، انتهى دور البارون روتشيلد وانتقلت مسئولية رعاية المستوطنات إلى الجمعية الاستعمارية اليهودية (بيكا) التي عملت في البداية على تزويد المستوطنات القائمة بالقروض المالية، وإقامة المزارع التدريبية للعمال الزراعيين، وذلك بعد أن نقلت هذه المسئوليات من رجال البارون روتشيلد. وحتى سنة 1898، كان قد تم تأسيس 22 مستوطنة يهودية (بلغت مجموع مساحاتها نحو 200 ألف دونم) وبلغ مجموع سكانها (آنذاك) 4900 نسمة تقريباً.
ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الثاني 1898 وإقرار قانون المنظمة الصهيونية العالمية، أخذت هذه المنظمة على عاتقها كل الشئون المتعلقة باستيطان فلسطين ـ وبذلك انتهى ما يُسمَّى «الصهيونية العملية» أو «التسللية» . وبدأت هذه المنظمة نشاطها الفعلي عام 1901 مع تأسيس الصندوق القومي اليهودي. وأسهم تأسيس مكتب فلسطين برئاسة آرثر روبين عام 1907 ـ 1908 في زيادة نشاط هذه المؤسسة حيث باشرت أعمالها الفعلية عام 1908 بتأسيس مشروعها الأول وهو مزرعة أم جوني في الجانب الغربي لنهر الأردن جنوب بحيرة طبرية، وفيما بعد شرقي النهر في المستوطنات التي أصبحت تحمل اسم «كينرت دجانيا» . ومع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، كان هناك 47 مستوطنة يهودية في فلسطين أُقيمت 14 منها بدعم من المنظمة الصهيونية بإشراف مكتب فلسطين.

وتُعتبَر مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين (أي وضع فلسطين في قبضة الراعي الإمبريالي) المرحلة الذهبية للصهيونية. فبعد صدور وعد بلفور عام 1917 ومنح القوة الإمبريالية الغربية دعمها القوي للمشروع الصهيوني وبداية موجة الهجرة الصهيونية الثالثة 1919 وإعلان شرعية الهجرة 1921، وتأسيس قسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية الذي حل محل مكتب فلسطين، وتنامي الوجود السياسي للحركة الصهيونية، توسعت النشاطات الاستيطانية واكتسبت أبعاداً أيديولوجية مع تبلور الأنماط الأساسية الثلاث للمستوطنات: الكيبوتس والموشاف والقرى التعاونية أو تعاونيات الطبقة المتوسطة.
وقد أخذت النوايا السياسية لعمليات الاستيطان في الاتضاح للفلسطينيين، الأمر الذي فجّر عمليات المقاومة، حيث هوجم عدد من المستوطنات التي أُقيمت في الجليل الأعلى (تل حاي وكفار جلعادي) ، وبدأت عام 1929 أول دراسة علمية لخدمة أغراض التخطيط الاستيطاني على المستوى القطري.
ومع صدور الكتاب الأبيض عام 1930، قرَّرت المنظمة الصهيونية الإسراع في عمليات الاستيطان وفي إقامة نقاط قوية في المناطق التي لم يسكن بها المستوطنون الصهاينة في السابق، وذلك بهدف خلق خريطة سكانية يهودية تشمل أوسع مساحة جغرافية ممكنة للاستعداد لاحتمال طرح تقسيم فلسطين، حيث جرى تركيز عمليات الاستيطان باتباع مبدأ الزراعة المختلطة للمساعدة في عمليات الاكتفاء الذاتي الغذائي للمستوطنة في أعقاب تأزم الأوضاع داخل فلسطين. ويُطلَق على المستوطنات التي أُقيمت خلال تلك الفترة اسم «السور والبرج» (بالعبرية: خوما ومجدال) وصفاً للطابع العسكري لتلك المستوطنات التي ترافقت مع بداية الثورة الفلسطينية عام1936.

وفي غضون الحرب العالمية الثانية وبعدها، أُقيم نحو 94 مستوطنة. وبعد انتهاء الحرب، اتجهت الجهود الاستيطانية للتوسع الجغرافي لاستيطان منطقة النقب في عامي 1946 و1947، ومرت أنابيب المياه إلى هذه المستوطنات من المناطق الوسطى في فلسطين. ونشطت الوكالة اليهودية في فترة الانتداب في تنظيم عمليات الاستيطان وأقامت لذلك عدداً من المشاريع الاستيطانية الخاصة ابتداءً من سنة 1930 وحتى الحرب العالمية الثانية. ومن هذه المشاريع مشروع الألف عائلة الذي تم بمقتضاه إقامة عدة مستوطنات في السهل الساحلي، وكذلك مشاريع توطين اليهود المشردين في أعقاب عام 1933.
واستمرت محاولات الاستيلاء على الأراضي في أية بقعة يمكن الوصول إليها، إلا أن التركيز كان على المناطق السهلية بشكل عام حيث تتميَّز الأراضي بالجودة ووفرة المياه. وحتى عام 1948، كان حوالي 25% من المستوطنات اليهودية موجودة في منطقة سهول الخضيرة، ونسبة 12% منها في سهول يافا، و17% في سهول طبريا والحولة وبيسان، و11% في سهل الجليل الأسفل ومرج ابن عامر، و4% في كل من منطقتي الجليل الأعلى ومرتفعات القدس. أما منطقة النقب، فقد بلغت نسبة المستوطنات اليهودية فيها 9% تقريباً من إجمالي المستوطنات اليهودية. وبلغت مساحة الجزر التي أُقيمت عليها إسرائيل في فلسطين حسب خطوط الهدنة عام 1947 حوالي 20.700.000 دونم منها 425 ألف دونم مسطحات مائية.
وقد تزايد عدد المستوطنات في الفترة من 1822 ـ 1899 ليصبح 22 مستوطنة استوطنها 5210 مستوطنين، وزاد في الفترة 1900 ـ 1907 ليصبح 27 مستوطنة اتسعت لـ 7000 مستوطن، وزاد ليصبح 47 مستوطنة في الفترة 1908 ـ 1914 حيث وسعت 12 ألف مستوطن. وارتفع عام 1922 فأصبح 71 مستوطنة وسعت 14.920 مستوطناً. وفي عام 1944، وصل عدد المستوطنات إلى 259 مستوطنة ضمت 143.000 مستوطناً. وعند قيام الدولة الصهيونية كانت تضم 277 مستوطنة.

ثم أُعلن قيام الدولة الاستيطانية الصهيونية التي تُمثل المستوطنة الصهيونية الكبرى التي تضم كل المستوطنات الزراعية والصناعية والمدنية والكيبوتسات والموشافات في منتصف آيار ـ مايو 1948.
الاستعمار الاستيطان الصهيوني حتى عام 1967: تاريخ
‏Zionist Settler Colonialism till 1967: History
في خلال الفترة من عام 1948 حتى عام 1967 تم التوسع الاستيطاني عبر سلسلة من القوانين والإجراءات المتعسفة ضد الفلسطينيين. وأهم تلك القوانين: قانون أملاك الغائبين المتروكة (1950) والذي يتيح للحكومة الإسرائيلية أن تستولي على الأرض التي هجرها ساكنوها (اللاجئون ثم النازحون الذين تم إرهابهم وإجلاؤهم عن أراضيهم) ، وقانون استملاك الأراضي (1952) ، وقانون التصرف (1953) الذي يتيح للحكومة الإسرائيلية الحصول على الأراضي التي لم يمكِّنها القانون الأول من الاستيلاء عليها تحت دعوى طلبها لأغراض الدفاع والتوطين إذا لم يتصرف صاحب الأرض المطلوبة فعلياً في الأرض، وقانون تقادم العهد أو مرور الزمن (1957) . وينص دستور الصندوق القومي اليهودي على أن الأراضي الفلسطينية التي يستولي عليها الصندوق تعتبر ملكاً للشعب اليهودي لا يجوز التصرف فيها.

وقد عبَّرت القوانين المذكورة عن نزوع المشروع الصهيوني إلى إضفاء الشرعية على الاحتلال الذي تم بفعل القوة، وقد تمكَّنت السلطات الإسرائيلية من استخدام أملاك العرب الفلسطينيين الذين غادروا بيوتهم وتركوا أملاكهم وعيَّنت قيماً أو حارساً على أملاكهم لتتمكن من خلال ستار الأمن والمصلحة العامة من منع الغائبين من العودة إلى قراهم وأحيائهم. وقد اعتبرت أصحاب الأملاك الذين أُجبروا على الابتعاد عنها من الغائبين، وقامت السلطات الإسرائيلية باستخدام تلك الأملاك لإسكان المهاجرين اليهود، وضمت بعض الأراضي في المناطق الريفية إلى المستعمرات من موشافات وكيبوتسات مجاورة لتلك القرى، واعتبر المواطنون العرب الفلسطينيون في حكم الغائبين حتى لو كانوا يقيمون على بُعد بضعة كيلو مترات من قراهم الأصلية.
وفوق ذلك امتد تطبيق قانون أملاك الغائبين ليشمل أملاك الوقف الإسلامي، حيث أصبح الحارس على أملاك الغائبين مسئولاً عن تأجير واستخدام أملاك الوقف الإسلامي، وتبلغ نسبتها في حوانيت بعض المدن أكثر من 70% من مجموع عدد تلك الحوانيت.

وتنفيذاً لمبدأ مصادرة الأراضي صادرت سلطات التجمُّع الصهيوني بعد عام 1948 40% من الأراضي التي يملكها السكان العرب تحت ذريعة أنها أملاك غائبين، وموضوع الأملاك المتروكة هو الذي جعل إسرائيل دولة ذات مقومات، فمن بين مجموع 370مستعمرة أُقيمت 350 مستعمرة منها على أراضي الغائبين بين عامي 1948 ـ 1953. وفي عام 1954 كان ثُلث عدد سكان إسرائيل وثُلث المهاجرين يقيمون على أراضي الغائبين. وقد استولت سلطات الكيان الصهيوني على ما يقارب 20.5 مليون دونم من مجموع مساحة أراضي فلسطين بأكملها. ومن الذرائع التي اتخذتها السلطات الصهيونية مصادرة الأراضي لأغراض التدريبات العسكرية والذريعة الأمنية، إما لقربها من معسكرات الجيش أو لقربها من إحدى المستعمرات أو لوقوعها في مكان إستراتيجي. بالإضافة إلى مصادرة الأراضي الأميرية بحجة أن ملكيتها تعود للدولة وليس للعرب.
ويُلاحَظ أن المستوطنات الزراعية المتباعدة كانت تُمثِّل أساس الاستيطان الصهيوني ووسيلته. إلا أن ظاهرة التجمع في المدن أصبحت لا تُمثِّل، فيما بعد، نسبة ليست عالية فحسب بل نسبة في ارتفاع مستمر حيث يبدو أن المستوطنات لم تَعُد مطمح الصهاينة الاستيطانيين. (حتى نهاية 1978، كان حوالي 90% من اليهود في إسرائيل من سكان المدن (
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني منذ عام 1967 حتى الوقت الحاضر: تاريخ
‏Zionist Settler Colonialism from 1967 till the Present: History

استمرت السلطات الإسرائيلية في عمليات الاستيلاء "القانوني" على الأرض. فعلى سبيل المثال يحظر الحاكم العسكري على الفلسطينيين تسجيل الأراضي منذ 1967، وهو يمنع الفلسطينيين الذين لا يقيمون في الضفة وغزة حالياً من وراثة الأرض. ويجب أن يصادق الحاكم العسكري على جميع صفقات الأراضي، كما أن سجلات الأرض تحت سيطرته ويمكن أن يكون التبليغ بشأن مصادرة الأراضي شفوياً. ومن المحظور تقديم التماس إلى المحاكم المحلية، والسبيل الوحيد للاعتراض هو تقديم التماس إلى المحكمة الإسرائيلية العليا أو إلى لجنة اعتراضات استشارية عسكرية.
ونتيجة تطبيق تلك الإجراءات بلغت نسبة الأراضي التي استولت عليها السلطات الصهيونية 70% من مساحة أراضي الضفة الغربية، في حين بلغت النسبة 42% في قطاع غزة، بالإضافة إلى مساحة كبيرة من الجولان حيث أقيم عليها 30 مستعمرة. وإذا علمنا بأن ما استولت عليه سلطات ومنظمات الكيان الصهيوني عام 1948 بلغ حوالي 80% من مجموع مساحة فلسطين، فإن هذا يعني أن 20% فقط من مساحة فلسطين هي مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة. وما استولت عليه سلطات الاحتلال فيهما وصل إلى أكثر من 70% من مساحتها.
فبعد عام 1967 صُودرت 350 ألف دونم من القدس والضفة الغربية علاوة على 400 ألف دونم هي أراضي الغائبين، فضلاً عن إغلاق أكثر من مليون دونم بأوامر عسكرية. وفي قطاع غزة، صُودرت نسبة 33% من مجموع مساحته البالغة 400 ألف دونم منها 40 ألف دونم من الأراضي العامة، و93 ألف دونم تعتبرها السلطات ذات ملكية غير واضحة، بالإضافة إلى أملاك الغائبين التي تقدر بحوالي ثمانية آلاف دونم.

وقد وصل عدد المستوطنات في الضفة الغربية خلال عقد من الزمن، هي فترة حكم المعراخ 1967 ـ 1977، إلى 22 مستوطنة أنشأتها ألوية تابعة للحركات الاستيطانية العمالية، وتركزت في منطقة الأمن (14 مستوطنة في غور الأردن، و6 مستوطنات في غوش عتسيون) ، هذا باستثناء منطقة القدس التي صادرت فيها حكومة المعراخ 17 ألف دونم وأقامت الضواحي الاستيطانية الأساسية عليها (راموت ـ نفي يعقوب ـ رامات إشكول ـ سنهدريا الموسعة ـ غفعات همفاتير ـ التلة الفرنسية ـ قصر المندوب) . وانتهى عهد المعراخ في قطاع غزة عام 1977 مع إقامة 6 مستوطنات. أما مرتفعات الجولان في هذه الفترة فقد أقيم فيها 11 مستوطنة (9 في الجنوب، و2 في القنيطرة) بعد عام واحد من الاحتلال. وبنهاية عام 1972 كان قد أقيم 15 مستوطنة منها 6 كيبوبتسات يستوطنها جميعاً 1727 مستوطناً. وبعد حرب 1973 تمكَّن المعراخ حتى عام 1977 من إنشاء 26 مستوطنة.
وفي عهد الليكود استندت عملية الاستيطان إلى خطة إيريل شارون وهي خطة "العمود الفقري المزدوج" والتي تتضمن خطين متوازيين ساحلي وداخلي تربط بينهما شبكة من المواصلات الطولية والعرضية، حيث يمتد الخط الشرقي من الجولان شمالاً حتى شرم الشيخ جنوباً، أما الخط الساحلي فيحوي أكثر من 75% من سكان إسرائيل.
وحينما تولى إيريل شارون وزارة الدفاع عام 1981، انطلق من ضرورة تثبيت «العمق الإستراتيجي» من أجل وضع نظام دفاعي إقليمي مكوَّن من المستوطنات المحيطة بحدود إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والجليل والنقب، باعتبارها مختلفة عن المستوطنات التي أُقيمت لأسباب دينية أو اقتصادية.

أما الخطة الأكثر خطورة فهي خطة متتياهو دوربلس الرئيس الثاني لقسم الاستيطان في الوكالة اليهودية، وترمي خطته إلى بناء 10 ـ 15 مستوطنة سنوياً لاستيعاب 100 ـ 150 ألف مستوطن خلال 5 سنوات. واستهدفت هذه الخطة إقامة المستوطنات بين المدن والتجمُّعات العربية وأن تكون المستوطنات كتلاً متراصة عن طريق الاستيطان المُختلَط بما يسمح بتعدد أنماط الإنتاج بين صناعي وزراعي وخدمات، وذلك بهدف جعل قيام دولة غير يهودية في الدولة مهمة مستحيلة واقعياً. وقد ركَّزت خطة الليكود على الضفة وغزة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد لتلافي احتمال إخلاء مستوطنات منهما كما حدث في سيناء. وتم تكثيف الاستيطان في القدس الشرقية، وبخاصة بين الأحياء العربية لتحويلها إلى جزر صغيرة في بحر المستوطنات الصهيونية.
وفي عهد الليكود 1977 ـ 1984 تم في الأربعة أعوام الأولى فقط إقامة 51 مستوطنة أخرى، ووصل عدد المستوطنين فيها في تلك الفترة إلى 45 ألف مستوطن بحلول عام 1984وكان ذلك في الضفة، باستثناء القدس. كما أُقيمت بقطاع غزة خمس مستوطنات في تلك الفترة تركزت في فترة الثمانينيات. وفي عام 1981 قرَّر الكنيست ضم الجولان. وفي فترة حكم الليكود تأسَّست 9 مستوطنات وبلغ عدد المستوطنين في الجولان 8000 مستوطن. وفي هذه الفترة بدأت الأصوات تتعالى داخل إسرائيل لاستيطان وتهويد أراضي الجليل التي أصبحت ذات أغلبية عربية. وابتداءً من عام 1977، شرع الكيان الصهيوني في عملية تهويد واسعة للجليل الغربي تضمنها مشروعا كل من فايتس (1977 ـ 1992) ، ومشروع دروبلس (1979 ـ 1984) وهما مشروعان للتوطين، كان يهدف أولهما إلى تعزيز الاستيطان في مناطق الجليل والنقب وغزة، أما الثاني فكان يهدف إلى تعزيز الاستيطان بإقامة 30 نقطة مراقبة استيطانية في الجليل.

ويبدو أن الضفة أصبحت فيما بعد الساحة الأساسية المستهدفة. فباستثناء بضعة مستوطنات في سيناء والجولان وغزة، أُسِّست معظم المستوطنات في الضفة الغربية وضمن ذلك القدس الشرقية. ففي عهد حكومة الائتلاف بين المعراخ والليكود (1984 ـ 1990) كان ثمة قرار بتجميد الاستيطان إلا أنه كان وهماً حيث حرصت الحكومة على تعزيز المستوطنات القائمة، وتضمن البرنامج الحكومي إقامة 5 ـ 6 مستوطنات خلال عام واحد، وبلغ عدد المستوطنات التي أُسِّست في هذه الفترة 25 مستوطنة تركَّز أغلبها في الجليل. ومع نهاية عام 1990 كان في الضفة الغربية (باستثناء القدس) نحو 150 مستوطنة يقطنها 90 ألف مستوطن يهودي تقريباً. وفي الفترة نفسها تم تأسيس مستوطنتين في قطاع غزة هما: رفيح يام عام 1984، ودوجيت عام 1990 يقطنهما 200 مستوطن. ولم تحدث زيادة في عدد مستوطنات الجولان حتى أوائل التسعينيات.
ومع تدفُّق المهاجرين السوفييت في أوائل التسعينيات، تبنَّى الليكود خطة استيطانية جديدة في الأراضي المحتلة مثل الخطة الاستيطانية الخمسية الشاملة وخطة الكواكب السبعة التي كانت تهدف إلى محو الخط الأخضر وإدخال عازل بين الفلسطينيين بإقامة مستوطنات على جانبيه.
ومن جهة أخرى، لم يَحل عقد مؤتمر مدريد سنة 1991 والمفاوضات التي تلته دون استمرار النشاط الاستيطاني، بل إن المؤتمر نفسه كان مناسبة للقيام بمثل هذا النشاط.

وغداة عودة حزب العمل إلى سدة الحكم، في صيف سنة 1992، اتخذت الحكومة الجديدة قراراً بتجميد البناء في المناطق، شمل 6681 وحدة سكنية. لكن القرار تضمن استثناءين مهمين: أجزاء معينة من الضفة (وغيرها) ، يعتبرها حزب العمل، تقليدياً، مناطق "أمنية" (وضمنها القدس الكبرى) ؛ ونحو 10آلاف وحدة سكنية في مناطق مختلفة، بدعوى أنها في مراحل متقدمة من البناء. وقد تم "التجميد" على خلفية التمييز الذي يتصف تصوُّر الحزب به، بين مستوطنات "أمنية" وأخرى "سياسية"، وهو تصوُّر ينسجم، إلى حدٍّ بعيد، مع مشروع آلون، ويشمل أساساً القدس الكبرى وغور الأردن وغوش عتسيون. ومما يُقلِّل أهمية "التجميد" أن جزءاً كبيراً من أعمال البناء في المستوطنات أصبح يتم، منذ أعوام طويلة، على أيدي شركات البناء الخاصة والمقاولين والمستوطنين أنفسهم.

لقد ارتفع عدد المستوطنين اليهود في عهد الحكومة العمالية بين عامي 1992 و1996 من حوالي مائة ألف في يونيه 1992 إلى حوالي 152 ألف مستوطن في يونيه 1996 ثموصل إلى حوالي 180 ألف مستوطن في نهاية عام 1997. وفي يوليه 1993 كان عدد المستوطنين اليهود في القدس الشرقية قد بلغ 160 ألف شخص يتوزعون على ثمانية أحياء استيطانية مقابل 155 ألف فلسطيني يعيشون بالمدينة، يُضاف إلى هذه الأحياء تلك النقاط الاستيطانية داخل أسوار المدينة القديمة، والمستوطنات الواقعة ضمن نطاق القدس الكبرى. وقد وُضعت خطة في نهاية عام 1994 ترمي إلى زيادة عدد سكان القدس من اليهود بنحو 130 ألف نسمة أخرى في المدينة فقط. وبلغ عدد المستوطنات عام 1992 مع نهاية حكم الليكود 16 مستوطنة بالإضافة إلى كفار يام التي لا تُعتبَر مستوطنة بحسب بعض التعريفات، علاوة على مجمع إيرز الصناعي. وذكر مجلس المستعمرات أن عدد المستوطنين وصل في أواخر عام 1993 إلى 5900 مستوطن في غزة، في حين بلغ عدد المستعمرات في الجولان في نفس التاريخ 38 مستوطنة يقطنها 13 ألف مستوطن. ويوجد في الأراضي العربية الفلسطينية والسورية المحتلة (حتى عام 1995) نحو 210 مستوطنة تضم حوالي 300 ألف مستوطن.
ويشير الدكتور خليل التفكجي مدير إدارة الخرائط في جمعية الدراسات العربية إلى أن مستوطنات الضفة الغربية تتركز في أربع مناطق أساسية هي:
1 ـ منطقة غور الأردن المعروفة بطريق آلون مروراً بمناطق نابلس وقلقيلية وطولكرم شمال الضفة الغربية.
2 ـ منطقة اللطرون المحصورة بين شمال غرب مدينة القدس وغرب مدينة رام الله.
3 ـ منطقة مستوطنات شمرون وآرييل المحصورة بين جنوب نابلس وشمال رام الله.
4 ـ منطقة مستوطنات غوش عتصيون المنتشرة بين مدن بيت لحم والخليل جنوب الضفة.

ويمكن النظر إلى هذه المستوطنات كمستوطنات ذات أهمية إستراتيجية وعسكرية، بينما تتوزع نحو 70 مستوطنة أخرى صغيرة مبعثرة بين التجمُّعات الفلسطينية في الضفة الغربية.
ويمكن ملاحظة أن الكتلة الاستيطانية الضخمة في جنوب غرب نابلس، أصبحت أغلبية يهودية في قلب هذه المنطقة، وتضم مستعمرات هذه الكتل، مستعمرات أورونيت. فسكان هذه المجموعة من المنطقة أصبحوا أكبر من المجموع العام للسكان العرب ومن ضمنها مدينة قلقيلية.
هذا الخط من المستعمرات الذي يمتد من كفار سابا من الناحية الغربية باتجاه منطقة زعترة (جنوب نابلس) باتجاه الشرق يقسم الضفة الغربية إلى جزأين شمالي وجنوبي. وأي إنسان يخرج من منطقة كفار سابا باتجاه الغور يشعر بأنه داخل إسرائيل وليس داخل الضفة الغربية نتيجة وجود أغلبية يهودية على جانبي الخط ومستعمرات على جانبي الطريق، بالإضافة إلى الشوارع العريضة.
أما من منطقة غوش عتصيون التي تقع جنوب القدس بين مدن بيت لحم والخليل وجنوب الضفة، فهي تفصل بيت لحم عن الخليل، وتؤدي في النهاية إلى إنشاء القدس الكبرى (المتروبوليتان) .
والكتلة الاستيطانية التي يُطلَق عليها نجوم شارون السبعة تمتد من منطقة اللطرون ـ عمواس ـ يالو وتتجه شمالاً بمحاذاة الخط الأخضر بحيث أن جزءاً من هذه المستوطنات تم بناؤه داخل إسرائيل وجزءاً آخر في المنطقة الحرام التي كانت تفصل الحدود الأردنية عن الحدود الإسرائيلية وحدود الضفة الغربية. ففي منطقة اللطرون فإن أكبر مستوطنة تنشأ الآن يُطلَق عليها «مودعين» ، والتي ستصبح ثاني أكبر مدينة ما بين تل أبيب والقدس.

واختيار هذه المنطقة جاء ليخدم توسع تل أبيب التي إذا توسعت فإنها لابد أن تتوسع باتجاه الشرق أو الغرب، أما جهة الغرب فالتوسع مستحيل أو مكلف جداً، بسبب البحر، أو باتجاه الشرق، وهي مناطق زراعية، وهو ما ترفضه إسرائيل وبالتالي فقد تم بناء جسر أي بناء منطقة القفز نحو أقدام جبال الضفة الغربية لبناء مستعمرات ضخمة تأكل من الضفة الغربية التي تمتد من منطقة اللطرون جنوباً حتى منطقة أم الفحم أو منطقة جنين في المنطقة الشمالية، ومن هنا جاء مشروع يوسي الفرت يضم 11% من مساحة الضفة الغربية باتجاه إسرائيل، لأن هذه الكتل الاستيطانية التي تم تشكيلها على طول الخط الأخضر من الجنوب باتجاه الشمال، شكلت حدوداً جديدة بحيث أن يوئيل زنغر، المستشار القانوني لوزارة الخارجية أثناء حكومة العمل السابقة، اعترف، لأول مرة، بأن السلطات الإسرائيلية تبني فوق الخط الأخضر جنوب مدينة قلقيلية.
ويبلغ حجم الدعم السنوي الحكومي للمستوطنات حوالي 300 مليون دولار في شكل تخفيضات في الضرائب على الرواتب والخدمات السكنية، فمن يشتري بيتاً في إسرائيل عليه أن يدفع ضريبة بمقدار 5% من قيمة البيت، بينما تصل النسبة إلى 0.5% في الأراضي المحتلة. وكل إسرائيلي يريد الاستثمار في الضفة وغزة يمكنه أن يحصل على 38% من قيمة الاستثمار أو على إعفاء من الضرائب لمدة عشر سنوات أو على ضمان من الدولة لثُلثي قيمة المبلغ المستثمر، وهذه التسهيلات تثير حفيظة بعض القطاعات داخل إسرائيل مثل رجال الصناعة.

ورغم هذه الجهود المبذولة من أجل دعم ونشر الاستيطان والمستوطنات في الأراضي المحتلة عبر الخطط والمشاريع الاستعمارية المختلفة، فقد واجهت الحركة الاستيطانية المعضلة الأساسية والمتمثلة في غياب المستوطنين وإحجام اليهود عن الهجرة إلى إسرائيل رغم الدعم الكبير الذي تلقته الحركة الصهيونية من خلال هجرة اليهود السوفييت، مما يشير إلى عدم الرغبة اليهودية في الإقامة في المستوطنات رغم الحوافز المادية والدعم السخي الذي تقدمه الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين. فالمستوطن اليهودي السوفيتي أو غيره في الأراضي العربية لم يأت إلى فلسطين كي يحارب أو يناضل من أجل غاية معيَّنة، ولكنه جاء ليستمتع بحياة اقتصادية مرفهة.
وقد ذكر التقرير الذي أعدته القنصلية الأمريكية في القدس (في مايو 1997) أن 25% من المنازل في المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية خالية و56% في قطاع غزة و28% في الجولان، ويكشف هذا التقرير عن مشاكل نقص المعلومات بل تناقُضها بشأن الاستيطان، فآخر إحصاء رسمي إسرائيلي وارد في كتاب الإحصاء السنوي لعام 1996، والذي يورد أرقام 1995 أشار إلى أن المستوطنات تضم 33610 منزلاً منها 4066 منزلاً خالياً، أي بنسبة 12%. ففي الضفة الغربية هناك 31763 منزلاً منها 3312 منزلاً خالياً بنسبة 10.4%، وفي قطاع غزة 1847 منزل منها 754 منزلاً خالياً، وفي الجولان 8800 منزل منها 880 منزلاً فارغاً.
وذكرت حركة السلام الآن أن طواقمها الميدانية وجدت أحياء بكاملها فارغة وغير مسكونة، هذا عدا البيوت المتفرقة. بينما صرَّح رئيس شعبة الاستيطان في الوكالة اليهودية سالي مريدور أن "غالبية المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية لا يوجد فيها بيت واحد خال، وتلك التي توجد فيها منازل فارغة لا تصل نسبتها إلى 5%، معظمها خالية لأسباب فنية، وليس بسبب نقص في السكان"!

ورغم هذا التناقُض فيمكن القول بأن المعلومات الأمريكية ـ بصرف النظر عن سبب النشر ـ قريبة جداً من الواقع، لأنه من المعروف أن آلاف اليهود المقيمين داخل الخط الأخضر، يستغلون التسهيلات الكبيرة التي تُعطَى للمستوطنات من أجل شراء المنازل بها، حيث يصل سعرها إلى نسبة 25% من أسعار مثيلاتها من المنازل داخل إسرائيل، ويُدفَع ثمنها بأقساط مريحة وبفوائد قليلة جداً، ومعظم هؤلاء المشترين لا يسكنون فيها بل يستخدمونها في الإجازات. ولكن وفقاً للأوضاع الأمنية، وكذلك في حالة الاضطرار إلى إخلاء مستوطنات عند توقيع اتفاقات سلام نهائية، يستطيع هؤلاء طلب أسعار مضاعفة للبيوت مثلما حدث للمستوطنين في مستعمرة ياميت في سيناء، حيث حصلوا على تعويضات ضخمة.
مستوطنة جبل أبو غنيم (هارهوما (
‏Abu Ghoneim (Har Homa) Settlement
خلافاً لما تصوَّره البعض فإن توقيع اتفاق أوسلو فَتَح الشهية الاستيطانية في الأراضي المحتلة، وبخاصة في القدس والخط الأخضر، وذلك استمراراً لسياسة الأمر الواقع الإسرائيلية التي قلَّصت ـ منذ عام 1967 ـ الوجود الفلسطيني في القدس الشرقية إلى جزر بشرية متباعدة ومبعثرة ومحاطة بمستوطنات يهودية، واعتماد سياسة تهويد المدينة محلياً إما بإرغام الفلسطينيين على الرحيل، وإما بتقليص وجودهم إلى جيتوات صغيرة منفصلة، وقد طُبِّقت مثل هذه الإجراءات بطرق ثلاثة:
1 ـ توسيع المساحة المضمومة إلى أقصى حد.
2 ـ تقليص السكان العرب وزيادة السكان اليهود إلى أقصى حد.
3 ـ إحاطة المساكن العربية بمستوطنات سكنية يهودية ضخمة.

وتسعى الحكومة الإسرائيلية بقرار الاستيطان في جبل أبو غنيم الصادر في فبراير 1997 إلى إكمال فصل كل الأحياء العربية في المدينة المحتلة منذ عام 1967 عن بقية أنحاء الضفة الغربية (كلمة «هار» تعني «تل» و «هوما» تعني «السياج» ) . وستنضم مستوطنة جبل أبو غنيم المقرر إقامتها في جنوب القدس إلى تسعة أحياء يهودية أخرى تمت إقامتها في القدس الشرقية منذ عام 1967 وتربط بينها شبكة طرق سريعة وخدمات من حي جيلو اليهودي في أقصى الجنوب الغربي إلى راموت في الشمال الغربي. وستكتمل الحلقة اليهودية حول القدس تماماً مع مشروع البوابة الشرقية (إيسترن جيت) الذي وصل إلى مراحل متقدمة في التخطيط في وزارة البنية التحتية التي يرأسها إيريل شارون.
وجبل أبو غنيم يقع على مسافة كيلو مترين شمال مدينة بيت لحم. وبعد حرب 1967 قررت سلطات الاحتلال فصل جبل أبو غنيم عن بيت لحم واعتبرته امتداداً لبلدية القدس، وهو أرض مشجَّرة في قسم منها، وتبلغ مساحته 1850 دونماً، وهو الاحتياطي شبه الوحيد من الأراضي بيد المواطنين العرب لبناء مساكن جديدة، ويقع في الجبل دير مسيحي بيزنطي، كان يستضيف الحجاج القادمين من كنيسة القيامة.

وفي عام 1991 جدت مصادرة الأراضي المحيطة بجبل أبو غنيم، وتتضمن الخطة الاستيطانية في جبل أبو غنيم إقامة 6500 وحدة سكنية بهدف استيعاب 40 ألف مستوطن وهو ما يرفع عدد اليهود في القدس الشرقية إلى أكثر من مائتي ألف مستوطن، حيث يتم في المرحلة الأولى بناء 1250 وحدة سكنية. ولكن يبدو أن المشروع أكبر من ذلك المعلن عنه، فقد كشف نائب رئيس بلدية القدس الذي يقود لجنة التنظيم والبناء فيها، أوري لوفليانسكي (من حزب ديجل هتوراه الأصولي الإشكنازي) "أن المشروع يقضي ببناء 18 ألف وحدة سكنية تتسع لـ 150 ألف يهودي". وعندما سئل عن تفسيره لهذه الأرقام الضخمة، وما إذا كان مبالغاً فيها قال: "احسبوا معدل أفراد كل عائلة يهودية متدينة، تعرفون الجواب". والمعروف أن معدل عدد أفراد العائلة اليهودية المتدينة 8 ـ 9 أنفس.
وفي محاولة لتبرير مشروع الاستيطان في جبل أبو غنيم أكدت السلطات الإسرائيلية وجود قرار ببناء وحدات سكنية للعرب في القدس قد تصل إلى 3016 وحدة، ولكن المعروف أن اتخاذ القرار لا يعني البناء الفعلي، ومقابل الدعم المادي والقروض الكبيرة بفوائد رمزية وأمد طويل التي تقدمها الحكومة للمستوطنين فإن العرب محرومون من تلك المميزات، والحكومة الإسرائيلية ترفض منح تراخيص بناء للعرب.
إن خطورة الاستيطان في جبل أبو غنيم، فضلاً عن كل كونها واقعاً احتلالياً استيطانياً توسعياً، تتضمن النقاط التالية:
* خنق مدن بيت لحم حيث يبقيها دون أراض لاحتواء الزيادة السكانية الطبيعية. وبيت لحم وأراضيها سوف تكون في حصار إذ تحيط بها من الشمال مستعمرة جبل أبو غنيم، ومن الجنوب مستعمرة كفار عتسيون، ومن الغرب مستعمرة بيتار العليا، ومن الشرق مستعمرة تفوح.

* ربط مستوطنة جيلو بالمستوطنة التي يراد إقامتها في جبل أبو غنيم بواسطة الطرق الالتفافية حيث ستفصل هذه الشوارع بيت لحم عن شرق القدس وغربها، مع كل ما يترتب على ذلك من فصل اقتصادي وحياتي للمواطنين العرب الفلسطينيين.
* انتهاك قدسية الأماكن المسيحية الأثرية، حيث يوجد في أبو غنيم بئر القديس تيودور والدير البيزنطي وكنيسة بئر قاديسمو وهو المكان الذي رحلت منه السيدة العذراء قبل توجهها لبيت لحم وإنجاب المسيح.
* حرمان المنطقة من دخلها السياحي حيث تُبنَى المستوطنات الجديدة.
* والمسألة الخطيرة جداً في استيطان وتهويد جبل أبو غنيم، تتمثل في تمزيق وحدة الأراضي الفلسطينية والتواصل الإقليمي فيها وتغيير ملامحها الجغرافية والديموجرافية، حيث تصبح الضفة الغربية مُقسَّمة ومشطورة فعلياً إلى منطقة شمالية تمتد من شمال القدس ورام الله حتى شمال الضفة عند جنين وطولكرم، ومنطقة جنوبية إلى جنوب دائرة استيطان القدس الكبرى وحتى الخليل وبذا تصبح الأراضي الفلسطينية محشورة في ثلاثة كانتونات هي غزة، شمال القدس حتى جنين وطولكرم، وجنوب القدس حتى الخليل، ويمكن أن يُفتَح بذلك طريق آخر لتشطير جديد في إطار مفاوضات الحل الدائم مع تمسك إسرائيل بوجود الكتل الاستيطانية الموزَّعة في أنحاء الأرض المحتلة.
الجيبان الاستيطانيان في إسرائيل وجنوب أفريقيا: منظور مقارن
‏Two Settler Enclaves in Israel and South Africa: Comparative Perspective
يأخذ الاستعمار الاستيطاني شكل هجرة جماعية منظمة لكتلة سكانية من العالم الغربي لأرض خارج أوربا. وتتم هذه الهجرة تحت الإشراف الكامل لدولة غربية لها مشروع استعماري (تُسمَّى «الدولة الأم» ) أو بدعم مالي وعسكري منها. ويوجد نوعان من الاستعمار الاستيطاني:

1 ـ الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف لاستغلال كل من الأرض ومَنْ عليها من البشر، وهذا هو الاستعمار الاستيطاني المبني على التفرقة اللونية (التي يُقال لها الأبارتهايد) . وجنوب أفريقيا من أفضل الأمثلة على ذلك النوع من الاستعمار. كما يمكن القول بأن الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر تنتمي هي الأخرى لهذا النمط.
2 ـ الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف إلى استغلال الأرض بدون سكانها، وهذا هو النوع الإحلالي حيث يحل العنصر السكاني الوافد محل العنصر السكاني الأصلي الذي يكون مصيره الطرد أو الإبادة. والولايات المتحدة في سنوات الاستيطان الأولى هي أكثر الأمثلة تبلوراً على هذا النوع من الاستعمار. والدولة الصهيونية مثل آخر (وإن كانت الإبادة هي الآلية الأساسية في حالة الولايات المتحدة، بينما نجد أن الطرد هو الآلية الأساسية في حالة الدولة الصهيونية) . وكما تحوَّلت الولايات المتحدة من النظام الاستيطاني الإحلالي إلى النظام المبني على الأبارتهايد، تحوَّلت الدولة الصهيونية هي الأخرى بعد عام 1967 من النظام الإحلالي إلى النظام المبني على الأبارتهايد.
وهكذا يمكن القول بأنه رغم الاختلاف العميق بين إسرائيل وجنوب أفريقيا من منظور مرحلة التكوين الأولى، إلا أن التطورات التاريخية اللاحقة جعلت نُقَط التماثل بين الجيبين الاستيطانيين أكثر أهمية من نُقَط الاختلاف بينهما، ولها مقدرة تفسيرية أعلى.
ولنحاول الآن أن نتناول بعض نقط الالتقاء هذه:
1 ـ كلتا الدولتين بدأ كجيب استيطاني يخدم المصالح الغربية على عدة مستويات (قاعدة إستراتيجية وعسكرية ـ استيعاب الفائض البشري ـ عمالة رخيصة ـ مصدر للمواد الخام) نظير الدعم والحماية الغربيين. وليس من قبيل الصدفة أن الشخصيات الأساسية وراء إصدار وعد بلفور هي نفسها الشخصيات التي كانت وراء إصدار إعلان اتحاد جنوب أفريقيا وهم: آرثر بلفور ولويد جورج واللورد ملنر وإيان سمطس.

2 ـ كانت الدولة الإمبريالية الأم عادةً ما تعطي إحدى الشركات حق استغلال رقعة من الأرض ثم تتحول هذه الشركة نفسها إلى حكومة المُستوطَن. وقد قامت المنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية بهذا الدور في حالة المشروع الصهيوني.
3 ـ تستمر العلاقة بين الدولة الأم والجيب الاستيطاني حتى بعد إعلان "استقلال" الدولة، إذ أن الدولة الاستيطانية ترى نفسها جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الحضاري الغربي.
ومع هذا لا تتسم العلاقة بين الوطن الأم والدولة الاستيطانية بالمودة دائماً، فرغم ادعاء الرابطة الحضارية إلا أن العلاقة مع الوطن الأم هي علاقة نفعية. فالدولة الاستيطانية دولة وظيفية يستند وجودها إلى وظيفتها، فإن فَقَدت وظيفتها أو أصبحت تكاليف دعمها أعلى من عائدها فَقَدت وجودها (كما حدث مع كل الجيوب الاستيطانية ومنها جنوب أفريقيا) . وعادةً ما يحدث الصدام بين الوطن الأم والجيب الاستيطاني بسبب اختلاف رقعة المصالح. فالوطن الأم له مصالح عالمية إمبريالية عريضة، أما الجيب الاستيطاني فمصالحه محلية ضيقة. وأحياناً يأخذ التوتر شكل مواجهة مسلحة (حرب بريطانيا مع البوير ـ المواجهة العسكرية بين حكومة الانتداب البريطاني وبعض المنظمات العسكرية الصهيونية ـ المواجهة العسكرية بين الحكومة الفرنسية والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر) ، أو مواجهة سياسية (موقف الدول الغربية من نظام الأبارتهايد ـ التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل إبان حرب 1956) .

4 ـ يُلاحَظ أن الخطاب الاستعماري الاستيطاني خطاب توراتي. فالمستوطنون سواء في جنوب أفريقيا أو إسرائيل هم «عبرانيون» أو «شعب مختار» أو «جماعة يسرائيل» ، واعتذاريات المستوطنين عادةً اعتذاريات توراتية، فالأرض التي يستولون عليها هي صهيون، أرض وعد الإله بها أعضاء هذا الشعب دون غيرهم. والسكان الأصليون إن هم إلا «كنعانيين» أو «عماليق» ، وجودهم عرضي في هذه الأرض (أو غير موجودين أساساً) . ولذا فمصيرهم الإبادة أو الطرد أو أن يتحولوا إلى عمالة رخيصة.
5 ـ عادةً ما ترى الجيوب الاستيطانية نفسها باعتبارها موجودة عرضاً في المكان الذي توجد فيه (أفريقيا أو العالم العربي) ولكنها، في واقع الأمر، ليست منه. وذلك لأنها جزء من التاريخ الأوربي (وإن كان الصهاينة أيضاً يرون أنفسهم جزءاً من التاريخ اليهودي) . ومع هذا يمكن القول بأن الكتل الاستيطانية عادةً كتل معادية للتاريخ، فقد جاء المستوطنون من أوربا التي لفظتهم إلى أرض عذراء (صهيون الجديدة) لا تاريخ لها ـ حسب تصوُّرهم ـ يمكنهم أن يبدأوا فيها من نقطة الصفر. (وإنكار تاريخ البلد الجديد مسألة أساسية من الناحية المعرفية والنفسية، لأن المستوطنين لو اعترف بوجود تاريخ لسكانه الأصليين لفقدوا شرعية وجودهم) .
6 ـ عادةً ما يتبنَّى الجيب الاستيطاني رؤية قومية عضوية، إذ يرى المستوطنون أن ثمة وحدة عضوية تضمهم كلهم وتربطهم بأرضهم. هذا على مستوى الإدراك والرؤية، أما على مستوى البنية الفعلية فالأمر جدُّ مختلف. ففي جنوب أفريقيا ـ على سبيل المثال ـ نجد أن المستوطنين هناك قد انقسموا إلى شيع وجماعات، ولكن الانقسام بين العنصر الهولندي والعنصر البريطاني يظل أهم الانقسامات. وفي إسرائيل نجد أيضاً انقسامات حادة بين أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة التي هاجرت إلى إسرائيل، ولكن مع هذا يظل الانقسام الأساسي هو الانقسام بين السفارد والإشكناز.

7 ـ يتفرع من هذا كله خطاب عنصري يؤكد التفاوت بين الكتلة الوافدة (التي يُنسَب لها التفوق العرْقي والحضاري) ، والسكان الأصليين (الذين يُنسَب لهم التخلف العرْقي والحضاري) .
8 ـ ويترجم هذا نفسه إلى نظرية في الحقوق. فحقوق الكتلة الاستيطانية حقوق مطلقة، أما السكان الأصليون فلا حقوق لهم، وإن كان ثمة حقوق فهي عرضية (كنعانية) تجُّبُها حقوق المستوطنين (العبرانيين!) .
9 ـ انطلاقاً من كل هذا يتحدد مفهوم المواطنة في البلدين، فالمواطن ليس من يعيش في الجيب الاستيطاني وإنما هو صاحب الحقوق المطلقة، أي اليهودي في الدولة الصهيونية، والأبيض في جنوب أفريقيا. ويتضح هذا في قانون العودة الإسرائيلي الذي يمنح حق العودة لليهود وحسب، كما يتضح في قوانين الهجرة في جنوب أفريقيا التي تمنع هجرة غير البيض. هذا يعني أن التمييز العنصري في الجيوب الاستيطانية لا يُشكِّل انحرافاً عن القانون أو خرقاً له (كما هو الحال الآن في الولايات المتحدة) وإنما هو من صميم القانون نفسه. فمقولة «يهودي» و «أبيض» هي مقولات قانونية تمنح صاحبها حقوقاً قانونية وسياسية ومزايا اقتصادية تنكرها على من هو غير يهودي في إسرائيل، ومن هو غير أبيض في جنوب أفريقيا.
10 ـ تترجم نظرية الحقوق (والتفاوت) نفسها إلى بنية سياسية واجتماعية وثقافية. فعلى المستوى السياسي ينشأ نظامان سياسيان واحد ديموقراطي حديث مقصور على المستوطنين، والآخر شمولي يحكم علاقة الجماعة الاستيطانية بأصحاب الأرض الأصليين. وبينما يُسمَح لأعضاء الكتلة الوافدة بالتنظيم السياسي والمهني، يُحرَّم هذا على السكان الأصليين. ويُلاحَظ أنه رغم أن النظام الاستيطاني نظام غربي حديث إلا أنه يُشكل عنصراً أساسياً في محاولات إعاقة تحديث السكان الأصليين.

11 ـ أما في المجال الاقتصادي فنجد أن المستوطنين يحاولون الاستيلاء على الأرض إما عن طريق الاستيلاء المباشر أو عن طريق شرائها أو عن طريق إصدار قوانين تُسهِّل عملية الاستيلاء هذه ونقل الأرض من السكان الأصليين للمستوطنين. وهذه عملية مستمرة لا تتوقف إذ أن الجيب الاستيطاني بسبب إحساسه بالعزلة وبسبب خوفه من المشكلة الديموجرافية يسمح لمزيد من المهاجرين بالاستيطان، الأمر الذي يتطلب المزيد من الأرض، فيزداد الصراع. وقد قام المستوطنون البيض في جنوب أفريقيا بالتوسع على حساب السكان الأصليين البوشمان والهوتنتوت والبانتو، تماماً مثلما قام المستوطنون الصهاينة بالتوسع على حساب الفلسطينيين.
ويتقاضى العمال من السكان الأصليين أجوراً أقل كثيراً من التي يتقاضاها العمال الاستيطانيون. كما أن معظم العمال من السكان الأصليين عليهم الانتقال من أماكن انتقالهم إلى أماكن عملهم، وهو ما يعني جهداً إضافياً شاقاً يتجشمه العامل دون مقابل. كما يقوم النظام الاستيطاني بإعاقة تطوُّر اقتصاد محلي للسكان الأصليين أو أي شكل من أشكال التراكم الرأسمالي.
12 ـ ويُلاحَظ على المستوى الثقافي ظهور نظامين قوميين: القومية الأولى قومية أصحاب الأرض الأصليين سواء الفلسطينيين أو الأفارقة في كلتا الدولتين، أما القومية الثانية فهي قومية مصطنعة، وهي قومية المستوطنين الذين لا تتوافر لهم في مجموعهم من البداية غالبية خصائص القومية الواحدة. ومع هذا يُحتفَل "بالقومية" الاصطناعية الواحدة وتصبح رموزها هي الرموز السائدة في الدول الاستيطانية. وفي مجال التعليم، لا تُتاح لأبناء السكان الأصليين فرص تعليمية متميِّزة، خشية أن يحققوا حراكاً اجتماعياً وثقافياً وتظهر بينهم نخبة متعلمة تقود كفاحهم الوطني.

13 ـ تواجه الجيوب الاستيطانية مشكلة ديموجرافية دائمة إذ أن السكان الأصليين يأخذون في التكاثر. ولذا لابد أن يضمن الجيب الاستيطاني تدفُّق الهجرة من الغرب. وتُستصدَر التشريعات المختلفة لهذا الهدف (كما أسلفنا) وتُعدُّ الهجرة قضية أمنية عسكرية.
14 ـ لابد أن تساند نظرية الحقوق هذه ومحاولة ترجمتها إلى بنية اجتماعية وسياسية قدراً كبيراً من العنف الفكري والإرهاب الفعلي والقمع المستمر بهدف إبادة السكان أو طردهم أو استرقاقهم. وآليات الإرهاب تبدأ من عمليات المذابح المباشرة (دير ياسين وشاربفيل) والطرد الجماعي والعقاب الجماعي ووضع السكان في معازل جماعية (البانتوستان في جنوب أفريقيا ـ المناطق العسكرية من الضفة في فلسطين المحتلة) ، وفرض شبكة أمنية ضخمة وشبكة مواصلات ومجموعة من القوانين (مثل ضرورة استصدار تصريح من السلطات) بهدف تقييد حرية انتقال السكان الأصليين من مكان لآخر وتقليل الاحتكاك بين السكان الأصليين والمستوطنين.
15 ـ رغم كل عمليات القمع هذه يظهر ما يمكن تسميته «شرعية الوجود» ، أي إحساس المستوطنين الوافدين أن السكان الأصليين لا يزالون هناك يطالبون بحقوقهم ويحاربون من أجلها، وتأكيد هذا الوجود يعني في واقع الأمر غياب/اختفاء المستوطنين. ولذا يصر المستوطنون على أن وجودهم مهدد دائماً. ولذا فهدف الأمن القومي في النظم الاستيطانية هو البقاء (وأهم مقومات البقاء القوة العسكرية وتدفُّق المادة البشرية بشكل دائم) .

وهذا التوافق والإدراك المتبادل لوحدة المصير أدَّى إلى خلق درجة كبيرة من الاعتماد المتبادل بين الدولتين في عدة مجالات. ففي المجال التجاري كانت العلاقات بين الجيبين الاستيطانيين من القوة بحيث نجد أن جنوب أفريقيا ـ قبل زوال النظام العنصري ـ كانت شريكة إسرائيل الأولى في التجارة. ولم يكن التعاون العسكري بين الدولتين أقل قوة، فقد أرسلت الدولة الصهيونية متطوعين إسرائيليين ليحاربوا جنباً إلى جنب مع قوات جنوب أفريقيا في حربها ضد قوى التحرر الوطني. وشاركت جنوب أفريقيا بدورها في إمداد إسرائيل بالسلاح في حرب إسرائيل ضد العرب. ويُعدُّ التعاون في مجال صناعة الأسلحة من أهم أشكال التعاون، وكانت الدولتان تحاولان تنسيق جهودهما لتحقيق الاستقلال في مجال إنتاج المعدات العسكرية وفي مجال السلاح النووي.
ومع بداية التسعينيات تمت تصفية كل الجيوب الاستيطانية في أنحاء العالم. ولم يتبق غير إسرائيل وجنوب أفريقيا: الأولى تقبع على بوابة أفريقيا (تفصل بينها وبين آسيا) ، والثانية تقبع في أطرافها. فكأنهما كانا يُشكلان ما يشبه الكماشة التي تطبق على أفريقيا. وبزوال الجيب الاستيطاني في جنوب أفريقيا، لم يبق سوى إسرائيل، الحفرية الأخيرة في نظام قضي وانتهى.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - الدولة الاستيطانية الإحلالية - إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
‏Depopulation as a Structural Trait of Zionist Settler Colonialism
كلمة «إحلال» من فعل «أحلَّ» ، والاستعمار الاستيطاني الإحلالي يُطلَق على هذا النوع من الاستعمار حين يقوم العنصر السكاني الوافد (عادةً الأبيض) بالتخلص من السكان الأصليين إما عن طريق الطرد أو عن طريق الإبادة حتى يُفرغ الأرض منهم ويحل هو محلهم. وفي أمريكا اللاتينية، كان هدف الاستعمار الاستيطاني هو استغلال كلٍّ من الأرض وسكانها عن طريق إنشاء المزارع الكبيرة التي يقوم السكان الأصليون بزراعتها لتحقيق فائض القيمة من خلالهم، ولذا لم يُطرَد السكان الأصليون. أما في الولايات المتحدة، فقد كان المستوطنون البيوريتان يبغون الحصول على الأرض فقط لإنشاء مجتمع جديد، فكان طرد أو إبادة السكان الأصليين وإحلال عنصر جديد محل العنصر القديم أمراً لا مفر منه. وكانت جنوب أفريقيا، حتى عهد قريب، من هذا النوع الإحلالي، فنجد أن المستوطنين البيض استولوا على خير أراضيها وطردوا السكان الأصليين منها. ولكن، بمرور الزمن، طرأت تغيرات بنيوية على الدولة الاستيطانية في جنوب أفريقيا، وأصبح تحقيق فائض القيمة واستغلال السكان الأصليين أحد الأهداف السياسية. ولذا، كان يوجد في جنوب أفريقيا استعمار استيطاني يقوم بتجميع السود في أماكن عمل ومدن مستقلة (بانتوستان) تقع خارج حدود المناطق والمدن البيضاء، ولكنها تقع بالقرب منها حتى يتسنى للعمال السود الهجرة اليومية داخل المناطق البيضاء للعمل فيها.
والأمر بالنسبة لإسرائيل لا يختلف كثيراً عنه في جنوب أفريقيا إذ أن الهدف من الصهيونية هو إنشاء دولة وظيفية قتالية تستوعب الفائض البشري اليهودي وتقوم بحماية المصالح الغربية. وحتى تحتفظ هذه الدولة بكفاءتها القتالية، لابد أن تظل هذه الدولة بمعزل عن الجماهير (العربية) التي ستحارب ضدها، ولذا كان طرد العرب من نطاق الدولة الصهيونية ضرورياً حتى تظل يهودية خالصة، فكأن يهودية الدولة مرتبطة بوظيفتها القتالية ووظيفتها مرتبطة بإحلاليتها.

وقد كان جابوتنسكي مدركاً لشيء من هذا القبيل حين بيَّن أن الدولة الصهيونية المحاطة بالعرب من كل جانب، ستسعى دائماً إلى الاعتماد على "إمبراطورية قوية غير عربية غير إسلامية". وقد اعتبر جابوتنسكي هذه الانعزالية "أساساً إلهياً لإقامة تحالف دائم بين إنجلترا وفلسطين اليهودية (واليهودية فقط) ". (يرى أعضاء الجماعات الوظيفية أن عزلتهم علامة من علامات الاختيار الإلهي ومن علامات تميُّزهم على العالمين) ، وإصرار جابوتنسكي على صفة اليهودية هو إصرار على العزلة، فالعزلة هي أساس الكفاءة الوظيفية. ففلسطين عربية ستدور في الفلك العربي (على حد قوله) ، بل وستهدد المصالح الغربية (على حد قول نوردو) ، ذلك لأن العرب عنصر مشكوك في ولائه. أما فلسطين اليهودية (الوظيفية) ذات التوجه الحضاري الغربي فستكون حليفاً موثوقاً به وسيشكل سكانها عنصراً موالياً للغرب بشكل دائم، فهو بسبب عزلته لا ينتمي للمنطقة (على حد قول جابوتنسكي ونوردو ووايزمان) .
وقد قام الصهاينة بتهويد دوافع طرد العرب بطرق مختلفة. وتذهب العقيدة الصهيونية إلى أنها تهدف إلى توطين اليهود في دولة يهودية خالصة (ومن ثم طرد العرب) لأيِّ سبب من الأسباب الآتية:
1 - أن تصبح الدولة مركزاً ثقافياً ليهود العالم.
2 - أن يحقق اليهود حلمهم الأزلي بالعودة لوطنهم الأصلي.
3 - أن يتم تطبيع الشخصية اليهودية حتى يصبح اليهود أمة مثل كل الأمم (ومن هنا المفاهيم العمالية المختلفة عن اقتحام العمل والحراسة والزراعة والإنتاج) .
4 - أن يؤسس اليهود دولة يمارسون من خلالها سيادتهم ومشاركتهم في صنع القرار والتاريخ.

وعلى كل صهيوني أن يختار الديباجات التي تلائمه. ولكن، مهما كانت الدوافع، فإن الأمر المهم هو أن تكون الدولة المُزمَع إنشاؤها دولة يهودية خالصة ليس فيها عنصر غير يهودي بحيث أصبح حضور الدولة يعني غياب العرب (ومن ثم أصبح حضور العرب يؤدي إلى غياب الدولة) ، ومن هنا طرح كل من الاستعماريين غير اليهود والصهاينة اليهود شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» . ولكن مثل هذه الأرض لا توجد إلا على سطح القمر (على حد قول حنه أرنت) . ولذا، كان يتحتم على الاستعمار الصهيوني أن يستولي على قطعة أرض ثم يفرغها من سكانها عن طريق العنف. ولذا فطرد الفلسطينيين من أراضيهم جزء عضوي من الرؤية الاستيطانية الصهيونية، ولا تزال هذه هي السمة الأساسية للاستعمار الصهيوني في فلسطين، فهو استعمار استيطاني إحلالي، وإحلاليته إحدى مصادر خصوصيته بل تفرُّده، وهي في الواقع مصدر صهيونيته ويهوديته المزعومة.

وإخلاء فلسطين من كل سكانها أو معظمهم (على أقل تقدير) هو أحد ثوابت الفكر الصهيوني، وهو أمر منطقي ومفهوم إذ لو تم الاستيلاء على الأرض مع بقاء سكانها عليها لأصبح من المستحيل تأسيس الدولة اليهودية، ولتم تأسيس دولة تمثل سكانها بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الإثني وتكتسب هويتها الإثنية الأساسية من الانتماء الإثني لأغلبية سكانها. ومثل هذه الدولة الأخيرة لا تُعَدُّ تحقيقاً للحلم الصهيوني الذي يطمح إلى تأسيس الدولة/الجيتو. ومن هنا، كان اختفاء العرب ضرورياً. والعنصرية الصهيونية ليست مسألة عَرَضية، ولا قضية انحلال خلقي أو طغيان فرد أو مجموعة من الأفراد. وإنما هي خاصية بنيوية لأنه (لكي يتحقق الحلم الصهيوني) لابد أن يختفي السكان الأصليون، ولو لم يختفوا لما تحقق الحلم. ولهذا، نجد أن الصهاينة (كل الصهاينة، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو السياسي، وبغض النظر عن القيم الأخلاقية التي يؤمنون بها) يسهمون في البنية العنصرية وينمونها. فالمستوطن اليهودي الذي يصل إلى فلسطين سوف يسهم - حتى لو كان حاملاً مشعل الحرية والإخاء والمساواة وملوِّحاً بأكثر الألوية الثورية حُمرة - في اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفي تشويه علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والحضارية، ويعمل (شاء أم أبى) على تقوية مجتمع استيطاني مبني على الاغتصاب. وهذه مشكلة أخلاقية حقيقية تواجه الإسرائيليين الذين يرفضون الصهيونية، والمولودون على أرض فلسطين المحتلة. ويؤكد كل هذا التوجه إسرائيل زانجويل إذ يقول: "إن أردنا أن نعطي بلداً لشعب بلا أرض، فمن الحماقة أن نسمح بأن يصبح في هذا الوطن شعب".

وقد كان بن جوريون مدركاً تماماً للفرق بين الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الإحلالي. وفي إطار إدراكه هذا، اقترح على ديجول أن يتبنَّى الشكل الإحلالي من الاستعمار الاستيطاني حلاًّ للمشكلة الجزائرية، فتقوم فرنسا بإخلاء المنطقة الساحلية من الجزائر من سكانها العرب، ليُوطَّن فيها الأوربيون وحدهم أو يقيموا فيها المستوطنات، ثم تُعلَن دولة مستقلة لسكانها حق تقرير المصير (وكان رد ديجول يتسم بالذكاء التاريخي إذ قال: "أتريدني أن أخلق إسرائيل أخرى؟ ") . وقد أشار كارل كاوتسكي إشارة عابرة لتلك السمة المميِّزة والأساسية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في كلاسيكيته هل يُشكِّل اليهود جنساً؟ كما تَكهَّن بأن يعاني المستوطنون اليهود الكثير خلال النضال العربي من أجل الاستقلال، "ذلك لأن الاستعمار اليهودي لفلسطين يدل على أنهم ينوون البقاء فيها، وعلى أنهم لا ينوون عدم استغلال السكان الأصليين فحسب بل طردهم نهائياً".
وثمة عناصر خاصة بالاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني تضمن استمرار آليات الاحتكاك والتوتر بينه وبين السكان الأصليين وسكان المنطقة ككل. فمعظم التجارب الإحلالية الأخرى حلت مشكلتها السكانية (أي وجود سكان أصليين) بعدة طرق: التهجير أو الإبادة أو التزاوج مع عناصر السكان الأصليين، أو بمركب من هذه العناصر. ولكن التجربة الاستيطانية الصهيونية تختلف عن معظم التجارب الإحلالية الأخرى فيما يلي:
1 - أنها بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، أي في تاريخ متأخر نوعاً عن التجارب الأخرى.
2 - أنها لم تتم في المناطق النائية عن العالم القديم (الأمريكتين وأستراليا ونيوزيلندا) وإنما تمت في وسط المشرق العربي، في منطقة تضم كثافة بشرية لها امتداد تاريخي طويل وتقاليد حضارية راسخة وامتداد بشري وحضاري يقع خارج حدود فلسطين.

ولكل هذا، فإن حل التهجير صعب إلى حدٍّ ما، كما أن حل الإبادة يكاد يكون مستحيلاً. والتزاوج أمر غير مطروح أصلاً، وهو ما يجعل المسألة الفلسطينية (السكانية والتاريخية) مستعصية على الحل الاستعماري التقليدي الذي مورس في مناطق أخرى في مراحل تاريخية سابقة، ولذا فإن من المتوقع استمرار التوتر والعزلة والشراسة.
والتعرف على الجذور الحضارية للاستعمار الاستيطاني الإحلالي له أهميته، إذ يبدو أن النوع الاستيطاني (غير الإحلالي) في الجزائر وأنجولا قد نشأ في الدول الكاثوليكية بينما تعود جذور النوع الإحلالي في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة إلى الدول البروتستانتية ذات النزوع الحلولي. فالحلولية الكمونية تؤدي إلى حلول المطلق في النسبي وكمونه فيه بل توحُّده به، ولذا يتوحد الدال والمدلول وتُسد كل الثغرات، وهو ما يؤدي إلى انتشار التفسيرات الحرفية للعهد القديم والتي تخلق حالة عقلية تُسهِّل عملية نقل السكان وتجعلها أمراً طبيعياً، فالأوامر المقدَّسة الحرفية بتدمير الكنعانيين قد جاءت من عل ولا يمكن تفسيرها إلا بشكل حرفيّ. كما أن معظم اعتذاريات الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الاستيطاني الإحلالي مُستمَدة من العهد القديم. والكنيسة القومية هي عادةً كنيسة حلولية، إذ أنها موضع الحلول وكل عضو فيها وكل مؤمن بعقيدتها هو عضو في جماعة مقدَّسة - جماعة من الأنبياء أو أشباه الأنبياء. وهي، لهذا السبب، كنيسة مقتصرة على مجموعة بشرية يجمعها انتماء إثني أو عرْقي واحد (كما هو الحال مع الكنيسة الهولندية الإصلاحية في جنوب أفريقيا التي لا تسمح للسود بالانضمام إليها) . مثل هذه الكنيسة تضفي قدراً من القداسة على الأفعال التي يأتيها أعضاؤها، وتقدم التبريرات الدينية التي تكون عادةً ذات طابع إنجيلي مقدَّس. فتسوغ عمليات الطرد باعتبار أن الآخر يقع خارج نطاق القداسة. أما الكنيسة الكاثوليكية، فقد حاصرت الحلول الإلهي، وهي تؤمن

بالتفسيرات الرمزية والروحية بحيث تفسر أوامر الطرد والإبادة تفسيراً رمزياً، الأمر الذي يخلق مجالاً للحوار مع النص المقدَّس. وهي أيضاً كنيسة عالمية، أي كنيسة تفتح أبوابها لأي إنسان، فهي تمنح المؤمن (سواء كان من المستوطنين أو كان من السكان الأصليين) حقوقاً معينة بغض النظر عن انتمائه القومي أو العنصري، وهو ما يجعل تبنِّي المستوطنين الذين يتبعون الكنيسة العالمية الرؤية الحلولية للكون والنمط الإحلالي من الاستعمار أمراً صعباً.
وكان هرتزل يدرك تماماً الاعتراض الكاثوليكي على مشروعه، ولكنه كان يعتقد أن هذا الموقف قد نَجَم عن المنافسة المستعرة بين كنيستين أو ديانتين عالميتين (اليهودية والكاثوليكية) تتنازعان القدس (باعتبارها قاعدة أرشميدس) ، وهو تفسير ينم عن عدم الفهم وعن عدم إدراك لطبيعة اليهودية. ومهما يكن الأمر، فيبدو أن هناك نوعاً من العلاقة الأساسية التي تستحق المزيد من الدراسة بين الشكل المحدد الذي تتخذه مختلف الجيوب الاستيطانية، وبين جذورها الحضارية. ولعل أطروحة فيبر، بشأن علاقة الرأسمالية بالبروتستانتية، قد تساعد بعض الشيء في هذا المضمار، شريطة أن يضع الدارس في الاعتبار الأطروحات الخاصة بالحلولية والإحلالية والعلاقة بينهما.
ومهما كان الأمر، فإن إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني صفة بنيوية لصيقة به، ويشهد الواقع التاريخي بذلك. ففي عام 1948 (أي قبل إعلان الدولة) ، بلغ عدد اليهود في الأراضي المحتلة 649.633 يهودياً. ولو جمعنا هذا العدد في عائلات تتألف الواحدة منها من خمسة أشخاص لحصلنا على رقم 129.927 عائلة على حين كانت أملاك اليهود المشتراه حتى 1948 لا تتسع إلا إلى 35.521 عائلة يهودية - أي أن هناك 97.406 عائلة فائضة عن القدرة الاستيعابية التي يفترض وجودها في الأملاك. ولهذا، فإن استقلال إسرائيل كان يعني طرد العرب.

وترى وثيقة أصدرها مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل أن عدد اللاجئين بعد حرب 1948 هو 577.000 لاجئ، وتخالفها وثيقة وزارة الخارجية البريطانية التي صدرت بهذا الصدد وقد حسبتهم بما يقارب 711.000 لاجئ عربي. ويشير تقرير المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أوثروا) في شهر يوليه 1993 إلى مليون و199 ألف لاجئ (1960) زاد عددهم إلى مليون و425 ألف لاجئ عام 1970 ثم إلى مليون 844 ألف عام 1980 وإلى مليونين و423 ألف لاجئ عام 1990، ليصل العدد عام 1994 إلى مليونين و908 ألف لاجئين.
وقد واصلت إسرائيل الإبعاد في الفترة من 1967 وحتى عملية إبعاد "مرج الزهور" وقد بلغ عدد المُبعدين 1.120.889 لاجئاً عام 1994.
هؤلاء المبعدون حل محلهم مستوطنون بطبيعة الحال بلغ عددهم في الفترة من 1948 - 1966 (1.199.739) مهاجراً، وفي الفترة 1967 - 1970 (109.425) مهاجراً، وفي الفترة 1971 - 1985 (403.706) . وقد استمرت الهجرة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية مع ضغط الرئيس الأمريكي ريجان على نظيره السوفيتي جورباتشوف لتهجير يهود سوفييت. وقد تصاعدت معدلات الهجرة الاستيطانية الإحلالية بعد عام 1948 واستمرت عمليات طرد السكان الأصليين. وفيما يلي جدول يبيِّن الميزان السكاني في فلسطين المحتلة قبل وبعد إعلان الدولة الاستيطانية الإحلالية:
تطور عدد سكان إسرائيل، اليهود والعرب، ونسبة العرب من مجموع السكان
بين 8/11/1948 ونهاية 1993
) الأعداد بالآلاف (
السنة / العدد الإجمالي / يهود / عرب / نسبة العرب من مجموع السكان
8-11-1948 / 872.7 / 716.7 / 156.0 / 17.9
نهاية 1948 /---- / 758.7 / ---- / -----
نهاية 1949 / 1.173.9 / 1.013.9 / 160.0 / 13.6
نهاية 1950 /1.370.1 / 1.203.0 / 167.1 /12.2
نهاية 1951 /1.577.8 / 1.404.4 / 173.4 / 11.0
نهاية 1952 / 1.629.5 / 1.450.2 / 179.3 / 11.0

نهاية 1953 / 1.669.4 / 1.483.6 / 185.8 / 11.2
نهاية 1954 / 1.717.8 / 1.526.0 / 191.8 / 11.2
نهاية 1955 / 1.789.1 / 1.590.5 / 198.6 / 11.1
نهاية 1956 / 1.872.4 / 1.667.5 / 204.9 / 10.9
نهاية 1957 / 1.976.0 / 1.762.8 / 213.1 / 10.8
نهاية 1958 / 2.031.7 / 1.810.2 / 221.5 / 10.9
نهاية 1959 / 2.088.7 / 1.858.8 / 229.8 / 10.9
نهاية 1960 / 2.150.4 / 1.911.3 / 239.2 / 11.1
نهاية 1961 / 2.234.2 / 1.981.7 / 252.5 / 11.3
نهاية 1962 / 2.331.8 / 2.068.9 / 262.9 / 11.3
نهاية 1963 / 2.430.1 / 2.155.6 / 274.6 / 11.3
نهاية 1964 / 2.525.6 / 2.239.2 / 286.4 / 11.3
نهاية 1965 / 2.598.4 / 2.299.1 / 299.3 / 11.5
نهاية 1966 / 2.657.4 / 2.344.9 / 312.5 /11.8
نهاية 1967 / 2.776.3 / 2.383.6 / 392.7 / 14.1
نهاية 1968 / 2.841.1 /2.432.8 / 406.3 / 14.3
نهاية 1969 / 2.929.5 / 422.6 / 422.6 / 14.4
نهاية 1970 / 3.022.1 / 2.582.0 / 440.0 / 14.6
نهاية 1971 / 3.120.7 / 2.662.0 / 485.6 / 14.7
نهاية 1972 / 3.225.0 / 2.752.7 / 472.3 / 14.6
نهاية 1973 / 3.338.2 /2.845.0 / 493.2 / 14.8
نهاية 1974 / 3.421.6 / 2.906.9 / 514.7 / 15.0
نهاية 1975 / 3.493.2 / 2.959.4 / 533.8 / 15.3
نهاية 1976 / 3.575.4 / 3.020.4 / 555.0 / 15.5
نهاية 1977 / 3.653.2 / 3.077.3 / 575.9 / 15.8
نهاية 1978 / 3.737.6 / 3.141.2 / 596.4 / 16.0
نهاية 1979 / 3.836.2 / 3.218.4 / 617.8 / 16.1
نهاية 1980 / 3.921.7 / 3.282.7 / 639.0 / 16.3
نهاية 1981 / 3.977.7 / 3.320.3 / 657.4 / 16.5
نهاية 1982 / 4.063.6 / 3.373.2 / 690.4 / 17.0
نهاية 1983 / 4.118.6 / 3.412.5 / 706.1 / 17.1
نهاية 1984 / 4.199.7 / 3.471.7 / 727.9 / 17.3
نهاية 1985 / 4.226.2 / 3.517.2 / 749.0 / 17.6
نهاية 1986 / 4.331.3 / 3.561.4 / 769.9 / 17.8

نهاية 1987 / 4.406.5 / 3.612.9 / 793.6 / 18.0
نهاية 1988 / 4.876.8 / 3.659.0 / 817.7 / 18.3
نهاية 1989 / 4.559.6 / 3.717.1 / 842.5 / 18.5
نهاية 1990 / 4.821.7 / 3.946.7 / 875.0 / 18.1
نهاية 1991 / 5.058.8 / 4.144.6 / 914.3 / 18.1
نهاية 1992 / 5.195.9 / 4.242.5 / 953.4 / 18.3
نهاية 1993 / 5.327.6 / 4.335.2 / 992.5 / 18.6
ويُعدُّ قانون العودة التعبير القانوني الواضح عن طبيعة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي. ويبدو أن الاستعمار الصهيوني بدأ يفقد شيئاً من طبيعته الإحلالية بعد عام 1967، ويكتسب بدلاً من ذلك شكلاً مماثلاً للاستعمار الاستيطاني في جنوب أفريقيا القائم على التفرقة اللونية والذي يقوم على استغلال الأرض والسكان معاً. ولكن، تجب الإشارة إلى أن ثمة رفضاً عميقاً لهذا التحول بين بعض الصهاينة، لأنه يعني أن الدولة اليهودية ستفقد هويتها الخالصة. ولم تحل اتفاقية أوسلو أياً من الإشكاليات الأساسية للاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني.
حتمية طرد الفلسطينيين ونقلهم (ترانسفير (
‏Inevitability of the Zionist Tranfer of the Palestinians
يهدف المخطَّط الصهيوني (شأنه شأن أي مشروع استيطاني إحلالي) إلى طَرْد وترحيل السكان الأصليين الذين يشغلون الأرض التي سيُقام فيها التجمُّع الصهيوني. وهذا أمر حتمي حتى يتسنى إقامة دولة يهودية خالصة لا تشوبها أية شوائب عرْقية أو حضارية أخرى. ولذا طُرح شعار "أرض بلا شعب". وهو ما يجعل طرد الفلسطينيين أمراً حتمياً نابعاً من منطلق الصهيونية الداخلي.

وقد كتب هرتزل في يومياته عن الطرق والوسائل المختلفة لنزع ملكية الفقراء، ونقلهم، واستخدام السكان الأصليين في نقل الثعابين وما شابه ذلك، ثم إعطائهم وظائف في دول أخرى يقيمون فيها بصفة مؤقتة. وحينما كتب هرتزل لتشامبرلين عن قبرص، بوصفها موقعاً ممكناً آخر للاستيطان الصهيوني، لم يتردد في أن يرسم له الخطوط العريضة لطريقة إخلائها من السكان "سيُرحَّل المسلمون، أما اليونانيون فسيبيعون أرضهم بكل سرور نظير ثمن مرتفع ثم يهاجرون إما إلى اليونان أو إلى كريت".
كما نجد أن إسرائيل زانجويل، المفكر الصهيوني البريطاني، يؤكد في كتاباته الأولى ضرورة طرد العرب وترحيلهم، فيقول: "يجب ألا يُسمَح للعرب أن يحولوا دون تحقيق المشروع الصهيوني ولذا لابد من إقناعهم بالهجرة الجماعية ... أليست لهم بلاد العرب كلها ... ليس ثمة من سبب خاص يحمل العرب على التشبث بهذه الكيلو مترات القليلة ... فهم بدو رُحل يطوون خيامهم ويَنْسَلون في صمت وينتقلون من مكان لآخر".
وذكر جوزيف وايتز، مسئول الاستيطان في الوكالة اليهودية، في عدد 29 سبتمبر 1967 من جريدة دافار، أنه، هو وغيره من الزعماء الصهاينة، قد توصلوا إلى نتيجة مفادها أنه "لا يوجد مكان لكلا الشعبين (العربي واليهودي) في هذا البلد" وأن تحقيق الأهداف الصهيونية يتطلب تفريغ فلسطين، أو جزء منها، من سكانها، وأنه ينبغي لذلك نَقْل العرب، كل العرب، إلى الدول المجاورة. وبعد إتمام عملية نَقْل السكان هذه ستتمكن فلسطين من استيعاب الملايين من اليهود.

وكان جابوتنسكي بطبيعة الحال من مؤيدي هذا المخطَّط، فأعد حيلة جديرة بعقله الصهيوني الصغير، إذ اقترح أن تعلن المنظمة الصهيونية العالمية معارضتها نزوح العرب عن فلسطين، وبذا تهدئ مخاوف العرب بشأن مخطَّط نَقْل السكان الأصليين، بل سيظن هؤلاء السكان، السذج، أن الصهاينة يريدون منهم البقاء حتى يتسنى لهم استغلالهم، ولذا فإنهم سيحملون متاعهم ويرحلون. وهذه الخطة، أو الحيلة تتسم بالغباء أكثر مما تتسم بالخبث، فقد أثبت الفلاحون العرب أنهم أقل جهلاً مما كان يتصور الزعيم الصهيوني، وأكثر ارتياباً مما تَعشَّم.
ويمكن القول بأن جابوتنسكي "متطرف"، ولكن سنجد أن وايزمان كان من المطالبين بهذا، وقد نشرت مجلة الجويش كرونيكل، في 13 أغسطس 1937، وثيقة، وقعها وايزمان بالحروف الأولى من اسمه، تدل على أن الزعيم الصهيوني كان يرى أن نجاح مشروع التقسيم يتوقف على مدى إخلاص الحكومة البريطانية للتوصية الخاصة بنقل السكان. ولا يختلف آرثر روبين مدير دائرة الاستيطان الصهيوني كثيراً عن ذلك. فقد اقترح منذ مايو 1911 "ترحيلاً محدوداً" للفلاحين العرب الذين سيُجرَّدون من أملاكهم إلى منطقتي حلب وحمص في شمال سوريا. كان تجريد المزارعين العرب وإجلاؤهم عن أراضيهم، كما كتب روبين بعد تسعة عشر عاماً، أمراً لا مفر منه، لأن "الأرض هي الشرط الحيوي لاستيطاننا فلسطين. لكن لما لم يكن ثمة أرض قابلة للزراعة إلا وهي مزروعة من قبل، فقد نجد أننا حيثما نشتري أرضاً ونسكنها لابد لزرَّاعها الحاليين من أن يُطرَدوا منها ... ".

ولم تكن خطة نقل المواطنين اليهود مقصورة على أولئك الذين استوطنوا الأرض من أجل أغراض رأسمالية دنيئة، أو لأسباب قومية عادية، بل كانت أيضاً خطة تبناها أولئك الذين استوطنوا فلسطين لكي يقيموا فيها مجتمعاً مثالياً قوامه المساواة. وقد أبدى بوروخوف، أبو اليسار الصهيوني، وعياً ملحوظاً بحقيقة أن الحل الصهيوني، الذي يتلخص في نقل اليهود وتوطينهم في أرض خاصة بهم، لا يمكن أن يتم "بدون نضال مرير وبدون قسوة وظلم وبدون معاناة البريء والمذنب على السواء". وفي تحديد إطار تَصوُّره لمستقبل المواطنين، قال إن المهاجرين اليهود سيقومون ببناء فلسطين، وأن السكان الأصليين سيتم استيعابهم، في الوقت المناسب، من جانب اليهود من الناحيتين الاقتصادية والثقافية على السواء. "إن تاريخ الاستيطان الصهيوني سيُكتَب بالعرَق والدموع والدم".
وقد وصف الكاتب الإسرائيلي موشي سميلانسكي ما تصوَّره اجتماعاً للرواد الصهاينة الاشتراكيين، في عام 1891، حيث تم توجيه بعض الأسئلة الخاصة بالعرب:
ـ "إن الأرض في يهودا والخليل يحتلها العرب".
ـ "حسناً سنأخذها منهم".
ـ "كيف؟ " (صمت) .
ـ "إن الثوري لا يوجه أسئلة ساذجة ".
ـ "حسناً، إذن، أيها الثوري، قل لنا كيف؟ ".
وجاءت الإجابة في شكل عبارات واضحة لا لبس فيها ولا إبهام: "إن الأمر بسيط جداً. سنزعجهم بغارات متكررة حتى يرحلوا.. دعهم يذهبوا إلى ما وراء الأردن". وعندما حاول صوت قَلق أن يعرف ما إذا كانت هذه ستكون النهاية أم لا، جاءت الإجابة، مرة أخرى، محددة وقاطعة: "حالما يصبح لنا مُستوطَنة كبيرة هنا، سنستولي على الأرض وسنصبح أقوياء وعندئذ سنولي الضفة الشرقية اهتمامنا وسنطردهم من هناك أيضاً، دعهم يعودوا إلى الدول العربية".

ثمة رؤية إحلالية صهيونية واضحة لها منطقها الواضح الحتمي، تحوَّلت إلى خطة لحل مشكلة الصهاينة الديموجرافية (التي تشبه مشكلة الإنسان الأبيض الديموجرافية في جميع الجيوب الاستيطانية) وهذه المشكلة عادةً ما يُطرَح حل نهائي جذري لحلها، وقد تتأرجح بين حد أقصى (الترانسفير الكامل أو الإبادة الجسدية الكاملة) أو حد أدنى، خلق أغلبية من العنصر السكاني الجديد. المتحرك هو الحدان الأعلى والأدنى، أما الثابت فهي رؤية الترحيل والإحلال. وبين سنتي 1937 و1948، صيغت وقُدِّمت عدة خطط ترحيل صهيونية، منها: خطة سوسكين للترحيل القسري (سنة 1937) ، وخطة فايتس للترحيل (ديسمبر 1937) ، وخطة بونيه (يوليه 1938) ، وخطة روبين (يونيه 1938) ، وخطة الجزيرة (1938ـ 1942) ، وخطة إدوارد نورمان للترحيل إلى العراق (1934 ـ 1948) ، وخطة بن جوريون (1943 ـ 1948) ، وخطة يوسف شختمان للترحيل القسري (1948) ، وأثناء الفترة نفسها أُلِّفت ثلاث لجان ترحيل، نيطت بها مهمة مناقشة وتصميم الطرق العملية لترويج خطط الترحيل: اللجنتان الأوليان ألفتهما الوكالة اليهودية (1937 ـ 1942) ، أما اللجنة الثالثة فقد ألفتها الحكومة الإسرائيلية سنة 1948.

والثوابت واضحة والخطة ليست أقل وضوحاً، والآلية في مثل هذه التجارب الاستيطانية الإحلالية معروفة، فالبشر لا يتركون أرضهم هكذا، ولا يطوون خيامهم ويَنْسَلون من الأرض ويختفون، كما كان يتمنى زانجويل، ولابد من استخدام القوة والعنف. ومع هذا لا تفتأ الدعاية الصهيونية تنفي عن نفسها تهمة العنف العسكري الموجه ضد العرب. بل إن بن جوريون بلغت به الجرأة أن يزعم أن كل مفكري الصهيونية العظماء لم يطرأ لهم على بال قط أن الحلم الصهيوني لا يمكن تحقُّقه إلا من خلال الانتصار العسكري على العرب. ولكن بن جوريون، بلا شك، قرأ رسالة هرتزل إلى البارون دي هرش، التي يحدثه فيها عن خطته لخلق البروليتاريا اليهودية المثقفة من قيادات وكوادر الجيش الصهيوني التي ستبحث وتكتشف ثم تستولي على الأرض، أي الوطن القومي. ولا شك في أنه سمع بخطاب زانجويل (في مانشستر في أبريل 1905) الذي قال للصهاينة فيه: "لابد أن نُعد أنفسنا لإخراج القبائل [العربية] بقوة السيف كما فعل آباؤنا، أو أن نكابد مشقة وجود سكان أجانب كُثر، معظمهم من المحمديين" (أي المسلمين) . ولابد أنه قرأ ما كتبه أهرون أهرونسون عن ضرورة "إخراج المزارعين العرب بالقوة". وبعد وفاة هرتزل، واصل صديقه نوردو الدفاع عن العنف العسكري، فاقترح تعبئة جيش ضخم، قوامه 600.000 يهودي للذهاب إلى فلسطين حتى يفرض نفسه، بوصفه أغلبية سكانية على الفلسطينيين. وقد كان الزعيم الصهيوني العمالي جوزيف ترومبلدور أكثر تواضعاً، إذ اقترح تكوين جيش قوامه 100.000 فحسب.

أما جابوتنسكي، الوريث الحقيقي لفكر هرتزل، فقد رسم خطة لخلق أغلبية يهودية فورية في فلسطين، وسماها «مشروع نوردو» . وعندما حذر أحد الصهاينة الألمان من نشوب حرب شاملة مع العرب، سخر جابوتنسكي منه، ثم ضرب أمثلة استقاها من تاريخ الاستعمار الغربي في أفريقيا وآسيا: "إن التاريخ يعلمنا أن كل المستعمرين قوبلوا بقليل من التشجيع من جانب السكان الأصليين.. وقد يكون ذلك مدعاة للحزن. ونحن اليهود لن نشذ عن القاعدة". وفي خطابه أمام اللجنة الملكية لفلسطين، عام 1937، قال جابوتنسكي "إن أمة كأمتكم، عريقة في تجربتها الاستعمارية العملاقة، تعرف بكل تأكيد أن المشروع الاستعماري لم ينجح دون نزاعات مع السكان.. (ولذا يجب) السماح لليهود بإقامة حرس خاص بهم، مثل الأوربيين في كينيا". وبعد عام من ذلك التاريخ، وخلال اجتماع فرعة منظمة بيتار في بولندا ـ وهي منظمة عسكرية صهيونية ـ لعب مناحم بيجين، تلميذ جابوتنسكي المخلص، دوراً مؤثراً وفعالاً في تغيير يمين الولاء ليتضمن قسماً بالاستيلاء على الوطن اليهودي بقوة السلاح. وقد تولَّى بيجين زعامة المنظمة عام 1939.

ومن المعروف أنه مع بداية هذا القرن كان الشباب، من عمال صهيون الذين استوطنوا فلسطين يسيرون مسلحين بعصي كبيرة وبعضهم يسير حاملاً مدى ومسدسات. وفي عام 1907 تأسست منظمة عسكرية صهيونية سرية شعارها "لقد سقطت يهودا بالدم والنار وستنهض بالطريقة نفسها". وقد تحوَّل اسم هذه المنظمة عام 1909 إلى منظمة الهاجاناه. وقد أسقطت الهاجاناه وهي الذراع العسكري للوكالة اليهودية، وللمنظمة الصهيونية العالمية، الشعار الإرهابي آنف الذكر. ولكن الأرجون (أو هاجاناه بيت) ، التي كان يترأسها مناحم بيجين، احتفظت به. وقد اتخذت الأرجون ـ رمزاً لها ـ يداً تمسك بندقية فوق خريطة فلسطين وشرق الأردن، أيضاً، نقشت تحته هذه الكلمات: "هكذا فقط"، وفي سنة 1948 اندمجت كل من الهاجاناه، والأرجون لتكوِّنا جيش الدفاع الإسرائيلي. ومن المستحيل أن يكون كل هذا قد فات على بن جوريون، وقد كان واحداً من أهم المخططين الأساسيين في مُخطَّط الاستيطان والتوسع الصهيوني.
وخلال السنوات الأولى للاستيطان الصهيوني تم تحصين المستوطنات التعاونية الزراعية بمعدات بدائية، تحوَّلت فيما بعد إلى التاكتيك المسمى «البرج والسور» . وبعد عام 1948 أصبحت إسرائيل كلها "الدولة القلعة" أو "الجيتو المسلح". وقد تنبأ جابوتنسكي بهذا الوضع حينما قال إن "سوراً حديدياً من القوات المسلحة اليهودية سيقوم بالدفاع عن عملية الاستيطان الصهيوني". وبعد إنشاء الدولة الصهيونية، أصبح الحديث عن نقل (ترانسفير) العرب خافتاً ولكنه لم ينته قط، إذ لا تزال مشكلة إسرائيل السكانية قائمة، وخصوصاً أن المصادر البشرية للهجرة الاستيطانية آخذة في الجفاف.
طرد ونقل (ترانسفير) الفلسطينيين
‏Transfer of the Palestinians

إن إفراغ فلسطين من سكانها هو هدف صهيوني، وضرورة يحتمها منطق الأسطورة والعنف الإدراكي الصهيوني. ولكي يحقق الصهاينة مخططهم تبنوا تكتيكات مختلفة، فلم يكن العنف المسلح الوسيلة الوحيدة، وإنما استخدموا وسائل أخرى أيضاً. وقد اتهم عالم الاجتماع البولندي اليهودي، لودفيج جومبلوفيتش، هرتزل بالسذاجة السياسية، ثم طرح عليه سؤلاً بلاغياً: "هل تريد أن تؤسس دولة بدون عنف مسلح أو مكر؟ هكذا ... بالتقسيط المريح؟ ". ومن المؤكد أن العنف المسلح والمكر هما الأداتان اللتان استخدمهما الصهاينة. ويتمثل المكر في نشر الذعر والإرهاب بين العرب، أما العنف فيتمثل في تعريضهم للإرهاب الفعلي. ويمكن القول بأن الإرهاب الصريح ضد الفلسطينيين قد استُخدم قبل 1948، ثم خلال فترة الحرب كلها، أما نشر الرعب بين السكان، أي الحرب النفسية، فقد تصاعدت حدتها في المرحلة الأخيرة. وليس لهذا التمييز بين العنف المسلح والمكر أية أهمية، إلا من الناحية التحليلية البحتة، حيث إن الأسلوبين متداخلان، بل إنهما، في الواقع، مجرد عنصرين في مخطط واحد متكامل. ففي حالة مذبحة دير ياسين، على سبيل المثال، حرص الصهاينة حرصاً شديداً على إطلاع جميع الفلسطينيين على الحادث، ليقوموا من خلاله بغرس الخوف والهلع في القلوب.

وكان أكثر أساليب الحرب النفسية شيوعاً هو أسلوب استخدام مكبرات الصوت والإذاعات لخلق جو من الذعر بين سكان قُضي على قياداتهم أثناء الثورات المتكررة السابقة، ولا سيما بعد قمع ثورة عام 1936 ضد الاحتلال البريطاني. وعلى سبيل المثال، فقد حذر راديو الهاجاناه العرب، يوم 19 فبراير عام 1948، من أن الزعماء العرب سيتجاهلون أمرهم. وفي الساعة السادسة من مساء يوم 10 مارس أذاع الراديو أن "الدول العربية تتآمر مع بريطانيا ضد الفلسطينيين". وفي الساعة السادسة من مساء يوم 14 مارس عام 1948 أذاع الراديو "إن سكان يافا في حالة ذعر كبيرة؛ إلى درجة أنهم ظلوا داخل منازلهم". وأشار الكاتب اليهودي هاري ليفين في مذكراته إلى البيان، الذي كان قد سمعه يوم 15 مايو أثناء إذاعته من عربات مكبرات الصوت الصهيونية باللغة العربية، والذي كان يحث العرب على "مغادرة الحي قبل الساعة الخامسة والربع صباحاً"، ثم نصحهم بقوله: "ارحموا زوجاتكم وأطفالكم، واخرجوا من حمام الدم هذا ... اخرجوا من طريق أريحا، الذي ما زال مفتوحاً. وإن مكثتم هنا، فإنكم بذلك ستجلبون على أنفسكم الكارثة"، وقد تجولت أيضاً مكبرات الصوت التابعة للهاجاناه في جميع أنحاء حيفا، تهدد الناس، وتحثهم على الفرار مع أسرهم (وذلك وفقاً لما جاء في كتاب المؤلف الصهيوني جون كيمشي الأعمدة السبعة المنهارة) .

إن الإشارات المتكررة إلى الكوارث المُتوقَّعة والانهيار الوشيك هي من الموضوعات الأساسية التي ركزت عليها إذاعة الهاجاناه، ومكبرات الصوت التابعة لها، في المناطق الآهلة بالسكان العرب. وثمة موضوع آخر تكرر في الحرب النفسية التي شنها المستعمرون الاستيطانيون، هو خطر انتشار الأوبئة الوشيك. ففي الساعة السابعة والنصف مساء يوم 20 مارس 1948 بدأت الإذاعة الصهيونية في إذاعة بيان باللغة العربية جاء فيه: "هل تعلمون أنه يُعتبَر واجباً مقدَّساً عليكم أن تُطعِّموا أنفسكم على وجه السرعة ضد الكوليرا والتيفوس وما شابه ذلك من الأمراض، حيث إن من المتوقع انتشار مثل هذه الأمراض في شهري أبريل ومايو بين العرب في التجمعات الحضرية". وقد تم استخدام الموضوع نفسه يوم 18 فبراير عام 1948، عندما أكدت السلطات الصهيونية، عن طريق الراديو، أن المتطوعين العرب "يحملون وباء الجدري"، وأضافت تقول، يوم 27 فبراير، إن "الأطباء الفلسطينيين قد أخذوا يفرون".

ويُقدِّم إيجال آلون، وزير الخارجية الإسرائيلية السابق، تقريراً في كتاب البالماخ عن مساهمته في تكتيكات الإرهاب: "جمعت جميع العمد اليهود، الذين لهم صلة بالعرب في مختلف القرى، وطلبت منهم أن يهمسوا في أُذن بعض العرب بأن قوة عسكرية يهودية كبيرة وصلت إلى منطقة الجليل، وأنها ستحرق سائر قرى منطقة الحولة. وينبغي عليهم أن يقترحوا على هؤلاء العرب، بصفتهم أصدقاء لهم، الهرب، حيث ما زال هناك وقت لتنفيذ ذلك". وشرح آلون كلامه بقوله: "وانتشرت الشائعة في جميع مناطق الحولة بأن الوقت قد حان للفرار، وبلغ عدد الهاربين آلافاً لا تُحصَى. وبذلك حقق التكتيك هدفه تماماً ... وتم تنظيف المناطق الواسعة ". وكلمة «تنظيف» مناسبة جداً للتعبير عما يدور في ذهن الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الذي لم يُردْ الأرض فحسب، وإنما أراد تفريغها من سكانها. (وهي الكلمة نفسها التي استخدمها الصرب في حديثهم عن إبادة أهل البوسنة من المسلمين) .
هذا عن أساليب الحرب النفسية، أو أساليب المكر التي اتبعها الصهاينة، وهي، بلا شك أساليب كانت مبتكرة. ولكن الملاحظ الموضوعي لا يملك إلا أن يشهد بأن العقل الصهيوني بمقدرته اللامتناهية على الإبداع في مجال العنف المسلح أو الإرهاب، قد طوَّر وجدَّد في مجال العنف المباشر، أكثر من تجديده في مجال المكر والحرب النفسية.

ولعل من أهم الشخصيات في مجال العنف المسلح الصهيوني غير اليهودي أورد وينجيت. ويمكننا أن نذكر هنا مساهماته في تدعيم تقاليد الإرهاب الصهيوني وتطويرها بما يتفق مع خصوصية الموقف في فلسطين. وقد نجح وينجيت في الحصول على موافقة القيادة البريطانية على تشكيل الفرقة الليلية، التي كان الهدف منها هجومياً وليس دفاعياً. فبدلاً من انتظار الهجوم العربي، طالب وينجيت بأن يقوم المستوطنون بتشكيل وحدات متحركة ليقوموا بالبحث عن العدو في أرضه خلال ظلمة الليل. والافتراضات هنا غريبة بعض الشيء، إذ تفترض أن الفلاحين الفلسطينيين، داخل فلسطين نفسها، يمكن أن يكونوا في حالة "هجوم" في أي وقت من الأوقات. ففي تصوري أنهم طالما ظلوا في فلسطين، فهم في حالة دفاع مشروع عن النفس، ولكن إذا ما عدنا للتصورات الصهيونية والاسترجاعية فإننا سنجد أن الأغيار الذين يقطنون فلسطين هم معتدون، بالضرورة. وقد اعترض بعض أعضاء الهاجاناه على خطط وينجيت خشية أن يؤدي الموقف الهجومي المقترح إلى زيادة حدة توتر العلاقات بين المستوطنين الصهاينة وجيرانهم العرب. بيد أن وينجيت أصر على موقفه، وتم تشكيل الفرقة الليلية.
وكانت العمليات العسكرية تبدأ عادةً بأن يطلق وينجيت بعض العيارات النارية على إحدى القرى العربية، فيستفز العرب بذلك ويردون بوابل من الطلقات النارية. وحينما يتجمع العرب بحثاً عن المهاجمين، يتم حصارهم بسرعة. وفي إحدى الغارات قتل الصهاينة، تحت قيادة وينجيت، خمسة من تسعة من العرب الذين ذهبوا يبحثون عن المهاجمين، وأُسر الأربعة الآخرون. وقام وينجيت بتهنئة أعضاء فرقته في "هدوء وسكون"، ثم بدأ التحقيق مع العرب بشأن أسلحتهم المخبأة. وعندما رفض العرب الإدلاء بأية معلومات عنها، انحنى وينجيت وتناول حفنة من الرمال والزلط من الأرض وأرغم أول عربي على مضغها ودفع بها في حنجرته حتى كادت أن تخنقه "وتزهق روحه". ولكن العرب مع هذا لم يستسلموا.

وهنا انتهج الصهيوني غير اليهودي أسلوباً آخر، إذ التفت إلى أحد اليهود وأشار إلى العربي قائلاً: "أطلق الرصاص على هذا الرجل". فتردد اليهودي، في بادئ الأمر، ولكن وينجيت قال: في صوت يشوبه التوتر "ألم تسمع؟ أطلق الرصاص عليه". فقام المستوطن الصهيوني ـ ممتثلاً ـ بإطلاق الرصاص على العربي، واضطر المسجونون العرب الآخرون إلى أن يتكلموا في النهاية. وقد أشار الجنرال دايان في مذكراته إلى أن الكثير من الرجال الذين كانوا يعملون مع وينجيت "قد أصبحوا ضباطاً في الجيش الإسرائيلي، الذي حارب العرب وهزمهم". وأوضح دايان أن الذين استفادوا من معرفة وينجيت وتكتيكاته لم يكونوا مساعديه المباشرين فقط بل إن كل قائد في الجيش الإسرائيلي حتى اليوم هو تلميذ من تلاميذ وينجيت: "لقد أعطانا التكتيك الذي نسير عليه اليوم، وكان هو الإلهام الذي نستوحي منه تكتيكاتنا، لقد كان ـ بالنسبة لنا ـ الديناميكية التي تعطينا القوة".
استفادت قوات الغزو الصهيونية من فكر وينجيت الإرهابي العسكري قبل 1948وبعدها (فكرة الضربة المجهضة على سبيل المثال) ، ولكن ما يهمنا هنا هو الغارات الليلية التي كانت تشنها الهاجاناه والبالماخ عام 1948. فقد أشار دايان إلى أن الهاجاناه والبالماخ كانتا تشنان هذا النوع من الغارات خلال عام 1948. وكما أشار المؤرخ اليهودي أرييه يتشاكي فإن التكتيكات كانت شديدة البساطة: "هجوم على قرية العدو، ثم تدمير أكبر عدد ممكن من المنازل". وكانت النتائج بسيطة بالمثل: "مصرع عدد كبير من المسنين والنساء والأطفال في أيِّ مكان تواجه فيه القوة التي تشن الهجوم أية مقاومة".

ولكن الهاجاناه أدخلت، على ما يبدو، بعض التحسينات المهمة على تكتيكاتها، ولا سيما في نهاية عهد الانتداب. ففي الهجوم على القرى العربية كان رجال الهاجاناه يضعون، أولاً، وبهدوء، شحنات متفجرة حول المنازل المبنية من الحجارة، ويبللون إطارات النوافذ والأبواب بالبنيزين. وبمجرد أن يتم تنفيذ هذه الخطوة، يفتحون نيرانهم، في الوقت الذي يبدأ انفجار الديناميت، فيحترق السكان النائمون حتى الموت.
وقد علق حاييم وايزمان على نتائج الإرهاب والمكر الصهيونيين قائلاً: إن خروج العرب بشكل جماعي كان تبسيطاً لمهمة إسرائيل ونجاحاً مزدوجاً: انتصار إقليمي، وحل ديموجرافي نهائي. إن الأرض، بعد تفريغها من سكانها، أصبحت بلا شعب حتى يأتي الشعب الذي لا أرض له.
قانون العودة: قانون صهيوني أساسي
‏Law of Return: A Zionist Basic Law

«قانون العودة» قانون صدر في إسرائيل عام 1950 يمنح أي يهودي في العالم حق الهجرة إلى فلسطين وأن يصبح مواطناً فور وصوله. ومن المعروف أن جميع أجنحة الصهيونية تعاونت في مرحلة ما قبل 1948 على إنجاز أهم عنصر مُتضمَّن في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، أي التخلص من السكان الأصليين وتغييبهم. وثمة أدبيات ثرية في هذا الموضوع توثق النية الصهيونية المبيتة لطرد العرب، وتبيِّن الطرق المختلفة التي لجأت إليها قوات المستوطنين لطرد الفلسطينيين وتفريغ فلسطين من سكانها. ولكن المشروع الصهيوني لم يُحقِّق النجاح الكامل إذ بقيت أقلية من العرب (وهي آخذة في التزايد) . وقد لجأت دولة المستوطنين إلى اتخاذ إجراءات قانونية للضرب على يد هذه الأقلية العربية وتكبيلها. ولم يكن ذلك أمراً عسيراً، إذ ورثت هذه الدولة، فيما ورثت، خاصية اليهودية باعتبارها خاصية رئيسية ومحورية تسم اليهود الذين تقوم على خدمتهم مجموعة من المؤسسات الاستيطانية المقصورة عليهم. وبصدور قانون العودة في يوليه 1950، تحوَّلت خاصية اليهودية هذه إلى مقولة قانونية تمنح صاحبها حقاً تنكره على غير اليهود.
وقد صدر هذا القانون عن الكنيست الأول عام 1950، وخضع لتعديل لاحق في أغسطس عام 1954، وهو ينطلق من الافتراض الصهيوني القائل بأن اليهود "شعب بلا أرض"، شعب عضوي نُفي قسراً من وطنه فلسطين منذ ألفي عام. ولكن هذا النفي لم يؤثر في أعضاء هذا الشعب، فغالبيتهم ـ حسب التصوُّر الصهيوني ـ مرتبطون عضوياً ارتباطاً تاماً بوطنهم ويريدون "العودة" إليه لينهوا حالة الشتات وليحققوا وحدة الشعب اليهودي بأرضه اليهودية. ومن هنا تسمية القانون بـ «قانون العودة» .

ويعني هذا الافتراض أيضاً أن فلسطين "أرض بلا شعب"، وأنه إن وُجد شعب فيها في عشرات القرون الماضية فهو وجود عرضي ومؤقت ولا يُضفي على أعضاء هذا الشعب أية حقوق ثابتة، إذ أن اليهود وحدهم لهم حقوق عضوية مطلقة في أرض فلسطين، أو إرتس يسرائيل، كما يُقال في الأدبيات الصهيونية والإسرائيلية واليهودية.
لكل هذا نص قانون العودة صراحةً على حق كل يهودي في الهجرة أو العودة إلى إسرائيل (بعد آلاف السنين "من الغياب المؤقت") ، وأنكر بشكل ضمني هذا الحق على الفلسطينيين الذين هاجروا من أرضهم عام 1948 حتى يبقى المجال الحيوي لليهود وللدولة اليهودية. خالياً من العرب. ونص القانون على حق كل يهودي في الهجرة إلى إسرائيل ما لم يكن وزير الداخلية مقتنعاً بأن طالب الهجرة يمارس نشاطاً موجَّهاً ضد اليهود، أو يمكن أن يعرض الأمن والصحة العامة للخطر، أو أن له ماضياً إجرامياً. وتضمَّن مواد هذا القانون الفريد حق اليهودي، في حالة رفض هجرته لغير الأسباب السابقة، في اللجوء إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإجبار السلطات على السماح له بذلك حتى لو ظل مواطناً أجنبياً على أرض دولة أخرى. كما يمنح القانون الأشخاص الذين يدخلون إسرائيل بموجبه الجنسية وحقوق المواطنة على الفور.
وبموجب المادة الرابعة من قانون العودة، يُعتبَر كل يهودي هاجر إلى فلسطين (قبل سريان القانون) وكل يهودي مولود فيها (قبل سريانه أو بعده) شخصاً جاء إلى فلسطين بصفة "مهاجر عائد". ورغم أن هذا القانون قانون هجرة وليس قانون جنسية، فإن اعتماد جوهره في قانون الجنسية الإسرائيلية جعل منهما كلاًّ متكاملاً.

وقد أشار بن جوريون إلى طبيعة قانون العودة إبان عرضه على الكنيست، حيث ذكر أن هذا القانون لا يمنح اليهودي "الحق" في الهجرة إليها، فهذا الحق كامن في كل يهودي باعتباره يهودياً، وإنما يهدف القانون إلى تحديد طابع الدولة الصهيونية وهدفها الفريد، فهذه الدولة تختلف عن بقية دول العالم من حيث عناصر قيامها وأهدافها، وسلطتها محصورة في سكانها ولكن أبوابها مفتوحة لكل يهودي حيث وُجد. وأكد بن جوريون أن قانون العودة هو التعبير القانوني عن الرؤية الصهيونية (من هنا وصفنا لقانون العودة بـ «الصهيوني» ) .
وفي مارس عام 1970، أدخل الكنيست تعديلاً جديداً على القانون، عقب نشوب أزمة وزارية متكررة الحدوث حول تعريف اليهودي. وتَضمَّن التعديل أن اليهودي هو «المولود لأم يهودية أو المهتدي إلى الدين اليهودي والذي لا يدين بدين آخر» . كما نص على أن تُمنَح الجنسية الإسرائيلية بصورة آلية لجميع أفراد الأسرة المهاجرة من غير اليهود.
وعُدِّل قانون العودة فيما بعد، ووفقاً لهذا التعديل لا تُشتَرط الإقامة في إسرائيل أو إتقان اللغة العبرية أو حتى التنازل عن الجنسية الأخرى، ويُكتفى للاستفادة بقانون العودة أن يعرب المهاجر على نيته في الاستقرار في إسرائيل.
وقد قارن كثير من الكُتَّاب اليهود والإسرائيليين بين قانون العودة والقوانين النازية. فعلى سبيل المثال، أعرب الأستاذ الإسرائيلي د. كونفيتس ـ خلال النقاش الذي دار قبل الموافقة على قانون العودة ـ عن مخاوفه من احتمال مقارنة هذا القانون بالقوانين النازية، ما دام يُجسِّد مبدأ التمييز بين الأفراد على أساس ديني أو عرْقي.
وبعد صدور هذا القانون، حذَّرت جريدة جويش نيوزلتر، في عددها الصادر في 12 مايو 1952، من أن هذا القانون يعيد إلى الذاكرة النظرية العنصرية الخطيرة القائلة بأن الفرد الألماني يتمتع بمزايا جنسيته، بغض النظر عن المكان الذي يوجد فيه.

وفي مقارنة عقدها روفن جراس بين قانون العودة والقوانين النازية، بيَّن أن قانون العودة يمنح امتيازات الهجرة لأيِّ يهودي بموجب تعريف قوانين نورمبرج: أي أن يكون جده يهودياً. ويؤكد حاييم كوهين، الذي كان قاضياً بالمحكمة العليا في إسرائيل أن "من سخرية الأقدار المريرة أن تُستخدَم نفس الأطروحات البيولوجية والعنصرية التي روَّج لها النازيون والتي أوحت لهم بقوانين نورمبرج الشائنة، كأساس لتعريف الوضع اليهودي داخل دولة إسرائيل".
وهناك، على الأقل، حالة واحدة معروفة، قامت فيها السلطات الدينية في إسرائيل بالرجوع إلى السجلات النازية، للتأكد من الهوية العنصرية الدينية الإثنية لأحد المواطنين الإسرائيليين. ورغم أن قانون العودة هو الإطار القانوني للإحلالية والتوسعية والعنصرية الصهيونية، وهو مصدر الهوية اليهودية المزعومة للدولة الصهيونية (ومن ثم فهو أساس عزلتها وعدائها لجيرانها) ، ورغم أن أعداد اليهود التي ترغب في "العودة" إلى إسرائيل آخذة في التناقص (ومن هنا الضغط على اليهود السوفييت للهجرة إلى إسرائيل) ، فإن جميع اتفاقيات ومعاهدات السلام لم تتعرض له من قريب أو بعيد. بل طُلب من منظمة التحرير الفلسطينية أن تلغي بنوداً أساسية في ميثاقها، بينما لم يطلب أحد من إسرائيل أن تلغي قانون العودة.
ونحن نرى أن قانون العودة هو أهم تجسد للاستيطانية الإحلالية الصهيونية، أي أهم تجسد لجوهر الصهيونية. ولا يوجد حل إلا بمحو هذا الجوهر، أي نزع الصبغة الصهيونية عن الكيان الصهيوني. ويمكن أن يأخذ هذا المطلب المجرد شكلاً إجرائياً متعيناً من خلال إما إلغاء قانون العودة أو أنسنته بمعنى أن يطبق على كل من الفلسطينيين واليهود دون تمييز، وأن يكون المقياس الوحيد هو حاجة فلسطين المحتلة إلى كثافة بشرية ومقدرتها الاستيطانية.
الطرق الالتفافية
‏By-Pass Roads

هي طرق تبنيها الدولة الاستيطانية الإحلالية الصهيونية يقتصر استخدامها على المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية بحيث تتحوَّل التجمُّعات الفلسطينية إلى كانتونات مُحاصَرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمنشآت العسكرية. والطرق الالتفافية بذلك تكون بمنزلة سياج أمني حول المستوطنات، كما أنها تجعل المستوطنين الذين يعيشون وسط القرى والمدن العربية قادرين على التحرك دون أن يضطروا إلى عبور الأراضي الفلسطينية أو مواجهة الفلسطينيين.
وتستند خطة الاستيطان أمناه (وهي برنامج واسع للاستيطان والبناء في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة) على نظام متكامل من الطرق الالتفافية أعلنها الجيش الإسرائيلي رسمياً في أواخر سنة 1994 أثناء حكم حزب العمل واكتسبت شرعيتها من خلال اتفاق توسيع الحكم الذاتي عام 1995 (أوسلو ـ2) وموافقة السلطة الفلسطينية عليها لارتباطها بخطة إعادة الانتشار من المناطق الفلسطينية الآهلة.
وقد كثَّفت إسرائيل بناء هذه الطرق التي تخترق معظم مناطق الضفة الغربية المأهولة بالسكان منذ عام 1995، يتم من خلالها تجديد طرق ترابية قائمة وشق أخرى، إضافة إلى فتح طرق سريعة من الشمال إلى الجنوب عبر وادي الأردن، وشق مداخل ومخارج جديدة في شمال الضفة الغربية، وشق مجموعة طرق عسكرية. وأهم هذه الطرق الطريق رقم 60، والطريق رقم 20.
وقد بلغ عدد هذه الطرق عام1996 حوالي عشرين طريقاً تغطي 400 كم تتفرع من الطريق الرئيسي المعروف باسم «الطريق 60» الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب لجزئي الضفة الغربية. وبعض هذه الطرق ما زال قيد الإنشاء، وتعتزم سلطات الاحتلال بناء خمس طرق أخرى. ويلتف الطريق 60 حول المدن الفلسطينية في الضفة ويربط عشرات المستوطنات المنتشرة في كل أنحاء الضفة.

ويتم الاستيلاء على معظم الأراضي اللازمة لبناء هذه الطرق من خلال أوامر وضع اليد، وهي غطاء قانوني يحجب المصادرة، وهي أولى الخطوات نحو المصادرة النهائية، والتبرير المعطى في أكثرية أوامر وضع اليد هو الأمن والضرورة العسكرية، وهو تبرير لا يمكِّن المُلاك الفلسطينيين من الاحتجاج ضده.
وتؤدي هذه الطرق إلى إتلاف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وتدمير مئات المنازل، وإلحاق خسائر فادحة لأن هذه الأراضي مزروعة بكثافة بأشجار الزيتون، الأمر الذي يؤدي إلى تدمير مصدر رزق العائلات الفلسطينية الوحيد. كما يؤدي شق هذه الطرق إلى إعاقة نمو القرى الفلسطينية والحد من قدرة البلديات الفلسطينية على توسيع الخدمات البلدية.
كل هذا يجعلنا نرى الطرق الالتفافية لا باعتبارها مجرد ظاهرة سياسية اقتصادية وإنما صورة مجازية تعبِّر بشكل متبلور عما آل إليه الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني في فلسطين المحتلة. فهو استيطان يستند إلى أكذوبة (أرض بلا شعب) لم يَعُد بمقدور صاحبها الاستمرار فيها فدب فيها الموت. ولكن الأكذوبة أساسية لبقائه واستمراره ولذا فهو يحاول أن يتشبث بها ويبث فيها الحياة بقدر الإمكان بالطرق الالتفافية، فهي محاولة أخيرة يائسة بعد أن فشل الاستيطان الصهيوني في جانبه الإحلالي، ولم يتمكن من إبادة الشعب أو طرده أو حتى تقليل كثافته وأثبتت فلسطين أنها ليست أرضاً بلا شعب بل أرض مأهولة يزرعها ويحرثها نسلها. ولذا فالحل أن تصبح فلسطين "أرضاً يسكنها شعب لا تقع عيوننا عليه، فكأنها بالفعل أرض بلا شعب، وإن ظهر الشعب على طرقنا الالتفافية حصدته رصاصات جيش الدفاع الإسرائيلي، فتستمر الأكذوبة".

ومن الواضح أن فلسطين ثابتة، فمدنها وقراها لا تتحول، وسكانها لا يكفون عن المقاومة. فالطرق الالتفافية من ثم تعبير عن قدرة الصهاينة على خداع الذات. ولكنه خداع للذات يكلف صاحبه الكثير من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية. فالطرق الالتفافية تتناقض مع أبسط معايير الجدوى الاقتصادية (أن يكون هناك طريق للمستعمر وآخر للسكان الأصليين) وهدفها تحقيق قدر كبير من الراحة النفسية لصاحبه. ولكن لا شك في أن وجود الجنود الإسرائيليين لحراسة هذه الطرق يؤدي إلى القلق ويُذكِّر المستوطنين "بالشعب الذي لا تقع عيوننا عليه".
والطرق الالتفافية تُذكِّر المرء بتجربة أعضاء الجماعات اليهودية في أوكرانيا حين أسس النبلاء البولنديين (شلاختا) للمتلزمين اليهود (أرانداتور) مدناً صغيرة شُتلت شتلاً في أوكرانيا (الشتتل) وهي جيتوات متكاملة كان أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية يمارسون فيها حياتهم كاملة، لا يتعاملون مع البيئة الجغرافية والتاريخية والاجتماعية المحيطة (بل والمحدقة) بهم، فهم فيها وليسوا منها، لا يتعاملون مع الأغيار إلا في السوق، في عمليات التبادل المجردة، التي لا تتخللها أية حميمية ولا تعبِّر عن أيِّ تراحم. والطرق الالتفافية تحقق هذا للمستوطنات الصهيونية المشتولة في الضفة الغربية، فهم في الضفة الغربية وليسوا منها، ولا يقابلون السكان الأصليين إلا في السوق.

ورغم أن إقامة الشتتلات كان يهدف إلى حماية أعضاء الجماعة اليهودية، حتى يمكنهم الاستمرار في استغلال الفلاحين الأوكرانيين لصالح النبلاء البولنديين، فإن الشتتلات تحوَّلت إلى معازل محصنة مسلحة، وحتى المعبد اليهودي نفسه تمت إعادة صياغته معمارياً بحيث أصبح معبداً وقلعة في آن واحد، يتعبد فيه اليهود ومنه يقاتلون، معبداً له أبراج بها كوات تخرج منها المدافع والبنادق، وهو ما يُذكِّرنا بالدولة الصهيونية الوظيفية، التي تزعم أنها في الشرق الأوسط وليست منه، والتي تحاول ألا تتعامل مع العرب إلا في السوق الشرق أوسطية. فهي الدولة/الشتتل، أو الدولة/الجيتو وهي في الوقت نفسه المعبد/القلعة.
وقد كان الجنود البولنديون يقومون على حراسة الشتتلات حتى لا يهاجمها الفلاحون الأوكرانيون، وهذا ما يفعله الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي الذي يصب في الكيان الصهيوني فيقوي عضده ويجعله قادراً على بناء طرق التفافية ليس لها أية جدوى اقتصادية. وحينما هبت انتفاضة شميلنكي لم تكتسح في طريقها القوات البولندية وحسب وإنما اكتسحت الشتتلات المحصنة والمعابد/القلاع أيضاً.
ومن هنا خطورة الطرق الالتفافية، فبدلاً من أن يواجه الإسرائيليون طبيعة وضعهم ويتعاملوا معه خارج الإطار الصهيوني (الذي يؤدي إلى عَزْل الآخر وتحصين الذات وإطاحتها بسياج عسكرية) فإنهم يحاولون إطالة عمر الأكذوبة، وهو ما يعني أن الفلسطينيين لن ينالوا حقوقهم إلا من خلال الانتفاضات المتتالية، التي ستقضي على الطرق الالتفافية وغيرها من الطرق.
المعازل
‏Ghettos; Palestinustans

«المعازل» كلمة عربية تُستخدَم لوصف القرى والمدن العربية في الضفة الغربية، وربما يقابلها في اللغة الإنجليزية كلمة «جيتو» . فبعد أن تحقَّق الصهاينة من أن فلسطين أرضاً بلا شعب، وبعد إدراكهم أن الشعب لا يود أن يخضع لآليات الترانسفير المختلفة، بل إنه يتوالد ويتكاثر تقرَّر تأسيس مستعمرات استيطانية صهيونية في مناطق إستراتيجية وطرق التفافية مختلفة تربط هذه المستعمرات بحيث تتحوَّل القرى والمدن الفلسطينية إلى "مناطق" مأهولة بالسكان معزولة خاضعة للرقابة العسكرية الصارمة، وتمارس حق تقرير المصير في حدود المفهوم الصهيوني للإدارة الذاتية بحيث تتحول فلسطين من وطن إلى أرض، ومجموعة من القرى والمدن الممتازة "يُعزَل" الفلسطينيون فيها ويتم حصارهم.
وهذا المفهوم ليس جديداً. فالنازيون أسَّسوا جيتوات خاصة باليهود (في وارسو ولودز) كانت تتمتع بصلاحيات إدارية واسعة لا تختلف كثيراً عن الصلاحيات التي تتمتع بها السلطة الفلسطينية. كما أن مفهوم البانتوستان أي المعازل التي تم تأسيسها في جنوب أفريقيا للسكان السود لا تختلف كثيراً عن المعازل التي أسَّسها المستوطنون الصهاينة ومن هنا تسميتنا لها «الفلسطينوستان» .
البلدوزر الإسرائيلي
‏The Israeli Bulldozer
يرتبط الاستيطان الصهيوني في الأذهان بالمدفع الرشاش والنابالم والقنابل. ولكن هناك رموزاً أخرى أصبحت ذات أهمية خاصة. فمع بدايات الاستيطان كان هناك أسلوب السور والبرج في اغتصاب الأرض وطرد سكانها حيث كان يُحضر مئات من المستوطنين الصهاينة أبراج مراقبة والأكواخ الجاهزة في ظلام الليل، ثم يحيطون قطعة أرض بالأسلاك الشائكة يقيمون فيها أبراج الحراسة بحيث يستيقظ أصحاب الأرض في الصباح فيجابهون أمراً واقعاً مسلحاً لا يملكون إلا الخضوع له أو الحرب ضده.

ومع ظهور الدولة الصهيونية تطوَّر هذا الأسلوب، فلم يعد هناك حاجة لبرج الحراسة، إذ تأتي القوات الإسرائيلية ومعها البلدوزر الإسرائيلي.
والبلدوزر الإسرائيلي له طبيعة مزدوجة فهو يُستخدَم لهدم بيوت الفلسطينيين من جانب وبناء المستوطنات من جانب آخر، ومن ثم فهو رمز حقيقي للاستعمار الاستيطاني الإحلالي. وعملية هدم بيت فلسطيني تشبه عملية حربية يشارك فيها مئات الجنود الإسرائيليون في سواد الليل أو عند الفجر ويصحبها حظر التجول في عموم القرية أو البلدة. وهذا الاستخدام المُبالَغ فيه بل الاستعراضي لرموز العنف يجعل هدم بيت واحد بمنزلة رسالة نفسية لبلدة بأسرها. وعملية الهدم نفسها تجرى بشكل بالغ التكثيف والكثافة (دقائق معدودة بين الإنذار بمغادرة البيت وبين تفجيره بالديناميت وإزالته بالبلدوزر) .
ولا يخفى ما يحمله هذا التكثيف من دلالة، فالبيت الذي بناه الأجداد والآباء وتحوَّل إلى مخزن للحياة المشتركة والتراث والذكريات والأحلام على مدى عشرات السنين ينهار أمام أصحابه في دقائق وربما دون أن يتمكنوا من إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مقتنيات تحتضن معنى الحياة المشتركة عميقة الجذور.
ثم يبدأ البلدوزر بعد ذلك في عمليات تمهيد الأرض اللازمة لبناء المستوطنات الصهيونية.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - الدولة الاستيطانية الإحلالية - التهجير الترانسفير والهجرة الاستيطانية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الترانسفير (التهجير) الغربي لبعض أعضاء الجماعات اليهودية
‏Western Transfer of Some Members of Jewish Communities
إن انتقال (هجرة) إنسان من وطن إلى أي مكان آخر عملية بالغة القسوة، فعلى هذا الإنسان أن يقتلع نفسه من جذورها ويستقر في مكان آخر، ويغيِّر نمط حياته بل ومنظومته القيمية أحياناً. وعملية نَقْل الإنسان قسراً (تهجير أو ترانسفير) مسألة وحشية. ومع هذا، يمكن القول بأن الحضارة الغربية الحديثة حضارة توجد داخلها إمكانية كامنة للهجرة والتهجير، فهي حضارة الترانسفير المستمر: أن ينتقل الإنسان بنفسه دائماً، ويقوم بنقل الآخرين.
والحضارة الغربية الحديثة تنظر لأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم مادة بشرية تُنقل وتُوظَّف، لا يختلفون عن أية مادة بشرية أخرى. ومع هذا، فإن ثمة عناصر خاصة بالجماعات اليهودية جعلتهم عُرضة للنقل (الترانسفير) أكثر من غيرهم من العناصر البشرية:
1 ـ حلت أوربا مشكلة أعضاء الجماعات اليهودية منذ العصور الوسطى عن طريق طرد اليهود من إنجلترا ثم فرنسا فإيطاليا فألمانيا إلى أن استقر بهم المقام في بولندا وروسيا. وقد كانت عملية الطرد تتم في إطار أنهم جماعة وظيفية حركية يمكن توظيفها في أي مكان، فالجماعة الوظيفية لا ترتبط بوطن وإنما بوظيفة. وحينما بدأت الحركة الاستعمارية الاستيطانية الغربية أصبح يهود أوربا جزءاً لا يتجزأ منها، وتوجهت حركة الهجرة اليهودية حيثما توجَّه الاستعمار الاستيطاني الغربي. وهذا يعود بطبيعة الحال إلى أن اليهود أعضاء في جماعة وظيفية تتسم بالحركية وينظر لها المجتمع نظرة محايدة، فهي جزء يُوظَّف وموضوع يُستخدَم. ولذا، حينما تعثَّر التحديث في روسيا وشرق أوربا، طُرحت فكرة تهجير اليهود ونقلهم كحل للمسألة اليهودية.

2 ـ ومما ساعد على جعل فكرة نَقْل اليهود مطروحة دائماً تصوُّر الغرب لهم وتصوُّرهم هم لأنفسهم أحياناً كجزء من تاريخ يهودي مستقل عن التاريخ الأوربي، وبالتالي فهم ليسوا جزءاً من أوربا، وإن تواجدوا فيها فهم متواجدون على الهامش وحسب وبشكل عرضي مؤقت، وهي فكرة دعمها وضعهم الهامشي في العصور الوسطى.
3 ـ ارتبط اليهود دائماً بفكرة الخروج من المنفى (مصر ـ بابل) والتغلغل في كنعان (فلسطين) ، وهو ما يوحي بأنهم دائماً في حالة خروج من المنفى (أوربا) وفي حالة ارتباط عضوي دائمة بفلسطين.
4 ـ ولا شك في أن الرؤية الدينية المسيحية البروتستانتية الحلولية رؤية حرفية ترى اليهود كياناً مستقلاً له تاريخ مستقل هو في جوهره امتداد للتاريخ التوراتي، وهي رؤية ترى أن روايات العهد القديم وأساطيره لا تزال لها دلالتها الحرفية ومصداقيتها «الآن وهنا» . ومن أهم هذه الأساطير أسطورة الخروج من مصر. بل إن التاريخ اليهودي يبدأ، حسب هذه الرؤية، بهذا الخروج ويصل ذروته بعد الاستقرار في فلسطين، ثم يأتي بعد ذلك التهجير إلى بابل والعودة منها، ثم الخروج من القدس بعد سقوط الهيكل والأمل في العودة. وداخل هذا الإطار الأسطوري أصبحت مسألة نَقْل اليهود مطروحة على مستوى الوجدان الديني (المسيحي واليهودي) .
5 ـ خلقت صهيونية غير اليهود (بديباجاتها المختلفة) المناخ الملائم لعملية النقل هذه، وقد تسربت هذه الرؤية إلى اليهود بكل حرفيتها بحيث بدأت قطاعات من اليهود تنظر لأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم شيئاً يمكن نَقْله.
6 ـ أدَّى تدهور الدولة العثمانية وبروز أهمية فلسطين الإستراتيجية إلى زيادة الاهتمام بنَقْل اليهود نظراً لارتباطهم بفلسطين في الوجدان الغربي.

7 ـ يبدو أنه كان ثمة وهم أن فلسطين يمكن شراؤها، وهو موضوع يتكرر في الكتابات الصهيونية. وقد ذكر أحد المؤرخين الصهاينة أنه، في تلك الفترة، قامت أمريكا بشراء فلوريدا من إسبانيا وألاسكا من روسيا ولويزيانا من فرنسا. وهذا تعبير عن علمنة الحيز والمكان بشكل عام.
لكل هذا، يمكن القول بأن عملية نَقْل اليهود كانت مطروحة على الوجدان الغربي ولم تكن مسألة بعيدة عن الأذهان، وهو ما أدَّى إلى ظهور الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. هذا لا يعني أن العوامل التي أسلفنا الإشارة إليها هي التي أدَّت إلى نَقْل اليهود وتهجيرهم، فمثل هذا القول بسيط ساذج ومخل يسقط في السببية البسيطة. وكل ما نقوله هو أن هذه العوامل خلقت المناخ العاطفي الذي يسمح بتقبُّل مثل هذه الفكرة الوحشية الهمجية. وقد طُرح مشروع نَقْل اليهود بشكل جماعي من رومانيا، وقد استحسنه القنصل الأمريكي في بوخارست وعارضه زعماء الجماعة اليهودية هناك.
ولكن الصهيونية بين اليهود قامت بتهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة حتى أصبح من اليسير على أعضاء الجماعات اليهودية استبطانها وأصبح الترانسفير مسألة مطروحة داخل وجدانهم.
الترانسفير (التهجير) الصهيوني لبعض أعضاء الجماعات اليهودية
‏Zionist Transfer of Some Members of Jewish Communities
يعبِّر التهجير في العادة عن نَقْل جماعة سكانية من مكان إلى أخر بدون سعي منها أو بدون موافقتها، وذلك لأسباب تختلف باختلاف الزمان والمكان، وهو يختلف عن الهجرة التي تتم بإرادة المهاجر. ومن أهم الأمثلة على التهجير: تهجير اليهود إلى بابل والذي يُسمَّى «السبي البابلي» ونطلق عليه هنا «التهجير البابلي» ، وتهجير الهنود الحمر (سكان أمريكا الأصليون) من المناطق التي كانوا يستقرون فيها إلى مناطق أخرى (وهو تهجير كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى إبادة أعداد كبيرة منهم) .

ويُشار إلى التهجير أحياناً بأنه «ترانسفير» أي «نَقْل» . ويمكن القول بأن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي في جوهرها عملية نقل (ترانسفير) لمجموعة من المصطلحات والمفاهيم الدينية من مستواها الديني والمجازي إلى المستوى الزمني المادي الحرفي (وهذه سمة أساسية في الخطاب الحلولي التجسيدي حيث تتحول الكلمة إلى مادة ويتحول الدال إلى مدلول ويتداخل المطلق والنسبي) . فالشعب المختار، حسب المفهوم الديني اليهودي، جماعة دينية تلتزم بمجموعة من العقائد، فينقل هذا المفهوم من السياق الديني ليصبح شعباً بالمعنى العرْقي أو يصبح مادة بشرية فائضة. أما صهيون، وهي المكان الذي سيعود إليه الماشيَّح في آخر الأيام، فتصبح بقعة جغرافية في الشرق الأوسط ذات قيمة إستراتيجية واقتصادية يُصدَّر لها الفائض البشري ويُوطَّن ويُوظَّف فيها. والواقع أن عملية نَقْل المصطلحات هذه من مستواها الديني والمجازي إلى المستوى الزمني والحرفي ينجم عنها ظهور صيغة تنطوي على عمليتي نَقْل سكاني:
1 ـ نَقْل اليهود من المنفى إلى فلسطين.
2 ـ نَقْل الفلسطينيين من فلسطين إلى المنفى.
وقد بدأت عملية النقل السكاني الثانية، بشكل متقطع وغير منظم، في أواخر القرن التاسع عشر على يد الصهاينة التسلليين، ثم استمرت بطريقة منهجية بعد وعد بلفور تحت رعاية حكومة الانتداب في النصف الأول من القرن العشرين، ثم وصلت إلى ذروتها عام 1948. واستمرت العملية بشكل منظم من قبل الدولة الصهيونية لتصل إلى ذروة أخرى عام 1967 وهكذا. ولا يزال التهجير القسري للعرب مستمراً حتى الوقت الحاضر إما عن طريق "تشجيع" العرب على تَرْك فلسطين أو إرهابهم أو طردهم بموجب قرار من الحكومة الإسرائيلية.

ولكن ما لا يدركه الكثيرون هو أن الصهيونية كانت وما زالت حركة مبنية أيضاً على تهجير اليهود، فهي حركة توطينية استيطانية، كما أن تدفُّق المادة البشرية القتالية على المُستوطَن الصهيوني مسألة أساسية وحيوية بالنسبة له حتى يستمر في الاضطلاع بوظيفته القتالية. ولذا، نجد أن الحركة الصهيونية كثيراً ما تلجأ إلى عملية تهجير قسرية لبعض يهود العالم.
وتبدأ عملية التهجير القسري بمحاولة خَلْق ما يمكن تسميته «الصهيونية البنيوية» أي الصهيونية التي تتجاوز المشروع المعلن والشعارات المطروحة لتخلق وضعاً (بنيوياً) يجعل استمرار أعضاء الجماعات اليهودية في الحياة في أوطانهم صعباً ويجعل رفضهم الصهيونية شبه مستحيل. وأولى هذه المحاولات كانت وعد بلفور حيث سعى الصهاينة إلى استخدام عبارة «العرْق اليهودي» بدلاً من «الشعب اليهودي» حتى يجعلوا كل يهودي، شاء أم أبى، عضواً في هذا الشعب، إذ أن الانتماء العرْقي لا يترك مجالاً لاختيار، ومن ثم تسقُط صفة المواطنة عن يهود العالم فيضطرون إلى الهجرة.
وقد أخذ التهجير شكل التعاون مع القوى المعادية لليهود (فون بليفيه، وزير داخلية روسيا القيصرية، وبتليورا، الزعيم الأوكراني، وأخيراً النظام النازي نفسه) وتوقيع معاهدة الهعفراه (أي التهجير أو الترانسفير) . وتأخذ محاولة التهجير أيضاً شكل إغلاق باب الهجرة في العالم أمام أعضاء الجماعات اليهودية بحيث يتجهون، شاءوا أم أبوا، إلى أرض الميعاد. وينطبق هذا على يهود روسيا السوفيتية حيث تحاول المنظمة الصهيونية تحويل الهجرة التلقائية إلى الولايات المتحدة إلى تهجير قسري إلى إسرائيل عن طريق إغلاق باب الولايات المتحدة أمامهم وفتح أبواب إسرائيل، ومنع المنظمات اليهودية من مساعدة اليهود السوفييت المهاجرين إلى الولايات المتحدة.

ويمكن أن نرى هجرة يهود العالم العربي، وخصوصاً يهود العراق، على أنها عملية تهجير قام بها الصهاينة بخلقهم الظروف الموضوعية والبنيوية التي أضطرت أعضاء الجماعة اليهودية إلى الهجرة، مثل وضع القنابل في المعبد اليهودي في العراق أو تجنيد بعض يهود مصر لوضع قنابل في السفارات الأجنبية، وهو ما أدَّى إلى تدهور وضع الجماعات اليهودية في مصر. وغني عن القول أن الخطاب الصهيوني، حينما يتحدث عن التهجير (الترانفسير) ، يتحدث عن العرب وحسب. ولكن مع الهجرة السوفيتية الأخيرة ومع جفاف مصادر الهجرة البشرية للدولة الصهيونية ومع رفع شعارات مثل السوق الشرق أوسطية وعملية السلام فإن الدولة الصهيونية تلجأ إلى الإغواء أكثر من القسر.
الخلاص الجبري
‏Forcible Redemption
«الخلاص الجبري» مصطلح قمنا بسكه لوصف المحاولات الصهيونية التي تهدف إلى غزو الدياسبورا، أي الجماعات اليهودية في العالم، لإرغام أعضائها على ترك أوطانهم والهجرة إلى إسرائيل، ذلك لأن هجرتهم هذه (تهجيرهم ـ ترانسفير) فيها خلاص لهم من النفي في أرض الأغيار. فالصهيونية تفترض أنها تعرف ما فيه صالح أعضاء الجماعات اليهودية وأن يهود المنفى غافلون عما يحيق بهم من أخطار مادية ومعنوية، ونظراً لغفلتهم هذه فإنهم لا يُبدون حماساً كبيراً للهجرة إلى إسرائيل. وقد وصف أحد المسئولين الإسرائيليين هذا الوضع بقوله: "إننا نجد أنفسنا مضطرين إلى سحب كل مهاجر جديد إلى إسرائيل وكأنه بغل حرون". وطالب بضرورة التدخل الجراحي، أي ضرورة تخليص اليهود بالإكراه.

والخلاص الجبري يأخذ أشكالاً كثيرة من بينها إصدار تصريحات وممارسة نشاطات صهيونية من شأنها تعريض أعضاء الجماعات اليهودية لتهمة ازدواج الولاء. ومن الأمثلة على هذا ما قامت به جولدا مائير حين كانت تشغل منصب وزير خارجية إسرائيل (عام 1960) إذ بعثت رسالة رسمية إلى بعض الحكومات الغربية تحتج فيها على أحداث وقعت في تلك الدول تنطوي على عداء لليهود، وكأن إسرائيل هي المسئولة عن يهود العالم، وكأنها بالفعل قادرة على التدخل لحمايتهم، وكأن يهود العالم قد فوضوها أن تتحدث باسمهم وتدافع عنهم.

ويأخذ الخلاص الجبري أحياناً شكل قَطْع المعونات عن المهاجرين اليهود الذين يرفضون الاتجاه لإسرائيل كما حدث مع بعض نزلاء معسكرات المرحَّلين بعد الحرب العالمية الثانية الذين كانوا يرغبون في الهجرة إلى الولايات المتحدة. فقد مارس الصهاينة شتى أنواع الضغط عليهم من حرمان من حصص الطعام وطرد من العمل وحرمان من الحماية القانونية وضمن ذلك حق الحصول على تأشيرة السفر. وكانوا في بعض الأحيان يُطردون من المعسكر كليةً. وتجري ممارسة نفس الضغط في الوقت الحاضر على المهاجرين السوفييت الذين يودون الاتجاه إلى الولايات المتحدة. ومن أشكال الخلاص الجبري الأخرى، توريط المستوطنين الجدد في إسرائيل من خلال إعطائهم معونات كبيرة يقومون بإنفاقها ويصبح من المستحيل عليهم سدادها. وقد مورست هذه الحيلة على نطاق واسع جداً مع المهاجرين السوفييت في السنين الأخيرة. وقد صرح كاتب في جريدة دافار بأنه لو كان الأمر بيده لبعث مجموعة من الشبان الإسرائيليين الصهاينة المتحمسين ليتولوا مهمة الخلاص الجبري ليهود الشتات المتفرقين عن طريق التخفي وإثارة ذعر اليهود بإطلاق شعارات معادية لليهود مثل "اليهود الملاعين" و"أيها اليهود اذهبوا إلى فلسطين" (والشعار الأخير، على كلٍّ، هو شعار صهيوني ومعاد لليهود في آن واحد) . ولعل أهم حوادث الخلاص الجبري التي قامت بها الحركة الصهيونية هي عملية العراق حين بعثت الدولة الصهيونية عملائها إلى العراق حيث زرعوا المتفجرات في أماكن تجمُّع أعضاء الجماعة اليهودية، وفي المعابد اليهودية، لإرهابهم "وتشجيعهم" على الفرار أو الخلاص الجبري.
إرهاب (ترانسفير) يهود العراق
‏Transfer of Iraqi Jews

من أهم العمليات الإرهابية التي قام بها الصهاينة ضد إحدى الجماعات اليهودية لإرغام أعضائها على الهجرة (الترانسفير) ، وذلك لتحقيق الخلاص الجبري أو غزو الدياسبورا، وهي العملية التي دُبِّرت ضد يهود العراق بعد إعلان الدولة الصهيونية.
كان المجتمع العراقي يمر بمرحلة انتقالية في الأربعينيات، وكانت هناك صعوبات تكتنف حياة جميع الأقليات الدينية والعرْقية هناك، وضمنها الأقلية اليهودية. وفي سنة 1941، قامت مظاهرات معادية للجماعة اليهودية، ولكنها "الأولى من نوعها" كما تقول موسوعة الصهيونية وإسرائيل. وفي النهاية، كان لليهود العراقيين نصيبهم العادي من السعادة والشقاء، ففي ديسمبر 1934 أرسل السير ف. همفري، السفير البريطاني في بغداد، برقية سرية إلى وزارة الخارجية البريطانية، قال فيها أن الجماعة اليهودية في العراق "تتمتع" بوضع موات أكثر من أية أقلية أخرى في البلاد، وأوضح أنه "ليس هناك عداء طبيعي بين اليهود والعرب في العراق"، ويبدو أن تقرير السفير البريطاني كان دقيقاً بصفة عامة، فيهود العراق كانوا مؤمنين بأنهم عراقيون (أساساً) يرجع نَسبَهم إلى أيام النفي البابلي، وكان عدد كبير منهم يتمتع برخاء نسبي.

وكانت نسبة قيد يهود العراق في المدارس والكليات أعلى كثيراً من النسبة على المستوى القومي، فقد أوضح رافي نيسان (اليهودي العراقي الذي هاجر إلى إسرائيل واستوطن فيها) أنه، على الرغم من أن اليهود العراقيين تركوا ممتلكاتهم خلفهم في العراق، فإنهم أتوا معهم بشيء أكثر أهمية "من المال" وهو "خبرتنا وعلمنا"، على حد تعبيره. فثلث المهاجرين من يهود العراق تلقوا تعليماً لمدة أحد عشر عاماً على الأقل وهي نسبة تعلو حتى على النسبة المقابلة بين أولئك القادمين الجدد (إلى الدولة الصهيونية) من أوربا وأمريكا. وأضاف رافي أن "أكثر من 80 في المائة من أرباب الأسر المهاجرة كانوا من الحرفيين المهرة وأصحاب المحال التجارية والمديرين والمحامين والموظفين والمعلمين". وفيما يتعلق بمقدار المشاركة في الحكومة والسلطة، فقد أعلنت الحكومة العراقية "حرية الدين والتعليم والتوظف ليهود بغداد الذين لعبوا دوراً مهماً جداً في تحقيق رخاء المدينة وتطوُّرها". وكان هناك ستة أعضاء يهود في البرلمان العراقي.

ورغم هذا السلام والاستقرار اللذين كانت تتمتع بهما الجماعة اليهودية، قرر الصهاينة جعل العراق هدفاً لنشاطهم. والعراق ـ مثلها في هذا مثل ليبيا ومصر وفلسطين ـ كانت هي الأخرى مطروحة في وقت من الأوقات هدفاً محتملاً لخطة الاستيطان الصهيوني، الأمر الذي كان كافياً في حد ذاته لإثارة التوتر بين أغلبية السكان والجماعة اليهودية. وعندما اقتصرت المخططات الصهيونية على فلسطين (وتخومها) ، تحوَّلت الأنشطة الصهيونية عن أرض العراق، وتركزت على يهود العراق، فأسَّس أهارون ساسون (سنة 1919) جمعية في بغداد تُدعى «اللجنة الصهيونية» . وأنشأت هذه المنظمة فروعاً لها في عدة مدن عراقية (نحو 16 فرعاً) ، بل أرسلت وفداً عنها إلى المؤتمر الصهيوني الثالث عشر (1923) ، كما قامت بتنظيم جماعات شبابية لإعداد الشباب المهجرين وطبع عدة نشرات شهرية بالعبرية والعربية، وأسَّست مكتبة صهيونية. وكان الصهاينة يقومون أحياناً ـ بغرض تسميم العلاقات بين يهود العراق وباقي الشعب العراقي ـ بتوزيع منشورات في المعابد تحتوي على شعارات مهيجة، مثل "لا تشتروا من المسلمين" متعمدين أن تصل هذه المنشورات إلى أيدي المسلمين. ونجحت الدعاية الصهيونية، إلى حدٍّ ما، في بذر الشقاق و"المرارة" كما ألمح السفير البريطاني في برقيته سنة 1934 لبيان أن منع النشرات الصهيونية من الصدور قد يكون في "صالح اليهود أنفسهم".

ويبدو أنه، برغم الجهود الصهيونية، وبرغم تشاؤم السفير البريطاني، فإن يهود العراق لم يكونوا منعزلين تماماً عن وطنهم. فبعد النشاط الصهيوني الطويل في العراق، وبعد مظاهرات 1941 المؤسفة، استأنف اليهود العراقيون (بجذورهم الثابتة في البلاد) حياتهم الطبيعية، فأقاموا حياً يهودياً. واستثمروا مبالغ ضخمة في مجال البناء في مدينة بغداد، فقد جاء في كتاب لمؤلفة إسرائيلية أن المبعوثين الصهاينة في العراق "أدركوا أن الأيديولوجية الصهيونية لن تلقى قبولاً في معظم الدوائر اليهودية". وقد حاول أحد هؤلاء المبعوثين تجنيد عناصر من بين المثقفين "إلا أنه فشل". ثم جاء قيام الدولة الصهيونية والهزيمة العربية، الأمر الذي أدَّى كما هو متوقع إلى تعقيد الأمور بالنسبة للجميع. فقد أُعفي اليهود العراقيون، الذين كانوا يتولون مناصب تتطلب الاتصال بدول أجنبية، من مناصبهم. وباستثناء مثل هذه الحالات، فإن رد الفعل العراقي كان يتسم بضبط النفس إذا ما أخذنا في الحسبان أبعاد الموقف.
ورغم النشاط الصهيوني المكثف داخل العراق، ورغم تورُّط بعض يهود العراق البارزين في هذا النشاط، لم تنشأ حالة هستيريا شعبية من ذلك النوع الذي يجتاح الرأي العام عادةً في زمن الحرب، وبصفة خاصة في أعقاب الهزيمة. وقد قال كبير حاخامات العراق للحاخام بيرجر سنة 1955: "إننا نسمع أنكم، في الولايات المتحدة، لم تعاملوا مواطنيكم اليابانيين معاملة طيبة أثناء موجة الانفعال العاطفي التي أعقبت بيرل هاربر"، وكان يشير بذلك إلى اعتقال آلاف من الأمريكيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية.

لقد كان من الممكن أن تنتهي المتاعب وقتها (سنة 1948) ، وكان من الممكن أن يستأنف يهود العراق حياتهم، بدرجات مختلفة من التوتر والتوافق، وكان الزمن كفيلاً بجعل الجروح تلتئم. غير أن الصهاينة كان لديهم مخطط مختلف عن هذا، فقد كانت هناك خطوات أساسية لابد من اتخاذها بهدف تحقيق الخلاص "لمائة وثلاثين ألف يهودي ولتحسين موقف إسرائيل، في الوقت نفسه، من حيث عدد السكان". ونحن نعرف من مصادر صهيونية أن حركة صهيونية سرية ـ مثل تلك التي كانت تعمل في مصر ـ قد تأسست في العراق سنة 1941. وأعطيت المنظمة الجديدة (التي بدأت في تعليم الشبان اليهود كيفية استخدام الأسلحة النارية وتصنيع المتفجرات) اسم «حركة الرواد البابليين» . وكونت الحركة السرية جيشاً شبه مستقل داخل العراق كانت له أسلحته ومجندوه. وفي سنة 1947، كتب إيجال آلون، قائد البالماخ، رسالة إلى دان رام وصفه فيها بأنه "قائد جيتو العراق". وقامت الهاجاناه بتهريب الأسلحة ـ من بنادق وذخائر وقنابل ـ إلى العراق. وقال آلون في رسالته إلى دان رام "إن الهدف من إرسال هذه الأسلحة هو تشجيع كل أشكال الهجرة".
ولكن ما الذي كان يراد من كل هذه الأسلحة (التي عُثر عليها فيما بعد) ؟ "هل كنا سنحارب العراق كله بها، هذا على افتراض أن ولاءنا كان متجهاً لإسرائيل، وهو ما لم يكن كذلك في الواقع". إن هذا التساؤل الذي طرحه حاخام عراقي عام 1955 كان له ما يسوغه، وكان من الممكن أن يظل دون إجابة لو لم تتكشف بعض القرائن.

شهدت بغداد عدداً من الحوادث سنة 1950، فقد أُلقيت شحنة ناسفة داخل مقهى اعتاد المثقفون اليهود الاجتماع فيه، ثم انفجرت قنبلة في المركز الإعلامي للولايات المتحدة. ومرة أخرى، نجد أن هذا المركز كان مكاناً اعتاد الشباب ـ وبخاصة اليهود منهم ـ أن يجلسوا فيه ويقرأوا، وعندما انفجرت قنبلة ثالثة في معبد ماسودا شيمتوف، أودى الحادث بحياة صبي يهودي، كما فَقَد رجل يهودي إحدى عينيه. ولا شك في أن المؤرخين الصهاينة كانوا سيصوِّرون هذه الفترة على أنها مذبحة جماعية أخرى ضد اليهود، لولا أن النقاب أزيح، بطريق الصدفة، عن مخطط صهيوني منظم للأعمال الاستفزازية.
ومن اليهود الذين ظنوا أن الانفجارات كانت من صنع العرب، يهودي عراقي يُدعَى كوخافي، أصبح فيما بعد مواطناً إسرائيلياً وعضواً بجماعة الفهود السود. لكنه قال إنه سمع إشاعة تتردد في إسرائيل (بعد أن كان أفراد الجماعة اليهودية العراقية، جميعهم تقريباً، قد هاجروا إلى الدولة الصهيونية) مفادها أن الحادث كان من فعل عميل صهيوني "وقد نُشر هذا الموضوع في الصحف أيضاً، ولم ينفه أحد". وربما كان كوخافي يشير بهذا إلى المقال الذي نشرته صحيفة هاعولام هازيه يوم 29 مايو سنة 1966، والتقرير الذي نشرته مجلة الفهود السود يوم 9 نوفمبر سنة 1972 وهما العملان اللذان أعادا ترتيب الحوادث التي وقعت أثناء المذابح الصهيونية المنظمة وأزاحا النقاب عن الحقيقة البشعة بأكملها.

ففي سنة 1951، أي بعد الانفجار الغامض مباشرةً، شاهد لاجئ فلسطيني من عكا (كان يعمل في أحد المحال الكبيرة في بغداد) أحد رواد المتجر، وعرف أنه يهودا تاجر (الضابط بالحكومة العسكرية الإسرائيلية في عكا) . فأبلغ اللاجئ الشرطة العراقية عن وجود الضابط الإسرائيلي الذي قُبض عليه ومعه شالومك تزلاه وخمسة عشر آخرين من أعضاء المنظمة السرية الصهيونية. وكشف تزلاه أثناء التحقيق عن حقيقة المخطط الصهيوني، وأرشد الشرطة العراقية إلى مخابئ الأسلحة في المعابد. وقد حوكم العملاء من أعضاء المنظمة الصهيونية السرية بتهمة محاولة "إثارة ذعر اليهود العراقيين لدفعهم للهجرة إلى إسرائيل"، وصدر الحكم بالإعدام على اثنين من هؤلاء العملاء، وبالسجن لمدد طويلة على الباقين. وقال محام عراقي (من سكان تل أبيب الآن) : "لقد كانت الأدلة من القوة بحيث لم يكن شيء ليمنع صدور الأحكام". والآن، يحاول قدوري سليم ـ المواطن الإسرائيلي اليهودي العراقي الذي فقد عينيه في حادث معبد شيمتوف ـ الحصول على تعويض من الحكومة الإسرائيلية.
الهجرة الصهيونية الاستيطانية قبل عام 1948: تاريخ
‏Zionist Settler Immigration before 1948: History

يطلق الصهاينة على هجرتهم إلى فلسطين كلمة «عالياه» وهي كلمة عبرية مشتقة من «يعلو» ، والمهاجرون هم «عوليم» . ولكلمة «عالياه» العبرية معان عدة أولها «الصعود إلى السماء» ، وثانيها «الصعود لقراءة التوراة في المعبد أثناء الصلاة» ، وثالثها «الصعود إلى إرتس يسرائيل بغرض الاستيطان الديني» . وفي العهد القديم، نجد أن الذهاب إلى فلسطين يعبَّر عنه بعبارة «الصعود إلى الأرض» ، ومن هنا كانت التسمية «عالياه» من «العلا» ، أما الذهاب إلى مصر فيعبَّر عنه «بالنزول إليها» ، أي أن المصطلح العبري مرتبط بطقوس دينية عديدة وله إيحاءات عاطفية. وقد كانت للعالياه أغراض عديدة في التقاليد اليهودية، فمثلاً كانت تتم بغرض الشفاء من الأمراض وللتخلص من الفقر، كما كان الكهول يهاجرون لاعتقادهم أن الدفن في أرض الميعاد يجلب ثواباً كبيراً. وكان البعض «يعلو» إلى إرتس يسرائيل بغرض دراسة التوراة.
وقد استخدمت الحركة الصهيونية هذا المصطلح الديني وجردته من بُعده الإيماني المجازي وأطلقته على حركة الهجرة الصهيونية من شرق أوربا إلى فلسطين في العصر الحديث، وفي هذا تعمية أيديولوجية. فالعالياه مصطلح ديني يصف أفعالاً فردية وأوامر يُفترض فيها أنها ربانية ذات قداسة معينة من وجهة نظر من يقوم بها، ولا يمكن إطلاقه على ظاهرة اقتصادية اجتماعية سياسية يقوم بها فريق من الصهاينة لا يؤمن معظمه بالعقيدة اليهودية. ومن هنا فإننا في دراستنا لظاهرة هجرة اليهود إلى فلسطين سنسقط تماماً كلمة «عالياه» الدينية ونستخدم مصطلح «الهجرة الاستيطانية الصهيونية» . ومما له دلالته أن كلمة «هجيراه» العبرية كلمة محايدة تؤدي نفس المعنى، ولكن الحركة الصهيونية تؤثر استخدام المصطلحات التقييمية على المصطلحات الوصفية حتى يمكِّنها فَرْض غمامات أيديولوجية (ومن هنا استخدام مصطلح «يريدا» أي «الارتداد» للإشارة إلى اليهودي الذي يهاجر من إسرائيل) .

والاستيطان هو الدعامة الأساسية للمشروع الصهيوني، ولذلك تحاول الحركة الصهيونية أن تدفع اليهود إلى تلك الهجرة وتيسرها لهم.
1 ـ تُقسَّم موجات الهجرة الصهيونية إلى خمس موجات فيما بين عامي 1882 و1944:
الموجة الأولى:
استغرقت الموجة الأولى السنوات من 1882 إلى 1903 تقريباً، وضمت عدداً يصل من 20 ـ 30 ألف مهاجر (بمعدل 1000 مهاجر كل عام) . وقد جاءت الأكثرية الساحقة من المهاجرين من روسيا ورومانيا وبولندا (أي من يهود اليديشية) ، وقد ارتبطت تلك الموجة بتعثُّر التحديث في تلك البلاد وصدور قوانين مايو، وقد تمت هذه الهجرة تحت رعاية جماعة أحباء صهيون والبيلو بتمويل المليونير روتشيلد. وكان الطابع الاجتماعي العام للمستوطنات التي أقاموها طابعاً رأسمالياً تقليدياً حيث كان اليهود يمثلون «أرستقراطية زراعية مصغرة» يستغلون العمال من اليهود والعرب الذين يعملون بالأجر على السواء. ويبدو أن الأحوال قد ساءت جداً بهذه الجماعات، ولذا كانوا من مؤيدي مشروع شرق أفريقيا الاستيطاني. كما أن اليهود المتدينين الذين كانوا يقيمون في فلسطين من قبل (فيما يُطلَق عليه «اليشوف القديم» ) لم يرحبوا بهم بسبب سلوكهم العدواني تجاه اليهود العرب، ولإثارتهم المشاكل بين الأقلية اليهودية والأغلبية العربية. وكان من أسباب سخط اليهود المتدينين استخدام المهاجرين اللغة العبرية في حديثهم اليومي الدنيوي (فقد كانت العبرية حسب التصور الديني لغة دينية وحسب) . كما أثارت مشكلة دينية في سنة شميطاه المفروض فيها إراحة الأرض المقدَّسة وعدم زرعها. ومما هو جدير بالذكر أن عدد اليهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة في تلك الفترة كان أكثر من نصف مليون، أي أن عدد المهاجرين إلى فلسطين كان حوالي 2% من مجموع المهاجرين اليهود عامة.
الموجة الثانية:

استغرقت الموجة الثانية السنوات من 1904 إلى 1914 تقريباً وضمت عدداً يتراوح بين 35 و40 ألفاً من اليهود (بمعدل 3000 مهاجر سنوياً) معظمهم من العمال الروس. وقد ارتبطت تلك الموجة تاريخياً بالاضطرابات السياسية التي سادت روسيا بعد هزيمتها على يد اليابان. وينحدر معظم أعضاء هذه الموجة من أصول يديشية، وقد كانوا يعيشون في مدن صغيرة (شتتل) الأمر الذي ترك أثره في تفكيرهم وتصوراتهم. ومما يُذكر أن أفراد الصفوة الحاكمة في إسرائيل (بن جوريون وإشكول) كانوا أعضاء فى الموجة الثانية. ويتميَّز أعضاء هذه الموجة بأنهم حَمَلة أفكار الصهيونية العمالية (كما عبَّر عنها سيركين وبوروخوف) : المطالبة بالاعتماد على الذات، ممارسة العمل اليدوي، وإبراز الهوية اليهودية. وقد ترجمت هذه الأفكار نفسها في شكل مؤسسات عسكرية زراعية استيطانية مثل الكيبوتس، وفي شكل الإصرار على التحدث بالعبرية (التي كانوا لا يعرفونها لأنهم كانوا يتحدثون اليديشية) وعلى فلكلور يهود اليديشية الذين كانوا يعتبرونه التراث اليهودي. وبينما اعتمد أعضاء الموجة الأولى على الفلاحين العرب ولم يقووا على الاستمرار دون معاونة المليونير اليهودي روتشيلد، نجد أن أعضاء الموجة الثانية (أصحاب فكرة اقتحام الأرض والعمل) كانوا يعتبرون فلسطين لا بمنزلة ملجأ وحسب وإنما بمنزلة قاعدة إستراتيجية لتنفيذ المشروع الصهيوني.
وجدير بالملاحظة أن عدد اليهود الذين تركوا روسيا القيصرية وبولندا والنمسا ورومانيا في الفترة من عام 1882 ـ 1914 (التي تغطي الموجتين الأولى والثانية) بلغوا أربعة ملايين، على حين كان عدد اليهود في فلسطين عشية الحرب العالمية الأولى 90.000 وضمنهم أعضاء اليشوف القديم. وأثناء الحرب، هاجر أكثر من نصفهم إلى الولايات المتحدة (وكان من بينهم مؤلف نشيد هاتيكفاه، نشيد الحركة الصهيونية والدولة الصهيونية فيما بعد) .
الموجة الثالثة:

تُعَدُّ الموجة الثالثة استمراراً لسابقتها (وكانت تضم بين أعضائها جولدا مائير) وقد استغرقت السنوات من 1919 إلى 1923 تقريباً (لم تكن هناك هجرة أثناء الحرب) ، وضمت حوالي 35 ألف يهودي غالبيتهم من روسيا وبولندا من أبناء الطبقة العاملة ممن كانوا متأثرين بالفكر الاشتراكي والتعاوني فأسسوا الكيبوتسات والهستدروت. وجدير بالذكر أن الزيادة النسبية في هذه الموجة تعود إلى أن الولايات المتحدة كانت قد أخذت في تطبيق نظام النصاب (بالإنجليزية: كوتا quota) أو العدد المصرح به لأعضاء فئة اجتماعية أو قومية ما بالهجرة، وهذا ما جعل أبواب الولايات المتحدة مغلقة نسبياً. وقد أسَّس أعضاء هذه الموجة جماعة الحارس الفتي. وبانتهاء الموجة الثالثة نجد أن عدد اليهود الذين قرروا الهجرة إلى فلسطين لم يزد عن 80 ألفاً من مجموع يهود العالم البالغ عددهم آنئذ 15 مليوناً، وهذا مع الأخذ في الاعتبار أن الفترة من 1920 إلى 1924 شهدت نزوح 12% من المستوطنين عن فلسطين.
الموجة الرابعة:

وتُسمَّى أيضاً هجرة جرابسكي (نسبة إلى رئيس وزراء بولندا المعروف بمعاداته لليهود واليهودية) وقد استغرقت هذه الموجة السنوات من 1924 إلى 1931 تقريباً، وضمت حوالي 82 ألف يهودي غالبيتهم من روسيا وبولندا. وكان الطابع الغالب على تلك الموجة أن أفرادها كانوا من البورجوازية الصغيرة أو كانوا رأسماليين أُمِّمت أموالهم ( «رأسماليون دون رأسمال» ) فكانوا مجموعة من صغار التجار أو «بروليتاريا الطبقات الدنيا» ، كما كان يحلو لأرلوزوروف تسميتهم. ولعل أصولهم البورجوازية الصغيرة وعزوفهم عن العمل في الزراعة يفسر سبب امتلاء تل أبيب فجأة بالحوانيت بحيث أصبح يخص كل خمس عائلات حانوت. وكان وضعهم الاقتصادي السيئ يجعل منهم أداة ضغط على الحركة الصهيونية، وهو ما شكَّل أساساً لانتقاد جابوتنسكي للأسلوب المتدرج للحركة الصهيونية ومطالبته بإقامة الدولة اليهودية فوراً على كل أراضي فلسطين تحت الانتداب بالإضافة إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن. وقد هاجر معظم أعضاء الموجة الرابعة إلى فلسطين بغرض الربح الاقتصادي وبسبب التشدد في تطبيق نظام النصاب في الولايات المتحدة. وقد نزح عن فلسطين كثير منهم (أكثر من 33% من عدد المهاجرين حسب بعض التقديرات) بسبب سوء الأحوال الاقتصادية. وقد لاقى أعضاء هذه الموجة الكثير من الصعوبات من جانب أعضاء الموجات السابقة بسبب اختلاف الانتماء الاجتماعي.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه بانتهاء الموجة الرابعة، بلغ عدد اليهود الموجودين في فلسطين 174.000 وحسب (منهم 30 ألفاً من اليشوف القديم يمثلون 16% من عدد السكان) . وهذا هو كل العدد الذي هاجر خلال مدة 50 عاماً، أي بمعدل 2500 يهودي كل عام من مجموع يهود العالم الذي بلغ آنذاك 16 مليوناً.
الموجة الخامسة:

واستغرقت الموجة الخامسة السنوات من 1932 إلى 1944 تقريباً وضمت حوالي 265 ألف يهود، وهو أعلى رقم بلغته أفواج المهاجرين إبان الانتداب. وترتبط تلك الموجة باستيلاء النازيين على السلطة، ولذا كانت غالبية أعضائها من بولندا وألمانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا، أي وسط أوربا، بينما كان المهاجرون حتى الموجة الرابعة من شرقها.
وقد كان أعضاء هذه الموجة من الرأسماليين وأرباب المهن الحرة ذوي ثقافة عالية وكان بينهم 25.130 مهاجراً يحمل كل واحد منهم أكثر من ألف جنيه. وقد دخل فلسطين في عام 1935 وحده 6309 من هؤلاء الأثرياء. وقد أثر هذا في الحركة الصهيونية، فالتكوين الطبقي الجديد شد من أزر الصهاينة التصحيحيين باتجاههم الرأسمالي الفاشي. وقد وظَّف المهاجرون رؤوس أموالهم في فلسطين، وأسفر ذلك عن نمو كبير في الصناعة الصهيونية، وخصوصاً صناعات النسيج والصناعات الكيميائية والمعادن. كما نمت عملية إنتاج وتصدير الحمضيات نمواً كبيراً وتضاعف عدد المؤسسات الصناعية. ومع الحرب العالمية الثانية وإغلاق أبواب المنافسة ضد البضائع الأجنبية أخذت الصناعة الصهيونية فرصتها التاريخية للتوسع والازدهار (كانت حصة الصناعة من الناتج الكلي للاقتصاد الصهيوني عام 1936 نحو 26%، ارتفعت هذه النسبة بتأثير الحرب حتى بلغت 41.3% عام 1945. ويُقال إن هذه الفترة هي التي شهدت تشييد البنية التحتية للكيان الصهيوني) .
وقد استمرت الهجرة بعد ذلك، ووصل إلى فلسطين 192 ألف مهاجر، وجاء بعد الحرب العالمية مجموعة من 161 ألفاً معظمهم «مهاجرون غير شرعيين» . ولعل من المفيد في هذا المضمار أن نذكر أن معظم من نجوا من معسكرات الاعتقال والإبادة لم يستوطن فلسطين وإنما شق طريقه إلى الولايات المتحدة أو إلى إحدى دول العالم الأخرى.

والملاحَظ أن هذه الموجات المتكررة تسببت في إفساد البناء الاقتصادي الفلسطيني وفي تحويل أعداد كبيرة من الفلاحين الفلسطينيين إلى عمال غير مؤهلين وإلى تفشِّي البطالة بينهم لأن أبواب الصناعات الجديدة الصهيونية كانت موصدة دونهم. على عكس العمال في جنوب أفريقيا الذين كانوا يُقتَلعون من قراهم وقبائلهم ويُقذَف بهم في المدن أو على مقربة منها. ولكن الاقتصاد الجديد كان يستوعبهم، لأن الهجرة الأوربية إلى جنوب أفريقيا كانت استيطانية ولم تكن إحلالية. وقد كانت انتفاضات الفلسطينيين المختلفة (وخصوصاً انتفاضة 1936) تعبيراً عن السخط العربي على الهجرة اليهودية.
ولابد من الإشارة إلى أن الإحصاءات السابقة ليست على جانب كبير من الدقة لأن الحركة الصهيونية (وإسرائيل من بعدها) تجعل أعداد المهاجرين إلى فلسطين أسراراً عسكرية تتلاعب بها حسبما يتفق مع أهوائها الإعلامية. فمثلاً نجدها أحياناً تضم أعداد السائحين والحجاج إلى إحصاءات المهاجرين، كما تتعمد إغفال ذكر عدد المهاجرين إلى خارج فلسطين أحياناً أخرى.

ومع هذا، يمكن القول بأن عدد اليهود في فلسطين عام 1948 قد بلغ 649.623 يهودياً. ولو جمعنا هذا العدد في عائلات تتألف الواحدة منها من خمسة أشخاص لكان العدد 129.927 عائلة، بينما كانت الأملاك القومية اليهودية المشتراه حتى عام 1948 لا تتسع إلا لنحو 32.521 عائلة يهودية، أي أن هناك 97.406 من العائلات الفائضة عن القدرة الاستيعابية التي يُفتَرض وجودها في الأملاك الصهيونية وفقاً للحسابات التي أجراها الصهاينة أنفسهم. ومن هذا نستنتج أن الغرض الأساسي أو النتيجة الحتمية للهجرة اليهودية هي طرد الشعب الفلسطيني، أي أنها هجرة «إحلالية» بالضرورة، بل إن هذه الهجرة لا يمكن رؤيتها إلا بوصفها الترجمة السكانية للعنف الصهيوني (وقد احتل المهاجرون المنازل العربية التي تركها سكانها، بل كانوا يتسابقون عليها للحصول على المساكن الجيدة في الأحياء الجديدة. أما الذين وصلوا فيـ مرحلة متأخرة، مثل اليهود الشرقيين، فقد حصلوا على منازل عربية عتيقة آيلة للسقوط) .
الهجرة الصهيونية الاستيطانية بعد عام 1948: تاريخ
‏Zionist Settler Immigration after 1948: History
بلغ عدد اليهود الذين هاجروا بعد إنشاء الدولة حتى عام 1951 حوالي 687 ألف. من بينهم 106.163 ألف يهودي من بولندا و17.912ألف يهودي من رومانيا و24.731من تشيكوسلوفاكيا. وهاجر أيضاً ما يُعرَف بيهود المعسكرات (وهم بقايا الهجرة غير الشرعية) كما هاجرت أعداد من يهود البلقان ويوغوسلافيا.

ويبدو أن الحركة الصهيونية حينما كانت تتحدث عن اليهود كانت تعني حينئذ يهود أوربا وحسب، ومن ثم لم توجه نشاطها نحو تهجير يهود البلاد العربية رغم قربهم من فلسطين مكانياً. غير أن إنشاء الدولة الصهيونية كان من نتيجته خَلْق كثير من المشاكل لليهود العرب، وخصوصاً أن الدولة الصهيونية حاولت التدخل في شئون اليهود العرب الداخلية، كما ظهر في فضيحة لافون. ويُلاحَظ أن المجتمع العربي كان يتجه نحو الاشتراكية ونحو تأميم القطاع الخاص، وكان أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي مرتبطين بالاقتصاد الحر والمصالح المالية الأجنبية (وقد كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود العرب يحملون جوازات سفر أجنبية) . وفي نهاية الأمر كانت الهجرة إلى الدولة الصهيونية تحقق قدراً لا بأس به من الحراك الاجتماعي لبعض قطاعات اليهود العرب. لكل هذا، هاجرت أعداد كبيرة من يهود البلاد العربية، منهم 45.731 ألف يهودي يمني و123.625 ألف يهودي عراقي و30.242 ألف يهودي ليبي و16.607 يهودي من مصر و21.784 يهودي من إيران.

ومنذ عام 1969 بدأ تدفُّق جديد للمهاجرين اليهود حيث وصل عددهم ذلك العام 38.111 والعام الذي يليه 36.750. وأخذ العدد في التزايد التدريجي 41.930 (1971) و55.888 (1972) و54.886 (1973) . والغالبية الساحقة من المهاجرين تأتي من أوربا (روسيا أساساً) وأمريكا الشمالية واللاتينية (أي من العالم الغربي) ، ومن المعروف أن هجرة يهود جورجيا تمت خلال هذه الفترة حيث هاجرت أعداد ضخمة منهم. وبعد حرب عام 1973 هبط العدد إلى 31.981، وابتداءً من عام 1975 عاد إلى معدله العادي 20.028 (1975) ـ 19.754 (1976) ـ 21.429 (1977) ـ 26.394 (1978) ـ وزاد العدد إلى 37.222 (عام 1979 الذي شهد توقيع اتفاقية كامب ديفيد) . ولكنه تراجع مرة أخرى إلى 20.428 (1980) ـ 12.599 (1981) ـ 13.723 (1982) ـ 16.906 (1983) ـ 19.981 (1984) ـ 10.642 (1985) . وعلى هذا، فإن الغالبية الساحقة لا تزال من العالم الغربي. ولا يمكن تفسير هذا التراجع إلا في إطار أزمة المجتمع الإسرائيلي الاقتصادية والمعنوية (انظر: «أزمة الصهيونية» ) وتآكل الهويات اليهودية في الخارج (انظر: «هجرة اليهود السوفييت» ) بحيث أصبح الدافع للهجرة دافعاً اقتصادياً محضاً، واكتسب العنصر الاقتصادي وحده مركزية تفسيرية.
ومع بدايات عام 1989، تبدأ هجرة اليهود السوفييت وهجرة يهود الفلاشاه، وقد وصل إلى إسرائيل عام 1990 نحو 20.038 يهودي.
وقد علقت إحدى الجرائد الصهيونية (دافار عدد 13 يوليه 1984) على الإحصاءات المختلفة للهجرة بما يلي: "لم يهاجر إلى إسرائيل بين عامي 1978 و1983 سوى 127 ألف مهاجر فقط مقابل 224 ألف مهاجر خلال السنوات 1971 ـ 1976 (أي خلال سنوات حكم المعراخ) بينما بلغ عدد المهاجرين من الشرق والغرب في الفترة من 1948 إلى 1953 حوالي 717 ألف مهاجر تم استيعابهم بواسطة كيان صغير لم يزد عدد سكانه وقتها عن 80.000 فقط".

وتهدف هذه الجريدة إلى تفسير تناقص الهجرة إلى الكيان الصهيوني على أساس أن إسرائيل في حكم بيجين لا تمثل مركز جاذبية بالنسبة ليهود العالم، وذلك على عكس الحكومة العمالية. ومن الواضح أن انخفاضاً حاداً قد حدث بالفعل لحجم الهجرة اليهودية عام 1980 (20.428) ثم ازداد ذلك تدنياً عام 1981 (12.599) ، وهو أدنى رقم يُسجَّل منذ 29 عاماً (إذ سجَّل عام 1953 أدنى رقم في تاريخ الهجرة حيث بلغ 11.575 مهاجر) . ومع هذا، يُعَدُّ رقم عام 1981 أكثر تدنياً بالنسبة لعدد السكان اليهود في فلسطين المحتلة حيث كان لا يتجاوز المليون عام 1953، ثم اقترب من الأربعة ملايين عام 1981.
وتبيِّن أرقام عامي 1982 و1983 أن النمط نفسه مستمر. وقد سجل عام 1984 ارتفاعاً نسبياً بسبب هجرة يهود الفلاشاه، ثم عادت الأرقام للهبوط عام 1985.
إن عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين المحتلة (حتى بداية هجرة اليهود السوفييت عام 1989) كان آخذاً في التناقص ولا شك. ولكن هذا التناقص في الهجرة لا يمكن تفسيره على أساس وجود الليكود في الحكم وجود المعراخ العمالي في المعارضة، فثمة فترات عديدة امتدت لعدة سنوات تدنت فيها الهجرة وكانت الأحزاب العمالية أثناءها هي الأحزاب الحاكمة، مثل الفترة من عام 1952 إلى 1954، والفترة من عام 1965إلي 1968 (وهي الفترة التي سبقت العدوان الصهيوني عام 1967 والتي تلته) . ويُقال إن تدنِّي الهجرة في ذلك الوقت كان حاداً إلى درجة أن صافي الهجرة كان سلبياً. ويرى بعض المحللين السياسيين أن ذلك كان أحد الأسباب التي دفعت العدو الصهيوني لشن العدوان على مصر والأردن وسوريا.

لكن تغيَّر الحزب الحاكم في فلسطين المحتلة لا يفسر بتاتاً زيادة أو قلة الأعداد المهاجرة، ذلك لأن نقاط الاختلاف بين حزب صهيوني وآخر لا تعني المهاجر الصهيوني كثيراً، وإنما تفسرها حركيات تقع خارج نطاق الإرادة الصهيونية أو اليهودية. فهي تفسر على أساسين رئيسيين لا ثالث لهما، عناصر الطرد من البلد الأصلي وعناصر الجذب في إسرائيل. وعناصر الطرد هي حجم المشاكل التي يجابهها اليهود في البلاد التي يعيشون فيها أو في تلك التي يفكرون في الهجرة إليها، فإن زادت المشاكل وتضخمت زادت الرغبة في الهجرة (هتلر في ألمانيا ـ الضغوط الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي ـ إغلاق باب الهجرة إلى الولايات المتحدة) . وتتمثل عناصر الجذب في أن يكون الكيان الصهيوني متمتعاً بقدر من الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي، وهو ما حدث بعد المساعدات الاقتصادية الألمانية، وبعد حرب 1967، حيث انهالت المساعدات المالية من يهود العالم ومن الولايات المتحدة على الكيان الصهيوني، وحيث تم ضم أراض شاسعة تُعَدُّ مجالاً حيوياً يتحرك فيه المستوطنون ويجنون ثمراته.
وعناصر الطرد في الوطن الأصلي يمكن أن تكون من القوة بحيث يصبح أي مكان آخر عنصر جذب. ولكن، مهما كان الأمر، فإن الدافع وراء الهجرة الصهيونية أبعد ما يكون عن الصهيونية. فالحركة الصهيونية قد جعلت الهجرة إلى أرض الميعاد لتأسيس دولة صهيونية فكرة محورية. وقد ادعى الصهاينة أن الهدف الحقيقي من إنشاء الدولة الصهيونية هو إيواء المهاجرين، ولكن الواقع يبين أن الهدف الحقيقي هو إنشاء دولة وظيفية لحماية المصالح الغربية، ولذا فإن المهاجر اليهودي إن هو إلا أداة، جزء من الحائط المقام للدفاع عن الدولة الإسرائيلية، وهو حائط بشري من لحم ودم وليس حائطاً من حجارة، على حد قول بن جوريون.

وقد ظهر هذا في مؤتمر إفيان عام 1938 الذي عُقد لبحث مشكلة المهاجرين اليهود والذي حضرته وفود 31 دولة. وقد سمحت الحكومة النازية لوفد يهودي من ألمانيا بحضور المؤتمر. ولم يتحمس ممثلو الدول الغربية لفتح أبواب بلادهم أمام اللاجئين، وإن كانت الولايات المتحدة قد أعلنت عن استعدادها لقبول 30 ألف مهاجر سنوياً، كما وافقت جمهورية الدومينيكان على دخول 100 ألف مهاجر من أولئك اللاجئين دفعة واحدة، وكان أعضاء المؤتمر من اليهود فاترين في موقفهم من الهجرة اليهودية لبلادهم أما أعضاء المنظمة الصهيونية العالمية فقد قابلوا فكرة المؤتمر باللامبالاة والعداء إذ أن هذا يعني في واقع الأمر تحويل تيار الهجرة الاستيطانية عن فلسطين. وهذا الموقف الصهيوني من الهجرة اليهودية، والذي يحوِّل اليهودي إلى أداة ووسيلة، هو نفسه الذي يفسر سَعْي الحركة الصهيونية لدى الولايات المتحدة لإغلاق أبوابها أمام المهاجرين السوفييت.
ملاحظة مني انا: هنا يوجد جدول بأعداد المهاجرين الاستيطانيين إلى فلسطين منذ 1882 حتى عام 1997. ولكن فيه اخطاء بالترتيب في السيدي لذلك فضلت عدم نقله خوفا من ان انقل لكم اي اخطاء
الهجرة الصهيونية الاستيطانية غير الشرعية
‏Illegal Settler Immigration
«الهجرة الصهيونية الاستيطانية غير الشرعية» (في المصطلح الصهيوني تُسقط كلمة «استيطانية» ) اصطلاح يُطلَق على المهاجرين اليهود الذين استوطنوا في فلسطين عن طريق التسلل إليها، مخالفين بذلك القوانين التي أصدرها العثمانيون، ثم سلطات الانتداب، بهدف تنظيم الهجرة بما يتناسب مع قدرة البلاد على الاستيعاب. وقد ساهمت الهاجاناه في عمليات الهجرة غير الشرعية، كما ساهم أيضاً الجستابو النازي وفرق الـ إس. إس. في التخلص من الجماعة اليهودية وفي تسريب بعض الجواسيس النازيين إلى المنطقة.

ومن وجهة نظر عربية، تُعَدُّ الهجرة الاستيطانية الإحلالية الصهيونية ـ بغض النظر عن شكلها القانوني ـ هجرة «غير شرعية» . ولهذا، لا تُعالَج الهجرة غير الشرعية (حتى في المصادر الصهيونية) كظاهرة منفصلة عن الهجرة الاستيطانية الصهيونية. فهما عنصران متداخلان وينتميان إلى بناء واحد.
المجتمع الاستيطاني الصهيوني كمجتمع مهاجرين
‏Zionist Settler Society as an Immigrant Society
المجتمع الصهيوني هو أساساً تجمُّع مستوطنين، وقد ترك هذا الوضع أثراً عميقاً في بنية هذا المجتمع وسماته الأساسية، نورد بعضها فيما يلي:
1 ـ يعتمد التجمُّع الصهيوني حتى الآن على الهجرة لزيادة عدد سكانه ولنموه الاقتصادي، فالزيادة الطبيعية للسكان كانت تشكل، حتى عهد قريب، أقل من نصف حجم الزيادة الكلية.
2 ـ يتسم سكان هذا التجمُّع بعدم التجانس، فقد تكوَّنت النخبة السياسية التي تسلمت زمام السلطة عام 1948 من مهاجري شرق أوربا من يهود اليديشية (وخصوصاً من الهجرة الثانية والهجرة الثالثة) ومعظمهم كان علمانياً يؤمن بأيديولوجية جماعية يُقال لها «عمالية» . وكانت سلطتها مطلقة في تحديد قواعد اللعبة، وكذلك في أسلوب ومعايير توزيع الموارد وتحديد الأهداف السياسية والاقتصادية، وكان المفهوم ضمناً أن قيم هذه النخبة قيم صهيونية عامة يجب على جميع الفئات أن تتبناها وأن تتكيف معها. ولكن الهجرة جاءت بأنواع مختلفة من المهاجرين فانقسم المجتمع بحدة إلى غربيين وشرقيين، وكل فريق ينقسم إلى فئات وأقليات متعدِّدة. بل إن المجتمع ينقسم على نفسه من الناحية الدينية، فهناك الأرثوذكس والمحافظون والإصلاحيون، وهناك كذلك الحاخاميون والقراءون وغيرهم من الفئات الدينية. ويؤدي عدم التجانس الإثني والديني إلى إخفاق التجمُّع الصهيوني في التوصل إلى هوية قومية.

3 ـ يؤدي عدم التجانس هذا إلى تخفيف حدة الصراعات الطبقية داخل الكيان الصهيوني لأن الصراعات الإثنية والجيلية تطغى على الصراعات بين أعضاء الطبقات المختلفة. فالمهاجر إنسان متطلع باحث عن الحراك وانتماؤه هو انتماء عرْقي وإثني بالدرجة الأولى، وهو يحاول تحقيق ذاته ومصالحه من خلال الانتماء لجماعته الإثنية.
4 ـ تسببت الهجرة السوفيتية الإشكنازية في تعميق حدة الصراع الطائفي، لأن المهاجرين السوفييت يُعاملون معاملة خاصة، ويتم إسكانهم في منازل فاخرة، وهو ما يثير حفيظة الصهاينة الآخرين المقيمون خلف الخط الأخضر، حدود 1948، وفي إثارة سخط الشرقيين الذين هاجروا في الخمسينيات.
5 ـ يُلاحَظ أن النظام الحزبي في إسرائيل لا يزال يعكس الطابع الاستيطاني للدولة؛ فهو يساهم في عملية استيعاب المهاجرين، كما أن كثيراً من المؤسسات السياسية والعسكرية في فلسطين المحتلة تأخذ طابعاً خاصاً بل فريداً لأنها تحاول أن تتكيف مع متطلبات مجتمع المهاجرين الصهيوني.
6 ـ تتأثر الانتخابات الإسرائيلية، بل التوجه العام للمجتمع الإسرائيلي، بنوعية المهاجرين التي تتدفَّق عليه، ولعل هذا يُفسِّر سرّ تحمُّس المؤسسة الصهيونية الإشكنازية للهجرة من الاتحاد السوفيتي، فهذه الهجرة ستحقق لها ثلاثة أهداف:
أ) خَلْق كثافة سكانية يهودية تعادل الكثافة السكانية العربية.
ب) خَلْق كثافة سكانية إشكنازية تعادل الكثافة الشرقية.
جـ) خَلْق كثافة سكانية علمانية تعادل الكثافة الدينية.
وفي الانتخابات الأخيرة ظهرت أحزاب "المهاجرين" مرة أخرى ولعبت دوراً أساسياً في التحالف الوزاري.

7 ـ ونظراً لأن مجتمع المهاجرين مهدد بالتآكل والتفسخ في أية لحظة بسبب عدم تجانسه، وبسبب ضعف انتماء أعضائه، فإن النخبة الصهيونية الحاكمة تحاول دائماً أن تضخِّم الخطر "العربي"، أو الخطر الأصولي (الخارجي) حتى تدفع العناصر المتصارعة المختلفة إلى التماسك في مواجهته. وهكذا تصبح حالة شبه الحرب الدائمة حالة مثالية بالنسبة لهذا المجتمع الذي يحتاج إلى عقلية الحصار.
8 ـ يمكن تفسير تفشِّي الجريمة والمؤسسات الإجرامية المختلفة في الكيان الصهيوني على أساس أنه تجمُّع مهاجرين لا يتسم بالتماسك ولا بتوحُّد القيم.
9 ـ تعتمد التوسعية الصهيونية على تدفُّق المهاجرين من الخارج فهم يشكلون المادة البشرية التي تجعل مثل هذا التوسع ممكناً. وقد رفض بن جوريون تعريف حدود الكيان الصهيوني بفلسطين عام 1948 باعتبار أن ما سيحدد ذلك هو حجم المهاجرين المستوطنين، فكلما ازدادت أعداد المهاجرين اتسعت الحدود!
10 ـ مجتمعات المهاجرين عادةً مجتمعات دينامية، فالهجرة تعني التضخم السكاني السريع والحاجة إلى إعادة تأهيل المهاجرين واستيعابهم، وهي تعني أيضاً استيراد فكر جديد ومعارف جديدة وتجارب وخبرات وأموال وموارد بشرية وثقافات متعددة. والمجتمع الإسرائيلي من أكثر المجتمعات دينامية ومقدرة على تغيير توجهه وأدواره. ومما يساعد على ذلك صغر حجم المجتمع. كما أن أسطورة الاستيطان الصهيونية تدعو إلى أن يبدأ المستوطنون من نقطة الصفر، ومن ثم فالمجتمع لا ينوء بعبء التقاليد والماضي.
هجرة اليهود الشرقيين
‏Immigration of Oriental Jews

رغم الخلافات الأيديولوجية بين التيارات الكثيرة التي انضمت إلى مؤسسات الاستيطان المنظم، فقد كانت جميعها متفقة على المبادئ الأساسية للحركة الصهيونية، وكانت منسجمة اجتماعياً وإثنياً، على اعتبار أنها تنتمي إلى الأصول الاجتماعية الإشكنازية نفسها. وأدَّت هجرة اليهود الشرقيين بعد إقامة الدولة إلى تحولات جوهرية في المجتمع الجديد، وهي:
1 ـ تحوُّل جذري في البناء الطبقي، فقد أدَّت الهجرة إلى حراك سريع نحو الأعلى لعدد كبير من السكان القدامى؛ إذ تضخَّم الجهاز الإداري بسرعة، واستوعب جزءاً كبيراً منهم، ومُنحوا الوظائف في جهاز التعليم والمهن الحرة والجيش والحكم العسكري. وكان منهم رجال العلم والبحث والأدب والفن وغير ذلك. وضمنت هذه الأعمال دخلاً عالياً نسبياً ومكانة اجتماعية وقوة سياسية. كما توجَّه جزء منهم إلى المبادرة الاقتصادية بدعم ومساعدة من الدولة، فنشأت بذلك طبقة وسطى جديدة من صنع الدولة وتابعة لها.
أما بالنسبة لليهود الشرقيين، فقد سبَّبت الهجرة لجزء كبير منهم الحراك نحو الأسفل، لا سيما أنهم كانوا في عداد الطبقة الوسطى في مجتمعاتهم الأصلية، فتحوَّلوا في الغالب من موظفين وتجار إلى عمال بسطاء في الزراعة.
2 ـ أضافت الهجرة الجديدة إلى الدولة قوة بسبب ضخامة عدد المهاجرين، لكنها سبَّبت عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على ميزانية الدولة. وقد تم استيعابهم على نحو سريع نسبياً، وبثمن منخفض، إذ استُوعبوا في مستوطنات أُقيمت على أنقاض القرى الفلسطينية المهجورة، وخصوصاً في المناطق الحدودية، وأُقيمت مستوطنات جديدة خاصة بهم تُسمَّى «مدن التطوير» . كذلك بقي عدد كبير منهم في معسكرات انتقالية أعواماً عدة. وتم توطين جزء صغير منهم في الضواحي العربية في المدن، ولا سيما في اللد والرملة وعكا وحيفا ويافا والقدس.

وتميَّز استيعاب المهاجرين الشرقيين بتوطينهم في المناطق البعيدة عن مركز البلد، ولا سيما في شماله وجنوبه. وهكذا تحوَّلوا إلى فئة محيطية هامشية جغرافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
3 ـ لم يُعتبَر الشرقيون استمراراً للهجرات الإشكنازية السابقة، ولذلك سُمِّيت هجرتهم «الهجرة الجماهيرية» بدلاً من «الهجرة السادسة» . كما أن طبيعة أعمالهم لم تُحسب ضمن الأعمال الطليعية والبطولات التي يمكن أن تُترجَم إلى مكانة وقوة سياسية.
4 ـ تحوَّل الشرقيون بعد فترة وجيزة من وصولهم إلى شريحة اجتماعية تابعة للدولة، وشكَّلوا دعماً لها. وكانت تعبئتهم سهلة، فساهموا في تقوية الدولة في وجه الجماهير العربية الفلسطينية.
5 ـ شكَّل الشرقيون بعد أعوام قليلة من توطينهم مشكلة اجتماعية/ اقتصادية كبيرة وعبئاً ثقيلاً. إذ بدأوا يطالبون بتوزيع أكثر عدالة للموارد وبالمساواة في الفرص. لكن الدولة كانت دائماً ترد مطالبهم بحجة المشكلة الأمنية وعدم إمكان معالجة المشكلات كلها في وقت واحد، وهو ما عبَّر عنه موشي ديان بمشكلة رفع العَلمين: عَلم الأمن وعَلم الرفاه الاجتماعي. وقد ساعد هذا الادعاء في احتواء ظاهرة الفقر واستيعابها.
هكذا يمكن القول بأن هجرة الشرقيين أدَّت إلى تغيير التركيب الاجتماعي في إسرائيل على نحو جوهري.
النزوح
‏Emigration; Yeridah
حاولت الصهيونية منذ البداية أن تصوِّر العلاقة بين اليهود وأرض فلسطين العربية بوصفها علاقة مطلقة تستمد مغزاها من "وعد الإله لشعبه المختار"، وهي لذلك لا تخضع لأية متغيرات تاريخية أو اجتماعية، ولكن هذا ما يصطدم مع ما يرونا من حقائق عن تزايد معدلات الهجرة والنزوح، وهي حقائق تؤكد أن العلاقة بين اليهودي و"أرض الميعاد" هي علاقة نسبية تؤثر فيها المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

والمقصود بالنزوح هو حركة الهجرة المضادة إلى خارج إسرائيل وتُسمَّى بالعبرية «يريداه» أو «النزول» ، ويُطلَق على المهاجرين إلى الخارج اسم «يورديم» أي «نازحين أو هابطين» أو «مرتدين» مقابل «عوليم» أي «صاعدين» . ولعل هذه التسمية في حد ذاتها تعكس رؤية الصهاينة لحركة النزوح باعتبارها جريمة أخلاقية وخيانة للمبادئ الصهيونية، بل إن هؤلاء النازحين يُطلَق عليهم اصطلاح «الدياسبورا الإسرائيلية» بما يسببه من حرج للحركة الصهيونية باعتبار أن الدياسبورا مصطلح يشير إلى اليهود الذين يقطنون خارج فلسطين ولا يمكنهم الهجرة إليها لسبب أو آخر، أما أن تنشأ "دياسبورا" كانت تسكن فلسطين فهذا ما لا يقبله منطق الصهاينة. فالدياسبورا تفترض حالة غربة من الصعب في هذه الحالة تعريف مضمونها. بل إن من التطورات المهمة أن قرار النزوح أصبح مقبولاً اجتماعياً حيث يظهر بعض النازحين على التليفزيون الإسرائيلي ليتحدثوا عن قصص نجاحهم في الولايات المتحدة، كما تظهر في الصحف إعلانات عن إسرائيليين يودون بيع شققهم استعداداً للهجرة، وهذه أمور كانت في الماضي تتم سراً لأن نزوح أعداد كبيرة من الإسرائيليين، تماماً، مثل تساقط أعداد كبيرة من المهاجرين السوفييت، فيقوِّض دعائم الشرعية الصهيونية.

ولذلك تحاول المؤسسة الصهيونية تقليل حجم المشكلة، فالأرقام المعلنة عن النزوح، وإن كانت تعطي مؤشرات ودلالات مهمة، لا تمثل الحقيقة تماماً، إذ أن معظمها مأخوذ عن الإحصاءات الرسمية للهيئات الصهيونية داخل وخارج إسرائيل، وهي مثار شكوك عديدة من جانب القادة الصهاينة أنفسهم، فكثيراً ما عبَّر أناس لا يشك المرء في صهيونيتهم مثل إيريل شارون عن أن الأرقام المعلنة تقل كثيراً عن الحقيقة، ومن ناحية أخرى فلا يوجد تعريف "قانوني واضح وملزم" لكلمة «نازح» ، من حيث مدة بقائه خارج إسرائيل، وخصوصاً أن جزءاً كبيراً من المهاجرين لا يغادر إسرائيل بتأشيرة مهاجر، علاوة على أن الإحصاءات لا تضم الذين يعيشون في الخارج ويحملون جنسيات مزدوجة، حيث يسجلون أنفسهم "إسرائيليين" تهرباً من الضرائب ومن أداء الخدمة العسكرية. كما أن أعداداً كبيرة من الطلاب الذين يمضون عدة سنوات للدراسة في الخارج يقررون عدم العودة لإسرائيل، وتكشف الأرقام والجداول الآتية عن حجم الظاهرة وتناقُض المعلومات بشأنها وإن كانت تعبِّر في النهاية عن ظاهرة خطيرة بالنسبة للمشروع الصهيوني.
هنا ايضا يوجد جدولين لم انقلهم لنفس السبب
الاول: السكان الذين مر على بقائهم خارج البلد عاماً متواصلاً فأكثر (أعداد مطلقة ونسب مئوية) .المصدر: دليل إسرائيل (خليفة وجريس) .
والثاني:هجرة ونزوح المستوطنين الصهاينة: معدلات سنوية المصدر: نقلاً عن مقال تسيون رافي، هآرتس 5 و 6 يناير 1986.

ويكشف الجدولان السابقان (1، 2) عن اختلاف المعلومات بشأن أعداد النازحين، ولكن نستنتج منها أن نسبة النازحين بلغت في مجمل عهد الانتداب البريطاني نحو 17% من مجموع المهاجرين إلى فلسطين، ويمكن تقدير عدد النازحين من إسرائيل منذ قيامها وحتى نهاية عام 1993 طبقاً للإحصاءات الإسرائيلية بنحو 471.800 شخص، أي بمعدل 10500 نازح في العام الواحد، وإذا تذكرنا أن عدد الذين هاجروا إلى إسرائيل في الفترة نفسها هو 2.363.477 شخصاً، أي بمعدل 52.500 تقريباً في العام الواحد، فإن نسبة النازحين حتى نهاية عام 1993 تبلغ 20% تقريباً من مجموع المهاجرين إلى إسرائيل، ويُلاحَظ أن هذه النسبة (نسبة الهابطين إلى الصاعدين) كانت نحو 14% حتى أواسط السبعينيات، وبدأت هذه النسبة ترتفع بعد ذلك حتى وصلت ذروتها في أوائل التسعينيات، إذ بلغت 40.8 عام 1993، وهو مؤشر لارتفاع أعداد النازحين مقابل انخفاض أعداد المهاجرين إلى إسرائيل.
وهناك الكثير من الدلائل تشير إلى تقدير عدد النازحين بحوالي نصف مليون فقط هو محاولة من جانب المؤسسة الصهيونية التقليل من حجم الظاهرة. فبعض المصادر ترى أن عدد النازحين يصل إلى حوالي 750 ألف، وهو نفس عدد سكان المُستوطَن الصهيوني عام 1948، وهو ما حدا ببعض الصحف الإسرائيلية إلى الإشارة لهذه المفارقة وأشارت إلى ما سمته "الخروج من صهيون". وكلمة "خروج" مرتبطة في المعجم الديني اليهودي بالخروج من مصر والصعود إلى صهيون، أما أن يكون الخروج من صهيون فهو أمر يقف على طرف النقيض من الأسطورة الصهيونية.

والجدير بالذكر أن معظم النازحين من ذوي المهارات المهنية والأكاديمية، بل إن من النازحين أعداداً كبيرة من الضباط والدبلوماسيين، فقد ذكرت صحيفة هآرتس 24 أغسطس 1987 أنه نزح عن إسرائيل 171 ضابطاً كبيراً في الاحتياط برتبة عقيد فما فوقها، وهو ما يعادل نسبة 10% من مجمل الضباط برتبة عقيد فما فوقها من الذين خدموا في الجيش الإسرائيلي. كما أن 400 من الدبلوماسيين الذين أُرسلوا في بعثات حكومية إلى الولايات المتحدة من 1966 ـ 1985 غيَّروا وضعهم واستقروا في الولايات المتحدة، وقد كانت نسبة النازحين في البداية من بين المهاجرين، ولكن مع أواخر السبعينيات كان ثُلث النازحين من جيل الصابرا، أي الجيل الذي وُلد ونشأ على "أرض الميعاد". بل وصلت النسبة إلى 70 ـ 80% في منتصف الثمانينيات، بالإضافة إلى نسبة كبيرة من النازحين من بين أبناء الكيبوتسات.
ويمكن القول بأن حركة النزوح ترتبط إلى حدٍّ كبير بأوضاع إسرائيل الأمنية حيث ارتفعت نسبة النازحين منذ منتصف السبعينيات، وبالتحديد بعد حرب عام 1973، وارتفعت بصورة أكثر حدة مع اندلاع الانتفاضة وذلك مقابل انخفاض الهجرة إلى إسرائيل في الفترة نفسها. بل إن عدد النازحين (14.600) أصبح أكبر من عدد المهاجرين إلى إسرائيل بحوالي 12% وذلك في عام 1988. ورغم الانخفاض النسبي في بداية التسعينيات مقابل تزايُد هجرة اليهود السوفييت، فإن حركة النزوح ارتفعت إلى 24 ألف نازح عام 1992، و31 ألف نازح عام 1993.

ورغم قدرة إسرائيل على تدبير الموارد الاقتصادية من خلال المعونات فإن العامل الاقتصادي يُعَد أحد أهم أسباب النزوح، وهذا ليس غريباً، باعتبار أن الدافع وراء الاستيطان في المقام الأول كان اقتصادياً، كما يرتبط النزوح بالتركيب المهني فهو يزداد بازدياد حدة الاختلاف بين مهن المهاجرين في الأقطار التي جاءوا منها وبين مجالات استيعابهم في إسرائيل، ويُتوقَّع أن يزداد نزوح المهاجرين السوفييت الذين تدفَّقوا على إسرائيل في أوائل التسعينيات وذلك بسبب فائض المهن العلمية والأكاديمية والفنية لديهم، وعدم قدرة سوق العمل الإسرائيلية على استيعابهم.
وتُشكِّل صعوبات الاندماج الاجتماعي بين المستوطنين في إسرائيل عاملاً مهماً من عوامل الهجرة للخارج حيث يحمل المستوطنون ثقافات وعادات وسمات قومية وحضارية متباينة إلى أقصى حد، بجانب انعدام المساواة وشيوع التفرقة بين الطوائف اليهودية، ومشاكل الجهل بالدين اليهودي التي تواجه المهاجرين إلى إسرائيل، فالكثير منهم يأكل لحم الخنزير ويتزوج من نساء غير يهوديات ولا يعرف أبسط قواعد الشريعة اليهودية، ثم يُفاجأ في إسرائيل بهيمنة المؤسسة الأرثوذكسية ورفضها الاعتراف بزواجه من غير يهودية.
إن ظاهرة النزوح المتفاقمة من إسرائيل تُشكِّل ـ على مستوى الممارسة ـ ضربة في الصميم لمقدرات المشروع الصهيوني العسكرية، فإذا كان اليهودي المهاجر من بلده إلى فلسطين المحتلة يتحول إلى مستوطن صهيوني مقاتل، فإن الحركة العكسية (النزوح والتساقط) تؤدي إلى تحوُّل المستوطن الصهيوني المقاتل إلى مواطن يهودي في بلد آخر، وبخاصة مع وجود نسبة كبيرة من النازحين من بين أعضاء الكيبوتسات وكبار الضباط والطيارين والمهندسين في صناعة السلاح، وفي ظل كون المشروع الصهيوني مشروعاً مسلَّحاً بالدرجة الأولى، يكتسب قدراً كبيراً من شرعيته الحقيقية أمام نفسه وأمام الغرب (بل وأمام العرب) من مقدراته القتالية.

ويمكن القول بأن تفاقم ظاهرة النزوح تثير قضية العلاقة بين الحركة الصهيونية من جهة ويهود العالم من جهة أخرى، وهو ما يؤكد عزلة الحركة الصهيونية عن يهود العالم وعجزها عن التأثير في أوساطهم بشكل فعال وحثهم على الهجرة والاستقرار في فلسطين المحتلة، بل يكشف عن زيف الدعايات الصهيونية والتناقُض الكامن في بنية الأيديولوجية الصهيونية نفسها القائمة على تهجير اليهود وعودتهم من المنفى إلى أرض الميعاد. ولكن الوقائع تثبت أن المنفى البابلي في الولايات المتحدة قوة لا تُقاوم حتى من جانب طليعة الشعب اليهودي، أي المستوطنين الصهاينة.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - الدولة الاستيطانية الإحلالية - هجرة اليهود السوفييت

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

موقف الدولة السوفيتية من هجرة أعضاء الجماعات اليهودية
‏Attitude of the Soviet State to the Immigration of Members of Jewish Communities
يمكننا بشيء من التبسيط القول بأن سياسة السوفييت تجاه الهجرة كانت تحكمها ثلاثة اعتبارات أساسية:
1 - الاعتبارات العقائدية والتي يشكل صالح الدولة السوفيتية جزءاً أساسياً منها، وغني عن القول أن رأي البلاشفة في المسألة اليهودية بُعد أساسي في الاعتبارات العقائدية.
2 - اعتبارات السياسة الداخلية خارج الإطار العقائدي.
أ) فعلى سبيل المثال، يُقال إن بعض العناصر الروسية القومية داخل الحزب كانت تهدف (في السبعينيات) إلى "تنظيف" المجتمع من اليهود باعتبارهم عناصر أممية، وكان هذا يعني في الوقت نفسه إخلاء عدد لا بأس به من الشقق.
ب) كما كانت توجد عناصر في المخابرات السوفيتية ترى أن اليهود عنصر مسبب للقلق وأنه لو سُمح بهجرة بعض العناصر من اليهود الرافضين الذين كانوا قد بدأوا يتصلون بعناصر الرفض في ليتوانيا ولاتفيا وأوكرانيا لقُضي على عنصر أساسي من عناصر الرفض.

جـ) يذهب البعض إلى أن أعضاء القوميات الأخرى غير الروسية يعتبرون اليهود من دعاة الترويس (أي صبغ الأقليات بالصبغة الروسية) ورحيلهم يعني إخلاء بعض الوظائف التي يشغلها الروس لأبناء جلدتهم.
3 - اعتبارات السياسة الخارجية مثل العلاقة مع العرب والرغبة في التقارب مع الغرب، أو التصدي له.
وفي الغالب كانت العناصر الثلاث تلتقي حتى بداية السبعينيات حين بدأت العقيدة الماركسية في التآكل وبدأت الاتجاهات الذرائعية في الظهور. وقد صاحبت ذلك رغبة في الوفاق مع الغرب والتقرب منه والتخلي عن المبادئ الماركسية.
هذه هي بعض المحدِّدات العامة للسياسة السوفيتية تجاه هجرة اليهود السوفييت. ويمكننا الآن أن نتناول التطور التاريخي نفسه.

حينما قامت الثورة البلشفية تناقص عدد المهاجرين إلى فلسطين بحيث بلغ عددهم في الفترة من عام 1919 إلى تاريخ إعلان الدولة الصهيونية 52.350، أي أقل من ألفي مهاجر كل عام (من مجموع اليهود السوفييت الذين كان يصل عددهم إلى حوالي 2.5 مليون) . وظل موقف السوفييت من الهجرة لا يتغيَّر في أساسياته بعد إعلان الدولة إذ يبدو أن عدد اليهود الذين هاجروا في الفترة من 15 مايو 1948 حتى نهاية 1969 حوالي عشرة آلاف - أي أقل من خمسمائة مهاجر كل عام. وفي الفترة من 1954 حتى 1964، بلغ عدد المهاجرين 1452 (بمعدل 140 كل عام) . وفي الفترة من 1957 إلى 1960، بلغ عدد المهاجرين 224 (أي حوالي 80 مهاجراً كل عام) . ومع هذا، لابد أن نشير إلى أن 20 ألف يهودي روسي تمت إعادة توطينهم في بولندا في الفترة 1956 - 1959 مع علم الاتحاد السوفيتي بأنهم كانوا سيهاجرون في نهاية الأمر إلى إسرائيل. ولعل المحرك الأساسي للسياسة السوفيتية تجاه الهجرة بعد إعلان الدولة وحتى السبعينيات هو مركب من الاعتبارات العقائدية واعتبارات المواجهة مع الإمبريالية والرغبة في الوقوف ضد إسرائيل، قاعدة الاستعمار الغربي في الشرق الأوسط. كما أن الاعتبارات الداخلية لعبت دوراً ولا شك، إذ أن الاتحاد السوفيتي كان يحتاج إلى المادة البشرية اليهودية في فترة بنائه بعد الحرب. كما أنه كان يرفض التعاون مع أية اتجاهات قومية تهدد وحدته.

وقد تغيَّر موقف السوفييت، ومن ثم زاد عدد المهاجرين، ابتداءً من عام 1971، ولا يمكن تفسير هذا التغير على أساس الضغوط الصهيونية أو تصاعُد الروح القومية اليهودية، وإنما هو أمر مرتبط تماماً بحركيات المجتمع السوفيتي (والمجتمع الأمريكي) إذ يبدو أن الاتحاد السوفيتي بدأ يصبح أكثر انفتاحاً واستجابة للضغوط الدولية وضغوط الأحزاب الشيوعية الأوربية التي كانت قد بدأت في تحسين صورتها أمام الغرب (وهي العملية التي انتهت في نهاية الأمر بأن فَقَد الجميع توجهاتهم الماركسية ثم سقط الاتحاد السوفيتي) . كما أن الاتحاد السوفييتي كان يفكر في تحسين علاقاته الاقتصادية مع الغرب، بل يُقال إنه كان يود أيضاً التخلص من العناصر المقلقة والمشاغبة داخله. ولذا، هاجر عام 1970 نحو 1.027 يهودياً وحسب من الاتحاد السوفيتي، على حين أن عام 1971 شهد هجرة 13.022 زادت إلى 3.681 في العام التالي، ووصلت إلى 34.733 عام 1973 (وقد شهدت هذه الفترة أيضاً فتح أبواب الهجرة أمام أعضاء الأقليات الأخرى فهاجر 9.064 ألمانياً و4.000 أرمنياً) . وقد تراجع عدد المهاجرين اليهود إلى 20.628 عام 1974 ثم إلى 13.222 عام 1975. ويبدو أن التراجع يعود إلى حرب 1973، وتوتُّر العلاقة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وفشل المحادثات الأمريكية السوفيتية الخاصة بإعطاء الاتحاد السوفيتي معاملة الدولة الأكثر تفضيلاً. ويُقال إن الاتحاد السوفيتي بدأ يفكر في الخسارة الناجمة عن هجرة العقول منه. وكان بين المهاجرين عدد ضخم من اليهود الذين تلقوا تعليماً عالياً. كما كان هناك بعض الاعتبارات الأمنية إذ كان بين المهاجرين عدد كبير من المطلعين على الأسرار العسكرية وأسرار الدولة.

وقد زاد عدد المهاجرين في الفترة من 1976إلى 1979، فكان عدد المهاجرين اليهود 111.195 والألمان 36.659. ويبدو أن هذا يعود إلى مؤتمر هلسنكي لحقوق الإنسان ومحاولة الاتحاد السوفيتي تحسين علاقاته الاقتصادية. ولكن السياسة السوفيتية تغيَّرت عام 1980 (وخصوصاً في عام 1981) بالنسبة لليهود وغير اليهود. ويبدو أن السبب هو تدهور العلاقات مع الغرب. وقد ازداد التدهور مع انتخاب ريجان. ويُقال إن الاتحاد السوفيتي ترك أعداداً اسمية من المهاجرين تستمر في الخروج ليؤكد للعالم أن عنده سلعة ثمينة يمكنه التفاوض بشأنها ليحصل على الثمن.

ويبدو أن عام 1989 كان عاماً حاسماً إذ قفز عدد المهاجرين إلى 31.297، ولكن هذا الأمر لم يحدث بشكل تلقائي إذ يبدو أنه حدثت اتصالات بين الجانبين الإسرائيلي والسوفييتي، وتوصل البلدان إلى توقيع أول اتفاق تجاري علمي منذ سنة 1967. إلا أن كلاًّ منهما كان يلتمس من وراء ذلك صيداً ثميناً مختلفاً. فقد كان الإسرائيليون يودون رفع القيود عن خروج اليهود السوفييت الراغبين في الذهاب إلى إسرائيل. أما السوفييت، الذين كانوا مقتنعين بأن «اللوبي اليهودي» يتحكم في صنع قرارات الولايات المتحدة، فكانوا يريدون سياسة أمريكية أكثر ليناً في مجالي التسليف والتجارة معهم، بحيث يتمكَّنون من تحقيق الإصلاحات التي جاء جورباتشوف بها. ثم نُشرت أخبار في جيروساليم بوست (إبريل 1989) عن أن "موجة مهاجرين تتكون من مئات الألوف من اليهود الروس قد باتت وشيكة، وأنها تفوق قدرة الولايات المتحدة على الاستيعاب". والعبارة الأخيرة لها دلالتها. أما بالنسبة للولايات المتحدة، التي ضغطت على الاتحاد السوفيتي لإخراج اليهود وهيجت من أجل حقوق الإنسان، فقد اكتشفت أنها كانت قد منحت اليهود السوفييت وضع لاجئ سياسي وهو ما أعطاهم الحق في الهجرة إليها دون التقيد بأيِّ نصاب، وقد أدَّى ذلك إلى هجرة الغالبية الساحقة من اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة، ولذا كان على الولايات المتحدة أن تغيِّر سياستها حتى يمكن توجيه المادة البشرية اليهودية السوفيتية إلى إسرائيل. وبدأت وزارة الخارجية الأمريكية تناقش علانية فرض القيود على الهجرة إلى الولايات المتحدة، وسرعان ما اكتشفت بسرور بالغ أن المنظمات اليهودية الأمريكية التي سعت فيما مضى بقوة لفتح المجال أمام هجرة اليهود القادمين، كانت الآن (نزولاً عند طلب إسرائيل) مستعدة لقبول هذه القيود. وعندما بدأ اليهود السوفييت فعلاً يغادرون بأعداد كبيرة، شعرت إدارة بوش بأنها حرة التصرف. وقد أنهت الولايات المتحدة حق

اليهود السوفييت شبه التلقائي في الدخول كلاجئين في سبتمبر 1989، وأعادت تصنيفهم كلاجئين عاديين، ووضعت سقفاً لا يتجاوز 50.000 لطلبات تأشيرة الدخول من الاتحاد السوفيتي تتوزع بين اليهود وبين غيرهم من الجماعات الأخرى.
وأكد الجهاز المركزي للإحصاء في إسرائيل في يونيه 1997 أن 40 ألف مهاجر يهودي من بين 656 ألف يهودي من أصل روسي ممن هاجروا من الاتحاد السوفيتي السابق في الفترة بين 1990 و1996 إلى إسرائيل قد غادروا البلاد في إطار الهجرة المعاكسة من إسرائيل.
ويُلاحَظ أنه ابتداءً من عام 1990 ترتفع نسبة المهاجرين اليهود السوفييت الذين يتوجهون إلى إسرائيل بشكل ملحوظ، فهي تقفز من 15.5% عام 1989 إلى 90.5% عام 1990. ويعود هذا بطبيعة الحال إلى السياسة الأمريكية التي أوصدت دونهم أبواب الهجرة إلى الولايات المتحدة. ولكن النسبة تعود للهبوط. وفيما يلي جدول بأعداد المهاجرين السوفييت في الفترة من 1993 - 1997:
السنة / عدد المهاجرين
1993 / 64.652
1994 / 67.956
1995 / 64.771
1996 / 59.049
1997 / 51.745
هجرة اليهود السوفييت في التسعينيات
‏Soviet Jewish Immigration in the Nineties

ذهب كثير من الدوائر العربية للتعامل مع ظاهرة هجرة اليهود السوفييت بموضوعية متلقية مباشرة وتوثيقية لا أثر فيها للاجتهاد، الأمر الذي دفعها إلى الوصول إلى استنتاجات تتسم بقدر كبير من التهويل. فالهجرة - حسب هذه الرؤية - هي «جريمة العصر» لأنها ستكون بمنزلة الحل السحري لجميع مشاكل إسرائيل الاقتصادية والسكانية والاستيطانية. وهي ستعزز قوى اليمين الإسرائيلي وستضرب كل القوى التي تطالب بالسلام مقابل الأرض. كما ستعمل على تقوية تلك القوى المطالبة بالتهجير الجماعي للفلسطينيين (الترانسفير) . وقد ظهرت التقديرات المختلفة حول حجم الهجرة اليهودية المتوقعة إلى إسرائيل حيث تراوحت ما بين 400 ألف و70 ألفاً ثم صعدت إلى مليون وسبعة ملايين واثنى عشر مليوناً. وتناقلت الصحف العربية هذه الأرقام بموضوعية متلقية وحياد شديد.
ولا شك في أنه لا يصح التهوين من خطورة هذه الظاهرة، فهجرة اليهود السوفييت تشكل لحظة بالغة الأهمية - قد تصبح نهائية وحاسمة - في الصراع العربي الصهيوني. فهذه المجموعة البشرية كانت ولا تزال آخر مستودع من مستودعات المادة البشرية لدعم طاقة الكيان الصهيوني الاستيطانية والقتالية في ظل نضوب المصادر الأخرى للمهاجرين (فيهود الولايات المتحدة لا يهاجرون، ويهود العالم الغربي وأمريكا اللاتينية يتجهون إلى الولايات المتحدة) .

وقد بلغ عدد المهاجرين من اليهود السوفييت إلى إسرائيل 185.227 مهاجر عام 1990 من مجموع المهاجرين في ذلك العام والبالغ عددهم 204.700، أي بنسبة 90.5% من إجمالي المهاجرين، وزاد إلى 147.839 مهاجر عام 1991 من مجموع عدد المهاجرين البالغ عددهم 189.800، وفي عام 1992 هاجر من الاتحاد السوفيتي 118.600 مهاجر لم يذهب منهم إلى إسرائيل سوى 65.093، ويمثلون نسبة 83% من جملة الهجرة إلى إسرائيل في ذلك العام والبالغ قدرها 77.057 مهاجر. وذهبت النسبة الباقية إلى دول غير إسرائيل حيث هاجر 41.3% إلى الولايات المتحدة والبقية الباقية هاجرت إلى دول أخرى (ألمانيا بالأساس) . وقد هبطت نسبة المهاجرين حتى وصلت إلى51.745 عام 1997.

ولكن بدلاً من رصد الحقيقة بشكل مباشر وبدلاً من تناقل الأخبار التي تذيعها وكالات الأنباء كما لو كانت حقائق، قمنا في كتاب هجرة اليهود السوفييت برصد الظاهرة من خلال صياغة نموذج تفسيري مركب ومتتاليات افتراضية احتمالية ومن خلال استخدامهما، بدلاً من الرصد الموضوعي المتلقي المباشر، أصبحنا - في تصوُّرنا - أكثر إلماماً بالواقع مهما بلغ من تركيبية، فوضعنا نصب أعيننا كل الاحتمالات القريبة والبعيدة التي قد تتحقق في إطار معطيات معيَّنة وقد لا تتحقق في إطار معطيات أخرى. ومن خلال هذا المنهج بيَّنا أن هجرة اليهود السوفييت ظاهرة تخضع لمركب من العوامل والاعتبارات المختلفة مثل عدد يهود الجمهوريات السوفيتية السابقة وفقاً للإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، وعوامل الطرد والجذب في هذه الجمهوريات وفي مراكز التجمع اليهودي في العالم، وهوياتهم الإثنية والعقائدية والدينية، وتركيبتهم الوظيفية والمهنية، ودوافعهم ومطامعهم في الهجرة. ومن خلال التوصل إلى هذه الحقائق، أمكننا أن نقرر الحجم الحقيقي لهذه الهجرة المتوقعة (وكان مغايراً للتوقعات السائدة) واحتمالات استمرار تدفقها أو انعدام ذلك، ومدى أثرها في التجمع الصهيوني ثم كيفية التصدي لها. وقد استند توقُّعنا إلى رصد عناصر الطرد والجذب في كلٍ من المجتمعين السوفيتي والصهيوني، وإلى دراسة أعداد يهود الاتحاد السوفيتي عند صدور الكتاب (عام 1990) :
1 - عناصر الطرد والجذب.
أ) عناصر الطرد والجذب في المجتمع السوفيتي:

وبدايةً، وجدت الدراسة أن اليهود السوفييت حققوا نجاحاً وحراكاً اجتماعياً كبيراً في ظل الدولة السوفيتية، وتمتعوا بأعلى مستوى تعليمي، وتركزوا في المهن العلمية والأدبية والصحافة والمهن الحرة (مثل الطب والهندسة والعلوم) ، وتميَّزوا في مجالاتهم بحيث وُصفوا بأنهم نخبة علمية ومتخصصة وصلت إلى قمة الهرم المهني والوظيفي. وقد ساعد ذلك على تزايد الاندماج، خصوصاً مع تزايد معدلات العلمنة والزواج المُختلَط. وهذا الوضع عادةً ما يُعَدُّ من عناصر الجذب فقد حقَّق لليهود السوفيت الاستقرار الذي ينشده معظم البشر والانتماء الذي يحتاجونه. ولكنه، مع هذا، شكَّل، في حالة اليهود السوفييت، عنصر طرد أيضاً، وذلك لأن من يصل إلى قمة الهرم لا يمكنه الصعود أو الحراك أكثر من هذا. ولذا تحوَّل النجاح الاجتماعي من عنصر جذب إلى عنصر طرد، وبدأ الكثيرون يفكرون في الهجرة بحثاً عن مزيد من الحراك الاجتماعي الذي تقلصت فرصه داخل المجتمع السوفيتي، وخصوصاً بعد وصول كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلى أقصى ما يمكن تحقيقه داخل المجتمع السوفيتي، وهو ما لا يتفق بالضرورة مع أقصى طموحاتهم. ولكن، من ناحية أخرى، ومع تفكُّك الاتحاد السوفيتي، وتحوُّل أغلب جمهورياته السابقة عن الاشتراكية وانفتاحها أمام الشركات متعددة الجنسيات، قد انفتح مجالات عديدة لا بأس بها أمام المهنيين اليهود للحراك. وبالإضافة إلى ذلك، كان أحد أهم عوامل الطرد ارتباط عدد كبير من اليهود بالسوق السوداء واشتغالهم بالأعمال التجارية والمالية المشبوهة والممنوعة، الأمر الذي جعلهم يضيقون بالنظام الاشتراكي. ومع عملية التحول آنفة الذكر، أصبح كثير من الأنشطة التي كانت تُعَدُّ مشبوهة أنشطة شرعية، وزاد نشاط ودور القطاع التجاري الحر. وقد أدَّى هذا إلى فتح مجال العمل والحراك أمام هذه العناصر اليهودية، وخصوصاً أنها تمتلك الخبرات التجارية التي اكتسبتها في الخفاء وهو ما يؤهلها أكثر

من غيرها للحركة داخل المجتمع الجديد.
ومن عناصر الطرد الأخرى، ظهور معاداة اليهود بين صفوف العناصر القومية الروسية في كلٍّ من روسيا وأوكرانيا، وعودة الاتهامات العنصرية القديمة التي تجعل اليهود مسئولين عن كل الشرور وتجعل الوضع المتردي في الاتحاد السوفيتي نتيجة مباشرة للتآمر اليهودي الذي أخذ شكل النظام الشيوعي. ولكن الدلائل وأقوال المختصين في شئون يهود روسيا وأوكرانيا كانت تشير إلى أن الأشكال الفظة والعنيفة القديمة لمعاداة اليهود لم يَعُد لها وجود، وإلى أن كثيراً من اليهود الذين لديهم وعي ضئيل بيهوديتهم كان بوسعهم التكيف مع هذه الأشكال الطفيفة من معاداة اليهود، وذلك بالإضافة إلى وجود منظمات وصحف روسية تهاجم معاداة اليهود وتناهض الجماعات التي تروج له.
وتختلف عوامل الطرد والجذب والقابلية للهجرة باختلاف الهويات الإثنية والعقائدية والدينية لليهود السوفييت. ومن المعروف أن يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) لم يشكلوا أبداً مجموعة حضارية أو دينية أو اجتماعية واحدة، بل شكلوا جماعات غير متجانسة تتحدث عدة لغات وتعيش في مناطق مختلفة. وبالتالي، فإن القابلية للهجرة تختلف من جماعة إلى أخرى.

فهناك اليهود الإشكناز (يهود اليدشية) البالغ عددهم 1.376.910 والموزعون على النحو التالي في أواخر الثمانينيات: روسيا 551 ألفاً حسب إحصاء 1989 - أوكرانيا 488 ألفاً - روسيا البيضاء 112 ألفاً. وهم من أكثر العناصر اليهودية اندماجاً وعلمنة، حيث بدأت عملية دمجهم منذ عهد القياصرة ثم تصاعدت مع الثورة البلشفية. ولم يبق عند هذه العناصر ما يمكن تسميته "حس أو وعي يهودي"، وخصوصاً أن العناصر اليهودية ذات الحس القومي بينهم هاجرت في فترة الهجرة اليهودية في السبعينيات ثم الثمانينيات، وبالتالي فهم لا يفكرون إطلاقاً في إطار صهيوني ولا يرغبون في الذهاب إلى إسرائيل، فهم يتمتعون بمستوى عال من التأهيل العلمي والمهني، وبالتالي لا يمكنهم تحقيق أيَّ حراك داخل المجتمع الصهيوني. ولذلك، فإن نسبة التساقط بينهم (حيث يزعم اليهودي أنه ذاهب إلى إسرائيل ثم يتجه إلى الولايات المتحدة حيث يمكنه تحقيق معدلات عالية من الحراك الاجتماعي) تصل أحياناً إلى ما يزيد على 90%.

أما يهود البلطيق، وهم أيضاً من الإشكناز، فعددهم هو 39.500 موزعين كالتالي: أستونيا 4500 - لاتفيا 23 ألفاً - ليتوانيا 12 ألفاً - مولدافيا 66 ألفاً. وهؤلاء من أكثر العناصر التي يمكن اعتبارها عناصر صهيونية ومن أكثرها رغبة في الهجرة إلى إسرائيل، فلم تُضَم هذه المناطق إلى الاتحاد السوفيتي إلا خلال الحرب العالمية الثانية. ولذلك، فلا يزال عندهم بقايا حس أو وعي يهودي ولا يزالون محتفظين بهويتهم اليهودية، كما أن بعضهم لا يزال يتحدث اليديشية. وقد كانت ليتوانيا، على سبيل المثال، من أهم المراكز التقليدية للدراسات التلمودية في العالم. ولكن من ناحية أخرى، فإن من الأرجح أن أكثر العناصر الصهيونية الراغبة والقادرة على الهجرة كانت قد أقدمت على ذلك بالفعل كما أن نسبة المسنين بينهم مرتفعة جداً. أما يهود مولدافيا، فهم من أهم الجماعات من منظور القابلية للهجرة حيث يعيشون في منطقة حدودية مع رومانيا تطالب بالانضمام إلى رومانيا. وقد اندلعت في هذه المنطقة، بالفعل، مواجهات شديدة بين المولدافيين وأعضاء الجماعة اليهودية (الذين يُصنَّفون أيضاً على أنهم روس) ، وبالتالي فهي منطقة طرد، وقد قدَّم 70% من أعضاء الجماعة بها طلبات هجرة إلى إسرائيل وإن كان من غير المؤكد إن كانوا سيتجهون جميعاً إلى إسرائيل. وتشير الإحصاءات السابقة إلى أن نسب التساقط بينهم ضئيلة.

وبالنسبة ليهود جورجيا ويهود الجمهوريات الإسلامية، فإن عددهم 667.37، وهم موزعون على النحو التالي: يهود الجبال 19.516 - يهود جورجيا 16.23 - يهود بخارى 36.568 - الكرمشاكي 1.559، وقد احتفظ أعضاء هذه الجماعات أيضاً بوعي وحس يهودي نظراً لأنهم ينتمون إلى مجتمعات تقليدية مبنية على الفصل بين الجماعات والطبقات. ومن ثم، فهم من العناصر المرشحة للهجرة إلى إسرائيل، وخصوصاً أن هذه الجمهوريات تشبه الدول النامية اجتماعياً واقتصادياً إلى حدٍّ كبير وتضم جماعات عرْقية وإثنية مختلفة تزيد احتمالات الاحتكاك والصراع فيما بينها. كما تمثل إسرائيل بالنسبة لهم فرصة أكبر للحراك الاجتماعي عن الولايات المتحدة نظراً لأن مستواهم التعليمي منخفض نوعاً. ولكن، من جهة أخرى، نجد أن 25% من الجماعات اليهودية في جورجيا والجمهوريات الإسلامية من اليهود الإشكناز قد يجدون فرصاً جديدة تتفتح أمامهم في ظل التحولات الجديدة وتبنِّي سياسات السوق. كما أن كثيراً من العناصر الشرقية بدأت تفقد هويتها التقليدية وتقبلت عملية الترويس أو الروسنة وقد تفضل الهجرة إلى المدن الروسية الكبرى لتحقيق ما تطمح إليه من حراك. كما تجب الإشارة إلى أن كثيراً من العناصر القادرة، أو الراغبة، على الهجرة قد هاجرت في الفترة ما بين عام 1970 و1990، الأمر الذي يعني أن نسبة القادرين أو الراغبين بين العناصر المتبقية صغيرة.
أما على الصعيد الديني، فإننا نجد أن 3% فقط من يهود اتحاد دول الكومنولث المستقلة متدينون، وقد اتجهت حركة الإحياء اليهودي اتجاهاً دينياً روحياً وهو صدى لحركة الإحياء الديني في الاتحاد السوفيتي والعالم بأسره. وهم في الأغلب من العناصر غير الصهيونية وأحياناً المعادية للصهيونية، وبالتالي فهذا التيار يشكل حركة جذب للاتحاد السوفيتي، وخصوصاً أن أغلب سكان إسرائيل علمانيون.

ولنا أن نلاحظ أن أغلب اليهود في اتحاد دول الكومنولث المستقلة علمانيون تماماً أو تآكلت هويتهم الدينية بل والإثنية تماماً. لكن ذلك لا يعني اختفاء هذه الهوية إذ أنهم يعرِّفون هويتهم اليهودية على أساس عرْقي/إثني إلحادي. وأحياناً تكون هذه الهوية العرْقية الإلحادية بالغة الضئالة، فهم من "يهود الصدفة"؛ يهود بالمولد دون أن يكون لديهم أي انتماء يهودي ديني أو إثني حقيقي. ويمكن الإشارة إليهم بوصفهم "يهود غير يهود" بمعنى أنهم يهود فقدوا كل مكونات يهوديتهم، ومع هذا يصنفهم المجتمع ويصنفون أنفسهم على أنهم كذلك. ومع ذلك، هناك حركة بَعْث ثقافي يهودي هي جزء من حركة بَعْث إثنية عامة في روسيا وأوكرانيا. وهذا البَعْث يتخذ شكلين: أولهما حركة بَعْث ثقافي يديشي ينظر أنصارها إلى يهود شرق أوربا أو يهود اليديشية باعتبارهم قومية أو أقلية قومية شرق أوربية لها تجربتها التاريخية المحددة وتراثها الثقافي ولغتها اليديشية. ولذا، فقد اصطدم هؤلاء منذ البداية مع التيار الصهيوني، وهم يضمون في صفوفهم عناصر معادية للصهيونية والعبرية. وإلى جانب هذه الحركة اليديشية، يوجد بعث ثقافي روسي يهودي وهو بَعْث مرتبط بالثقافة واللغة الروسيتين، مع اهتمامه بحياة وقضايا الروس اليهود. وفي كلتا الحالتين، فإن المضمون اليهودي للهوية مرتبط تماماً بالمضمون الروسي أو اليديشي وهو ما يعني أن الحركة الناتجة من هذا التعريف ليست طاردة وإنما جاذبة.
ب) عناصر الطرد والجذب في المُستوطَن الصهيوني:

لعل أهم عناصر الجذب في المُستوطَن الصهيوني هو أنه يتيح فرصة الحراك الاقتصادي للمهاجرين المرتزقة. ولكن هذا العنصر تم تحييده إلى حدٍّ ما بسبب مشاكل الاستيعاب الحادة داخل إسرائيل. ومن أهم هذه المشاكل، مشكلة الإسكان حيث خلقت الهجرة أزمة إسكان حادة وهي مشكلة آخذة في التفاقم بسبب الأزمة الاقتصادية. ونظراً لأن هؤلاء المرتزقة يتحركون في إطار ما نسميه «الصهيونية النفعية» ويسعون إلى الحياة المترفة، فقد تمركزوا في الأحياء السكنية المترفة واشتد ضيقهم عندما وضعتهم السلطات الإسرائيلية في مراكز سكنية فقيرة أو في أحياء لا تتوفر فيها البنية التحتية الجيدة، وقد رفضت غالبيتهم الساحقة الاستيطان في الضفة الغربية. ولكن لأزمة الإسكان جانبها السلبي - من منظور عربي - وهو أنها قد تدفع المهاجرين للاستيطان في الضفة الغربية حيث يوجد سكن مدعوم. كما يبدو أن بعض المهاجرين اختاروا السكن في الكيبوتسات برغم طابعها التنظيمي الجماعي بعد أن تبيَّن لهم أنها ليست مؤسسات اشتراكية وأنها تحوَّلت إلى مؤسسات إشكنازية أرستقراطية تتمتع بأعلى مستوى معيشي في إسرائيل. وقد نجحت الكيبوتسات التي تعاني منذ عدة سنوات من أزمة مالية وبشرية حادة في تبديد شكوك ومخاوف المهاجرين الذين بدأوا في التدفق عليها حتى أن طلبات السكن بها فاقت حجم المساكن المتوفرة.

ولكن المشكلة الحقيقية كانت متمثلة في البطالة. إذ كانت إسرائيل تعاني من معدلات بطالة مرتفعة تصل إلى 10%، لكن هذه النسبة كانت ترتفع بين العلماء وذوي المؤهلات العالية ممن تكتظ بهم إسرائيل. ويتمتع كثير من المهاجرين اليهود السوفييت بمؤهلات تفوق المستوى المطلوب في سوق العمل الإسرائيلي الذي يحتاج إلى العمال الفنيين والعمال المهرة. وقد اضطر كثير من العلماء والأطباء والمهندسين اليهود إلى العمل كعمال نظافة وعمال بناء وفي غير ذلك من المهن المماثلة، الأمر الذي يعني هبوطاً في السلم الاجتماعي لجماعة بشرية جاءت لتحقيق حراك اجتماعي.
كما تمثل المؤسسة الدينية لهؤلاء المهاجرين اللادينيين مصدر أرق وضيق، فكثير من اليهود السوفييت لا يكترثون بالمسائل الدينية والشرعية في الزواج والطلاق، وبالتالي يجدون عند قدومهم إلى إسرائيل أن أبناءهم غير شرعيين، وتجد كثير من المهاجرات المطلقات أن طلاقهن غير شرعي وبالتالي لا يحق لهن الزواج من رجل آخر. كما تتمسك الحاخامية بالتحقق من الأصول اليهودية قبل إبرام عقد الزواج، وعلى كل من يريد أن يحصل على زواج أو طلاق شرعي (حتى لا يوسم أولاده بأنهم غير شرعيين) أن يخضع لمراسم التهود وهي طويلة ومعقدة.
2 - تعداد اليهود بين الزيادة والنقصان:

أما بالنسبة لتعداد الجماعات في الجمهوريات السوفيتية السابقة، فإن التقديرات تذهب إلى أن عددهم حوالي مليون ونصف. وإذا أجرينا مقارنة بالهجرات السابقة، فإننا سنجد أن نسبة المهاجرين خلال الهجرة اليهودية الكبرى (1882 - 1914) لم تزد عن 25%، وهي فترة كانت الولايات المتحدة مستعدة فيها لتوطين كل من يشاء. كما يجب أن تتوافر في المهاجر مواصفات جسدية ونفسية ووظيفية معيَّنة تمكِّنه من بداية حياته من جديد. وعادةً ما يكون سن المهاجر بين العشرين والأربعين، ولكننا نجد أن نسبة المسنين بين اليهود السوفييت مرتفعة حيث إن 50% منهم فوق الخمسين، وإذا استبعدنا المعوقين والمرضى فإن نسبة القادرين على الهجرة ستكون أقل من النصف. وفي ضوء المعطيات السابق ذكرها، فإن حجم الهجرة اليهودية التي قدَّرنا أنها ستخرج من الاتحاد السوفيتي كان حوالي 25% من تعداد الجماعات أي حوالي 400 ألف. وإذا قدَّرنا أن الولايات المتحدة ستستوعب حوالي 50 ألفاً والدول الأخرى 15 ألفاً كل عام، فإن 65 ألف مهاجر لن يدخلوا إسرائيل سنوياً. وإذا امتدت الهجرة إلى حوالي خمسة أعوام، فإن هذا يعني أن جزءاً كبيراً منها سيتسرب إلى خارج إسرائيل. ولكن هناك احتمالات مهمة يجب أخذها في الاعتبار (وهذه من المتتاليات الافتراضية الاحتمالية) مثل حدوث تدهور اجتماعي واقتصادي كامل في الجمهوريات السوفيتية السابقة الأمر الذي قد يدفع الملايين من اليهود وغير اليهود إلى النزوح إلى خارج البلاد. وبالفعل صاحب عملية تفكُّك الاتحاد السوفيتي عام 1991، ثم انتقال جمهورياته إلى اقتصاد السوق، أزمة اقتصادية طاحنة وارتفاع في معدلات البطالة وتزايد النزاعات العرْقية والمواجهات المسلحة، ولا يزال الوضع غير مستقر ويحمل كثيراً من الاحتمالات المفتوحة.

وهناك أيضاً ظاهرة بالغة الأهمية وهي ظاهرة اليهود المتخفين، وهم اليهود الذين ينكرون هويتهم لأسباب عملية مختلفة ويذوبون وينصهرون في مجتمعاتهم عدة أجيال ثم يُظهرون هويتهم اليهودية تحت ظروف معيَّنة. ويقدِّر البعض عددهم بحوالي 1.3 - 1.5 مليون. كما أن هناك قضية العناصر شبه اليهودية أو غير اليهودية التي قد تنضم إلى الهجرة للاستفادة من الفرص المتاحة أمام اليهود في إسرائيل والولايات المتحدة. وقد أعلنت الحاخامية في إسرائيل بالفعل أن ما بين 30% و40% من المهاجرين السوفييت ليسوا يهوداً وفقاً للشريعة اليهودية للأسباب التالية: الزوجة ليست يهودية - الزوج لم يُختن - الأبناء ليسوا يهوداً لأن الأم ليست يهودية - أحد الزوجين لا تربطه أية صلة بالديانة اليهودية. ونظراً لأن قانون العودة الإسرائيلي يسمح لأي شخص له جد يهودي، سواء من ناحية الأم أو من ناحية الأب، بالهجرة إلى إسرائيل، فقد بدأ الكثيرون في اكتشاف أن لهم جدوداً يهوداً برغم عدم ارتباطهم بالديانة اليهودية. بل إن هناك عناصر من مدَّعي اليهودية تحاول أيضاً الانضمام إلى الهجرة. وتشير الإحصاءات بالفعل إلى أن أكثر من 30% من المهاجرين السوفييت سجلوا أنفسهم على أنهم غير يهود. وقد تكون هذه النسبة أكبر، فمن المعروف أن كثيراً ممن سجلوا أنفسهم يهوداً، رغم أنهم ليسوا يهوداً، فعلوا ذلك خوفاً من الحرمان من المزايا الممنوحة للمهاجرين اليهود.

ويقودنا ذلك إلى نقطة مهمة وهي مدى استعداد الكيان الصهيوني لأن يضم إلى الدولة اليهودية عناصر شبه يهودية أو غير يهودية. ونحن نذهب إلى أنه قد يقدم على ذلك بالفعل حتى تتوفر له المادة البشرية الاستيطانية والقتالية اللازمة لتحل المشكلة السكانية الحادة في إسرائيل وتخلق تعادلاً مع العرب بغض النظر عن مدى يهوديتها (وهو الأمر الذي حدث بالفعل) . ونحن نستند في ذلك إلى تجربة إسرائيل مع يهود الفلاشاه حيث تم تهجيرهم إلى إسرائيل رغم عدم نقاء عقيدتهم وهويتهم الدينية ورغم اعتراضات المؤسسة الحاخامية الدينية ثم أخيراً ترحيبه بيهود الموراه فلاشاه.
وهذه العوامل السابقة الذكر تفسر لنا حجم الهجرة الفعلي الذي وصل إلى إسرائيل وهو 400 ألف مهاجر. وقد توقَّف سيل الهجرة عند هذا الرقم حتى أواخر عام 1992 انضم لهم حوالي 280 ألف بعد ذلك. وأعداد المهاجرين التي تصل إلى إسرائيل في الوقت الحاضر لا تزيد عن معدلات الهجرة العادية، وهذا الرقم أقل كثيراً من الأرقام المتضخمة التي أُذيعت عند بدء الهجرة ويتطابق مع الرقم الذي قدرناه للهجرة التي ستخرج من الجمهوريات السوفيتية السابقة.

وهذا يقودنا إلى نقطة مهمة وهي ما ستنتج عنه هذه الهجرة من احتكاكات عديدة على المستويات الاقتصادية والطبقية والاجتماعية بين المهاجرين الجدد والأعضاء القدامى في التجمُّع الصهيوني، وخصوصاً مع اليهود الشرقيين الذين يشعرون بتهديد هذه الهجرة لأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وطموحاتهم السياسية، ذلك أن هؤلاء المرتزقة سينقضون على الكثير من الفرص والامتيازات التي كان يمكن توجيهها إلى اليهود الشرقيين، كما أنهم سيساعدون على عودة التحيز الإشكنازي ضد الشرقيين، هذا بالإضافة إلى أن قدوم المهاجرين الجدد سيكثف استهلاك البنية التحتية والموارد المائية والرقعة الزراعية. كما أن تزايد معدلات الجريمة (بسبب الهجرة السوفيتية) وعدم قبول الكتلة الروسية (من قبل المستوطنين الصهاينة) لابد وأنه سيزيد حجم التوتر الاجتماعى.
ومن المتوقع أن تزيد المشكلات الناجمة عن وصول اليهود السوفييت (ازدحام المساكن - زيادة التوتر الاجتماعي - نقصان الفرص) من عدد النازحين من إسرائيل، بل سينضم إلى هؤلاء بعض المهاجرين المرتزقة. ومن الطبيعي أن تكون أرقام النازحين من المهاجرين الجدد أمراً خاضعاً للرقابة، ولذلك فإن من الصعب معرفة حجمهم على وجه الدقة. ولكن من المعروف أن 18 ألف قادم جديد طلبوا العودة إلى موطنهم عام 1990. وهؤلاء النازحون أو المطالبون بالنزوح يُشكِّلون نزيفاً من التجمُّع الصهيوني، كما يُشكِّلون عنصر خلخلة وقلق.

ومن ناحية أخرى، بدأت إسرائيل في وضع خطة كبرى وشاملة بعيدة المدى تهدف إلى استغلال القدرات العلمية للمهاجرين الجدد بغرض تحويل إسرائيل في القرن الحادي والعشرين إلى قوة تكنولوجية عظمى تحل من خلال صادراتها من السلع التكنولوجية مشكلة ميزان المدفوعات، بالإضافة إلى توفير فرص العمل للمهاجرين. وتهدف الخطة إلى إقامة عدد من الشبكات بتمويل خاص تقوم بتطوير إنتاج وتصدير السلع التكنولوجية باستخدام التكنولوجيات التي تم تطويرها في الاتحاد السوفيتي. وتضم الخطة أيضاً بعض الإجراءات التي يجب اتخاذها لتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية الخاصة في هذا القطاع. وهذه خطة طموحة ستواجه كثيراً من الصعوبات في التنفيذ، إلا أن احتمال تحققها يُشكِّل خطورة حقيقية بالفعل.
الصهيونية النفعية (أو صهيونية المرتزقة) : المهاجرون السوفييت في إسرائيل
‏Utilitarian (or Mercenary) Zionism: Soviet Immignats in Israel
«الصهيونية النفعية (أو صهيونية المرتزقة) » مصطلح قمنا بسكه لوصف اتجاه عام وشائع بين يهود العالم الذين يدَّعون أنهم صهاينة. والصهيونية عقيدة علمانية مادية، ولذا فهي تحتوي على توجُّه نفعي قوي، شأنها في هذا شأن العقائد العلمانية كافة، ولكن معدل النفعية في الصهيونية أعلى كثيراً من العقائد العلمانية الشاملة الأخرى لأن الصهيونية برنامج إصلاحي واع يطرح نفسه باعتباره الإطار الذي يستطيع يهود العالم أن يحققوا من خلاله لأنفسهم مستوى معيشياً أعلى وأمناً أقوى مما حققوه لأنفسهم في أوطانهم.

ولكن الدافع المادي وحده ليس كافياً لأن تقتلع الإنسان نفسه اقتلاعاً من مجتمعه وماضيه وهويته، ولذا طورت الصهيونية الصيغة الصهيونية الشاملة المهوَّدة التي أسقطت على المشروع الصهيوني بُعداً مثالياً. ولكن المثاليات الصهيونية كانت ديباجات سطحية ولذا اتضح التوجه النفعي من البداية، فكان المستوطنون التسلليون (قبل ظهور هرتزل) يبذلون جهدهم في ابتزاز أموال روتشيلد وغيره من أثرياء الغرب، واستمر هذا الوضع قبل إعلان الدولة إذ كان المُستوطَن الصهيوني يحاول الحصول على أقصى قدر من الأموال من يهود العالم عن طريق الدعاية أو الابتزاز بتوليد إحساس عميق بالذنب لديهم باعتبار أنهم لم يهاجروا إلى إسرائيل. وبعد إعلان الدولة، تحوَّلت الدولة بالتدريج إلى دولة تعيش على المعونات الأجنبية، وهي معونات تحصل عليها باعتبارها دولة وظيفية تؤدي دوراً فهي دولة مرتزقة.
لكل هذا، نجد أن كثيراً من اليهود الذين يستوطنون إسرائيل (فلسطين) يفعلون ذلك لأسباب نفعية لا علاقة لها بمثاليات دينية أو أيديولوجية. ويمكن رؤية هجرة يهود البلاد العربية بعد عام 1948 في هذا الإطار، فهم لم يكونوا قط جزءاً من الحركة الصهيونية، سواء في شكلها الاستيطاني أم في شكلها التوطيني. وقد استوطنوا فلسطين لتحقيق الحراك الاجتماعي.
وقد تصاعدت معدلات هذا الاتجاه بعد عام 1967 داخل وخارج المستوطن الصهيوني مع انتقال المستوطن الصهيوني من المرحلة التقشفية التراكمية إلى المرحلة الفردوسية الاستهلاكية، ففي الداخل ظهر ما يُسمَّى عقلية «روش قطان» ، أي «الرأس الصغير» التي تُتوج جسماً كبيراً لا يكف عن الالتهام والاستهلاك. كما تصاعدت خارجه، وخصوصاً بين أعضاء المستودع البشري اليهودي الوحيد القابل للهجرة، يهود الاتحاد السوفيتي.

والجزء الأكبر من اليهود السوفييت علمانيون شاملون ولا يؤمنون بالصهيونية أو بأية عقيدة أخرى، كما لا توجد عندهم هوية يهودية واضحة فهم جماعة بشرية لا تكترث كثيراً بأية قيم دينية أو ثقافية أو خصوصية حضارية وهدفها الأساسي هو البحث عن المنفعة واللذة. ولكنهم مع هذا يتسمون بسمة جوهرية واضحة مركزية وهي أنهم ينتمون إلى ما يُسمَّى في علم الاجتماع الغربي «عصر ما بعد الأيديولوجيا» ، أي أن يعيش المرء في الحياة الدنيا بشكل إجرائي كفء، لا يفكر إلا في يومه، وإن فكَّر في مستقبله فهو يفعل ذلك بنفس المعايير الكمية الإجرائية، وهو عادةً لا يفكر في الماضي. وعملية التفكير لديه عادةً ما تكون بريئة من أية أثقال أيديولوجية أو أعباء نظرية أو أخلاقية، فالمعايير المستخدمة علمية مادية دقيقة تهدف إلى تعظيم المنفعة واللذة. فهم يؤمنون بقيم المنفعة (عادةً الكمية) واللذة (عادةً المباشرة) ، وتطلعاتهم الاستهلاكية شرهة لا تخفف حدتها أية قيم، وهي تطلعات لا تقبل أي إرجاء، وذلك بسبب غياب أية مُثُل عليا أو نظريات دينية أو عقائدية (ولهذا السبب، نجد أن الوعي السياسي لليهود السوفييت ضعيف جداً وإن كانوا يتسمون بعداء حقيقي للاشتراكية. ولكن عداءهم هنا لا يعني موقفاً نظرياً وإنما هو عداء ذرائعي لكل النظريات والمطلقات، فالاشتراكية في نهاية الأمر تحوي داخلها قدراً من المثاليات ينبع من إيمانها بالإنسان كمطلق) .

مثل هؤلاء البشر يتسمون بحركية غير عادية ورغبة عارمة في تحقيق الحراك الاجتماعي وتحسين المستوى المعيشي دون اكتراث بأية قيم ثقافية أو دينية أو خصوصية حضارية أو أيٍّ من هذه المطلقات التي تسبب الصداع للرؤوس الاستهلاكية، أي أن قابليتهم للهجرة بحثاً عن الفرص الاقتصادية والحراك الاجتماعي مرتفعة إلى أقصى حد. فإن من المنطقى أن يتجهوا إلى الولايات المتحدة، ولذا يُلاحَظ أن أعداداً كبيرة منهم تجيد الإنجليزية إذ كانوا يُعدِّون أنفسهم للهجرة إليها.
ومع سقوط الاتحاد السوفيتي حاول الكثير من اليهود (وغير اليهود) السوفييت الهجرة إلى الولايات المتحزة، ولكن إسرائيل أوصدت الأبواب دونهم. ومن ثم أصبحت إسرائيل بالنسبة لهم هي السبيل الوحيد للخروج من الاتحاد السوفيتي. ولذا، فإن كثيراً من المهاجرين يأتون صاغرين لا يحملون في قلوبهم أيَّ تطلُّع لصهيون أو أيَّ حب لها "فهم لا يريدون سماع أي شيء عنها" (على حد قول يوري جوردون رئيس قسم الاستيعاب في الوكالة اليهودية المسئول عن توطين اليهود السوفييت) ، كما أنهم لم يُبدوا موافقة أو ترحيباً باستئناف العلاقات بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل لأن هذا الأمر سيؤدي إلى نَقْل المهاجرين مباشرةً إلى إسرائيل، وهو ما يفوِّت فرصة الهجرة إلى الولايات المتحدة. بل إن بعضهم يدَّعي اليهودية، بل لم يمانعوا في أن يُختنوا في سبيل الحصول على الدعم المالي على أمل أن تُتاح له فرصة الفرار من أرض الميعاد الصهيونية في فلسطين المحتلة إلى أرض الميعاد الحقيقية في الولايات المتحدة. وتحاول الدولة الصهيونية من جانبها أن تكبلهم بالمساعدات المالية التي يصعب عليهم سدادها حينما تحين لحظة الفرار.

وقد لخص أحد المهاجرين المرتزقة الموقف بقوله: "لم يكن أمامي خيار سوى أن أذهب إلى إسرائيل بعد أن قضينا سبعة شهور في روما". ولكنه أعلن عن تصميمه على عدم البقاء. وقد بدأت الصحف الصادرة بالروسية في إسرائيل بتخصيص مساحة كبيرة يحتلها معلنون يعرضون تزويد القراء بالسلعة التي تطمح لها غالبية المهاجرون الجدد: تأشيرات دخول إلى كندا (أرض ميعاد أخرى مجاورة للولايات المتحدة) . وقد وصف أرييه ديري، وزير الداخلية، المهاجرين المرتزقة وصفاً دقيقاً حين قال: إنهم بعد وصولهم ستجدهم جالسين على حقائب السفر. وقال أوبليون: "بعض ممن لا يمكنهم الذهاب إلى الولايات المتحدة سيأتون إلى إسرائيل بهدف استخدامها كمحطة على الطريق، وسيقومون باستغلالنا أيضاً، وسيأخذون أية خبرات قد نقدمها لهم، وقد ينتهي بنا الأمر إلى أن يتجمع عندنا عدد كبير من الناس الذين يشعرون بالبؤس والذين ينتظرون أول فرصة لينزحوا عن إسرائيل"، فهم يعرفون تماماً "أن إسرائيل بلد صعب وأن الولايات المتحدة بلد سهل بالمقارنة". والسهولة قيمة أساسية بالنسبة لهؤلاء الباحثين عن "الراحة والترف" (كما وصفهم يوري جوردون) .
وقد وصفت إحدى المؤسسات اليهودية المهاجر اليهودي السوفيتي النماذجي (في السبعينيات) بأنه شخص لم يهرب من الاضطهاد وإنما هاجر بإرادته ولدوافع غير عقائدية أصلاً. وقد أيَّد نتائج هذا التقرير تقرير آخر نشره مجلس المعابد اليهودية في نوفمبر 1974 جاء فيه: بينما ينظر الأمريكيون إلى الحملة من أجل الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي على أنها محاولة لإنقاذ بقايا الشعب اليهودي هناك، فإن المهاجرين السوفييت لا يشاركون في مثل هذه الأوهام الرومانتيكية أو الديباجات الصهيونية.

وفي جيروساليم بوست 30 أبريل 1987، صرح إسرائيل فاينبلوم (المهاجر السوفيتي المقيم في إسرائيل) ، وهو صهيوني حقيقي، أن من بين الـ 163 ألف مهاجر سوفيتي الذين استقروا بالفعل في إسرائيل حضر 20% منهم فقط بسبب الدوافع الدينية أو النفسية (أي العقائدية) ، أما الآخرون فقد وجدوا أنفسهم في إسرائيل (على حد قوله) .
وقد وصف بعض المهاجرين الأسباب التي دعتهم إلى ترك الاتحاد السوفيتي، فقال أحدهم: إن الحياة هناك أصبحت مملة. فالهجرة إلى إسرائيل هي مجرد بحث عن الإثارة. وقال أحد أساتذة علم الجبر إنه ترك الاتحاد السوفيتي لأنه أدرك أن الوقت قد حان لأن يفعل ذلك، وأشار مهاجر ثالث إلى أنه ترك الاتحاد السوفيتي لأنه يريد أن يعيش حياة أفضل. وحتى يؤكد مدى عمق التزامه بهذه الفلسفة، ذكر أنه جاء لا ليشتري سيارة ولكن ليكون لديه سيارة بمحرك أكبر. ومن المستحيل أن نعرف كم مهاجراً (سوفيتياً) يشبه إيفان الذي ترك إسرائيل بعد أن عمل سنة في الكيبوتس، لأنه يكره التعصب الديني والطقس الحار، وكأنه كان يتوقع أن تكون أرض الميعاد في القطب الشمالي أو على مسافة صغيرة من روسيا، أو أن الحركة الصهيونية قد وعدته بأرض ميعاد مكيفة الهواء.
والوكالة اليهودية تسبح مع التيار ولذا فهي تقوم بمحاولة جذب أعضاء الجماعات اليهودية للاستيطان في إسرائيل على أسس نفعية محضة فلا تهيب الإعلانات بحسهم الديني أو بارتباطهم بالأسلاف، وإنما تتحدث بشكل صريح عن البيت المريح، أو الإمكانيات الاستثمارية للمستثمرين وإمكانيات البحث العلمي للعلماء، وكأن فندق صهيون تحوَّل هنا إما إلى شركة صهيون الاستثمارية أو إلى معمل صهيون للبحوث العلمية. وقد وصل هذا الاتجاه إلى الذروة مع هجرة اليهود السوفييت الأخيرة التي بدأت بعد عام 1990.

ويبلغ عدد الإسرائيليين من منشأ روسي (من الصهاينة المرتزقة) حوالي 800 ألف (أي حوالي خُمس سكان إسرائيل) يشكلون كتلة "قومية" مستقلة، لها تميزها وحضورها الخاص، فهم كيان مستقل داخل الكيان الإسرائيلي، فلهم محطة، إذاعة وتليفزيون خاصة بهم، وصحافة باللغة الروسية وأندية ومدارس. فهم - كما قال أحدهم - "يفكرون بالروسية ويتواصلون فيما بينهم". وتنبع قوة الثقافة الروسية المحلية (المنقطعة الصلة بالثقافة الإسرائيلية والمرتبطة بثقافة الوطن القديم) من حجمها الكبير ومن المؤهلات البشرية التي في حيازتها. ولذا فهي تحافظ بشراسة على استقلالها، بل إن أحدهم أشار إلى تكوين حزب إسرائيل بعالياه على أنه بداية حرب الاستقلال الخاصة بالروس. ولذا لا يُصنِّف سوى 16% من المهاجرين السوفييت نفسه على أنه "إسرائيلي" مقابل 26% اعتبر نفسه "من رابطة الدول المستقلة" و32% اعتبر نفسه "يهودياً" بشكل عام، واكتفى 12% بأن يسمي نفسه تسمية محايدة «مهاجر جديد» .
ولم يتم قبول هذه الكتلة الروسية من قبل المجتمع الإسرائيلي، ولذا يشعر 59% من المهاجرين السوفييت أن المجتمع الإسرائيلي يستوعب الهجرة إما بلا مبالاة أو بعدائية. وفي المقابل حين سُئل الإسرائيليون عن وصفهم للمهاجرين السوفييت قال حوالي 36% إنهم بروفسير كناس وسمسار وعاهرات (واتهام المهاجرين السوفييت باحتراف البغاء والجريمة المنظمة، اتهامات لها أساس في الواقع) .

ولم يستخدم أحد لفظ «مرتزقة» ومع هذا يمكن القول بأنه مصطلح كامن في خطاب كثير من الكُتَّاب الذين تَعرَّضوا للمهاجرين السوفييت بالوصف. فقد وصفهم أحد الكُتَّاب بأنهم «مهاجرون اقتصاديون» ، كما وصفهم آخر بأنهم «هاربون من الاتحاد السوفيتي وليسوا مهاجرين إلى إسرائيل» . أما جوليا ميرسكي (عالمة نفس في الجامعة العبرية) ، فقد وصفتهم بأنهم «لاجئون وليسوا مهاجرين» . ووصفهم كارل شراج (في جيروساليم بوست) بأنهم «مستوطنون بالإكراه أو رغم أنفهم» . ولكنني أفضل وصفهم بلفظ «المرتزقة» ، والاصطلاح الذي أقترحه أكثر دقة فالمرتزق هو الذي لا يقوم بعمل إلا نظير مقابل، والتزامه بالعمل هو التزام خارجي تعاقدي أي أنه لا يشعر نحوه بأي ولاء حقيقي. ويتميَّز مصطلحنا بأنه مصطلح مُتداوَل في علم الاجتماع، وهو ما يعني أنه يحوي قدراً من العمومية ولا يَسقُط في التخصيص الكامل.
وهناك نوع آخر من الصهاينة النفعيين، وهم اليهود المسنون الذين يتقاعدون في إسرائيل حيث يمكنهم أن يعيشوا حياة مترفة على معاشاتهم الصغيرة (فكأن إسرائيل هي بيت المسنين أو فلوريدا الصهيونية) .
وهناك، أخيراً، اليهود الذين يرسلون جسمانهم ليُدفَن في إسرائيل: فهم يرفضون العيش في إسرائيل، ولكنهم لا يرفضون الموت فيها. وعلى حد قول أحد الكُتَّاب الإسرائيليين، فإنهم يعهدون بالجانب التاريخي في حياتهم إلى أوطانهم، أما الجانب الكوني الذي يتعلق بالموت فهم يعهدون به لإسرائيل!
صهيونية المرتزقة
‏Mercenary Zionism
انظر: «الصهيونية النفعية (أو صهيونية المرتزقة) : المهاجرون السوفييت في إسرائيل» .
إسرائيل بعالياه
‏Israel Bealaya

«إسرائيل بعالياه» عبارة عبرية تعني «إسرائيل مع الهجرة» وهو حزب سياسي جديد يتزعمه ناتان شارانسكي، وهو تعبير عما يُسمَّى «اليمين الرخو» المؤيد لنتنياهو، وهو يمين لا يهتم كثيراً بالأيديولوجيا وإنما بمصلحته المباشرة (فهو يمين عصر ما بعد الحداثة) ، كما أنه تعبير عن عودة ما يمكن تسميته «السياسة الإثنية» ، أي أن تكون دوافع الأحزاب والجماعات السياسية ليست الأيديولوجية الصهيونية وإنما انتماءهم الإثني، بحيث يكوِّنون جماعة مصالح لا تكترث بالمسلمات الصهيونية. والسياسة الإثنية عرفها النظام السياسي الإسرائيلي في بداياته، ثم اختفت مما أعطى الانطباع العام بأن المستوطن الصهيوني قام بتجميع عدد كبير من المنفيين ونجح في مزجهم من خلال أتون الصهر الإسرائيلي/الصهيوني. وعودة السياسة الإثنية (متمثلة في جزب جيشر وشاس وإسرائيل بعالياه) يدل على سقوط الادعاء بأن اليهود شعب واحد ويشير إلى إخفاق الصهاينة في عملية "مزج المنفيين".
ولفهم الخلفية الأساسية التي أدَّت إلى ظهور إسرائيل بعالياه لابد أن ندرك أن المهاجرين اليهود السوفييت قد حضروا لإسرائيل لتحقيق الحراك الاجتماعي، فهم صهاينة مرتزقة، غير ملتزمين بأية أيديولوجية. وقد شكَّلوا أكبر كتلة انتخابية في إسرائيل، ومع هذا يصعب التنبؤ بسلوكها الانتخابي، فكل ما يبغونه هو الحصول على جزء من الدخل القومي أو "الفطيرة القومية". ولذا صوَّت هؤلاء لحزب العمل، حينما وجدوا أن هذا في صالحهم، في الوقت الذي تنبأ فيه كثير من المحللين أنهم سيعززون قوى اليمين ومن يصوتوا لحزب ذي طابع اشتراكي.

وقد حَمَّل هؤلاء المهاجرون حزب الليكود مسئولية التقصير في عملية استيعابهم ومسئولية وَقْف ضمانات القروض الأمريكية البالغ حجمها 10 مليارات دولار بسبب إصراره العقائدي (الذي لا ضرورة له من وجهة نظرهم) على مواصلة عمليات الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن ثم تبديد الموارد التي يمكن أن تُوجَّه لخلق فرص عمل جديدة لهم. كما أكدت الاستطلاعات التي جرت بين الناخبين من اليهود السوفييت أن لديهم ارتياباً ورفضاً عميقين للأحزاب الدينية، ولذلك فقد رفضوا التصويت لها. كما وجدوا في جماهير حزب العمل فئة اجتماعية مماثلة لهم، فهم من الفئات المثقفة ذات الأصول الأوربية، على عكس جماهير حزب الليكود التي تضم أغلبية سفاردية وشرقية.
ولكن حينما عرض عليهم الليكود الاشتراك في عملية إدارة المستوطن الصهيوني وإعطائهم جزء أكبر من الفطيرة القومية مقابل الاشتراك في حكومة ائتلافية تضم عناصر دينية كثيرة لم يترددوا في تغيير مواقفهم ونمط تصويتهم.
ولعل من الأمثلة الطريفة على مدى "واقعية" و"عملية" الكتلة الانتخابية الروسية هو استطلاع في الرأي كانت نتيجته أن شارانسكي لم يحصل على أصوات كافية (بسبب أنه ملوث بالأيديولوجيا إلى حدٍّ ما) فلم يأتهم، على سبيل المثال، بالوظائف التي وعدهم بها، بينما حصل لابيرمان (مستشار نتنياهو المشهور بلقب «راسبوتين» ) بعدد كبير من الأصوات، كما حصل تسفي بن آرى (مليونير روسي مهاجر كان يُسمَّى جريجوري ليرنر) على عدد كبير آخر من الأصوات رغم أنه على علاقة بالجريمة المنظمة، كما اتُهم بتقديم الرشاوي وتُجرى معه التحقيقات بهذا الشأن، ولكن هذا شأن سياسي لا يهم الصهاينة المرتزقة كثيراً.

ومما يُلاحَظ أن 1% فقط من هؤلاء المرتزقة يعيش في الأرض المحتلة بعد عام 1967، ومع هذا فهم لهم ماضي إمبريالي ولذا فهم لا يمانعون في ضم الأراضي ولا يرون ضرورة للتنازل عنها (كما يقول إدوارد كوزينتسوف محرر جريدة يومية تصدر بالروسية في إسرائيل تُسمَّى فستي) . كما أنهم يكرهون العرب بشكل غريزي، ربما بسبب عنصرية المجتمع الصهيوني المتأصلة، وما حملوه من "عداء للعرب"، الأمر الذي كان متفشياً بين العناصر الرجعية في المجتمع السوفيتي.
وحتى مطلع عام 1996 لم يكن للمهاجرين الروسو حزب سياسي، ولكن المنبر الصهيوني كان ممثلهم الرئيسي. وكان رئيسه شارانسكي يعارض بشدة تأليف حزب للمهاجرين خشية الانعكاسات السلبية التي قد تعني تحويل المهاجرين إلى مجموعة عرْقية. ولكن الانقسامات الحزبية داخل النظام السياسي الإسرائيلي، علاوة على القوة الانتخابية الضخمة التي يشكلها المهاجرون الروس، دفعت شارانسكي إلى تحويل حركته السياسية إسرائيل بعالياه إلى حزب يحمل الاسم نفسه في 11 فبراير 1996. ويزعم شارانسكي أن حزب إسرائيل بعالياه حزب إسرائيلي بمعنى الكلمة، إذ يطالب بحل المشاكل التي تعاني منها غالبية الإسرائيليين ويطرح نفسه على أنه حزب وسط بين طرفي القوس السياسي (العمل والليكود) يبرز المسائل غير المختلفة بشأنها، والتي يمكنها توحيد الشعب، ومن ضمن هذه المسائل تحويل إسرائيل إلى مجمع للشتات (بما في ذلك قيام اقتصاد ليبرالي قائم على التنافس يقوم باجتذاب أعضاء الجماعات اليهودية إلى الدولة الصهيونية) .

ويطالب الحزب بتعزيز شئون الهجرة والاستيعاب، ولذا يطالب بإصدار قانون يحدد حقوق المهاجر وواجباته ووضع الخطط اللازمة لذلك. ويرى الحزب أن استمرار الهجرة يشكل عاملاً سكانياً حاسماً في التخطيط الإستراتيجي الطويل الأمد. لكل هذا يؤكد الحزب كثيراً من المسلمات الصهيونية (إلغاء قانون العودة - حق الشعب اليهودي في كامل أرض إسرائيل - القدس الموحدة غير قابلة للتفاوض فهي عاصمة الدولة اليهودية - رفض قيام دولة فلسطينية) . علاوة على هذا يرى الحزب ضرورة توسيع صلاحيات المجالس المحلية فيما يتعلق بإنفاق الأموال المخصصة للاستيعاب واستعمال ضمانات القروض التي قدمتها الولايات المتحدة في خدمة غرضها الأصلي المتمثلة في استيعاب المهاجرين. ويرى الحزب ضرورة إيجاد حل للمشكلات الصعبة المتعلقة بزيجات غير اليهود ودفنهم.
ورغم كل الادعاءات الصهيونية الأولية فإن صهيونية المرتزقة تطل برأسها بكل صراحة وعنف في الجزء الثاني من برنامج الحزب، فحزب إسرائيل بعالياه حزب إثني في نهاية الأمر له مصالحه الروسية الخاصة. وكما قال شارانسكي نفسه: "قررنا إقامة حزب عندما اتضح أن الفصل بين المهاجرين والمجتمع يشتد. فحتى الناجحون بين المهاجرين يشعرون بأنهم ينتمون إلى أقلية مشبوهة وغير موالية، والنظرة إليهم سلبية. إن المهاجرين من روسيا تركوا دولة كانوا يشعرون فيها دائماً بأنهم ليسوا جزءاً من المجتمع. جاؤوا إلى هنا معتقدين أن هذا هو البيت. وفجأة أخذوا يشعرون بأنهم عبء. يُقال إنهم يجلبون الجريمة والدعارة، وعندما يديرون أعمالاً يكونون مرتبطين بالمافيا ... المعادون للسامية في روسيا كانوا على الأقل يحترمون اليهود؛ إذ كانوا يقولون إن اليهود أذكياء. هنا تحوَّل مهاجرو روسيا إلى طفيليات» .

وبسبب اثنية الحزب وروسيته نجد أن قائمة مرشحيه كادت تقتصر على ممثلي المهاجرين الروس، وكانت الدعاية الانتخابية في معظمها باللغة الروسية. وحصلت قائمة إسرائيل بعالياه على 174.928 صوت أتت لها بسبعة مقاعد في الكنيست. ولذا تُعَد سادس أكبر كتلة في الكنيست (بعد العمل والليكود وشاس والمفدال وميرتس، على الترتيب) . ولابد أن يؤخذ في الاعتبارأن المهاجرين الروس لم يستنفذوا كامل طاقتهم في الانتخابات الأخيرة.
فاعد
‏Vaad
«فاعد» كلمة عبرية تعني «لجنة» وهي المنظمة المظلة التي تضم كل التنظيمات اليهودية في كومنولث الدول المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) وقد تأسَّست عام 1989. وتضم المنظمة ما يزيد عن مائتي جماعة ثقافية. وفاعد عضو في المؤتمر اليهودي العالمي. وقد استمرت في الوجود بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. ومن أهم الشخصيات فيها وأحد مؤسسيها ميخائيل تشيلينوف. وتتعرض منظمة فاعد الآن للهجوم من فروعها في الجمهوريات السوفيتية السابقة إذ يطالبون بأن تكون فاعد أقل مركزية وأن تصبح تنظيماً كونفدرالياً. وهذا الانقسام داخل فاعد إن هو إلا صدى للانقسام الأكبر بين أعضاء كومنولث الدول المستقلة التي تتنازعها الرغبة في التحالف مع روسيا والاستقلال عنها.
ميخائيل تشيلنوف (1938 (–
‏Mikhail Tschelenov
عالم لغة سوفيتي يهودي، ومؤسِّس الحركة الثقافية اليهودية في موسكو في السبعينيات، والرئيس المناوب لمنظمة فاعد (المنظمة المظلة للمنظمات اليهودية في اتحاد دول الكومنولث المستقلة) . ويمكن القول بأن تشيلينوف نموذج متبلور للمواطن الروسي اليهودي إذ يتبدَّى من خلاله كثير من خصائص هذا المواطن.

يعمل تشيلينوف عالم لغة متخصص في الإثنوغرافيا، ولعله عَالم فيما يُسمَّى «اللغويات الإثنية» ، وهو متخصص أساساً في قبائل الإسكيمو وشعوب المحيط الهادي في جزر إندونيسيا، كما أنه يجيد العبرية بل يُعَدُّ من أهم معلمي العبرية في روسيا. وهو حفيد واحد من أهم القادة الصهاينة الذين هاجروا إلى فلسطين واستوطنوا فيها، وهو يحيل تشيلينوف. وأم تشيلينوف ليست يهودية، وكذلك زوجته وابنه، والمؤسسة الدينية الأرثوذكسية داخل وخارج إسرائيل لا تعتبره يهودياً. ويبدو أن اهتمامه بالعبرية ليس له أي مضمون صهيوني وإنما هو اهتمام بالجذور الإثنية لشخصيته الروسية الثقافية (وهذه سمة مشتركة بين يهود الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فيهود أمريكا مولعون بشكلٍّ يكاد يكون مرضياً بالبحث عن جذورهم) .

ويعمل تشيلينوف رئيساً للجماعة اليهودية الثقافية في موسكو، أي أنه يسعى إلى بَعْث ثقافي لهويته الروسية اليهودية. وجماعته أول جماعة يهودية منظَّمة منذ الثورة وتضم آلاف الأتباع. ومجموعة اهتماماته هذه تضعه في مجابهة الصهيونية التي تهدف إلى تصفية الجماعات اليهودية في العالم وإلى تحويلها إلى وقود لآلة الاستيطان والحرب الصهيونية. ولذا، فليس من الغريب أن يصرح تشيلينوف أنه لا ينوي الهجرة إلى إسرائيل لأنه يعلم جيداً الجو السيئ في إسرائيل بشأن الزوجات غير اليهوديات، وأنه غير مستعد لإخضاع زوجته لهذه المعاملة. ثم أضاف أنه يرى أن الهجرة ليست سوى عنصر واحد للتعبير عن الهوية اليهودية (الروسية) . ويمكن أن نضيف أن تخصُّص تشيلينوف في قبائل الإسكيمو يجعل هجرته مستحيلة، إذ أنه سيجد نفسه في إسرائيل بعيداً عن المادة التي يعمل عليها (وكم عدد علماء اللغويات والإثنوغرافيا الذين يستطيع المجتمع الإسرائيلي استيعابهم؟) . ويمكن القول بأن تشيلينوف نموذج جيد لكثير من اليهود السوفييت. ومما يجدر ذكره أنه رغم أنه قد قرَّر عدم الهجرة إلا أنه يؤيد هجرة اليهود السوفييت بل ويشجعها، أي أنه صهيوني توطيني. وقد تعرَّض تشيلينوف لهجوم في الفترة الأخيرة إذ وُجِّه إليه الاتهام بأنه حوَّل فاعد إلى منظمة مركزية تتركز قيادتها في يده.
ناتان شارانسكي (1948 (-
‏Natan Sharansky

رئيس حزب إسرائيل بعالياه ووزير الصناعة والتجارة في وزارة نتنياهو. اسمه الأصلي أناتولي ثم قام بعبرنته. وُلد في أوكرانيا ودرس الرياضيات وعلوم الكمبيوتر في معهد الفيزياء التكنولوجية في موسكو. تقدَّم بطلب للحصول على تأشيرة هجرة إلى إسرائيل عام 1973. وقد قام شارانسكي بحملة إعلامية ضخمة للمطالبة بحق اليهود السوفييت في الهجرة إلى إسرائيل وكان يُشكِّل حلقة اتصال بين يهود الاتحاد السوفيتي الممنوعين من الهجرة والصحافة الغربية. وفي عام 1976 اتهمته جريدة أزفستيا بالتعاون مع المخابرات الأمريكية ثم قُبض عليه بتهمة الخيانة والجاسوسية وحُكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة عشر عاماً. وأُفرج عنه في 11 فبراير عام 1986 وترك بلده في اليوم نفسه وهاجر إلى إسرائيل حيث أعلن أنه سيستمر في الكفاح من أجل حق يهود الاتحاد السوفيتي في الهجرة.
ويذهب شارانسكي إلى أن يهود الاتحاد السوفيتي مندمجون تماماً في مجتمعهم وأنهم في طريقهم للاختفاء، ومن ثم فدعوته لمنح اليهود حق الهجرة ليس من أجل إنقاذهم وإنما من أجل خدمة مصلحة الدولة الصهيونية. ومع هذا، فمع الهجرة السوفيتية الجديدة في التسعينيات بدأ شارانسكي يوظف اندماجية هؤلاء المهاجرين وأنهم كتلة بشرية مستقلة لها مصالح مستقلة، ولذا انتهى به الأمر أن كوَّن حزباً سياسياً من المهاجرين الروس (وهو الأمر الذي تزامن مع تكوين حزب مغربي وآخر من الفلاشاه) يتجاوز المُثُل الصهيونية تماماً ليعبِّر عن مصالح المهاجرين الروس الذين لا يدينون بالولاء إلا لمصالحهم الخاصة.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - النظام الاستيطاني الصهيوني

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الاستيطان والاقتصاد
الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني في فلسطين قبل عام 1948: أسباب ظهوره
‏Zionist Settler Economy in Palestine before 1948: Reasons Leading to Its Emergence
لا يُحكَم على اقتصاد أية دولة بالنجاح أو الفشل من خلال معايير اقتصادية عامة وإنما من خلال مشروعها القومي ككل. ففي النظم الرأسمالية يكون المعيار الأساسي عادةً هو الربح ومراكمة الثروة وربما توسيع نطاق الحرية الفردية، وخصوصاً حرية رأس المال. أما في في النمط الاشتراكي فيكون المعيار هو التقدم العلمي والتكنولوجي الذي لا يتناقض مع مفاهيم العدالة الاجتماعية وسيطرة الطبقة العاملة على وسائل الإنتاج حتى لا تنشأ طبقة رأسمالية تفرض أيديولوجيتها. وإسرائيل قد يكون لها كثير من الملامح "الاشتراكية" وبعض الملامح الرأسمالية (الاقتصاد الحر) ، ولكنها لا تنتمي إلى أيٍّ من النمطين، بل تنتمي إلى ما يمكن تسميته «الاقتصاد الاستيطاني» الذي يأخذ أشكالاً متباينة تختلف من مجتمع لآخر، ومع هذا يتسم ببعض السمات الثابتة التي لا تتغيَّر.

ومن أهم هذه السمات أن الاقتصاد الاستيطاني يعطي الأولوية للاعتبارات الاستيطانية على أية اعتبارات أخرى، بمعنى أنه في حالة تعارُض مقتضيات الرشد الاقتصادي (القائمة على حساب التكلفة الاقتصادية والمردود الاقتصادي) مع النشاط الاستيطاني فإن الأولوية لا تكون للاعتبارات الاقتصادية وإنما لضرورات الاستيطان. وأهم هذه الضرورات الأمن والبقاء المادي، وهذا أمر مفهوم تماماً، فالاعتبارات الاقتصادية تعبير عن الرغبة في النجاح الاقتصادي، بينما يرتبط الأمن بوجود الجيب الاستيطاني نفسه، والنجاح الاقتصادي يأتي في المرتبة الثانية بعد البقاء المادي. ويرتبط بالبقاء المادي البقاء الإثني أو الحضاري والاجتماعي وهو يعنى أن جماعة المستوطنين تود الحفاظ على نفسها كجماعة بشرية مستقلة ذات خصائص مستقلة.
وهذا الاستقلال الإثني والاجتماعي مرتبط تمام الارتباط باستمرار جماعة المستوطنين باعتبارها جماعة غازية متفوقة عسكرياً تقوم باستغلال السكان الأصليين وإبادتهم إن لزم الأمر. فهذا الاستغلال يصبح الأساس المعنوي والخلقي الذي يُولِّد الديباجات العنصرية ويبرر عمليات القتل والغزو، وهو يحل مشكلة المعنى بالنسبة للمستوطنين. ولذا تقوم جماعة المستوطنين بعزل نفسها عن السكان الأصليين وتلجأ لشعائر اجتماعية مركبة وقوانين مباشرة لتحقيق هذا الهدف.
والبُعدان (الأمني والثقافي) ليسا منفصلين بأية حال فهما وجهان لعملة واحدة. فالاستقلال الثقافي والحضاري وما يؤدى له من عزلة وما يصاحبه من عمليات استغلال وقهر للآخر تستجلب العداء الذي يؤدي إلى تفاقم المشكلة الأمنية. وتؤدي المشكلة الأمنية بدورها إلى تعميق العزلة الثقافية فالاجتماعية.

يؤدي هذا الوضع إلى إفراز أهم سمات الاقتصاد الاستيطاني، أي جماعيته وعسكريته (التي يسمونها في الخطاب الصهيوني «التعاونية الاشتراكية» ) . ففي داخل هذا الإطار من العزلة ومع سيطرة الهاجس الأمني يصبح وضع المستوطن بمفرده في مواجهة البيئة الطبيعية والإنسانية المعادية أمراً مستحيلاً، إذ لابد من حشد الجهود البشرية والمادية، ولابد من التنظيم الاقتصادي والعسكري. وهذا ما فعله المستوطنون الصهاينة، فقد حوَّلوا أنفسهم إلى جماعة استيطانية متماسكة منظمة عسكرياً تستبعد العرب، وقاموا بتطوير مؤسسات "اقتصادية" وزراعية لا تخضع لمقاييس الرشد الاقتصادي ولا تنبع من مفهوم الجدوى الاقتصادية وتهدف إلى تكثيف جهود الأفراد وتجميع مصادرهم البشرية (المزارع الجماعية ـ الهستدروت) ، وطوَّروا مجموعة من المفاهيم ذات الطابع الجماعي التي لا تكترث بالعائد الاقتصادي (العمل العبري ـ اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج (.
وكما صرح أحد الزعماء الصهاينة، فإن المشروعات الناجحة هي أقل المشروعات نفعاً من الناحية الاستيطانية (لاعتمادها على العمل العربي والمستهلك العربي ولصعوبة الدفاع عنها ... إلخ) . أما المشروعات الصهيونية الخاسرة مالياً، فهي أكثرها نفعاً لانفصالها الكامل ولاعتمادها على العمل العبري والسوق العبرية، أي أنها النواة الحقيقية للدولة الصهيونية المنفصلة.

وجماعية هذا الاقتصاد أو "تعاونيته" تعبير عن ضرورات الاستيطان العسكرية الأمنية وليست تعبيراً عن رؤية إنسانية ترى أسبقية المجتمع على الفرد والعدالة الاجتماعية على الربح. ولذا نجد أن كل المجتمعات الاستيطانية، وخصوصاً الإحلالية، تأخذ هذا الشكل الجماعي في التنظيم في مراحل الاستيطان الأولى. فالبيوريتان (المتطهرون) المستوطنون الأوائل في الولايات المتحدة كانوا أصحاب واحدة من أكثر الأيديولوجيات الرأسمالية البروتستانتية تطرفاً في فرديتها، ومع هذا نظموا أنفسهم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بشكل جماعي، ففي مواجهة السكان الأصليين كان عليهم أن يفعلوا هذا.
بعد أن تناولنا السمة الأساسية للاقتصاد الاستيطاني (الجماعية) والسبب الأساسي لظهورها (الهاجس الأمني) قد يكون من المفيد الإشارة إلى بعض العناصر المقصورة على المشروع الصهيوني التي دعمت من هذه الجماعية وغلَّبت الاعتبارات الاستيطانية على اعتبارات الجدوى الاقتصادية:
1 ـ ينظر التشكيل الإمبريالي الغربي إلى الدولة الصهيونية باعتبارها قاعدة عسكرية متقدمة بالدرجة الأولى، ومركزاً استثمارياً بالدرجة الثانية. ولذا فالاعتبار العسكري بالنسبة للقوة الراعية كان أكثر أهمية من الاعتبارات الاقتصادية.
2 ـ تقوم الدولة الصهيونية والمنظمة الصهيونية "العالمية" بجمع التبرعات من يهود العالم، وهذه التبرعات، شأنها شأن الدعم الغربي، تصب في المُستوطَن الصهيوني من خلال مؤسسات الدولة المختلفة.
3 ـ الدولة الصهيونية دولة وظيفية تتمتع بالدعم السخي الذي يقدمه التشكيل الإمبريالي الغربي، الذي كان يصب في المُستوطَن الصهيوني من خلال مؤسسات الدولة الصهيونية مما يعني تقوية قبضتها وتقوية جماعية الاقتصاد.

4 ـ مما ساعد على تقوية الجانب الجماعي الاقتصادي الصهيوني ظهور النازية في ألمانيا إذ تم عقد معاهدة الهعفراه بين الصهاينة والنازيين التي أدت إلى تدفُّق كثير من المهاجرين اليهود الألمان ورؤوس الأموال على هيئة بضائع ومعدات قدمتها ألمانيا النازية إلى المستوطنين في فلسطين. وبعد قيام الدولة الصهيونية دفعت ألمانيا مبالغ طائلة كتعويضات للدولة الصهيونية عما لحق باليهود من أذى. وكل هذه المعونات تقوي شوكة الدولة والاقتصاد الجماعي.
5 ـ طرحت الدولة الصهيونية نفسها على مستوى الديباجة بوصفها دولة يهود العالم، أما على مستوى البنية فهي دولة استيطانية تحتاج دائماً لمادة بشرية للقتال والاستيطان، ومن ثم فلابد أن تفتح أبوابها للمهاجرين حتى لو تناقض ذلك مع مصالحها الاقتصادية المباشرة.
وتوجد أسباب خاصة بطبيعة المادة البشرية اليهودية التي تم نقلها (أي المستوطنين الصهاينة) دعمت النزعة الجماعية:
1 ـ كانت المادة البشرية التي سيتم نقلها من أوربا تحتاج إلى عملية تحديث وتطبيع (من المنظور الصهيوني) ، أي شفاؤها من أمراض المنفى مثل الطفيلية والاشتغال بأعمال السمسرة والمضاربات، أي أنه كان المطلوب تحويل يهود الجيتو إلى شعب منتج يسيطر على كل المراحل الإنتاجية ويحقق لنفسه السيادة الاقتصادية والسياسية. كما أن عملية التحديث هذه كانت تعني في واقع الأمر تحويل يهودي الجيتو (السمسار المرابي) صاحب رأس المال الربوي الذي يستخدمه في عملية استغلال الشعوب (لصالح الأمير أو الحاكم) إلى المستوطن المقاتل الذي يحمل السلاح ضد السكان الأصليين ويقمعهم لصالح القوة الإمبريالية الراعية. وعمليات التحديث هذه كانت تتجاوز معايير الجدوى الاقتصادية، وتتطلب توليد روح جماعية في يهود الجيتو.

2 ـ كان معظم المستوطنين الصهاينة من طبقة البورجوازية الصغيرة أو البروليتاريا الرثة التي صعَّدت حركة الإعتاق أحلامها الطبقية على حين ضيَّقت الرأسماليات المحلية عليها الخناق، الأمر الذي جعلها مهددة دائماً بالهبوط إلى مستوى البروليتاريا. فكانت الصيغة التعاونية وسيلة تحقق قدراً من أحلامهم الطبقية بتحويلهم إلى ملاك زراعيين. ورغم أن الملكية لم تكن كاملة ولا فردية، إلا أنها مع هذا كانت نوعاً من الملكية يُشبع طموحهم الطبقي. فهم لم يصبحوا مجرد أجراء، والمالك لم يكن شخصاً معيناً وإنما شخصية معنوية تُسمَّى «الشعب اليهودي» . وقد كان لهذه الملكية الصورية أثرها الكبير في تثبيت كثير من المستوطنين في أملاكهم "التعاونية" الجديدة رغم الظروف المعادية.
3 ـ كان من العسير إصدار الأوامر للمستوطنين وكان من الصعب عليهم تقبلها والانصياع لها، بحكم خلفيتهم الطبقية، ولذا كانت الصيغة التعاونية مناسبة لأقصى حد.
4 ـ كان كثير من المستوطنين الصهاينة يحملون أفكاراً وديباجات اشتراكية متطرفة كان لابد من تفريغها وتسريبها. وقد تم ذلك من خلال الاقتصاد الجماعي العسكري، الذي سُمِّي «تعاونياً اشتراكياً» واستُخدمت الديباجات الاشتراكية المتطرفة في تبريره.
5 ـ كان المهاجرون اليهود الجدد يأتون من وسط هامشي ولم تكن لهم خبرة بالزراعة، وبالتالي كانوا دائماً في حاجة إلى مساعدة وإشراف فنيين، ولهذا أمكن تدريب المزارعين الجدد على أيدي المزارعين ذوي الخبرة داخل إطار الاقتصاد الجماعي.

6 ـ كان مجتمع المستوطنين الصهاينة (ولا يزال إلى حدٍّ كبير) مجتمع مهاجرين. ومجتمع المهاجرين يتسم بسيولة كبيرة، فبعد استقرار فريق من المهاجرين كان كثير منهم يترك الأرض بعد قليل ليذهب إلى الولايات المتحدة حيث توجد فرص أفضل للعمل ومستوى معيشي أعلى. وقد تمكَّن الصهاينة من التغلب على هذه الصعوبة عن طريق الصيغة الجماعية لأن انسحاب بعض المزارعين لم يكن يعني التوقف الكامل للعملية الإنتاجية (الأمر الذي كان يمكن أن يحدث في حالة الملكية الفردية) وكانت الحركة الصهيونية تقوم باستبدال مهاجر آخر بمن ترك الأرض.
7 ـ أثبتت الصيغة الجماعية أنها أفضل الصيغ لاستيعاب المهاجرين الجدد، فهي قادرة على إيجاد أعمال ووظائف لهم، لأن المزارع التعاونية والتنظيمات الجماعية الأخرى كانت تشمل كل جوانب الحياة. كما ساهم التنظيم الجماعي في تخفيف حدة الصراعات العرقية داخل جماعات المستوطنين. فكل مهاجر كان ينضم للتنظيم التعاوني الذي تسود فيه قيمه الحضارية ويسيطر عليه بنو جلدته من رومانيين أو روس أو بولنديين وهكذا.

وقد أدرك القائمون على المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية هذه الحقيقة وأن الطريقة الوحيدة المتاحة أمام المشروع الصهيوني ليس مجرد الاستيلاء على الأرض وإنما إدارته على أساس جماعي عسكري. ولذا فرغم أن اتجاهاتهم الأيديولوجية كانت رأسمالية ليبرالية تؤمن بالاقتصاد الحر إلا أنها قبلت عملية التنظيم الجماعي هذه (التعاونية الاشتراكية) وقامت بدعمها وتمويلها بلا تردد ودون التقيد بأية اعتبارات اقتصادية أو أيديولوجية خارجية. فكانت الوكالة اليهودية تقوم بشراء الأرض (من سلطات الانتداب أو بعض الإقطاعيين العرب المقيمين خارج فلسطين أو من خلال وسطاء) باسم «الشعب اليهودي» وتؤجرها لتعاونية عمالية تدفع أجور العمال فيها حسب ما تنتجه كل مجموعة، وعيَّنت مديراً لكل تعاونية من قبَل المنظمة الصهيونية. وقد حل هذا الشكل من الزراعة كثيراً من مشاكل الاستيطان الصهيوني، فعلى سبيل المثال، يستطيع تجمُّع المستوطنين أن يُقسِّم نفسه إلى مجموعتين، تقوم واحدة بالزراعة والأخرى بالحراسة ومطاردة العرب وإرهابهم (والزراعة الصهيونية التي نسميها «الزراعة المسلحة» مرتبطة تمام الارتباط بالعسكرية الصهيونية، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، فهما وجه واحد لعملية الاستيطان والاستيعاب) . كما أن الحركة الصهيونية تستطيع أن تموِّل هذه التجمعات بحيث لا تؤدي عدم إنتاجيتها، بسبب جهل المستوطنين بشئون الزراعة، إلى سقوط الأرض مرة أخرى في يد العرب. أما المستوطنات التي تمنى بالخسائر الفادحة، فكانت المنظمة الصهيونية تقوم بدفع خسائرها، كما أن المستوطنة الجماعية التي يتلقى أعضاؤها أجرهم من المنظمة الصهيونية العالمية لن تحتاج للعمالة العربية الرخيصة.

وقد انتصر الاقتصاد الاستيطاني مع صعود الأحزاب العمالية إلى مواقع القيادة الصهيونية بانتصار جناح وايزمان في مؤتمر الحركة الصهيونية الذي عُقد في لندن سنة 1921، وتمكنت الأحزاب العمالية من السيطرة على رأس المال اليهودي العام الموجود في تصرُّف الحركة الصهيونية، على أساس أن ذلك يتيح لها فرصة تأسيس اقتصاد عمالي، أي استيطاني، قادر على إخضاع رأس المال الخاص ليعمل وفق أهداف بناء الدولة الصهيونية "الجماعية". واستطاعت الأحزاب العمالية إيجاد خطة لجذب المهاجرين الشبان.
وقد سيطر الهستدروت على الأنشطة الاقتصادية كافة وحدَّد مهامها بأنها توحيد العمال المستخدمين، وإنشاء كتائب العمل وجماعات الزراعة والحرث واستقبال المهاجرين. وكان تأسيس الهستدروت استمراراً لنفس الاستجابة لمعضلة الاقتصاد والأيديولوجيا الاستيطانية. فالهستدروت لم ينشأ للتعبير عن مصالح طبقة عاملة يهودية تبلورت في فلسطين وإنما أداة لخلق هذه الطبقة، ونواة للاقتصاد العمالي. كما أنه بامتلاكه العديد من المشروعات كان يسعى لتكوين علاقة خاصة جداً مع رأس المال الخاص، وهو ما عبَّر عنه بن جوريون بقوله: "إننا لا نسعى لمشاركة العمال في أعمال يديرها رأس المال الخاص ويشترك العمال في أرباحها، وإنما على العكس نسعى لمشاركة رأس المال الخاص في أعمال يديرها العمال ويشرف الهستدروت عليها، ويأخذ رأس المال الخاص نسبة ثابتة من أرباحها".

وتبدَّى عنصرا الجماعية والأمن باعتبارهما أهم أسس الاقتصاد العمالي في تنظيم الكيبوتس على أسس شبه عسكرية لتفريخ المُستوطن المقاتل، وقد تم تأسيس الهاجاناه بعد تأسيس الهستدروت بعام واحد، وتم تدريب عشرات الآلاف من أعضائها. ثم تأسست بعد ذلك قوتها الضاربة البالماخ عام 1941 لتأدية المهام الصعبة. وكان معظم أعضائها مرتبطين بالكيبوتس، وخصوصاً تلك الكيبوتسات التابعة للحزب الصهيوني ذي الديباجة اليسارية: المابام. وكانت الهاجاناه ضمن مسئولية الهستدروت، وضباطها في معظمهم مسئولون فيه، واعتبرت بمنزلة الجناح العسكري للمجتمع الجديد لتقوم بمهام الحماية وتوفير الأمن للاقتصاد الاستيطاني العمالي.
الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني في فلسطين المحتلة بعد عام 1948
‏Zionist Settler Economy in Occupied Palestine after 1948
لم يختف الهاجس الأمني (الاستيطاني) بطبيعة الحال بعد عام 1948، بل ربما ازداد حدة. وقد تطلَّب هذا استمرار الصيغة الجماعية (التعاونية العمالية) وتهميش الاعتبارات الاقتصادية وتخصيص موارد اقتصادية هائلة لحراسة الحدود لضمان استمرار السيطرة الصهيونية على الأرض والسكان الأصليين واستيعاب المهاجرين الجدد وإعادة تأهيلهم وإتمام المشروع الصهيوني بما يتطلبه من تَوسُّع جغرافي ومحاولة التوصل إلى الحدود الآمنة بشكل نهائي وتحديث الجيش الإسرائيلي وتزويده بكل الأسلحة التي يحتاجها وبناء صناعة سلاح ذات تكنولوجيا عالية متطورة.
وقد تمكنت الأحزاب العمالية من تأسيس نظام اقتصادي تقوم فيه الدولة بالإشراف والتخطيط المركزي الذي يشمل مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية كافة، كما أنها تشرف على كل مجالات النشاط الاقتصادي عَبْر سياساتها الضريبية والنقدية والمالية، وعَبْر سياسة التشجيع والدعم حتى أنه يمكن القول بأن دور الدولة في الاقتصاد الإسرائيلي أكبر من دور أية دولة أخرى في اقتصادها، عدا الدول الشيوعية.

وقد ظل نموذج الصهيونية العمالية، وقوامها الهستدروت، المَعْلم الأساسي للاقتصاد العمالي في فلسطين قبل عام 1948، ثم للاقتصاد الإسرائيلي بعد قيام الدولة، إلى أن بدأ اهتزاز هذا النموذج مع الأزمة الاقتصادية التي بدأت في أعقاب عام 1973، وبلغت ذروتها في منتصف الثمانينيات معلنة عن انتهاء قدرة هذا النمط من الإدارة الاقتصادية على الاستمرار وتجاوز أزماته.
الاقتصاد العمالي
‏Labour Economy
«الاقتصاد العمالي «مصطلح يكاد يكون مترادفاً مع مصطلح «الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني» . ونحن نذهب إلى أن ثمة نمطاً عاماً من الاقتصاد الاستيطاني يوجد في كل الجيوب الاستيطانية سمته الأساسية هي الجماعية والعسكرية. هذا النمط يترجم نفسه إلى أشكال مختلفة ولكن الجوهر يظل واحداً. وفي حالة المشروع الاستيطاني الصهيوني أخذ الاقتصاد الاستيطاني شكل الاقتصاد العمالي أو التعاوني الاشتراكي ذي الديباجات الاشتراكية للأسباب التي بيناها في مدخل «الاقتصاد الاستيطاني الصهيوني في فلسطين قبل عام 1948: أسباب ظهوره» .
الرواد الصهاينة (حالوتسيم ـ المسكوب (
‏Zionist Pioneers (Halutzim; Maskoub)
«الرواد» ترجمة للكلمة العبرية «حالوتسم» ومفردها «حالوتس» أي «رائد» . ويُطلَق المصطلح في الكتابات الصهيونية على الصهيوني الذي يهاجر إلى فلسطين ويستوطن فيها ثم يكرس نفسه لبناء المُستوطَن الصهيوني. أما الفلسطينيون العرب فقد أطلقوا عليهم اسم «المسكوب» أي الوافدون من «مسكوبا» أي «موسكو» .

والرواد جماعة من المستعمرين الاستيطانيين الذين يدورون في إطار الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد مزجها بالديباجات الشعبوية الروسية الخاصة بالعودة للشعب العضوي (الفولك) والأرض ورفض الطموحات المادية والمصلحة الذاتية وإيثار العمل اليدوي، الذي قد يأتي بعائد مادي منخفض، عن الأعمال غير اليدوية التي قد تأتي بالنجاح المادي البورجوازي، ولذا فهم يحلمون بمجتمع جماعي اشتراكي مفعم بروح التعاون.
كان الرواد يرفضون حياة اليهود في العالم (الدياسبورا) كما خبروها في شرق أوربا، كما كانوا يرفضون الاندماج في مجتمعاتهم الأصلية. وقد ذهبوا إلى أنه لا يمكن حل المسألة اليهودية في شرق أوربا إلا على أساس عودة اليهود إلى فلسطين كي يطهروا أنفسهم عن طريق اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج وتَعلُّم اللغة العبرية والتمسك بالتراث اليهودي. وقد ارتبطت حركة الريادة بالتنظيمات العسكرية الصهيونية ومزارع الكيبوتس (التي يُعَدُّ الانضمام لها ذروة تَحقُّق المثل الأعلى الريادي) ، فالريادة هي في نهاية الأمر الزراعة المسلحة التي تهدف إلى تحقيق الاستيطان الإحلالي في فلسطين على حساب الفلسطينيين. وبالتالي، فإن الزراعة المسلحة التي يعمل بها الرواد هي في واقع الأمر الطريقة الصهيونية لتجنيد بعض الشباب اليهودي الثوري من شرق أوربا وتحويلهم إلى مستوطنين يحلون محل الفلسطينيين.
وصورة الرائد هي الصورة التي شكَّلت الوجدان الصهيوني العمالي الاستيطاني. والمجتمع الإسرائيلي كان مجتمع مستوطنين يظنون أنفسهم رواداً حتى عام 1967. وبعد ذلك التاريخ، تغيَّرت الصورة كثيراً. فمع تَزايُد معدلات العلمنة وتَصاعُد أزمة الصهيونية، تراجعت صورة الرائد التقليدية وحلت محلها صورتان:

1 ـ صورة المُستوطن الباحث عن اللذة الذي لا يكترث بأية ديباجات دينية أو إنسانية، فهو شخص لا ينعت نفسه بصفة الرائد ولا يدعي أنه يُحوِّل الصحراء إلى أرض خضراء أو يحمل المحراث بيد والبندقية بالأخرى (كما كان الزعم والادعاء) . وهو يرفض التقشف والتضحية بالذات، فهو شخص يبحث عن رفع مستواه المعيشي وعن المزيد من الاستهلاك ويحلم بالحياة في مجتمع تتحكم فيه آليات المشروع الحر وتتدفق عليه المعونات الأمريكية. وقد تَحوَّل الكيبوتس نفسه من مجتمع صغير يبلور قيمة التقشف إلى مكان يتمتع فيه أعضاء النخبة الإشكنازية بالترف والرفاهية. وقد أصبحت المستوطنات الجديدة مزودة بكل أشكال الترف الحديث، كما أن الجيش الإسرائيلي أصبح يزودها بالحماية.
2 ـ صورة المُستوطن الملتحي الذي يستوطن الأرض الفلسطينية باسم الحقوق اليهودية المقدَّسة المطلقة والصهيونية الحلولية العضوية.
والواقع أن الهجرة اليهودية السوفيتية الأخيرة جاءت بالآلاف من الحالمين بالصورة الأولى ومن اتباع ما نسميه «الصهيونية النفعية» .
منظمات الرواد
‏Halutzim Organizations

ظهر عديد من المنظمات الصهيونية التي كانت تهدف إلى وضع رؤية الرواد الخاصة بالزراعة المسلحة واقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج موضع التنفيذ. وكان مناحم أوسيشكين من أوائل المنادين بتكوين مثل هذه التنظيمات التي يلتزم أعضاؤها بالذهاب إلى فلسطين للعمل لمدة ثلاث سنوات كنوع من أنواع الخدمة العسكرية للشعب اليهودي، على أن يكون سلاحه المجراف والمحراث وليس السيف أو البندقية (وهو ما يدل على جهله التام بحقائق الاستيطان الإحلالي الذي يتَطلَّب السيف قبل المجراف والبندقية قبل المحراث) . وقد نشأت جمعيات في الولايات المتحدة وجنوب روسيا وبولندا ورومانيا تحت أسماء مختلفة. وأولى هذه المنظمات كانت منظمة البيلو للاستيطان في فلسطين ومنظمة عم عولام للاستيطان والهجرة إلى الولايات المتحدة. وظهرت المنظمات في كل مكان، فأسَّس بن جوريون واحدة في الولايات المتحدة عام 1915 حينما كان هناك، وأسَّس ترومبلدور منظمة في روسيا عام 1919.
وقد اكتسبت منظمات الرائد قوة غير عادية مع صدور وعد بلفور الذي حوَّل الفكرة الصهيونية إلى مشروع محدد قابل للتنفيذ من خلال آلية الإمبريالية، فتزايد عدد المنظمات. ولكن نشوب الثورة البلشفية أدَّى إلى تأثير معاكس، وخصوصاً أن كثيراً من أعضاء جماعات الرواد هم من الشباب الثوري الذي أصبح بوسعه التعبير عن تَوجُّهه الثوري من خلال التجربة السوفيتية.

وقد عُقد مؤتمر لمنظمات الرواد في الاتحاد السوفيتي عام 1918، ويُعَد ترومبلدور الأب الفعلي والروحي لهذه المنظمات، وقد أصبح المثل الأعلى بعد مقتله على يد المقاومة العربية عام 1920. ثم عُقدت عدة مؤتمرات بعد ذلك. وقد أصدر المؤتمر المنعقد عام 1923 قراراً بأن جماعات الرواد جزء عضوي من كل من الطبقة العاملة اليهودية وطبقة البروليتاريا العالمية وأكد حتمية الصراع وأن المنظمة ستحارب ضد الرأسمالية في كل أشكالها وأن كل عضو يرفض فكرة الكيبوتس وينضم إلى موشاف عوفديم لن يسمح له بالانضمام لبرامج التدريب. وقد تم تبنِّي هذه القرارات في أغسطس 1923، وانقسمت منظمات الرواد إلى شرعيين وغير شرعيين، إذ طالب الشرعيون بالصراع الطبقي الأممي والحياة الجماعية، بينما ذهب غير الشرعيين إلى أن هناك حركة عمالية يهودية مستقلة.
وقد شهد عام 1926 نجاح التجربة السوفيتية في توطين اليهود وتحويلهم إلى عنصر منتج في الوقت الذي كان فيه الاستيطان في فلسطين يعاني أزمة، وانتهى الأمر بأن سحبت السلطات السوفيتية اعترافها بجمعية الرواد عام 1928 وألقت أعضاءها في السجن.
وقد أُسِّست منظمات للرواد في وسط أوربا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان. ويُلاحَظ أن صعود النازي للسلطة لم يَعُق نشاطها، فالنازيون لا يمانعون في أية نشاطات تؤدي إلى إفراغ أوربا من اليهود والنشاط الصهيوني الاستيطاني يؤدي إلى ذلك. ومما يلفت النظر أن منظمات الرواد لم يكن لها فروع في اليمن أو البلاد العربية التي كانت تضم أقليات يهودية ذات طابع عربي، بل انصب نشاطها على اليهود الإشكناز أو اليهود العرب ذوي الطابع الأوربي مثل بعض قطاعات اليهود في مصر وسوريا.

وقد ارتبطت منظمات الرواد من البداية بفكرة الغزو المسلح لفلسطين. فقد حارب كثير من الرواد مع الفيلق اليهودي عام 1917، وكان هذا ترجمة عملية لتفكير بن جوريون في تكوين جيش من العمال يسير إلى فلسطين ليحررها للشعب اليهودي. وفي عام 1919، حضر ترومبلدور مؤتمراً لجمعيات الرائد، وكان قد فَقَد الأمل في تكوين جيش قوامه مائة ألف يهودي في روسيا ليهاجم فلسطين ويستوطنها، وطالب بإنشاء جيش قوامه عشرة آلاف جندي من الرواد ليحل محل الحامية الإنجليزية.
وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان عدد أعضاء منظمات الرواد 100 ألف. وقد نشر الهستدرت إحصاءً عام 1927 يقول إن 43% من كل العمال في فلسطين و80% من أعضاء الكيبوتس تم تدريبهم في جمعيات الرواد قبل استيطانهم فلسطين. وقد تَوقَّف نشاط الجمعيات مع تأسيس الدولة الصهيونية. وفي الوقت الحالي، تتبع كل حركات الشباب الصهيونية قسم الشباب والحالوتس في المنظمة الصهيونية.
الحركة التعاونية
‏Cooperative Movement
«الحركة التعاونية» هي أهم تعبير عن الصهيونية العمالية، وتعود جذور الفكر التعاوني الصهيوني إلى الفكر التعاوني الغربي والفكر الشعبوي الروسي وإلى أوضاع أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا، وخصوصاً في مرحلة التحديث المتعثر حيث تأزَّم وضعهم باعتبارهم بقايا جماعة وظيفية فقدت دورها التقليدي. وقد أُسِّست الحركة التعاونية اليهودية كمحاولة لتركيز قوى صغار التجار والمموِّلين اليهود حتى يمكنهم التصدي للمنافسة، ومن ثم فهي لم تكن حركة احتجاج على المجتمع التنافسي التعاقدي الذي أسسته الرأسمالية بقدر ما كانت آلية للبقاء داخله ولتحسين فرص التنافس.

وقد بدأت الحركة التعاونية اليهودية في روسيا بين الحرفيين اليهود الذين كوَّنوا جمعيات تعاونية تمنحهم تسهيلات ائتمانية تساعدهم على شراء الأدوات التي يستخدمونها وعلى تخزين منتجاتهم وعلى التأمين على حياة الأعضاء. وقد ساهم الأثرياء من اليهود الأمريكيين والألمان في تحويل هذه التعاونيات كجزء من محاولتهم تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج (كما يقول الاصطلاح الصهيوني) وذلك حتى لا تزداد الهجرة من شرق أوربا إلى بلاد الغرب، الأمر الذي كان يهدد مصالحهم الاقتصادية ووضعهم الاجتماعي. وقد انتشرت التنظيمات التعاونية في روسيا حتى أصبحت تضم 400 ألف عضو (يعولون حوالي مليون ونصف مليون شخص، أي حوالي ثُلث يهود روسيا في ذلك الوقت) . ومما له دلالة أن هذه التعاونيات كانت مُقسَّمة على النحو التالي:
36% تعاونيات صغار التجار
32% صناع مهرة
7.5% فلاحون
2% عمال
21.5 % تعاونيات مختلفة
أي أن الحركة التعاونية اليهودية في روسيا كانت أساساً حركة لحل مشاكل الطبقة البورجوازية الصغيرة، ونشأت في هذه التربة. والقول نفسه ينطبق على الحركة التعاونية في بولندا التي كانت تضم خُمس يهود بولندا (وقد تركت هذه النشأة البورجوازية الصغيرة أثرها في بناء الحركة التعاونية للصهيونية الاستيطانية فيما بعد) .
وقد نقل المستوطنون اليهود في الأرجنتين نمط التنظيم التعاوني معهم إلى وطنهم الجديد (دون أية ادعاءات عقائدية أو مثالية بشأنها) فأنشأوا تعاونيات زراعية، ولكن لم يُقدَّر لها النجاح أو الانتشار (وهي آخذة في الاختفاء التدريجي) نظراً لانصراف المستوطنين في الأرجنتين عن الزراعة إلى الأعمال التجارية، ومن ثم فقد أسسوا تعاونيات مصرفية، إن صح التعبير، فساهم أكثر من 15 ألف يهودي في تأسيس تعاونية البنك التجاري عام 1917 وبنك الشعب اليهودي عام 1921.

ومن أطرف الأشكال التعاونية، تعاونية الباعة الجائلين اليهود التي كانت تأخذ شكل مخازن مفتوحة في كل المدن التي يذهب إليها البائع اليهودي الجائل. فإذا كان البائع عضواً في التعاونية تَوجَّه إلى المخزن التعاوني وأخذ ما يريد من بضائع بشروط ائتمانية سهلة. كما أن وجود المخازن في معظم المدن أعفى البائع المتجول من مشقة حمل بضائعه معه أينما ذهب واكتفى بحمل عينات من السلع فحسب، فإذا ما باع كمية من السلع تَوجَّه إلى المخزن وحصل على الكمية المطلوبة ووردها للزبون. وقد تطوَّر هذا الأسلوب بحيث اكتفى البائع المتجول بعرض العينة على الزبون على أن يتوجه الأخير بنفسه إلى المخزن التعاوني، وهذا لا يختلف كثيراً عن الطريقة الشائعة في الولايات المتحدة وأوربا للبيع بالكتالوج. وهذه التعاونيات التجارية منظمات رأسمالية في بنائها وحركياتها وأغراضها، ولكنها تستخدم أساليب تعاونية باعتبار أن الأسلوب التعاوني هو أكثر الأساليب ملاءمة للمستوطنين اليهود في الأرجنتين الذين يريدون ممارسة نشاط رأسمالي، ولكن حجم رأس مال كل منهم على حدة يحول دون ذلك.
وقد استمرت بعض التعاونيات اليهودية بعد الثورة السوفيتية، وبعد وصول الشيوعين للحكم في بولندا. وكان الغرض من التعاونيات في الإطار الاشتراكي الجديد هو إعادة تدريب اليهود مهنياً حتى يكتسبوا من الخبرات ما يؤهلهم للاندماج في المجتمع إذ يبدو أن ما يُسمَّى «هامشية اليهود» قد استمرت حتى الثلاثينيات في الاتحاد السوفيتي وحتى الخمسينيات في بولندا.

ولا تختلف الحركة التعاونية الصهيونية في فلسطين في جذورها التاريخية ولا في رؤيتها عن الحركة التعاونية اليهودية في أوربا. فالحركة التعاونية الصهيونية كانت متأثرة بأفكار سيركين وجوردون وبوروخوف وأوبنهايمر. وقد تحدَّث سيركين وجوردون عن العمل الجماعي اليهودي كوسيلة لنبذ الهامشية والطفيلية ولاكتساب هوية جديدة يهودية منفصلة. ولذلك ترجمت هذه الأيديولوجية نفسها إلى مفاهيم عنصرية مثل مفهوم اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج ومفهوم العمل العبري. أما أوبنهايمر فقد قنَّن هذه التعاونية الانفصالية، إن صح التعبير، فقد كان من المطالبين بما كان يسميه «الاستعمار الكبير» الذي كان يعني الاستيلاء على كل الأرض الفلسطينية بشكل جماعي على عكس «الاستعمار الصغير» الذي يقوم على أساس دعم أثرياء الغرب والتسلل. والاستعمار الكبير لن يتم إلا عن طريق إنشاء شبكة من المستعمرات الزراعية والقرى التعاونية على أساس الاعتماد الذاتي، إذ لا بقاء لليهود في فلسطين إلا بالزراعة وإقامة اقتصاد زراعي وتكوين طبقة من الفلاحين والمزارعين لضمان استقرار المدن اليهودية. وقد طالب أوبنهايمر بأن تظل الأرض كلها ملكاً أزلياً للشعب اليهودي كما طالب بإحياء القوانين الزراعية لإسرائيل القديمة بعد تجديدها، وإدخال قوانين السنة السبتية وسنة اليوبيل. وطالب أوبنهايمر بعدم السماح بقيام سلطة قوية لكبار الملاك لأن هذه السلطة في عرقلتها تطبيق القانون كانت لها اليد الطولى في انهيار الدولة العبرانية القديمة، أي أن أوبنهايمر كان يؤيد الحركة التعاونية كاستمرار للتقاليد الدينية وكترجمة لمطامح الشعب اليهودي في الانفصال وفي ممارسة شعائره الدينية التي هي من أهم مظاهر انفصاله.

وإذا كانت هذه هي التبريرات النظرية للحركة التعاونية الصهيونية، فهي تعتبر ديباجات تبرر ظاهرة برزت بشكل برجماتي لم تَدخُل النظرية في تشكيله. فقد ظهرت أولى التعاونيات الصهيونية في فلسطين كامتداد طبيعي واستمرار تلقائي للتعاونيات اليهودية في شرق أوربا وهي التعاونيات التي كانت قد ظهرت كوسيلة عملية لتحسين دخول الأعضاء فيها (وليس كمحاولة اشتراكية بدائية من جانب العمال المُستغَلين للوصول لصيغ تنظيم اقتصادية جماعية تراحمية تختلف عن الصيغ الرأسمالية السائدة والمبنية على التنافس والتناحر والاستغلال) . ومن المُلاحَظ أن التعاونيات اليهودية الأولى التي نشأت في فلسطين كانت تعاونيات استهلاكية، كما كانت هناك تعاونيات تسويقية، وتعاونيات عمالية تقيم للعمال مطابخ ومغاسل ونوادي لأن معظمهم كان مُقتلَعاً من تربته خارج أي بناء أسري. ومن أشهر التعاونيات العمالية التنظيم التعاوني لعمال البناء الذي كان يتفاوض مع الزبائن والمؤسسات من أجل الحصول على عقود البناء (وهذه التعاونيات هي التي تحولت فيما بعد إلى أشهر شركة يملكها الهستدروت وهي شركة سوليل بونيه للبناء) . وإلى جانب كل هذا، كانت هناك تعاونيات لصغار الملاك الزراعيين للمساهمة في زراعة الأرض وتسويق المنتجات الزراعية.

ومع هذا، فإن الصيغة التعاونية الصهيونية ظلت حقيقة قائمة على المستوى العملي المباشر وحسب، ولم يتم اكتشافها واكتشاف إمكانياتها الاستيطانية الصهيونية بشكل واع إلا عام 1904. وقد تم ذلك بالصدفة المحضه، فبعد موت هرتزل ازداد النشاط الاستيطاني، وقد ظهرت بعض التعاونيات في فلسطين كاستجابة مباشرة وتلقائية لمتطلبات الاستعمار الاستيطاني الإحلالي (الذي يدور في إطار محاولة الاستيلاء على الأرض وإفراغها من سكانها العرب وإحلال عنصر يهودي محلهم) . وقد تبيَّن أن الحركة الصهيونية الدبلوماسية أو العامة (التوطينية) قادرة على شراء الأراضي، ولكنها كانت غير قادرة على توطينها (وهو الأمر الذي يمكن أن تقوم به الصهيونية العمالية الاستيطانية وحدها) . وحيث إن تمويل الأفراد قد تَعذَّر، فقد تقرَّر أن تبقى الأراضي التي يشتريها الصندوق القومي اليهودي ملكية جماعية على أن تُؤجَّر للمجمعات العمالية التي يدفع لها أجراً حسب كمية إنتاجها، وقد عُيِّن مدير لهذه المجمعات من قبَل الحركة الصهيونية.
وقد حدث أن قام نزاع حاد بين المدير المعيَّن من قبَل الحركة الصهيونية والمستوطنين في إحدى المستوطنات، فاتخذت المنظمة الصهيونية قراراً بعقاب المدير والعمال، ولكنها عدلت عن هذا واكتفت بفصل المدير وبدأ تطبيق نظام التسيير الذاتي، وهكذا بدأت الحركة التعاونية الصهيونية والصيغ الاشتراكية الأخرى.
وقد قُدِّر لهذه الصيغة الجماعية التعاونية أن تسود رغم وقوع الحركة الصهيونية تحت تأثير كبار المموِّلين اليهود والإمبريالية العالمية، وذلك لأنها كانت الطريقة الوحيدة القادرة على ترجمة الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة إلى حقيقة واقعية، فهي الصيغة التي قامت بعزل المستوطنين وتحويلهم إلى جماعة استيطانية قتالية متماسكة يمكنها الصمود أمام السكان الأصليين.

ولعل أكبر دليل على أن الحركة التعاونية الصهيونية ضرورة حتَّمها الاستيطان الإحلالي فحسب، دون أي ارتباط بأيديولوجيا أو رؤية اشتراكية إنسانية، هو وجود منظمات تعاونية عمالية وتعاونية تابعة لكل الأحزاب بغض النظر عن انتمائها الديني أو الطبقي أو الفكري، بل توجد مدرسة تلمودية/ناحال في إسرائيل، أي مدرسة تلمودية تأخذ شكل مستوطنة زراعية تعاونية عسكرية.
ويعكس الهستدروت في تركيبه الشامل التعاوني الرأسمالي بنية الحركة التعاونية الصهيونية وجذورها التاريخية، فهو تنظيم نقابي ولكنه في الوقت نفسه أكبر رأسمالي في إسرائيل. ومما هو جدير بالذكر أن هذه الحركة التعاونية آخذة في الاختفاء والضمور التدريجي بعد أن أدَّت غرضها، بينما القطاع الخاص من الاقتصاد آخذ في التوسُّع على حسابها.
اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج
‏Conquest of Soil, Labour, Guarding, and Production
«اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج» مجموعة من المفاهيم الصهيونية العمالية المترابطة التي تشكل عصب الأيديولوجية الصهيونية العمالية:
1 ـ اقتحام الأرض:
كان مفهوم اقتحام الأرض أحد الأسس التي يستند إليها البرنامج الصهيوني الاستيطاني، وهو مفهوم ينادي بالاستيلاء على أرض فلسطين واستغلالها حتى يمكن إنقاذها من أيدي الأغيار وبناء المستعمرات اليهودية. وعن طريق غزو الأرض يُطهِّر اليهودي نفسه من طفيليته التي كانت تسمه كشخصية هامشية تعمل بالتجارة والربا في الدياسبورا (أي في أنحاء العالم) ، حيث كان يعيش منفياً محرماً عليه ـ حسب التصوُّر الصهيوني ـ العمل في الزراعة والاحتكاك بالطبيعة ومصادر الحياة. فاقتحام الأرض لم يكن الدافع إليه اقتصادياً فحسب وإنما كان نفسياً أيضاً.

ولكن الاقتحام الحقيقي للأرض لم يتم بالطرق السلمية ولا حتى عن طريق التسلل والشراء، فالصندوق القومي اليهودي لم يتمكن خلال 45 عاماً (من تاريخ تأسيسه حتى عام 1947) من الحصول إلا على 3.9% من مساحة فلسطين، بينما نجد أن الهاجاناه (وشتيرن والإرجون) قد استولت في أقل من عام واحد (1948) على مساحة قدرها 76% من مجموع مساحة البلاد.
2 ـ اقتحام العمل:
لو كان الاستعمار الصهيوني استعماراً استيطانياً وحسب، لاكتفى باقتحام الأرض ولكنه استعمار استيطاني إحلالي، ولذا لم يكن هناك مفر من البحث عن أداة أخرى لتحقيق الإحلال، وقد وجد الصهاينة ضالتهم المنشودة في مفهوم اقتحام العمل. وفي إحدى مؤتمرات العامل الفتي، أكد جوزيف واتكين أن اقتحام الأرض واقتحام العمل صنوان لا يفترقان، يكمل الواحد منهما الآخر. وكلا المفهومين يعود في الأصل إلى المفكر الصهيوني العمالي الحلولي جوردون الذي كان يرى أن اليهودي في الدياسبورا يقوم بأعمال كتابية وحسابية ومالية، ولذا فهو يحيا حياة مُشوَّهة ينقصها الانفعال والإبداع، كما أنه لا يتمتع بأية سيادة ولا مشاركة في صنع القرارات التي تؤثر في حياته. ولذا، يجب على اليهودي أن يعود للأرض لا ليملكها فحسب وإنما ليشتغل فيها بالأعمال اليدوية الشاقة ويقهرها حتى يصبح هو نفسه محتلاًّ من قبَل العمل اليدوي. والعمل اليدوي هو إحدى وسائل الرجوع إلى عالم الطهارة والحواس والطبيعة ووسيلة الاتحاد الصوفي بها. ولذا يجب أن يعمل العامل اليهودي من أجل العمل ذاته، وهو بهذا سيطبّع نفسه ويتخلص من هامشيته وطفيليته ويحل إشكالية الهرم الطبقي اليهودي المقلوب إذ يصبح هناك عمال وفلاحون ومن ثم يكتمل تكوين الشعب اليهودي، كما أنه سيحل إشكالية العجز وانعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة إذ أن هذا الشعب اليهودي الذي اقتحم العمل وأكمل تكوينه الطبقي يمكنه أن يؤسس دولة ذات سيادة يمارس اليهود من خلالها صنع القرار ويتحكمون

في مصيرهم.
وقد قام الحاخام الصهيوني كوك، العارف بأسرار القبَّالاه، بالدفاع عن فكرة اقتحام العمل، مستخدماً مصطلحاً حلولياً عضوياً، إذ يقول: "لقد أدرنا ظهورنا للاهتمام بحياتنا الجسدية ولتطوير أحاسيسنا كما أهملنا كل ما له علاقة ملموسة بحقيقة الجسد لأننا أصبحنا فريسة لمخاوفنا، لقد كان ينقصنا الإيمان بقدسية الأرض". ونحن نرى أن ثمة تشابهاً بنيوياً بين مفهوم اقتحام العمل وبين المفهوم الحسيدي للخلاص بالجسد الذي يؤكد أن روح الإنسان تستطيع، من خلال الانتشاء الجسدي والغوص في الأشياء المادية، أن تتسامى لتصل إلى درجة عالية من الطهارة والشفافية والسمو الروحي. والحديث عن اقتحام العمل وطهارة العمل العبري لم يكن أمراً مجازياً بل كان حرفياً إلى أقصى درجة، فلقد قام بعض العمال العرب الذين استأجرهم المستوطنون الصهاينة بغرس أشجار غابة هرتزل، فقام العمال اليهود باجتثاثها ثم أعادوا غرسها في اليوم التالي من خلال العمل العبري الطاهر.
والحديث عن اقتحام العمل والعمل اليدوي بهذا الشكل الرومانتيكي يدل على الجذور الطبقية البورجوازية الصغيرة للصهيونية العمالية التي جاءت جماهيرها من بين قطاعات اجتماعية فشلت في التأقلم مع أوضاعها الطبقية والاقتصادية الجديدة في شرق أوربا، ولم تتمكن من اللحاق بمن هاجر إلى الولايات المتحدة أو غرب أوربا، فكان عليها أن تبحث عن بنيان اقتصادي جديد يمكنها أن تتكيف معه، فوجدت ضالتها المنشودة في العودة إلى عالم زراعي مقدَّس في أرض الأجداد المقدَّسة!

ولكن الدافع وراء اقتحام العمل لم يكن نفسياً/طبقياً فحسب، بل كانت هناك ضرورات عملية يحتمها واقع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، فالأرض التي هاجر إليها اليهود لم تكن خالية من السكان، ولذا كان يتحتم إجلاؤهم وشَغْل أعمالهم. وقد أدرك المستوطنون منذ البداية أهمية العمل العبري كأساس للاستيطان الإحلالي، فاستئجار العمال العرب كان يعني أن المُستوطَن الصهيوني سيظل معتمداً على العرب غير مستقل عنهم، كما أنه في نهاية الأمر سيجعل تحقيق أغلبية يهودية أمراً مستحيلاً. ولذا، لم يكن هناك مفر من إحلال العامل اليهودي محل العامل العربي، وكان خلق وظائف جديدة للمهاجرين الجدد أمراً حتمياً، وهو أمر كان من العسير تحقيقه دون اللجوء إلى اقتحام العمل.
وقد قاوم بعض المستوطنين هذا المفهوم الصهيوني العمالي لتَناقُضه مع مصالحهم الاقتصادية، فالرأسمالي اليهودي كان يفضل العامل العربي الكفء قليل التكلفة على العامل العبري غير الكفء مرتفع التكلفة. وقد قام الصهاينة العماليون بتنظيم إضرابات عديدة ضد الرأسماليين اليهود الذين لا يحافظون على نقاء أو طهارة المُستوطَن، إلا أن الصهاينة العماليين كانوا مع هذا يؤكدون أن غزو الأرض لم يكن يتم لحساب الطبقة العاملة اليهودية وحدها وإنما لحساب الشعب اليهودي ككل وأن التناقض بينهم وبين الرأسماليين لم يكن ينصب إلا على نقطة جزئية خاصة بإصرار الفريق الآخر على استئجار العمل العربي.
وكمحاولة لحل هذا التناقض، لجأ المستوطنون إلى استيراد بعض اليهود الشرقيين من اليمن، فالعامل اليمني كان عاملاً عبرياً (مقدَّساً) يُرضي المطامع الإحلالية لدى الصهاينة العماليين، وهو كذلك عامل عربي رخيص يُرضي شراهة الصهاينة الرأسماليين. ولكن المشكلة زادت تفاقماً لأن العمال اليمنيين لم يكونوا سعداء بأحوالهم، الأمر الذي اضطر المستوطنين إلى وقف استيراد اليهود من اليمن.

ولم يحقق شعار اقتحام العمل أي نجاح، فحتى عام 1914 لم يزد عدد العمال اليهود عن 12% من القوة العاملة في فلسطين. ولذلك، اقترح جوزيف واتكين إنشاء مزارع الكيبوتس كوسيلة لجَعْل العامل الزراعي مالكاً زراعياً أيضاً، ذلك أن واتكين كان يعلم أن الجذور البورجوازية للعمال اليهود كانت تجعل تحولهم إلى مجرد عمال أمراً عسيراً عليهم، كما أن غياب الرباط العاطفي بينهم وبين الأرض كان سبباً لهجرة كثير منهم إلى الولايات المتحدة. وقد نجحت مزارع الكيبوتس في تحقيق أحلام البورجوازية اليهودية الصغيرة المهاجرة في أن تصبح مالكة، كما أنها ثَبتتها في الأرض وربطتها بها، أي أن مزارع الكيبوتس أصبحت الوسيلة المزدوجة لاقتحام الأرض والعمل معاً، وقد أصبح شعار اقتحام العمل من مبادئ هذه المزارع.
3 ـ اقتحام الحراسة:
إذا أضفنا إلى كل هذا شعار اقتحام الحراسة المرتبطة أيضاً بمزارع الكيبوتس، وهو شعار يطلب من اليهود أن يقوموا بحراسة أنفسهم بدلاً من استئجار عرب أو شراكسة، اكتشفنا أن الكيبوتس هو التجسيد العملي للاستيطان الصهيوني الإحلالي بكل رومانتيكيته وشراسته الزراعية والعسكرية. وقد اعتنقت فرق العمال مبدأ العمل والدفاع (عفوداه وهاجاناه) أو جمعت بين شعاري اقتحام العمل بحرمان العمال العرب من حق العمل واقتحام الأرض بالاستيلاء على أراضي فلسطين تحت ستار العمل. وقد تكونت قوات الهاجاناه والبالماخ في معظمها من سكان مزارع الكيبوتس والموشاف من العمال غزاة الأرض والعمل.
4 ـ اقتحام الإنتاج:

وحتى يكتمل انعزال المستوطنين، ظهر شعار "اشتروا الإنتاج" واتخذ ذلك طابعاً منظماً لمقاطعة المنتجات العربية ومنع التعامل مع العرب وشراء المنتجات اليهودية وحدها والتعامل مع اليهود وحدهم. وقد قام الهستدروت بفرض العمل العبري والاستهلاك العبري إن صح التعبير. وبذا، تكون الدائرة قد اكتملت: من غزو مسلح للأرض، لغزو مسلح للعمل، لانغلاق اقتصادي حضاري كامل لا يزال يسم إسرائيل بكل مؤسساتها الاقتصادية والعسكرية، وفي هذا تكمن صهيونية الدولة الصهيونية.
العمل العبري
‏Hebrew Labour
«العمل العبري» من المفاهيم الصهيونية العمالية المحورية. وملخص هذا المفهوم أن اليهودي العائد إلى أرض الميعاد يجب عليه أن يتخلص من أدران المنفى العالقة به، ويمكنه إنجاز هذا ليس فقط بأن يمتلك الأرض (كما يفعل يهود الدياسبورا الذين يعملون بالمهن الطفيلية مثل الإتجار في العقارات) وإنما يجب أن يعمل فيها بنفسه وبيديه، وهو بذلك يُخلِّص الأرض من العمال الأغيار ويُطبِّع نفسه ويتخلص من هامشيته وطفيليته ويتحكم في مصيره السياسي إذ أنه سيؤسس دولة يهودية بإمكان اليهود أن يمارسوا من خلالها صنع القرار السياسي ويتخلصوا من العجز الذي وسمهم تاريخياً. ولهذا المفهوم الصهيوني بُعده الاستيطاني الإحلالي الذي تغطيه ديباجات اشتراكية رومانسية، فهو يعني في واقع الأمر إحلال المُستوطَن الصهيوني محل الفلاح العربي.
وقد تساقط مفهوم العمل العبري من خلال الممارسات اليومية، فقد تزايدت الطفيلية الاقتصادية في إسرائيل وتزايد الاعتماد على العمالة العربية. وبعد الانتفاضة وتَصاعُد الهجمات الفدائية حاول التجمع الاستيطاني الصهيوني أن يستغنى عن العمال العرب، فلم يجد أحداً من المستوطنين الصهاينة ليعمل فاضطر لاستيراد عمالة أجنبية من تايلاند ورومانيا يبلغ عددهم 48 ألف (33 ألف موجودون بشكل قانوني، و15 ألف بشكل غير قانوني يعملون أساساً في الزراعة وقطاع البناء) .

ويشكل الأجانب نسبة عشرة في المائة من اليد العاملة في إسرائيل (عام 1997) ويعملون كذلك في قطاعي البناء والزراعة أو خدماً في المنازل. وبعد ما كانوا حتى وقت قريب موضع ترحيب، باتو يثيرون ردود فعل معادية. وتعتقد السلطات الإسرائيلية أن "مشاكل اجتماعية" عدة نشأت من تدفق العمال الأجانب الذين تضاعف عددهم خمس مرات في ثلاث سنوات، وخصوصاً بسبب الإقفال شبه المستمر للأراضي الفلسطينية. (انظر: «الصهيونية العمالية» - «اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج» ) .
الهستدروت
‏Histadrut

اختصار للمصطلح العبري «هستدروت هاكلاليت شل هاعوفديم هاعفريم بايرتس يسرائيل» أي «الاتحاد العام للعمال العبريين في إرتس يسرائيل» . ثم حُذفت كلمة «العبريين» من اسمه عام 1969. وقد أنشأ الصهاينة هذا الاتحاد العمالي عام 1920 لا ليمثل أية طبقة عاملة وإنما ليساهم في توطين المهاجرين الصهاينة وليبلور وينمي، بالاشتراك مع الوكالة اليهودية، جماعة المستوطنين الصهاينة في فلسطين حتى تصبح بناءً استيطانياً متكاملاً توجد داخله طبقة عاملة. وقد عبَّر بن جوريون عن هذه الفكرة بمصطلحه الغيبي حينما قال: "ليس الهستدروت نقابة عمالية ولا حزباً سياسياً ولا هو تعاونية وجمعية لتبادل المنفعة، إنه أكثر من ذلك. الهستدروت هو اتحاد شعب يقوم ببناء موطن جديد ودولة جديدة وشعب جديد، ومشاريع ومستوطنات جديدة، وحضارة جديدة. إنه اتحاد للمصلحين الاجتماعيين لا تمتد جذوره إلى بطاقة عضويته الخاصة بل إلى المصير المشترك والمهمات المشتركة لجميع أعضائه في الموت والحياة"، أي أن دينامية الهستدروت هي دينامية صهيونية استيطانية إحلالية. ولذا يمكننا القول بأن الهستدروت ليس «اتحاد عمال» كما قد يوحي اسمه، وإنما هو مؤسسة صهيونية استيطانية بالدرجة الأولى، بل أهم المؤسسات الاستيطانية على الإطلاق، فهو المؤسسة الوحيدة داخل الحركة الصهيونية التي تشرف على معظم النشاطات، وتتحرك داخلها كل الأحزاب وتربط المُستوطَن الصهيوني بالجماعات اليهودية في العالم. إنها التجربة الصهيونية بالدرجة الأولى.

وقد نص قانون إنشاء الهستدروت على أنه يُعتبَر أداة لعملية الاستيطان، ولتنشيط الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين. ومن هذا الهدف تعددت مجالات عمل الهستدروت وأدواته التنفيذية: فهو اتحاد للتعاونيات، ومؤسسة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهيئة للتأمين الصحي، وجمعية لتقديم الخدمات الثقافية والتعليمية. ولذا تضم لجنته التنفيذية الإدارات التالية: التنمية والاستيعاب ـ المساعدة المتبادلة ـ التوظيف والتدريب المهني ـ العمال الأكاديميين ـ والشئون الدينية ـ الشئون العربية والتعليم العالي ـ التعويضات.
وتتضح طبيعة الهستدروت الخاصة في أن الأعضاء يشتركون فيه مباشرةً ويدفعون رسوماً تتراوح بين 3 ـ 4.5% من أجورهم إلى صندوقه المركزي، ثم يلتحقون بالاتحاد العمالي الخاص بهم، أي أنهم ينتمون أولاً للمؤسسة الاستيطانية ثم ينتمون إلى اتحاد عمالي أيضاً. والهستدروت في هذا يشبه الأحزاب السياسية في إسرائيل فهي الأخرى مؤسسات استيطانية وأحزاب أيضاً. وقد يكون من الصحيح أن الطابع الاستيطاني للأحزاب والهستدروت قد خفت بعض الشيء بعد إعلان الدولة ولكن الطابع الاستيعابي (وهو الامتداد الطبيعي للاستيطانية أو استيطانية ما بعد 1948 بالتحديد) قد زادت حدته. ويجري التخطيط والتنفيذ في الهستدروت والمؤسسات التابعة له من خلال المؤتمر القومي (السلطة التشريعية) والمحلي العام (السلطة العليا) واللجنة التنفيذية (أعلى سلطة تنفيذية) .
وكان الهستدروت ومنشآته الاقتصادية بمنزلة العمود الفقري للاقتصاد العمالي الصهيوني، فمنذ تأسيسه عام 1920 يقوم بإنشاء مستعمرات زراعية ومؤسسات صناعية. ففي عام 1921 أسَّس بنك هابوعاليم (بنك العمال) ، وبعد سنتين أسَّس شركة حفرات هعوفديم (شركة العمال) . ومنذ عام 1927 ونشاط الهستدروت يتجه نحو تأمين رأس المال اللازم لإدارة مؤسساته الاقتصادية.

ويُعَد الهستدروت من "كبار أصحاب العمل" في إسرائيل، وهو أكبر جسم اقتصادي في الدولة، وأكبر مستخدم منفرد للعمال. ويضم الهستدروت مجموعتين كبيرتين من المصالح الاقتصادية، المجموعة الأولى تضم التعاونيات التي تنقسم بدورها إلى نوعين أساسيين: المستوطنات التعاونية مثل الموشافيم والكيبوتسات، والتعاونيات الإنتاجية والخدمية التي تضم أكبر شركتين للمواصلات (إيجيد ودان) .
والمجموعة الثاني تضم مجموعة شركات ضخمة تابعة لشركة العمال (الشركة الأم) في فروع الصناعة والبناء والتجارة والمصارف. وأهم مؤسسات الهستدروت الصناعية مجموعة كور، التي يعمل في شركاتها نحو 23 ألف عامل في 100 مصنع تقريباً، وتملك أهم شركات صناعة الإلكترونيات، وتضم شركة سوليل بونيه، وشركة تاديران، ومصانع سولتام، وصحيفة دافار. وفي الخدمات المصرفية، يمتلك الهستدروت جزءاً كبيراً من بنك هابوعاليم، ويشارك في ملكية بنوك ومؤسسات مالية أخرى. كما أن الهستدروت يشارك في الاستثمار في شركة كلال وشركة تسيم وسايتكس. وقد أشرنا إلى امتلاكه شركتي إيجد ودان، واحتكاره فرع المواصلات العامة. وفي التجارة يمتلك الهستدروت شركة همشبير، وشركة تنوفا.

ويدل توزيع ملكية المنشآت الصناعية أن حصة الهستدروت النسبية قد ازدادت في السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، كما أن حجم صادرات المنشآت الاقتصادية التابعة للهستدروت قد ازداد ازدياداً مطرداً ولا سيما في القطاع الزراعي حيث وصلت نسبة ما صدره عام 1985 إلى 77% من الصادرات الزراعية، و23.5% من الصادرات الصناعية. ويقوم الهستدروت بالاشتراك الفعلي في تقرير سياسات المؤسسات الاقتصادية التي لا يشترك في ملكيتها، سواء مباشرةً أو من خلال شركات العمال أو عن طريق مندوبين له في مجالس إدارة هذه المؤسسات. وهو ما يدعِّم هيمنة الهستدروت وسيطرته على القطاع التعاوني في الاقتصاد الإسرائيلي. وهو يشترك في الهيئة الاقتصادية العليا التي تخطط للاقتصاد الصهيوني وتنسق بين القطاعات الثلاثة وهي العام والخاص والتعاوني.
وقد بدأت مكانة الهستدروت في التدهور منذ أواخر الثمانينيات نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية في إسرائيل في تلك الفترة (التي نجمت عنها بطالة واسعة النطاق) ونتيجة انهيارات في بعض أنشطة ومشاريع الهستدروت ووجِّهت الاتهامات لزعامة الهستدروت بسوء الإدارة والمحسوبية والفساد، حتى قرر الكنيست في مايو 1995 وضع الهستدروت. تحت إشراف المراقب العام للدولة إثر الكشف عن فضائح فساد بعض قيادات حزب العمل الذين قاموا باستغلال موارد الهستدروت في تمويل الحملات الانتخابية.
ويقوم الهستدروت بصفته ممثلاً للعمال والمستخدمين والنقابات المهنية بالتفاوض مع اتحاد الصناعيين والحكومة في شأن الأجور وشروط العمل وهو دور نقابات العمال الطبيعي. ولكن هوية الهستدروت كصاحب عمل، وليس كاتحاد عمال فقط، تظهر في أن مورده الأساسي ليس من اشتراكات الأعضاء وإنما نتيجة استثمارات تجارية، كما أن إضرابات العمال يمكن أن تتم ضده وليس بمساندته، بل إن الهستدروت يقوم كثيراً بدور المهدئ للطبقة العاملة حتى تستمر في الإنتاج داخل البناء الصهيوني.

ويضم الهستدروت في عضويته فئات متعددة ذات مصالح متضاربة في الغالب. فهو يضم في صفوفه، بالإضافة إلى العمال، الأغلبية الساحقة من الموظفين والمستخدمين في الحكومة وفي نشاطات القطاعين العام والخاص، وكل أعضاء الحركة الزراعية التعاونية (الكبيوتسات والموشافيم) ، وشرائح مهنية واسعة تنتمي بوضوح إلى الطبقة الوسطى مثل: الأطباء، والمهندسين، والمحامين، والأكاديميين، والمعلمين ... إلخ.
ويضم الهستدروت نحو 1.8 مليون عضو (عمال مع عائلاتهم) يشكلون 58% تقريباً من السكان، وهو يُوظِّف 25% من اليد العاملة في مختلف مؤسساتها الاقتصادية، ويغطي برنامجه للتأمين الصحي أغلبية التأمين الصحي في إسرائيل، ويدير أهم النوادي الرياضية (هابوعيل) الذي يوجد له 600 فرع منتشرة في جميع أنحاء إسرائيل.
ويساهم الهستدروت بدور مهم جداً في عملية التربية والتعليم وذلك من خلال الجهاز الرسمي والمؤسسات غير الرسمية. فهو يملك مؤسسات كثيرة لمختلف الأجيال، يختص معظمها بحقول تعليمية محددة.
وفي إحصاء قام به الهستدروت بين أعضاء أحد المؤتمرات القومية في السبعينيات (وكان يبلغ عددهم 1001) عن رؤيتهم لأنفسهم قال 64.6% منهم (أو حوالي 885) أنهم يعتبرون أنفسهم مديرين أو موظفين، وقرَّر 16% إنهم أصحاب مهن حرة وقرَّر 9.3% أنهم مزارعون، بينما قال 5.3 فقط أنهم صناع وحرفيون. وفي إحصاء آخر بين أعضاء الهستدروت عن سبب التحاقهم بهذا التنظيم "النقابي" قرر 27% منهم أنهم انضموا للاستفادة من خدمات كوبات حوليم (أو التأمين الصحي) ، و26% لا يعرفون سبب انضمامهم أساساً، و18% انضموا لأن رب العمل طلب ذلك، و5% فعل ذلك من باب طاعة الوالدين. ولا يذكر الإحصاء شيئاً عن الأربعة وعشرين في المائة الباقية ـ أي أن الهستدروت في بنائه واقتصادياته ووعي أعضائه بأنفسهم ليس له علاقة كبيرة باتحادات نقابات العمال.

ويمكن النظر للهستدروت على أنه تنظيم اقتصادي يأخذ "شكلاً جماعياً" لمساعدة التجمع الاستيطاني/الصهيوني بعماله ورأسمالييه، وهو تجمُّع لا يمكن أن يأخذ شكلاً رأسمالياً تقليدياً بسبب وضعه الشاذ في المنطقة إذ أن عليه أن يخوض الحرب تلو الحرب للدفاع عن نفسه وبالتالي عليه أن يجند المستوطنين دائماً في تنظيمات عسكرية اقتصادية متماسكة، وهو ما يفرض أشكالاً جماعية قد تشبه التنظيمات الاشتراكية من بعض النواحي، ولكنها خالية من أي محتوى إنساني ثوري. ومما دعِّم هذه الأشكال الجماعية أن المنظمة الصهيونية العالمية وصهاينة العالم لا يمكنهم التعامل مع رأسماليين إسرائيليين مباشرةً، بل لابد أن تتعامل المؤسسات مع مؤسسات مثلها، فيقوم الهستدروت بتلقِّي المساعدات، وتوزيعها على كل طبقات الكيان الصهيوني عمالاً ورأسماليين، أي أن الأشكال الجماعية التي يمثلها الهستدروت لا علاقة لها بأية منطلقات ثورية إنسانية، وإنما هي جزء من استيطانيته. ولعل أكبر دليل على ذلك أن كل اتجاه صهيوني، بغض النظر عن انتمائه الأيديولوجي قبل إنشاء الدولة، كان يحاول أن يكون له "هستدورته الخاص" به. فيوجد هستدروت للصهاينة التصحيحيين، وآخر للدينيين، تماماً كما كان هناك تنظيم عسكري للعماليين وآخر للتصحيحيين. وقد استمرت بعض هذه الهستدروتات بعد إنشاء الدولة. ثم انضمت له عام 1965 للاستفادة من نشاطاته وخدماته ومحاولة التأثير فيه من الداخل دون أن تغيِّر آراءها فيما يتعلق بدوره. ومما يدل أيضاً على أن الأشكال الجماعية التي يدعو لها الهستدروت لا علاقة لها بالاشتراكية وإنما هي جزء من دوره الاستيطاني (والاستيعابي فيما بعد) أن حزب حيروت الذي يمثل أيديولوجية الاقتصاد الحر عضو في الهستدروت ويحررز انتصارات لا بأس بها، وأن حزب الأحرار الرأسمالي والأحزاب الدينية كلها ممثلة داخل الهستدروت.

وارتباط الهستدروت بالاستيطان يظهر في علاقته بالعسكرية الصهيونية، فقد أُسِّست الهاجاناه بعد عام واحد من تأسيس الهستدروت. وقد كان الهستدروت مشرفاً عليها، كما كان 60% من رجال الهاجاناه والإرجون وشتيرن ينتمون إلى عضويته، كما أنه يقوم بإعالة عائلات الرجال المتطوعين في الجيش سواء قبل عام 1948 أو بعده. ومثل معظم المؤسسات الاستيطانية الصهيونية نجد أن الهستدروت مؤسسة عسكرية/اقتصادية موجهة أساساً ضد العرب، ولذا نجد أن هذا الاتحاد العمالي أُسِّس لتنفيذ سياسة اقتحام العمل وفلسفة العمل العبري، فكان يرفض تشغيل العرب بل طرد أعضاءه الشيوعيين عام 1923 بسبب إثارتهم قضية تأجير العمل العربي، كما كان ينظم مظاهرات ضد الرأسماليين اليهود الذين يستأجرون عمالاً عرباً. ولكن بعد ظهور الدولة وبعد أن ثبتت أركانها، ومع ازدياد الحاجة للأيدي العاملة العربية أخذ في التنازل تدريجياً عن هذا التشدد. وسمح الهستدروت بانضمام العمال العرب لعضويته ولكن العمال العرب لا يتمتعون من الناحية الواقعية بالمزايا التي يتمتع بها العمال اليهود، فأجورهم أقل كثيراً من أجور نظرائهم، كما أنهم أكثر تعرضاً للبطالة. وكثيراً ما تثار قضية العمال العرب داخل الهستدروت، إلا أنها غالباً ما تنتهي إلى لا شيء، بل على العكس من ذلك يساهم الهستدروت في تسهيل وإيجاد الظروف الملائمة لتهجير العمال العرب إلى الخارج.
الهستدروت إذن جزء عضوي ورئيسي في المجتمع الصهيوني الاستيطاني، وقد ترتَّب على قوة وسطوة الهستدروت وتعدُّد مجالات تأثيره أن أصبح الشخص الذي لا ينتمي إليه يجد مشقة كبيرة في الاستمرار في الحياة، فهو لا يستطيع أن يحصل على الخدمات بسهولة ـ وأهمها الحصول على عمل والخدمات الصحية ـ وإذا حصل عليها فبتكاليف باهظة.

ويعتبر الهستدروت الأداة الأساسية التي تعبِّر من خلالها التفاعلات السياسية في المجتمع عن قراراتها في مختلف نواحي الحياة، إذ أن التنظيم التشريعي والتنفيذي للهستدروت يتكون من ممثلين عن الأحزاب بحسب نسبة قوتها الانتخابية، وبالتالي فإن سياسات الهستدروت في النهاية ليست سوى انعكاس للتفاعل بين وضع الأغلبيات والأقليات الحزبية. بل يمكن القول بأن سياسات الهستدروت تُقرَّر داخل الأحزاب وليس في المؤتمر القومي، ولعل هذا هو أحد العناصر التي تفسر انصراف الأعضاء عن الاشتراك في انتخاب مندوبي المؤتمر، ففي عام 1959 وصل عدد المشتركين إلى 84% ثم انخفض إلى 65% عام 1969 ثم انخفض إلى 56.5% عام 1989.
ويضم الهستدروت أربعة تشكيلات رئيسية مختارة على أساس حزبي، فالمؤتمر العام يُنتخَب كل أربعة سنوات بواسطة قوائم الأحزاب، ثم يَنتخب المؤتمر العام مجلساً تنفيذياً ويختار هذا بدوره لجنة تنفيذية، ثم المكتب الإداري ـ ويقع في قمة التشكيل الهرمي ـ فيتولَّى تصريف الشئون المعقدة اليومية المتعلقة بتنفيذ قرارات المجلس واللجنة.

وقد كان من أهم أسباب نجاح الهستدروت في ممارسة أدواره المتعددة سيطرة الأحزاب العمالية حتى سنة 1977، وجزئياً بعد ذلك، وهو ما أتاح لها مساندة اقتصاد الهستدروت. كما أن احتفاظ حزب العمل بموقعه ومركزه في الحياة السياسية الإسرائيلية يعود إلى علاقته القوية بالهستدروت. ومنذ عام 1932 حينما كان الماباي الموجِّه الفعلي، كانت له أكثرية مطلقة في المجلس التنفيذي للهستدروت. ولم يتغيَّر الوضع كثيراً حتى الستينيات، فالتجمُّع العمالي (المعراخ) أحرز نسبة مئوية قدرها 88.5% من الأصوات في انتخابات الهستدروت عام 1965. وتتضح لنا هذه العلاقة أكثر بمعرفة أن بن جوريون كان أول سكرتير عام للهستدروت. ولكن تجب الإشارة إلى أن هيمنة المعراخ والصهيونية العمالية آخذة في التآكل، ولذلك يُلاحَظ تآكل النسبة المئوية التي حصل عليها المعراخ في الانتخابات الأخيرة. ففي انتخابات أعوام 1981، 1985، 1989 حصل تحالف حزب العمل على نسبة 64%، 67%، 64% على التوالي أما الليكود فحصل على 26%، 21%، 27% على التوالي.
وفي انتخابات الهستدروت في مايو 1994 فازت قائمة مستقلة بقيادة حاييم رامون (أحد أعضاء حزب العمل السابقين) بنسبة 47%، أما حزب العمل فحصل على 32%، وحصل الليكود على 17%، وبذلك انتهت سيطرة حزب العمل على الهستدروت التي استمرت مدة 70 عاماً. ولكن رامون ومجوعته عادت إلى صفوف حزب العمل بعد اغتيال إسحق رابين عام 1995 حيث شغل منصب وزير الداخلية في حكومة شيمون بيريز. وفي 26 ديسمبر 1996 نفَّذ الهستدروت إضراباً عن العمل شل مظاهر الحياة في إسرائيل احتجاجاً على السياسة الاقتصادية لحكومة الليكود وميزانيتها لعام 1997. وقد قامت الأحزاب العربية في إسرائيل لأول مرة منذ تأسيسها ومنذ قبول العرب كأعضاء كاملين في سنة 1969 بتشكيل قائمة موحدة لخوض انتخابات الهستدروت عام 1989.

ولابد من الحديث عن علاقة رأس المال الخاص في إسرائيل بالهستدروت، فنجد أنه في عام 1960 كان القطاع الخاص في إسرائيل يساهم بـ 58.5% من الإنتاج، وكان القطاع العام يساهم بـ 21.1%، والهستدروت 20.4%. وفي عام 80 / 81 ساهم القطاع الخاص بـ 54% والقطاع العام بـ 24% والهستدروت 22%، وفي التسعينيات زادت نسبة مشاركة القطاع الخاص. ولكن مساهمة الهستدروت في الإنتاج الصناعي تتم أيضاً من خلال القطاع الخاص إذ يمتلك الهستدروت 50% من مؤسساته مناصفة مع بعض شركات القطاع الخاص، أي أن مساهمته الحقيقية في الإنتاج هي 10% وحسب. ولا تزيد اليد العاملة التي يستخدمها عن 17.5% (1965) . وحسب هذه الخريطة لم يكن بُد أن يهيمن القطاع الخاص على الحكم في إسرائيل وأن تُطرَد البيروقراطية العمالية، ولكن تكوين إسرائيل الاستيطاني يفرض على الطبقة الرأسمالية (وتنظيماتها الحزبية) أن تظل في المرتبة الثانية (على عكس البنى الاستيطانية الأخرى مثل جنوب أفريقيا وروديسيا حيث يستولى الرأسماليون دائماً على الحكم) . وهذا يرجع لخصوصية الاستيطانية الصهيونية فهي استيطانية/إحلالية طردت السكان الأصليين وهو ما جعلها تخلق طبقتها العاملة والزراعية الخاصة (على عكس الطبقات الحاكمة في جنوب أفريقيا التي تشكل طبقة من الرأسماليين والملاك الزراعيين) ، كما أن الاستيطانية الصهيونية مُموَّلة من الخارج عن طريق الجماعات اليهودية في العالم والدول الإمبريالية (على عكس جنوب أفريقيا وروديسيا) . كل هذا يساعد على إحكام هيمنة البيروقراطية العمالية متمثلة في الهستدروت على المجتمع الإسرائيلي، وهو ما يعوق نشوء طبقة رأسمالية محلية تلعب دوراً قيادياً. بل إننا نجد أن الهستدروت يؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في القطاع الخاص الإسرائيلي (وفي بناء المجتمع الاقتصادي ككل) . فالهستدروت يتحكم في الأجور وغالباً ما يعمد إلى تعديلها في ضوء ارتفاع تكاليف المعيشة وليس في ضوء

الإنتاجية، ويؤدي ارتفاع الأجور وعدم تكافئها مع معدل الإنتاجية إلى اتجاهات تضخمية تسبب بدورها ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأجور ـ والمحصلة النهائية لهذه العملية هو ظهور «الشعب الطفيلي» ، أي أولئك الأجراء وأصحاب المعاشات الذين لا يتناسب دخلهم مع طاقتهم العملية المستغلة. وقد سبَّب هذا انخفاضاً في الإيرادات والأرباح العامة من الاستثمارات الخاصة والفردية. وقد نجم عن هذا الوضع هبوط حماس الرأسمالية المحلية الصغيرة الضعيفة الأمر الذي يضطر رأس المال الإسرائيلي للتعاون مع الشركات الغربية والاستثمارات الأجنبية، أي أن مشاركة الهستدروت "الاشتراكية" في الاقتصاد ينتج عنها مزيد من التبعية لرأس المال العالمي وفقدان الاتجاه والرؤية المحددة.
هذا، وكان الهستدروت يلعب دوراً أساسياً في الدفاع عن الصورة الإسرائيلية في الأوساط الاشتراكية والثورية في العالم، وله علاقات قوية بالتنظيمات النقابية الاشتراكية الديموقراطية، ويلعب الهستدروت دوراً خطيراً في تخريب الحركة النقابية في العالم الثالث، إذ أنشأ المعهد الأفرو ـ أسيوي للدراسات العمالية، وهو معهد ظهر أن وكالة المخابرات الأمريكية كانت تموله، كما كان الهستدروت يصدر جريدة دافار وله دار نشر خاصة به.
الكيبوتس: نموذج مصغر للاستعمار الاستيطاني الصهيوني
‏Kibbutz: Micro-Paradigm of Zionist Settler Colonialism

«الكيوبتس» كلمة عبرية تعني «تجمُّع» وجمعها «كيبوتسيم» وتصغيرها «كيبوتساه» . وهي شأنها شأن معظم المصطلحات الصهيونية (مثل «عالياه» بمعنى «الارتفاع» أو «السمو» والتي تعني «الهجرة إلى إسرائيل» ) لها بُعد شبه ديني. ولعل الاصطلاح الديني اليهودي «كيبوتس جاليوت» أو «تجميع المنفيين» ولم شمل كل يهود العالم في فلسطين هو الذي استقى منه الصهاينة هذه التسمية. وتُستخدَم الكلمة في الكتابات الصهيونية للإشارة إلى مستوطنة تعاونية تضم جماعة من المستوطنين الصهاينة، يعيشون ويعملون سوياً، ويبلغ عددهم بين 450 و600 عضو، وإن كان العدد قد يصل إلى ألف في بعض الأحيان.
ويُعدُّ الكيبوتس من أهم المؤسسات الاستيطانية التي يستند إليها الاستعمار الصهيوني في فلسطين المحتلة. بل يُقال إن الكيبوتس هو أهم المؤسسات السياسية والاجتماعية على الإطلاق داخل الكيان الصهيوني. وهو مؤسسة فريدة مقصورة على المجتمع الصهيوني. إذ لا توجد أية مؤسسة تضاهيها في الشرق الأوسط أو خارجه (وإن كنا نجد بعض مواطن الشبه بينها وبين بعض المؤسسات التي تضم جماعات وظيفية قتالية مثل الأنكشارية والمماليك) . بل يمكن النظر للكيبوتس باعتباره مؤسسة نماذجية لتوليد جماعة وظيفية شبه عسكرية، ولعل مركزيته تعود إلى أن الدولة الصهيونية نفسها دولة وظيفية.
ورغم تنوُّع انتماءات الكيبوتسات السياسية فإن كل المستوطنات، شأنها شأن الأحزاب السياسية في إسرائيل، تلتزم بالرؤية الصهيونية وبالخط الصهيوني، بل إنها كوَّنت عام 1963 تنظيماً عاماً لحركة الكيبوتس تشترك فيه كل المزارع الجماعية بغض النظر عن انتمائها السياسي. وتدين كل الكيبوتسات بالولاء للحركة الصهيونية، وهذا أمر منطقي تماماً لأنها مشاريع غير مربحة ومموَّلة من قبَل هذه الحركة.

وحتى ندرك مدى أهمية الكيبوتس داخل الكيان الصهيوني، سنورد بعض الإحصاءات التي قد تعطي القارئ فكرة واضحة ومثيرة عن مدى إسهام هذه المؤسسة في المجتمع الصهيوني. فعلى سبيل المثال لا الحصر، بلغت نسبة أعضاء الكيبوتس في النخبة الحاكمة (أي بين قيادات المجتمع الإسرائيلي) سبعة أضعاف نسبتهم في المجتمع (ويكفي أن نذكر أن بن جوريون وموشيه ديان وشيمون بيريز وييجال آلون وغيرهم من أبناء الكيبوتسات) . ومع أن أهمية الكيبوتس آخذة في التناقص إلا أن النسبة في الوقت الحاضر لا تزال أربعة أضعاف. وكان ثُلث الوزراء الإسرائيليين من 1949 حتى 1967 من أعضاء الكيبوتس، كما أن 40% من إنتاج إسرائيل الزراعي و7% من صادراتها من إنتاج الكيبوتسات، و8% من إنتاجها الصناعي.
ويمكن القول بأن تاريخ نشأة الكيبوتس وتطوره وبنيته وما لحق به من تآكل وما يواجهه من أزمات يجعل منه نموذجاً مصغراً للاستيطان الصهيوني: أصوله ـ تاريخه ـ طبيعته ـ أزمته. ولذا فدراسة الكيبوتس أمر مهم من الناحية المنهجية من منظور دراسة الصهيونية والاستيطان الصهيوني.
الكيبوتس: السمات الأساسية
‏Kibbutz: Main Traits
السمة الأساسية للكيبوتس، شأنه شأن أية مؤسسة استيطانية إحلالية، أنه مؤسسة عسكرية بالدرجة الأولى. فعلى سبيل المثال، كان اختيار موقع الكيبوتس يتم لاعتبارات عسكرية بالدرجة الأولى، ثم لاعتبارات زراعية بالدرجة الثانية. وتظهر طبيعة الكيبوتس العسكرية في أن أعضاءه لا يتدربون على الزراعة وحسب، وإنما على حمل السلاح أيضاً. ويقوم الكيبوتس بغرس القيم العسكرية في أعضائه من خلال الدعاية الأيديولوجية والتربية الرسمية وغير الرسمية اليومية، وبخاصة من خلال أسلوب الحياة.

وقد ساهمت الكيبوتسات في إنشاء الكيان الصهيوني والحركة الاستيطانية الإحلالية، قبل وبعد إنشاء الدولة الصهيونية. فقامت الكيبوتسات بتنظيم الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين منذ عام 1934. واستمرت في هذا النشاط حتى بعد أن تأسست منظمة خاصة للهجرة غير الشرعية عام 1939.
وبسبب تكامل الاستيطان والقتال، زاد عدد مزارع الكيبوتس بعد الثلاثينيات أثناء الثورة العربية. فقبل هذا التاريخ كانت مزارع الموشاف (وهي مزارع تعاونية أقل جماعية ولا تتسم بالصبغة العسكرية) تنمو بنسبة تفوق مزارع الكيبوتس. ولكن بعد عام 1936 تغيَّرت النسبة لصالح الكيبوتس (ويُلاحَظ كذلك أنه بعد إنشاء الدولة وبظهور الجيش الإسرائيلي الذي يضطلع بمهام الدفاع زاد عدد مزارع الموشاف مرة أخرى، وتراجع عدد الكيبوتسات) .
لعبت الكيبوتسات دوراً بارزاً في منظمة الهاجاناه العسكرية الصهيونية قبل عام 1929. وتؤكد موسوعة الصهيونية وإسرائيل أن كل أعضاء الكيبوتسات كانوا أعضاء في الهاجاناه، وأن عدداً كبيراً من ضباط الهاجاناه أتوا من الكيبوتسات. وتضيف الموسوعة أن هذا لم يكن غريباً على الإطلاق "لأن بنية الكيبوتس نفسها ونظامه يشبهان من بعض النواحي التنظيم العسكري". فأعضاء الكيبوتس ليسوا مرتبطين بأي بناء أسري، ولم يكن مفروضاً عليهم توفير الرزق لأعضاء أسرهم، وإنما كانوا أفراداً لا تربطهم أية أواصر صداقة مع أحد، ويمكن استدعاؤهم للخدمة العسكرية كلما وحيثما دعت الحاجة لذلك (فهم بنيوياً مثل الجنود المرتزقة) . كما أن معظم أعضاء الكيبوتسات في تلك الفترة ذكوراً كانوا أم إناثاً، كانوا شباناً في سن الخدمة العسكرية ليس بينهم أطفال أو عجائز. ولذا كان من السهل إقامة الكيبوتسات بسرعة والدفاع عنها بصلابة.

وقد قامت حركة الكيبوتسات في السنوات الأخيرة من حكم الانتداب البريطاني بدور أساسي في "خلق الحقائق" بإنشاء مستوطنات جديدة في المناطق النائية. فاستوطن أعضاء الكيبوتس في شمال النقب، وجبال القدس ومناطق أخرى. وقد أنشأ المستوطنون الصهاينة ما يزيد عن 52 مستوطنة من نوع السور والبرج، وكان من بينها 37 مزرعة كيبوتسية.
وحينما قررت الهاجاناه إنشاء وحدات الصاعقة النظامية (البالماخ) ولم تكن تملك الاعتمادات الكافية، بادرت حركة الكيبوتس بتجنيد الأعضاء ورتبت ساعات العمل لهم بحيث أصبح في مقدور عضو الكيبوتس أن يعمل نصف شهر في المزرعة الجماعية، والنصف الآخر في صفوف البالماخ. ولذا حينما اندلعت حرب عام 1948 بعد إعلان قيام الدولة الصهيونية كان حوالي 2000 عضو في البالماخ يعيشون في 41 كيبوتس.
وكانت الكيبوتسات تشكل مواقع للترسانات العسكرية ومصانع للذخيرة، لذلك كانت القوات البريطانية تهاجم الكيبوتسات دائماً بحثاً عن الذخائر وعن أعضاء البالماخ كما حدث يوم 29 يونيه 1946 حينما هاجمت القوات البريطانية عشرات الكيبوتسات.
وقد استمر الكيبوتس في أداء هذا الدور الأساسي في المؤسسة العسكرية بدرجات متفاوتة، فساهم في التوسع الصهيوني في الأراضي العربية التي احتُلت عام 1967، كما أنه لا يزال ينهض بدور مهم في عملية الاستيطان التي تتم في الضفة الغربية (وإن كانت الأشكال الأخرى من الاستيطان مثل الموشاف هي الأكثر شيوعاً الآن) .

ولا تزال نسبة كبيرة من القيادات العسكرية في الجيش النظامي والاحتياط تأتي من هناك. فعلى سبيل المثال، ورد في إحدى الإحصاءات أن رُبع ضباط جيش الكيان الصهيوني وثلث الطيارين المقاتلين أعضاء في الكيبوتس. ولعل أكبر دليل على أن الكيبوتس يمثل العمود الفقري للعسكرية الصهيونية هو أن 33% من ضحايا حرب 1967 من أبناء الكيبوتس (ولنتذكر أن نسبتهم القومية هي أقل من 4%) . ويقوم أبناء الكيبوتس بأشق المهام العسكرية وأخطرها، كذلك المهام السرية في الداخل والخارج ذات الطابع الانتحاري (مثل عملية مطار عنتيبي في أوغندة) . ويوجد عدد كبير منهم في الوحدات الخاصة مثل المظليين والضفادع البشرية.
ورغم أن الكيبوتس مؤسسة عسكرية إلا أنها ليست مؤسسة عسكرية بالمعنى المألوف للكلمة، وإنما هي جماعة وظيفية عسكرية استيطانية (مملوكية) وظيفتها هي القتال والاستيطان، وما عدا ذلك من وظائف فثانوي. ويتضح هذا في الطبيعة المملوكية لنمط الحياة. وبالفعل نجد أن الحياة داخل الكيبوتس جماعية إلى أقصى حد، كما نجد أن أشكال التعبير الفردية في حكم المنعدمة، فملكية الأرض والمباني والأدوات، بل أحياناً الملابس الشخصية، ملكية جماعية.

وحينما ينضم عضو للكيبوتس فهو لا يشتري شيئاً لأنه لن يملك شيئاً، وحينما يترك الكيبوتس فإنه لا يبيع شيئاً ولا يأخذ معه شيئاً (وإن كانت السنوات العشرون الأخيرة بدأت تشهد منح العضو مكافأة مالية صغيرة في بعض الأحيان) . ولا يتقاضى الأعضاء مرتبات وإنما يحصلون على كل احتياجاتهم الأساسية دون مقابل مثل الطعام والمسكن والملبس وأحياناً إصلاح الملابس وغسلها، والرعاية الطبية ورعاية الأطفال والتعليم. أما احتياجات الفرد الأخرى مثل شراء بعض السلع الاستهلاكية الصغيرة (إناء زهور مثلاً) أو قطع الملابس الكمالية وتكاليف الإجازات التي يقضيها خارج الكيبوتس فيقوم بدفع تكاليفها بنفسه من مصروف جيبه الشهري الذي يعطيه له الكيبوتس، وإن تبقى معه أي مبلغ من النقود فعليه أن يعيده لصندوق الكيبوتس (بل كان من المحظور على أي عضو حتى عهد قريب أن يكون له حساب خاص في البنك) .
ويقوم أعضاء الكيبوتس بالعمل في أحد الأنشطة التي يقوم عليها الكيبوتس. مع ذلك فإن بعضهم يقوم بالعمل خارج نطاق الكيبوتس سواء في المشروعات التي يتولى الكيبوتس تنفيذها في الأقاليم أو في مؤسسات الدولة أو في أماكن أخرى. وفي هذه الحالة يستمر هؤلاء في العيش داخل الكيبوتس ويستفيدون من خدماته الاجتماعية إلى جانب تناول الطعام، ويحصلون على الخدمات نفسها التي يحصل عليها بقية الأعضاء إلى جانب قيامهم بتناوب خدمات الحراسة. وهذه الخدمات التي تحصل عليها هذه الشريحة من الأعضاء بالطبع ليست بالمجان، ولكنهم يحصلون عليها مقابل تنازلهم للكيبوتس عن مرتباتهم التي يتقاضونها في الخارج. ولا يتمتع أعضاء الكيبوتس بأية حياة أسرية مستقلة، فهم يتناولون معظم الوجبات سوياً (وعدم تناول الطعام مع الجماعة في الكيبوتس يُعَدُّ رفضاً لها وارتداداً إلى حياة الجيتو) . والأطفال كذلك يعيشون بعيداً عن والديهم، لا يقومون بزيارتهما إلا بعض الوقت بعد الدراسة وبعد ساعات العمل.

وإضعاف الروابط الأسرية في الكيبوتس يتم لحساب الروابط القومية ولحساب الولاء للدولة أو المؤسسة. فالفرد الذي لا يعيش حياة خاصة به، والذي ليس له ذكريات فردية، ولا يربطه أي رباط بأي إنسان آخر، هو الفرد القادر على الانتماء بسهولة ويسر إلى جماعته الوظيفية، وهو الإنسان القادر على تكريس ذاته لوظيفته مهما بلغت من لا إنسانية، وهو الإنسان القادر على الإيمان بمجردات وأوهام ليس لها سند في الواقع. ويبدو أن التنشئة الاجتماعية في الكيبوتس تهدف إلى هذا أساساً. فالطفل الذي يعتمد على المؤسسة (لا على أبيه أو أمه) في معيشته وملبسه، تضعف العلاقة بينه وبين أبويه وتَقوَى بينه وبين المؤسسة التي يتبعها بعد ولادته ببضعة أيام حيث يوضع في بيت الأطفال ويمكث هناك مدة سنة ينتقل بعدها إلى بيت الصغار. وفي تلك المرحلة يُسمَح للأبوين باصطحاب طفلهما إلى البيت لقضاء بضع ساعات معهما.
وفي سن الرابعة يُرسَل الطفل إلى دار الحضانة، وينتقل منها إلى المدرسة الابتدائية عند بلوغه السابعة. والمرحلة النهائية من النظام التعليمي هي المرحلة الثانوية التي يدخلها الطفل في سن الثانية عشرة حتى يبلغ الثامنة عشرة. وعبر كل هذه المراحل يُلقَّن الطفل العقيدة والقيم الصهيونية ويدرس مواد دراسية مثل المادة التي تُسمَّى «الوعي اليهودي» .
ولكل كيبوتس كبير مدارسه الخاصة بجميع مراحل النظام التعليمي. وتشترك الكيبوتسات الصغيرة سوياً وتنشىء المدارس الخاصة بها. ومستوى التعليم في هذه المدارس عال، وخصوصاً أن المدرسين فيها من أعضاء الكيبوتس، ولذلك فهم يتسمون بنفس التفاني في خدمة الجماعة، فهم لا يُضربون عن العمل لزيادة الأجر، كما هو الحال مع زملائهم في النظام التعليمي العام. وعند بلوغ الثامنة عشرة يقوم عضو الكيبوتس بأداء الخدمة العسكرية الإلزامية (لمدة ثلاثة سنوات) وعند عودته قد ينضم إلى إحدى الجامعات أو المعاهد الفنية.

وهكذا ينشأ عضو الكيبوتس من المهد إلى اللحد دون الدخول في علاقة إنسانية فردية مباشرة. فهو دائماً عضو في هذه المؤسسة أو تلك، وهو ما يجعله إنساناً قادراً على تلقِّي الأوامر دون تفكير أو احتجاج. وكثير من أطفال الكيبوتس يفقدون كل صلة بآبائهم بعد بلوغهم الثالثة عشرة، وهم في هذا يشبهون المماليك الذين كانوا يُختَطفون من بلادهم في سن مبكرة، ثم يُنشَّئون تنشئة جماعية تفقدهم فرديتهم وإنسانيتهم، وتحوِّلهم إلى جماعة محاربة ليس لها روابط اجتماعية أو إنسانية، متفرغة تماماً للقتال وحسب.
وكانت جماعية الكيبوتس في بداية الأمر لا تلتزم بأية معايير، فقد كان كل شيء مملوكاً ملكية جماعية حتى الملابس الداخلية. ولم تكن هناك حمامات منفصلة للرجال والنساء. ولكن بعض هذه الأشكال الجماعية المتطرفة قد اختفت وإن احتفظ الكيبوتس بطابعه الجماعي الأساسي.
وتظهر جماعية الكيبوتس في طريقة الإسكان، الذي يتبع خطاً واحداً متكرراً من كيبوتس لآخر. إذ تُقسَّم مباني المزارع الجماعية إلى قسمين: المساكن والمباني الأخرى. أما المساكن فهي عادةً وحدات متقاربة يتكون كل منها من طابق واحد، تقع بين مجموعة من الأشجار، وكل وحدة سكنية مقسمة إلى شقتين أو ثلاثة، وتتكون كل شقة من غرفة صغيرة يقطنها رجل وامرأة. ويتم تنظيف الثياب وكيها في بيت الغسيل العام. وأثاث هذه المنازل بسيط إن لم يكن متواضعاً، وإن وُجد تليفزيون أو جهاز ستيريو فيوضع عادةً في غرفة المعيشة الجماعية.

ويضم الكيبوتس أيضاً عدة مبان: مبنى الثقافة (وهو من أهم المباني) ، ومبنى الاجتماعات، وحمام سباحة، وقطعة أرض مخصصة للرياضة. وعلى مقربة من المجموعة السكنية من المباني توجد المجموعة الإنتاجية، وتضم حظائر الحيوانات والمصانع والمزارع نفسها. وتوجد منازل الكيبوتس وصالة الطعام والمدرسة وقاعة الاجتماعات والمباني الأخرى في وسط الكيبوتس، أما المزارع والمصانع والحقول فإنها تلتف من حوله (وهو ما يبيِّن طبيعته العسكرية) .
ويهدف التصميم المعماري للكيبوتس إلى إضعاف الروح الأسرية وتقوية الروح الجماعية، فكثير من أعضاء الكيبوتس يرون أن الزواج مؤسسة بالية لابد من التخلي عنها، فهي مظهر من مظاهر الجيتوية والفردية التي ينبغي التخلي عنها. وحتى الآن لا يتطلب عقد الزواج سوى التقدم بطلب للحصول على غرفة مشتركة، وعند الطلاق يُلغَى هذا الترتيب. بل في بعض الأحيان تم إلغاء تعبير «شاب» و «شابة» ، وأحياناً يُشار للأزواج على أنهما «زوج» بمعنى «اثنين» ، وقد نتج عن كل هذا بطبيعة الحال ارتفاع معدلات الطلاق.

ومن أهم العناصر التي تحافظ على جماعية الكيبوتس وتدعمها وتحوِّلها إلى ممارسة حياتية يومية، لجان الأمن التي كانت تقوم بالتجسس على الأعضاء وبتفتيش غرفهم وفتح خطاباتهم. وتقوم هذه اللجان بالتنسيق مع الجيش وتؤدي كثيراً من وظائف الدولة، أي أنها تضطلع بوظيفة ترويض أعضاء الكيبوتس وترشيدهم واستئناسهم لصالح المؤسسة الحاكمة. وتتم هذه العملية من خلال ممارسة ضغط اجتماعي هائل مباشر، فالكيبوتس مجتمع كامل صغير. وقد وصف موتكي يحزقيلي، وهو مدرس في أحد الكيبوتسات، هذه الروح الجماعية التي تهدف إلى تفريخ المقاتلين بقوله: إن عضو الكيبوتس ينشأ في جو كثيف من الناحية الجسمية والعقلية، فديناميات الكيبوتس الاجتماعية قاسية لأقصى درجة. فالجماعة هي التي تقرر نوع الموسيقى الذي ستسمعه وأية آلة موسيقية ستلعبها وفي أية وحدة عسكرية ستكون خدمة عضو الكيبوتس العسكرية. وإذا رفض أحد الأعضاء التطوع في الجيش واتخذ موقفاً من حرب لبنان (على سبيل المثال) تقوم لجنة الأمن بعملية تحريض ضده من خلال أعضاء الأسرة الكيبوتسية، فيُتهم بأنه ليس محارباً ولا مقاتلاً، بل يُتهم في رجولته، ويتم هذا الأمر في محيط الحياة العامة الخارجية، وفي محيط الأسرة، وفي حياته الخاصة، الأمر الذي يجعل الضغوط ذات تأثير قوي.
ومن المبادئ الأساسية التي تنطلق منها حركة الكيبوتس، مبدأ الديموقراطية والمساواة بين الأعضاء في كل شيء. ويترجم هذا نفسه إلى ما يُسمَّى «سياسة الحكم الذاتي» . إذ تتخذ كل القرارات الخاصة بالكيبوتس من خلال نظام إداري يتم بالانتخاب. والسلطة العليا هي المؤتمر العام للكيبوتس، الذي يضم جميع الأعضاء ويأخذ شكل اجتماع أسبوعي (عادةً يوم السبت) .

ولكن مع هذا يبدو أن سلطة المؤتمر العام للكيبوتس لا تمتد إلا إلى التفاصيل. إذ تظل القرارات الأساسية بشأن إدارة مزارع الكيبوتس وتحديد سياستها الإنتاجية والاقتصادية متروكة لأمانة اتحادات مزارع الكيبوتس بالاشتراك مع أمانات الأحزاب التي تنتمي إليها. وتوضع هذه القرارات موضع التنفيذ داخل الكيبوتس من خلال فئة صغيرة من الأفراد يتناوبون المراكز القيادية فيما بينهم. ولعل هذا يُفسِّر انصراف الأعضاء عن حضور مثل هذه المؤتمرات التي من المفروض أن تكون لها كل السلطة. ولذا نجد أن السلطة داخل الكيبوتس تتركز في يد السكرتير العام للمؤتمر والمدير الاقتصادي.
ومن أشكال المساواة المتطرفة في الكيبوتس، المساواة بين الرجل والمرأة، فيقوم الجميع بالأعمال اليدوية نفسها، شاقة كانت أم هيِّنة. وقد بلغ البعض في تطرفه أنه أنكر على المرأة حقها في التزين، لأن هذا من شأنه أن يخلق الحواجز والتفرقة بين الرجل والمرأة. وقد نجح الكيبوتس إلى حدٍّ كبير في إعداد الكثير من النساء للقوات المسلحة الإسرائيلية، وإن كان معظمهن يقمن بأعمال إدارية، مثل الأعمال الكتابية والتمريض في الميدان، ويبتعدن عن المهام القتالية.
وهذا الحديث عن المساواة والديموقراطية يجب ألا يعمينا عن حقيقة الكيان الصهيوني التسلطية العنصرية. فالمساواة قد تكون أمراً مطبقاً داخل أسوار الكيبوتس، وحتى هذا أمر مشكوك فيه، ولكنها لا تتعداه على الإطلاق، إذ يظل محظوراً على العرب (بل على اليهود الشرقيين الذين جاءوا من بلاد عربية) الانضمام لهذه الكيبوتسات، فهي شأنها شأن الجيش الإسرائيلي، مؤسسة إشكنازية (يهودية غربية بيضاء) .

ومن المفاهيم الأخرى التي تستند إليها حركة الكيبوتس (شأنها في هذا شأن الحركة التعاونية الصهيونية) ، مفهوم العمل العبري الذي يذهب إلى أن اليهودي كي يشفي نفسه من طُفيليته الجيتوية ومن ضعفه وخوره، لابد أن يعمل بيديه، وأن الأمة اليهودية لن تصبح أمة بمعنى الكلمة إلا إذا ضمَّت في صفوفها عمالاً وفلاحين. ومن هنا يصبح العمل اليدوي الطريقة التي يُولَد بها اليهودي الجديد ليحل محل يهودي الجيتو القديم.
ولكن العمل اليدوي، شأنه شأن الجوانب الأخرى للحياة في الكيبوتس، هو رد فعل للظروف في فلسطين والنسق الصهيوني الفكري. فالصهيوني الذي يعمل بيديه سيشفي نفسه من أمراضه الهامشية والطفيلية (وهذا هو الجانب العقائدي) ولكنه لن يضطر إلى استئجار العرب، وبالتالي سيتمكن من طردهم (وهذا هو الجانب العملي) .

ولكن لا الجماعية ولا العمل اليدوي نجحا في جعل الكيبوتس مشروعاً اقتصادياً ناجحاً، إذ ظل الكيبوتس في الماضي والحاضر جزءاً من الاقتصاد الاستيطاني الذي يعتمد بالدرجة الأولى على التمويل الخارجي. والكيبوتس لا يختلف كثيراً عن الدولة الصهيونية التي تعتمد على المعونات الخارجية. وكما أن الدول العظمى تمول إسرائيل، نجد أن الوكالة اليهودية تدعم المستوطنات وتمولها، ويأخذ هذا الدعم أشكالاً مختلفة، فالمساحات الشاسعة التي حصل عليها الكيبوتس (وهي رأسماله الثابت الأساسي) ، حصل عليها دون مقابل عن طريق الاغتصاب من العرب، وهو لا يدفع عنها سوى إيجار زهيد للوكالة اليهودية. وتنال الكيبوتسات معاملة مفضلة من حيث الإعفاء من الضرائب وتقديم المساعدات والهبات المالية والقروض المعفاة من الفوائد أو بفوائد منخفضة. وتوفر الدولة والمصادر الصهيونية الرسمية الوقود والأسمدة والكهرباء والمياه، كما يوجد سعران متفاوتان لمياه الري، واحد يُطبَّق على العرب والآخر يُطبَّق على يهود مزارع الكيبوتس. هذا بالإضافة إلى الإجراءات الخاصة التي تُتخذ لحماية مستوطنات الكيبوتس والتسهيلات الائتمانية التي تُمنح لها، أي أن اكتفاء مزارع الكيبوتس الذاتي الذي تروج له بعض المراجع الصهيونية، يشبه من بعض الوجوه اكتفاء إسرائيل الذاتي الممول. وإذا كانت الدول العظمى تمول إسرائيل وتدعمها حتى تحوِّلها إلى قاعدة عسكرية لا تملك أسباب البقاء بمفردها، فإن الحركة الصهيونية تموِّل المستوطنات والكيبوتسات للسبب نفسه، إذ كلما ازداد التمويل والدعم، ازداد اعتماد المستوطنات والمستوطنين على المؤسسة الصهيونية. وبالتالي يصبح التمويل من قبيل التكبيل، إذ حينما ينضم الإسرائيلي إلى إحدى المستوطنات فهو لا يدفع شيئاً حقاً، ولكن تُنفَق عليه أموال باهظة (نفقات تعليم وإسكان وخلافه) ، ولذلك يصبح من العسير عليه الانسحاب من المشروع الذي انضم إليه.

الكيبوتس: تحولاته الجوهرية
‏Kibbutz: Radical Changes
إذا كان الكيبوتس هو المجتمع الصهيوني مصغراً ومبلوراً، فأزمته هي أيضاً أزمة هذا المجتمع مصغرة ومتبلورة. والتحولات التي طرأت عليه هي تعبير مصغر متبلور عن التحولات التي طرأت على العقيدة الصهيونية. وثمة مظاهر كثيرة لتحولات الكيبوتس وللأزمة التي يواجهها يمكن أن نذكر منها ما يلي:
1 ـ المرأة:
حاولت الحركة الكيبوتسية ـ كما أسلفنا ـ أن تقضي على بعض المؤسسات الاجتماعية الإنسانية ـ مثل الزواج والأسرة بحجة أنها مؤسسات بورجوازية قديمة بالية، وأن «التقدم» يتطلب أن نطرحها جانباً. بل إن كثيراً من الكيبوتسات حاولت أن تلغي الفروق بين الرجل والمرأة حتى يتم «تحرير» المرأة تحريراً كاملاً، ولذلك تم توزيع العمل بين الأعضاء بغض النظر عن الأساس الجنسي، وأصبح من الممكن أن يوكل للمرأة أي عمل أو وظيفة. ومما ساعد على هذا الاتجاه أن تنشئة الأطفال الجماعية، بعيداً عن نفوذ الوالدين «أعفى» المرأة من وظيفة الأمومة، وهي الوظيفة التي تعوقها في جميع المجتمعات الأخرى عن القيام بوظائف الرجال وأعمالهم.
هذا البرنامج التحرري برنامج غير إنساني، ينكر الكثير من حقائق الحياة البيولوجية والنفسية التي لا مناص من قبولها. ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن أولى المشاكل التي واجهها الكيبوتس هي مشكلة المرأة التي يهدف إلى "تحريرها" من سجنها البيولوجي وإلى "إعفائها" من أمومتها. ولكن ما حدث أن المرأة لم تجد الخلاص في الكيبوتس، بل أصبحت من أكبر عناصر عدم الاستقرار فيه للأسباب التالية:
أ) الأعمال اليدوية التي توكل لها شاقة ومضنية في غالب الأحيان، وهو ما يسبب لها العناء والإجهاد.

ب) لم يتمكن الكيبوتس من تحقيق المساواة التامة بين الرجل والمرأة بسبب العوامل البيولوجية، فالمرأة الحامل غير قادرة على القيام بالأعمال الشاقة، وكثيراً ما تترك وظيفتها وتستعصي عليها العودة إليها بسبب قيام غيرها بها، بل إن كثيراً من المناصب القيادية في الكيبوتس آلت إلى الرجال لهذا السبب.
جـ) نتيجة كل هذه الظروف وجدت المرأة نفسها في قطاع الخدمات (الطبخ والتنظيف والغسيل) وهو قطاع لا ينال احترام أعضاء الكيبوتس لأنه "قطاع غير إنتاجي"، ولذا تحس المرأة إحساساً عميقاً بالنقص. كما أن كثيراً من هذه الأعمال غير خلاق وممل، وبخاصة إذا كان يؤدّى للغير بشكل دائم وخارج نطاق الأسرة المباشرة، ويقال إن المرأة التي تعمل في الكيبوتس في قطاع الخدمات، تقضي ثماني ساعات يومياً في إعداد الطعام أو غسل الملابس.
د) وهناك أخيراً رغبة المرأة في استرجاع أمومتها التي "تحرَّرت" منها، وبيتها الخاص الذي "أُعفيت" منه، وأطفالها الذين "تخلصت" منهم.
لكل هذه الأسباب نجد أن المرأة وراء المطالبة بالملكية الفردية والحياة الخاصة (وهي عكس الحياة الجماعية شبه العسكرية التي يتطلبها الكيبوتس) ، بل إن كل الذكور الذين تركوا الكيبوتسات إنما فعلوا ذلك بسبب تعاسة المرأة وعدم رضاها عن أوضاعها. وهناك عدد كبير من النساء يرغبن في ترك الكيبوتس ولا يمكنهن ذلك بسبب ظروف الأزواج.
2 ـ الترف:

التقشف سمة من السمات الأساسية في الحياة داخل الكيبوتس، باعتباره مؤسسة عسكرية، ويظهر هذا التقشف في تحريم تملُّك الأفراد للأرض أو للآلات. وينصرف التحريم أحياناً إلى الأشياء الشخصية مثل الملابس. وقد كان التقشف يظهر أيضاً في أسلوب الحياة نفسها، من تحريم لتناول الطعام على انفراد إلى ممارسة أية نشاطات فردية. وجو التقشف هذا يشكل أساس التنشئة الاجتماعية العسكرية، وهو تكتيك عرفه المماليك من قبل، وعرفته كل المجتمعات التي كانت تعتمد على جماعات من المحاربين المرتزقة لحماية أمنها.
ولكن هذا الجانب من الحياة في الكيبوتس بدأ هو الآخر بالتآكل. فعلى سبيل المثال، بدأت تظهر الجماعات المنفصلة (للرجال والنساء) ، ثم بعد ذلك الحمامات المستقلة لكل أسرة، وظهرت كذلك المطابخ المستقلة، بل أحياناً المسكن المستقل (غرفتان وصالة ـ في العادة ـ وملحق مكوَّن من مطبخ وحمام) .
وبعض هذه المساكن مؤثث تأثيثاً فاخراً ويحتوي على أدوات ترفيه مثل الستيريو والتليفزيون الملون. ويُقال إن حمى الفيديو بدأت تكتسح إسرائيل بما في ذلك الكيبوتسات. وتجدر الإشارة إلى أن هناك سيارات خاصة بالكيبوتس تقوم بنقل الأعضاء إلى المدينة، وبإمكان العضو أن يحجز سيارة ليستخدمها بمفرده. وقد وصف أحد الكُتَّاب كيبوتس دجانيا عام 1986، بمناسبة مرور 75 عاماً على تأسيسه، فأشار إلى الترف الذي لم يحلم به المؤسسون الأوائل، مثل ملاعب التنس وحمام السباحة الذي تكلَّف نصف مليون دولار، وغرفة الطعام التي تكلَّفت مليون ونصف مليون دولار. ولنلاحظ هنا أن الابتعاد عن حياة التقشف ينتج عنه نوع من الاسترخاء، ولكن الأهم من هذا أنه يفت في عضد الاتجاه الجماعي الذي يُعدُّ ركيزة أساسية للشخصية العسكرية.

ولعل من أهم التطوُّرات الأخرى في هذا الاتجاه (وهو تطور يُعَدُّ سلبياً من وجهة نظر مؤسسي الكيبوتس وقياداته) ، هو عودة الأسرة للظهور كما يتضح في عودة المسكن المستقل، وفي انضمام كثير من الأطفال إلى ذويهم وقضائهم كل أو معظم أوقات فراغهم في «منازلهم» أو وحداتهم السكنية المستقلة، بعيداً عن المدرسة وعن مؤسسات الكيبوتس المختلفة. بل إن بعض الكيبوتسات بدأت في إنشاء مساكن تشبه شقق الطبقات المتوسطة في أي بلد غربي حديث.
وبينما كان تناول الطعام على انفراد يُعَدُّ عودة للجيتوية أصبح الآن أمراً أكثر شيوعاً، وخصوصاً أن الصالة الملحقة بالمنزل المستقل أخذت تتحول بالتدريج إلى غرفة طعام يتناول فيها أعضاء الأسرة الواحدة بعض وجباتهم اليومية (ولكن مع هذا تظل طقوس الطعام الجماعي أمراً مهماً جداً في الكيبوتس) .
وإلى جانب تقلُّص التقشف على مستوى الحياة الفردية، نجد أنه آخذ أيضاً في التقلص على مستوى الحياة الجماعية في الكيبوتس ككل. فيُلاحَظ مثلاً أن بعض الكيبوتسات لها متحف خاص بها (ونهب آثار فلسطين من الهوايات الصهيونية الأثيرة. ويُعَدُّ موشي ديان، ابن الكيبوتس، من أكبر لصوص الآثار في الكيان الصهيوني) . ويوجد الآن فنانون مقيمون في الكيبوتسات، إذ وجدوا أن أسلوب الحياة في هذه المزارع الجماعية يوفر لهم الراحة والدعة المطلوبة كما أنه يوفر الأمان المالي. وبعض هؤلاء الفنانين ليسوا أعضاء في الكيبوتسات، وهذا في حد ذاته يُعَدُّ تطوراً عميقاً ـ أن يُسمح لمُستوطَن صهيوني أن يعيش داخل الكيبوتس دون أن يكون عضواً فيه.

ومن أشكال الرفاهية الأخرى في الكيبوتس صالونات التجميل (الكوافير) لتصفيف شعر النساء، وقيام الكيبوتس بتنظيم رحلات لزيارة المسارح والمتاحف في المدن الكبيرة. بل إن الكيبوتس يقوم بتنظيم رحلات سياحية إلى الخارج لأعضائه الذين يقومون بجولاتهم داخل وخارج إسرائيل كجماعة، كما أنه يمول أعضاءه الذين يقومون بدراسات جامعية وعليا، فهم يحصلون على ما يشبه الإجازة الدراسية بمرتب. وقد نشرت إحدى الصحف مؤخراً مفردات متوسط دخل عضو الكيبوتس، فبيَّنت أن دخله الفعلي السنوي يضعه في شرائح المجتمع الإسرائيلي العليا.
من كل هذا يمكننا أن نستنتج أن الصورة النمطية المألوفة عن حياة التقشف داخل الكيبوتسات لم تعد دقيقة، وأن أعضاء الكيبوتسات قد لا يملكون شيئاً مثل المماليك، ولكنهم، شأنهم شأن المماليك أيضاً، يرفلون في حلل النعيم، ويكوِّنون في نهاية الأمر تشكيلاً طبقياً متميِّزاً، يتحكم في المجتمع وينعم بخيراته.
3 ـ من الزراعة إلى الصناعة:
أشرنا إلى أن الطابع الزراعي العسكري للكيبوتس ليس مجرد صفة عرضية، وإنما سمة بنيوية (أي لصيقة ببنيته) ، ومن هنا أيضاً فإن تحوُّله من الزراعة إلى الصناعة يُعدُّ تحولاً بنيوياً عميق الدلالة، لأنه سيترك أثره في نمط الحياة داخله، وهذا ما يحدث الآن.
وقد بدأ هذا التحول في أواخر الخمسينيات حينما حقق الكيان الصهيوني فائضاً زراعياً كبيراً، ووُصف الكيبوتس حينئذ بأنه «عدو الدولة» اللدود، فكان على الكيبوتس حينئذ أن يتحول بالتدريج ليضمن لنفسه النجاح والبقاء الاقتصادي.
وقد يكون من المفيد أن نذكر بعض الحقائق التي قد تُعطي القارئ فكرة عن هذا التحوُّل. ففي عام 1960 كان 30 % من أعضاء الكيبوتس يعملون في الصناعة، أما عام 1970، فقد بلغت نسبتهم 45% وتزيد النسبة الآن عن 50%.

ولم تَعُد مزارع الكيبوتس «مزرعة جماعية» وإنما أصبحت مجموعة من المشروعات الصناعية الضخمة، تساوي ملايين الدولارات. وقد وصف مراسل الواشنطن بوست كيبوتس دجانيا بأنه «كيبوتس يديره مصنع» . وقد نجم عن هذا الانتقال تحوُّل في طبيعة الكيبوتس ونشوء عدد من المشاكل التي لم يضعها مؤسسو الكيبوتس في الحسبان:
أ) نظراً لطبيعة الكيبوتس الإحلالية التي أشرنا إليها يتحتم على الأعضاء أن يعملوا بأنفسهم، وهذا أمر مناسب لمهنة الزراعة، ولكنه غير مناسب للمشروعات الصناعية التي تتطلب أيادي عاملة وخبراء يتم تدريبهم خارج الكيبوتس في المعاهد والكليات الفنية المختلفة ولا يدينون بالولاء له. ويحاول الكيبوتس أن يحل المشكلة عن طريق الاستعانة بالصناعة الأوتوماتيكية أو عن طريق مشاركة العمال الحضريين الذين يعملون في الكيبوتس دون أن يصبحوا أعضاء فيه.
ب) نظراً لانصراف عدد كبير من أعضاء الكيبوتسات إلى الأعمال الصناعية بدأت العمالة العربية الأجيرة تظهر مرة أخرى داخل الكيبوتس للقيام بالأعمال الزراعية، وهذا يُعَدُّ ـ من وجهة نظر صهيونية ـ ضربة في الصميم لمفهوم العمل العبري.
جـ) انقسم العاملون في الكيبوتس إلى فريقين: أحدهما يعمل بالزراعة والآخر يعمل بالصناعة، وهو ما خلق كثيراً من التوترات. ومما عقَّد الأمور، أن المشروع الصناعي على عكس المشروع الزراعي، يجب أن يكون حجمه كبيراً نوعاً ما، والكيبوتس كان المفروض فيه أن يظل حجمه صغيراً حتى يتسم بالدينامية وحتى تُمكن إدارته ذاتياً، بل يمكن القول بأن الإدارة الذاتية للكيبوتس أصبحت أمراً عسيراً جداً بعد زيادة القطاع الصناعي داخله، لأن القضايا التي يواجهها أعضاء الكيبوتس تتطلب خبرة المتخصصين، وهذا أمر غير متاح للأعضاء العاديين الذين لم يتلقوا تدريباً أو تعليماً خاصاً.

لكل هذا، يمكن القول بأن الانتقال من الزراعة إلى الصناعة قد أضعف تماسك الكيبوتس كمؤسسة، وولَّد داخلها مجموعة من التوترات التي تؤثر في مقدار فعاليتها ومدى إسهامها في الكيان الصهيوني.
4 ـ من التضامن الاشتراكي إلى التماسك العرْقي:
يبدو أن الكيبوتس رغم كل الادعاءات الطليعية والتجريبية قد بدأ يأخذ شكل العائلة الكبيرة المكتفية بذاتها أو القبيلة الصغيرة المنغلقة على نفسها.
وقد نشأ الكيبوتس في بداية أمره كتنظيم اشتراكي حديث، من الوجهة النظرية على الأقل، أساس التضامن فيه هو الولاء الأيديولوجي، بل "هوجمت عملية تكوين وحدات عائلية، بدعوى أنها تضر بوحدة المجتمع". وفُسِّر الاتجاه الجماعي في الكيبوتس على أنه تعبير عن المُثُل الاشتراكية التي تنطلق منها هذه المؤسسة الزراعية/ العسكرية.
ولكن رغم نقطة الانطلاق هذه فإن الطبقية والظروف السياسية والتاريخية فعلت فعلها، وازدادت العائلات وتوسعت، وتحوَّل الكيبوتس إلى جماعة منغلقة، يتزاوج أفرادها فيما بينهم. فيُلاحَظ أن الزيادة الطبيعية طوال الخمسين عاماً الماضية هي المصدر الأساسي للزيادة في عدد سكان الكيبوتسات، أما الاستيعاب الاجتماعي من الخارج فيُشكل الآن ظاهرة هامشية. وفي الوقت الحاضر يعيش قرابة 9% من سكان الكيبوتسات في مستوطنات قامت قبل عام 1950، ووصلت إلى الجيل الثالث والرابع. فالمجتمع الكيبوتسي قد أصبح "مجتمعاً عائلياً متوارثاً" ـ "مجتمعاً طبيعياً" ـ "مجتمعاً متعدد الأجيال"، أي أن الكيبوتس لا يستند إلى التضامن العقائدي والاشتراكي المزعوم، وإنما إلى التضامن العائلي أو القَبَلي أو الجيتوي (الصهيوني) .

بل يبدو أن الأطر الأيديولوجية الأولى لم تكن سوى ستار كثيف يغطي "قرابة الدم بين اليهود" التي كانت بمنزلة الملاذ الحقيقي، أما هؤلاء الذين لم يؤمنوا بقرابة الدم هذه، فقد خرجوا إلى صفوف الاشتراكية الليبرالية أو الماركسية في صيغة إنسانية عامة أو إلى مواطنة العالم، ولم يصلوا إلى الكيبوتس، أي أن انغلاق الكيبوتس العائلي (وربما الجيتوي) على نفسه لم يكن تطوراً عرضياً وإنما كان أمراً كامناً منذ البداية، وكانت الصهيونية «الدموية» ، أي التي تستند إلى قرابة الدم، أساس بقائه الحقيقي رغم ادعاءاته الاشتراكية الصاخبة.
الكيبوتس: الأزمة والعزلة
‏Kibbutz: Crisis and Isolation
تناولنا في المدخل السابق تلك التطورات والتناقضات التي تفاعلت داخل الكيبوتس وأدَّت إلى تحول بعض سماته البنيوية. ولكن ثمة عوامل أخرى تخص علاقة الكيبوتس ككل مع المجتمع الاستيطاني في فلسطين المحتلة أدَّت إلى أزمته وعزلته.
1 ـ قيام الدولة الصهيونية:
من المعروف أن عدد الكيبوتسات لم يزد كثيراً بعد عام 1948، بل انخفض عدد سكان الكيبوتسات بالنسبة لعدد السكان في الكيان الاستيطاني من 7.1% عام 1947 إلى 3.7% عام 1962، وقد زاد عدد سكان الكيبوتسات قليلاً بعد ذلك التاريخ، ولكن مع هذا لا يمكن القول بأن الكيبوتس استعاد ما كان له من جاذبية وبريق. ويقال إنه بانتهاء مرحلة الاستيطان الأولى (حتى عام 1948) انتهى دور الكيبوتس وتحوَّل إلى مؤسسة لا تتمتع بمركزيتها السابقة، وأصبح دورها مقتصراً على أعضائها وحسب. كما يقال إن أعضاء الكيبوتس لم يعودوا رواد الاستيطان وطليعة التجمع الاستيطاني، كما كانوا من قبل، وإنما هم عاملون بالصناعة ومديرو أعمال صناعية ومستهلكون مترفون.

إن الكيبوتس باختصار ـ حسب هذا الرأي ـ لم يعد سوى مجرد جيب خاص، مغلق على نفسه، ولم يعد يعبِّر عن الآمال الصهيونية. فالكيبوتس قبل عام 1948 كان أداة الاستيطان والاستيعاب الكبرى، ثم حلت الدولة الصهيونية محل الكيبوتس في أداء كلتا الوظيفتين بعد عام 1948. فالاستيلاء على الأرض العربية تقوم به المؤسسة الصهيونية الحاكمة من حكومة وشرطة ومخابرات وأجهزة قمعية أخرى، وبخاصة الجيش الذي أوكلت إليه مهمة القتال وقمع أية محاولات عربية لاسترداد الأرض (وإن كانت عملية الاستيطان قد ظلت تابعة للوكالة اليهودية، قبل إنشاء الدولة وبعده، فهي التي تقوم بتمويلها، ولكن الذي اختلف هو أدوات التنفيذ، إذ حل محل الإرهاب الكيبوتسي الإرهاب الحكومي، الذي يشكل الكيبوتس جزءاً منه وحسب) .
وهذا القول ينطبق على استيعاب المهاجرين، إذ أصبحت هناك أجهزة حكومية خاصة أوكلت لها هذه المهمة. وقد أثبت الكيبوتس بالذات عدم كفاءته في المهمة الاستيعابية، حيث إنه مؤسسة متماسكة لها قيمها الخاصة وإحساسها بمكانها ومكانتها، بينما كان المتوقع منها كمؤسسة استيعابية أن تفتح ذراعيها لكل المستوطنين الجدد بغض النظر عن انتمائهم العقائدي أو العرْقي، وهو الأمر الذي رفضه المهيمنون على الكيبوتس باعتبار أنه سيفقده تماسكه وشخصيته المستقلة والفريدة، ومكانته الخاصة.
ولعل من أهم العوامل التي أدَّت إلى تآكُل مكانة الكيبوتس وصول الليكود برئاسة بيجن ومن بعده شامير إلى السلطة عام 1977. فمن المعروف أن الكيبوتس كان تابعاً دائماً للصهيونية العمالية التي يمثلها المعراخ العمالي الذي حكم الكيان الصهيوني منذ تأسيسه حتى عام 1977. وعندما كانت الأحزاب العمالية في الحكم وكانت معظم قياداتها مثل بن جوريون وبيريس ورابين من أبناء الكيبوتس، كانت الكيبوتسات تتمتع برعاية الدولة ومعوناتها وتسهيلات أخرى عديدة، وهو أمر لم يستمر بطبيعة الحال مع صعود الليكود إلى الحكم.

2 ـ الأزمة الاقتصادية:
الكيبوتس يعتمد في تمويله على المؤسسة الصهيونية، فهو ليس استثماراً اقتصادياً، ومع هذا يُلاحَظ ارتباك أحواله المالية) وإن كان يجب ألا نفصل ذلك عن الوضع الاقتصادي المتردي بشكل عام في الكيان الصهيوني (. ويبدو أن الكيبوتسات، شأنها شأن كثير من المؤسسات والأفراد في المجتمع الصهيوني، قد دخلت حلبة المضاربات (وأعمال الجيتو الهامشية الطفيلية) . فقد تراكمت على مر السنين أرباح الكيبوتسات، ولكن بدلاً من إعادة استثمارها في الاقتصاد بشكل إنتاجي، راح أعضاء النخبة الاشتراكية في إسرائيل يبحثون عن الأرباح السريعة والثروة الفورية عن طريق المضاربات وشراء السندات، حتى أصبح هذا النوع من الاستثمار يشمل ثلث دخل الكيبوتسات (وهكذا ينتقل الكيبوتس من الزراعة إلى الصناعة ومن الصناعة إلى سوق الأوراق المالية ـ والطفيلية والهامشية) .
3 ـ عزلة الكيبوتس البنيوية والثقافية:

من المشاكل الرئيسية التي يواجهها الكيبوتس في الوقت الحالي ازدياد عزلته وانفصاله عن المجتمع الصهيوني، وهو ما يزيد تآكُل مكانته. والكيبوتس بحكم تكوينه خلية مغلقة، يتبع نمط حياة مستقلة يختلف عن نمط الحياة المحيط به في عديد من الوجوه، رغم أنه يبلور تقاليد هذا المجتمع ويخدم أهدافه. والكيبوتس في هذا يشبه طبقة المماليك الذين كانوا ينشئون في خلايا اجتماعية مغلقة، يتعلمون ويتدربون على حمل السلاح في عزلة عن المجتمع، رغم أنهم الطبقة المحاربة الأساسية وربما الوحيدة فيه. ويمكن القول بأن اتجاه الكيبوتس التدريجي نحو الصناعة قد يؤدي به، في نهاية الأمر، إلى الامتزاج بالمجتمع الصهيوني، ولكن يبدو أن حركة الكيبوتسات شيَّدت مؤسستها الصناعية المستقلة التي تقوم بتمويل المشروعات الصناعية الكيبوتسية وتسهيل التعامل بين القطاعات الصناعية الموجودة في كل كيبوتس، ولذا نجد أن القطاع الصناعي في الكيبوتس منغلق على نفسه، منفصل اقتصادياً عن بقية البيئة، شأنه في هذا شأن الكيبوتس نفسه.
وانفصال الكيبوتس ثقافياً أمر واضح للجميع، ويقال إنه أصبح يشكل الآن ثقافة مستقلة داخل إسرائيل، فأطفال الكيبوتس يذهبون إلى مدارس خاصة بهم منذ الطفولة إلى أن يبلغوا الثامنة عشرة من العمر، وحتى بعد أن يذهبوا إلى الجامعة ويتخرجوا فيها، فهم يحتفظون بانفصالهم وتميزهم. وكما بيَّنا في مدخل سابق يتبع أعضاء الكيبوتس نمط حياة مترفاً يختلف عن نمط حياة بقية أعضاء المجتمع الصهيوني، الأمر الذي يعمق من عزلته الحياتية والثقافية. إن الكيبوتس كخلية صهيونية طليعية تحوَّل إلى تشكيل ثقافي طبقي قَبَلي (أو عائلي) مستقل، ومن هنا ازدادت عزلته وتآكلت مكانته.
4 ـ انحسار الأيديولوجية الصهيونية وأثرها على الكيبوتس:

ولكن لعل العنصر الأساسي المؤثر في الكيبوتس وهو العنصر الذي بدأ يغيِّر توجهه وأهدافه بعمق، هو انحسار الأيديولوجية الصهيونية تدريجياً، التي بدأت تتحول من كونها دليلاً للعمل لأعضاء التجمع الصهيوني إلى محط سخريتهم. وقد أشرنا في مدخل سابق إلى أن الشحنة العقائدية الأولى التي دفعت الصهاينة إلى الاستيطان في فلسطين في ظروف صعبة جداً، كانت تخفي قدراً كبيراً من العلاقات التقليدية وقرابة الدم ـ أو ما يمكن تسميته أيضاً «الانغلاق الجيتوي» ، وأن الحديث عن الأممية والأخوة الإنسانية كانت من قبيل الديباجات التسويغية. ومهما كان الأمر، فإن هذه الديباجة التي كانت تجعل الصهيوني مقاتلاً شرساً قد استُنفدت أو فترت إلى حدٍّ كبير، ولم يَعُد الدافع العقائدي واضحاً، ولم تَعُد الديباجة الاشتراكية الصهيونية هي المهيمنة أو حتى الغالبة على هذا المجتمع الصهيوني الصغير أو على المجتمع الصهيوني الكبير، كما لم تَعُد محل جاذبية حقيقية بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم.

وتتضح أزمة الصهيونية وانحسارها أكثر ما تتضح في عملية الاستيطان. فالحركة الصهيونية أصبحت غير قادرة على العثور على «يهود» لتوطينهم في المستوطنات الجديدة. ولذلك فبرغم كل الادعاءات الرنانة والبرامج الضخمة التي تهدف إلى توطين الألوف، يظل كثير من المستوطنات بدون مستوطنين (بل إن مستوطنات شمال النقب هي الأخرى مهددة بفقدان مستوطنيها) . والكيبوتس ليس استثناء من القاعدة، ففي أواخر السبعينيات بلغت نسبة الذين يتركون الكيبوتس 50% من مجموع الرجال البالغين ومعظمهم من الأعمار بين 20 ـ 30، وهي أهم أعمار بالنسبة للكيبوتس. ومنذ الستينيات أصبحت الزيادة في الكيبوتس مرهونة بالتكاثر الطبيعي هناك ومدى بقاء أعضاء الكيبوتس في مستوطنتهم، فيصل معدل الأولاد في عائلة الكيبوتس اليوم إلى ثلاثة أولاد. وحتى يضمن أي مجتمع لنفسه التجدد الطبيعي للسكان فإن المطلوب أن يبلغ عدد أولاد العائلة في هذا المجتمع ما بين 2 ـ 3 أولاد. ولكن عندما تصل نسبة من يغادرون الكيبوتسات إلى 50% فإن تَجدُّد السكان هناك يحتاج على الأقل إلى ما بين 4 ـ 5 أولاد للعائلة الواحدة. ويؤدي هذا الوضع إلى زيادة اليأس بين أعضاء الكيبوتس، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة ترك الكيبوتس ومغادرته ـ أي أن الأزمة الديموجرافية التي تهدد المشروع الصهيوني الاستيطاني قد وجدت طريقها إلى الكيبوتس.

ويظهر انحسار الصهيونية أيضاً في تغيير دوافع الاستيطان وديباجاته، فبدلاً من الحديث عن بناء الوطن القومي وتطبيع الشخصية اليهودية والذوبان في الشعب اليهودي، تقوم الوكالة اليهودية بمحاولة جذب للمستوطنين عن طريق التوجه لدوافعهم المادية النفعية، فتدفع آلاف الدولارات لبناء مستوطنات مريحة مترفة، مكيفة الهواء، فيها مستشفيات ورياض أطفال، ويقوم الجيش الصهيوني بحراستها، وتمهد لها الطرق الخاصة بعيداً عن مراكز تجمُّع العرب. ويقال إن الاستيطان يمثل الآن أكبر أسباب استنزاف الخزانة الإسرائيلية (ذلك "الصنبور الذي لا يُغلَق" على حد قول أحد المعلقين السياسيين في إسرائيل) . في مثل هذا الجو يصبح الكيبوتس غريباً، وشيئاً مرفوضاً لأن المُستوطَن الصهيوني الجديد ذا التوجه المادي النفعي لا يحترم كثيراً قيم الكيبوتس التقشفية المملوكية، وهو ما يؤدي إلى مزيد من تآكل مكانة الكيبوتس.
ولكن، لا يمكن عزل الخلية عن الجسم الأكبر، ولذا وجدت هذه القيم النفعية الفردية طريقها إلى الكيبوتس. ومن أهم المشاكل التي يواجهها الكيبوتس في الوقت الحاضر انسحاب كثير من أعضاء الكيبوتسات للعمل خارجها نتيجة ضعف الإيمان بالمبادئ والقيم الصهيونية التي تأسست عليها الكيبوتسات. والسبب الرئيسي لترك الكيبوتس الذي يذكره معظم المغادرين هو "أن الموازنة الشخصية لم تَعُد كافية لتمويل النفقات اليومية"، أي أن النموذج الفردي النفعي الذي تصوَّر مؤسسو الكيبوتس أنهم بإمكانهم القضاء عليه آخذ في تأكيد نفسه.

ويجب ألا ننظر إلى مظاهر التحول المختلفة، التي طرأت على الكيبوتس، الواحد بمعزل عن الآخر، فتآكل مكانة الكيبوتس وعزلته لا تمكن رؤيتها بمعزل عن زيادة الترف داخله أو عن تَحوُّله من التضامن الاشتراكي إلى التضامن العرْقي. ولا تمكن رؤية العنصر الأخير بمعزل عن انتشار الرؤية النفعية الفردية في المجتمع الصهيوني وداخل الخلية الكيبوتسية وانحسار الأيديولوجية الصهيونية عنهما، فهذه جميعاً ليست سوى جوانب مختلفة تعبِّر عن الظاهرة نفسها.
5 ـ اليهود الدينيون والكيبوتس:
لابد أن نشير ابتداءً إلى أن ثمة تياراً إلحادياً شرساً وقوياً داخل الحركة الصهيونية يحارب كل الأديان وضمن ذلك الديانة اليهودية نفسها. وأن الحركة الكيبوتسية التي وُلدت في أحضان الصهيونية العمالية، كانت إلحادية التوجه منذ بدايتها ترفض اليهودية قلباً وقالباً. ولا يزال هذا هو الحال في معظم الكيبوتسات. وقد كتب أحد الإسرائيليين المؤمنين باليهودية خطاباً لجريدة الجيروساليم بوست يستنكر فيه أن المتطوعين اليهود الذين أتوا من الخارج محرَّم عليهم ممارسة شعائرهم الدينية داخل الكيبوتسات، وأن مدارس الكيبوتس تعلِّم الأطفال أن ارتداء التيفلين (شال الصلاة عند اليهود) عادة من مخلفات العصور الوسطى.
وقد رد عليه أحد أعضاء الكيبوتسات في العدد نفسه وأخبره أن الكيبوتسات مؤسسة علمانية، وأن المتطوعين الذين يأتون للكيبوتسات عليهم ألا يتوقعوا من المزارع الجماعية أن تغيِّر أسلوب حياتها، وأن تقدم له خدمات تعليمية تتصل بعقائد وعادات (أي الدين اليهودي) تقع خارج نطاق طريق الحياة التي يقبلها أعضاء الكيبوتس.

إن الحركة الصهيونية كانت ولا تزال في أساسها حركة علمانية شاملة ومع ذلك أخذ الاتجاه الصهيوني الديني في التعاظم، وبخاصة منذ عام 1967. وقد عبَّر هذا عن نفسه على شكل تزايد الديباجات الدينية في الكيان الصهيوني. ولكن الأهم من هذا هو أن الحركة الاستيطانية التوسعية لم تَعُد حكراً على الصهيونية العمالية، بل على العكس أصبحت الجماعات شبه الدينية مثل جوش أيمونيم وحركة إسرائيل الكبرى، هي وحدها المطالبة بالاستمرار في الاستيطان. ولذا أصبحت العمود الفقري والقوة المحركة للحركة الاستيطانية ككل، ومعظم المستوطنات التي أُنشئت في الضفة الغربية مستوطنات صهيونية دينية، تؤمن بضرورة تبني الأشكال الدينية اليهودية (دون مضمونها الخلقي أو الروحي (.
6 ـ اليهود الشرقيون والكيبوتس:
ومما يزيد عزلة الكيبوتس أنه بالدرجة الأولى مؤسسة إشكنازية، والحركة الصهيونية قد بدأت أساساً كحركة إشكنازية تتوجه إلى يهود الغرب، ولم تحاول قط قبل 1948، أن تهجِّر يهود البلاد العربية من السفارد الشرقيين. بل إن آرثر روبين عالم الاجتماع الصهيوني، قال إن اليهودي ـ حسب تصوُّره ـ هو الإشكنازي فحسب، أما السفارد فهم ليسوا يهوداً على الإطلاق، أو على الأقل لا نصيب لهم في المشروع الصهيوني.

ولذلك حينما أُعلن قيام الدولة الصهيونية عام 1948 لم تكن دولة يهودية وإنما إشكنازية بالتحديد، ولكن مع هجرة اليهود العرب والسفارد من البلاد العربية مثل العراق واليمن ومصر والمغرب، تحوَّل التركيب السكاني في الدولة الصهيونية وأصبحت غالبية سكانها من الشرقيين. ولكن الكيبوتس مع هذا احتفظ بتركيبه الحضاري الإشكنازي. ورغم أنه مؤسسة استيطانية واستيعابية، إلا أنه لم يضم في صفوفه سوى يهود إشكناز ولم يستوعب سوى القادمين من الغرب. وإن حدث أن انضم بعض الشرقيين إلى عضوية أحد الكيبوتسات فإنهم عادةً ما يعانون من العزلة والتفرقة العنصرية. ولعل أكبر دليل على مدى عزلة الكيبوتس عن المجتمع الصهيوني ككل أن 50% من اليهود الشرقيين ممن استُطلع رأيهم، أشاروا إلى أنهم لم يروا في حياتهم أحد الكيبوتسات.

ولعل الأمر لو توقَّف عند الجهل بالكيبوتس لأصبح بالإمكان تنظيم حملة إعلامية للتوعية، ولكن من الواضح أنه أصبح مكروهاً لا من الإسرائيليين العاديين وحسب وإنما من أعضاء تجمُّع المعراخ أيضاً، أي من اليمين واليسار. أما بالنسبة لليسار فأعضاؤه يرون الكيبوتس مؤسسة "نخبوية" تتكون من "أرستقراطية ملاك الأراضي" و"رأسماليين اجتماعيين"، بل ومستغلين للطبقة العاملة. أما بالنسبة للكراهية من اليمين، سواء من أثرياء الإشكناز أم فقراء السفارد والعرب اليهود، فهي شاملة. وفي محاولة تفسير هذه الظاهرة يُقال إن الرأي الشائع في بيسان (المدينة التي دُرس موقف سكانها من الكيبوتس) هو أن الكيبوتسات استولت على خير الأراضي في فلسطين المحتلة، وأنها تحصل على القروض والتسهيلات الائتمانية. وأن هذا لا يترك الكثير للمدينة. بل إن سكان المدينة ككل يرون أن وجود الكيبوتس يعوقها عن أيِّ تطوُّر أو توسُّع، لأن الأرض المجاورة للمدينة، مجالها الحيوي إن صح التعبير، تابعة للكيبوتس. ويشكو أثرياء المدينة بالذات من أن وجود الكيبوتس جعلهم غير قادرين على شراء منازل (فيللات) خارج نطاق المدينة.

أما الفقراء فيرون أن الكيبوتس يتمتع بمستوى معيشي راق (حمامات سباحة ـ تليفزيونات ملونة ـ طمأنينة مالية) ولذا فهم يطلقون على الكيبوتس اصطلاح «إسرائيل الجميلة» أي (إسرائيل الثرية) . ويشير سكان بيسان إلى أن فرص العمل في الكيبوتس في الوظائف المهمة مغلقة دونهم، ولا يوجد سوى العمالة اليدوية الرخيصة، ومعظم سكان بيسان من المغرب. وقد سافر الأثرياء والمتعلمون منهم إلى فرنسا، ولم يهاجر إلى إسرائيل سوى الفقراء ومن لم يحصلوا على قدر عال من التعليم. ولذا، فإن علاقة الكيبوتس بالمدينة هي علاقة السيد بالخدم. وفي الوقت الذي يعاني فيه سكان المدينة من البطالة يتمتع سكان الكيبوتس بالعمالة الكاملة. ويعبِّر سكان المدينة عن سخطهم على مدارس الكيبوتس الممتازة الموصدة دون أبنائهم ويرون أن نظام التعليم الكيبوتسي المستقل لا يسهم إلا في تعميق الهوة بين أبناء «الشعب الواحد» .
وإذا كانت العلاقة بين مدينة بيسان والكيبوتس المجاور لها علاقة نمطية متكررة فيمكننا القول بأن حركة الكيبوتسات تمر بأزمة حقيقية، وأن معمل تفريخ المزارعين/المقاتلين لم يَعُد يلعب دوره السابق في الكيان الصهيوني. وبدأت تظهر أجيال جديدة من أبناء الكيبوتسات ينضمون إلى حركات الاحتجاج داخل المجتمع الصهيوني ويتعاطون المخدرات بشراهة ويرفضون التطوع للخدمة العسكرية، الأمر الذي يشكل أزمة حقيقية بالنسبة للتجمُّع الصهيوني.
7ـ رفض الخدمة العسكرية:

لوحظ في الآونة الأخيرة أن ثمة تغيرات عميقة قد طرأت على موقف أعضاء الكيبوتسات من الخدمة العسكرية ومن موقفهم العسكري تجاه الدولة الصهيونية. وفي محاولة تفسير هذا الوضع يشير بعض المحللين إلى أزمة الكيبوتس وعوامل الصراع داخله. فالكيبوتس كما قلنا مؤسسة عسكرية/زراعية تتسم بالجماعية والتقشف وتهدف إلى تفريخ الجنود الصهاينة. ولذلك حينما تبدأ المرأة داخل الكيبوتسات المطالبة باستعادة دورها كأم وكزوجة، وحينما تطالب بإرجاع الأسرة كمؤسسة فإنها بذلك تمثل تحدياً للتوجه العسكري العام للكيبوتس الذي يحاول عزل الفرد عن العلاقات الأسرية حتى يصبح محارباً كاملاً.
والشيء نفسه ينطبق على زحف مظاهر الترف على الكيبوتس من أجهزة تليفزيون ملونة إلى رحلات للخارج، فالترف هو الآخر يصيب الروح العسكرية بالتراخي، كما أن تحوُّل الكيبوتس من الزراعة إلى الصناعة يعني تحوُّله إلى مؤسسة صناعية تعتمد على العمل الأجير، بحيث يتحول عضو الكيبوتس من فلاح يمارس العمل اليدوي ويزداد خشونة واعتماداً على النفس إلى مدير أعمال يأنف من العمل اليدوي ويغرق في الأعمال الذهنية! والأيديولوجية الصهيونية نفسها ـ كما أسلفنا ـ آخذة في التآكل، وبدأ يحل محلها أيديولوجية فردية، حيث يضع المواطن الصهيوني مصلحته فوق مصلحة الوطن.
وقد انعكس كل هذا على سلوك أعضاء الكيبوتس نحو أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه، إذ يُلاحَظ زيادة الفردية بينهم والرغبة في التعبير عن الذات، وخصوصاً أن الكيبوتس يعاني من العزلة في مجتمع معظم توجهاته الآن استهلاكية ترفية. ولذا فعضو الكيبوتس الذي يؤثر مصلحته الشخصية على مصلحة المجتمع ككل إنما يبيِّن أنه ابن المجتمع، مجتمع الكيبوتس الصغير والمجتمع الصهيوني الكبير. ويربط بعض المراقبين بين هذه الاتجاهات الفردية وبين زيادة هجرة أعضاء الكيبوتس من إسرائيل.

وفي مجال تفسير ظاهرة العزوف عن الخدمة العسكرية يمكن القول بأن الجيل الجديد لم يَعُد مشغولاً بمشكلة "أمن" إسرائيل انشغال الأجيال السابقة، وخصوصاً أنه أصبح يرى المجتمع الصهيوني بنفسه وقد تحوَّل إلى مجتمع توسعي بشكل صريح له مطامح استعمارية واضحة. إن أكذوبة «جيش الدفاع الإسرائيلي» (الاسم الرسمي للجيش الصهيوني) لم يَعُد من الممكن تقبلها، فهذا الجيش الدفاعي يصول ويجول في لبنان ويرسل قذائفه لضرب المفاعل الذري في العراق، ويتحدث رؤساؤه عن أمن إسرائيل الذي يمتد من باكستان إلى المغرب وعن إعادة رسم حدود العالم العربي بما يتفق والمخطط الصهيوني ويقوم أبناؤه بكسر عظام المنتفضين.
كما أن هذا المواطن الإسرائيل عضو الكيبوتس، قرأ الكثير من الحقائق عن الإرهاب الصهيوني، ورأي بنفسه على شاشة التليفزيون ومن خلال وسائل الإعلام الأخرى، المذابح الصهيونية في صبرا وشاتيلا وقانا، وهي مذابح يصعب وصفها بأنها دفاعية.
كما أن المجتمع الصهيوني بادعاءاته الديموقراطية عن نفسه يسمح بإدارة كثير من المناقشات العلنية عن الحرب وأسبابها، وهو أمر يولِّد شكوكاً عديدة في نفس المستوطن الصهيوني.
وأخيراً لا يمكن أن ننسى عاملاً أساسياً وهو أن هذا المستوطن الصهيوني في حالة حرب دائمة مع العرب منذ عام 1882، العام الذي وطئت فيه أقدام أجداده من المستوطنين أرض فلسطين، وهي حرب لم يخمد لها أوار، بل ازدادت اشتعالاً، رغم أنه وقَّع عدة «معاهدات سلام» .
لكل هذا نجد أن ثمة تصدعات في جدار الكيبوتسات العسكري الصارم، وأنها لم تَعُد معمل تفريخ الجندي الصهيوني كما كانت من قبل.

هذا الإطار يفسر موقف كثير من أعضاء الكيبوتسات الذين يرفضون الذهاب إلى القتال، بل يرفضون المؤسسة العسكرية الصهيونية برمتها، وينضمون إلى حركات الرفض. وهم يتحدثون عن دعاة الحرب باعتبارهم «الكولونيلات» (وهي كلمة لها إيحاءات سلبية، إذ تشير إلى الدكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية أو إلى حكومة الضباط في اليونان في منتصف السبعينيات، الذين يعتنقون العسكرية والغزو) .
وقد أفصح بعض أعضاء الكيبوتس عن مخاوفهم من "أن يموتوا دونما هدف" في لبنان "فهي ليست حربنا، إذ فرضها علينا بيجن وشارون فرضاً". وهذا الموقف الرافض يعبِّر عن نفسه من خلال أغنية شائعة في الكيبوتسات الآن تقول: اشرب وصاحب النساء ... فغداً سوف تذهب هباءً.
وحتى لا نتصور أن أعضاء الكيبوتسات جميعاً قد أصبحوا فجأة من الرافضين، أو أنهم ينادون بالعدالة والانسحاب من فلسطين، يجب أن نُذكِّر أنفسنا ببعض الحقائق وهي أن 20% من كل الضباط الجدد في الجيش الإسرائيلي هم من أعضاء الكيبوتس، وأن 83% من شباب الكيبوتس ينضمون للوحدات الخاصة. فالكيبوتسات لا تزال مؤسسة عسكرية صهيونية تحمل لواء الاستيطان والاغتصاب. ولكن بسبب أهميتها وحيويتها ومركزيتها فإن أي تغيُّر قد يطرأ عليها (حتى ولو كان صغيراً) وأية أزمة تواجهها (مهما كانت أبعادها) تُعَدُّ أمراً بالغ الخطورة والأهمية.
الخصخصة وتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي (العمالي (
‏Privatization and the Normalization of Israeli (Labour) Economy

ظهر اتجاه في إسرائيل يطالب بالتخلي عن الاقتصاد العمالي التعاوني (الاستيطاني) وتهميش مؤسساته وإدارة الاقتصاد الإسرائيلي على أساس الاقتصاد الحر وأولويات المنطق الاقتصادي المعتادة، عَبْر تقليص دور الدولة والقطاع العام وتحويل الاقتصاد الإسرائيلي العمالي إلى اقتصاد رأسمالي، بعد أن فَقَد قدرته على مواجهة المشكلة الاقتصادية منذ مطلع السبعينيات بسبب الآثار السلبية لإشراف الدولة المباشر على الاقتصاد، ومناخ الاعتماد على المساعدات. ومما يساعد على هذا الاتجاه الاتجاهات السائدة الآن في العالم من اتجاه نحو الخصخصة والعولمة وهو اتجاه تضغط في اتجاهه الولايات المتحدة حتى تستطيع إسرائيل أن تلعب دوراً اقتصادياً في منطقة الشرق الأوسط بحيث يتراجع دورها القتالي إلى حدٍّ ما. ولا شك في أن الليكود يرى أن فك الاقتصاد العمالي يؤدي إلى تفكيك القواعد الانتخابية لحزب العمل المتمثلة في الهستدروت والكيبوتس وغيرها من المؤسسات. وقد تبنَّى حزب العمل هذه السياسة أيضاً وتوسَّع في الإجراءات الرامية للإصلاح الاقتصادي منذ عودته للحكم عام 1992.
ولكن هذا الاتجاه يصطدم بالحقيقة البنيوية الأساسية وهي أن الطبيعة الاستيطانية الإحلالية للكيان الصهيوني (الهجرة الاستيطانية ـ الاستيعاب ـ التوسع ـ الأمن ـ قمع السكان الأصليين) تتطلب ترتيب الأولويات الاقتصادية بصورة تختلف عن متطلبات السوق في إطار النظام الرأسمالي. فالبنية الاقتصادية الرأسمالية (الليبرالية/الاقتصادية) تتناقض مع متطلبات التوسع الصهيوني (جغرافياً ـ بشرياً) وضرورة التفوق العسكري وأولوية إنتاج الأسلحة المتطورة وتوزيع المدخرات وفق هذه الأولويات الإستراتيجية وليس وفق الكفاءة الاقتصادية. فأهم
سمات الاقتصاد الإسرائيلي أنه اقتصاد محمي (بالإنجليزية: بروتكتيد إيكونومي (protected economy.

ويمكن أن نضرب بعض الأمثلة على أسبقية الضرورات الاستيطانية على الاعتبارات الاقتصادية. كانت نسبة البطالة في إسرائيل عام 1993 حوالي 11% (أعلى معدل في تاريخ إسرائيل) وكانت نسبتها بين المهاجرين السوفييت 30%. فلو كانت الاعتبارات الاقتصادية تسبق الضرورات الاستيطانية لأوقفت الدولة الصهيونية (الاستيطانية) الهجرة من الخارج، ولكنها مع هذا ظلت تشجع المهاجرين وتلتزم بمنحهم معونات مالية سخية لتحقيق مستوى معيشي مرتفع بل التزمت إيجاد أعمال لهم. ويتم كل هذا بالاستدانة من الخارج (عشرة مليارات دولارات) . والاستدانة هنا لا تتم بهدف زيادة الاستثمارات أو توسيع رقعة الاقتصاد الحر أو توفير المزيد من الخدمات للمجتمع وإنما تحقيق هدف استيطاني هو تشجيع الهجرة للوافدين بغض النظر عن مقدرة المجتمع الإسرائيلي الاستيعابية، وبغض النظر عن قلق اليهود الشرقيين من هجرة مجموعة من الإشكناز ستدفعهم درجة أو درجتين أسفل السلم الاجتماعي والطبقي، وبغض النظر عن استجابة السكان الأصليين الذين يرون أن مثل هذه الهجرة هي في واقع الأمر تكريس لوضع التشرد والغربة الذي يعيشون فيه وهو ما يزيد مقاومتهم.
ويمكن أن نضرب مثلاً آخر من قطاع البناء، الذي يُعَد من أهم القطاعات في الاقتصاد الإسرائيلي، والبناء يعني بالدرجة الأولى بناء المستوطنات، وهي عملية استيطانية محضة، غير خاضعة لمعايير الجدوى الاقتصادية العادية. إذ يتم اختيار موقع المستوطنة بناءً على اعتبارات عسكرية. وقد يحتاج الأمر لنزع ملكية أراضي بعض العرب وطردهم منها (الأمر الذي يسبب المزيد من المقاومة التي تسبب بدورها خسارة اقتصادية) . ثم يتم تأسيس المستوطنة قبل أن يكون هناك مستوطنون، ثم يُعلَن عن تأجير المنازل فيها بأسعار غير اقتصادية لجذب المستوطنين، وتتم حراستها بتكلفة باهظة.

والعمالة العربية أساسية في قطاع البناء، ولو كانت الاعتبارات الاقتصادية هي الأهم لتم تشغيل آلاف العرب فيها بشكل دائم ومستمر. ولكن مثل هذا الوضع يهدد أمن إسرائيل العسكري والاجتماعي إذ يعني سقوط قطاع اقتصادي مهم في أيدي السكان الأصليين ووجودهم بشكل دائم داخل تجمُّع المستوطنين. كما أن السلطات العسكرية كثيراً ما تضطر إلى منع العمال العرب من الذهاب إلى مواقع أعمالهم بعد قيام أحد العرب بإحدى العمليات "الإرهابية" أو "الانتحارية" ("الفدائية" أو "الاستشهادية" في مصطلحنا) . وحيث إن المستوطنين الصهاينة يرفضون العمل في أعمال يدوية مثل البناء فإنه يتم استيراد عمال كوريين وفلبينيين ورومانيين!
وحالة قطاع البناء هي حالة ممثِّلة لكثير من الحالات. إذ ينطبق الشيء نفسه على الزراعة الإسرائيلية. فلو سادت الاعتبارات الاقتصادية لتم استخدام الأيدي العاملة العربية على نطاق أوسع في الكبيوتسات والمزارع الجماعية وبشكل أكثر علنية ورشداً. ولكن مثل هذا الأمر يتناقض مع المُثُل العليا الصهيونية ومع قوانين الصندوق القومي اليهودي الذي ينص على ضرورة ألا يعمل في الأرض التي يمتلكها الشعب اليهودي سوى اليهود (ومع هذا "يتسرب" العرب بأعداد كبيرة في قطاع الزراعة وقطاع البناء وغيرها من القطاعات الاقتصادية (.
ويمكننا القول بأن ما يُقال له "الطرق الالتفافية" هي صورة متبلورة لأسبقية الاستيطاني على الاقتصادي، فهي طرق تكلف الكثير لإنشائها وحراستها، ومع هذا تستمر الدولة الصهيونية في تشييدها حتى لا تحدث أية مواجهة بين المستوطنين والسكان الأصليين وحتى يتمتع المستوطنون بعزلتهم!

ويُعتبَر قطاع الخدمات بصفة عامة أهم قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي بلا استثناء، فهو يمثل نحو 78.4% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي عام 1994، بينما يمثل قطاع الصناعة 16.8% والزراعة 4.8% في العام نفسه، طبقاً لبيانات تقرير البنك الدولي الصادر عام 1996. ويبدو هذا الوضع شديد التطرف حيث يشكل قطاع الخدمات نسبة أعلى حتى من الدول الصناعية التي يتزايد فيها الوزن النسبي لهذا القطاع، وتقترب هذه النسبة من مثيلتها في هونج كونج التي تُعَد مركزاً مالياً وتجارياً وإقليمياً ودولياً بالأساس وتعتمد على علاقاتها بالاقتصاديات الأخرى. وتعود ضخامة قطاع الخدمات لكون إسرائيل مجتمعاً استيطانياً يتلقى مساعدات وتحويلات ضخمة من الخارج (انظر: «المعونات الخارجية للدولة الوظيفية» ) ، ويقوم بإنفاق أجزاء كبيرة منها على خدمات لم يكن الاقتصاد الإسرائيلي ليتمكن من توفيرها لولا المساعدات الخارجية. كما أن التجمُّع الصهيوني يلجأ دائماً لرشوة المهاجرين حتى لا ينزحوا عن المستوطن الصهيوني. ومن ثم فإن ضخامة قطاع الخدمات هو ضرورة بنيوية للمجتمع الاستيطاني ولا يمكن تقليصه.
ورغم كل هذه العوائق البنيوية إلا أنه تم الإعلان عن برنامج موسَّع للخصخصة في التسعينيات يتم على أساسه بيع جزئي وكلي لبعض المشروعات العامة، واتباع سياسات التحرير الاقتصادي في المجالات المالية والنقدية والائتمانية. وقد شهد الاقتصاد الإسرائيلي، منذ منتصف الثمانينيات، تزايداً في وزن القطاع الخاص مقابل ضمور وزن القطاع العام الذي يشمل ملكية الدولة والهستدروت، وذلك من ناحية العمالة والمؤسسات في القطاع الصناعي. حيث بلغ نصيب القطاع الخاص من العمالة 77.8% عام 1994 بعد أن كان 66.6% عام 1985، في حين بلغ نصيب القطاع العام 22.2% في نفس العام بعد أن كان 33.4% عام 1985، وبلغ نصيب القطاع العام من المنشآت الصناعية 2.7%، والقطاع الخاص 97.3%.

ومع عودة الليكود إلى الحكم عام 1996، فإن المصلحة السياسية لليكود قد تجعله يندفع في اتجاه تقليص القطاع العام الذي هيمن عليه تاريخياً أشخاص ينتمون لحزب العمل، فجاء في برنامج الليكود أن الحكومة ستقوم بخصخصة الشركات الحكومية كافة باستثناء الشركات أو بعض أقسام الشركات التي لها تأثير أمني.
ولكن ثمة تناقض أساسي بين هذا الاندفاع الليكودي نحو الخصخصة وأيديولوجية نيتنياهو الاقتصادية المعلنة. فهي، على حد قول عزمي بشارة، أيديولوجية يمينيةتتماثل مع الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وكلمة الخصخصة هي المفتاح، وتخفيض المصروفات العامة، وبالتالي الضرائب أيضاً. ولكن قاعدة حزب الليكود البشرية وقاعدة حزب شاس مثلاً، تضم في صفوفها أوساطاً واسعة من المسحوقين، والطبقات الوسطى الدنيا، ومن المهمشين اقتصادياً، وإذا ما تابعت الحكومة سياسة الخصخصة فلابد من تفجُّر صراع داخل الائتلاف الحاكم وداخل الليكود نفسه. ويلوح أيضاً تناقض بين الموقف القومي اليميني الأمني التوجه والداعي إلى تجنيد طاقات المجتمع كافة في المواجهة وبين الموقف الليبرالي الاقتصادي، فالنزعة الأولى تتطلب التعامل مع المجتمع كجماعة عضوية وليس مجرد سوق. وللتعويض عن فقدان أواصر التكافل الاجتماعي أمام بروز الفوارق الطبقية، وتراجع القطاع العام أمام قوانين السوق تزيد القوى اليمينية في ديماجوجيتها القومية. وسوف تزيد من الاهتمام المعطى للتربيةالدينية اليهودية، وكل ما من شأنه إعادة إنتاج الجماعة العضوية في الوعي بعد غيابها في الواقع.

غير أن هناك رأي يذهب إلى أن إسرائيل ستحاول، رغم كل هذا، التكيف مع المتغيرات العالمية، وخصوصاً بعد نشوء منظمة التجارة العالمية وسريان اتفاقيةالجات، وأنها ستعمل على تحرير اقتصادياتها من القيود الحكومية والبيروقراطية، بل إنها سارت فعلاً على هذا الطريق، وأن ما سيذلل لها كل الصعوبات ويحل سلبيات وأعباء إعادة الهيكلة والخصخصة ليس الأساليب العادية التي تتبعها أية دولة أخرى في ظروف مماثلة، وإنما من خلال المساعدات والتبرعات والقروض، ومن خلال الاندماج السهل بين الشركات الإسرائيلية والشركات المتعددة الجنسيات، وخصوصاً أن لدى هذه الأخيرة فروعاً وأسهماً في إسرائيل وفي شركاتها العامة والمشتركة. وهذا التحرير لن ينعكس سلباً لا على مستوى رفاهية المجتمع الإسرائيلي، ولا على أولويات إسرائيل الاقتصادية، ولا على مستوى دعم الإنفاق العسكري للأسباب المذكورة آنفاً.
ونحن نميل إلى القول بأن عملية تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي المحمي وخصخصته هي مسألة صعبة جداً إن لم تكن مستحيلة بسبب وضع التجمُّع الصهيوني كتجمُّع استيطاني وما نجم عن ذلك من سمات بنيوية تقف عائقاً في طريق التطبيع. كما أن الهاجس الأمني يقوِّض كثيراً من محاولات التطبيع، إذ أن الإجراءات الأمنية المشددة تعوق تدفق السلع والعمالة.
التسوية السلمية وتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي (العمالي (
‏Peaceful Settlement and the Normalization of Israeli (Labour) Economy

يُعَد شيمون بيريز صاحب الدعوة الأشهر لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي إقليمياً، وإنهاء حالة العزلة الإقليمية للاقتصاد الإسرائيلي. فالمشروع الإسرائيلي، في ظل عملية التسوية، يقتضي توفير مناخات اقتصادية تطبيعية تهمش بل تلغي الشأن القومي التاريخي، وتحل محله شأناً جيو/اقتصادياً جديداً، وهذا ما دعاه «الشرق الأوسط الجديد» باعتباره وحدة متكاملة اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، ليصبح جاذباً أساسياً للاستثمار الأجنبي وجسراً وحيداً للاقتصاد الإقليمي والدولي معاً.
وتحدث البعض في إسرائيل عن «الصهيونية الاقتصادية» و «الصهيونية التقنية» اللتين تشكلان تحولاً وانتقالاً إلى مرحلة الهجوم الاقتصادي الموسعة مع تَقدُّم عملية التسوية وهو ما يقود إلى رفع معدل النمو الاقتصادي بما يجلبه من زيادة الاستثمار في مجال البنية التحتية والمشروعات المشتركة مع الدول العربية، وفتح أسواق جديدة في المنطقة وخارجها بعد وقف المقاطعة الاقتصادية العربية، واعتماد الشركات متعددة الجنسيات إسرائيل مركزاً إقليمياً.
وقد بدا واضحاً أن المطلوب هو دمج إسرائيل في المنطقة، إلا أن الإشكالية لا تتعلق بالاندماج في حد ذاته، وإنما بشروط هذا الاندماج. فالاندماج الأمثل باقتصاديات المنطقة، من وجهة النظر الإسرائيلية، يجب أن يتم من خلال سيطرة إسرائيل على عمليات الوساطة المالية بالمنطقة وتنفيذ مشاريع مشتركة في مجالات محددة تتم بإشراف الأجهزة الحكومية حتى لو قام بتنفيذها القطاع الخاص، وهي مشروعات يمكن أن تتم بين أنظمة اقتصادية تختلف بعضها عن بعض كلياً. أما النوع الثاني من الاندماج الذي يتم عَبْر إقامة منطقة تجارة حرة فهو مرفوض لأنه يتطلب إحداث تغييرات بنيوية في اقتصاد كل الدول المشتركة لإزالة التباين بينها وهو ما يتطلب تقليص دور الدولة، وترك المبادرة للقطاع الخاص.

إن خصائص الاقتصاد الإسرائيلي وحمائيته تحول دون إمكانية اندماجه في إطار النوع الثاني، فالدولة الاستيطانية الصهيونية، لن تقبل رفع يدها عن التدخل في المجال الاقتصادي، نظراً إلى ما سيحدثه ذلك من آثار في مستويات المعيشة، ونظراً لما يتطلبه استمرار هجرة اليهود من استثمارات ودعم حكومي حيث يبرز التناقض بين الاعتبارات الاقتصادية والاعتبارات الاستيطانية.
ومن الأسباب الأخرى التي تعوق اندماج إسرائيل في المنطقة هو تجارة إسرائيل الخارجية التي تحتل موقعاً مهماً في الاقتصاد الإسرائيلي. فالحجم الأكبر من هذه التجارة يتجه إلى الدول الرأسمالية، وخصوصاً الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي، ويظل الهدف الإسرائيلي الرئيسي توطيد علاقاتها الاقتصادية بتلك الدول، واعتبار دول المنطقة بمنزلة "حديقة خلفية" لإسرائيل. كما أن هيكل الصادرات الإسرائيلية لا يساعد على الاندماج التجاري بالمنطقة، إذ أن القوة الشرائية في أغلب دول المنطقة لا تسمح بأن تكون المنطقة سوقاً للماس، كما أنه من غير المنتظر أن تقوم إسرائيل بتصدير السلاح، أو التكنولوجيا (العسكرية بالأساس) إلى الدول العربية. بالإضافة إلى كل هذا يمكن أن نشير إلى تَشوُّه هيكل الأسعار في إسرائيل، فهي لا تتحدد وفقاً لاعتبارات العرض والطلب وإنما تتم، في إطار نموذج الصهيونية العمالية الذي لا يزال سائداً، وفقاً لعمليات معقدة من التفاوض السياسي. فسعر البيض مثلاً يتحدد عن طريق مفاوضات بين وزارتي المالية والزراعة من جهة، ومن جهة أخرى منظمات مربي الدواجن (التي يدعمها الصندوق القومي اليهودي والوكالة اليهودية) ... إلخ. فالاقتصاد الإسرائيلي مُسيَّس بشكل كبير وهو ما يضفي عليه طابعاً حمائياً عالياً ويحد من إمكانيات اندماجه تجارياً مع المنطقة. ومن هنا فإن مصلحة الاقتصاد الإسرائيلي لا تتمثل في تحرير التجارة في المنطقة، وإنما في القيام بدور الوسيط الذي يقوم بتسويق المنطقة

للخارج (وخصوصاً في برامج السياحة) ، بالإضافة إلى تسويق الخارج للمنطقة، وهو الأهم للمنطقة، عن طريق استثمار علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة وأوربا (أو حتى مجرد الإيحاء بأنها تستطيع التسويق لخارج المنطقة) . كل هذا يعني أن الدولة الوظيفية القتالية أصبحت دولة وظيفية ربوية.
إن من الخطأ الشديد تهميش أهمية ومعاني البُعدين السياسي والأمني في تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وتكشف المبالغة في أهمية مدلولات البُعد الاقتصادي للتسوية عن غياب الإلمام الكافي ببنية الاقتصاد الإسرائيلي وتوجهاته وتحولاته، وخصوصاً أن المردود الاقتصادي للتسوية السياسية على إسرائيل لا ينحصر في حدود علاقتها بالمنطقة، بل يتعدى ذلك إلى توطيد وتوسيع علاقاتها بمراكز الاقتصاد العالمي، وربما كان هذا هو الجانب الأهم من زاوية رؤية الدولة الإسرائيلية لمستقبلها، حيث تستمر في أداء وظيفتها كوكيل للقوى الدولية للمحافظة على مصالحها في المنطقة.
ويمكن القول بأنه رغم طموح اليمين الإسرائيلي للاستفادة من مكاسب تطبيع العلاقات الاقتصادية مع العرب، إلا أن برنامجه السياسي، الذي لا يعطي أولوية للطرح الشرق أوسطي، يُعرْقل عملية التطبيع الاقتصادي مع العرب، وينشط العلاقات مع الدول الغربية بالإضافة إلى الدول النامية الأكثر تقدُّماً مثل كوريا الجنوبية والهند والصين.

أما على المستوى الدولي، فتركز الاتجاهات الرامية لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي على مستقبل التدفقات الرأسمالية على إسرائيل في مرحلة ما بعد انتهاء، أو على الأقل احتمال انخفاض، المعونات. حيث تسعى إسرائيل حالياً لجذب نوع مختلف من رؤوس الأموال سواء في شكل استثمارات أجنبية مباشرة FDI أو في شكل استثمارات في حوافظ الأوراق المالية (بالإنجليزية: بورتفوليو إنفستمنت Portfolio Investment) ، وفي هذا الإطار تم إنشاء ما يُعرَف بصندوق إسرائيل الأول الذي بدأ طرح أوراقه المالية في البورصات منذ أكتوبر 1992.
ولكن الاقتصاد الإسرائيلي سيظل في حاجة ماسة إلى المعونات، وفي هذا الصدد تثير إسرائيل قضية الذهب الألماني في المصارف السويسرية بهدف الحصول على مساعدات وتعويضات تصل إلى حوالي 40 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة.
وتتركز تجارة إسرائيل الخارجية مع الدول الغربية، ففي عام 1994 استوعبت سوق الولايات المتحدة 31% من صادرات إسرائيل وغطت 18% من الواردات الإسرائيلية، وبلغت النسبتان 29.2% و53.6% لدول الاتحاد الأوربي. وبقدر ما تتيحه هذه العلاقة الاقتصادية من فرص لتعظيم قدرة إسرائيل الاقتصادية، بقدر ما تكشف عن قدر الضغط الذي يستطيع شركاء إسرائيل أن يمارسوه عليها لتستمر الدولة الوظيفية داخل الإستراتيجية المعدة لها.

ومن المؤكد أن هذه التوجهات، التي يتبناها حالياً جهاز الدولة في إسرائيل، لا تتعارض فقط مع أدبيات الصهيونية العمالية، وإنما تصطدم أيضاً بمصالح فئات عديدة داخل المجتمع الإسرائيل وخارجه، الأمر الذي ينقل المناظرة حول تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي إلى مستوى أكثر تركيباً، حيث يصبح السؤال: هل مستقبل الدولة مرهون بالتخلي عن المشروع الصهيوني؟ أم أن الفترة القادمة ستشهد صيغة تلفيقية، ولا نقول توفيقية، تجمع بين صهيونية الخطاب وبعض الممارسات، على الصعيد السياسي والعسكري مثلاً، وتدويل الممارسات الاقتصادية، وهو ما تحاول إسرائيل أن تقدمه حالياً؟ وفي هذه الحالة فإن التساؤل يثور حول إمكانية نجاح مثل هذا النموذج.
فهذا النموذج، الذي سيستمر في إسرائيل حتى بداية القرن الواحد والعشرين على الأقل، لا يعدو أن يكون مجرد مسكن لا علاجاً للأزمة، وهو يحوي من التناقضات ما يجعله غير قادر على الاستمرار. فالمنطق الاقتصادي الجديد، والتطبيع بمستوياته الثلاثة، يقتضي إجراء مجموعة من التنازلات السياسية لإيجاد مناخ يسمح بتدفق رؤوس الأموال (غير المسيَّسة) سواء لتمويل الخصخصة، أو في شكل استثمارات جديدة تنهي حالة الركود والتضخم، ناهيك عن دفع التعاون الإقليمي، الأمر الذي يتعارض بطبيعة الحال مع صهيونية الخطاب والممارسة السياسية.
ومن ناحية أخرى، فإن الخروج من الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الإسرائيلي، وهي في أحد أبعادها جزء من أزمة النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي الناجمة عن اتجاه معدل ربحية رأس المال نحو التناقص بشكل مستمر، قد يقتضي الاستمرار في السيطرة على الأراضي المحتلة، وهو ما يتعارض بدوره مع تقديم تنازلات سياسية لجذب رؤوس الأموال.

ومن هنا، فإن بنود الأجندة الاقتصادية التطبيعية لا تتناقض في مجموعها مع الأجندة السياسية المتشددة وحسب، وإنما تتناقض أيضاً مع بعضها البعض! ويتضح هذا التناقض بجلاء من تأمل الأجندة الاقتصادية التي أعلنها الائتلاف الحاكم في إسرائيل وما تعهَّد به من الاستمرار في الاستيطان وعدم المساس بمخصصات التعليم، في الوقت الذي سيتم فيه خفض الضرائب وتقليص عجز الموازنة العامة! والواقع أن تنفيذ هذه التعهدات (التي تعني زيادة النفقات العامة وخفض الإيرادات العامة) في وقت واحد يكاد يكون مستحيلاً من الناحية العملية.
هذه المجموعة المركبة من التناقضات تشير إلى عمق الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الصهيوني، فاستمرار نموذج الصهيونية العمالية الذي ساد منذ العشرينيات مستحيل، وتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي يهدِّد خصوصيته الصهوينية، وخصوصاً أن المنطق الاقتصادي لا يعمل في فراغ، وإنما تصطدم الأجندة الاقتصادية بأجندات أخرى سياسية وعسكرية واستيطانية، الأمر الذي يكشف مدى هشاشة النموذج الذي يحاول الالتفاف حول المعضلة الأساسية التي تفرض نفسها على الاقتصاد الإسرائيلي وتحتِّم عليه الاختيار بين أن يكون اقتصادياً، أي نمطاً رشيداً لتخصيص الموارد، وبين أن يكون صهيونياً.
الاقتصاد الإسرائيلي عام 1997
‏Israeli Economy 1997
يمثل عام 1997 نقطة تحول أساسية في الأداء الاقتصادي الإسرائيلي. فبعد فترة الانتعاش التي شهدها الاقتصاد الإسرائيلي خلال النصف الأول من التسعينيات، تراجعت معدلات النمو بشكل حاد لتبلغ 2.5% عام 1997، وارتفعت معدلات التضخم والبطالة لتصبح 12% و8% على التوالي، الأمر الذي يهدد بعودة حالة التضخم الركودي Stagflation التي عاشتها إسرائيل منذ منتصف السبعينيات، ويطرح - من ناحية أخرى - التساؤل حول أسباب هذه الأزمة، ومدى قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تجاوزها في المدى القريب.

ولا يمكن في الواقع إدراك أبعاد هذه الأزمة إلا في إطار خاصيتين أساسيتين حكمتا أداء الاقتصاد الإسرائيلي عبر مراحل تطوره المختلفة منذ إنشاء الدولة. ويمكن إجمالهما فيما يلي:
1 - هيمنة الأيديولوجيا على الاقتصاد وإعطاء الاعتبارات المتعلقة باستيعاب المهاجرين وبناء الدولة أولوية عن الاعتبارات الاقتصادية المحضة. كل هذا يفسِّر من ناحية التضخم المفرط في الإنفاق الحكومي على مشاريع البنية الأساسية اللازمة لاستيعاب المهاجرين والاستيطان خلال مرحلة النمو السريع للاقتصاد الإسرائيلي (1954 - 1973) ، ويفسِّر من ناحية أخرى عجز حكومة الليكود الأولى عن خفض العجز في الميزانية نظراً لتزايد الإنفاق الحكومي لتمويل النشاط الاستيطاني، ثم الحرب في لبنان.
كما تظهر هذه المشكلة بجلاء في التناقضات التي تحتويها عناصر الأجندة الاقتصادية للائتلاف الحاكم، وما تعهد به من الاستمرار في الاستيطان، وعدم المساس بمخصصات التعليم ومخصصات المعاشات في الوقت الذي سيتم فيه خفض الضرائب وتقليص العجز في الموازنة العامة. ومن الواضح أن تنفيذ هذه التعهدات التي تعني زيادة النفقات العامة وخفض الإيرادات العامة في وقت واحد وهو أمر مستحيل من الناحية العملية. كل هذا يعكس تخبط الائتلاف الحاكم بين الاعتبارات الاقتصادية التي تحتم خفض العجز في الموازنة وبين الاعتبارات السياسية ومطالب الأحزاب الأعضاء في الائتلاف.
2 - ارتبطت فترات النمو في الاقتصاد الإسرائيلي بالأساس ببتدفقات البشر (عن طريق الهجرة) والأموال (عن طريق المعونة) ، أو العمل ورأس المال بالتعبير الاقتصادي من الخارج، فيرى الاقتصادي الإسرائيلي يورام بن بورات أن 75% من النمو الذي شهده الاقتصاد الإسرائيلي تم بفضل المعدلات المرتفعة لنمو عوامل الإنتاج (رأس المال والعمل) و25% منه فقط بسبب التحسن في الكفاءة الإنتاجية.

ويفسِّر ذلك نجاح إسرائيل في تنفيذ استثمارات ضخمة على الرغم من وجود إدخار محلي سالب في أغلب الفترات، فقد كانت التدفقات الخارجية للمساعدات هي الوسيلة الأساسية لسد الفجوة بين الاستثمار والإدخار، وهي التي مكَّنت إسرائيل من تحقيق مستوى معيشي مرتفع على الرغم من المعدلات المرتفعة لتزايد السكان - بفعل الهجرة - والزيادة المطردة في الإنفاق العسكري.
ومن ناحية أخرى - وبنفس المنطق - فقد كانت الهجرة الكبيرة لليهود من الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، وضمانات القروض التي حصلت عليها إسرائيل من الولايات المتحدة لتوطينهم هي المحرك الرئيسي للنمو الذي شهدته إسرائيل منذ أوائل التسعينيات، والذي انتشلها بشكل مؤقت من حالة الركود التضخمي التي كانت تسيطر عليها.
فمع بداية التسعينيات، نجح الاقتصاد الإسرائيلي في تحقيق واحداً من أعلى معدلات النمو في العالم في هذه الفترة، حيث بلغ في المتوسط 5.5% خلال الفترة من 1990 - 1996، ويرجع هذا النمو بالأساس - كما هو الحال في فترات النمو السابقة التي شهدها الاقتصاد الإسرائيلي - إلى النمو في عوامل الإنتاج (العمل ورأس المال) . فبالنسبة للعمل، شهدت هذه الفترة آخر موجات الهجرة الكبيرة التي تدفقت على إسرائيل، الأمر الذي ساهم في تنشيط الطلب على العديد من السلع والخدمات (مثل السلع المعمرة والإسكان) ، وأعطت دفعة كبيرة لقطاع البناء الذي نما بمعدلات متسارعة.
وعلى صعيد رؤوس الأموال، فقد اعتمدت إسرائيل في البداية على ضمانات قروض الإسكان التي قدمتها حكومة الرئيس الأمريكي بوش (10 مليار دولار) لتوطين المهاجرين، ومنذ عام 1994، انعكس التقدم في عملية السلام على زيادة قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة FDI والتي تجاوزت لأول مرة في تاريخ إسرائيل المليار دولار عام 1995.

كما اقترنت هذه الفترة من النمو أيضاً بتضخم الإنفاق الحكومي للمساعدة على استيعاب المهاجرين من ناحية، ثم في فترة لاحقة لاعتبارات انتخابية، فقد قام إفرايم شوحاط وزير المالية في حكومة حزب العمل بزيادة الإنفاق على الرواتب والتأمينات الاجتماعية والمعاشات للعاملين سعياً لاجتذاب أصواتهم في انتخابات عام 1996، كما تعهدت حكومة حزب العمل بعدم المساس بالمخصصات المالية للمعاشات.
وهكذا جاءت حكومة الليكود الحالية لتحصد ثمار الأداء الاقتصادي لحكومة العمل، والتي تتمثل في ارتفاع عجز الموازنة، وزيادة معدلات التخضم (12% عام 1997) نتيجة للتوسع في الإنفاق الحكومي، في الوقت الذي كانت فيه معدلات الهجرة تتراجع ومعها معدلات النمو التي بلغت 2.5% عام 1997، كما زادت نسبة البطالة إلى 7.6% عام 1996 ثم 8% عام 1997، وانخفضت معدلات الاستثمار بنسبة 9% خلال عام 1997، وتراجعت الواردات من السلع الرأسمالية (لتعكس توقعات رجال الأعمال السلبية حول احتمالات عودة الانتعاش الاقتصادي) ، الأمر الذي هدَّد بعودة حالة التضخم الركودي التي شهدتها إسرائيل منذ منتصف السبعينيات.
والواقع أن الليكود واليمين الإسرائيل يتبنيان تقليدياً برنامجاً اقتصادياً محافظاً يركز على خفض عجز الموازنة والميزان التجاري، بل إن أول حكومة ليكودية في تاريخ إسرائيل وصلت إلى السلطة كما سبق أن أشرنا في أعقاب فترة التضخم الركودي التي شهدتها إسرائيل بعد عام 1973.ويتميَّز برنامج الحكومة الحالية بتركيزه على إحداث تغيير جذري في بنية الاقتصاد الإسرائيلي يشمل تغيير تركيبة الأجور، وزيادة المنافسة في الأسواق، وتطوير سوق رأس المال، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية والصناعات التصديرية، الأمر الذي لا يتم - من وجهة نظر الحكومة الحالية - إلا بتقليص حجم القطاع الحكومي ودور الحكومة في النشاط الاقتصادي وخصخصة الشركات المملوكة ملكية عامة.

وقد شكَّل بنيامين نتنياهو فور توليه رئاسة الوزراء لجنة وزارية للخصخصة تضم رئيس الوزراء ووزيري المالية والعدل ومحافظ بنك إسرائيل، بالإضافة إلى إنشاء مجلس اقتصادي اجتماعي برئاسة يعقوب فرانكل محافظ بنك إسرائيل يتبع مكتب رئيس الوزراء، الأمر الذي يعكس حرص نتنياهو على أن يكون تحرير الاقتصاد الإسرائيلي وخصخصته خاضعين لإشرافه المباشر.
غير أن قدرة السياسات التي تتبعها الحكومة الحالية على احتواء الأزمة الاقتصادية وإنعاش الاقتصاد الإسرائيلي مرة أخرى تظل محدودة، نظراً للاعتبارات التالية:
1 - طبيعة التوازنات السياسية في الائتلاف الحاكم، ففي الوقت الذي تحاول فيه حكومة اللكيود أن تتبع سياسات مالية انكماشية لخفض العجز في الموازنة تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات عديدة وزيادة الإنفاق الحكومي في بعض المجالات لإرضاء شركائها في الائتلاف الذين يمارسون ضغوطاً عديدة لزيادة المخصصات المالية لهم، فعلى سبيل المثال اضطرت الحكومة لكي تتمكن من تمرير موازنة عام 1997 إلى زيادة المخصصات المالية لاستيعاب المهاجرين بمقدار 72 مليون شيكل إرضاءً لحزب إسرائيل بعالياه، وزيادة المخصصات للأحزاب الدينية بمقدار 36 مليون شيكل ... إلخ.
2 - دور الهستدروت الذي يعارض أي مساس بمخصصات المعاشات، وقد نظم إضرابين عامين في النصف الأخير من عام 1997 شارك في كل منهما أكثر من نصف مليون إسرائيلي احتجاجاً على محاولات الحكومة تقليص هذه المخصصات في إطار سياساتها المالية الانكماشية. والواقع أن المواجهة بين الهستدروت والحكومة تكتسب - إلى جانب طابعها الاقتصادي المتمثل في الخلاف حول السياسات المالية وسياسة الخصخصة التي تتبعها الحكومة الحالية - أبعاداً سياسية نظراً لكون الهستدروت قاعدة الاقتصاد الصهيوني العمالي (الاستيطاني) ومركز التأييد التقليدي لحزب العمل.

3 - تضارب عناصر البرنامج الاقتصادي بسبب هشاشة الائتلاف الحاكم، وما تتيحه هذه الهشاشة للأحزاب الصغيرة من فرص لابتزاز الحكومة، على عناصر الأجندة الاقتصادية التي تقدمها الحكومة الحالية، وما تتعهد به من التوسع في الاستيطان (لإرضاء أحزاب كالمفدال مثلاً) واستيعاب المهاجرين (لإرضاء حزب إسرائيل بعالياه) في الوقت الذي ستقوم فيه بخفض الضرائب (لإنعاش الاقتصاد الإسرائيلي) وتقليص العجز في الموازنة العامة واحتواء التضخم، وهي أهداف تتطلب اتباع سياسات متعارضة، ويستحيل تحقيقها في آن واحد.
4 - تعارض الأجندة الاقتصادية مع الأجندة السياسية للائتلاف الحاكم، فبنود الأجندة الاقتصادية لا تتعارض مع بعضها البعض وحسب، وإنما تتعارض في مجموعها مع الأجندة السياسية القائمة على التوسع في الاستيطان والتشدد في عملية السلام. فالسياسات الاقتصادية الجديدة تقتضي إجراء مجموعة من التنازلات السياسية في عملية السلام لخلق مناخ يسمح بتدفق رؤوس الأموال غير المسيسة سواء للمساهمة في تمويل الخصخصة، أو في شكل استثمارات جديدة تنهي حالة الركود التضخمي، ناهيك عن دفع التعاون الاقتصادي الإقليمي، الأمر الذي يتعارض بطبيعة الحال مع السياسات المتشددة للائتلاف الحاكم، والتي تسببت في هبوط معدلات الاستثمار في العامين الأخيرين، وتراجع عدد السياح لإسرائيل (اعتباراً من النصف الثاني من عام 1996) . كما أن الحصار الذي فرضته إسرائيل على المناطق المحتلة يحرمها من جهود العمالة الفلسطينية ذات الأجر المتدني التي يكفل تشغيلها بأجور منخفضة ضمان حد معقول من الربحية لرأس المال ومن ثم حفز النشاط الاقتصادي.
5 - تراجع عناصر النمو الذي أصاب مصادره، بتراجع النمو في عوامل الإنتاج الذي شهدته إسرائيل في أوائل التسعينيات كما سبق وأشرنا، ومن غير المنتظر أن تشهد إسرائيل نمواً مشابهاً في عناصر الإنتاج على المدى القريب.

فمن غير المتوقع أن تشهد إسرائيل موجة هجرة كبيرة على غرار الموجة الأخيرة لهجرة اليهود السوفييت التي أدت إلى زيادة سكان إسرائيل بمعدل 3% سنوياً خلال الفترة من 1990 - 1995. بل إن الإحصاءات الأخيرة تشير إلى أنه منذ منتصف التسعينيات (أي بعد حركة الهجرة الأخيرة) أصبح تعداد يهود أوربا الشرقية لأول مرة في التاريخ أقل من تعداد نظرائهم في أوربا الغربية، وهو ما يعني أن المعين الرئيسي قد بدأ ينضب.
والخلاصة أن عام 1997 شهد بدايات تفجر أزمة الاقتصاد الإسرائيلي في إطار المشروع الصهيوني، والتي تحتم عليه الاختيار بين ضرورات البقاء الاقتصادي، وضرورات الوجود الاستيطاني. فالاقتصاد الإسرائيلي عليه، بعبارة أخرى، أن يختار بين أن يكون اقتصاداً رشيداً وبين أن يكون صهيونياً استيطانياً.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - النظام الاستيطاني الصهيوني - النظام السياسي الإسرائيلي

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

النظام السياسي الإسرائيلي
‏Israeli Political System
يدَّعي الصهاينة أن نظامهم السياسي نظام ديموقراطي برلماني مبني على تعدُّد الأحزاب وأنه النظام الديموقراطي الوحيد في المنطقة. وكما قال إيهود باراك أثناء زيارته للولايات المتحدة عام 1996 "إن إسرائيل واحة الديموقراطية في أحراش الشرق الأوسط"، وكما قال بنيامين نتنياهو "نحن نعيش في حي متخلف فظ" (بالإنجليزية: رف نيبر هود rough neighbourhood) " وهي عبارة في الخطاب اليومي الأمريكي تشير عادةً إلى أحياء الزنوج التي تتسم بوجود معدلات جريمة وتفكك اجتماعي عالية. ولكن الشكل الديموقراطي للدولة والتعددية الحزبية إن هو إلا مجرد شكل بلا مضمون، فالديموقراطية الإسرائيلية تستبعد العرب، شأنها في هذا شأن "الديموقراطيات الاستيطانية" الأخرى في الجزائر أو جنوب أفريقيا. بل إن الديموقراطية إن هي إلا آلية من آليات الاستيطان تُستخدَم من أجل ترغيب المهاجرين وتأطيرهم واستيعابهم ضمن آلية عمل النظام. أما مسألة التمثيل النسبي فهي ضرورية لتركيز القوة في يد الأحزاب الكبيرة ثم لتمثيل القوى السياسية لضمان استمرار العمل في الإطار الصهيوني. كما يُستخدَم غياب الدستور في دعم المخططات التوسعية للدولة واستيعاب جميع الطوائف والانقسامات بين الجماعات اليهودية، علاوة على تكريس العنصرية ضد العرب.
ولذا بدلاً من الحديث عن «النظام السياسي الإسرائيلي» باعتباره "نظاماً ديموقراطياً"، من الأجدى البحث عن أساس تصنيفي له مقدرة تفسيرية أعلى. ولذا سنشير لهذا النظام باعتباره "نظاماً سياسياً استيطانياً" تشكلت خصائصه تحت ضغط متطلبات الاستيطان في بيئة معادية (مثل الأمن وتأمين الهجرة والاستيطان والاستيعاب) ، أي أن الطبيعة الاستيطانية للتجمُّع الصهيوني هي المحدد الأساسي لكل التكوينات الاجتماعية والسياسية ولاتجاه التفاعلات والعلاقات الخارجية والداخلية.

ولعل أكثر ما يميِّز النظام السياسي الإسرائيلي هو المركزية القومية رغم الشكل الديموقراطي البرلماني، فالنظام السياسي وضع قيوداً على الديموقراطية وحدد قواعد اللعبة الديموقراطية التي لا يمكن تجاوزها، وذلك من حيث أساليب التنافس السياسي وموضوعات النقاش والفئات التي يُسمَح لها بأن تشارك فيه.
وقد ركزت الحكومة المركزية في إسرائيل مصادر القوة في أيديها فاستولت على موارد اقتصادية هائلة متمثلة في تدفقات الأموال من الخارج، سواء من الحكومات الغربية أو تبرعات الدياسبورا، كما استولت على ممتلكات الفلسطينيين، وقننت الاستيلاء على أراضيهم. وتمتلك الدولة 94% من الأراضي الفلسطينية وجميع الثروات الطبيعية، وأقامت الدولة الاستيطانية نظاماً اقتصادياً مركزياً واقتصاداً مختلطاً يقوم على ثلاث قطاعات هي الحكومي والهستدروتي والخاص، وتقوم الدولة بتمويل المشاريع الاقتصادية بصورة مباشرة. وتفرض الدولة سيطرتها على وسائل الإعلام والنظام التعليمي، ويخضع نظام التعليم لسيطرتها.
وتَبرُز خصائص النظام الاستيطاني في عناصر أخرى مثل الازدواجية في علاقة النظام بالسكان حيث الانفصام الداخلي بين العلاقة مع المستوطنين والعلاقة مع السكان الأصليين. وإذا كانت العنصرية تُمارَس بشكل غير قانوني في كل المجتمعات البشرية، فالمجتمعات الاستيطانية تقنن للعنصرية وتجعلها إطاراً مرجعياً، لأن المساواة تهدد وجود النظام الاستيطاني. ولذا نجد أن مقولة «يهودي» مقولة قانونية في النظام السياسي والاجتماعي الإسرائيلي، والأرض ملكية خالصة للشعب "اليهودي"، وقانون "العودة" يسمح "لليهود" وحدهم بالعودة، وهكذا.

ويتسم النظام السياسي الإسرائيلي بالاعتماد المتزايد على الراعي الإمبريالي، أي الولايات المتحدة، وهو ما يسلبه حرية القرار وكثيراً من السيادة. ومن السمات الأخرى للنظام السياسي ازدواجية المؤسسات وتعدُّد الأدوار، حيث المهام المشتركة بين العديد من أجهزة النظام وإدارته مثل الوزارات والأحزاب ودوائر المنظمة الصهيونية العالمية كدوائر الهجرة والاستيعاب والشباب والتعليم، حيث تعالج جميع مؤسسات الدولة نفس القضايا الثلاث التي تواجه المجتمع وهي: الهجرة والاستيطان والأمن.
ومن الجدير بالذكر أن مؤسسات هذا النظام لم تكن سوى مؤسسات استيطانية تابعة للوكالة اليهودية قبل عام 1948 ثم تم تغيير أسمائها عام 1948. "فالجمعية المنتخبة" تحولت إلى "مجلس الدولة المؤقت" ثم أصبحت "الكنيست" عام 1949. و"اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية" تحولت إلى "الحكومة المؤقتة" عام 1948 ثم إلى "مجلس الوزراء"، وتحولت "الهاجاناه" إلى "جيش الدفاع الإسرائيلي". وبعد إعلان الدولة تسلمت كل وظائف الوكالة اليهودية وأدوارها ووضعت الحد بينهما، ثم تم تحديد نشاط الوكالة بواسطة قانون الوضع الخاص للوكالة اليهودية، وذلك لتحقيق استقلال الدولة عن الحركة الصهيونية العالمية وتمييزها عن المؤسسات المحلية وبخاصة الهستدروت. ونجحت الدولة الصهيونية، تحت قيادة بن جوريون، في السيطرة على المؤسسات الرئيسية مثل التنظيمات العسكرية ومكاتب العمل، وممتلكات اللاجئين الفلسطينيين، وكذلك في السيطرة على جهاز التعليم واحتكار توزيع الموارد المالية التي تدفقت من الخارج.

ويمكن القول بأن قوة الدولة في النظام السياسي الإسرائيلي تمثلت في قوة السلطة التنفيذية، وأن الدولة وضعت نفسها فوق المجتمع وكانت إلى حدٍّ كبير بعيدة عنه. فمنعت الدولة أيَّ نوع من المبادرات المحلية الجماعية أو الفردية السياسية أو الاقتصادية، فهي التي تخطط وتنفذ، وهي التي تحدد مهمات الفئات والمؤسسات والأفراد. وبناءً على سعي الدولة لاستيعاب الهجرة وتوطين المهاجرين، رفضت الاعتراف بشرعية التنظيم والاجتماع على أساس طبقي أو عرْقي إثني أو على أساس قومي حيث يتم إفشال تلك المحاولات بكل الوسائل الممكنة. وقد سيطرت على الدولة النخبة الإشكنازية من مهاجري أوربا وتحكمت في معايير توزيع الموارد وتحديد الأهداف السياسية والاقتصادية باعتبار أنها أهداف وقيم إسرائيلية عامة. وكان لزاماً على المهاجرين الجدد وخصوصاً السفارد، التكيف مع ذلك الواقع، وكان التبرير الدائم لهذا الوضع تبريراً أمنياً بسبب حتمية الصراع السياسي العسكري مع الدول العربية.
ويقوم نظام الحكم في إسرائيل على ثلاثة أعمدة هي رئيس الدولة والسلطة التشريعية (الكنيست) ، والسلطة التنفيذية. وسلطات رئيس الدولة محدودة، إذ ليست له سلطات تنفيذية وليس له الحق في حضور اجتماعات مجلس الوزراء ولا في الاعتراض على التشريعات التي يصدرها الكنيست، ولا يحق له مغادرة إسرائيل دون موافقة الحكومة. ومدة الرئاسة هي خمس سنوات يجوز تجديدها مرة واحدة، ولا يحق له حل الكنيست أو إقالة الحكومة.

أما السلطة التنفيذية، ممثلة في مجلس الوزراء، فهي الجهة المخولة لتسيير شئون الدولة، واتخاذ القرارات المباشرة فيما يخص الشئون الداخلية والخارجية السياسية والاقتصادية والعسكرية، فالحكومة هي التي تصدر قرار الحرب. ورغم خضوع الحكومة نظرياً للكنيست، فإنها واقعياً هي التي تسيطر أو تملك قوة القرار لأن الحكومة هي التي تملك أغلبية برلمانية تمتلك اتخاذ قراراتها. ورئيس الوزراء يتمتع بمكانة تفوق ما يتمتع به رؤساء الحكومات في الدول الأخرى. ولعل القانون الأخير الذي تمت بموجبه انتخابات عام 1996 يمثل زيادة أخرى في قوة رئيس الوزراء حيث يتم انتخابه مباشرةً، وهو ما يجعل خلعه من منصبه مهمة مستحيلة إلا بعد إجراء انتخابات عامة جديدة، أو موافقة ثلثي أعضاء الكنيست على خلعه، وهو نصاب من الصعب جداً أن تلتقي عليه الأحزاب الممثلة في الكنيست. ومن هنا يمكن اعتبار النظام في الكيان الصهيوني نظاماً يقترب من الديكتاتورية حتى في علاقته بالمستوطنين، يحكمه زعيم الحزب صاحب الأغلبية الذي هو رئيس الحكومة بشكل آلي في ظل القانون الجديد بعد أن ينتخبه الشعب، ويُعرف الحكم باستمرار باسم رئيس الحكومة.
ويتبع مكتب رئيس الوزراء مكتب خدمات الأمن الذي تتمثل فيه فروع الاستخبارات الرئيسية المدنية والعسكرية ويرأسه رئيس الموساد الذي يقدم تقاريره إلى رئيس الحكومة مباشرةً. والوزارات الصهيونية الأساسية هي الدفاع والمالية والخارجية. وخلافاً للدول الأخرى توجد وزارة للهجرة والاستيعاب مستحدثة منذ عام 1968 انسجاماً مع الدور الاستيطاني للدولة، إضافة إلى قيام وزارات أخرى مثل الإسكان والدفاع تضطلع بتلك الأدوار الاستيطانية.

وفي الواقع فإن قلة من الوزراء تشارك في صنع القرار وهم من يسمون وزراء "الصفوة" أو "مجلس الوزراء المصغر"، وهم في العادة وزراء الدفاع والمالية والخارجية إضافة إلى رئيس الوزراء. ويوجد في الحكومة العديد من الوزراء بلا حقائب لإرضاء الأحزاب الصغيرة.
ومن أهم خصائص النظام السياسي في إسرائيل أنها دولة بدون دستور، وذلك يعود إلى عام 1948 والخلاف الذي نشب بين المعارضين والمؤيدين لوضع دستور للدولة. فرغم أن وثيقة قيام الدولة حددت موعد مطلع أكتوبر من عام 1948 كموعد أقصى لوضع الدستور، فإن ذلك لم يحدث. وقد رأى مؤيدو وضع الدستور أن الدستور الدائم يعطي الكيان صفة الدولة العادية والطبيعية ويدعم استقرار نظامها السياسي، ويحول دون اغتصاب السلطة. أما معارضو الدستور فقد تراوحوا بين من يعتبر الشريعة اليهودية دستور إسرائيل الدائم مثل حزب أجودات يسرائيل، وبين من كانوا يرون الدستور قيداً على حركتهم السياسية وتطلعاتهم المستقبلية مثل بن جوريون الذي صرح بأن الدستور يجب ألا يوضع قبل هجرة من تبقَّى من يهود العالم وقبل أن تأخذ إسرائيل وضعها النهائي. وقد انتهت العاصفة في 13 يناير 1950 بقرار الكنيست أنه "يجب أن يكون لإسرائيل دستور مكتوب يوضع فيما بعد"، وهو ما يعني تأجيل المسألة إلى أجل غير مسمى. وعدم وضع دستور للكيان الصهيوني أكثر ملاءمة للقادة الصهاينة إذ يتيح لهم استصدار ما يناسبهم من قرارات، وتكييف القوانين باستمرار حسب حاجاتهم وحاجات الكيان الصهيوني بواسطة الكنيست الذي يتمتعون فيه بالأغلبية، وبالتالي يتفادون المشاكل التي تتعلق بهوية الدولة والانقسامات الداخلية المتناقضة.

أما بالنسبة للجيش والمؤسسات العسكرية فهي تلعب دوراً غير عادي في حياة الكيان الصهيوني من خلال تسخير كل النشاطات الأخرى في هذا الكيان لخدمة هذه المؤسسة، بسبب الطبيعة الاستيطانية والدور الوظيفي للدولة الصهيونية (انظر: «المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وعسكرة المجتمع الإسرائيلي» ) .
الديموقراطية الإسرائيلية
‏Israeli Democracy
النظام السياسي الإسرائيلي نظام عنصري قائم على التفرقة والتمييز بين السكان، وهو نظام نخبوي يقوم على سيطرة نخبة معينة على عملية صنع القرار، وهذه خصائص مميِّزة للنظم الاستيطانية. ولكن مؤسسات هذا النظام وشكل عملها اعتمدت على الديموقراطية الشكلية بغية توظيفها في إغراء اليهود من جميع أنحاء العالم للهجرة إلى هذا الكيان، وبخاصة يهود الغرب الذين يعيشون في ظل نظم ليبرالية، وفي خداع الرأي العام العالمي لكسب شرعية دولية. وقد تم تحويل المؤسسات المقامة على أساس استعماري استيطاني قبل قيام الدولة إلى مؤسسات دولة ذات شكل ديموقراطي، بينما ظل محتوى هذه المؤسسات ثابتاً من حيث الشخصيات المكونة لها. وقد خدمت صياغة مؤسسات النظام في شكل ديموقراطي عملية تأطير المهاجرين واستيعابهم ضمن آلية عمل هذا النظام دون إحداث خلل رئيسي في اتجاهاته.
ولعل غياب دستور مكتوب يشير إلى نقائص وعيوب هيكلية في الديموقراطية الإسرائيلية، ولا تصح بالتالي المقارنة الشكلية بين النظام البريطاني والنظام الإسرائيلي في هذه الجزئية. فالنظام البريطاني له تقاليد راسخة في عملية الممارسة الديموقراطية تمتد إلى قرون عديدة على عكس النظام الإسرائيلي.

ويعود عدم إقرار دستور مكتوب إلى ما سيؤدي إليه من نشوب خلافات بل انقسامات بين الفريقين العلماني والديني، أو الاختلاف حول تحديد من هو اليهودي. وفي الواقع فإن عدم وجود دستور مكتوب يعطي الحكومة والكنيست حريةكبيرة في الممارسة السياسية دون قيود دستورية على حركتها، الأمر الذي يؤدي إلى بروز مراكز قوى ونخب معينة ذات صلاحيات واسعة.
وقد قامت بعض الحركات السياسية، وبخاصة من قبَل بعض القانونيين والأكاديميين، بالسعي من أجل وضع دستور للدولة، حيث إن وثيقة إعلان إسرائيل ليس لها قيمة دستورية أو قضائية ولا يمكن الاستناد إليها في المحاكم.
وتعتبر القوانين الأساسية بمنزلة المصادر شبه الدستورية. فقد وضع الكنيست هذه القوانين الأساسية التي لا يجوز تغييرها أو إبطالها إلا بأغلبية خاصة وغير عادية، بيد أنها لم تصل إلى درجة دستور الدولة،وهي لاتشمل نصاً صريحاً بأنه لا يجوز لأي قانون أن يناقضها. ومن أهم هذه القوانين: قانون الكنيست، وقانون رئيس الدولة، وقانون الأراضي، وقانون العودة الصادر عام 1950 الذي بموجبه يكون من حق كل يهودي في العالم المجيء إلى إسرائيل والاستقرار فيها والعمل والتملك، وكذلك قانون الجنسية الصادر عام 1952.

ويمكن القول بأن الشكل الديموقراطي للنظام السياسي الإسرائيلي ليس سوى قشرة خارجية "لنظام نخبة" يعمل وفق آلية تتلاءم مع حاجات وأهداف هذه النخبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن استمرار إمساك هذه النخبة بكل العمليات والمؤسسات. لذلك لم يمثل هذا الشكل الديموقراطي عائقاً في سبيل مواصلة القيادة الصهيونية العمل على تحقيق أهدافها الداخلية والخارجية، ولا الانسجام مع الدور الوظيفي لهذا الكيان في خدمة الإستراتيجية الإمبريالية. فاتخاذ القرارات الرئيسية المتعلقة بأهداف الدولة الصهيونية وأمنها، مثل قرارات الحرب والسلام، تقوم به القيادة الصهيونية دون أي تأثير لمؤسسات أو أبنية ديموقراطية، إذ تحتكر تلك المهمة مجموعة محدودة وضيقة ممثلة بالأساس في رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية، بينما تنساق باقي المؤسسات وراء قرار القيادة.
ويُلاحَظ أن نخبة النظام في إسرائيل تسيطر على النشاط الاقتصادي والمالي، وتهيمن على المؤسسة العسكرية. ودور المؤسسة العسكرية في النظام قوي جداً، وهي تحدد سلطة وسائل الإعلام في نشر الأخبار والمعلومات المتعلقة بالجيش. ويُلاحَظ أن معظم عناصر القيادة السياسية والاقتصادية سبق لها الخدمة بالجيش، فالنظام الإسرائيلي هو نظام عسكري أيضاً ذو شكل ديموقراطي. بل يمكن القول استناداً إلى عسكرة ذلك النظام وطابعه العدواني وعنصرية ومحورية العمل الدعائي فيه، بأنه نظام إرهابي قائم على استخدام العنف غير المشروع أو التهديد باستخدامه لإيجاد حالة من الخوف والرعب بقصد تحقيق التأثير أو السيطرة على فرد أو مجموعة من الأفراد أو المجتمع أو دول مجاورة بقصد الوصول إلى هدف معين يسعى النظام الصهيوني إليه. ويكفي في ذلك الإشارة إلى التاريخ الإرهابي للنظام الصهيوني ضد المواطنين العرب واستخدام السلاح النووي في إرهاب وتخويف الدول المجاورة.

وتبرز طبيعة النظام السياسي الاستيطاني في إسرائيل وفي اعتماده سياسة التمييز العنصري ضد السكان الأصليين. فالتشريع السائد في النظم الاستيطانية يتحكم في نطاق المشاركة السياسية عند المنبع، بالتحكم في الشرط الجوهري فيه والمتمثل في المُواطَنة، حيث توجد قيود رئيسية تحول بين أصحاب الأرض الأصليين من العرب وتَمتُّعهم بحق المواطنة على أراضيهم. فالشكل الديموقراطي للنظام وراءه أيديولوجية استيطانية استعمارية هي الصهيونية التي تحدد حدود الدولة على نحو لا يرتبط بالرقعة الجغرافية التي تحتلها الدولة، فتعتبرها دولة اليهود، لا دولة المواطنين المقيمين فيها. فالدولة الصهيونية أداة للتعبير عن القومية اليهودية، وهو ما يعني حرمان العرب، أصحاب الأرض الأصليين، من حقوق المواطنة. وهذا ما تكرسه التشريعات والقوانين من ذلك قانون العودة عام 1950، وقانون الجنسية عام 1952، والسياسة التربوية التي وضعت عام 1953 والتي تسعى إلى "تأسيس التربية الابتدائية في دولة إسرائيل على قيم الثقافة اليهودية، واكتساب العلم، وحب الوطن، والولاء للدولة والشعب اليهودي" والسياسة المتعلقة بملكية الأرض والمبنية على استملاك اليهود للأرض وتجريد السكان الفلسطينيين من أراضيهم عبر تجميد ملكية الأراضي ومصادرة الأراضي عبر سلسلة من القوانين الجائرة لتمليكها لليهود.
ولعل من أكثر الأمثلة تبلوراً ووضوحاً على التناقض الجوهري بين ادعاءات الديموقراطية والممارسات العنصرية الاستيطانية ما يحدث في الكيبوتسات (الاشتراكية) .فلكي ينتمي المواطن الإسرائيلي لأي كيبوتس لابد أن يكون يهودياً لأن الكيبوتسات توجد على أرض مملوكة للدولة اليهودية ولذا على غير اليهودي الذي يود الانتماء لكيبوتس أن يتهود (حتى لو كان أعضاء الكيبوتس ملحدين) . وقد طورت دار الحاخامية الرئيسية وسائل "ديموقراطية" لتسهيل عملية التهود.

وتبرز الممارسات العملية العديد من المؤشرات على طبيعة الدولة العنصرية منها أن المخصصات المالية الحكومية للمجالس المحلية اليهودية تتخطى خمسة أضعاف ميزانية المجالس المحلية العربية. كما أن المخصصات المالية لإعالة الأطفال وقروض الإسكان ونفقات الدراسة الجامعية ترتبط جميعها بالخدمة العسكرية المقصورة على المستوطنين الصهاينة اليهود. ودعم الحكومة لتكلفة المياه التي يستهلكها المزارعون اليهود يناهز مائة ضعف ما تمنحه للمزارعين العرب. وبينما تتاح للمهاجرين اليهود الجدد دروس جامعية بلغاتهم الأصلية، يُجْبَر الطلاب العرب على الدراسة باللغة العبرية، وبينما يبلغ عدد الأكاديميين في الجامعات الإسرائيلية نحو 5000 أكاديمي، فليس بينهم إلا عشرة من العرب، كما أنه لا يوجد سوى عربي واحد من مجموع 2400 شخص يحتلون مراكز إدارة في الشركات التي تملكها الحكومة، وذلك رغم أن العرب يمثلون 15.5% من السكان طبقاً للإحصاءات الإسرائيلية. وهناك تقديرات أخرى تصل بالرقم إلى مليون عربي بنسبة 18%من السكان.

ولعل أقل الممارسات السياسية عنصرية ضد عرب 48 هو ما اقترحه أحد نواب تكتُّل الليكود في مطلع عام 1997 عن مشروع قانون يحظر على غير اليهود ترشيح أنفسهم لمنصب رئيس الحكومة وهو ما يجد معارضة من بعض اليهود لأنه عبارة عن عنصرية علنية لن يكون في إمكان إسرائيل كدولة تهتم بشكلها الديموقراطي أن تبررها للعالم. ولا يفوتنا في هذا السياق أن نشير إلى الممارسات الإرهابية ضد المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس باتباع أساليب القتل والتعذيب حيث يجيز القانون تعذيب المعتقلين، واتباع سياسة تكسير العظام (التي دشنها إسحق رابين) لتُستخدَم ضد أطفال الانتفاضة. علاوة على ذلك هناك سياسة هدم المنازل ومعاقبة السكان بالحصار الاقتصادي ومنع الغذاء وأساليب الطرد والترانسفير مثل حالة المبعدين الفلسطينيين في مرج الزهور. ولكن سياسة التمييز العنصري غير قاصرة على العرب فقط بل تمتد إلى اليهود السفارد أيضاً.
ويمكن القول بأن القرار في إسرائيل لا تصنعه العوامل الداخلية ومكونات النظام وآليته (نخبة النظام) فقط، بل هو محكوم بشروط ارتباط هذا الكيان بالإمبريالية العالمية ومصالحها والدور المطلوب منه في إطار إستراتيجيتها على الصعيد الإقليمي والعالمي، فوظيفة الديموقراطية الإسرائيلية الشكلية من خلال لعبة الانتخابات والتعددية الحزبية، ليست سوى احتواء المستوطنين سياسياً وضبط حركاتهم واتجاهاتهم بما ينسجم مع أهداف الحركة الصهيونية، ومع متطلبات عمل الكيان الصهيوني في كل مرحلة ومع الدور الوظيفي المناط به في خدمة الإمبريالية العالمية.
النظام الحزبي الإسرائيلي
‏Israeli Party System

تمتد جذور الأحزاب الإسرائيلية إلى ما قبل الإعلان عن قيام الدولة الصهيونية، فقد ظهرت هذه الأحزاب على شكل حركات ومجموعات صهيونية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وتنظمت في العقد الثالث بشكل أحزاب. ويمكن القول بأن الأحزاب الصهيونية قبل الإعلان عن قيام الدولة كانت أحزاباً فوقية، تميَّزت مفاهيمها ونشاطاتها بالتناقضات الكثيرة بسبب افتقارها لأرضية طبيعية تنمو عليها، فبعضها سعى إلى تحقيق «مجتمع اشتراكي» والآخر سعى إلى تحقيق «مجتمع يميني ليبرالي» ، وكفلت الحركة الصهيونية بناء «اشتراكية كولونيالية» تقوم على تغييب العنصر العربي، وعلى توظيف الديباجات الاشتراكية في تحقيق أهداف الاستعمار الاستيطاني الإحلالي.
ويمكننا النظر إلى الأحزاب الإسرائيلية على أنها مؤسسات استيطانية/استيعابية أسست الدولة وليست أحزاباً توجد داخل الدولة. أما الدولة فهي مجرد تعبير شكلي عن وضع استيطاني قائم بالفعل جوهره المؤسسات الاستيطانية التي تدعى أحزاباً. وتظهر استيطانية الأحزاب في علاقة الأعضاء بها وفي الوظائف التي تضطلع بها، فالحزب ليس مجرد انتماء أيديولوجي، بل هو أيضاً انتماء اقتصادي وسلالي. فللأحزاب مشروعات الإسكان الخاصة بها وشركات البناء والمراكز التعاونية والمستشفيات ونظام الضمان الصحي، كما أن لها بنوكها ومكاتب التسليف والتوظيف التابعة لها. ولعل هذا الوضع يفسر ارتباط الأعضاء بالأحزاب في إسرائيل، ويفسر أيضاً ظاهرة الانضباط والمركزية في الأحزاب الإسرائيلية.
وهذه الأدوار موجودة قبل تأسيس الدولة الصهيونية، عندما كانت الأحزاب تتولَّى مباشرةً جلب اليهود وتوطينهم في فلسطين وتوفير فرص عمل وأماكن سكن لهم، ورعايتهم اجتماعياً وتثقيفهم سياسياً، ودمجهم في الحياة السياسية. وهذه الأدوار مستمرة حتى الآن رغم قيام الدولة بكثير من تلك المهام.

وتختلف الأحزاب السياسية الصهيونية الإسرائيلية عن نظيرتها في البلاد الأخرى، لذا سنحاول أن نصنف هذه الأحزاب بما يتفق مع واقعها وممارستها داخل إطار المجتمع الاستيطاني، مستخدمين معيارين أساسيين: الموقف من الاستيطان الصهيوني والموقف من علاقة الدين بالدولة.
1 ـ لعل استيطانية الكيان الصهيوني (والموقف من الفلسطينيين والعرب) هو العنصر الأساسي الذي يتحكم فيه، ولذا نجد أن التناقض الأساسي في هذا الكيان هو الصراع مع العرب وليس الصراعات الجيلية أو العرْقية أو الطبقية. وينتج عن هذا أن نظامنا التصنيفي يجب أن ينطلق من تقسيم الأحزاب الإسرائيلية في علاقتها بالتناقض الأساسي الخارجي، فهي إما أحزاب صهيونية تدافع عن الاستيطانية وتدعمها بدرجات متفاوتة من الحماس والفتور، أو أحزاب غير صهيونية ترفض الكيان الصهيوني ولديها استعداد لحسم التناقض الأساسي الذي يواجه المجتمع الإسرائيلي بطريقة مركبة رشيدة. وما يحدد يمينية ويسارية أي حزب في إسرائيل هو علاقته لا بالتناقضات الداخلية (العرْقية والطبقية) في المجتمع الإسرائيلي، وإنما علاقته بالتناقض الأساسي الخارجي. فالأحزاب الصهيونية التي تؤيد الاستيطان/الإحلالي هي أحزاب «يمينية» (إن صح التعبير) لأنها تؤيد المشروع الاستعماري الغربي وممثلته الدولة الوظيفية الصهيونية، حتى لو كان "برنامجها" الاقتصادي الذي تدافع عنه "اشتراكياً" يضمن المساواة (والاشتراكية كما بيَّنا إن هي إلا ديباجات الاقتصاد الاستيطاني) . أما الأحزاب المعادية للصهيونية فهي أحزاب يمكن أن نسميها «يسارية» طالما أن لديها استعداداً للتعامل بشكل عقلاني محدد مع التناقض الأساسي الذي يتحكم في المجتمع الإسرائيلي، حتى لو كان برنامجها الاجتماعي أو العرْقي يمينياً/ليبرالياً. ولعل الحزب الشيوعي (القسم العربي) هو الحزب اليساري المعادي للصهيونية. وقد ظهرت مجموعة من الأحزاب العربية في التسعينيات ترفض صهيونية الدولة

مثل الحزب الديموقراطي العربي وحزب الحركة الإسلامية.
2 ـ الموقف من علاقة الدين بالدولة والديباجات الدينية بالمشروع الصهيوني (وقد تناولنا هذا الموضوع بشيء من التفصيل في الباب المعنون «أزمة الصهيونية» ) .
3 ـ العنصر السلالي الإثني وهو عنصر كان قوياً في السنوات الأولى بعد إعلان الدولة ثم عاود الظهور مرة أخرى في التسعينيات، وهو عنصر فرعي بالمقارنة بالعنصرين الأول والثاني.
انطلاقاً من هذا يمكن القول بأنه يوجد معسكران صهيونيان أساسيان: المعسكر اليميني (الديني والعلماني) المتشدد، والمعسكر العمالي الذي يدور في إطار الإجماع الصهيوني ويتسم بدرجة أعلى من البراجماتية تؤهله للتعامل بشكل أكثر كفاءة مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع بعض الحكومات العربية.
1 ـ معسكر اليمين الديني والعلماني: يرى أعضاء هذا المعسكر ضرورة الاحتفاظ بكل الأراضي المحتلة وضمها إلى إسرائيل إن عاجلاً أو آجلاً باعتبار أنها جزء من أرض إسرائيل الكبرى. ويصل البعض إلى ضرورة ترحيل السكان العرب. ويضم هذا المعسكر حزب تسومت رغم أنه في تكوينه وأهدافه الاقتصادية والاجتماعية أقرب إلى حزب العمل.
2 ـ المعسكر العمالي: ويضم القوى التي ترى استحالة ضم الأراضي العربية المحتلة في ظل وجود أغلبية سكانية عربية، وتدعو إلى سلام قائم على الانسحاب من الأراضي المحتلة أو أجزاء منها، بحيث تقام كونفيدرالية أردنية ـ فلسطينية، ويضم هذا المعسكر حزب شينوي رغم أنه حزب ليبرالي في تكوينه وأهدافه.

وقد أشرنا إلى «اليمين الديني» و «اليمين العلماني» وهو ما يعني أننا نصنف الأحزاب الصهيونية إلى فريقين أساسيين: الأحزاب الدينية والأحزاب العلمانية، والفرق بين الأحزاب الدينية والعلمانية ينحصر في تحديدهما مصدر القداسة، فكلا الفريقين يؤمن بقداسة التراث اليهودي، ولكن القسم الأول يُرجع القداسة للخالق بينما يسند الفريق الثاني القداسة إلى «الشعب اليهودي» نفسه. ولهذا نرى أن كل الأحزاب الصهيونية بغض النظر عن تحديدها مصدر القداسة هي أحزاب تؤمن بقدسية الشعب اليهودي وقدسية أرضه وبالعلاقة المقدَّسة بينهما.
أما بالنسبة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية فهناك شبه إجماع على ضرورة قيام دولة الرفاهية واستمرار الاقتصاد المختلط المكون من ثلاثة قطاعات هي الحكومي والهستدروتي والخاص مع اختلاف في النظرة إلى الحجم والدور المرغوب فيه لكل منهم مع ميل عام لتنمية القطاع الخاص.
ومن السمات الملحوظة في النظام الحزبي الإسرائيلي اتجاهه المستمر نحو اليمين وهو أمر ملحوظ في كل النظم الاستيطانية (جنوب أفريقيا على سبيل المثال) . فمن خلال الصراع المستمر مع السكان الأصليين تتساقط الديباجات الإنسانية والادعاءات الاشتراكية المراوغة التي أحضرها المستوطنون معهم من وطنهم الأصلي ( «المنفى» ، في المصطلح الصهيوني) ،وبرروا بها مواقفهم ليحل محلها الخطاب العرْقي الاستيطاني المباشر الذي يطالب بطرد السكان الأصليين أو وضعهم في معازل. وهذا الاتجاه نحو اليمين ينطبق على جميع الأحزاب، الدينية والعلمانية.

وتتسم الأحزاب الإسرائيلية بأنها أحزاب ذات صبغة مركزية واضحة وأنها أحزاب أوليجاركية تحكمها قلة رغم ما يبدو من أشكال وإجراءات ديموقراطية، فهي ترتبط بمجموعة من الزعامات التاريخية أو الدينية وبها أجهزة بيروقراطية مركزية وقوية. ومع هذا يمكن القول بأن تلك الصبغة المركزية القوية قد بدأت تَخفُت نسبياً، فهناك مؤتمرات عامة دورية تقوم بانتخاب مجلس أو لجنة مركزية وزعيم للحزب، وانتخاب المكتب السياسي واللجنة التنفيذية.
ويترك العنصران السلالي والطبقي أثراً في النظام الحزبي في إسرائيل يتفاوت في الأهمية حسب اللحظة التاريخية، ففي غياب الوعي الطبقي ومع تراجُع فعالية الأيديولوجية الصهيونية وتآكلها يزداد العنصر السلالي فعالية. وقد لوحظ عند بداية تكوين الدولة أنه كانت توجد قائمة للسفارد وأخرى لليمنيين، وكان من المتوقع أن تختفي ظاهرة الأحزاب الإثنية، وهو ما حدث بالفعل في الستينيات. ولكن لوحظ في أواخر السبعينيات أنها عاودت الظهور، وهو ما يعني فشلاً جزئياً لبوتقة الصهر الصهيونية التي كان يفترض فيها أن تقوم بصهر المهاجرين لتخرج مواطناً إسرائيلياً ينسى ماضيه الإثني وتتبدى من خلال الصفات اليهودية أو الإسرائيلية الحقة. ويرى عزمي بشارة أن عودة الأحزاب الإثنية إلى ساحة السياسة وتسامح النظام الصهيوني معها هو دليل ثقته بنفسه، فمثل هذه الأحزاب تشكل الاستثناء لا القاعدة. وهي أطروحة تستحق أن تختبر، وخصوصاً أن الأحزاب الإثنية لم تلعب دوراً مهماً في النظام السياسي الإسرائيلي من قبل انتخابات عام 1996.

ومهما كان الأمر لابد أن نأخذ الانتماء الإثني في الاعتبار إذ أنه يتداخل ويتصارع مع الانتماء القومي والطبقي. ويظهر مدى اختلاط العناصر الإثنية بالعناصر الطبقية والأيديولوجية في عديد من الظواهر السياسية، فيُلاحَظ على سبيل المثال أنه حتى بداية التسعينيات كان الهاربون من الاشتراكية والمهاجرون السوفييت الإشكناز ينضمون لحزب العمل صاحب الديباجات الاشتراكية بينما ينضم المهاجرون من شرق أفريقيا إلى حزب الليكود.
ومن أهم سمات النظام الحزبي في إسرائيل، التي لازمته منذ قيام الدولة عام 1948، التعدد الحزبي الكثير والمتطرف. فالأحزاب الإسرائيلية لا تكف عن الانقسام والاندماج وذلك لعوامل تاريخية ترتبط بدور تلك الأحزاب في تنظيم وبناء المُستوطَن الصهيوني. كما أن الولاء للقيادات والزعامات الصهيونية المختلفة في آرائها وأيديولوجيتها من أهم أسباب الانقسام. ويمكن أن نضيف إلى كل هذا النظام الانتخابي الذي يسمح بوصول الأحزاب الصغيرة للبرلمان من خلال خفض نسبة الحسم. كما يمكن تفسير كثرة الأحزاب الإسرائيلية بوجود الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية بين سفارد وإشكناز، متدينين وعلمانيين، والانقسام حول مستقبل الأراضي المحتلة والانقسام بين اليهود والعرب. ويترتب على كثرة الأحزاب وتَعدُّدها وجود حالة دائمة من الانشقاقات والاندماجات وإنشاء كتل انتخابية مختلفة، مما يؤدي إلى عجز أي حزب عن تشكيل الحكومة بمفرده وإلى ضرورة اللجوء إلى آلية الائتلاف حكومي.

والنظام الحزبي الإسرائيلي، رغم كل هذه الانشقاقات والانقسامات، يدور بأسره داخل إطار الإجماع الصهيوني والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والإيمان بأن الحركة الصهيونية حركة تَحرُّر قومي لبعث القومية اليهودية وتحقيق حلم الشعب اليهودي بالعودة إلى وطنه، بكل ما يترتب على ذلك من هجرة اليهود وتهجيرهم واستيعاب المهاجرين وإفراغ إرتس يسرائيل من سكانها الأصليين. ولعل أكبر دليل على هذه الوحدة الكاملة أن جميع هذه الأحزاب الصهيونية قد أُسِّست بتشجيع من الحركة الصهيونية العالمية والمنظمة الصهيونية وتحت إشرافهما، وكل الأحزاب ممثلة في هذه المنظمة وممولة من قبَلها وكل الصراعات بينها تتم في إطار هذا الانتماء الأيديولوجي. كما أن هذه الأحزاب المتصارعة تتحالف وتتآلف داخل المؤسسات الصهيونية الاستيطانية مثل الهستدروت وداخل الائتلافات الوزارية (التي تضم أحزاباً دينية وأخرى عمالية وثالثة رأسمالية ولكنها جميعاً في نهاية الأمر صهيونية) . أما الصراعات الأيديولوجية الحادة بين هذه الأحزاب فهي لا تتعدى بأية حال المستوى اللفظي ولا تحدِّد سلوك هذه الأحزاب أو ممارساتها (ربما باستثناء الصراع الديني العلماني) . ولعل أكبر دليل على أحادية النظام الحزبي في إسرائيل أنه بعد تأسيس الدولة بخمسة وعشرين عاماً وبعد خوضها ثلاثة حروب لم يظهر حزب إسرائيلي جديد له أيُّ ثقل يقف ضد المؤسسة الصهيونية الحاكمة إذ لا يزال رفض الصهيونية مقصوراً على بضعة أفراد ومؤسسات صغيرة هامشية وعلى الأحزاب العربية والحزب الشيوعي (كما أسلفنا) . ويُلاحَظ أنه عشية حرب 1967تلاشت الخلافات بين الأحزاب وتم تشكيل أول حكومة وحدة وطنية بين الأحزاب اليمينية والأحزاب العمالية تعبِّر عن الإجماع الصهيوني.

وقد شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات اتجاهاً نحو تبلور النظام الحزبي في حزبين أساسيين هما العمل والليكود. وظهور هذين الحزبين ليس مثل نظام الحزبين في إنجلترا أو الولايات المتحدة، وإنما هو تعبير عن عناصر خاصة بالمجتمع الاستيطاني الصهيوني. إضافة إلى ذلك، شهدت الفترة منذ منتصف الثمانينيات عدة تطورات مهمة برزت بصفة خاصة في انتخابات الكنيست عام 1996. ولعل أبرز تلك التطورات هي النمو المتزايد في مشاعر التطرف القومي والاتجاه نحو اليمين العلماني ممثلاً في أحزاب أقصى اليمين (تسومت وموليدت وهتحيا وجوش إيمونيم وكاخ) ومن جهة أخرى نمو اليمين الديني ممثلاً في الجماعات الأرثوذكسية وبروز الطوائف الشرقية ويمثل حزب شاس في الحياة السياسية هذين التطورين الأخيرين. ومن جهة رابعة هناك نمو في دور الأحزاب العربية وزيادة في تمثيلها في الكنيست.
وقد كشفت انتخابات الكنيست عام 1996 عن مدى الاستقطاب الذي يسود النظام السياسي الإسرائيلي الذي بدات باعتباره كياناً ضعيفاً هشاً ومتشققاً آخذاً في الانهيار وإن كانت مستودعاته مليئة بالرؤوس النووية، فالحزبان الكبيران (العمل والليكود) مستمران في التشقق والتراجع وهو ما تدل علىه خسارة المقاعد البرلمانية، حيث قلَّ كل منهما عشرة مقاعد في انتخابات 1996 عن الانتخابات السابقة. ولذلك تخضع حكومة الليكود الحالية في إسرائيل لضغوط الأحزاب (العلمانية والدينية) اليمينية الأمر الذي يجعلها عرضة للتقلبات واحتمالات الانهيار في أية لحظة، فهي حكومة ضعيفة غير متجانسة. بل إن الانقسامات تفاقمت داخل حزب الليكود نفسه ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لحزب العمل.
اليمين العلماني
‏Secular Right

تتألف أحزاب اليمين في إسرائيل من معسكرين: معسكر اليمين العلماني ومعسكر اليمين الديني. وينقسم اليمين العلماني بدوره إلى قسمين: اليمين البراجماتي واليمين الراديكالي، ويمثل الليكود اليمين البراجماتي الذي يحتل موقعاً يمتد من الوسط إلى أقصى اليمين. أما اليمين الراديكالي فيضم حركتا تسومت وموليدت (وهما حركتان علمانيتان) وحركة هتحيا، وهي حركة هجين تضم عناصر دينية وقومية. كما يضم اليمين الراديكالي كلاً من جوش إيمونيم ومنظمة كاخ الصهيونية وهما حركتان أصوليتان دينيتان إثنيتان (قوميتان) . ورؤية هذه الأحزاب السياسية مشوشة، شأنها في هذا شأن الحركات الشعبوية الفاشية. ومع هذا يمكن القول بأن رؤية جوش إيمونيم وكاخ تتسم بقدر من التماسك.
ويدين الاتجاهان اليمينيان، البراجماتي والراديكالي، بالولاء لأرض إسرائيل ويرفضان التنازل عن أي شبر منها. ولذا فكل منهما يؤمن بضرورة التخلص من العنصر البشري الفلسطيني إما بطرده أو محاصرته وعزله.
وتعود جذور اليمين العلماني إلى الحركة الصهيونية التصحيحية، وفكر جابوتنسكي الذي رفض الديباجات العمالية والإنسانية وطالب بإقامة الدولة الصهيونية بالقوة في كامل أرض إسرائيل وطرد الفلسطينيين. ويشكل الفكر القومي/الشوفيني ركيزة أساسية لمفاهيم المعسكر اليميني ومواقفه السياسية من القضايا الأساسية المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمنية والموقف من العرب، فالأحزاب اليمينية (الدينية والعلمانية، الراديكالية والبراجماتية) تلتقي من حيث المبدأ على الشك في الأغيار (العرب) وعلى رفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وعلى ضرورة الاستيطان اليهودي الواسع فيها وشرعيته، وعلى دور إسرائيل في المنطقة وانتمائها للغرب وعلاقتها العضوية بالولايات المتحدة.

وتلتقي أحزاب هذا المعسكر في توجهاتها الاقتصادية/ الاجتماعية رغم تباين الجذور الطبقية للشرائح الاجتماعية التي تشكل قاعدتها الانتخابية. فجميعها تتبنى سياسة اقتصادية اجتماعية تقوم على مبادئ الاقتصاد الرأسمالي، وعلى رفض الصراع الطبقي، وضرورة تغليب المصلحة القومية العليا على المصالح الطبقية والفئوية.
وتعود أهم أسباب بروز دور اليمين العلماني في النظام السياسي الإسرائيلي إلى حرب 1967 التي بينت مقدر الأسطورة الصهيونية على فرض نفسها بالقوة على الواقع العربي، بل فسرها البعض على أنها رسالة إلهية تحمل في طياتها احتمال عودة مملكة إسرائيل التاريخية (مما يعني التقارب بين اليمينين الديني والعلماني) . كما أن تآكل الديباجات العمالية كان له أعمق الأثر.
ولكن رغم هذا الاتفاق على المسلمات النهائية ثمة فارق بين اليمين البراجماتي واليمين الراديكالي، فبينما لا يشير متحدثو اليمين البراجماتي إلى هذه المسلمات بشكل صريح، لا يتردد متحدثو اليمين الراديكالي عن الإفصاح عنها. كما أن اليمين البراجماتي يدرك الحقائق والقيود السياسية واعتبارات السياسة الدولية ومصالح القوى الخارجية، ولذا فهو مستعد للجوء للخطاب الصهيوني المراوغ بل لتبني سياسات مرنة نوعاً، على الأقل من الناحية التكتيكية (مثل الدخول في مفاوضات تستمر إلى ما لا نهاية، كما صرح شامير) . أما اليمين الراديكالي فيتجاهل الحقائق والقيود السياسية، ويؤمن بقدرة إسرائيل على مقاومة الضغوط الدولية.
وتُعَد كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع مصر ثم غزو لبنان واندلاع الانتفاضة أهم الأحداث التي ساعدت على تمييز اليمين البراجماتي عن اليمين الراديكالي. وإن كان لا يمكن إهمال الاعتبارات الشخصية والانتخابية. ويمكن القول بأن الأحزاب والحركات اليمينية التي ظهرت إبَّان حكم الليكود منذ 1977 كانت جميعاً جزءاً منه ثم تشكلت كأحزاب وحركات مستقلة.

وقد نما وزن الحركات والأحزاب التي تنتمي لليمين العلماني الراديكالي بصورة كبيرة في الوقت الراهن فهي نتاج مسار طويل من التطور اكتسبت خلاله نفوذاً كبيراً مستمداً بالأساس من الدعم الذي قدمته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ حرب 1967، ولا سيما بهدف تعزيز النشاط الاستيطاني. كما أن جماعات اليهود المهاجرين من الولايات المتحدة إلى إسرائيل مثلت مصدر إمداد متجدد لها.
وقد طوَّرت هذه الأحزاب والحركات شكلاً من الصهيونية يجمع بين الاتجاهات الدينية أو شبه الدينية والاتجاه السياسي التوسعي وتشدد على ضرورة الاحتفاظ بأرض إسرائيل التاريخية، وتكثيف الاستيطان في الأراضي المحتلة. وتدعو بعض هذه الحركات والأحزاب إلى معالجة قضية المواطنين العرب في الأراضي المحتلة عبر سياسات الترحيل (الترانسفير) المختلفة.
ويمكن القول بأن كلاً من اليمين العلماني واليمين الديني يدور في إطار ما سميناه «الصهيونية الحلولية العضوية» مقابل الأحزاب الصهيونية المعتدلة التي تنطلق من إدراك حقيقة النظام العالمي الجديد وما سميناه «صهيونية عصر ما بعد الحداثة» .
اليمين الديني
‏Religious Right

تعود جذور الأحزاب الدينية إلى أوائل القرن العشرين حيث تأسست الأحزاب الدينية خارج فلسطين ثم أنشأت لها فروعاً في أعقاب موجات الهجرة إلى فلسطين أصبحت بمرور الزمن المراكز الأساسية لنشاطها. وينقسم معسكر الأحزاب الدينية في إسرائيل إلى معسكرين: الأول هو المعسكر الديني القومي أو المتدينون الصهيونيون ويمثله حزب المفدال، ومرجعه الديني هو دار الحاخامية الرئيسية. والمعسكر الثاني هو المعسكر التوراتي أو المتدينون المتشددون الذين يسمون «حريديم» أي «ورعين» ويمثله حزبا أجودات يسرائيل وديجل هتوراه (المتحدان حالياً في كتلة يهدوت هتوراه) وحزب شاس ومرجعهم الديني هو مجلس كبار علماء التوراة. وينتمي كلا المعسكرين إلى التيار الأرثوذكسي في اليهودية. ولا توجد أحزاب تمثل التيارين الإصلاحي والمحافظ في اليهودية، اللذين يشكل أتباعهما أقلية صغيرة في إسرائيل (وأغلبية في الولايات المتحدة) .

وقد اختلف موقف الطرفين من الصهيونية، فقد أكد حزبا هامزراحي وهابوعيل هامزراحي، اللذان كونا حزب المفدال، أنه حزب صهيوني ديني قومي يرفض الفكرة الصهيونية العلمانية القائلة بأن الدين موضوع شخصي مرجعه الضمير، ويرى ضرورة قيام المجتمع الاستيطاني الصهيوني والدولة الصهيونية على أساس الدين. أما التيار غير الصهيوني في الحركة الدينية الذي يمثله أجودات يسرائيل فهو يرى أن الصهيونية العلمانية هي العدو الأكبر للأمة اليهودية لأنها تضع «شعب الله المختار» على قدم المساواة مع باقي شعوب العالم في سعيها إلى إقامة وطن قومي، ولأنها تعتبر الدين مسألة خاصة مرجعها الضمير. ولهذا عارضت أجودات يسرائيل الانضمام للمؤسسات الصهيونية. ولكن مع بداية الثلاثينيات وبتأثير الهجرة انتهجت الحركة سياسة التعاون مع المؤسسات الصهيونية التي وجهت الاستيطان المنظم، وذلك لأنها اعتبرت بناء وطن قومي لليهود بمنزلة ملجأ مؤقت يقي اليهود شر كوارث المهجر. وعلى أثر ذلك انشقت مجموعة من أجودات يسرائيل عام 1933 وأسست حركة ناطوري كارتا أو حراس المدينة وعارضت هذه الحركة قيام إسرائيل ورفضت الاعتراف بها، حيث اعتبرت الصهيونية ومشروعات دولة إسرائيل أكبر كارثة أصابت الشعب اليهودي.
وحتى مطلع الثمانينيات شكلت الأحزاب الدينية مجتمعة القوة الثالثة في الكنيست الإسرائيلي من حيث وزنها البرلماني، وعليه تراوحت قوتها التمثيلية بين 15 ـ 18 مقعداً في الانتخابات العامة كافة، وفي انتخابات 1996 صار لها 23 مقعداً في الكنيست، غير أنها نادراً ما خاضت الانتخابات متحالفة في إطار جبهة.

وقد اشتركت الأحزاب الدينية في الحكم منذ تأسيس الكيان الصهيوني، سواء مجتمعة أو على إنفراد، لأن موازين القوى داخل الكنيست الإسرائيلي كانت تفرض، بصورة عامة، تحالف عدة أحزاب لتشكيل الحكومات من ناحية، كما أن الأحزاب الكبيرة كانت تحرص على عدم استبعاد التيار الديني من الحكم لضرورات تتعلق بعلاقات الدولة بالجماعات اليهودية في الخارج من ناحية أخرى.
وتحاول الأحزاب الدينية، وضمن ذلك الأحزاب التي كانت تعارض الدولة الصهيونية، صبغ المجتمع الإسرائيلي بصبغة دينية فاقعة ومن ثم فهي تطالب بجعل اتفاقية «الوضع الراهن» قانوناً من قوانين الدولة. كما تطالب بتعديل تعريف اليهودي بحيث لا يُعَد يهودياً إلا من تهود حسب الشريعة، أي على يد حاخام أرثوذكسي، مما يعني عدم الاعتراف بالحاخامات المحافظين والإصلاحيين في إسرائيل أو حتى خارجها.
وتطالب الأحزاب الدينية بمنع تمثيل المحافظين والإصلاحيين في المجالس الدينية في إسرائيل، وبسن قانون بمنع الإجهاض وآخر بمنع لحوم الخنزير ومنع استيراد لحوم أبقار غير مذبوحة وفقاً للشريعة، وتطبيق قوانين الطعام بشكل أكثر صرامة، واحترام يوم السبت باعتباره يوماً مقدَّساً لدى اليهود. ومثل هذه المطالب تعمق من حدة الصراع الديني العلماني في الدولة الصهيونية.
ويمكن القول بأن الأيديولوجية الكامنة وراء أفكار كل من اليمين العلماني والديني هو ما سميناه «الصهيونية الحلولية العضوية» .
الأحزاب اليسارية
‏Leftist Parties
تدور كل الأحزاب الإسرائيلية في إطار الإجماع الصهيوني ولذا فهي لا علاقة لها بمجموعة القيم السياسية التي تُسمَّى «يسارية» (من إيمان بالعدالة والمساواة إلى إصرار على التخطيط) . ومع هذا تستخدم الأحزاب الصهيونية العمالية ديباجات يسارية تخفي عنصرية الصهيونية البنيوية، على عكس الأحزاب اليمينية التي تستخدم ديباجات عنصرية واضحة.

وحتى نميِّز الواحدة عن الأخرى نطلق على الأحزاب الصهيونية ذات الديباجات اليسارية والاشتراكية «أحزاب عمالية» .
الأحزاب العمالية
‏Labour Parties
إن تاريخ نشوء وتطوُّر الأحزاب العمالية الصهيونية يشير إلى أنها وصلت عبر عمليات انشقاق واتحاد متواصلة على امتداد سنوات المشروع الصهيوني إلى أشكالها التنظيمية الحالية. ويشمل التيار العمالي الحركات ثم الأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الاشتراكية مثل بوعلي تسيون (عمال صهيون) وهابوعيل هاتسعير (العامل الفتى) . وقد انتظمت حركة العمل الصهيونية في فلسطين بتأسيس أحدوت هاعفوداة عام 1919 التي شكلت مع روافد أخرى النواة الأساسية لحزب الماباي أو حزب عمال أرض إسرائيل التاريخي ثم تَجمُّع المعراخ (العمل) بعد ذلك. وفي الواقع فإن التباين بين الأحزاب العمالية كان، في بداية عهد الكيان الصهيوني، عبارة عن نهج سياسي ومنطلقات وديباجات لفظية أيديولوجية تفصل بينها هوة واسعة إلى حد ما، ولكن التطورات السياسية والفكرية، وبخاصة بين حزبي الماباي والمابام، أدَّت إلى تضييق هوة تلك الخلافات كثيراً.
وترتبط التركيبة الإثنية والعرْقية لتلك الأحزاب بالجماعات اليهودية الغربية (الإشكناز) حتى الوقت الراهن، وهو ما أدَّى إلى انتهاج الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها العامة والحزبية لسياسة التمييز الطائفي ضد اليهود الشرقيين (السفارد) ويهود العالم الإسلامي.
وفي الوقت الراهن يندرج تحت تصنيف معسكر الأحزاب العمالية كل من حزب العمل الإسرائيلي وكتلة ميرتس التي تتألف من ثلاثة أحزاب هي شينوي ومابام وراتس. وإذا كان حزب الماباي هو واضع أُسس الدولة وسياستها تجاه العرب، فيمكن القول بأنه قد تبلور اتجاه نشيط داخل معسكر الأحزاب العمالية قاد سياسة في الصراع العربي الإسرائيلي مرتكزاً على منطق القوة وفرض الأمر الواقع، وانتهاز الفرص لتوسيع حدود الكيان الصهيوني، ثم فرض السلام على الدول المجاورة.

وفيما يتصل بطبيعة الكيان الصهيوني وحدوده فقد كان هناك اختلاف بين تيارين داخل المعسكر العمالي وذلك رغم الاتفاق العام بين الأحزاب الصهيونية كافة على المبادئ الأساسية للمشروع الصهيوني. فالتيار الأول ويمثله الماباي كان يُخضع تلك المبادئ لضرورات ومتطلبات المراحل التي يمر بها المشروع الصهيوني. ولذا كان يطالب بضرورة اتباع خط براجماتي يتعامل مع الوضع المحلي والدولي بشكل يمكِّنه من تسخيرهما في كل مرحلة لخدمة المشروع؛ ولذلك فهو لم يعلن في أيِّ وقت حدود مشروعه الجغرافية والسياسية أو السكانية، ووافق على قرار التقسيم عام 1947 على أن يتم تقوية المستوطن الصهيوني وتوسيعه بعد ذلك. أما التيار الثاني فيمثله المابام وقد رفض فكرة التقسيم، وطرح فكرة الدولة ثنائية القومية بين العرب واليهود.
ويوضح تطور موقف حزب المابام ورؤيته لطابع الدولة الإسرائيلية والموقف من القضية الفلسطينية اتجاهه نحو التقارب مع رؤية الماباي. فقد وافق المابام، في نهاية الأمر، على قرار التقسيم، وقبل أيضاً بعدم تحديد حدود الدولة. ولذلك فالنهج السائد بين الماباي والمابام هو نهج واحد، جوهره رفض تعريف الحدود السياسية، تمشياً مع النهج القائم على فرض سياسة الأمر الواقع وتنشيط الاستيطان. أما بخصوص المشكلة السكانية فقد تقبل المابام رؤية الماباي القائمة على اعتبار القضية الفلسطينية قضية لاجئين، يعتمد حلها على اتفاق سلام مع الأردن يقوم على أساس قيام دولتين هي إسرائيل من جهة ودولة أردنية فلسطينية من جهة أخرى. ولكنه مع هذا ظل مختلفاً مع الماباي بدعوته إلى عودة نسبة معينة من اللاجئين وإلى توطين الباقين في البلاد العربية. ثم تطورت رؤيته بعد حرب 1967 نحو تبنِّي رؤية حزب العمل تماماً، فتلاشت الفوارق بينهما تماماً، واتحدا في تجمُّع المعراخ عام 1969، مع محافظة المابام على حقه في التصويت في بعض القضايا المهمة بالنسبة له.

أما على صعيد السياسة الخارجية فيوجد إجماع بين جميع الأحزاب الصهيونية على مبدأين أولهما الإيمان بحتمية الصراع مع دول الجوار العربي ومن ثم حتمية اللجوء لاستخدام القوة العسكرية. وثانيهما الاعتماد على قوى خارجية والعمل على خدمة مصالحها. ولم تواجه سياسة الانحياز للمعسكر الغربي التي اتبعها حزب المابام أية معارضة تُذكَر من جانب الأحزاب الصهيونية إلا في السنوات الخمس الأولى من قيام الكيان، حيث كان المابام يدعو إلى انتهاج سياسة عدم الانحياز بين المعسكرين، ولكن ذلك النهج لم يَدُم طويلاً، فالتحق المابام كلياً بنهج الماباي.
وعلى صعيد القضايا الداخلية الاقتصادية والاجتماعية فقد حدثت تغيرات في الديباجات اليسارية نفسها نابعة من الخصوصية الصهيونية، فالديباجات اليسارية القديمة كانت تعبِّر عن الاشتراكية الديموقراطية، ولكن الآن التركيز على ما يُطلَق عليه دولة الرفاهة مع الاهتمام بحقوق الإنسان الفردية والجماعية مع الاهتمام بالتطبيقات، وقد فَقَد الهستدروت والكيبوتس الكثير من خصائصهما الاشتراكية (أي الاستيطانية الجماعية) . ويتضح ذلك أكثر في حركة ميريتس التي تركز على الحقوق المدنية والسياسية وخدمات الرفاهية والالتزام بعملية التسوية ودور القطاع الخاص والسياسات الأمنية.
البُعد الصهيوني للسياسة الخارجية الإسرائيلية
‏Zionist Dimension of Israeli Foreign Policy
وُلد المشروع الصهيوني في أوربا، استجابةً لواقع اقتصادي/ اجتماعي معيَّن عرف في التاريخ الأوربي باسم «المسألة اليهودية» ، أي مشكلة الفائض البشري اليهودي، أو بعض أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية الذين أصبحوا بلا وظيفة.

والحل الصهيوني للمسألة اليهودية هو الحل الإمبريالي لكل المشاكل، أي تصديرها إلى الشرق. وقد وجد بعض المفكرين الغربيين أن المسألة اليهودية يمكن حلها من خلال توظيفها لحل المسألة الشرقية (تقسيم الدولة العثمانية) . وتقرر أن يُصدَّر أعضاء الفائض البشري اليهودي الذين لا نفع لهم في الغرب إلى الشرق، أي فلسطين، حيث يصبحون مستوطنين صهاينة نافعين يقومون على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية. وبذلك ينجح اليهود في تحقيق الانتماء إلى العالم الغربي من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي بعد أن فشلوا في تحقيقه من خلال التشكيل الحضاري الغربي.

ورغم أن الحل الصهيوني كان حلاً غربياً، "اكتشفه" وطوَّره بعض المفكرين الغربيين من أمثال شافتسبري وأوليفانت إلا أنه ظل حلاً ميتاً بسبب رفض المادة البشرية اليهودية المستهدفة له. ثم تبنت بعض جماعات صهيونية مثل أحباء صهيون الحل الصهيوني للمسألة اليهودية ولكنها لم تدرك حقيقة بسيطة هي أن أي مشروع في أوربا في القرن التاسع عشر كي يحقق النجاح لابد أن يصبح جزءاً من المشروع الإمبريالي الغربي. ولذا ظلت الجماعات الصهيونية في شرق أوربا هامشية مفتتة مفتقدة الاتجاه، إلى أن ظهر هرتزل (الألماني الذي يعرف الإمبريالية الغربية جيداً، على عكس يهود شرق أوربا) واكتسح الجميع. فبعد فترة أولية توجَّه فيها هرتزل إلى القيادات التقليدية للجماعات اليهودية (الحاخامات والأثرياء) طالباً منهمتبني المشروع الصهيوني ووضعه موضع التنفيذ، طرح هذه الحلول التقليدية جانباً وطرح معها أوهام الانعتاق الذاتي. ثم تقدَّم إلى القوى الاستعمارية الغربية بمشروع بسيط: توقيع عقد بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية تقوم بمقتضاه المنظمة الصهيونية بتقديم اليهود، المادة البشرية المستهدفة اللازمة لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ، أي تأسيس الدولة الوظيفية، وفي مقابل هذا يقوم الغرب بالإشراف على تنفيذ هذا المشروع ودعمه ثم استمراره وبقائه. وأسس هرتزل المنظمة الصهيونية "العالمية"، وفي هذا الإطار وقَّع عقد بلفور، أول انتصار حقيقي للحركة الصهيونية. وفي هذا الإطار تحرَّك زعماء الحركة الصهيونية وسعوا إلى توفير الظروف الدولية المناسبة لتحقيق الهجرة والاستيطان في فلسطين وقيام الدولة الوظيفية. وقد تباينت جهودهم "الدبلوماسية". ولكنها كانت جميعاً في جوهرها بحثاً دائماً عن راع إمبريالي للمشروع الصهيوني وللجيب الاستيطاني.

ويُلاحَظ أن النشاط الدبلوماسي والسياسة الخارجية الصهيونية تنفرد بكونها سابقة على قيام الدولة بل منشئة لها. وقد أسفرت هذه السياسة الخارجية عن قيام دولة إسرائيل تحقيقاً لتعهد دولي من وزير خارجية دولة استعمارية عظمى، وبمساندة انتداب دولي في فلسطين تحت إشراف الحاكم العام هربرت صمويل قررته عصبة الأمم التي كانت تهيمن عليها الدول الغربية الاستعمارية، واستناداً إلى قرار تقسيم صادر عن منظمة دولية.
غير أن الوجه الآخر لأسبقية السياسة الخارجية على وجود الدولة تمثل في وجود نوع من المعضلات النابعة من خصوصية الظاهرة الصهيونية، على رأسها إشكالية تَعدُّد الفاعلين الدوليين في السياسة الخارجية بعد قيام الدولة الصهيونية وطبيعة العلاقة بين هؤلاء الفاعلين، وهي علاقة شابها الصراع والتنافس أكثر من مرة، ولعل من أكثر هذه الصراعات حدة الصراع الذي نشب بين المنظمة الصهيونية (تحت قيادة ناحوم جولدمان) وحكومة جولدا مائير في أواخر الستينيات. غير أن هذا الصراع حُسم تاريخياً لمصلحة مؤسسة الدولة.
والواقع أن العلاقة بين الدولة والمنظمة لم تكن في جميع الأحوال علاقة إما/أو، ولم يكن منطق الدولة مختلفاً دائماً عن المنطق الصهيوني الصرف الذي تمثله المنظمة. فإسرائيل تبنت منذ نشأتها نموذج الصهيونية العمالية كإطار عام لتنظيمها السياسي والاقتصادي وقد وافقت على هذا المنظمة الصهيونية. ويمكن التمييز تاريخياً بين مرحلتين: المرحلة الأولى هي مرحلة سيادة نموذج الصهيونية العمالية حتى منتصف السبعينيات، والثانية تبدأ مع استحكام أزمة هذا النموذج وظهور الدعوة إلى تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، والتي كان من الطبيعي أن تنعكس على صياغة توجهات السياسة الخارجية الإسرائيلية.

ففي الثلاثين عاماً الأولى بعد تأسيس الدولة، كانت السياسة الإسرائيلية تصاغ في ظل نموذج الصهيونية العمالية الذي قام بإعطاء الأولوية للاستيطان وبناء الكيان الصهيوني. وانعكس هذا النموذج على السياسة الخارجية الإسرائيلية في مجالين أساسيين:
أولاً: غلبة المنطق الأمني الجيتوي (نسبة إلى الجيتو) على السياسة الخارجية، فإسرائيل ـ حسب هذا المنطق ـ دولة تدافع عن مصالح الغرب في المنطقة وتقوم بدور الخفير الذي يقوم بتأديب كل من تُسوِّل له نفسه (مثل القوميين العرب) أن يتمرد على الهيمنة الغربية ويبحث عن التنمية المستقلة ويحاول أن تُدار المنطقة لصالح أهلها. ويتلازم مع هذا ديباجات جيتوية تركز على الجماعة اليهودية المحاصرة في محيط الأعداء (الأغيار) وتكرس أحقية الدولة في تلقِّي تعويضات عن ضحايا اليهود باعتبارها ممثلهم الشرعي الوحيد.
ثانياً: تتطلب العلاقات مع المحيط العربي المعادي (في إطار المنطق الأمني الجيتوي) درجة مرتفعة من عسكرة السياسة الخارجية، بمعنى تغليب الأداة العسكرية على الأداة الدبلوماسية في تنفيذ السياسة الخارجية. وقد يكون من المفيد هنا التذكير بأن إسرائيل لم تسع في البداية إلى التفاوض مع العرب (حتى ما بعد حرب عام 1967) ، وهو ما عبَّر عنه بن جوريون في مذكراته في 14 يوليه 1949 حيث ذكر أن "أبا إيبان.. لا يرى ضرورة للركض وراء السلام، لأن العرب سيطلبون ثمناً: حدوداً أو عودة لاجئين أو كليهما.. فلننتظر بضعة أعوام". فإسرائيل ـ على حد تعبير الأستاذ هيكل ـ لم تكن تريد السلام لا بالتفاوض ولا بغيره، بعد أن نجحت في إقامة الدولة حرباً، لأنها لم تكن مستعدة لدفع ثمن هذا السلام، بل كان التوسع طموحها.

غير أنه ومنذ منتصف السبعينيات ومع الأزمة الاقتصادية التي شهدتها إسرائيل في أعقاب حرب 1973، بدأ اهتزاز نموذج الصهيونية العمالية وتعالت الأصوات منادية بتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي انعكس بطبيعة الحال على السياسة الخارجية الإسرائيلية، باعتبار أن هذه السياسة هي، في التحليل الأخير، دالة في مجموعة من المتغيرات المتعلقة بالقدرات الذاتية للدولة، والظروف الدولية، وإدراك النخبة الحاكمة لهذه القدرات وتلك الظروف.
وتزامن ذلك مع حدوث مجموعة من المتغيرات استوجبت أن تشمل عملية إعادة النظر في نموذج الصهيونية العمالية السياسة الخارجية: فمن ناحية جاء التحدي العربي غير النظامي ليطرح التساؤل حول كفاءة الأداة العسكرية الإسرائيلية في تحقيق الأمن. فإسرائيل في لبنان قامت، لأول مرة في تاريخها، بانسحاب منفرد من أراض احتلتها، والانتفاضة الفلسطينية طرحت الشكوك، في ظل عجز الجيش عن إخمادها، حول قدرة الأداة العسكرية (التي نجحت بشكل عام في مواجهة التحديات النظامية) على مواجهة التحدي غير النظامي.

ومنذ ذلك الحين، أو قبل ذلك بقليل، بدت الدبلوماسية أكثر كفاءة في تنفيذ أهداف السياسة الخارجية من الأداة العسكرية. فكان التفاوض والصلح مع مصر، وكان اتفاق مايو 1983 الذي انهار قبل أن تجف الأقلام التي كتبته، وكان اتفاق أوسلو، وكان الاتفاق مع الأردن ... إلخ. والمثير هنا أن هذه الاتفاقات، وبخاصة الاتفاق مع مصر، عكست انتصار منطق الدولة ودرجة من تطبيع السياسة الخارجية الإسرائيلية. فالانسحاب من سيناء، ذات الأهمية التاريخية النسبية من وجهة النظر الصهيونية، والبقاء في الجولان، بل محاولة ضمها فعلياً عام 1981 بإخضاعها للقانون الإسرائيلي، كان يعني أن الإستراتيجية هزمت الأيديولوجية، وأن منطق الدولة قادر على إزاحة منطق الأيديولوجيا إذا ما تعارضا. ومن ثم أضحت مهمة منطق الأيديولوجيا هي البحث عن صيغة للتعايش مع التطبيع الذي بدا آتياً لا محالة.
وأخيراً فقد جاء انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم حرب الخليج التي تحولت فيها إسرائيل من رصيد إستراتيجي إلى عبء إستراتيجي على الولايات المتحدة التي اضطرت للحضور بنفسها للدفاع عن مصالحها الإستراتيجية، ليطرحا التساؤل بشأن كفاءة الدولة الوظيفية ويثيرا قدراً ضئيلاً من الشكوك حول العلاقة التعاقدية.
ولعل المبادرة الإسرائيلية بطرح أفكار حول دورها في مواجهة الإرهاب والأصولية في المنطقة، والكيفية التي يمكن أن يفوز الغرب بها في "المعركة ضد الإرهاب" (عنوان أحد مؤلفات رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو) تعكس حرص النخبة على تأكيد القيمة الوظيفية لإسرائيل، في الوقت الذي بادرت فيه نفس النخبة (بل نفس السياسي) بالتحدث عن إمكانية استغناء إسرائيل عن المعونة الأمريكية، والتبشير بنجاح تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، بصرف النظر عن الاستحالة العملية لهذا التطبيع (انظر: «المعونة الخارجية للدولة الصهيونية الوظيفية» ) .

هذه السياسات المتناقضة قد تكشف أزمة الصياغة التلفيقية التي بدأت تظهر في إسرائيل كرد فعل لأزمة نموذج الصهيونية العمالية. فهي صياغة تحاول الجمع بين ثوابت الأيديولوجية الصهيونية كما تتبدى في الخطاب الصهيوني من جهة، وبعض الممارسات السياسية وتدويل الممارسة الاقتصادية من جهة أخرى. غير أنها تصطدم عند التطبيق بالتناقضات بين الأجندة السياسية الأيديولوجية المتشددة والمناخ الملائم لعملية تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي يقتضي البحث عن صياغة أكثر تركيباً وتلفيقاً على مستوى السياسة الخارجية، صياغة تجمع بين الخطاب التطبيعي المطمئن للمستثمرين والدافع للتعاون الإقليمي، والممارسة الصهيونية التي تكرس أمراً واقعاً يضع حدوداً صارمة على هذا التطبيع بحيث لا يتجاوز بأية حال حدود الخطاب الأيديولوجي إلى التضحية بمكتسبات الأرض.

وتبلورت هذه الصياغة من خلال التفسير الإسرائيلي لمبدأ الأرض مقابل السلام. فهذا المبدأ في صورته الأصلية يشكل معادلة غير متكافئة الأطراف. فالأرض كيان ملموس والسلام معنوي بالأساس. ويستطيع طرف مثلاً أن يحصل على نصف الأرض أو ربعها، ولكن كيف يمكن أن يحصل الطرف الآخر بالمقابل على نصف السلام أو ربعه؟ وجاء الحل التلفيقي ليقلب المعادلة: فالأرض اتخذت شكلاً أكثر تجريداً، بحيث يطرح التساؤل حول الانسحاب من "أرض" أم من "الأرض"؟ وتُقسَّم الأرض إلى مناطق تخضع لترتيب مؤقت وأخرى لا تُناقَش إلا مع ترتيبات الحل النهائي، ويقسم الانسحاب من الأرض إلى إعادة انتشار ثم تفاوض (ومن المثير أن مناحم بيجين حين كان وزيراً للدولة في وزارة الحرب اعترض على مبادرة روجرز لتضمنها كلمة "انسحاب" مطالباً باستبدالها بتعبير "إعادة تمركز القوات" ... إلخ) . أما السلام فيتحول إلى مرادف لعلاقات اقتصادية تفضيلية وتعاون إقليمي، وليس مجرد علاقات عادية أو طبيعية، وتُعقَد مؤتمرات وتنبثق لجان للتجارة والسياحة ومجلس للأعمال ومشروع لبنك إقليمي ... إلخ، وتُدار هذه التطورات بغض النظر عن التطورات على الأرض!
وغني عن البيان أن هذه الصياغة ـ بقلبها للمعادلة ـ تبث الحياة مرة أخرى في نموذج الصهيونية العمالية، ليتعايش من جديد منطق الدولة ومنطق الأيديولوجيا، بحيث ترسم الأيديولوجيا حدود التطبيع السياسي الذي تقتضيه ضرورات منطق الدولة والتطبيع الاقتصادي.
أما عن قابلية هذه الصياغة للاستمرار، وخصوصاً في ضوء الصعوبات التي تواجهها عملية تطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، فإنها مرهونة بتحركات الأطراف الأخرى في التفاعل الإقليمي، حيث تصبح هذه الأطراف وحدها القادرة، على الأقل برفضها قلب المعادلة الحاكمة للتفاوض، على كشف هشاشة هذه الصياغة واحتدام أزمة الدولة ليس فقط على المستوى الاقتصادي وإنما أيضاً على مستوى السلوك الخارجي.
الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية

‏Zioinst-Israeli Propaganda
يُقصَد بالدعاية نشاط يهدف إلى التأثير في الآخرين لدفعهم لاتخاذ مواقف ما كانوا ليتخذوها لولا هذا التأثير. ويتصل بالدعاية مجموعة من المفاهيم الأخرى مثل الاتصال والإعلام والحرب النفسية. والدعاية الصهيونية/الإسرائيلية تشكل أحد المرتكزات الثلاثة التي تقوم عليها إستراتيجية المُستوطَن الصهيوني (الصراع المسلح ـ التخطيط الدعائي المنظم ـ الدبلوماسية النشيطة) . والعلاقة بين هذه المرتكزات متداخلة، فأي منها يُعدُّ للآخر ويتابعه، فالدعاية تمهد للصراع المسلح وتلاحقه، ثم تأتي الدبلوماسية لتؤكد ما حققه كل منهما. ولا يمكننا الحديث عن دعاية إسرائيل (الدولة) بشكل منفصل عن الدعاية الصهيونية، فالعلاقة بينهما أكثر من تاريخية، فرغم وجود منظمات مستقلة خاصة بكل منهما فإن الدعاية الإسرائيلية هي بالأساس صهيونية، كما أن نشاط الدعاية الصهيونية هو بالأساس لحساب إسرائيل، ويتضح هذا التداخل القريب من الاندماج ليس فقط على مستوى المنطق الدعائي بل في تداخُل وتعاون أنشطتهما التي تأخذ أحياناً شكل مؤسسات ومنظمات مشتركة، ولذا سنتحدث عن دعاية صهيونية/إسرائيلية.
تنطلق الدعاية الصهيونية من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (شعب عضوي منبوذ ـ يُنقَل من الغرب إلى الشرق ـ ليتحول من عنصر طفيلي إلى عنصر نافع يقوم على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية ويقوم بتجنيد يهود العالم وراء الدولة الغربية الراعية) . وهذا يعني ضرورة التوجه إلى عدة قوى وضرورة تطوير مستويات مختلفة من الخطاب الدعائي.
1 ـ يجب أن يتوجه الإعلام الصهيوني بالدرجة الأولى إلى الدولة الإمبريالية الراعية في غرب أوربا وأمريكا الشمالية التي ستقوم بدَعْم المشروع الصهيوني وتوفير موطئ قدم له مقابل أن تقوم الدولة الصهيونية على خدمة الدولة الراعية والدفاع عن مصالحها.

2 ـ يجب أن يتوجه الإعلام الصهيوني إلى المادة البشرية المُستهدَفة (أي اليهود) لتجنيدهم لخدمة المشروع الصهيوني الوظيفي.
3 ـ يجب أن يتوجه الإعلام الصهيوني للمستوطنين الصهاينة حتى يمكنهم الاستمرار في حالة الحرب المستمرة التي فرضها عليهم المشروع الصهيوني.
4 ـ يجب أن يتوجه الإعلام الصهيوني إلى المادة البشرية الأخرى المُستهدَفة والتي لا يرد أي ذكر لها، أي عرب فلسطين والعرب ككل، وذلك حتى يمكن هزيمتهم نفسياً وإخفاء عمليات القمع ضدهم أو تبريرها.
5 ـ يجب أن يتوجه الإعلام الصهيوني إلى شعوب آسيا وأفريقيا والعالم بأسره لتبرير المشروع الصهيوني.
ومن الواضح أن الوظيفة الدعائية عنصر مشترك في أداء زعماء الحركة الصهيونية. فهرتزل كتب كتابه الأرض القديمة الجديدة بهذا الهدف. وكان جابوتنسكي ينتقل من جنوب أفريقيا إلى أمريكا الشمالية للسبب نفسه. وكان وايزمان أحد زعماء الحركة الصهيونية وأول رئيس لإسرائيل يقول: "يجب أن نبني أعمالنا على أوسع مجال من عطف الرأي العام". وقد لعب زعماء الدولة الصهيونية وقيادتها دوراً مماثلاً.
وتظهر وظيفية الدعاية الصهيونية في تَلوُّنها السريع، ففي مرحلة ما قبل بلفور، على سبيل المثال، كانت الدعاية الصهيونية تركز على حاجة اليهود لوطن قومي في أي مكان في العالم. ومع تحدُّد الإستراتيجية الإمبريالية البريطانية، ومع قرار تقسيم الدولة العثمانية، أصبحت فلسطين، وفلسطين وحدها، البلد الذي يمكن أن يعيش فيه اليهود.

ويختلف الخط الإعلامي الصهيوني في ألمانيا النازية عنه في أوساط المثقفين الاشتراكيين أو في أوساط الرأسماليين الأمريكيين. ولعل هذه الصفة الحربائية (التي تدل على الكفاءة) تظهر أكثر ما تظهر في الدعاية الصهيونية الموجهة للعرب. فقبل عام 1948، كان الحديث عن ضرورة اقتسام فلسطين مع العرب. ولكن هذا الحديث يختفي تماماً بعد ذلك التاريخ، بل إن الدعوة إلى التقسيم أصبحت تطرفاً وإرهاباً وتهديداً للبقاء اليهودي. ومع هذا، يُلاحَظ أن الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية اتخذت، حتى عام 1956، موقف الدفاع عن الذات اليهودية وعن الدولة اليهودية، ويتمثل هذا في عدم تشويه الطابع القومي العربي، بل لا تتردد هذه الدعاية في تذكير العرب بالأصل المشترك مع اليهود. أما بعد حرب 1956، فقد انتقلت الدعاية إلى موقع الهجوم بتشويه الطابع القومي للعرب وتضخيم فضل العنصر اليهودي على العالم. وفي مرحلة 1967، انتقلت هذه الدعاية إلى أسلوب الاستفزاز بتأليه الطابع اليهودي والحديث عن السلام العبري وضرورة فرضه على المنطقة، والإلحاح على إسرائيل كدولة وظيفية قادرة قوية وكذراع للمصالح الغربية بالمنطقة ضد القومية العربية.
وفي المرحلة الممتدة من كامب ديفيد إلى أوسلو التي واكبت سقوط الاتحاد السوفيتي وتقهقُر القومية العربية وظهور منظمتي حماس والجهاد الإسلامي، بدأت إسرائيل تتبنى منطقاً إعلامياً جديداً وهو الدفاع عن النظام العالمي الجديد وتأكيد الروابط الاقتصادية بين إسرائيل ودول الشرق الأوسط (الدول العربية سابقاً) والهجوم على الحركات الإسلامية وإعادة إنتاج صورة الإسرائيلي باعتباره خبيراً اقتصادياً مرناً متفاهماً، وباعتباره فنياً لا يكترث كثيراً بالأبعاد الأيديولوجية، بعد أن كان مقاتلاً في جيش ذي ذراع طويلة تمتد لتصل إلى الجميع.
ومع هذا، ثمة موضوعات أساسية في الدعاية الصهيونية نوجزها فيما يلي:

1 ـ إشاعة الاعتذاريات الصهيونية المختلفة عن أن اليهود شعب عضوي غربي أبيض، أو شعب يهودي خالص، أو شعب اشتراكي يدافع عن حقوق الإنسان ... إلخ. ولكن الموضوع الأساسي في كل هذه الاعتذاريات هو أن الجماعات اليهودية هي في واقع الأمر "أمة يهودية" واحدة لابد من جَمْع شمل أعضائها لتأسيس دولة يهودية في فلسطين، مع التزام الصمت الكامل حيال العرب لتغييبهم أو محاولة تشويه صورتهم إن كان ثمة ضرورة لذكرهم.
2 ـ ركزت الدعاية الصهيونية في الغرب (وبخاصة في مرحلة ما قبل بلفور) على محاولة إعادة إنتاج صورة اليهودي حتى يمكن توظيفه في خدمة المشروع الصهيوني. فاليهودي إنسان لا جذور له، طفيلي يشعر بالاغتراب ما دام خارج أرض الميعاد. وهو مُضطهد بشكل دائم عبر التاريخ (ابتداءً من طَرْد اليهود بعد هَدْم الهيكل على يد تيتوس إلى إبادتهم بأعداد ضخمة على يد هتلر) . هذا اليهودي يصبح الإنسان العبري، القوي، المحارب، الذي يمكنه أن يدافع عن نفسه وعن مصالح الحضارة الغربية.
3 ـ توجَّهت الدعاية الصهيونية إلى الجماعات اليهودية تُبيِّن لها أن وجودها في عالم الأغيار يتهددها (ويتهدد هويتها) بالخطر. وركَّزت الدعاية الصهيونية على دعوة ال يهود للخروج من الجيتو والهجرة إلى إسرائيل للحفاظ على خصوصيتهم وهويتهم اليهودية.
4 ـ ركزت الدعاية الصهيونية على قضية العداء الأزلي لليهود وعلى الإبادة النازية لليهود والستة ملايين يهودي، وهي تهدف من هذا إلى ابتزاز العالم الغربي وتبرير عملية اقتلاع الفلسطينيين من بلادهم، كما أنها تقوي التضامن اليهودي في الوقت نفسه.
5 ـ من الموضوعات الأساسية التي تطرحها الدعاية الصهيونية قضية البقاء، فالدولة الصهيونية ليست دولة معتدية وإنما هي تحاول الحفاظ على بقائها وأمنها وحسب. وتختلف طبيعة هذا البقاء من حقبة لأخرى وحسب موازين القوى.

6 ـ أما بالنسبة للمستوطنين الصهاينة، فقد ركزت الدعاية الصهيونية على حقوقهم التاريخية المطلقة وعلى قضية الوعي اليهودي. كما طورت الدعاية الصهيونية رؤية مزدوجة للمُستوطَن الصهيوني باعتبار أن بقاءه مهدد دائماً من قبَل العرب ولكنه قوي جداً لدرجة أنه لا يمكن أن يتهدده أحد، فهو قادر على البقاء وعلى سَحْق أعدائه وضربهم في عقر دارهم. وقد ركزت الدعاية الصهيونية على قضية التنشئة الاجتماعية حتى تضمن دَمْج المهاجرين والأجيال الجديدة في المجتمع الاستيطاني.
7 ـ وقد حاولت الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية تحويل مشاعر العداء للسامية من الفرع اليهودي إلى الفرع العربي. واستبدلت بصورة اليهودي التي سيطرت عليها صفات مثل الخيانة والبخل والعدوانية والخداع صورة على النقيض، فأصبح اليهودي: مسالماً ـ متحضراً ـ أميناً ـ ذكياً ـ صديقاً، ونجحت في ترسيخ صفات سلبية عن العربي، فقد أصبح: متخلفاً ـ بربرياً ـ جشعاً ـ عدوانياً بطبعه، وفي نهاية الأمر غائباً لا وجود له.
8 ـ تدخل الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية الموجهة للعرب في إطار الحرب النفسية التي تهدف إلى تحطيم معنويات العرب بل تحطيم الشخصية القومية العربية وغَرْس مفاهيم مثل "جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يُقهَر" و"السلام العبري". وقد أشرف على الحرب النفسية الإدارة النفسية العسكرية (التابعة للوكالة اليهودية) قبل عام 1948. فخلقت حالة من الذعر الجماعي بين السكان العرب وروجت أخبار الأوبئة الوهمية والمذابح ووزعت المنشورات واستخدمت مكبرات الصوت المحمولة على عربات مطالبة السكان بالخروج قبل 16 مايو باعتباره الوسيلة الوحيدة لتجنُّب مذبحة كبرى. وحتى حوادث العنف التي ارتكبها الصهاينة ضد العرب خُطِّطت بطريقة رشيدة جداً تراعي الجانب الدعائي، وذلك بتعمُّد ترك شهود أحياء يتمكنون من الفرار حتى يشيعوا الذعر في المناطق المجاورة.

وتشرف وزارة الدفاع وجهاز المخابرات الإسرائيلية على الأنشطة الدعائية في المناطق العربية المحتلة بعد عام 1948. ومن المؤسسات الأخرى الإذاعة الإسرائيلية من القدس التي تبث إرسالها إلى عرب فلسطين والبلاد العربية، والقسم العربي بالهستدروت. وتركز الدعاية الصهيونية الموجهة للعرب على إشاعة التقسيمات الطائفية وعلى تقويض المقاومة ضد الاحتلال.
وتعتمد الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية على مبدأ التضليل بصفة عامة. ويتم هذا لا من خلال الكذب المباشر إنما من خلال الاختصار والاعتماد على لغة الإبهام والغموض، كما يلجأ الصهاينة أحياناً للغش المصقول. وقد بيَّن أبا إيبان أن الدبلوماسية الإسرائيلية عادةً ما تختار حلاًّ للصراع العربي الإسرائيلي تعلم مسبقاً أن العرب لا يمكن أن يقبلوه، ثم تبدأ آلة الإعلام في التهليل له. وحينما يرفض العرب مثل هذا الاقتراح، فإن الصهاينة يتوجهون للعالم يعتصرهم الألم لرفض العرب اقتراحهم السلمي. ولما كانت الأهداف المتعددة تقتضي أساليب متعددة وأصواتاً متعددة فإن الدعاية الإسرائيلية توظِّف الأدوات بحيث يمكنها إصدار عدة أصوات مختلفة، فهناك صوت يساري معتدل وآخر يميني متطرف وصوت وسط يقف بين الاثنين ويُسمَح لكل الأصوات بأن تظهر فيما يشبه الجوقة على أن يصل لكل متلق الصوت الذي يحبه (ولذا يُطلَق على هذه الآلية «دبلوماسية الجوقة» ) .
ومن الآليات الأساسية التي لجأت لها الدعاية الصهيونية اعتماد أجهزة الدعاية الإسرائيلية على محترفين في الحرب الإعلامية يعلمون أسرار المهنة قلباً وقالباً.
وتُعتبَر أهم وسائل الإعلام الإسرائيلي ما يلي:
1 ـ مراسلو وكالات الأنباء الغربية والصحف وشبكات التليفزيون في إسرائيل وجميعهم من الإسرائيليين.
2 ـ إقامة علاقات اتصال مع شخصيات وجمعيات أمنية مؤثرة، سواء عن طريق الزيارات المتبادلة أو المراسلة وتوظيف ذلك دعائياً بما يخدم أهداف إسرائيل.

3 ـ تقوم المنظمات الصهيونية في كل أنحاء العالم بنشاطات إعلامية من خلال تجنيد شخصيات ومؤسسات ومراكز إعلامية ومراكز أبحاث تُزوَّد بمطبوعات ونشرات تتحدث عن إسرائيل بالتعاون مع الملحقيات الصحفية.
4 ـ تنشط المنظمات الصهيونية لإقامة جمعيات صداقة بين إسرائيل والدول التي توجد فيها جاليات يهودية كجمعيات التضامن والصداقة (طبية ـ اقتصادية ـ حقوقية ... إلخ) وتضم هذه اللجان شخصيات يهودية وأخرى غير يهودية مهمتها الدعاية لإسرائيل.
5 ـ شبكة واسعة من الدوريات الصهيونية في أنحاء العالم كافة.
وتُعتبَر إدارة الإعلام التابعة لوزارة الخارجية المشرف على تخطيط الدعاية الإسرائيلية في الخارج. وتقوم السفارات والقنصليات ومراكز الإعلام الإسرائيلية (التابعة للسفارات) وأبرزها في نيويورك وباريس وبيونس إيرس وزيورخ بتنفيذ وتوجيه العمل الدعائي.
وتلعب المنظمة الصهيونية العالمية ـ كما أسلفنا ـ دوراً مهماً في نشاط الدعاية الصهيونية/الإسرائيلية. وكان عام 1969 عاماً حاسماً في تاريخ الوظيفة الدعائية للمنظمة حين اتُخذ قرار بتنظيم الوكالة اليهودية والفصل بينها وبين المنظمة الصهيونية العالمية واختصاص الأخيرة بكل ما يتصل بالدعاية الدولية. وتضم المنظمة مجموعة من المكاتب والإدارات المركزية التابعة لها للإشراف على العمل الدعائي الصهيوني. ولا تَخفَى الصلة الوثيقة بين المنظمة الصهيونية ومئات المنظمات الصهيونية التي تمارس الدعاية والمنتشرة في أنحاء العالم والتي تتخذ شكل منظمات مستقلة مثل النداء اليهودي الموحَّد والصندوق الاجتماعي بفرنسا.
وبالإضافة إلى مئات المنظمات التي تبدو مستقلة، تمارس العديد من المنظمات الإسرائيلية الدعاية بالخارج، ومنها فروع الأحزاب والهستدروت التي تضم إدارتين واحدة للعلاقات الخارجية وأخرى للتعاون الدولي تلعبان دوراً دعائياً بارزاً بالخارج باتجاه الجمهور العمالي والمنظمات العمالية الأجنبية.

ويرجع نجاح الدعاية الصهيونية إلى عدة عناصر:
1 ـ تعدُّد المنظمات الدعائية وتنوُّعها وضخامة عددها واعتمادها التخطيط العلمي.
2 ـ تقوم الدعاية الصهيونية بتوظيف أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب فهم يشكلون جزءاً عضوياً داخل الجسد الغربي (رغم استقلاله النسبي) ، ومن ثم تبدو الدعاية الصهيونية كما لو أنها ليست وجهة نظر دولة أجنبية وإنما تعبير عن مصالح أقلية قومية.
3 ـ غياب الدعاية العربية وفجاجتها في كثير من الأحيان.
ولكن السبب الحقيقي والأول هو أن إسرائيل دولة وظيفية أسَّسها التشكيل الحضاري والإمبريالي الغربي لتقوم على خدمته، ولذا فهي تحظى بكثير من التعاطف لأن بقاءها كقاعدة للاستعمار الغربي جزء من الإستراتيجية العسكرية والسياسية والحضارية للعالم الغربي.
المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وعسكرة المجتمع الإسرائيلي
‏Israeli Military Establishment and Militarization of Israeli Society
المجتمعات الاستيطانية (سواء في أمريكا الشمالية أو في جنوب أفريقيا) مجتمعات ذات طابع عسكري بسبب رفض السكان الأصليين لها. وإسرائيل لا تشكِّل أيَّ استثناء من هذه القاعدة، فهي مجرد تحقُّق جزئي لنمط متكرر عام. وقد ظهرت منظمات ومؤسسات وميليشيات عسكرية قبل عام 1948 دُمجت كلها في مؤسسة واحدة، هي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي أصبحت العمود الفقري للتجمُّع الاستيطاني الصهيوني.
ويتميَّز المجتمع الإسرائيلي بصبغة عسكرية شاملة قوية، فجميع الإسرائيليين القادرين على حمل السلاح رجالاً ونساءً يؤدون الخدمة الإلزامية. وينطبق على هذا المجتمع وصف «المجتمع المسلح» ، أو «الأمة المسلحة» كما يصف الإسرائيليون أنفسهم.

وتتشكَّل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من العناصر العسكرية في المجتمع الإسرائيلي، وتضم هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، والضباط المحترفين فيه، وأجهزة المخابرات المختلفة، ومعاهد الدراسات الإستراتيجية، ومختلف التنظيمات التي يمتد إليها إشراف الجيش، وأفواج الضباط السابقين المنتشرين في المناصب الإستراتيجية في مختلف أنحاء الدولة، بالإضافة لرجال الشرطة، والسياسيين الذين ارتبطت حياتهم ومواقفهم بدور الجيش. ومع هذا فمن العسير جداً تحديد حدود المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بسبب استيطانية الدولة الصهيونية ولا تاريخيتها، وبالتالي حتمية لجوئها للعنف لتنفيذ أي مخطط، لهذا نجد أن إسرائيل هي دولة تأخذ معظم الأنشطة فيها صفة مدنية/عسكرية في آن واحد. وحيث إن معظم جيشها من قوات الاحتياط يصبح من الصعب التمييز بين المدنيين والعسكريين، ويصبح في حكم المستحيل العثور على حدود فاصلة بين النخبة العسكرية والنخبة السياسية، إذ يتبادل أفراد النخبتين الأدوار ويقيمون التحالفات في الأحزاب والهستدروت والكنيست وغيرها من المنظمات.

ولا تمثل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بالنسبة لإسرائيل مجرد آلة مسلحة لتحقيق أهدافها السياسية ومصالحها الحيوية، ولكنها تتغلغل في معظم أوجه الحياة السياسية، بدءاً بإقامة المستوطنات وتنظيم الهجرة إلى إسرائيل، وتحقيق التكامل بين المهاجرين إليها، وتنظيم البرامج التعليمية لأفراد الجيش، ومراقبة أجهزة الإعلام وتوجيهها، وتطوير البحث العلمي، إلى تحديد حجم الإنفاق العسكري بما يؤثر على عموم الأحوال الاقتصادية للدولة، والتأثير على مجال الصناعة وخصوصاً الصناعات الحربية والإلكترونية، ومجال القوى العاملة والتنمية الإدارية. وتقوم المؤسسة العسكرية بدور مهم في التأثير في وضع الأراضي العربية المحتلة وتحديد الأراضي التي يتم ضمها إلى إسرائيل، وطرد العرب من هذه الأراضي. ويُضاف إلى ذلك أن المؤسسة العسكرية تحتفظ بصلات وثيقة، بهدف التنسيق والمتابعة، مع معظم أجهزة الدولة مثل وزارات الخارجية والمالية والتجارة والصناعة والعمل والتربية والتعليم والشرطة والزراعة والشئون الدينية. وللمؤسسة العسكرية شبكة للعلاقات الخارجية تشمل الاتصالات من أجل الحصول على معلومات أو أسلحة، والقيام بعمليات سرية في الخارج، وتدريب أفراد من الدول النامية على القتال.

وتُشكِّل وزارة الدفاع الإسرائيلية وقمة جيش الدفاع مركزاً لقوة سياسية واقتصادية واجتماعية لا مثيل لها في العالم باستثناء بعض أنظمة الحكم الديكتاتورية العسكرية مثل جنوب إفريقيا (قبل سقوط النظام العنصري) . فحجم التفاعلات التي تشترك فيها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تقدم نموذجاً خاصاً ومتميِّزاً لدور العسكريين، وهو الدور الناجم عن البُعد التاريخي للوظيفة العسكرية المصاحبة نشأة الكيان الاستيطاني الصهيوني، وهو ما جعل عسكرة المجتمع الإسرائيلي في جميع المجالات مسألة حتمية. وسنتناول في هذا المدخل الجانبين السياسي والاقتصادي وحسب، مع علمنا بأن العسكرة عملية أكثر شمولاً وعمقاً وبنيوية.
1 ـ عسكرة النظام السياسي:
إن هيبة ونفوذ المؤسسة العسكرية في النظام السياسي الإسرائيلي تنطلق من أن أهم المسائل في هذه الدولة هي مسائل الحرب والسلام، والوظيفة العسكرية للدولة تسيطر على الوجود السياسي سواء في فترات السلم نتيجة تعدُّد الوظائف التي تقوم بها، أو في فترات الحرب بسبب ضرورة حماية البقاء الذاتي للبلاد وفرض سطوتها.

ولذا نجد أن العسكريين الذين يعملون من خلال هيئة أركان عسكرية مركزية يهيمنون على التخطيط الإستراتيجي بل يحتكرونه. فهذه الهيمنة هي التي تضع التخطيط الإستراتيجي وتتخذ الخطوات التكتيكية. وباستثناء العسكريين في الاتحاد السوفيتي السابق، يمكن أن يُقال إن الجيش الإسرائيلي هو المؤسسة العسكرية الوحيدة في العالم التي لديها سلطة تامة تقريباً في المسائل الإستراتيجية والتكتيكية. وقد تحولت وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى أهم مركز من مراكز القوى في إسرائيل. وازدادت أهمية هذه الوزارة في أعقاب عدوان 1967، واقترنت في الغالب بقوة أعلى منصب رسمي في إسرائيل، أي منصب رئيس الوزراء، حيث إن كثيراً من رؤساء الوزراء يأتون عن طريق وزارة الدفاع وغالباً ما يحتفظون بها إلى جانب رئاسة الوزارة. ولعل مثال ذلك بن جوريون وتَمسكه بالمنصبين طوال حياته، وكذلك بيجين ثم إسحق رابين الذي اغتيل وهو يجمع بين المنصبين.
وتُعَد العلاقات بين الثالوث (رئيس الوزراء ـ وزير الدفاع ـ رئيس الأركان) محور العلاقات المدنية العسكرية، وأي انهيار فيها يؤدي إلى نتائج مأساوية. وقد حدث ذلك مرتين في تاريخ إسرائيل عام 1954 بين شاريت ولافون وديان، وفي عام 1981 ـ 1983 بين بيجين وشارون وإيتان. وهناك دلائل تشير إلى وجود توترات في العلاقة بين المؤسسة العسكرية ونتنياهو، كما سنبين فيما بعد. ولكن التنافس غالباً ما يكون بين وزير الدفاع ورئيس الوزراء، بينما يقوم رئيس الأركان بالميل لرأي أحدهما ليقويه أمام نده.
وقد سعت الأحزاب الإسرائيلية، وبصفة خاصة بعد حرب 1967، لضم القادة العسكريين اللامعين إليها بهدف الحصول على أكبر قدر ممكن من الأصوات، وهكذا كانت الاتصالات تجرى مع هؤلاء القادة قبل تركهم مناصبهم. وجاء قرار الكنيست عام 1973 بإباحة اشتراك القادة العسكريين في الانتخابات ليتوج الدور السياسي للقادة العسكريين.

وتُعدُّ المؤسسة العسكرية في إسرائيل مصدراً رئيسياً للتجنيد للمناصب الحكومية العليا والمناصب السياسة الحزبية حيث هذه المناصب الحزبية ممرات شبه إجبارية لتولِّي مناصب حكومية. وتؤكد الدراسات أن 10% من كبار الضباط المسرحين يتفرغون للعمل السياسي.
كما أن إدارة الوضع الأمني في المناطق المحتلة سواء بعد حرب 1967 أو بعد عملية إعادة الانتشار في أعقاب أوسلو (2) أو لمواجهة حركات المقاومة الإسلامية التي لم تضع سلاحها بعد (كحركتي حماس والجهاد الإسلامي) جعلت وزارة الدفاع والحكام العسكريين ومجموعة الاستخبارات العسكرية وقوات الشرطة في المناطق المحتلة بمنزلة حكومة عسكرية مُصغَّرة تقوم بمهام عسكرية وسياسية بارزة.
وتحمل السياسة الخارجية هي الأخرى بصمة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فرئاسة الأركان والجهاز الأمني هما الجهتان الوحيدتان اللتان تتولَّىان منذ سنوات مهمة تقويم الوضع الأمني. وكما يقول شلومو جازيت، رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق، إنه لا يوجد في الجهاز المدني هيئة مشابهة لرئاسة الأركان وشعبة الاستخبارات قادرة على تَفحُّص المعطيات الأمنية وبلورة الوضع القومي.
2 ـ عسكرة الاقتصاد:
اتسم المجال الاقتصادي الإسرائيلي بالنزعة العسكرية وخصوصاً بعد حرب 1967، حيث تحوَّل الإنتاج العسكري إلى الفرع الإنتاجي القائد في بنية الإنتاج والتصدير.
ويؤكد ذلك جملة من المؤشرات لعل من أهمها:
* تزايد الإنفاق العسكري من 18% عامي 1985 ـ 1986 إلى حوالي ثلث الموازنة المالية (33%) مع تزايد التزامات إسرائيل العسكرية ومع زيادة تكاليف الصناعات العسكرية وتشعُّبها (صواريخ ـ أقمار صناعية ـ أسلحة نووية) .
* تزايد حجم قطاع الصناعات العسكرية (سواء قطاع الصيانة أو قطاع الإنتاج) بحيث أصبح أكبر قطاع صناعي في إسرائيل سواء استناداً لمعيار رأس المال الثابت أو اليد العاملة حيث أصبحت تمثل 40% من إجمالي الصناعة في إسرائيل.

* دخول هذا القطاع في علاقات مشاركة مع كبريات الاحتكارات الأجنبية التي تمتلك فروعاً لها في إسرائيل ومع الشركات الإسرائيلية الأخرى الأمر الذي جعل القادة العسكريين من أول المستفيدين من العمولات، بل أصبح بعضهم من كبار الرأسماليين في المجتمع الإسرائيلي.
* تطور الصادرات العسكرية المطرد وتصاعُد نسبتها في الصادرات الصناعية، وهي تحتل في الوقت الحاضر المرتبة الثالثة من جملة عائد إسرائيل من العملة الصعبة بعد الماس والسياحة.
* تسريح كبار العسكريين لا يعني ملازمتهم للمنازل في المجتمع الإسرائيلي، بل يعني تولِّيهم إدارة شركات صناعة الأسلحة أو إدارات المصارف والمؤسسات الخاصة والحكومية والهستدروتية حيث يُشكِّلون، حسب بعض التقديرات، ثلاثة أرباع مديري الفعاليات الاقتصادية على اختلاف أنواعها.
ومنذ قيامها تعطي إسرائيل الأولوية للإنفاق العسكري، طبقاً للإستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى المحافظة على بقاء الجيش الإسرائيلي أقوى قوة عسكرية في المنطقة، وهو ما يتطلب الحصول على أرقى الأسلحة المتطورة، واستيعاب مستجدات التكنولوجيا الحديثة، فازداد حجم الإنفاق العسكري بصورة مطردة. فقد كانت نسبة الإنفاق العسكري من الناتج القومي الإجمالي أقل من 10% في مطلع الخمسينيات، ثم أخذت في التزايد مع كل حرب جديدة حتى بلغت 32.8% بعد حرب 1973، وهي أعلى نسبة في العالم، كما أن نسبة الإنفاق العسكري من الناتج القومي الإجمالي كانت أعلى من نسبته في سوريا أو في مصر، وهما البلدان اللذان تحملا العبء الأكبر في الصراع العربي الإسرائيلي. ولكن من المهم ملاحظة أن الازدياد الهائل في الإنفاق العسكري الذي بدأ مباشرةً بعد حرب 1967 اعتمد في الدرجة الأولى على المساعدات الأمريكية التي لولاها لعجز الاقتصاد الإسرائيلي عن تَحمُّل أعباء هذا الإنفاق الهائل.

وقد استمر معدل الإنفاق العسكري عالياً، حتى أن حكومة نتنياهو لم تف بوعودها بتخفيض الإنفاق العسكري بنحو 5 مليارات شيكل (1.6 مليار دولار) بل رفعت الإنفاق العسكري بأكثر من ملياري شيكل عام 1997، الأمر الذي يُعزِّز تمحور الدولة الصهيونية حول المؤسسة العسكرية. وقد ترافق الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري مع نمو صناعة السلاح التي أعطيت أولوية كبيرة كي تصبح إسرائيل مكتفية ذاتياً على صعيد التسلح، وكان أحد أسباب ذلك الحظر الفرنسي على بيع الأسلحة لإسرائيل بعد حرب 1967.
إن نمو صناعة السلاح وتطوُّرها الكبير قد أديا، أيضاً، إلى نمو ما يُسمَّى «المجمّع العسكري/الصناعي» ، وذلك يعود إلى أن عدداً كبيراً من المنشآت الصناعية أصبح يعتمد اعتماداً أساسياً على العقود التي يحصل عليها من وزارة الدفاع، لذلك أصبح من مصلحة هذه المنشآت تعيين جنرالات وضباط سابقين في مراكزها القيادية. فالضباط في الجيش الإسرائيلي يتقاعدون في سن مبكرة نسبياً (40 عاماً) ، الأمر الذي يُفسح لهم مجال مزاولة مهنة جديدة. ومن الطبيعي أن تكون تلك المهنة إدارة شركات صناعية تربطها علاقة بصناعة السلاح، ذلك أن لهم خبرة بالسلاح أولاً، ويستطيعون الاعتماد على علاقاتهم بالجيش ثانياً.

إن ظاهرة المجمّع العسكري/الصناعي موجودة في كل الدول الصناعية، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية. لكن الموضوع في إسرائيل يكتسب أهمية إضافية لأنه مكمل لظاهرة المجمّع العسكري/السياسي الموجود منذ قيام دولة إسرائيل؛ ذلك أن جنرالات الجيش الإسرائيلي يحتلون، بعد تَقاعُدهم، مراكز قيادية سياسية. فرئيس الدولة الحالي (وايزمان) كان قائداً لسلاح الجو، ورئيس الحكومة (رابين) كان رئيساً لأركان حرب الجيش، وأربعة آخرون من رؤساء الأركان (موشيه ديان ـ حاييم بار ـ بارليف ـ بيجال يادين ـ رفائيل إيتان) أصبحوا فيما بعد وزراء دفاع. وقد تركت عسكرة المجتمع الإسرائيلي ـ إضافة إلى الدور الوظيفي للدولة ـ آثارها على السياسة الخارجية للدولة، فأصبحت إسرائيل مصدراً للخبرات العسكرية والأمنية إلى مناطق تغطي مساحة شاسعة من العالم مثل دول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الآسيوية وحتى بعض الدول الاشتراكية السابقة.

ورغم عسكرة المجتمع الإسرائيلي على المستويين السياسي والاقتصادي إلا أن مكانة المؤسسة العسكرية قد اهتزت قليلاً في الآونة الأخيرة. فرغم أن هذه المؤسسة تشكل وحدة متماسكة فإن العنصر الإشكنازي هو العنصر المهيمن فيها، هيمنته على الدولة الصهيونية ككل. أما السفارد واليهود الشرقيون فوضعهم مترد. فرغم أن بعض اليهود الشرقيين قد تم تصعيدهم واحتلوا مناصب قيادية مهمة فإن معظم هذه المناصب القيادية تظل في يد الإشكناز بالدرجة الأولى. كما أن ثمة أبواباً خاصة تُفتَح لليهود الإشكناز والغربيين وحدهم في أسلحة بعينها مثل المخابرات والطيران وغيرها من الأجهزة الحساسة التي تفضي إلى وضع اجتماعي بارز بعد التسريح. كما أن الترقيات لا تُمنَح بيسر لغير الإشكناز والغربيين وهو ما يُعتبَر نوعاً من إغلاق أبواب الحراك الاجتماعي أمام السفارد، وهو ما يعني ترجمة التمييز العنصري لواقع طبقي، وتحوُّل المؤسسة العسكرية من بوتقة للصهر وآلية كبرى من آليات الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وقمع أهلها إلى حلبة أخرى للصراع بين السفارد والإشكناز.
وإذا كان مناخ الحرب يساعد على استمرار ومركزية المؤسسة العسكرية في حياة الإسرائيليين، فإن ظهور مؤسسات أخرى تحمل صور الريادة (جماعات المثقفين ـ الشركات ـ معامل الأبحاث ـ الجامعات) خفَّف من انفراد المؤسسة العسكرية بهذه الصورة الريادية. وأدَّت هزيمة الجيش الإسرائيلي العسكرية في أكتوبر 1973 وفي جنوب لبنان وعجزه أمام الانتفاضة، إلى اهتزاز مكانة المؤسسة العسكرية والكثير من رموزها، وضرب نظرية الأمن الإسرائيلي.
وساهمت عملية التسوية الجارية للصراع العربي الإسرائيلي إلى إضعاف مكانة الجيش الإسرائيلي في الأوساط الإسرائيلية. كما أن تَصاعُد معدلات التوجُّه نحو اللذة والاستهلاك جعل كثيراً من الشباب ينصرف عن الخدمة العسكرية ويهرب منها.

وفي الآونة الأخيرة لوحظ تدهور وتأزم العلاقات بين المؤسسة العسكرية ورئيس الوزراء الإسرائيلي المنتخب بشكل مباشر بنيامين نتنياهو، ويعود هذا إلى سعيه لوضع إطار جديد لطبيعة الدور الذي تمارسه المؤسسة العسكرية في النظام السياسي الإسرائيلي لتصبح إحدى أدوات القوة الشاملة للدولة، وليس الفاعل الأساسي فيها، بمعنى أن يصبح الجيش الإسرائيلي "قوة احتراف" وليس "قوة ضغط سياسي". وهذا الموقف يتناقض مع إعلاء نتنياهو شعار "الأمن قبل السلام" الذي يفترض زيادة دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية. ولكن نتنياهو يتحرك لإحداث تغيير في جوهر النظام السياسي الإسرائيلي ليكون أقرب إلى النظام الرئاسي (إنشاء بيت أبيض إسرائيلي) ، فيقوم بالتشاور مع مجموعة موالية له شخصياً، ثم يتخذ القرارات كافة دون أن يكون للمؤسسات المعنية أي دور وضمن ذلك المؤسسة العسكرية. وقد أدَّت أحداث نفق الأقصى واتفاق الخليل إلى اهتزاز ثقة الجيش في قدرة القيادة السياسية على إدارة الأمور.
وعندما جاء نتنياهو إلى الحكم كان الجيش الإسرائيلي قد تكيف مع مقتضيات عملية التسوية وفق مبدأ مدريد، حيث أعاد رسم مواقع تمركزه وخطوط الاتصال في الضفة وغزة على نحو يتوافق مع عمليات إعادة الانتشار، ويعود ذلك إلى التوافق بين حزب العمل والجيش بشأن خطوات الاتفاق الأمني في الضفة وغزة والجولان.
ورغم سعي نتنياهو لمصالحة المؤسسة العسكرية بالموافقة على زيادة الإنفاق العسكري وتأكيده ضرورة الاهتمام ببناء وتطوير جيش الدفاع، إلا أنه سيستمر في سعيه لجعل الجيش الإسرائيلي يتجه نحو الاحتراف، وتهميش دوره السياسي.

لكن عسكرة المجتمع الإسرائيلي لا تعني هيمنة المؤسسة العسكرية عليه وتغلغل عناصرها في الهيكل السياسي والاقتصادي للدولة الصهيونية وإنما هو أمر أكثر عمقاً. ومن يدرس الظواهر الإسرائيلية ابتداءً من النظام التعليمي وانتهاءً بأكثر الأمور تفاهة، سيُلاحظ الأبعاد العسكرية خلفها. فالبُعد الاستيطاني مرتبط تماماً بالبُعد العسكري، والهاجس الأمني (أي محاولة قمع السكان الأصليين) يسيطر على السياسة العامة في كل القطاعات، وعلى سلوك الإسرائيليين، بل على أحلامهم وأمراضهم النفسية، فالمجتمع/القلعة لابد أن يكون مجتمعاً عسكرياً يحاول أن يحتفظ بالمادة البشرية في حالة تأهب عسكري دائم، إذ يُحتِّم البقاء حسب الشروط الصهيونية قَهْر العرب.
اليهود الشرقيون (السفارد) والنظام السياسي الإسرائيلي
‏Oriental Jews (Sephard) and the Israeli Political System
أسس صهاينة شرق أوربا الإشكناز الجيب الصهيوني فهم الذين قاموا بالاستيلاء على أرض فلسطين وطرد سكانها وهم الذين أعلنوا قيام الدولة الصهيونية. ولكن الدولة شيء والمجتمع الاستيطاني شيء آخر. وحتى يتم تأسيس مجتمع متكامل، كان ضرورياً ضم مادة بشرية من العمال والفلاحين الذين يقومون بالأعمال الإنتاجية لشغل قاعدة الهرم الإنتاجي. وبما أنه كان هناك أعمال استنكف الإشكناز عن القيام بها قامت الحركة الصهيونية بتهجير اليهود العرب بالوعد أحياناً وبالوعيد أحياناً أخرى ليضطلعوا بهذه المهمة. وقد نجح الصهاينة في إنجاز هذا الجزء من مخططهم، إلى حدٍّ بعيد، بسبب عمالة بعض الحكومات العربية وجهل بعضها الآخر، وبسبب الوضع المبهم للجماعات اليهودية في العالم العربي بعد تأسيس الدولة الصهيونية التي ادعت أنها دولة يهودية تتحدث باسم كل يهود العالم وتمثلهم وتدافع عن مصالحهم!

وكان اليهود الشرقيون يشكلون في أواسط القرن التاسع عشر الأغلبية الساحقة من يهود فلسطين، لكن بعد تدفُّق الهجرة اليهودية الصهيونية من دول أوربا تقلصت نسبتهم فأصبحوا أقلية (أقل من 10%) من بين مجموع السكان اليهود قبل سنة 1948. ولكن التحول في الاتجاه الآخر تم بعد قيام إسرائيل حيث هاجر عدد كبير من اليهود الشرقيين (السفارد) في موجات شعبية واسعة، فازداد عددهم بصورة سريعة، وشكلوا في أوائل السبعينيات نحو نصف سكان إسرائيل اليهود. وأكبر الطوائف الشرقية في إسرائيل هم اليهود المغاربة يليهم بالترتيب: العراقيون واليمنيون والإيرانيون. ولا يزال أبناء هذه الجماعات يحافظون، بصفة عامة، على كثير من عادات وتقاليد الأقطار التي جاءوا منها فهم يفهمون لغاتها إضافة إلى تَكلُّمهم العبرية.
وتصنف الإحصاءات الإسرائيلية السكان اليهود وفقاً لبلد الأصل (أي وفقاً لمكان ولادة الشخص ومكان ولادة أبيه) إلى ثلاث جماعات إثنية رئيسية:
1 ـ الإشكناز: وهم المولودون في أوربا وأمريكا والمولودون في إسرائيل لآباء من مواليد أوربا وأمريكا.
2 ـ السفارد: وهم المولودون في آسيا وأفريقيا والمولودون في إسرائيل لآباء من مواليد آسيا وأفريقيا.
3 ـ يهود أبناء البلد: وهم يهود وُلدوا هم وآباؤهم في البلد (فلسطين المحتلة) .
وقد استمر الإشكناز أغلبية حتى أوائل الستينيات بنسبة 52.1% عام 1961، ولكن في مطلع السبعينيات تفوقت عليها نسبة السفارد فصارت النسبة 44.2% من الإشكناز مقابل 47.4% من السفارد عام 1972.
وبقي الأمر على ذلك حتى تدفُّق هجرة اليهود السوفييت حيث رجحت كفة الإشكناز قليلاً، كما أن اليهود المولودين في البلد (فلسطين ثم إسرائيل) ارتفعت نسبتهم حتى أصبحوا أغلبية السكان بنسبة 60.9% عام 1993. (ويعود التناقض فى الأرقام إلى الاختلاف فى طريقة التصنيف والاحصاء) .

وقد ظهرت أزمة التفرقة بين الإشكناز والسفارد فيما يتعلق بالتقسيم الطبقي أو التوزيع المهني، وبناء على ذلك المعيار يمكن التمييز بين خمس شرائح أو خمس جماعات تحتل درجات مختلفة في السلم الطبقي، ويمكن ترتيب هذه الشرائح من أعلى إلى أسفل كما يلي:
1 ـ مواليد البلد الغربيون (مواليد البلد لآباء من مواليد أوربا وأمريكا) .
2 ـ يليهم المهاجرون الغربيون (مواليد أوربا وأمريكا) ، وتمثل هاتان الفئتان الطائفة الإشكنازية.
3 ـ أبناء البلد (مواليد البلد لآباء من مواليد البلد) .
4 ـ مواليد البلد الشرقيون (مواليد البلد لآباء من مواليد آسيا وأفريقيا) .
5 ـ مهاجرون شرقيون (مواليد آسيا وأفريقيا) . وهاتان الفئتان الأخيرتان تمثلان السفارد.
وبذلك فإن السفارد يحتلون مؤخرة السلم الطبقي بينما يحتل الإشكناز قمته. فالتقسيم الطبقي يتأثر ببلد الأصل أكثر من تأثره بالأقدمية في البلد، وذلك لأن اليهود الغربيين سواء كانوا من مواليد البلد أو من مواليد الخارج هم أعلى طبقياً من اليهود الشرقيين سواء كانوا من مواليد البلد أو من مواليد الخارج، أما المواطنون العرب فهم يشكلون الشريحة السادسة.
ومن المؤشرات التي تبرز التفاوت الاقتصادي والاجتماعي أن المدن والأحياء الفقيرة ما زال سكانها من السفارد وهي تعاني من البطالة أكثر من المعدل العام في إسرائيل. فنسبة البطالة في مدينة يوروحام في النقب (سفارد) حوالي 12.5% أي حوالي أربعة أضعاف نظيرتها في تل أبيب (إشكناز) وهي 3.5%. كما أن راتب اليهودي السفاردي يعادل 68% من راتب اليهودي الإشكنازي. ويبلغ عدد الطلاب في الجامعات من السفارد 25% فقط من المجموع العام، ونسبة من يحمل شهادة الدكتوراه من السفارد هي 18% مقابل 82% للإشكناز.

ومن جوانب التفرقة على الصعيد الثقافي أن من النادر أن تُمنَح جائزة إسرائيل في فروع المعرفة لأي سفاردي، ففي عام 1997 مُنحت الجوائز لـ 15 شخصاً ليس بينهم سفاردي واحد. فمنذ البداية رفض الإشكناز ثقافة السفارد الشرقية، وألصقوا بهم أحكاماً مسبقة سلبية، وتحفظوا على الارتباط بهم. لذلك يحتج السفارد بأن تاريخهم الذي يمتد لقرون طويلة في البلاد الشرقية لا يُدرَّس وإن دُرِّس فهو لا شيء بالنسبة إلى تاريخ الإشكناز في الكتب المقررة في المدارس التي تركز خصوصاً على تاريخ اليهود الحديث.
واليهود الإشكناز كانوا يريدون تأسيس الدولة والمجتمع على النمط الأوربي العلماني ليس للدين والتقاليد مكان فيها، ولذلك عندما أُدين زعيم حزب شاس الديني إرييه درعي في فضيحة بارعون دون غيره من السياسيين الإشكناز في مايو 1997 هاجم الحركة الصهيونية (فالهجوم عليها هو هجوم على الإشكناز) قائلاً: "إن الصهيونية حركة هرطقة، تهدف إلى خلق يهودية جديدة، وهي مصممة على تدمير التوراة وتدمير ديننا وتدمير تراث اليهود السفارد".
وقال عوفادياه يوسف الزعيم الروحي للحزب مخاطباً الإشكناز: "متى تحررون أنفسكم من كره الدين وكره السفارد؟ وإلى متى تستمر معاناة السفارد؟ ". وتم تشبيه درعي بدريفوس، أي أن الإشكناز ـ حسب هذه الصورة المجازية ـ هم الأغيار، بل أطلق أحد الحاخامات صفة "نازي" على المدعي العام، وتم تنظيم المؤتمرات والمظاهرات احتجاجاً على القرار. ويشير كثير من السفارد إلى «الإشكي نازي» ليبينوا طبيعتهم العنصرية.

وقد ظهر السفارد في الحياة السياسية الإسرائيلية في الخمسينيات حين قاموا بالمظاهرات والاحتجاجات ذات الطابع السلمي، ولكنها في السبعينيات اتسمت بشيء من العنف. وكان انتخاب السفارد لحزب الليكود (رغم وجود الإشكناز على قمته) وإيصاله إلى السلطة لأول مرة أحد أشكال الاحتجاج المهمة، لأن حزب العمل هو حزب الإشكناز بامتياز. وقد وصل الاحتجاج ذروته في الثمانينيات وهي الفترة التي تأسَّس فيها حزب شاس، حيث تصاعدت قوته الانتخابية وحصل على 10 مقاعد في انتخابات عام 1996.
الحرس القديم
‏Old Guard
«الحرس القديم» مصطلح في الخطاب السياسي الإسرائيلي يشير إلى أعضاء النخبة الحاكمة الإسرائيلية من بين أعضاء الجيل المؤسس. ويمكن النظر إلى التجمُّع الصهيوني في فلسطين من منظور جيلي، فقد تعاقب على قيادة ذلك التجمُّع ثلاثة أجيال بينها كثير من الاختلافات والتشابهات في الفكر أو السلوك، وهو ما يفرز قيادات ذات رؤى مختلفة. وقد برز الصراع على السلطة بشكل واضح على أكثر من مستوى إثر قيام الدولة الصهيونية، وكان أحد هذه المستويات، ولا يزال، هو الصراع بين أعضاء الجيل المؤسس (أو «الآباء المؤسسين» أو «الرواد» ) ممن يُطلَق عليهم اسم «الحرس القديم» ، من جهة، ومن جهة أخرى، أعضاء الجيل الذي يليه، (أو «جيل بناء الدولة» ) ممن يُطلَق عليهم اصطلاح «الحرس الجديد» . ثم جاء أخيراً أعضاء «النخبة الجديدة» (ويُطلَق عليهم أحياناً اسم «جيل القوة» ) .

تصدَّر الحرس القديم الحياة السياسية في المستوطن الصهيوني قبل إعلان الدولة الصهيونية وفي العقدين الأولين التاليين لتأسيسها. ويتسم أفراد الحرس القديم - الذين أتى معظمهم مع موجتي الهجرة الاستيطانية الثانية والثالثة - بصفات معينة وسمات بعينها. فهم جميعاً يعودون إلى أوربا الشرقية، من حيث الأصل الجغرافي، كما أن معظمهم حصل على تعليم متوسط فقط. وقد لعبت هذه الشخصيات الدور الحاسم في صياغة واتخاذ كل القرارات الإستراتيجية على امتداد ربع القرن الماضي. فقد قام كل من ديفيد بن جوريون وموشي شاريت بدور حكومة الاثنين (من 1948 - 1956) ، بينما انفرد كل من إسحق سابير وليفي إشكول بمجال الاقتصاد، أما جولدا مائير فظلت تتولى مسئولية السياسة الخارجية لعقد كامل (1956 - 1966) إلى أن خلفها أبا إيبان. وإلى جانب انتماء كل أفراد الحرس القديم الأول إلى موجة هجرة واحدة، فإن الملاحظ أنه ليست هناك حدود فاصلة بينهم وأن تبادل الأدوار ظل مستمراً.
لكن لوحظ في منتصف السبعينيات أيضاً أنه قد ظهر تحالف يضم العسكريين والسياسيين المحترفين حل محل الحرس القديم، وهكذا قيل إثر استقالة جولدا مائير وتولِّي إسحق رابين رئاسة الوزارة عام 1974 إن أهمية هذا التطور تكمن في أنه يُعَد نهاية عصر بأكمله هو عصر الآباء المؤسسين، حيث تواجدوا على سطح الحياة السياسية الإسرائيلية. كما يُلاحَظ أنه تم استبعاد ممثلي الصهيونية التصحيحية تماماً، ولم تُتح الفرص أمام ممثلي اليهود الشرقيين للانضمام للنخبة الحاكمة. وتم تهميش العناصر الدينية.

ويمكن القول بأن النقطة الأساسية في رؤية وسلوك ذلك الجيل المؤسس هي حلم الدولة وضمان وجودها، فالدولة التي أسسوها ليست بالضرورة كياناً مضموناً مهما بلغت من قوة، ولذلك كانت تسيطر على أعضاء هذا الجيل هاجسيان أساسييان: الهاجس الأمني وهاجس التماسك الداخلي، فأيَّ خلل في تصوُّرهم كان من الممكن أن يؤدي إلى زوال الدولة والعودة إلى الدياسبورا من جديد. بل إن حالة الاستقرار يمكن أن تؤدي إلى تفكك المجتمع الصهيوني.
وقد عبَّرت تلك الهواجس عن نفسها لدى ذلك الجيل المؤسس في سلوكيات سياسية معينة كالإصرار على التوسع والإبقاء على حالة الحرب الدائمة، وخلق عدو مشترك على الصعيد الخارجي.
ديفيد بن جوريون (1886 - 1973)
‏David Ben Gurion
زعيم صهيوني عمالي، وسياسي إسرائيلي من الحرس القديم، كان اسمه «ديفيد جرين» ثم غيَّره فيما بعد إلى «بن جوريون» أي «ابن الشبل» . وُلد في بلدة بلونسك ببولندا التي تقع في منطقة الاستيطان اليهودي في روسيا. نشأ نشأة يهودية تقليدية، وقضى سني حياته الأولى يدرس التوراة والتلمود وكُتُب الصلوات المختلفة في المدارس الحاخامية. وفي طفولته هذه، سمع عن ظهور الماشيَّح المخلِّص في شخصية صحفي نمسوي يُسمَّى تيودور هرتزل سيعود بشعبه إلى أرض الميعاد، وكان أول كتاب عبري يقرؤه هو كتاب حب صهيون لمابو.

وقد بدأ بن جوريون نشاطه الصهيوني وهو بعد صبي في سن الرابعة عشرة، إذ كان أبوه عضواً في جماعة أحباء صهيون، وقد تأثر بن جوريون بأفكار بوروخوف، فانضم إلى جماعة عمال صهيون عام 1904، وكان من بين معارضي مشروع شرق أفريقيا في مؤتمر الحزب. وقد حاول بن جوريون أن يُغيِّر اتجاه الحزب من التركيز على الجماعات اليهودية في العالم (خارج فلسطين) (مركز الدياسبورا) إلى التركيز على المستوطنين الصهاينة في فلسطين (مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا) . وبعد عامين، انضم إلى إحدى جماعات الدفاع اليهودية التي نُظِّمت في روسيا بعد حادثة كيشينيف. وقد هاجر إلى فلسطين عام 1906 حيث بدأت أفكاره الصهيونية في التبلور، فطالب بتأكيد مركزية المستوطنين اليهود في حياة الجماعات اليهودية. وقد كان بن جوريون من دعاة بعث اللغة العبرية وإهمال اليديشية. وفي عام 1912، التحق بن جوريون بجامعة إستنبول لدراسة القانون على أمل أن يُمكِّنه هذا من المساهمة في تحويل فلسطين إلى وطن يهودي داخل الإمبراطورية العثمانية، وبعد تخرُّجه عاد إلى فلسطين حيث بدأ حياته عاملاً زراعياً وحارساً ليلياً.

تَجنَّس بن جوريون بالجنسية العثمانية مع نشوب الحرب العالمية الأولى لكيلا يُطرَد لأنه رعية روسية ومعاد للعثمانيين. وحينما نفته السلطات التركية بسبب نشاطه الصهيوني الاستيطاني، رحل إلى مصر وقابل جابوتنسكي في الإسكندرية، وعارض في البداية فكرة الفيلق اليهودي على أساس أن هذا يُعرِّض اليهود الاستيطانيين في فلسطين لغضب العثمانيين وانتقامهم. وذهب إلى الولايات المتحدة حيث أسَّس جماعة الرائد وساهم في تكوين الفيلق اليهودي التابع للجيش البريطاني وعاد معه إلى فلسطين عام 1918 (ومعه مجموعة كبيرة من الاشتراكيين الصهاينة) . وقد اشترك مع كاتزنلسون في تأسيس الهستدروت، واقترح ألا يكون الهستدروت نقابة عمال وحسب بل وسيلة استيطان كذلك. وقد تولَّى بن جوريون رئاسة الهستدروت من عام 1921 حتى 1932. وفي عام 1930، ساهم في إنشاء الماباي، كما انتُخب عضواً في اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية عام 1937. وفي عام 1942، تبنَّت المنظمة الصهيونية، بمبادرة من بن جوريون، برنامج بلتيمور الذي كان هدفه المعلن إنشاء دولة إسرائيل. وفي عام 1948، أشرف على تكوين رئاسة الحكومة المؤقتة قبل إعلان نهاية الانتداب، وقام بنفسه بإعلان بيان قيام إسرائيل. وقد كان بن جوريون أحد الذين نصحوا بعدم الإشارة إلى حدود الدولة وعدم إعلان الدستور حتى لا يضع حداً لمطامع إسرائيل التوسعية (فالجيش الإسرائيلي وحده ـ حسب تصوره ـ هو الذي سيعين الحدود) حتى يمكن إرضاء العناصر الدينية التي تَحالَف معها الماباي لتشكيل الوزارة، وطالب بجعل القدس عاصمة الدولة الجديدة. وفي عام 1953، استقال وأعلن عزمه الاعتزال في النقب في مستعمرة سدي بوكر. ولكن بن جوريون تولَّى منصب رئيس الوزارة عدة مرات بعد ذلك كان آخرها عام 1963، وقد كانت فضيحة لافون مسئولة عن عودته عام 1955، بل اضطرته إلى دخول معارك سياسية مختلفة.

وقد استقال بن جوريون من الماباي وكوَّن حزب رافي هو وأعوانه عام 1965، وحينما انضم رافي للحكومة دخل بن جوريون هو وجماعة من أتباعه الانتخابات تحت اسم القائمة الرسمية، وقد فاز الحزب بأربعة مقاعد في الكنيست شغل بن جوريون أحدها، ولكنه استقال بعد سنة واحدة واعتزل السياسة.
ورغم ما عُرف عن بن جوريون في الغرب من ليبرالية واشتراكية، فإنه يرفض الصيغة الاندماجية ويصفها بأنها حل مضلل ويائس يشبه «الوباء» . وتتسم كل أفكار بن جوريون بالتبسيط المتطرف والوضوح الشديد، فهو مثلاً يرى تاريخ اليهود على أنه عبارة عن صراع بين قوتين: الاستقلاليين الذين يقاومون خطر المؤثرات الأجنبية، والاندماجيون الذين يرضخون لها. أما الاندماجيون فكان نصيبهم النسيان والذوبان في الأمم الأخرى، ولم يبق سوى كتابات وتنبؤات أولئك الذين حافظوا على إيمانهم بإسرائيل، ورفضوا الاستسلام للقدر الذي أنزله بهم التاريخ (هذا تبسيط مخل، فلم "ينس" أحد أينشتاين أو فرويد وكافكا أو حتى فيلون) . ورفض «الجالوت» أو المنفى هو نقطة بدء عند بن جوريون، ففي رؤيته الميلودرامية الأسطورية للواقع والتاريخ، والتي لا يوجد فيها سوى خير خالص يتصارع مع شر خالص، نجد أن المنفى والتشتت هما الجحيم، وأن أرض الميعاد هي بالطبع الفردوس المفقود أو الدائرة التي يجب أن يعود إليها اليهودي) .

ومرض المنفى أو الجالوت الخبيث (الذي وقع بعد ثورة بركوخبا وبعد "طرد" اليهود من فلسطين [تدل الوقائع التاريخية والإحصاءات السكانية أن عدد اليهود في حوض البحر الأبيض المتوسط يفوق عدد اليهود في فلسطين، "قبل" ثورة بركوخبا، أي أن الخروج من فلسطين تم بملء رغبتهم وإرادتهم] ) لا يصيب اليهود في أجسادهم فحسب (ومن الذي يقرر أنهم "مرضى"؟ لقد صدر كتاب هاوارد ساخار، المؤرخ الأمريكي اليهودي الصهيوني، بعنوان الدياسبورا، أي المنفى ولا يوجد فيه فصل عن أمريكا الشمالية، أم أنها ليست المنفى) ، بل يصيبهم في أرواحهم ونفوسهم أيضاً. ولذا فقد ظن يهود الولايات المتحدة الحاصلون على حقوقهم السياسية والمدنية كاملة أنهم مواطنون أسوياء، ولكنهم في الواقع مرضى منفيون في داخل دولتهم. بل إن بعض الإسرائيليين الذين يعيشون داخل حدود الدولة اليهودية هم أيضاً منفيو الروح.
ويصف بن جوريون بشيء من التفصيل «مرض المنفى» (في إحدى محاوراته مع موشي بيرلمان الكاتب الإسرائيلي) ، وأولى سمات الحياة في الدياسبورا ـ حسب تصوُّر بن جوريون ـ هو أن اليهود يعيشون كأقلية تعتمد بشكل أو بآخر على إرادة الأغلبية، عاجزين عن اتخاذ أي قرارا يتعذبون في أوربا وغير أوربا، شقاؤهم لم يبدأ بالنازيين ولم ينته بسقوطهم (إشكالية العجز وانعدام السيادة والمشاركة في السلطة التي تزعمها الأدبيات الصهيونية) . وهم يعيشون حياة اقتصادية هامشية، إذ لا تجد بينهم عمالاً ولا فلاحين، بل يشتغل معظمهم في المدن بعيداً عن مراكز الحيوية في أي حضارة، وأنهم أمة من البقالين والموظفين الذين يعملون بالأعمال الفكرية. وأخيراً يقع يهود المنفى الراغبون في الحفاظ على يهوديتهم في صراع بين ولائهم لحضارة الأغلبية السائدة، وولائهم لحضارتهم اليهودية التي تمتد جذورها إلى الماضي، ولذا يعيش يهود المنفى في ازدواج دائم.

ويشير بن جوريون إلى التلمود الذي جاء فيه أن أي يهودي قادر على العودة لأرض الميعاد ويستمر في الحياة خارجها يُعَد كافراً ويكون كمن هجره الله، كما أنه يشير لحكماء اليهود القدامى الذين قالوا إن المكوث خارج أرض إسرائيل طواعية يُعدّ خطيئة دينية. ويخلص بن جوريون من كل هذا إلى أن حياة اليهود في الدياسبورا مستحيلة وأن "الحياة اليهودية الكاملة لن تتحقق إلا في دولة يهودية مستقلة، حيث يمكن للشعب اليهودي أن يصوغ حياته حسب حاجاته وقيمه، مخلصاً لشخصيته وقيمها، ولتراثها الماضي ولرؤيتها للمستقبل".
ويهاجم بن جوريون في برنامجه «الثوري» حالة الاتكال والسلبية التي تتسم بها حياة اليهود في الدياسبورا. فاليهودي في الدياسبورا، كما هو حال معظم اليهود، بطل، ولكن بطولته مع هذا بطولة سلبية تأخذ شكل الاستسلام للقدر، كما أنه يتملكه إحساس بالعجز الإنساني، وإيمان بأن الخلاص لن يأتي إلا عن طريق الخالق. إن المنفى بالنسبة لبن جوريون يعني الاتكال، الاتكال السياسي والمادي والروحي والثقافي والفكري "ذلك لأننا غرباء وأقلية محرومة من الوطن ومقتلعة ومبعثرة عن الأرض وعن العمل والصناعة الأساسية، واجبنا هو أن ننفصل كليةً عن هذا الاتكال وأن نصبح أسياد قدرنا، علينا أن نستقل". ويُلخص بن جوريون برنامجه الثوري في أنه لا يرفض الاستسلام للمنفى فحسب، بل يحاول أيضاً إنهاءه على التو، وهو يعتقد أن هذا هو حجر الزاوية: "القضية الحقيقية هي الآن كما كانت في الماضي تتركز فيما إذا كان علينا أن نعتمد على قوة الآخرين أم على قوتنا". على اليهودي من الآن فصاعداً ألا ينتظر التدخل الإلهي لتحديد مصيره، بل عليه أن يلجأ للوسائل الطبيعية العادية (مثل الفانتوم والنابالم مثلاً) .

ولكن ماذا لو رفض يهود المنفى أرض الميعاد، وقرروا البقاء في منفاهم كما فعل هاورد ساخار ويهود الولايات المتحدة والغالبية الساحقة من يهود العالم؟ هنا يتحرك الزعيم الصهيوني ويقرر أنه لو كان الأمر بيده لأرسل بعض الشباب اليهودي متنكرين ليرسموا الصلبان المعقوفة على المعابد اليهودية، حتى يلقوا الرعب في نفوس اليهود الذين يتمتعون بالحياة في المنفى ليهاجروا إلى أرض الميعاد. وحينما كان بن جوريون وزيراً للخارجية وعضواً في المنظمة الصهيونية قام عملاء المنظمة بإطلاق النار على يهود العراق حتى يهاجروا منها إلى إسرائيل. ولكن متى تمت عودة اليهود للفردوس، لإسرائيل، سيكون كل شيء يهودياً: الكتب يهودية، والعمل يهودي، والأبحاث العلمية التي تدرس طبيعة الأرض يهودية. وقد خلق الصهاينة بالفعل في الفردوس الصهيوني الحقل اليهودي، والطريق اليهودي، والمصنع اليهودي، والمنجم اليهودي، والجيش اليهودي. بل إن كل القيم يهودية وكل الأفراد يهود في كل عضو في جسمهم، وكل خلجة في قلوبهم. (عرَّف نحمان بياليك، الشاعر الصهيوني، بأن تطبيع الشخصية اليهودية يعني ظهور البغيّ اليهودية والشرطي اليهودي!) .

والانعتاق الذاتي من المنفى الداخلي والخارجي يكون عن طريق العودة للطبيعة وللأرض: "إن أية أمة مستقلة لابد أن تضرب جذورها في أرض الآباء، تزرعها بأصابعها وتشارك في كل عمل يتطلبه وجودها" (وهذا هو الفكر القومي العضوي) . وفي الطبيعة وحدها يمكن لليهودي أن يستعيد إنسانيته المهرقة، كما أنه يمكنه أن يسترجع قواه الخلاقة. ولن يقضي على شخصية اليهودي الهامشية التجارية، شخصية السمسار، سوى العمل العبري في الزراعة، ولذا يتخيل بن جوريون أن العودة لأرض الميعاد هي عودة للطبيعة تنم عن الرغبة في الاتحاد بالوجود يقول: "نهيق الحمير في الحظائر، نقيق الضفادع في البرك، رائحة الزهور المتبرعمة، همس البحر البعيد، ظلال البيارات الآخذة في الإظلام، سحر النجوم في السماء العميقة الزرقة، السماوات البعيدة والمتألقة في نعاس ... كل شيء أصابني بالنشوة. آه إنني في أرض إسرائيل. طوال الليل جلست وناجيت السماء". وكل يهودي يبتعد عن تلك الأرض وعن هذه الطبيعة يحمل في قلبه ذكرى هذه الأرض. بل إن بن جوريون يعتقد أن هذه العودة للطبيعة وللبراءة هي المعنى الأساسي للصهيونية.
ولكن هل هذه الطبيعة حقاً بدائية؟ وهل هي حقاً أرض فراغ تنتظر الفيلسوف الصهيوني الرومانسي ليذهب إليها، لتشحذ قواه الخلاقة وليفرض إرادته عليها وليرغمها أن تمنحه ثمارها؟ وهل هي ـ في حقيقة الأمر ـ أرض بلا شعب؛ طبيعة عذراء تمكنه من التأمل في هدوء وتساعده على التركيز، وتدفعه إلى أن يفكر بشكل بسيط وواضح؟ كل هذه الأسئلة يجيب عليها بن جوريون بالإيجاب نظرياً، ولكن عملياً يعرف بن جوريون، كما يعرف غيره من الصهاينة، أن أرض الميعاد تمور بالعرب وأن على كل حجر توجد بصمة عربية ولذا كان لابد من التأمل ولكن لابد أيضاً من الزراعة المسلحة لابد من الحالوتسيم: الرواد.

الهجرة الشعبية (أي الاستيطانية) في تصوُّر بن جوريون لا تعمل حساباً للتاريخ بل تتجاهل الزمان تماماً وتنساب إلى المكان الذي خلقت فيه ظروف مواتية لاستيعابهم (أي مكان الاستيطان) وهكذا تحل صهيون الاستيطانية محل صهيون القلب. إن عدم أخذ التاريخ أو الظروف القائمة في الحسبان مسألة جوهرية بالنسبة لبن جوريون فهو يتحدث بإسهاب عن الإرادة ودورها ويصف الحالوتسيم بأنهم محاربون بناؤون يكرسون كل قواهم لتحقيق أهدافهم.
وتكتسب هذه العبارات الرومانتيكية معنى واضحاً للغاية، حين يقارن بن جوريون الرواد الصهاينة (أي المستوطنين الصهاينة الأول) بالمستعمرين الأول في أمريكا الذين ذهبوا إلى العالم الجديد مسلحين برؤية ظنوها إلهية، تماماً مثل الصهاينة. ثم يتحدث بن جوريون عن أحزانهم ومتاعبهم التي تحملوها، ثم عن المعارك الضارية التي خاضوها ضد الطبيعة الوحشية والهنود الأكثر وحشية، وعن التضحيات التي قدموها قبل أن يفتحوا القارة "للهجرة الشعبية" والاستيطان. والطريقة التي تحدث بها بن جوريون عن العالم الجديد تبيِّن أنه يعتبر أن الهنود إن هم إلا جمادات أو جزء من الخلفية الطبيعية التي يجب على الرواد هزيمتها وتعديلها لتلائم احتياجات المهاجرين من أنصاف الأنبياء.

ويعترف بن جوريون نفسه أنه منذ بدأ الاستيطان في أرض الميعاد، الخاوية الطبيعية البدائية، وهو مرتبط تمام الارتباط بالدفاع. ويكتب بن جوريون واصفاً حياة الرواد في هذه الكلمات: "كنا ننتظر مجيء الأسلحة ليلاً ونهاراً، ولم يكن لنا حديث إلا الأسلحة، وعندما جاءتنا الأسلحة، لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا، كنا نلعب بالأسلحة كالأطفال ولم نعد نتركها أبداً ... كنا نقرأ ونتكلم والبنادق في أيدينا أو على أكتافنا". ويبيِّن بن جوريون أنه حتى الآن في إسرائيل يتخذ التعليم الزراعي طابعاً عسكرياً إذ أن له هدفين: واحد زراعي والآخر عسكري، كما أنه يعلن الدور الذي يلعبه الجيش الإسرائيلي في عملية الريادة والاستيطان: "لقد أثبت الجيش كفاءته في عملية الريادة، فقد درب آلاف الشبان والشابات على الحياة في المزارع كما شيَّد الكيبوتسات على الحدود مع قطاع غزة وفي النقب والخليل".
والعنف عند بن جوريون يكتسب بُعداً خاصاً ويصبح غاية في حد ذاته، بل وسيلة بعث حضاري إذ يقول: "بالدم والنار سقطت يهودا وبالدم والنار ستقوم ثانية". وعبارة بن جوريون مبنية على تصور جديد للشخصية اليهودية على أنها شخصية محاربة منذ قديم الأزل: "إن موسى أعظم أنبيائنا هو أول قائد عسكري في تاريخ أمتنا"، ومن هنا يكون الربط بين موسى النبي وموشي ديان مسألة منطقية بل حتمية، كما أنه لا يكون من الهرطقة الدينية في شيء أن يؤكد بن جوريون أن خير مفسر ومعلق على التوراة هو الجيش، فهو الذي يساعد الشعب على الاستيطان على ضفاف نهر الأردن مفسراً بذلك ومحققاً لكلمات أنبياء العهد القديم. وكتابات بن جوريون تزخر بإشارات إلى بركوخبا (البطل اليهودي) والمكابيين والغزو اليهودي لأرض كنعان وبطولات اليهود عبر العصور. بل إن خطابات بن جوريون الخاصة تعبِّر عن أحلامه العسكرية فهو يذكر في رسالة إلى ابنه أن الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها في فلسطين سيكون فيها أحسن جيش.

وكمحاولة لتحقيق هذه الأحلام حينما جاءت الساعة، بذل بن جوريون قصارى وسعه لإنشاء القوة العسكرية الصهيونية، فقد كان من المنادين بفكرة اقتحام الحراسة (والعمل والزراعة والإنتاج) وأسس لذلك جماعة الحارس ثم الهاجاناه، وكان من بين المنادين بتسليح المواطنين اليهود. ولكنه كان يحاول دائماً ألا يصطدم بالقوة الإمبريالية الحاكمة الراعية، أي إنجلترا. وحينما اضطر إلى أن يفعل ذلك، حاول أن يُبقي الاصطدام عند حده الأدنى لتيقُّنه من أن العرب هم العدو الأساسي. وحينما أُنشئت الدولة، قام بحل المنظمات العسكرية الصهيونية كافة، مثل الإرجون والبالماخ، وضمها إلى الهاجاناه وحوَّلها جميعاً إلى جيش الدفاع الإسرائيلي. وقد شغل بن جوريون منصب وزير الدفاع في جميع الوزارات التي رأسها، كما ساهم في صياغة سياسة إسرائيل الخارجية وتأكيد دورها كحارس للمصالح الإمبريالية نظير الحماية الإمبريالية التي تحصل عليها. وفي إطار هذا، عقد تحالفاً مع فرنسا عام 1955 وجهَّز لحرب عام 1956 ليضرب الحكومة المصرية التي كانت آنئذ تمدُّ الثوار في الجزائر بالمساعدة. وقد استمر هذا خط أساسياً للسياسة الخارجية الإسرائيلية حتى وقتنا الحاضر.
وقد لعب بن جوريون دوراً مهماً في مسألة المطالبة بالتعويضات الألمانية مثل الدور الذي لعبه إلى جانب غيره من العماليين في إفشال المعارضة اليهودية لاتفاقية الهعفراه المبرمة بين المنظمة الصهيونية العالمية والحكومة النازية، وقضى أيام حياته الأخيرة في كيبوتس سدى بوكر يكتب تاريخاً لليهود في العصر الحديث، وشرحاً للتوراة.

والمُلاحَظ أن بن جوريون كان متأرجحاً في أفكاره السياسية إذ كان يصرح أحياناً بضرورة التنازل عن كل الأراضي المحتلة نظير السلام مع العرب، ولكنه في أحيان أخرى، بعد رؤية الانتصارات العسكرية الإسرائيلية، كان يصرح بوجوب الاحتفاظ بكل الأراضي. وتفسير ذلك أنه كان يستمد رؤيته للواقع والتاريخ والتوراة والتلمود من انتصارات الجيش الإسرائيلي. وينسى الكثيرون أن بن جوريون كان من أكبر الاشتراكيين الصهاينة وأن فكره "الاشتراكي" الصهيوني ملأ عدة مجلدات، ولكن اشتراكيته تنبع في الواقع من إيمان عميق بتفوق الشعب اليهودي ومن أحلامه المشيحانية، وهي أحلام عنصرية تستبعد غير اليهود وتجعل الاشتراكية وسيلة طيعة للاستيطان، لا مصدراً للقيم الإنسانية أو وسيلة للتعامل مع الواقع بكل أبعاده الطبيعية والتاريخية. ولبن جوريون عدة مؤلفات، من أهمها بعث إسرائيل ومصيرها (1952) ، وإسرائيل: سنوات التحدي (1963) .
مناحم بيجين (1913-1992 (
‏Menahem Begin
زعيم صهيوني تصحيحي، تلميذ هرتزل وجابوتنسكي، وزعيم حزب حيروت وتحالف ليكود، وسياسي إسرائيلي من الحرس القديم، وهو عضو الكنيست وزعيم منظمة الإرجون السابق. وُلد في بولندا، وتَخرَّج في كلية الحقوق بوارسو ثم انضم إلى منظمة بيتار، وقد اعتقلته السلطات السوفيتية عام 1940 ثم أطلقت سراحه وانضم إلى الجيش البولندي. وعند وصوله إلى فلسطين عام 1942، تولَّى قيادة فرع منظمة بيتار هناك. وفي أواخر عام 1943 تولَّى قيادة الإرجون التي اشتهرت بمذابحها ضد المدنيين الفلسطينيين.

وقد شكل بيجين منظمة الإرجون التي تميزت عملياتها بالسعي المتعمد لإرهاب العرب وإخراجهم قسراً من فلسطين، أما عملياتها ضد بريطانيا فكانت محدودة، ولكن بيجين، مع هذا، يضخمها ويجعل منها أساطير وملاحم. وقد سببت تصرفات الإرجون بقيادة بيجين ضد حكومة الانتداب بعض الحرج للوكالة اليهودية (ورجال الهاجاناه) فهؤلاء كانوا على اتصال بحكومة الانتداب البريطاني يتلقون مساعداتها وينسقون معها للاستيلاء على فلسطين. فالوكالة اليهودية كانت لا تمانع في ممارسة ضغوط ضد حكومة الانتداب ولكن بأساليب أخف مما كان بيجين يريد، وبشكل أكثر مراوغة وصقلاً.
ولكن التناقض الحقيقي بين الهاجاناه والإرجون لم يبدأ إلا حينما حاول بيجين إنشاء سلطة موازية لسلطة بن جوريون، فاستخدم بن جوريون القوة العسكرية المباشرة ضد الإرجون، ثم قام بضم مقاتليه إلى القوات النظامية للجيش الإسرائيلي.

وفي عام 1949، قام بيجين بتشكيل حزب حيروت الذي ورث شعارات بيتار والإرجون وليحي وفحواها أن الحد الأدنى لأرض إسرائيل هو ضفتا نهر الأردن، وأن القوة العسكرية هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الحد الأدنى، فهذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب. ودعا الحزب إلى الاقتصاد الحر وعدم تدخل الدولة في الانشاط الاقتصادي. وقد اعتمد الحزب على شخصية زعيمه مناحم بيجين وقدراته الخطابية الذي قاد المعارضة في إسرائيل وحصل منذ انتخابات الكنيست الثالثة على المرتبة الثانية من حيث القوة العددية، وأتيح له دخول الوزارة الائتلافية برئاسة ليفي إشكول عشية حرب 1967. ثم انضم بيجين ثانيةً إلى حكومة جولدا مائير الائتلافية عام 1969 ليشغل منصب وزير الدولة، ولكنه انسحب منها حين قبلت مبادرة روجرز في أغسطس عام 1970، وعاد من ثم إلى قيادة المعارضة مسجلاً تقدماً مطرداً. ثم صعد تكتل الليكود، الذي أسسه عام 1973، إلى المرتبة الأولى عام 1977 (بسبب تداعيات حرب 1973 وأصوات اليهود الشرقيين) . وقد استمر في معارضته انسحاب إسرائيل من أيٍّ من الأراضي العربية التي احتلتها في حرب عام 1967.

وقد ظهر بجلاء رفض العالم لتاريخه الدموي أثناء زيارته لإنجلترا في يناير عام 1972، إذ أدانته الدوائر الإعلامية فيها نظراً للدور الذي لعبه في مذبحة دير ياسين. ومع هذا، تَعلَّم العالم الغربي الحديث المرن كيف يتعامل مع بيجين، فقد استقبلته كل الدول بعد أن فاز حزبه بالانتخابات عام 1977 (على عكس ما حدث مع فالدهايم) . وأثناء رئاسته، قام بتغييرات اقتصادية نتج عنها تصاعُد المعدلات الاستهلاكية في إسرائيل. وقد تبادل هو والرئيس السادات الزيارات، وتم توقيع اتفاق كامب ديفيد وصار بيجين بطلاً للسلام وتقاسم مع السادات جائزة نوبل للسلام بعد عامين من بلوغه سدة الزعامة في إسرائيل (في نكتة شهيرة لجولدا مائير قالت: إن السادات وبيجين يستحقان جائزة أوسكار للتمثيل لا جائزة نوبل للسلام) . لقد التزم بيجين الفكرة الرئيسية التي التزمها القادة الصهاينة من قبل، وهي أن الصلح مع الدول العربية وفقاً للشروط الإسرائيلية مطلب إسرائيلي دائماً، وأن أساس هذا الصلح اعتراف العرب بالأمر الواقع ضمن ميزان القوة العسكرية القائم، ومضمون التعامل مع إسرائيل ككيان أصيل في المنطقة. فوافق بيجين على الانسحاب من سيناء مقابل انسحاب مصر من المواجهة مع إسرائيل والاعتراف بها اعترافاً كاملاً وتطبيع العلاقات. وأثناء حكومة بيجين تم ضرب المُفاعل النووي العراقي أثناء توليه رئاسة الوزارة.

وقد أصيب بيجين بالاكتئاب ثم استقال من الوزارة بسب تورُّطه في حرب لبنان ( «المستنقع اللبناني» على حد قول الصحف الإسرائيلية) ، إذ يبدو أن شارون قد أقنعه أن القوات المسلحة الإسرائيلية ستقوم بعملية عسكرية صغيرة من النوع الجراحي الإجهاضي الذي تجيده! ولكن، كما هو معروف، لم تتمكن القوات المسلحة الإسرائيلية من إنجاز هدفها (تحطيم البنية التحتية لكل أعمال المقاومة الفلسطينية واللبنانية) ووجدت نفسها متورطة في حرب طويلة، وبدأت حركات الاحتجاج في إسرائيل. وقد خَلَفه شامير في الوزارة.
واستقالة بيجين تذكِّر باستقالة بن جوريون وجولدا مائير اللذين استقالا مفجوعين بواقعهما وبالصراعات التي دارت حول خلافتهما، فتفاعلات حرب لبنان أدت في النهاية إلى استقالة بيجين متأثراً بموجة الهياج العام ضده، إضافة إلى استمرار الصراعات حول خلافته بين كل من إسحق شامير رجل الاغتيالات القديم، وأريئيل شارون، سفاح قبية وصبرا وشاتيلا، وديفيد ليفي اليهودي المغربي الذي يشكل عامل الاستقطاب الرئيسي لأصوات اليهود المغاربة، وموشيه أرينز الذي خلف شارون في وزارة الدفاع.
ومن أبرز مؤلفات بيجين التمرد (1951) الذي تناول فيه قصة الإرجون وصرح فيه بفلسفته الداروينية النيتشوية، العلمانية الشاملة.
الحرس الجديد
‏New Guards

«الحرس الجديد» تعبير يُطلَق على مجموعة تتميَّز بأن أغلبها من الصابرا من جانب، أي أنهم نشأوا في المستوطن الصهيوني في فلسطين قبل عام 1948 (ولذلك يُطلَق عليهم أحياناً اصطلاح «صابرا ما قبل الدولة» ) ، كما أنهم من جانب آخر يتميزون بأنهم تولوا صياغة مفهوم الأمن القومي للكيان الصهيوني (الجنرالات يجال يادين وإسحق رابين وموشي ديان ويجال آلون وكذلك شيمون بيريز) . ولذلك فإن معظمهم أسسوا مكانتهم السياسية استناداً إلى جهودهم وإنجازاتهم في هذا المجال، كما كان لهم تأثيرهم - من خلاله - على السياسة الخارجية (فشيمون بيريز مثلاً يوصف بأنه «مهندس» العلاقات الإسرائيلية الفرنسية والإسرائيلية الألمانية من خلال دوره في صفقات السلاح التي أبرمت لتلبية احتياجات المؤسسة العسكرية) .
والتصور السائد هو أن الحرس الجديد كان أكثر برجماتية ومرونة من الحرس القديم، وأن ثمة صراعاً فعلياً قد نشب بينه وبين الحرس القديم، ولكن من المعروف أن كلا المجموعتين تنتميان لنفس العقلية أو الذهنية، أي عقلية الهجرة الصهيونية الاستيطانية الثانية. ورغم أن أعضاء الحرس الجديد يعترفون بالوجود العربي نظرياً على عكس أسلافهم، فإنهم يتبنون نفس أسلوبهم في الإصرار على التعامل مع العرب من مركز القوة. ولم يرتبط الذبول التدريجي للحرس القديم بتغير ملموس أو ملحوظ في تصورات النخبة السياسية، وما مواقف إسحق رابين ويجال آلون وشيمون بيريز وياريف إلا إعادة إنتاج لمواقف جولدا مائير وأبا إيبان وإسحق سابير في ظروف جديدة. وكل هذا يؤكد أن الحرس القديم قد صنع الإطار العقيدي للدولة الصهيونية وأن تأثيره يتجاوز مجرد الإمساك بمقاليد السلطة ويمتد إلى القيم والتقاليد والممارسات المستمرة، ويرتبط بالطبيعة الاستيطانية لذات الكيان الصهيوني.

هذا ويميِّز بعض الباحثين بين جيلين أو فريقين في الحرس الجديد، الجيل الوسط (موشي ديان - يجال آلون - شيمون بيريز) الذي نبتت صهيونيته واستيطانيته تحت ظلال الإمبريالية الأوربية، مقابل «جيل الأمريكيين» الذي كان يتزعمه إسحق رابين رئيس الوزراء السابق الذي كان ينادي بالاعتماد الكامل على الإمبريالية الأمريكية. وهو تمييز ليس له مقدرة تفسيرية عالية، كما بيَّنت الأحداث اللاحقة، فقد عمل شيمون بيريز بكفاءة عالية تحت المظلة الأمريكية.
وقد عاش أعضاء الحرس الجديد منذ البداية في الدولة وساهموا في بنائها سواء اقتصادياً أو حربياً ولكنهم لم يساهموا في صناعة الأيديولوجية الصهيونية، وإنما تشرَّبوها ورضعوها، فمحددات فكرهم وسلوكهم هما الصهيونية والحفاظ على الدولة. وقد شهد هذا الجيل ظهور الصهيونية التصحيحية مرة أخرى من خلال انقلاب عام 1977 وانتخاب مناحم بيجين. وقد صاحب هذا تصاعد صوت ممثلي اليهود الشرقيين ودعاة الصهيونية الإثنية ذات الديباجات الدينية. وهذا الجيل هو الذي دخل مفاوضات السلام مع العرب، حيث وجد نفسه بين خيارين، إما التمسك بالمبادئ العامة والأساسية للصهيونية القائمة على التوسع وأرض إسرائيل الكاملة أو الدخول في عملية سلام مع الدول العربية والشعب الفلسطيني، ولكن قيادات ذلك الجيل حاولت المزاوجة بين الخيارين بمعنى عدم التخلي الكامل عن فكرة أرض إسرائيل مع الاستفادة من الاعتراف العربي ونيل الشرعية والقبول. وحدث انقسام بين اليمين ودعاة الصهيونية العمالية، أو بين من يتمسك بالصهيونية القائمة على نفي الشعب الفلسطيني والتمسك بأرض إسرائيل الكاملة من جهة (صهيونية الأراضي) ، ومن جهة أخرى الصهيونية العملية التي ترى استحالة استمرار الكيان الإسرائيلي في حالة حرب مستمرة ضد جيرانه ومن ثم وجوب التوصل إلى حل وسط إقليمي (الصهيونية الديموجرافية أو السكانية) . وأهم أعضاء الحرس الجديد هم رابين وبيريز وشارون.

يتسحاق رابين (1922-1995 (
‏Isaac Rabin
زعيم سياسي وعسكري بارز ورئيس وزراء سابق، من الحرس الجديد. اسمه الأصلي إسحق رابينوفيتش، وهو من مواليد القدس. درس في مدرسة زراعية، وتلقى دورات تأهيل عسكرية في إطار البالماخ الذي التحق به عام 1940، ودرس لاحقاً مدة عام في الكلية الحربية للقيادة والأركان في بريطانيا. شارك في حرب 1948 كضابط عمليات، ثم قائد لواء عسكري، ثم ضابطاً للعمليات على الجبهة الجنوبية. وفي عام 1949 شارك في وفد إسرائيل في محادثات الهدنة مع مصر في رودس.
شغل خلال الأعوام العشرين التالية مناصب رفيعة في الجيش الإسرائيلي: قائد المنظمة الشمالية (1956 ـ 1959) ، رئيس شعبة العمليات ونائب رئيس الأركان (1959ـ 1964) ، رئيس الأركان (1964 ـ 1968) حيث قاد الجيش الإسرائيلي خلال حرب 1967. لكنه تقاعد من الجيش في مطلع عام 1968، وعُين في إثر ذلك سفيراً لإسرائيل لدى الولايات المتحدة، وشهدت فترة خدمته سفيراً في واشنطن تحولاً بالغ الأثر في العلاقات الإستراتيجية بين البلدين.
عاد إلى إسرائيل عام 1973، ونشط في صفوف حزب العمل. وفي ديسمبر 1973 انتُخب وزيراً للعمل في حكومة جولدا مائير. وعقب سقوط حكومة مائير، بسبب نتائج حرب 1973، انتخبه حزب العمل لرئاسة الحكومة. وفي يونيه 1974 نالت حكومته ثقة الكنيست. واختار إسحق رابين شيمون بيريز وزيراً للدفاع خشية انسحاب كتلة رافي من حزب العمل. واشتد الخلاف بين الرجلين واستفاد بيريز من حالة التوتر والإرهاق العصبي التي أصابت رابين، وصارت السياسة صراع مزايدات بينهما. وفي ظل هذه الحكومة تم التوصل بوساطة أمريكية إلى اتفاقات فصل القوات مع مصر وسوريا (1974) ، وإلى الاتفاق المرحلي مع مصر (1975) . كما تم، خلال عام 1975، توقيع أول مذكرة تفاهم بين إسرائيل والولايات المتحدة.

وقد انتهت حكومة رابين نهاية غير طبيعية عبر طرح الثقة في الحكومة وسقوطها، إثر قيام رابين باستقبال طائرات حربية جديدة من طراز إف - 15 قادمة من الولايات المتحدة في يوم السبت، وهو ما اعتبره حزب أجودات يسرائيل خرقاً لحرمته. كما تمكن بيريز من كشف فضيحة مالية لزوجة رابين (تدور حول احتفاظها بحساب بالدولار في الولايات المتحدة خلافاً للقوانين التي تحظر ذلك) الأمر الذي سد الباب أمام عودة رابين إلى رئاسة الحزب في تلك الفترة.
وتدل سيرة الخدمة العسكرية لرابين وشخصيته في ظاهرهما على الثقة والتماسك بل الصلابة، ولذلك فإن انهياره العصبي عشية حرب 1967 وإصابته بهستيريا الذعر وهو في قمة المناصب العسكرية، تدل على هشاشة التركيب المعنوي حتى للنخبة الإرهابية التي رُبيت في البالماخ، وتبيِّن الأساس الموضوعي لما يُسمَّى «الهاجس الأمني» .
وقد ظل رابين في حزب العمل في مقدمة الصف الأول، وظل محور استقطاب كبير في أوساط الحزب، وإن استسلم أمام بيريز قانعاً بأن يصطف وراءه حتى حانت له الفرصة عام 1992 ليحتل منصب رئيس الحزب ورئيس الوزراء مرة أخرى. وقد بقي رابين بعد هزيمة حزب العمل في انتخابات عام 1977 عضو كنيست في المعارضة وشارك في عضوية لجنة الشئون الخارجية والأمن. وخلال غزو لبنان عام 1982 قدم دعمه العلني لوزير الدفاع آنذاك أريئيل شارون. وفي ظل حكومة الوحدة الوطنية (1984 ـ 1990) تولَّى رابين منصب وزير الدفاع، وقدم عام 1985 اقتراح انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، وإنشاء الحزام الأمني في الجنوب اللبناني. ولدى نشوب الانتفاضة عام 1987 انتهج رابين ضدها سياسة قمعية بالغة العنف، متبعاً سياسة تكسير العظام التي قوبلت باستنكار دولي واسع.

وحانت الفرصة لرابين ليقود الحكومة الإسرائيلية في ظل أجواء عملية التسوية المنبثقة عن مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991 ويُقال إثر احتدام الخلاف بين حكومة الليكود بقيادة إسحق شامير والإدارة الأمريكية بقيادة بوش حول موضوع الاستيطان. وفي الانتخابات الحزبية التي جرت قبيل انتخابات الكنيست عام 1992 فاز رابين على منافسه شيمون بيريز، وقاد حزب العمل إلى الفوز في انتخابات الكنيست، وألَّف حكومة عمالية احتل فيها منصبي رئيس الحكومة ووزير الدفاع. وخلال هذه الفترة أبرم اتفاق إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو) ومن ثم الاتفاق المرحلي (اتفاق طابا) ، كما أبرم خلال عام 1994 معاهدة السلام مع الأردن. وقد اغتيل رابين في تل أبيب يوم 4 نوفمبر 1995 على يد أحد أعضاء اليمين الديني، المعارض لاتفاقات التسوية.
ويبدو أن موافقة رابين على توقيع اتفاقات تسوية الفلسطينيين بمنزلة تطوير في رؤيته للوجود العربي وإدراك منه لعمق الأزمة التي تواجه المشروع الصهيوني. ومع هذا يمكن القول بأن الانتفاضة والمقاومة التي أظهرها الشعب الفلسطيني جعلته يدرك أزمة الصهيونية وعدم قدرتها على الاستمرار في الاحتلال بنفس الأساليب القديمة، فكانت فكرة الحكم الذاتي التي تقوم على سيطرة إسرائيل على الأرض دون الشعب. فرابين - شأنه شأن معظم الزعماء الصهاينة من اليمين واليسار - كان يتمنى أن يستيقظ ليرى قطاع غزة وقد غرق في البحر من شدة أعمال المقاومة ضد الجيش الإسرائيلي فيه. وقد مكنته اتفاقات التسوية من الحصول على جائزة نوبل للسلام بالمشاركة مع كل من بيريز وعرفات.
شيمون بيريز (1923 (–
‏Shimon Peres

رئيس وزراء عمالي سابق، ومن أبرز الشخصيات التي تتلمذت على يد بن جوريون، وهو من الحرس الجديد. وُلد في بولندا ثم هاجر إلى فلسطين عام 1934 (وهو بعد في العاشرة من عمره) ، ودرس في إحدى المدارس الزراعية، ودرس لاحقاً في جامعة نيويورك ثم في كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد. عيَّنه بن جوريون، خلال فترة 1947 ـ 1948، مسئولاً عن مشتريات الأسلحة والتجنيد في هيئة أركان الهاجاناه، ثم مسئولاً عن سلاح البحرية عام 1948، ورئيساً لبعثة وزارة الدفاع في الولايات المتحدة عام 1949. وقد شغل خلال فترة 1952 ـ 1953، منصب نائب المدير العام لوزارة الدفاع، ثم مديراً عاماً لها لمدة سبعة أعوام (1953 ـ 1959) . وخلال هذه الفترة أعاد تنظيم وزارة الدفاع، وبادر إلى إنشاء الصناعات الجوية والمشروع النووي الإسرائيلي، وكان مسئولاً عن تطوير العلاقات الخاصة مع فرنسا. وفي عام 1959 انتُخب عضواً في الكنيست ثم عمل نائباً لبن جوريون في وزارة الدفاع من 1959 - 1965، حيث وضع الأساس للبنية التحتية العلمية للأسلحة النووية في إسرائيل. وقد قام، كذلك، بتطوير العلاقة بين الدولة الصهيونية وألمانيا الغربية لتزويد إسرائيل بأسلحة ألمانية.

ويُلاحَظ أن بيريز ظهر دائماً ضمن ثنائي يقف من ورائه بن جوريون، والأول في هذا الثنائي كان موشى ديان. وكان تعيين بيريز في منصب المدير العام لوزارة الدفاع راجعاً إلى أن بن جوريون كان يستهدف أن يضمن الولاء الشخصي لقيادته، فبيريز ليس من العسكريين أساساً، ولا من الأسماء اللامعة في المنظمة الصهيونية أو الوكالة اليهودية، ولكنه استمد خبراته من الحقل النقابي الطلابي ومن العمل الحزبي في نطاق حركة العمل. وقد تغلغل نفوذ بيريز في كل من المجتمع العسكري والمؤسسة العسكرية وصارت كلمته نافذة في الجيش، كما صارت له مكانة خاصة لدى بن جوريون وحزب الماباي أيضاً، الأمر الذي أثار تخوف القادة المخضرمين مثل ليفي إشكول وإسحق سابير وجولدا مائير.
وإثر انسحاب بن جوريون من حزب الماباي عام 1965، بسبب تداعيات فضيحة لافون، شارك بيريز مع بن جوريون وموشي ديان في تأسيس حزب رافي، وعُيِّن سكرتيراً عاماً للحزب. ولكن الحزب فشل في الحصول على أغلبية نسبية تمكنه من تشكيل الحكومة (10 مقاعد في انتخابات عام 1965) . ولكن شخصية وطموحات كل من بيريز وديان جعلتهما يرفضان الانتظار في صفوف المعارضة. ومع تصاعد نذر حرب عام 1967 تم تشكيل حكومة وحدة وطنية عُيِّن ديان فيها وزيراً للدفاع. وفي أواخر عام 1967 قرر كل من ديان وبيريز أن يعودا إلى حزب العمل بعد أن أعلنا حل رافي تاركين بن جوريون في الفراغ. وعكف بيريز على العمل الدؤوب داخل الآلة الحزبية من أجل الاندماج من جديد في الحزب والتعبير عن ولائه بجهد يعوض اهتزاز ذلك الولاء سابقاً.

شغل بيريز مناصب وزارية مختلفة في فترة 1969 - 1977 منها وزير استيعاب وهجرة، ثم وزير المواصلات والاتصالات 1970 - 1974، ثم وزير الإعلام في مارس 1974، ثم وزير الدفاع في حكومة رابين في فترة 1974 - 1977 التي شهدت توقيع الاتفاق المرحلي مع مصر عام 1975، وقد شارك بيريز في المفاوضات المؤدية إليه. ثم شهدت هذه الفترة بداية الصراع بين بيريز ورابين منذ انتخاب رابين زعيماً خلفاً لجولدا مائير، وهو المنصب الذي كان بيريز يطمح إليه بعد تضعضع سلطة موشي ديان.
وفي عام 1977 انتُخب بيريز رئيساً لتجمع المعراخ. ولدى تأليف حكومة الوحدة الوطنية عام 1984، تولى بيريز فيها منصب رئيس الحكومة مدة عامين 1984 - 1986 ثم منصبي نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية (1986 - 1988) . وخلال فترة ولايته كرئيس للحكومة انسحبت إسرائيل من جزء من الجنوب اللبناني (1985) ، وطبقت خطة لتثبيت الاقتصاد الإسرائيلي. وفي حكومة الوحدة الوطنية الثانية (1988 - 1990) تولَّى بيريز منصبي نائب رئيس الحكومة ووزير المالية. وبعد انسحاب حزب العمل من الحكومة قاد المعارضة في الكنيست حتى عام 1992.

وقبيل انتخابات الكنيست عام 1992 نافس إسحق رابين شيمون بيريز على رئاسة حزب العمل في الانتخابات الداخلية في فبراير عام 1992، ولكن الفوز كان من نصيب رابين. وشهدت الفترة التالية هدوءاً داخلياً أسهم في فوز حزب العمل في انتخابات الكنيست، وتم تعيين بيريز وزيراً للخارجية في حكومة رابين التي ألفها في يونيه 1992، وأدَّى دوراً أساسياً في إبرام اتفاقي أوسلو وطابا مع منظمة التحرير الفلسطينية وفي توقيع معاهدة السلام مع الأردن. وإثر اغتيال رابين في نوفمبر 1995، شكَّل بيريز حكومة جديدة برئاسته واحتفظ فيها بمنصبي رئيس الحكومة ووزير الدفاع. ورغم هزيمة حزب العمل في انتخابات الكنيست عام 1996 استمرت طموحات بيريز في التمسك بالسلطة وذلك عبر مقترحات تشكيل حكومة وحدة وطنية بين العمل والليكود. ومع إجراء الانتخابات الداخلية للحزب في يونيه 1996 تمكن إيهودا باراك من الفوز برئاسة الحزب منتصراً على يوسي بيلين الذي يدعمه بيريز. وما يزال بيريز مصراً على الاستمرار في الساحة السياسية وعدم اعتزال العمل السياسي، ولتحقيق هذا الهدف أسس معهد بيريز للسلام ضم في مجلس أمنائه كلاً من كارتر وجورباتشوف.
ويُعدُّ بيريز المُنظر الأساسي للسوق الشرق أوسطية وفكرة إدماج إسرائيل في المنطقة عبر إنشاء نظام إقليمي للتعاون الأمني والاقتصادي. وقد طرح تلك الآراء في كتابه الشرق الأوسط الجديد، معتبراً فيه أن السلام والتعاون الاقتصادي كفيلان بحل بنية تحتية ومشاريع اقتصادية مشتركة تكفل الأمن لإسرائيل، بحيث تتم تحالفات بين إسرائيل والنظم العربية لمواجهة خطر الإرهاب وصعود الحركات الإسلامية.
ولكن التناقضات الداخلية لتلك الرؤية أسفرت في النهاية عن فشل بيريز في الفوز في انتخابات الكنيست عام 1996، رغم ارتدائه بزة الحرب وتنفيذ عملية عناقيد الغضب ومذبحة قانا في مارس 1996، ورغم الدعم الخارجي من قبَل الولايات المتحدة له ولحزب العمل.

أرييل شارون (1933 (–
‏Ariel Sharon
زعيم صهيوني من الحرس الجديد من مواليد كفار ملال. درس التاريخ وعلوم الاستشراق في الجامعة العبرية في القدس، وأكمل تحصيله الجامعي في كلية الحقوق في تل أبيب، ثم حصل على شهادة جامعية عام 1996. اسمه الأصلي أريئيل صموئيل مردخاي شرايبر، وهو من يهود بولندا أصلاً، وقد عاش أبوه بعض الوقت في القوقاز أيضاً، ثم هاجر إلى فلسطين وعمل مزارعاً في مزارع الموشاف، وأرسله والده إلى الكلية الزراعية ولكنه لم يكن راغباً في الدراسة. وقد اشترك في الحرب الصهيونية ضد العرب عام 1948 وأصيب في بطنه (بينما كان يحرق أحد الحقول) وكاد يُقتل لولا أن قام جندي شاب بنقله إلى مكان آمن (وقد أصبح ولاؤه أثناء القتال لا يتجه إلى الوطن ككل وإنما إلى المقاتلين معه وحسب. وقد صارت هذه إحدى العقائد الأساسية في الجيش الإسرائيلي (.

لم يبرز شارون إلا بعد عام 1948 كضابط في الوحدات الخاصة التي تعمل بإمرة الاستخبارات العسكرية للقيام بالأعمال الانتقامية ضد مخيمات اللاجئين والقرى الفلسطينية الحدودية حيث عهد بهذه الغارات إلى وحدة خاصة أُنشئت في أغسطس 1952 وأطلق عليها اسم «الوحدة 101» . وقد اختار شارون أفراد الوحدة ( «شياطينها» كما كانوا يُدعون) بنفسه من مجرمين وأصحاب سوابق ولصوص وقتلة، فاتجه إلى قرية قبية العربية الفلسطينية التي تقع شمال القدس على بُعد كيلو مترين من حدود 1967، ثم طوقت قواته القرية وغمرتها بوابل من نيران المدفعية فدكت القرية دكاً على من فيها، ثم تقدم المشاة وأجهزوا على الباقين على قيد الحياة. وقد دلت مواضع الإصابات في أجسام الضحايا الذين سقطوا قرب أبواب بيوتهم من الداخل على أنهم لم يُعطوا فرصة مغادرتها (كما يقول تقرير قائد مراقبي هيئة الأمم مما يجعل قبية قريبة من قانا) . وقد استعمل في هذا الهجوم جميع أسلحة المشاة من بنادق ورشاشات برن وستن وقنابل يدوية وقنابل حارقة ومتفجرات. ويتلخص «نجاح» شارون في هذه المذبحة فيما يلي:
1 - نسف 41 داراً للسكنى.
2 - قتل 69 شخصاً نصفهم من النساء والأطفال.
3 - قتل 20 رأساً من الماشية بينها بقر وخراف وماعز.
وقد أنكر بن جوريون - رئيس الوزراء الإسرائيلي آنئذ - علمه بالعملية وأكد أنه قام بتحقيق دقيق أسفر بما لا يقبل الشك عن أن جميع وحدات الجيش الإسرائيلي كانت في ثكناتها! وقد تنصل بن جوريون من هذا "النجاح" العسكري نظراً لدمويته، ولكن كتاب المظليين الإسرائيلي الصادر عام 1969 لم يتردد في التباهي بهذه العملية «الناجحة» التي غسلت عار الهزائم التي لحقت بجيش إسرائيل في غاراته الانتقامية السابقة.

ولكن يبدو أن "نجاح" عملية قبية الباهر لم يؤت أُكله إذ أننا نجد أن الجنرال يشترك في حروب "ناجحة" الواحدة تلو الأخرى دون توقف، وكأنه آلة حرب دقيقة الصنع تحرز نجاحات "عديدة متتالية". (ولكن ألا يثير تكرار "الحروب الناجحة" بعض الشك عن مدى نجاحها لأن الحرب "الناجحة" حقاً هي الحرب التي تحقق السلام والطمأنينة والأمن الدائم للمحارب وأهله وشعبه؟ (.
عُيِّن شارون قائد لواء مدرع في العدوان الثلاثي على جبهة سيناء، واحتل ممر متلا مخالفاً بذلك الخطة العامة التي كانت تهدف إلى ترك حامية الممر تسقط من تلقاء نفسها حينما يتم تجاوزها وتصبح قوات العدو خلفها (فمن عادة شارون مخالفة الأوامر) . ثم تلقى تعليماً عسكرياً في فرنسا بعد حرب 1956، ثم تم تعيينه قائد لواء مدرع (1962 ـ 1964) ، ورئيس هيئة أركان المنطقة الشمالية (1964 ـ 1969) ، وقائد المنطقة الجنوبية (1968 ـ 1973) . وكان قائد القوات الإسرائيلية التي عبرت في حرب أكتوبر 1973 قناة السويس من سيناء إلى الضفة الغربية للقناة وفتحت ثغرة الدفرسوار وهو ما أكسبه سمعة عالية. وقد وصفه زملاؤه بأنه «شيء هادئ الأعصاب ... لا يمكنك أن تعرف إن كنت تحبه أو تكرهه، وإن كنت تُعجب به أم تخاف منه» .
وبعد "نجاح" 1967 (حين "انتصرت" القوات الإسرائيلية على القوات العربية) نجد أن شارون "ينجح" في طرد 600 بدوي من ديارهم في رفح ليحقق بعض الأمن في غزة (فقد كان قائد المنطقة الجنوبية) وتم دمج هذه الوحدة بقوات المظليين.

ولم يكد شارون يُحال إلى الاحتياط عقب الحرب حتى سارع إلى استثمار السمعة العسكرية التي جناها من الحرب لدخول الساحة السياسية، شأنه شأن كثير من الجنرالات الإسرائيليين. فشرع يشكل حركة سياسية بزعامته يتقدم بها إلى انتخابات عام 1977، مع ملاحظة أنه كان في شبابه عضواً غير نشيط في حزب الماباي ثم الحزب الليبرالي. وفي ظل صعوبة حصوله على أصوات كثيرة عمد إلى إجراء اتصالات مع جميع القوى السياسية حتى تلك التي تتبنى أفكاراً سياسية مختلفة تماماً مثل يوسي ساريد، وأشار لهم بأنه مستعد لممارسة مرونة كفيلة بأن تدهشهم إذا هم قبلوا الانضواء تحت لواء قائمته. وتشير تجربة الغزو اللبناني إلى أن وزير الدفاع شارون لم يتغير عن قائد الوحدة 101، وأن سفاح صابرا وشاتيلا هو بعينه سفاح قبية، وعليه فإن تلويحه بالمرونة والاعتدال يجب أن يُفهم في سياق المناورة السياسية.
وجاءت نتيجة انتخابات 1977 لتفوز قائمة شارون بمقعدين، ثم انضم إلى تكتل الليكود شاغلاً مقعد وزير الزراعة ثم وزير الدفاع. وقد كان هو المحرك الرئيسي وراء غزو لبنان عام 1982. وقد اضطر شارون إلى الاستقالة من منصبه كوزير للدفاع عام 1983 إثر تقرير لجنة تحقيق رسمية حملته المسئولية غير المباشرة عن مذبحة صابرا وشاتيلا. وقد استمر شارون في الوزارات التي شارك فيها الليكود بعد ذلك، حيث شغل منصب وزير بلا حقيبة (1982 - 1984) ، ثم وزير الصناعة والتجارة (1984 - 1988) ووزير البناء والإسكان (1988 - 1992) .

ويكشف صعود شارون إلى مراكز السلطة بهذه السرعة، ومكوثه في الوزارة بعد أن تحمل خسائر حرب لبنان، ونجاحه في تثبيت مواقعه داخل الليكود، بل منافسة شامير نفسه على زعامة الحزب، يكشف ذلك عن الشعبية التي يتمتع بها العسكريون المتشددون في الكيان الصهيوني. تولَّى شارون منصب وزير البنية التحتية في حكومة الليكود برئاسة نتنياهو التي تم تشكيلها إثر انتخابات عام 1996، واستمر في السعي من أجل لعب دور أساسي في القضايا الإستراتيجية، حيث ضغط من أجل ضمه إلى المجلس الوزاري المصغر إلى جانب نتنياهو ووزيري الخارجية والدفاع (ديفيد ليفي وإسحق مردخاي) ، واعترض الأخيران على ذلك.
التقى شارون بمحمود عباس (أبو مازن) في يوليه 1997 ليرد على منتقديه الذين رأوا أن دخوله مجلس الوزراء المصغر سوف يعقد المفاوضات مع الفلسطينيين مشيراً إلى أنه الوحيد الذي يعرف كيف يتعامل مع الفلسطينيين. وقد تنازل عن ذلك الذي ظل ينادي به لسنين طويلة، وهو حرمان الدولة الفلسطينية المستقبلية من أي استمرارية جغرافية (يعتقد شارون أن المحافظة على الاستمرارية والاتصال الدائم بين المستوطنات اليهودية داخل الأراضي الفلسطينية يمكن أن تتم خلال بناء الأنفاق تحت الأرض والجسور والطرق الالتفافية بدلاً من البقاء على الاتصال الجغرافي المباشر بين تلك المستوطنات) . وقد عرض شارون خريطة على أبو مازن في 16 يوليه 1997 لأنه أراد كما قال "أن يعرف الفلسطينيون ولآخر مرة ما هو موقف إسرائيل من اتفاقية الوضعية النهائية، وما الذي يمكنها أن تفعله، وما الذي لا يمكنها أن تفعله أبداً، ولماذا". ومضى شارون ليقول: "هذه أمور لابد للفلسطينيين أن يفهموها لأنني أعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي يسمعونها منا".

ويُعدُّ شارون من أهم أنصار نظرية الضم التدريجي للضفة الغربية. وفي مقال له بجريدة معاريف في نهاية عام 1981 تحت عنوان "المشكلات الإستراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات" يتطلع شارون إلى وجوب أن تتخطى فكرة المصلحة الإستراتيجية لإسرائيل المجال المتمثل تقليدياً بالدائرة المحيطة بإسرائيل إلى مجالين جغرافيين آخرين لهما تأثيرهما الأمني:
1 - الدولة العربية البعيدة التي يضيف تعاظم قدراتها العسكرية بُعداً بالغ الخطورة للخطر المباشر الذي يتهدد إسرائيل، سواء عن طريق إرسال قوات خاصة إلى منطقة المواجهة، أو عن طريق القيام بعمليات جوية وبحرية مباشرة ضد خطوط المواصلات الجوية والبحرية الإسرائيلية.
2 - تلك الدول التي يؤثر التوجه السياسي الإستراتيجي فيها على الأمن القومي الإسرائيلي مثل إيران وتركيا وباكستان ومناطق الخليج الفارسي وأفريقيا، ولا سيما دول أفريقيا الشمالية والوسطى.
وهذه الإستراتيجية لا ترى في الضفة وغزة إلا خطاً خلفياً يقع في قلب إسرائيل، الأمر الذي يتطلب المزيد من مصادرة الأراضي وتفريغها من السكان العرب.
ومن الواضح أن شارون سيكون له دور حاسم هذه الأيام. فهو مصمم على تقرير الضرورات الأمنية والجغرافية في قطاع غزة والضفة الغربية من خلال المحادثات مع الفلسطينيين. وقد أصبح شارون أهم دعاة المشاركة الإستراتيجية بين إسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية ملغياً بذلك الخيار الذي طالما نادى به كثيرون في إسرائيل وهو إقامة دولة فلسطينية في الأردن. كذلك قَبل شارون مبدأ السيادة الفلسطينية على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة (من دون القدس بالطبع) . والتحدي الذي يراه شارون في التعامل مع الفلسطينيين هو إيجاد إطار سياسي ودبلوماسي ناجح يساعد على تحديد واحتواء صلاحيات الدولة الجديدة ومساحتها الجغرافية.

وتنقل مصادر عن شارون قوله: "يجب على إسرائيل أن تحتفظ في أي تسوية نهائية بمنطقة أمنية في الشرق لا يقل عرضها عن عشرين كيلو متراً وحزام أمني في الأجزاء الغربية من الضفة الغربية يتراوح عرضه بين 7 و10 كيلو مترات". وفوق ذلك يجب أن تبقى القوات الإسرائيلية بصورة دائمة في غور الأردن، وأن تهيمن على جميع الطرق والممرات الجوية والبحرية في الأراضي الفلسطينية.
ومن الواضح أن شارون يسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية هي:
أولاً: يريد شارون من الجميع أن يفهموا «الخطوط الإسرائيل الحمراء» مع إبداء رغبة في فهم المطالب الفلسطينية.
ثانياً: إعادة المصداقية والثقة إلى المواقف التفاوضية الإسرائيلية.
ثالثاً: تحقيق تنسيق ناجح بين الموقف الإسرائيلي والموقف الأمريكي.
وقد تم الاتفاق بين نتنياهو وشارون على تسوية مؤقتة يحق بموجبها لنتنياهو التشاور مع شارون في الشئون السياسية والأمنية دون أن يدخل مجلس الوزراء المصغر فعلاً. ورغم هجوم شارون على نتنياهو إلا أنه لم يصعِّد من خلافاته معه، مقابل تزايد دور شارون في الحكومة.
ديفيد ليفي (1937 -)
‏David Levy
وزير الخارجية السابق، ورئيس حزب جيشر، من أعضاء جيل الحرس الجديد من الناحية التاريخية، ولكنه من الناحية الفعلية تم استبعاده من صنع القرار، ولعل هذا هو الذي أدى به إلى الاستقالة.

وديفيد ليفي زعيم يهودي سفاردي، وهو من أصل مغربي. وُلد لأبوين محدودي الدخل، هاجر إلى إسرائيل عام 1957 مع من هاجر من السفارد (أي في سن العشرين) وعمل كعامل زراعي أجير في الكيبوتسات القريبة من بيت شان وبعد ذلك عمل في مجالات البناء. وهو ينتمي إلى هذا الجيل الذي يتحدى هيمنة الإشكناز على تأكيد الأمور. ويُقال إن أصوله الطبقية المتواضعة والسفاردية تحد من رغبته في تبوء زعامة حزب الليكود. انتُخب لمجلس بلدية بيت شان (1967) ثم رئيساً للمجلس. وكان رئيساً لحركة حيروت في الهستدروت في نفس الفترة. دخل الكنيست عام 1969 ثم أصبح وزيراً في حكومة الليكود عام 1977 (وزير الهجرة ثم وزير البناء والإسكان) وتطلع لرئاسة الحزب ولكنه فشل في مساعيه وانتهى به الأمر بالانشقاق عن الليكود وتأليف حزب جيشر.
ولكن نظراً لظروف انتخابات عام 1996، فقد خاض حزب جيشر الانتخابات في قائمة واحدة مع الليكود، حيث حصل تكتل (الليكود - جيشر - تسومت) على 32 مقعداً منها خمسة مقاعد لحزب جيشر، وتولَّى على أثرها ليفي وزارة الخارجية حتى استقالته منها في يناير 1998.
وكان ليفي متردداً في الخروج من الحكومة رغم تهميشه الواضح وذلك لحسابات انتخابية تتمثل في خشيته - مثل باقي أعضاء الائتلاف الحكومي - من إجراء انتخابات برلمانية جديدة غير مستعد لها في الوقت الراهن، مما زاد من ازدراء نتنياهو له وتجاهل مطالبه فيما يتعلق بالموازنة لصالح حركة شاس. ولكنه استقال في نهاية الأمر. بعد أن صرح بأن الحكومة توزع ملايين الشيقلات على القطاعات الحزبية المختلفة وتترك الطبقات الفقيرة دون أموال.

وفي موضوع الميزانية حدث تنافس حاد بين حركة ليفي وحزب شاس، فالأخير رسخ قواعد انتخابية وسط اليهود الشرقيين في إطار التشديد على هوية يهودية شرقية تقليدية ذات ملامح دينية أرثوذكسية، وإرسال حزب إلى الكنيست يتصرف كأنه مجموعة مصالح تمثل قطاعاً سكانياً معيناً، وتستمد لدخول أي ائتلاف بشروطها طالما كان ذلك في مصلحة المجموعة السكانية التي تمثلها، وفي المقابل لم تنجح حركة جيشر في تأسيس هذا النوع من القواعد الجماهيرية، فتجاهل نتنياهو مطالب ليفي لصالح شاس، وتبين لليفي أن وجوده في حكومة نتنياهو لن يساعده على تثبيت وضعه جماهيرياً بل قد يعوقه.
النخبة الجديدة
‏The New Elite
«النخبة الجديدة» مصطلح في الخطاب السياسي الإسرائيلي (ويمكن أيضاً تسميته «جيل القوة» ) يشير إلى جيل السياسيين الذي ظهر بعد الحرس القديم والحرس الجديد، وذلك بعد أن تفاقمت التناقضات في المجتمع الإسرائيلي في مختلف المجالات والمستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وظهرت التناقضات واضحة في علاقة الفرد بالمجتمع والدولة، ويحاول جيل النخبة الجديدة نقل المجتمع إلى مرحلة جديدة تتميَّز بالتحرر من الأيديولوجيا الصهيونية والسياسة المتصلة بالأعباء الجماعية. وهذا الجيل تطغي عليه الهوية الإسرائيلية، فهو عندما يعمل سواء في المجالين المدني أو العسكري فإنه لا يعمل بناء على دوافع أيديولوجية واضحة، كما كان الجيل السابق (الحرس القديم والحرس الجديد) ، ولكن بناء على ضرورات الحياة وضرورة التعامل مع الواقع السياسي، فإذا كانت الأجيال السابقة تحكمها عقدة الضياع أو الخوف على الدولة، فإن ذلك الجيل قام ونشأ في ظل وجود الدولة وعاش فيها.

وأعضاء هذا الجيل، شأنهم شأن أعضاء الحرس الجديد، واجهتهم مشكلة التمسك بالاستعمار الاستيطاني الإحلالي من جهة، وصعوبة استمرار الكيان الصهيوني في حالة حرب وعداء دائم مع جيرانه في ظل حقيقة وجود الشعب الفلسطيني واستحالة نفيه أو تغييبه من جهة أخرى. وقد عاش أعضاء هذا الجيل في الفترة التي أعقبت انتصار 1967 الذي لم يدم طويلاً مع حرب 1973، كما عاش ما مرت به إسرائيل من تطورات دعَّمت التناقضات داخل المجتمع مثل غزو لبنان والانتفاضة الفلسطينية. وقد شاهد أعضاء هذا الجيل تفاقم التناقضات داخل التجمُّع الصهيوني وأزمة الصهيونية.
ولذلك ينقسم أعضاء ذلك الجيل الجديد إلى فريقين رئيسيين في الموقف من عملية التسوية وإنهاء حالة الحرب وحلم إسرائيل الكبرى، فريق مندفع مع هذه العملية دون خوف بحافز من الثقة بالنفس ورسوخ الدولة من ناحية والرغبة في التمتع بمزايا السلام والأمن ومغريات الحياة من ناحية أخرى (ممثلو الصهيونية العمالية) ، وفريق يرفض هذه العملية رفضا مطلقاً ويعتبرها تهديداً للدولة التي ثبتت أركانها، وتنازُلاً عن حلم أرض إسرائيل الكاملة، وهو تنازل عن حق ينبغي عدم التفريط فيه (ممثلو الصهيونية التصحيحية والصهيونية ذات الديباجات الدينية) . ويرتبط بذلك الفريق الأخير تصاعد ونمو الروح القومية الصهيونية والدينية ممثلة في كل من اليمين العلماني واليمين الديني. وهناك تمايزات داخل كل فريق وخصوصاً الفريق الأول.

وكانت بداية التحول إلى الجيل الجديد في الليكود حيث انتصر السياسي الجديد بنيامين نتنياهو عام 1993 على خصومه واستطاع أن يحصل على لقب زعيم المعارضة ثم رئيس الوزراء بعد انتخابات الكنيست عام 1996. وقد تأخر الأمر بعض الشيء في حزب العمل، فرغم صعود الجيل الجديد ممثلاً في إيهود باراك وحاييم رامون ويوسي بيلين، إلا أن قيادات الحرس الجديد ممثلة في رابين وبيريز استطاعت الهيمنة على مقاليد الأمور رغم تمرُّد حاييم رامون وانسحابه من الحزب عام 1994 وتشكيله قائمة مستقلة في انتخابات الهستدروت. ولكن اغتيال رابين (نوفمبر 1995) وهزيمة الحزب في انتخابات 1996 عجلت بإنهاء سيطرة الحرس الجديد، ليفوز إيهود باراك برئاسة الحزب في يونيه 1996 مطيحاً بشيمون بيريز. وأهم أعضاء هذا الجيل دون منازع هما باراك ونتنياهو. ويمكن أن نضم لهما إسحق مردخاي.
إسحق مردخاي (1944 (–
‏Isaac Mordechai
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق. من أصل عراقي كردي، وهو مطلق وأب لاثنين من الأولاد، كان أبوه يعمل حاخاماً. هاجر إلى الدولة الصهيونية عام 1950 (أي وهو بعد في السادسة) فأقام هو ووالدته في أحد المعابر لمدة عشر سنوات (وهو أمر طبيعي بالنسبة ليهود العالم الإسلامي وحدهم) ثم انتقل إلى طبرية (التي يسكنها عدد كبير من يهود كردستان العراق) . درس التاريخ في جامعة تل أبيب وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة حيفا وتخرج من كلية القيادة والتوظيف بإسرائيل.

انخرط مردخاي عند تقاعده في سلك السياسة (شأنه شأن كثير من الجنرالات الإسرائيليين مثل إيهود باراك وأريئيل شارون) . وقد عُرف بطموحه وعناده واستقلاليته. كان مردخاي وليفي (قبل استقالة هذا الأخير) يكوِّنان جناحاً داخل الائتلاف الحاكم من أجل الالتزام باتفاق أوسلو، وتنفيذ مراحل إعادة الانتشار كما نصت عليها الاتفاقات. وإثر استقالة ليفي أشار مردخاي إلى أنه سيستقيل من الحكومة إذا لم يتم إعادة الانتشار. ويرى مردخاي تحريك المسار اللبناني وفصله عن المسار السوري، حيث أعلن التزام إسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان انسجاماً مع القرار 425، وفي محاولة من طرف مردخاي وشارون لبلورة خريطة مشتركة للتسوية الدائمة في الضفة الغربية.
والبُعد الأساسي الذي انطلق منه شارون ومردخاي بخصوص الانسحاب يعتمد على فكرة عدم اقتلاع أي مستوطنة يهودية تقع تحت سيادة السلطة الفلسطينية. وكان حزب العمل قد قرر إزالة 12 مستوطنة يسري عليها هذا الشرط، لذلك حرص شارون في خريطته على إيجاد تواصل جغرافي وديموجرافي بين المستوطنات، إضافة إلى خلق كتل استيطانية محاذية للخط الأخضر. ونتيجة لما وصفه شارون بـ «خريطة المصالح القومية» ستكون جميع المستوطنات تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، الأمر الذي يسمح له بالهيمنة على 62% من مناطق الضفة الغربية. ويبدو من مراجعة تفاصيل الخريطتين أن شارون ومردخاي يتفقان على الأهمية الإستراتيجية لغور الأردن وصحراء النقب، ويعتبران السيطرة عليها مصلحة أمنية عليا. وهما يتحدثان عن هذه المنطقة كعازل أو فاصل بين الأردن والكيان الفلسطيني بحيث تبقى فلسطين الصغيرة (أو «ميني - فلسطين» كما يسمونها) معتمدة اعتماداً كلياً على إسرائيل، كما يريان أن الدفاع الإسرائيلي بحاجة دائمة لقطاع بعرض عشرين كيلو متراً يُستخدم كمنطقة تدريب ومناورة.

ولعل أهم ما يميِّز خريطة مردخاي هو خلق تواصل بين الكانتونات الفلسطينية، وطرق تحقيق لإمكانية نقل مناطق صحراوية للسلطة الفلسطينية وهو ما رفضه شامير. وعلى صعيد الوزن السياسي تشير استطلاعات الرأي العام طوال عام 1997 إلى أن مردخاي هو المرشح الأوفر حظاً للفوز برئاسة الحكومة الإسرائيلية إذا أُجريت انتخابات عامة جديدة، وبإمكانه التغلب على كل من نتنياهو وباراك ذوي الأصل الإشكنازي.
إيهود باراك (1942 (–
‏Ihud Barak
«باراك» بالعبرية تعني «البرق» وهو من زعماء النخبة الجديدة. وُلد عام 1942 (أي قبيل قيام دولة إسرائيل ببضع سنوات وحسب) وهو من خريجي الكيبوتسات (وُلد في كيبوتس هيشمار هاشارون، القريب من منتجع نتانيا، وهي مكان لتركز الصفوة الإشكنازية) . ولا يختلف باراك كثيراً عن نتنياهو في التوجهات السياسية والاقتصادية ولذا يُسمَّى «توأم بيبي» .

قضى باراك أهم سنوات حياته (تلك السنوات التي تتشكل فيها الشخصية) في الجيش بادئاً من أسفل السلم، لكنه ارتقى درجات الرتب سريعاً. وعندما تقاعد بعد 35 سنة من الخدمة العسكرية كان قد حصل على أوسمة شجاعة أكثر من أي إسرائيلي آخر. كانت شهرته داخل إسرائيل هائلة، فقد كان بطلاً باعتباره قائداً لفرقة «ساييريت ماتكال» المختارة. وقد شارك عام 1972 في عملية إنقاذ الرهائن من الطائرة البلجيكية التي اختُطفت إلى تل أبيب. وفي العام التالي وضع على رأسه شعراً مستعاراً وارتدى ثياب النساء ليتسلل إلى بيروت. وكان جزءاً من فريق أطلق النار وقتل محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر من قادة منظمة فتح الفلسطينية وهم نيام. وفي الأشهر الأولى للانتفاضة في الضفة الغربية وقطاع غزة، كان باراك قائداً لجيش إسرائيل في الوقت الذي كان إسحق رابين وزيراً للدفاع، وقد أشرف باراك على الخطط التكتيكية التي كانت تُستخدم لمحاولة القضاء على الانتفاضة الفلسطينية حيث قام عام 1988 بإعادة بعث فرق المستعرفيم «أي المستعربين» التي تهدف إلى التسلل متنكرة في أزياء عربية إلى الأوساط الفلسطينية النشيطة في الضفة والقطاع واغتيال قياداتها. وكان أعضاء هذه الفرق يستقلون سيارات غير عسكرية تحمل لوحات خاصة بالضفة والقطاع ويرتدون ملابس مدنية أو ألبسة عربية عريقة، وبعد الانتهاء من عملياتهم كانت عربات الأمن الإسرائيلي تصل متأخرة. وكان باراك هو القائد الرئيسي والموجه لعملية اغتيال القيادي الفلسطيني البارز أبو جهاد عام 1988 (لدوره في قيادة الانتفاضة (.

عمل باراك نائباً لقائد الجيش في منطقة البقاع في لبنان (أثناء غزو لبنان) ونال درجة الدكتوراه في الفيزياء والرياضيات من الجامعة العبرية (1986) ، وعُيِّن رئيساً لقسم الاستخبارات في الجيش عام 1993 وعمل رئيساً لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي في أبريل 1990 إلى حين تقاعده في يناير 1995. وبصفته قائداً للجيش شارك في مفاوضات السلام سواء مع الفلسطينيين أم السوريين أم الأردنيين.
كان باراك يلقى الاحترام الشديد خلال عمله في الجيش من الضباط الأقل مرتبة، وقد اشتهر بأنه يتمتع بأسلوب التفوق وبقدر كبير من الغطرسة مما أكسبه لقب «نابليون الصغير» . دخل ساحة العمل السياسي في يوليه 1995، عندما عُيِّن وزيراً للداخلية (في وزارة رابين) . وبعد اغتيال رابين في 4 نوفمبر 1995 وبعد تسلُّم بيريز زعامة حزب العمل ورئاسة الحكومة، عُيِّن باراك وزيراً للخارجية، وبعد عامين من تركه البزة العسكرية، تم انتخابه زعيماً لحزب العمل في 3 يونيه 1996 منهياً بذلك ثلاثة وعشرين عاماً من احتكار الحرس الجديد (إسحق رابين وشيمون بيريز) هذا المنصب.
ويعبِّر انتخاب باراك عن تعطُّش حزب العمل إلى زعيم يملك شباب بنيامين نتنياهو وخبرة إسحق رابين العسكرية ليعيد الحزب إلى قيادة إسرائيل على طريقة رابين قبل اغتياله، فباراك هو الشخص القادر على إعادة حزب العمل إلى الحكم. وقد فاز برئاسة الحزب (50.33% من الأصوات) ضد يوسي بلين (الذي يُسمَّى «مهندس عملية السلام» وأحد المقربين من بيريز الذي حصل على 28.51%) والذي يقف وراء اتفاق أوسلو.

ومن المعارضين لقيادة باراك والذين رشحوا أنفسهم ضده هناك حاييم رامون زعيم الهستدروت، وشلومو بن عامي (السفاردي الذي ينتمي لحزب العمل والذي يربط بين السلام والرفاه الاجتماعي والازدهار الاقتصادي والذي حصل على على 14.11% من أصوات الناخبين) . وكانت رسالة الناخبين واضحة: نريد زعيماً جديداً، ولكن ليس ممن كانوا يدورون في فلك إسحق رابين، ونريده سياسياً قوياً له سجل عسكري مشهود، أكثر منه منظراً ليبرالياً (أي نريده شخصاً اكتسب «الشرعية السياسية» التي يفتقدها بيريز) . وقد انتخب باراك مجموعة غير متماسكة أو متماثلة (من النواحي السياسية والأيديولوجية) . فعوزي برعام، الرجل الثاني في الكتلة التي انتخبت باراك، يعتبر من حمائم الحزب وأقرب في وجهة نظره إلى معارضي باراك، كما أن نواف مصالحه وصالح طريف (نائبان عن الكنيست عن الوسط العربي) دعما باراك في معركته الانتخابية مثل كثيرين من حزب العمل لاعتبار واحد، وهو أنهم يعتقدون أنه الأكثر قدرة على هزيمة نتنياهو في أية انتخابات مباشرة على رئاسة الوزراء. (أعلن باراك أن الفرصة الوحيدة لعودة حزب العمل تكمن في كسب ناخبي الوسط في الخريطة السياسية (.

إن كل هذا يُعدُّ دليلاً على أن الرأي العام الإسرائيلي لا يزال يؤمن بما يُسمَّى «السلام الإسرائيلي» القائم على التفوق العسكري والتوازن الإستراتيجي الذي يميل لصالح إسرائيل. ومما تجدر ملاحظته أن باراك لم يكن ذا صبغة حزبية محددة أثناء عمله في الجيش الإسرائيلي، فقد كانت فرص انضمامه إلى أيٍّ منها متساوية إلى حدٍّ كبير، وقد راهن على الغموض في تحديد التزامه الحزبي ومواقفه السياسية. ورغبةً منه في أن يصبح الزعيم الأوحد للحزب وقف باراك بشدة ضد مشروع قرار بانتخاب بيريز رئيساً فخرياً للحزب، وقد حظى موقفه هذا بموافقة الأغلبية داخل مؤسسات الحزب. ولكن رغم انتصاره هذا فليس هناك ما يشير إلى احتمال أن يفرض باراك برنامجه السياسي بسهولة داخل الحزب، فما زال شيمون بيريز يصر على القيام بدور ما داخل الحزب. ومن جهة أخرى فإن جيل القيادات الشابة الذي صار مسيطراً على الحزب لا يقف موحداً خلف باراك. وقد وقَّع باراك اتفاق «بيلين - إيتان» مع حزب الليكود لإيجاد حد أدنى من الاتفاق بين الحزبين (انظر: «الإجماع الصهيوني القومي» (.

وبالنسبة لآرائه السياسية يشدِّد باراك على موضوع الأمن وله تحفظات على اتفاق أوسلو، وأثناء زيارته لإحدى المستعمرات/ المستوطنات الصهيونية (في رام الله) رفض فكرة الانسحاب إلى حدود 1967. ويتبنَّى باراك مشروع آلون وإن كان يرفض الخطة التي طرحها نتنياهو للحل النهائي على الفلسطينيين والمسماة آلون بلس Allon Plus، وذلك لأن الفلسطينيين يرفضونها مما قد يؤدي إلى انهيار عملية السلام (في تصوُّره) ، الأمر الذي سيؤدي (بدوره) إلى زيادة أعمال العنف والإرهاب ضد إسرائيل، وزيادة موازنة الجيش، وزيادة التقلص في السياحة، وإلى هروب الاستثمارات الأجنبية، وإلى تعميق الركود الاقتصادي. وقد أدلى بصوته في الكنيست ضد آخر اتفاق رئيسي توصل إليه إسحق رابين مع الفلسطينيين في سبتمبر 1995. وأعرب عن تأييده لانتقادات أريئيل شارون أحد صقور الليكود ضد الاتفاق في يناير عام 1997 بسحب القوات الإسرائيلية من معظم أنحاء مدينة الخليل في الضفة الغربية. وقد تحاشى، متعمداً، أي اتصال مع ياسر عرفات، ورفض أن يُجر إلى الإعلان عن الأراضي التي يفضل إعادتها إلى الفلسطينيين.

يستخف باراك ببنيامين نتنياهو لأنه يرى إسرائيل حملاً وسط ذئاب بينما يرغب هو في أن يرى إسرائيل حيواناً مفترساً (أو ذئباً بين الجيران، إن صح التعبير) . وهو يرى أن الحل الدائم للمشكلة الفلسطينية يتلخص في إنشاء دولة للفلسطينيين. ولكن بينما دعا بيلين (منافس باراك على رئاسة الحزب) إلى إقرار صيغة تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم لم يوافق باراك على ذكر كلمة «دولة فلسطينية» . ولكنه لم يعارض في إقرار صيغة تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم (وقد وافق مؤتمر الحزب على "صيغة وسط"، وضعها شلومو بن عامي، تنص على أن يعترف حزب العمل بحق تقرير المصير للفلسطينيين، ولا يعارض إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة محدودة. كما يرى باراك ضرورة أن يشمل الحل النهائي القدس الموسعة والموحدة تحت السيادة الإسرائيلية، وكذلك معظم المستوطنات في الضفة الغربية، فضلاً عن وجود استيطاني وأمني في غور الأردن، وضرورة عدم مرابطة جيش أجنبي غرب نهر الأردن، وبقاء معظم المستوطنين تحت السيطرة الإسرائيلية، وأن تكون هناك سيطرة على المياه، وألا يكون هناك تطبيق لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين. ويقدر باراك المناطق الواقعة خارج مجال السيطرة الإسرائيلية بـ 30% من مساحة الضفة الغربية وهو بذلك يكاد يقترب تماماً من خطط نتنياهو للحكم الذاتي في الضفة التي طرحها أيضاً تحت اسم مشروع آلون الموسَّع.

ويرفض باراك قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، ولكنه قد يوافق على دولة ناقصة السيادة منزوعة السلاح ترتبط كونفيدرالياً مع الأردن (وهذه هي نقطة الاختلاف الأساسية وربما الوحيدة بين المتطرفين والمعتدلين) ، ويعتبر باراك أن إسرائيل الدولة الديموقراطية الوحيدة في غابة مملوءة بالأحراش. كما يؤمن بالارتباط الحميم بين القوة والدبلوماسية ولا يخفي نفوره من أساليب السياسيين التقليديين. وهو يعارض الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل يربط هذا الانسحاب الجزئي بمدى نجاح ياسر عرفات في قمع المقاومة الفلسطينية، كما يعترض باراك على الانسحاب من الجولان ("نحن نرغب في السلام، لكن ليس بأي ثمن، ويجب تحقيق السلام مع الدول المجاورة دون تعريض مصالحنا الأمنية للخطر. فسياسة التخويف التي يتبعها اليمين المتطرف، وسياسة العجز والانهزامية التي يتبعها أقصى اليسار لا يعبران عن واقع إسرائيل ووضعيتها الراهنة" حسب قوله) . ولا يؤمن باراك بإسرائيل الكبرى جغرافياً (من النيل إلى الفرات) ولكنه يؤمن بإسرائيل العظمى اقتصادياً (من المحيط إلى الخليج) التي يمكنها تحقيق الهيمنة دونما حاجة إلى الدبابة والمدفع، فالبقاء لسلاح الاقتصاد وحده.

وفي تقييمه للمشروع الصهيوني من أجل الاستيلاء على فلسطين يؤكد باراك أنه متحرر من "الإحساس بالذنب إزاء الفلسطينيين". "فأنا على يقين من أن كل ما حدث كان ضرورياً، أؤمن من أعماق قلبي بأن العمل الصهيوني كان عملاً مهماً جداً وصحيحاً، وأنا أدرك أن تَمسُّكنا بالأرض هنا هو في أساسه حفاظ على الوجود، وينتج عنه نوع من الظلم، لكن على المستوى التاريخي، يبقى هذا الظلم الذي حل بهم [أي بالفلسطينيين] أقل من العدل الذي حصلنا عليه، أو لنقل أقل من الظلم الذي كان سيلحق بنا لو حُرمنا من هذا العدل". (العدل هنا الاستيلاء على فلسطين) . وبذلك يبدو أن انتخاب باراك يعبِّر عن تَمسُّك إسرائيل بالمشروع الصهيوني ومبادئه القائمة على الاستيلاء على الأرض، ويثبت أن التجمُّع الاستيطاني في فلسطين يتجه بصفة عامة نحو اليمين.
قدَّم باراك وحزب العمل «اعتذارهما» الرسمي لليهود السفارد ويهود العالم الإسلامي ("أطلب باسمي وباسم حزب العمال الصفح عن هؤلاء الذين سببوا لهم هذه المعاناة") . وقد علق بيريز على ذلك بقوله: "نعم ارتكبت أيضاً أخطاء، ولكنني أشعر بفخر حقيقي للجهود التي بذلتها إسرائيل في تلك السنوات الأولى لاستيعاب موجة المهاجرين". وقد وصف بعض الإشكناز هذا الاعتذار بأنه اعتذار ضمني عن جرم لم يرتكبوه، والاعتذار محاولة من جانب باراك للتقرب من اليهود السفارد ويهود العالم الإسلامي (من أكبر الكتل الانتخابية في الدولة الصهيونية) لا ندري مدى نجاحها أو فشلها، وإن كانت قد أدت إلى غضب بعض الإشكناز منه.
بنيامين نتنياهو (1949 (–
‏Benjamin Netenyahu

زعيم صهيوني من أبرز زعماء النخبة الجديدة إن لم يكن أبرزهم جميعاً. وُلد في تل أبيب، وحصل على شهادة في المعمار وماجستير في إدارة الأعمال من الـ M. I.T. (معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة) ، وهو يتباهى دائماً بالشهادات الجامعية التي حصل عليها من الولايات المتحدة. تزوج ثلاث مرات، الأخيرة منهن من سارة، وهي مضيفة قابلها في إحدى سفرياته (وقد اعترف بخياناته الزوجية المتكررة) وسلوك سارة نفسها أصبح موضوعاً متداولاً في الصحف الإسرائيلية. عيَّنه موشيه أرينز، حينما كان وزيراً للخارجية، الرجل الثاني في الوزارة، ثم سفيراً لإسرائيل في الولايات المتحدة، حيث أصبح شخصية تليفزيونية معروفة للإعلام الأمريكي وليهود الولايات المتحدة وأثريائها مثل رونالد لاودر، صاحب بيزنيس أدوات التجميل، وإرفنج موسكوفيتش، بليونير البنجو الذي يبني الآن المستوطنات "المحظورة" حول القدس (يعارض 85% من يهود أمريكا نتنياهو حسب بعض الإحصاءات) . فكر نتنياهو أن ينخرط في سلك رجال الأعمال، ولكنه بدلاً من ذلك (وعند موت أخيه) هاجر إلى إسرائيل وخدم في إحدى وحدات الكوماندوز العسكرية تحت إمرة إيهود باراك. ثم أصبح نائباً لوزير الإعلام في مكتب رئيس الحكومة عام 1993 ومنها أصبح رئيساً لحزب الليكود ورئيساً للوزراء!

وعادةً ما تثار قضية أسرة نتنياهو، لذا يجدر بنا أن نذكر أولاً موت أخيه يوناثان في الغارة على مطار عنتيبي (يُقال إنه كان قائد الحملة) . وكان يوناثان هذا هو كبير الأسرة وحامل لوائها، أما أبوه بنزيون نتنياهو (الذي بلغ السابعة والثمانين ولا يزال نشيطاً ثقافياً) فكان شخصية محافظة متسلطة، من أتباع الزعيم التصحيحي الفاشي فلاديمير جابوتنسكي. ولكنه اختلف مع بيجين وجماعته وقضى بقية حياته شبه منفي (بشكل طوعي) في الولايات المتحدة حيث عاش بالقرب من فيلادلفيا وقضى حياته يكتب دراسته عن محاكم التفتيش الإسبانية (عنوان كتابه هو: أصول التفتيش الإسباني في القرن الخامس عشر) . وجوهر أطروحة دراساته هو أن اليهودي الذي يحاول الاندماج يُقابل دائماً بكراهية عميقة نحو شخصه ونحو الجنس اليهودي ككل. فاليهودي هو الهدف الأزلي لكره الأغيار، ولأنه لا يملك الهروب من هذا الوضع، لذا يجب عليه أن يحيط نفسه "بحائط فولاذي" (كما قال جابوتنسكي) وألا يعهد بأمنه للآخرين.
كل هذه الحقائق الذاتية في سيرة نتنياهو هي أيضاً حقائق موضوعية، ويمكن إثارة قضية خلفيته العائلية ومدى تأثيرها على تركيزه الزائد على الإرهاب. (بعد موت يوناثان نظم نتنياهو مؤتمراً عن الإرهاب وكتب عدة كتب عن الموضوع) . ألا يوحي هذا بأن أباه، التصحيحي الكاره للأغيار، قد شكل رؤيته. وكما يقول أحد أعداء نتنياهو (يوري درومي، المتحدث الرسمي باسم الحكومة أيام رابين) "كيف يمكن أن تتكيف مع عملية السلام، إن كنت قد نشأت وترعرعت مع أفكار الصراع؟ إن اختفى الصراع، ماذا يبقى إذن؟ ". رغم كل هذا يحاول نتنياهو أن يتملص من ماضيه دائماً، وأن ينكر أن هذا الماضي قد ساهم في تشكيل آرائه بشكل جذري.

ونتنياهو هدف لنكت الكثير من أعضاء اليسار الإسرائيلي والمؤسسة الليبرالية، فقد قارنه شاليف (الكاتب بجريدة معاريف) بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، في مراوغته، ومقدرته على الاحتيال والهروب في الوقت نفسه. أما يوئيل ماركوس (من هآرتس) فهو يرى أن نتنياهو قد بدأ يتجه بإسرائيل نحو الكارثة، يساعده في ذلك معاونوه (استغنى نتنياهو عن خبراء الليكود وكوَّن مجموعة صغيرة من المستشارين) .
وهناك من يتحدث عن "رئيس الوزراء التيفلون" (أي الذي لا يلصق بعقله شيء. وهي نكتة أُطلقت أول ما أُطلقت على الرئيس الأمريكي رونالد ريجان) ، وهناك من يُسميه virtual prime minister. وكلمة «فرتشوال» أخذت من عالم الكمبيوتر، وتُستخدم للإشارة إلى virtual reality أي «ما يشبه الحقيقة» ، فهو ليس برئيس وزراء حقيقي، وإنما «يشبه رئيس الوزراء» أو «يكاد يكون رئيس الوزراء» أو «رئيس الوزراء بالكاد» . ولعل أسوأ الأوصاف هو الوصف الذي أُطلق عليه بعد فشل عملية عمان، أي محاولة اغتيال خالد مشعل إذ أطلق عليه أحدهم عبارة سيريال بلاندرر serial blunderer وهي تنويع على عبارة سيريال كيلر serial killer أي المجرم الذي يقتل حسب خطة مسبقة وتتبع جرائمه نمطاً محدداً. ونتنياهو بهذا المعنى ليس مجرماً وإنما "مخطئاً" يرتكب الأخطاء/الجرائم الواحدة تلو الأخرى، تماماً مثل المجرمين، وإن كان تصور أن هناك خطة محكمة للأخطاء أمر مشكوك فيه. (ولا ندري أي أسماء جديدة حصل عليها رئيس الوزراء المنكود بعد فشل عملية سويسرا؟) .
ما هذه الأخطاء من وجهة نظر اليسار الليبرالي الإشكنازي؟ أهم هذه الأخطاء هي إيقاف عملية أوسلو، الأمل الوحيد في سلام دائم بالنسبة لهم. واستمراراً لصورة serial blunderer يسأل هؤلاء المعلقون: هل فعل نتنياهو ذلك عمداً، أم من خلال الخطأ المستمر؟ هل هو ثعبان أم غبي؟ (على حد قول يوري أفنيري) .

ولكن من نتنياهو هذا؟ ينطلق نتنياهو في كتابه مكان تحت الشمس وغيره من الدراسات من الرؤية الصهيونية القائمة على أحقية اليهود المطلقة فيما يُسمَّى «أرض إسرائيل التاريخية» ويساندها رؤية صهيونية داروينية تؤكد أن إسرائيل انتصرت في كل الحروب ضد العرب (الذين فقدوا التخلف الدولي القديم) . ثم يأتي نتنياهو بالشواهد التاريخية والجيوسياسية والتلمودية التي تساند وجهة نظره. ثم وعلى عادة الصهاينة لا يكتفي نتنياهو بذلك بل يذكِّر الجميع بمأساة الشعب اليهودي والهولوكوست، ثم يؤكد، في الوقت نفسه، قدرة هذا الشعب على النهوض. ويعلن نتنياهو بلا مواربة أن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، وعقد سلام مع العرب مثل وضع سمك في صندوق من الزجاج، ثم تنتظر أن يتعلم هذا السمك ألا ترتطم رأسه بحائط الصندوق الزجاجي. واستخدام الصور المجازية المستمدة من الطبيعة للحديث عن العرب هو مسألة مألوفة في الخطاب الصهيوني بكل ما تحمل هذه الصور من حتمية وكل ما تنطوي عليه من تغييب للعرب. ويرى نتنياهو ضرورة إجبار العرب على الإذعان للاعتراف بوجود إسرائيل عبر استخدام سلاح الردع، فالسلام الوحيد الذي يمكن أن يُقام مع العرب هو «سلام الردع» مقابل «سلام الديموقراطيات» الذي لا يصلح مع العرب، فإسرائيل دولة ديموقراطية غربية في بيئة إقليمية معادية بدائية (وهذا يماثل كلام إيهود باراك عن ديموقراطية إسرائيلية وسط غابة من الأحراش) ، ومستقبل إسرائيل يكون بالتحصن داخل «الستار الفولاذي» (عبارة جابوتنسكي التي اقتبسها بنزيون نتنياهو) وإعادة الأولوية لفكرة العمق الإستراتيجي الجغرافي وعدم الانفتاح على هذه البيئة، مع ضَبْط التفاعلات في المحيط الإقليمي على النحو الذي يحقق مصالح إسرائيل الحيوية.
أعراض نتنياهو: الأسباب
‏The Netenyahu Syndrome: Causes

ما الذي أتى بنتنياهو إلى سدة الحكم في الدولة الصهيونية عام 1996؟ للإجابة على هذا السؤال لابد أن نحيط بالقضية إحاطة كاملة وأن نأتي بمركب من الأسباب، لأن الإجابة أحادية البُعد لن تفي بالغرض، رغم أنها قد تكون مريحة للغاية.
1 - لا يمكن في البداية تجاهل الأسباب الإجرائية، أي تغيير طريقة الانتخاب ذاتها، فنتنياهو هو أول رئيس وزراء إسرائيلي يُنتخب بالاقتراع المباشر، وحسب طريقة الانتخاب المباشر هذه لا يمكن تنحية رئيس الوزراء إلا إذا وافق 81 عضواً في الكنيست (من مجموع 120 عضواً) على قرار عزله، على أن تُجرى انتخابات جديدة لرئيس الحكومة فقط خلال 60 يوماً. ويمكن سحب الثقة من رئيس الحكومة ومجلس الوزراء بأغلبية 61 عضواً في الكنيست على أن تُجرى انتخابات برلمانية جديدة خلال 60 يوماً (وهذا الإجراء الأخير لا يتطلب بالضرورة استقالة رئيس الوزراء) . ولذا يرى البعض أن النظام السياسي الإسرائيلي أصبح نظاماً شبه ديكتاتوري، قزَّم الأحزاب والكنيست. وكان الهدف الذي ترمي إليه الأحزاب الكبيرة (العمل والليكود) التي مررت القانون الخاص بالانتخاب المباشر هو تحييد الأحزاب الصغيرة وتقوية رئيس الوزراء (في ظل التراجع المتزايد في قوة الحزبين الكبيرين) . كان هذا هو الظن، ولكن الذي حدث هو العكس تماماً. فالأحزاب الصغيرة ازدادت قوة، وخصوصاً أن رئيس الوزراء أصبح غير مسئول أمام هيئة حزبه أو البرلمان، الأمر الذي جعله «حراً» من حزبه. ولكن في الوقت نفسه «أكثر اعتماداً» على الأحزاب الصغيرة، التي تشكل القوة الجديدة في المجتمع (من 68 مقعد في الكنيست، يستند إليها نتنياهو، هناك 36 مقعد للأحزاب الصغيرة: 10 منها لشاس، و9 للحزب الديني القومي، أي أن أكثر من النصف في حزبين اثنين، وهما حزبان دينيان) . وهذه الأحزاب الصغيرة سعيدة جداً بهذا الوضع ولا تريد عقد انتخابات أخرى بعد أن حققت هذا النصر، وبعد أن وقع رئيس الوزراء في قبضتها.

فشارانسكي، على سبيل المثال، يُسمَّى الآن "الأستاذ 10%" لأنه قال إنه لو ثبت أن 10% مما يدور من إشاعات حول نتنياهو وحول فضيحة بار أون (بخصوص طريقة تغييبه كبار الموظفين) صحيحة فإنه سيقدم استقالته على الفور. ولكنه اكتشف أن ناخبيه، الذين صوتوا لصالحه، لا يهتمون بمثل هذه الأمور. وغني عن القول أن الأحزاب الدينية هي الأخرى لا تود إعادة الانتخابات فهي قد حصلت على المقاعد الوزارية التي تطمح إليها ولا يكف نتنياهو عن رشوتها. وكما يقول جدعون سامت (المعلق السياسي الإسرائيلي) إن جوهر المسألة ليس الأخطاء التي يرتكبها نتنياهو، وإنما شركاؤه في التحالف الذين يحاولون الحفاظ عليه بأى ثمن، ودون الخوض في أية مشاكل اجتماعية. (أما الوحيدون الذين لا يخشون سقوط نتنياهو فهي الأحزاب العربية) . وقد طرد نتنياهو بالفعل «أمراء» أو «نبلاء» حزب الليكود (أبناء مؤسسي الحزب صانعو الملوك «كينج ميكرز king makers» في الاصطلاح الأمريكي) أمثال داني زئيف بيجين (ابن مناحم بيجين) ودان ميريدور (ابن يعقوب ميريدور) طردهم دون أن يتزعزع أو يردعه أحد إزاء هذا الوضع، هناك مبادرة مطروحة لتعديل قانون الانتخابات بحيث يمكن عزل رئيس الوزراء من منصبه بأغلبية 61 صوتاً مع عدم التسبب في حل الكنيست (وحل الكنيست يستلزم إجراء انتخابات برلمانية مبتكرة، لا ترغب الأحزاب - كما أسلفنا - في دخولها حالياً) وعقد تحالفاته الخاصة مع شارون. ثم تجاوز شارون نفسه وعيَّن يعقوب نئمان وزيراً للمالية وعضواً في مجلس الوزراء المصغر.
إزاء هذا الوضع، هناك مبادرة مطروحة لتعديل قانون الانتخابات بحيث يمكن عزل رئيس الوزراء من منصبه بأغلبية 61 صوتاً مع عدم التسبب في حل الكنيست (وحل الكنيست يستلزم إجراء انتخابات برلمانية مبكرة لا ترغب الأحزاب - كما أسلفنا - في دخولها حالياً) .

2 - لابد من الإشارة إلى ما سماه يهوشفاط هركابي «أعراض بركوخبا» وهي الحالة العقلية للإسرائيليين في مواجهة الأزمات. وقد توجَّه كثير من المفكرين الإسرائيليين إلى قضية الشخصية الإسرائيلية إبَّان الانتفاضة المباركة. وقد بعث بعض هؤلاء قضية عجز اليهود وافتقارهم للسلطة وذهبوا إلى أن الإسرائيليين، بل الشعب اليهودي بأكمله، يفتقرون إلى تقاليد الدولة، أي ممارسة الحكم (وهذا يعني افتقارهم إلى الحس التاريخي) ، ويتسمون برفض معطيات الواقع دون أن يدركوا أن العدو له إرادة لابد أن تؤخذ في الحسبان، ويضعون سياستهم بشكل مجرد، حسب الاحتياجات الصهيونية وكأنهم يعيشون في فراغ [الأسطورة المعادية للتاريخ] ويتجاهلون النظام العالمي والأمن ومتطلباتهما من الآخرين. وكل هذا نابع من ضيق أفق يتعارض مع التاريخ.
3 - إسرائيل لم تعرف نفسها كمجتمع حرب ولا تعرف نفسها كمجتمع سلام ولا تريد أن تدفع مقابلاً للسلام وتدور في إطار الأسطورة التوراتية (كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل في الجزء الثالث من كتابه المحادثات السرية) . وكما يقول نتنياهو نفسه: "لقد انتخبني أغلبية الناخبين الإسرائيليين"، هل جنوا فجأة إذن؟ لو كانوا سعداء بأوسلو لما فعلوا ذلك. فأوسلو تحوي داخلها جرثومة هلاكها، فهي لا تمنح الإسرائيليين لا السلام ولا الأمن.

4 - ولكن من المفارقات التي تستحق التسجيل والملاحظة، أن هذا الجيل الجديد الذي يفر من الخدمة العسكرية ولا يكترث بها، هو جيل "أكثر عسكرية" كما يقول أفنيري شاليط (أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العسكرية) . ففي الأيام الأولى للاستيطان، كما يقول شاليط، كان الشعار السائد هو "فلتطلق النار ثم تذرف الدمع"، فالحرب كانت مفروضة على أبناء الجيل القديم (هكذا كان المستوطنون يظنون) ، ولم تكن الحروب حروب اختبار. والحرب، كما كان الجميع يعرف، شيء رهيب. أما أعضاء الجيل الجديد، فقد خاضوا «حروب اختيار» كثيرة (غزو لبنان - قمع الانتفاضة) ، أي حروب تمت بملء اختيار الإسرائيليين.
وقد وُلد أعضاء هذا الجيل فيما يُسمَّى «أرض إسرائيل» ولذا فهم يعتقدون تمام الاعتقاد أن الاحتلال بالقوة «مسألة طبيعية» وأن الضفة الغربية ليست أوكيوبايد occupied «أرضاً محتلة» وإنما هى أرض قومية توراتية ومن ثم هي أرض «متنازع عليها» disputed ديسبيوتيد (كما يقول المصطلح الأمريكي) وعلى اليهود الاحتفاظ بها ولا يحق لهم التنازل عنها أو التفاوض بشأنها. والعرب هنا هم «عرب يهودا والسامرة» ، وبالتالي «خرق حقوقهم» لا يشكل مشكلة أخلاقية بالنسبة لهم.

وأعضاء هذا الجيل لا يختلفون كثيراً عن نتنياهو الذي صرح قائلاً: "ليس هناك أي نهر أو بحر يفصل الضفة الغربية عن باقي الأراضي الإسرائيلية. إنها جزء من دولة إسرائيل نفسها. إن الضفة الغربية هي مركز البلاد ... إنها فناؤنا الخلفي وليست أرضاً غريبة عنا". بل أضاف قائلاً: "إن المناطق غير المأهولة أو ذات الكثافة السكانية القليلة ستشكل في إطار التسوية الدائمة مناطق أمنية ذات تواصل جغرافي وقرر ضرورة الحفاظ على ممرات أمنية وطرق تربط المستوطنات بعضها ببعض". واستخدام الصور المجازية المكانية يدل على ضمور الإحساس بالزمان والتاريخ عند نتنياهو (وهو في هذا لا يختلف عن أبناء جيله) الذين لا يرون إلا الأرض وأمن إسرائيل ولا يدركون الماضي أو المستقبل أو العرب من حولهم.
5 - من خصائص هذا الجيل أن أعضاءه لم يشعروا قط بالعداء للسامية، أي بالعداء لليهود (ومع هذا فهم جيل أكثر ميلاً لليمين) . وقد نُشر مقارنة بين الشباب الألمان والشباب الإسرائيلي، وتبين أن الشباب الإسرائيلي أكثر عنصرية تجاه الأجانب من الألمان، وهم لا يهتمون بما يُسمَّى «عقلية المنفى» بل لا يفهمون يهود المنفى (أي يهود العالم) ولا يفهمون لغتهم أو خطابهم أو شكواهم. والمفارقة الناجمة عن هذا أن كثيراً من القضايا التي تهم يهود المنفى لا تهم أعضاء هذا الجيل من قريب أو بعيد. فهم لا يكترثون باليهودية أو هيمنة الأرثوذكس على أمور الدفن والطلاق والزواج والتهويد (فهم علمانيون شاملون عالميون، لا يهتمون بالقضايا المحلية ولا يكترثون بمثل هذه الأمور) .

6 - اتهم نتنياهو اليساريين بأنهم نسوا "معنى أن يكون المرء يهودياً" (عبارة همس بها رئيس الوزراء في أُذن أحد الحاخامات) . ولكن هل يعرف جيل نتنياهو معنى اليهودية؟ هل تعني اليهودية شيئاً له؟ إن تصور أن التجمُّع الصهيوني أصبح «أكثر يهودية» و «أكثر تقليدية» بظهور نتنياهو، هو - في رأينا - تصور خاطئ. فهو في واقع الأمر قد أصبح «أكثر انغلاقاً» دون أن يصبح أكثر تقليدية أو تديناً، والربط بين الواحد والآخر ليس بالضرورة له قيمة تفسيرية كبيرة. فما يحدث في التجمع الصهيوني، ليس محاولة للعودة للتقاليد بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي محاولة أعضاء هذا التجمُّع أن يجدوا جذوراً لهم «روتس roots» تبرر لهم وجودهم، وأرضية صلبة يمكنهم الوقوف عليها (وهو أمر شائع في كل المجتمعات الاستيطانية) . ولذا قال كثير من المعلقين إن انتخابات 1996 لم تكن انتخابات خاصة بـ «المصالح السياسية» (الاجتماعية والاقتصادية) وإنما كانت انتخابات خاصة بالهوية (وهو قول قد لا نتفق معه، ولكننا نقتبسه بسبب دلالته) . وقد وُصف أعضاء التحالف الجديد المؤيد لنتنياهو بأنهم «غرباء في بلادهم» ، فهم قد يشكلون الأغلبية العددية إلا أنهم يعاملون معاملة الأقلية من قبل اليسار الإشكنازي، الذي يعتبر المستوطن الصهيوني وطناً له، وأرض أجداده.
اليمين الرخو
‏Soft Right

«اليمين الرخو» تعبير سكه إيهود سبرنزاك (أستاذ السياسة بالجامعة العبرية) ليصف القوى التي تتحكم في الدولة الصهيونية. ونحن (وبعض المعلقين السياسيين الإسرائيليين بشكل مباشر أو غير مباشر) نطلق عليه اصطلاح «السياسة الإثنية» (أي السياسة التي تستند إلى المصالح الإثنية الضيقة وليس إلى المصالح القومية أو اليهودية العريضة) . ويسميها شلومو هاسون «القبلية الثقافية» . وأعتقد أن «القبلية الثقافية» هذه هي صياغة علمية، مهذبة مصقولة، لمفهوم آخر هو مفهوم «روش قطان» ، أي الرأس الصغيرة المركبة على معدة كبيرة، وهذا وصف جيد للمواطن الإسرائيلي بعد عام 1967، بعد أن تحول إلى حيوان استهلاكي محض. ويتحدث نفس الأستاذ (أي شلومو هاسون) وهو أستاذ للجغرافيا في الجامعة العبرية عن الأرخبيل الإسرائيلي للهويات المنفصلة Israeli archipelago، أي أنه يرى أن الخاصية الجيولوجية التراكمية (التي نرى أنها إحدى سمات العقيدة والهوية اليهودية) هي سمة أساسية للحياة السياسية في الكيان الصهيوني.
ويمكن تلخيص صفات «اليمين الرخو» فيما يلي:
1 - اليمين الرخو الجديد يختلف عن اليمين الصلب القديم في أنه لا يلتزم بالقيم السياسية ولا يعاني من المشيحانية الصهيونية التي تطالب بإيقاف تاريخ المنفى ليبدأ التاريخ الحقيقي: تاريخ المستوطنين في الجيب الصهيوني.

2 - اليمين الرخو قد يحتاج للسلام وقد يطلبه (لتحقيق المكاسب الاقتصادية) ، ولكنه غير قادر على تحقيقه لأسباب عديدة من بينها أن اليمين المتطرف قادر (حتى وهو في المعارضة) على قطع الطريق عن أية اتفاقات تشمل أية انسحابات جوهرية، ولا يوجد أية كتلة في الداخل قادرة على فرض شعار "الأرض مقابل السلام" (رغم وجود قطاع هام في الرأي العام الإسرائيلي يقبل بقدر من سلام وتنازلات) . كل هذا يعود إلى أنه لم يحدث تغيير جوهري في الثقافة والتقاليد السياسية المنبثقة عن الصهيونية فيما يخص دولة إسرائيل وعلاقتها بالعرب (وبالفلسطينيين على وجه التحديد) .
3 - يمارس أعضاء اليمين الرخو إحساساً عاماً بالسخط على ما يُسمَّى «اليسار الإشكنازي» وهو مصطلح يضم كل من يؤيدون اتفاقية أوسلو والعلمانيين من خريجي الكيبوتسات.
4 - لا يتوحد أعضاء هذا اليمين من خلال عقيدة محددة وإنما من خلال هوية سلبية جوهرها الخوف من العرب ومن اليسار الإشكنازي (الذي أيد أوسلو) .
5 - لكل هذا نجد أن اليمين الرخو يتكون من قوى اجتماعية وإثنية ودينية لا يربطها رابط ولكنها مع ذلك متماسكة تؤيد نتنياهو، ويبدو أنها قادرة على التماسك وأنها قد تظل تتحكم في الحياة السياسية الإسرائيلية حتى القرن القادم. ولذا فرغم أخطاء هذه الحكومة المتعددة إلا أنها أثبتت مقدرة على الاستمرار.
ويتكون هذا اليمين الرخو من عدة قوى وأحزاب أهمها ما يلي:
1 - اليهود السفارد الذين يضمهم حزب شاس (مؤيدو حزب ديفيد ليفي أعضاء حزب جيشر)
2 - المستوطنون الصهاينة في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان.
3 - غلاة المتدينين من الأحزاب الأرثوذكسية.
4 - القوميون المتدينون (الحزب الديني القومي) .

ويتهم المتدينون "اليساريين" بأنهم خرقوا كل الشعائر أثناء هيمنتهم على المجتمع الإسرائيلي، ويرى اليساريون (ومعهم الليبراليون) أن المتدينين يودون نزع الشرعية عن النظام السياسي الإسرائيلي، وما قوانين التهود سوى بداية هذه العملية.
5 - القوميون العلمانيون في الليكود الذين رفضوا أمراء الليكود بالوراثة: داني بيجين (ابن مناحم بيجين) ودان ميريدور (انضم إليهم شامير وقدامى الليكود ليكونوا تحالفاً ضد نتنياهو) ولم يصوتوا لصالح إيهود أولميرت عمدة القدس الذي اختطف منه نتنياهو رئاسة الليكود عام 1994.
6 - المهاجرون الروس من الصهاينة المرتزقة البالغ عددهم 700 ألف مهاجر، أي حوالي خُمس سكان إسرائيل. ويتهمهم اليسار الإشكنازي بأنهم أتوا بالجريمة المنظمة والبغاء إلى الدولة الصهيونية (وهي اتهامات في معظمها حقيقية) فمن المعروف أن الجريمة المنظمة جعلت من إسرائيل محطة انتقالية ومركزاً لغسيل الأموال. ومن المفارقات الأخرى أن المؤسسة الدينية لا تعترف بهم يهوداً حسب الشريعة اليهودية. ويعاني كثير منهم من البطالة، إذ يعمل في وظائف هو غير مؤهل لها.

أول مساعي اليهود للاستيطان في فلسطين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

أول مساعي اليهود للاستيطان في فلسطين.
999 - 1590 م
ظن اليهود أن الفرصة سانحة لهم لتحقيق حلم راودهم طويلاً، فنزحوا في هجرات متقطعة ومتقاربة إلى " سيناء " لاستيطانها، وكانت خطتهم تقوم في المراحل الأولى على تركيز إقامتهم في مدينة الطور، وكان اختيارهم لهذه المدينة اختياراً هادفاً، فهذه المدينة وهي تقع على الشاطئ الشرقي لخليج السويس لها ميناء يصلح لرسو السفن التجارية، وكان تأتيها سفن من جدة، وينبع، وسواكن، والعقبة، والقلزم، كما كانت المدينة ترتبط براً بخط قوافل مع "القاهرة " و" الفرما "، وبذلك كان يسهل على اليهود إيجاد اتصالات خارجية فلا يصبحون في عزلة عن العالم بل تستطيع السفن أن ترسو في ميناء " الطور " تحمل أفواجاً من اليهود الجدد، وقد تزعم حركة التهجير رجل يهودي اسمه (إبراهام)، استوطن " الطور" مع أولاده وسائر أفراد أسرته، ولما أقام اليهود بالطور تعرضوا بالأذى لرهبان "ديرسانت كاترين " مما دفعهم إلى إرسال شكاوى مكتوبة إلى سلاطين الدولة العثمانية وولاتها يشتكون من إيذاء اليهود لهم مذكرين بعهد العثمانيين لحمايتهم، ومنع اليهود استيطان " سيناء " ومحذرين من تروح اليهود إلى "سيناء" - وخاصة مدينة " الطور " - في جماعات كثيرة بقصد إيقاع الفتن، ولما كانت الدولة الإسلامية مسئولة بحكم الشرع عن حماية أهل الذمة، فقد سارع على الفور المسؤولون العثمانيون إلى إصدار ثلاثة فرمانات ديوانية في عهد السلطان (مراد الثالث)، فأمروا بإخراج " إبراهام " اليهودي وزوجته وأولاده وسائر اليهود من " سيناء " ومنعهم في قابل الأيام منعاً باتاً من العودة إليها بما فيها مدينة " الطور " والإقامة بها أو السكنى.

بناء وحدات استيطانية إسرائيلية ضخمة بالقدس.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

بناء وحدات استيطانية إسرائيلية ضخمة بالقدس.
1431 ربيع الثاني - 2010 م
كثفت الجمعيات اليهودية الداعمة للاستيطان من أنشطتها الرامية للاستيلاء على الأحياء والعقارات المقدسية المحيطة بالمسجد الأقصى وبالبلدة القديمة، عبر جمع التبرعات من آلاف الإسرائيليين الذين يتدفقون على منطقة حائط البراق والبلدة القديمة في محيط الحرم القدسي متخذون مواقع لهم عند مدخلي بابي الخليل والمغاربة من بوابات البلدة القديمة، ووضعوا صناديق وصور لما يزعمون أنه الهيكل لحث الزوار اليهود على التبرع لبنائه، إضافة إلى ملصقات تظهر البؤرة الاستيطانية قرب حي اليمن في سلوان والمعروفة ببؤرة يوناتان. وذكر تقرير لمركز "القدس" المعني برصد الأنشطة الاستيطانية أن نشاط الجمعيات الاستيطانية مرتبط بنحو 70 بؤرة استيطانية داخل أسوار البلدة القديمة، وقرابة 40 بؤرة استيطانية في سلوان ورأس العمود والشيخ جراح، وجبل الزيتون، وفي الأخير توجد البؤرة الاستيطانية المعروفة باسم "بيت أوروت" التي صادقت "إسرائيل" على توسيعها قبل بضعة أشهر، لكن الأولوية في هذه المرحلة للبؤرة المسماة "بيت يوناثان" في سلوان والتي يسعى المتطرفون اليهود إلى جعلها نواة لما كان يعرف بـ "حارة اليمن" التي سكنها يهود قبل العام 1948م ووسعت إسرائيل من مخططاتها الاستيطانية بشكل ملحوظ، وكان آخرها قرارها ببناء 1600 وحدة استيطانية بالقدس المحتلة تعتزم البدء في تشييدها اعتبارًا من سبتمبر القادم، كل هذا من منطلق إيمانهم بأن القدس ليست مستوطنة بل عاصمة أبدية لإسرائيل.

إيران تخصص 275 مليون دولار لتسريع "الاستيطان" في الأحواز.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إيران تخصص 275 مليون دولار لتسريع "الاستيطان" في الأحواز.
1431 جمادى الآخرة - 2010 م
خصصت وزارة الإسكان الإيرانية مبلغ 275 مليون دولار من أجل توسيع وتسريع عملية الاستيطان وتشييد الوحدات السكنية في الأحواز السنية، وذلك لبناء 55 ألف وحدة سكنية تمتلك جميع المواصفات الرفاهية والمعيشية وتم إبلاغ جميع البنوك الحكومية في جميع أنحاء الأحواز بدفع المبلغ المذكور لمؤسسة مهر الاستيطانية في مراحل زمنية محددة. واستطاعت هذه المؤسسة بعد سنتين من وجودها في الأحواز أن تشيد وحدات ومجمعات سكنية على أكثر من 950 هكتار من الأراضي الأحوازية.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت