المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الجِعَالَة: الْتِزَام جعل على عمل لَا بطرِيق الْإِجَارَة.
|
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْجُعْل بِالضَّمِّ الأَْجْرُ، يُقَال: جَعَلْتُ لَهُ جُعْلاً، وَالْجِعَالَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبَعْضُهُمْ يَحْكِي التَّثْلِيثَ اسْمٌ لِمَا يُجْعَل لِلإِْنْسَانِ عَلَى فِعْل شَيْءٍ. وَالْجَعِيلَةُ مِثَال كَرِيمَةٍ، لُغَةٌ فِي الْجُعْل. (1) وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنْ يَجْعَل الرَّجُل لِلرَّجُل أَجْرًا مَعْلُومًا، وَلاَ يَنْقُدُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَعْمَل لَهُ فِي زَمَنٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ، مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْجَاعِل، عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَكْمَل الْعَمَل كَانَ لَهُ الْجُعْل، وَإِنْ لَمْ يُتِمُّهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ، مِمَّا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْجَاعِل إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِهِ. وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهَا الْتِزَامُ عِوَضٍ مَعْلُومٍ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ، أَوْ مَجْهُولٍ يَعْسُرُ ضَبْطُهُ. وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهَا تَسْمِيَةُ مَالٍ مَعْلُومٍ لِمَنْ يَعْمَل لِلْجَاعِل عَمَلاً مُبَاحًا وَلَوْ كَانَ مَجْهُولاً أَوْ لِمَنْ يَعْمَل لَهُ مُدَّةً وَلَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةً (2) . __________ (1) القاموس المحيط والمصباح المنير مادة: " جعل ". (2) حاشية البجيرمي على شرح الخطيب 3 / 170، الخرشي 7 / 69، وكشاف القناع، وشرح المنتهى 2 / 417، 442، 443. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الإِْجَارَةُ: 2 - الإِْجَارَةُ: لُغَةً مَصْدَرُ آجَرَ وَهِيَ الْكِرَاءُ وَاصْطِلاَحًا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجِعَالَةَ قَدْ تَكُونُ عَلَى مَجْهُولٍ، بِخِلاَفِ الإِْجَارَةِ. حُكْمُ الْجِعَالَةِ، وَدَلِيل شَرْعِيَّتِهَا: 3 - عَقْدُ الْجِعَالَةِ مُبَاحٌ شَرْعًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّهَا جَائِزَةٌ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ، اتِّفَاقًا، وَالْقِيَاسُ عَدَمُ جَوَازِهَا بَل عَدَمُ صِحَّتِهَا لِلْغَرَرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ عَقْدُهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْجَوَازِ لِلأَْدِلَّةِ التَّالِيَةِ: فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْمَعْقُول. فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْل بَعِيرٍ} (1) وَكَانَ حِمْل الْبَعِيرِ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْوَسْقُ وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا قُصَّ عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ، وَمَنْ خَالَفَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَعَلَهُ اسْتِئْنَاسًا. وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ رُقْيَةِ الصَّحَابِيِّ، (2) وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَوْا حَيًّا __________ (1) سورة يوسف / 72. (2) الرقية: كلام يستشفى به من العارض. مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَلَمْ يُقْرُوهُمْ (1) ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ الْقَوْمِ فَقَالُوا: هَل فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: لَمْ تُقْرُونَا، فَلاَ نَفْعَل إِلاَّ أَنْ تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعَ شَاءٍ، فَجَعَل رَجُلٌ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُل فَبَرِئَ الرَّجُل فَأَتَوْهُمْ بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لاَ نَأْخُذُهَا حَتَّى نَسْأَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوا الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَضَحِكَ وَقَال: مَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ (2) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَال: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ (3) . وَمِنَ السُّنَّةِ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال يَوْمَ حُنَيْنٍ: مَنْ قَتَل قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ. (4) وَمِنَ الْمَعْقُول أَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ قَدْ تَدْعُو إِلَيْهَا لِرَدِّ مَالٍ ضَائِعٍ، أَوْ عَمَلٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْجَاعِل وَلاَ يَجِدُ مَنْ يَتَطَوَّعُ بِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ __________ (1) لم يقروهم: لم يضيفوهم. (2) حديث: " ما أدراك أنها رقية ". أخرجه البخاري (الفتح 10 / 198 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1727 - ط الحلبي) عن أبي سعيد الخدري. (3) حديث: " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ". أخرجه البخاري (الفتح 10 / 199 - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس. (4) حديث: " من قتل قتيلا له عليه بينه فله سلبه ". أخرجه البخاري (الفتح 8 / 35 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1371 - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة الأنصاري. لِجَهَالَتِهِ، فَجَازَتْ شَرْعًا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا كَالْمُضَارَبَةِ (ر: مُضَارَبَةٌ) . (1) وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: بِعَدَمِ جَوَازِهَا فِي غَيْرِ جُعْل الْعَبْدِ الآْبِقِ، وَدَلِيل الْمَنْعِ عِنْدَهُمْ مَا فِي الْجِعَالَةِ مِنْ تَعْلِيقِ التَّمَلُّكِ عَلَى الْخَطَرِ (أَيِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ) كَمَا أَنَّ الْجِعَالَةَ الَّتِي لَمْ تُوَجَّهْ إِلَى مُعَيَّنٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا مَنْ يَقْبَل الْعَقْدَ فَانْتَفَى الْعَقْدُ. (2) وَالْجِعَالَةُ تَخْتَلِفُ عَنِ الإِْجَارَةِ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُجِيزَةِ لَهَا - فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ وَهِيَ كَمَا يَلِي: الأَْوَّل: صِحَّةُ الْجِعَالَةِ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ يَعْسُرُ ضَبْطُهُ وَتَعْيِينُهُ كَرَدِّ مَالٍ ضَائِعٍ. الثَّانِي: صِحَّةُ الْجِعَالَةِ مَعَ عَامِلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. الثَّالِثُ: كَوْنُ الْعَامِل لاَ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل. الرَّابِعُ: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْجِعَالَةِ تَلَفُّظُ الْعَامِل بِالْقَبُول. __________ (1) المهذب 1 / 411، والبجيرمي على الخطيب 3 / 171، والبجيرمي على المنهج 3 / 217، والعدوي على شرح أبي الحسن 2 / 162، ومنح الجليل 4 / 3، والمقدمات 2 / 308، 309، والمغني 6 / 350، والمحلى 8 / 204 - 210 مسألة 1327. (2) ابن عابدين 5 / 58 و 258، والزيلعي 6 / 226، والمبسوط 11 / 17، والبدائع 6 / 203. الْخَامِسُ: جَهَالَةُ الْعِوَضِ فِي الْجِعَالَةِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال. السَّادِسُ: يُشْتَرَطُ فِي الْجِعَالَةِ عَدَمُ التَّأْقِيتِ لِمُدَّةِ الْعَمَل. السَّابِعُ: الْجِعَالَةُ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ. الثَّامِنُ: سُقُوطُ كُل الْعِوَضِ بِفَسْخِ الْعَامِل قَبْل تَمَامِ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ. وَزَادَ ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْجِعَالَةَ تَتَمَيَّزُ أَيْضًا عَنِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُزَارَعَةِ بِأَنَّ الْعِوَضَ فِيهَا غَيْرُ نَاشِئٍ عَنْ مَحَل الْعَمَل. وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْجِعَالَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَل، بِخِلاَفِ الإِْجَارَةِ. أَرْكَانُ الْجِعَالَةِ: أَرْكَانُ الْجِعَالَةِ أَرْبَعَةٌ: (الأَْوَّل) الصِّيغَةُ (الثَّانِي) الْمُتَعَاقِدَانِ، (الثَّالِثُ) الْعَمَل، (الرَّابِعُ) الْجُعْل. صِيغَةُ الْجِعَالَةِ: 4 - الصِّيغَةُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْجِعَالَةِ هِيَ كُل لَفْظٍ دَالٍّ عَلَى الإِْذْنِ فِي الْعَمَل بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، مَقْصُودِ وَمُلْتَزَمٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْذْنُ عَامًّا لِكُل مَنْ سَمِعَهُ أَوْ عَلِمَ بِهِ، مِثْل أَنْ يَقُول الْجَاعِل: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي أَوْ ضَالَّةَ فُلاَنٍ فَلَهُ كَذَا، أَمْ كَانَ الإِْذْنُ خَاصًّا بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِثْل أَنْ يَقُول لَهُ: إِنْ رَدَدْتَ ضَالَّتِي فَلَكَ كَذَا؛ لأَِنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى صِيغَةٍ تَدُل عَلَى الْمَطْلُوبِ وَقَدْرِ الْمَبْذُول عِوَضًا كَالإِْجَارَةِ، وَالأَْخْرَسُ تَكْفِي إِشَارَتُهُ الْمُفْهِمَةُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا النَّاطِقُ إِذَا كَتَبَ ذَلِكَ وَنَوَاهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ قَبُول الْعَامِل لَفْظًا وَإِنْ عَيَّنَهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ فِي مَحَل الْحَاجَةِ بَل يَكْفِي الْعَمَل مِنْهُ، وَكَذَا لاَ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْعَامِل وَقْتَ إِيجَابِ الْجَاعِل وَإِعْلاَنِهِ. وَلاَ تُشْتَرَطُ أَيْضًا الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، فَلَوْ قَال الْجَاعِل: إِنْ رَدَدْتَ ضَالَّتِي فَلَكَ دِينَارٌ، فَقَال الْعَامِل: أَرُدُّهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ، فَالرَّاجِحُ الْقَطْعُ بِاسْتِحْقَاقِهِ لِلدِّينَارِ، لأَِنَّ الْقَبُول لاَ أَثَرَ لَهُ فِي الْجِعَالَةِ، قَال هَذَا الْجُوَيْنِيُّ، وَذَكَرَ الْقَمُولِيُّ نَحْوَهُ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَسْتَثْنُونَ مِنْ ذَلِكَ حَالَتَيْنِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا صُدُورُ مَا يَدُل عَلَى الإِْذْنِ وَالاِلْتِزَامِ مِنَ الْمَالِكِ أَوِ الْجَاعِل. الأُْولَى: رَدُّ الْعَبْدِ الآْبِقِ إِنْ كَانَ الرَّادُّ لَهُ غَيْرَ الإِْمَامِ. الثَّانِيَةُ: تَخْلِيصُ الشَّخْصِ مَتَاعَ غَيْرِهِ مِنْ مَكَانٍ يَظُنُّ هَلاَكَهُ، أَوْ تَلَفَهُ عَلَى مَالِكِهِ فِي تَرْكِهِ فِيهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُشْتَرَطُ إِيقَاعُ الْعَقْدِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فِي حَالَةِ مَا إِذَا أَتَى بِالضَّالَّةِ أَوِ الآْبِقِ مَنِ اعْتَادَ طَلَبَ الضَّوَال وَالإِْبَاقِ وَرَدَّهَا إِلَى أَصْحَابِهَا بِعِوَضٍ فَيَسْتَحِقُّ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْ صَاحِبِهَا الْتِزَامٌ. (1) رَدُّ الْعَامِل الْمُعَيَّنِ لِلْجِعَالَةِ: 5 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْعَامِل الْمُعَيَّنَ لَوْ رَفَضَ قَبُول عَقْدِ الْجِعَالَةِ وَرَدَّهُ مِنْ أَصْلِهِ فَقَال: لاَ أَرُدُّ الضَّالَّةَ مَثَلاً أَوْ رَدَدْتُ الْجِعَالَةَ، أَوْ لاَ أَقْبَلُهَا، ثُمَّ عَمِل، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا إِلاَّ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا تَبْطُل بِرَفْضِ الْعَامِل وَرَدِّهِ لَهَا. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ الْجُوَيْنِيِّ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَالْقَمُولِيِّ السَّابِقِ: أَنَّهَا لاَ تَبْطُل بِذَلِكَ، وَحَمَل بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَهُمَا هَذَا عَلَى مَا لَوْ قَبِل الْعَامِل الْجِعَالَةَ وَرَفَضَ الْعِوَضَ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ: أَرُدُّ الضَّالَّةَ بِلاَ شَيْءٍ. (2) وَلَمْ يُعْثَرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ مِنَ الْمَذَاهِبِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. عَقْدُ الْجِعَالَةِ قَبْل تَمَامِ الْعَمَل هَل هُوَ لاَزِمٌ 6 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ __________ (1) الأنوار بحاشية الكمثري عليه 1 / 417، 418، وتحفة المحتاج 2 / 366، 367، ونهاية المحتاج 4 / 341، 343، ومغني المحتاج 2 / 430، وأسنى المطالب 2 / 439، وحاشية البجيرمي على الخطيب 3 / 171، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 3 / 256، 257، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن 2 / 162، وكشاف القناع وبهامشه شرح المنتهى 2 / 419، 446، والمحرر 1 / 372. (2) نهاية المحتاج، وحاشية الشبرامسلي 4 / 343. الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْجِعَالَةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْل شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل فَيَجُوزُ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الرُّجُوعُ فِيهِ بِدُونِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَيُّ أَثَرٍ؛ لأَِنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْجَاعِل تَعْلِيقُ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل لِلْجُعْل بِشَرْطٍ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَامِل فَلأَِنَّ الْعَمَل فِيهَا مَجْهُولٌ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لاَ يَتَّصِفُ عَقْدُهُ بِاللُّزُومِ. وَيُقَابِل هَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: بِأَنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ - وَلَوْ قَبْل الشُّرُوعِ كَالإِْجَارَةِ، وَقِيل عِنْدَهُمْ أَيْضًا: إِنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ لِلْجَاعِل فَقَطْ بِمُجَرَّدِ إِيجَابِهِ أَوْ إِعْلاَنِهِ دُونَ الْعَامِل، وَأَمَّا بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ وَقَبْل تَمَامِهِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الْعَقْدُ غَيْرُ لاَزِمٍ أَيْضًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا، كَمَا قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل. وَهَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِلْعَامِل، أَمَّا الْجَاعِل فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهَا تَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الرَّاجِحِ، فَلاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَنْ تَعَاقُدِهِ هَذَا حَتَّى لاَ يَبْطُل عَلَى الْعَامِل عَمَلُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْعَمَل الَّذِي حَصَل بِهِ الشُّرُوعُ قَلِيلاً لاَ قِيمَةَ لَهُ. (1) __________ (1) أسنى المطالب 2 / 442، ونهاية المحتاج 4 / 348، والخرشي 7 / 70، 76، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 2 / 257، والمقدمات 2 / 307، وكشاف القناع 2 / 419. الْمُتَعَاقِدَانِ: مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل: 7 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ التَّصَرُّفِ فِيمَا يَجْعَلُهُ عِوَضًا، وَأَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالْتِزَامِ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، أَوْ مُكْرَهٍ. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ هَذِهِ شَرَائِطُ لُزُومِ الْعَقْدِ لِمُلْتَزِمِ الْجُعْل، وَأَمَّا أَصْل صِحَّةِ الْعَقْدِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مُمَيِّزًا فَقَطْ. مَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل: 8 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل الْمُعَيَّنِ أَهْلِيَّتُهُ لِلْعَمَل بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ، فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ عَاجِزٍ عَنِ الْعَمَل، كَصَغِيرٍ، وَضَعِيفٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ مَنْفَعَتَهُ مَعْدُومَةٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَامِل غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِإِعْلاَنِ الْجَاعِل، وَلاَ يُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ عَلَى الْعَمَل أَصْلاً، وَيَكْفِي أَنْ يَأْذَنَ أَوْ يُوَكِّل مَنْ يَعْمَل. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل بِنَوْعَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بُلُوغٌ وَلاَ عَقْلٌ، وَلاَ رُشْدٌ وَلاَ حُرِّيَّةٌ، وَلاَ إِذْنُ وَلِيٍّ أَوْ سَيِّدٍ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَعَبْدٍ عَلَى الرَّاجِحِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: كُل مَا كَانَ شَرْطًا فِي الْجَاعِل كَانَ شَرْطًا فِي الْعَامِل بِزِيَادَةِ الْعَمَل عَلَيْهِ (1) وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. __________ (1) نهاية المحتاج 4 / 340، وحاشية البجيرمي على الخطيب 3 / 172، وتحفة المحتاج 2 / 366، وشرح المحلي بحاشيتي قليوبي وعميرة 3 / 130، والروض المربع 1 / 233، وكشاف القناع 2 / 217، والخرشي 7 / 70، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 2 / 256، والحطاب والتاج والإكليل 5 / 452. النِّيَابَةُ فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ: 9 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ - الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل - وَكِيلاً أَوْ وَلِيًّا صَحَّ الْعَقْدُ، وَيَجِبُ الْجُعْل فِي مَال الْمُوَكِّل وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِشَرِيطَةِ أَنْ يَكُونَ التَّعَاقُدُ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ بِأَنْ يَكُونَ الْجُعْل قَدْرَ أُجْرَةِ مِثْل ذَلِكَ الْعَمَل أَوْ أَقَل، أَمَّا إِذَا زَادَ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ فَاسِدًا، وَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْل فِي مَال الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْعَامِل مُعَيَّنًا فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ فِي الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ الْعَمَل لاَ يَلِيقُ بِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُهُ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ، وَعَلِمَ الْجَاعِل بِذَلِكَ وَقْتَ التَّعَاقُدِ، أَمَّا إِنْ طَرَأَ لَهُ طَارِئٌ يُعْجِزُهُ عَنِ الْعَمَل كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي الْعَمَل. وَأَمَّا الْعَامِل غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مِمَّنْ سَمِعَ الإِْعْلاَنَ الْعَامَّ بِالْجِعَالَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ تَوْكِيل غَيْرِهِ فِي الْعَمَل وَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل - فُضُولِيًّا (1) فَإِنَّهُ يَصِحُّ __________ (1) الفضولي لغة: هو المشتغل بما لا يعنيه، نسبة إلى الفضول جمع فضل أي الزيادة، واصطلاحا: من يتصرف في حق غيره بغير إذن شرعي. الْتِزَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَجِبُ الْجُعْل فِي مَالِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ الْتَزَمَهُ. (1) مَحَل الْعَقْدِ وَشَرَائِطُهُ: أَنْوَاعُهُ: 10 - الأَْعْمَال الْمُتَعَاقَدُ عَلَيْهَا فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ - مِنْ حَيْثُ الْمُرَادُ مِنْهَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُرَادُ بِالتَّعَاقُدِ عَلَيْهِ اسْتِحْدَاثُ نَتِيجَةٍ جَدِيدَةٍ، كَتَعْلِيمِ عِلْمٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْ إِخْبَارٍ فِيهِ غَرَضٌ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ خِيَاطَةٍ، أَوْ دَلاَلَةٍ، أَوْ رُقْيَةِ مَرِيضٍ بِدُعَاءٍ جَائِزٍ أَوْ تَمْرِيضِهِ أَوْ مُدَاوَاتِهِ حَتَّى الشِّفَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: مَا يُرَادُ بِالتَّعَاقُدِ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَإِعَادَتُهُ لِنَاشِدِهِ، كَرَدِّ مَالٍ ضَائِعٍ أَوْ ضَالَّةٍ، أَوْ آبِقٍ وَنَحْوِهِ. أَمَّا مِنْ حَيْثُ مَا يَصِحُّ التَّعَاقُدُ عَلَيْهِ جِعَالَةً وَمَا لاَ يَصِحُّ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: 11 - أ - يَصِحُّ عَقْدُ الْجِعَالَةِ عَلَى كُل عَمَلٍ مَجْهُولٍ يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ وَوَصْفُهُ بِحَيْثُ لاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ، كَرَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلاً، لأَِنَّ الْجَهَالَةَ إِذَا احْتُمِلَتْ فِي الْمُضَارَبَةِ تَوَصُّلاً إِلَى الرِّبْحِ الزَّائِدِ __________ (1) تحفة المحتاج 2 / 366، 367، 394، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه 2 / 439، 442، ونهاية المحتاج 4 / 342، 343، والخرشي 7 / 76، وكشاف القناع 2 / 418. مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَاحْتِمَالُهَا فِي الْجِعَالَةِ تَوَصُّلاً إِلَى أَصْل الْمَال اضْطِرَارًا أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ لاَ يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ فَلاَ بُدَّ مِنْ ضَبْطِهِ وَوَصْفِهِ، إِذْ لاَ حَاجَةَ لاِحْتِمَال جَهَالَتِهِ، فَفِي بِنَاءِ حَائِطٍ مَثَلاً يَذْكُرُ مَوْضِعَهُ وَطُولَهُ وَعَرْضَهُ وَارْتِفَاعَهُ وَمَا يُبْنَى بِهِ. 12 - ب - وَكَذَلِكَ يَصِحُّ عَقْدُ الْجِعَالَةِ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ - كَقَوْل الْجَاعِل: " مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي مِنْ مَوْضِعِ كَذَا " أَوْ خِيَاطَةٍ مَوْصُوفَةٍ - عَلَى الرَّاجِحِ لأَِنَّهَا إِذَا جَازَتْ. مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَل فَمَعَ مَعْلُومِيَّتِهِ أَوْلَى. وَبِمِثْل هَذَا كُلِّهِ قَال الْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ: يَرَوْنَ عَدَمَ صِحَّةِ الْجِعَالَةِ مُطْلَقًا عَلَى مُدَاوَاةِ الْمَرِيضِ حَتَّى الشِّفَاءِ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ: 13 - أ - فَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الْجِعَالَةُ وَالإِْجَارَةُ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولاً، وَذَلِكَ كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى بَيْعِ سِلَعٍ قَلِيلَةٍ وَشِرَاءِ السِّلَعِ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ، وَاقْتِضَاءِ الدُّيُونِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ لِلْعَامَّةِ؛ لأَِنَّهُمَا إِنْ تَعَاقَدَا عَلَى مِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الأَْذْرُعِ كَانَ إِجَارَةً، وَإِنْ تَعَاقَدَا عَلَى ظُهُورِ الْمَاءِ فِي الْبِئْرِ كَانَ جِعَالَةً. 14 - ب - وَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الْجِعَالَةُ دُونَ الإِْجَارَةِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى الإِْتْيَانِ بِالْبَعِيرِ الشَّارِدِ، أَوِ الْعَبْدِ الآْبِقِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُل مَا يَكُونُ الْعَمَل فِيهِ مَجْهُولاً، فَتُشْتَرَطُ الْجَهَالَةُ بِالْعَمَل هُنَا تَحْصِيلاً لِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ مَعْلُومِيَّتَهُ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ لأَِحَدِهِمَا تُوجِبُ الْغَرَرَ فِيهِ، كَأَنْ لاَ يَجِدَ الْبَعِيرَ الشَّارِدَ مَثَلاً فِي الْمَكَانِ الْمَعْلُومِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَى الإِْتْيَانِ بِهِ مِنْهُ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ مَجَّانًا وَتَضِيعُ مَصْلَحَةُ الْعَقْدِ. 15 - ج - وَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الإِْجَارَةُ دُونَ الْجِعَالَةِ وَهُوَ كَثِيرٌ أَيْضًا، كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى عَمَلٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْجَاعِل كَحَفْرِ بِئْرٍ مَثَلاً، وَكَذَا التَّعَاقُدُ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ خِدْمَةِ شَهْرٍ، أَوْ بَيْعِ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَبْقَى لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ إِنْ لَمْ يُتِمَّ الْعَامِل الْعَمَل. 16 - أَمَّا مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الشِّفَاءِ مِنَ الْمَرَضِ، وَالْمُعَلِّمِ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ مَثَلاً، وَكِرَاءُ السُّفُنِ، فَقَال ابْنُ الْحَاجِبِ: إِنَّهَا تَصِحُّ إِجَارَةً وَتَصِحُّ جِعَالَةً، وَزَادَ عَلَيْهَا ابْنُ شَاسٍ الْمُغَارَسَةَ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: إِنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ كُلَّهَا مِنَ الإِْجَارَةِ فَقَطْ عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ سَحْنُونٌ عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي مُدَاوَاةِ الْمَرِيضِ الْجِعَالَةُ. (1) __________ (1) تحفة المحتاج 2 / 367، 368، ونهاية المحتاج 4 / 339، ومغني المحتاج 2 / 492، 430، والأنوار 1 / 418، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن 2 / 163، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 4 / 63، 66، والخرشي وحاشية العدوي عليه 7 / 70 - 74، والفروق 4 / 12، 13، والمقدمات 2 / 309، 310، والمغني 6 / 351، 354، وكشاف القناع 2 / 417، 419. الْمَشَقَّةُ فِي الْعَمَل: 17 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَل الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا فِيهِ تَعَبٌ وَمَشَقَّةٌ أَوْ مُؤْنَةٌ، كَرَدِّ آبِقٍ، أَوْ ضَالَّةٍ، أَوْ دَلاَلَةٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ مَنْ بِيَدِهِ الشَّيْءُ، أَوْ إِخْبَارٍ عَنْ شَيْءٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَعَبٌ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ صَادِقًا فِي إِخْبَارِهِ، وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُسْتَخْبِرِ غَرَضٌ فِي الْمُخْبَرِ بِهِ. وَقَيَّدَ الأَْذْرَعِيُّ هَذَا: بِمَا إِذَا كَانَتِ الْمَشَقَّةُ حَادِثَةً بَعْدَ عَقْدِ الْجِعَالَةِ، فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ فَلاَ عِبْرَةَ بِهَا لأَِنَّهَا مَحْضُ تَبَرُّعٍ حِينَئِذٍ. وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ، بَل اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْجِعَالَةِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهِ، قَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ: إِنَّهَا تَجُوزُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي كُل مَا لاَ يَكُونُ لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ إِلاَّ بِتَمَامِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ يَسِيرًا أَمْ غَيْرَ يَسِيرٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (1) كَوْنُ الْعَمَل مُبَاحًا غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَى الْعَامِل: 18 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَل أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَى الْعَامِل أَدَاؤُهُ فَلاَ يَصِحُّ __________ (1) تحفة المحتاج 2 / 367، والأنوار 1 / 418، وأسنى المطالب 2 / 441، ونهاية المحتاج 4 / 344، والمقدمات 2 / 308، 309، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن 2 / 162، وكشاف القناع 2 / 417. عَقْدُ الْجِعَالَةِ عَلَى عَمَلٍ غَيْرِ مُبَاحٍ كَغِنَاءٍ، وَرَقْصٍ، وَعَمَل خَمْرٍ، وَنَحْوِهِ كَمَا لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الْعَمَل الْمَطْلُوبُ أَدَاؤُهُ بِالْعَقْدِ وَاجِبًا عَلَى الْعَامِل وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ، نَحْوُ: رَدُّ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ وَالْمَسْرُوقَةَ لِصَاحِبِهَا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ إِعْلاَنَهُ الْجُعْل عَلَى ذَلِكَ لأَِنَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ شَرْعًا لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَابَل بِعِوَضٍ. وَلاَ يَشْمَل هَذَا مَا يَجِبُ عَلَى الْعَامِل بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ، كَتَخْلِيصٍ مِنْ نَحْوِ: حَبْسٍ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ وَدَفْعِ ظَالِمٍ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ مَشَقَّةٌ تُقَابَل بِأُجْرَةٍ. وَكَذَلِكَ لاَ يَشْمَل هَذَا مَا لَوْ رَدَّ الشَّيْءَ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ أَمَانَةً نَحْوُ: أَنْ يَرُدَّ شَخْصٌ دَابَّةً دَخَلَتْ دَارِهِ لِصَاحِبِهَا بَعْدَ أَنَّ جَاعَل عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَاحِبِهَا، أَمَّا رَدُّهَا فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ. وَبِمِثْل هَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا قَال الْمَالِكِيَّةُ. وَبِهِ أَيْضًا قَال الْحَنَابِلَةُ إِلاَّ أَنَّهُمْ قَسَمُوا الْعَمَل الْوَاجِبَ عَلَى الْعَامِل إِلَى قِسْمَيْنِ: (الأَْوَّل) مَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَلاَ يَنْتَفِعُ بِهِ سِوَاهُ كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، فَهَذَا لاَ تَصِحُّ الْجِعَالَةُ عَلَيْهِ. (الثَّانِي) مَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ كَالأَْذَانِ وَنَحْوِهِ مِنْ حَجٍّ، وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ، وَقُرْآنٍ، وَقَضَاءٍ وَإِفْتَاءٍ، فَهَذَا تَصِحُّ الْجِعَالَةُ عَلَيْهِ عَلَى الرَّاجِحِ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: مَا إِذَا كَانَ الْعَمَل رَدَّ آبِقٍ، فَإِنَّ الرَّادَّ لَهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل وَلَوْ كَانَ الرَّدُّ وَاجِبًا عَلَيْهِ سِوَى الإِْمَامِ كَمَا سَيَأْتِي. (1) تَأْقِيتُ الْعَمَل: 19 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ عَدَمُ تَأْقِيتِ الْعَمَل بِوَقْتٍ مُحَدَّدٍ، فَلَوْ قَال الْجَاعِل مَثَلاً: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي إِلَى نِهَايَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَهُ دِينَارٌ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ تَقْدِيرَ الْمُدَّةِ يُخِل بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ فَقَدْ لاَ يَجِدُ الْعَامِل الضَّالَّةَ خِلاَل الْمُدَّةِ الْمُقَدَّرَةِ فَيَضِيعُ سَعْيُهُ وَلاَ يَحْصُل الْغَرَضُ، وَسَوَاءٌ أَضَافَ إِلَى كَلاَمِهِ هَذَا مِنْ مَحَل كَذَا أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يَجِدُهُ فِيهِ. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ تَأْقِيتِ الْعَمَل يُفْسِدُ الْعَقْدَ فِي حَالَةِ مَا إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْعَامِل أَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَل مَتَى شَاءَ، وَيَكُونُ لَهُ مِنَ الْعِوَضِ بِحِسَابِ مَا عَمِل، لأَِنَّ الْعَامِل دَخَل فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل، وَإِنْ كَانَ لَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ __________ (1) نهاية المحتاج وحاشية الشبرامسلي عليه 4 / 344، وتحفة المحتاج 2 / 367، وحاشية البجيرمي على الخطيب 3 / 173، وحاشية البجيرمي على المنهج 3 / 218، 219، وحاشية القليوبي على شرح المحلي 3 / 131، والمقدمات 2 / 310، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن 2 / 163، وحاشية العدوي على الخرشي 7 / 74، وكشاف القناع وشرح المنتهى 2 / 418، 419، 446. لِعَدَمِ لُزُومِ الْعَقْدِ - فَحِينَئِذٍ يَكُونُ غَرَرُهُ قَوِيًّا. أَمَّا إِنْ شَرَطَ الْعَامِل ذَلِكَ، أَوِ اشْتُرِطَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْقِيتُ الْعَمَل فِي الْعَقْدِ حِينَئِذٍ، وَيَكُونُ صَحِيحًا لأَِنَّ الْعَامِل دَخَل فِي الْعَقْدِ ابْتِدَاءً عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فَغَرَرُهُ حِينَئِذٍ خَفِيفٌ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ تَأْقِيتُ الْعَمَل وَيَصِحُّ الْعَقْدُ إِذَا جَعَل لِلْعَامِل الْجُعْل بِتَمَامِ الزَّمَنِ الْمُحَدَّدِ فِي الْعَقْدِ سَوَاءٌ أَتَمَّ الْعَمَل أَمْ لاَ، إِلاَّ أَنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ قَدْ خَرَجَ حِينَئِذٍ مِنَ الْجِعَالَةِ إِلَى الإِْجَارَةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ عَقْدُ الْجِعَالَةِ وَإِنْ كَانَ الْعَمَل فِيهَا مُؤَقَّتًا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، لأَِنَّ الْمُدَّةَ إِذَا جَازَتْ فِي هَذَا الْعَقْدِ مَجْهُولَةٌ فَمَعَ تَقْدِيرِهَا، وَمَعْلُومِيَّتُهَا أَوْلَى (1) . تَضَمُّنُ الْعَمَل نَفْعًا لِلْجَاعِل: 20 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْجَاعِل فِي الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ غَرَضٌ وَمَنْفَعَةٌ تَعُودُ عَلَيْهِ بِتَحَقُّقِهِ، فَلَوْ قَال: مَنْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا فَلَهُ دِينَارٌ، صَحَّ الْعَقْدُ بِالشَّرَائِطِ السَّابِقَةِ. وَلَوْ جَاعَل شَخْصٌ شَخْصًا آخَرَ عَلَى أَنْ __________ (1) الأنوار 1 / 418، وأسنى المطالب 2 / 441، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 4 / 66، والخرشي وحاشية العدوي عليه 7 / 74، والمقدمات 2 / 305، 307، وشرح المنتهى بهامش كشاف القناع 2 / 443. يَصْعَدَ هَذَا الْجَبَل، وَيَنْزِل مِنْهُ مَثَلاً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ بِإِتْيَانِ حَاجَةٍ مِنْهُ لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ. كَمَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْجَاعِل إِلاَّ بِتَمَامِهِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل فِي الْجِعَالَةِ لِلْجَاعِل، فَلَوْ قَال شَخْصٌ: مَنْ رَكِبَ دَابَّتِي مَثَلاً فَلَهُ كَذَا لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ؛ لِئَلاَّ يَجْتَمِعَ لِلْعَامِل الأَْمْرَانِ النَّفْعُ وَالْعِوَضُ. وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَادِيَ غَيْرُ رَبِّ الضَّالَّةِ: مَنْ رَدَّ ضَالَّةَ فُلاَنٍ فَلَهُ كَذَا فَيَصِحُّ الْعَقْدُ، فَإِنْ رُدَّتْ يَكُونُ الْعِوَضُ عَلَى الْمُنَادِي لأَِنَّهُ ضَمِنَهَا (1) . الْجُعْل وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ: مَعْلُومِيَّتُهُ: 21 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْجُعْل مَالاً مَعْلُومًا جِنْسًا وَقَدْرًا؛ لأَِنَّ جَهَالَةَ الْعِوَضِ تُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنْ عَقْدِ الْجِعَالَةِ، إِذْ لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يَرْغَبُ فِي الْعَمَل مَعَ جَهْلِهِ بِالْجُعْل، هَذَا فَضْلاً عَنْ أَنَّهُ لاَ حَاجَةَ لِجَهَالَتِهِ فِي الْعَقْدِ، بِخِلاَفِ الْعَمَل وَالْعَامِل حَيْثُ تُغْتَفَرُ جَهَالَتُهُمَا لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ. وَمَعْلُومِيَّةُ الْجُعْل تَحْصُل بِمُشَاهَدَتِهِ أَوْ وَصْفِهِ __________ (1) شرح المنتهى 2 / 470 ط السنة المحمدية. إِنْ كَانَ عَيْنًا، وَبِوَصْفِهِ إِنْ كَانَ دَيْنًا. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْجُعْل عَيْنًا مُعَيَّنَةً - ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مَضْرُوبًا عَلَيْهَا - فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ جُعْلاً، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، فَلِلْجَاعِل الاِنْتِفَاعُ بِهَا، وَيَغْرَمُ مِثْلَهَا إِذَا أَتَمَّ الْعَامِل الْعَمَل، وَإِنْ كَانَ الْجُعْل مِثْلِيًّا، أَوْ مَوْزُونًا لاَ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ خِلاَل فَتْرَةِ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ، أَوْ ثَوْبًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَالْجُعْل، فَإِنْ كَانَ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ، أَوْ كَانَ حَيَوَانًا، فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جُعْلاً، وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ عَلَى الرَّاجِحِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْفَسَادُ. مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَعْلُومِيَّةُ: 22 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَثْنَى مِنِ اشْتِرَاطِ الْمَعْلُومِيَّةِ فِي الْجُعْل حَالَتَانِ: الأُْولَى: مَا لَوْ جَعَل الإِْمَامُ أَوْ قَائِدُ الْجَيْشِ لِمَنْ يَدُل عَلَى فَتْحِ قَلْعَةٍ لِلْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ جُعْلاً مِنْهَا كَفَرَسٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ لِلْحَاجَةِ إِلَى مِثْل ذَلِكَ وَقْتَ الْحَرْبِ. الثَّانِيَةُ: مَا لَوْ قَال شَخْصٌ لآِخَرَ: حُجَّ عَنِّي بِنَفَقَتِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ النَّفَقَةِ، وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: هِيَ جِعَالَةٌ فَاسِدَةٌ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُحْتَمَل أَنْ تَجُوزَ الْجِعَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْجُعْل إِذَا كَانَتِ الْجَهَالَةُ لاَ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، نَحْوُ أَنْ يَقُول الْجَاعِل: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا، أَوْ قَال الْقَائِدُ لِلْجَيْشِ فِي الْغَزْوِ: مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ فَلَهُ رَأْسٌ، أَوْ جَعَل جُعْلاً لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى قَلْعَةٍ أَوْ طَرِيقٍ سَهْلٍ مَثَلاً، وَكَانَ الْجُعْل مِنْ مَال الأَْعْدَاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولاً كَفَرَسٍ يُعَيِّنُهَا الْعَامِل. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدِ اسْتَثْنَوْا حَالاَتٍ أُخْرَى: الأُْولَى: أَنْ يُجَاعِل غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُ أُصُولاً حَتَّى تَبْلُغَ حَدًّا مُعَيَّنًا فَتَكُونُ هِيَ (أَيِ الزِّيَادَةُ) وَالأَْصْل بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُجَاعِلَهُ عَلَى تَحْصِيل الدَّيْنِ بِجُزْءٍ (أَيْ مَعْلُومٍ كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ مِمَّا يُحَصِّلُهُ) ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ عَلَى الأَْظْهَرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُجَاعِلَهُ عَلَى حَصَادِ الزَّرْعِ، أَوْ جَذِّ النَّخْل عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ يُسَمِّيهِ، فَإِنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ الْمُجَاعَلَةِ فِيهِ عَلَى هَذَا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا. (1) اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْجُعْل حَلاَلاً، وَمَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ: 23 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْجُعْل أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، مَمْلُوكًا لِلْجَاعِل، فَمَا كَانَ مِنْهُ نَجِسًا، أَوْ __________ (1) نهاية المحتاج 4 / 345، وحاشية البجيرمي على الخطيب 3 / 173، وأسنى المطالب 2 / 441، ومغني المحتاج 2 / 431، وحاشيتي قليوبي وعميرة على شرح المحلي 3 / 131، والخرشي وحاشية العدوي عليه 7 / 76، والمقدمات 2 / 305، والحطاب والتاج والإكليل بهامشه 5 / 452، والمغني 6 / 351. غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ لأَِيِّ سَبَبٍ كَانَ، أَوْ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِلْجَاعِل يُفْسِدُ الْعَقْدَ. (1) تَعْجِيل الْجُعْل قَبْل تَمَامِ الْعَمَل: 24 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجِعَالَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ تَعْجِيل الْجُعْل، فَلَوْ شَرَطَ تَعْجِيلَهُ قَبْل الْعَمَل فَسَدَ الْعَقْدُ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِنْ سَلَّمَهُ الْجَاعِل لِلْعَامِل بِلاَ شَرْطٍ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّهُ وَلاَ يَمْلِكُهُ إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَسَوَاءٌ أَحَصَل نَقْدٌ وَتَسْلِيمٌ لِلْجُعْل بِالْفِعْل أَمْ لاَ، وَذَلِكَ لِدَوَرَانِ الْجُعْل بَيْنَ الْمُعَاوَضَةِ - إِنْ وَجَدَ الْعَامِل الضَّالَّةَ مَثَلاً وَأَوْصَلَهَا إِلَى الْجَاعِل - وَبَيْنَ الْقَرْضِ إِنْ لَمْ يُوصِلْهَا لَهُ بِأَنْ لَمْ يَجِدْهَا أَصْلاً، أَوْ وَجَدَهَا وَأَفْلَتَتْ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ، وَالدَّوَرَانُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا؛ لأَِنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ نَفْعًا احْتِمَالاً، وَأَمَّا النَّقْدُ وَالتَّسْلِيمُ لِلْجُعْل تَطَوُّعًا بِغَيْرِ شَرْطٍ فَيَجُوزُ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، إِذْ لاَ مَحْذُورَ فِيهِ. (2) __________ (1) حاشية البجيرمي على شرح الطلاب 3 / 219، ونهاية المحتاج 4 / 345، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 4 / 63، والمغني 6 / 35. (2) حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب 3 / 218، وتحفة المحتاج 2 / 366، والخرشي 7 / 73، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن 2 / 163، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 2 / 256. آثَارُ عَقْدِ الْجِعَالَةِ: لُزُومُ عَقْدِ الْجِعَالَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل: 25 - اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْجِعَالَةِ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْجِعَالَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل يُصْبِحُ لاَزِمًا لأَِنَّهُ لاَ أَثَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَى رُجُوعِ الْجَاعِل عَنِ الْعَقْدِ، أَوْ تَرْكِ الْعَامِل الْعَمَل حِينَئِذٍ؛ لأَِنَّ الْجُعْل قَدْ لَزِمَ وَاسْتَقَرَّ عَلَى الْجَاعِل. (1) صِفَةُ يَدِ الْعَامِل عَلَى مَال الْجَاعِل: 26 - اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْجِعَالَةِ عَلَى أَنَّ يَدَ الْعَامِل عَلَى مَا وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ مَال الْجَاعِل إِلَى أَنْ يَرُدَّهُ - إِذَا كَانَتِ الْجِعَالَةُ عَلَى رَدِّهِ - يَدَ أَمَانَةٍ لاَ ضَمَانٍ، فَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ وَخَلاَّهُ رَغْمًا عَنْهُ، أَوْ بِلاَ تَقْصِيرٍ وَتَفْرِيطٍ، كَأَنْ تَرَكَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَتَلِفَ أَوْ هَرَبَ لَمْ يَضْمَنْهُ. أَمَّا إِنْ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ وَخَلاَّهُ بِتَفْرِيطٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي حِفْظِهِ، كَأَنْ تَرَكَهُ فِي مَكَانٍ يَضِيعُ فِيهِ غَالِبًا أَوْ يَتْلَفُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَيُعْتَبَرُ مِنَ التَّفْرِيطِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ أَنْ يَسْتَعْمِل الْعَامِل الْمَال فِي عَمَلٍ خَاصٍّ بِهِ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ مَثَلاً، فَإِنْ رَكِبَهَا ضَمِنَهَا إِنْ هَلَكَتْ. (2) __________ (1) نهاية المحتاج 4 / 348، وأسنى المطالب 2 / 442، والخرشي 7 / 76، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 2 / 257، والمغني 6 / 351، وكشاف القناع 2 / 417. (2) نهاية المحتاج 4 / 350، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه 2 / 442، وحاشية البجيرمي على الخطيب 3 / 175، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 63، وحاشية العدوي على الخرشي 7 / 71، وكشاف القناع 2 / 420. النَّفَقَةُ عَلَى الْمَال وَهُوَ فِي يَدِ الْعَامِل: 27 - قَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْعَامِل خِلاَل فَتْرَةِ وُجُودِ الْمَال الْمُجَاعَل عَلَيْهِ وَلَوِ اسْتَغْرَقَتِ الْجُعْل كُلَّهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْعَامِل مُعْتَادًا طَلَبَ الضَّوَال وَرَدَّهَا لأَِصْحَابِهَا بِعِوَضٍ، سَوَاءٌ أَوَجَبَ لَهُ جُعْل الْمِثْل أَمِ الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَلَكِنْ يُمْكِنُهُ إِذَا كَانَ الْمَال فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَنَفَقَتُهُ تَسْتَغْرِقُ الْجُعْل أَنْ يَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى قَاضِي هَذَا الْبَلَدِ لِيَبِيعَ الْمَال وَيَحْكُمَ لَهُ بِجُعْلِهِ، أَمَّا إِنْ جَاءَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ الْجُعْل الَّذِي جُعِل لَهُ، أَوْ جُعِل مِثْلُهُ، أَمَّا إِنْ كَانَ الْعَامِل لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ طَلَبُ الضَّوَال وَالإِْبَاقِ، وَلَمْ يَحْدُثِ الْتِزَامٌ بِالْجُعْل مِنَ الْمَالِكِ، أَوْ كَانَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ هَذَا الْعَامِل، فَإِنَّهُ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ فَقَطْ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمَالِكِ. وَقَال ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لاَ شَيْءَ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَلاَ جُعْلٍ. 28 - وَالْمُرَادُ بِالنَّفَقَةِ الَّتِي يَرْجِعُ بِهَا الْعَامِل عَلَى الْمَالِكِ عِنْدَ اللَّقَانِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مَا أَنْفَقَهُ الْعَامِل عَلَى الضَّالَّةِ أَوِ الآْبِقِ مَثَلاً مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلِبَاسٍ احْتَاجَ لَهُ فِي خِلاَل فَتْرَةِ رَدِّهِ. أَمَّا مَا أَنْفَقَهُ الْعَامِل عَلَى نَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ مَثَلاً فِي خِلاَل فَتْرَةِ تَحْصِيلِهِ، وَرَدِّهِ فَهَذِهِ عَلَى الْعَامِل لاَ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمَالِكِ. وَخَالَفَهُ الأَُجْهُورِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَال: إِنَّ النَّفَقَةَ الْمُرَادَةَ هُنَا، هِيَ مَا أَنْفَقَهُ الْعَامِل عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الضَّالَّةِ مَثَلاً مِنْ أُجْرَةِ مَرْكَبٍ أَوْ دَابَّةٍ اضْطُرَّ لَهَا، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الْحَامِل عَلَى صَرْفِ هَذِهِ الأَْمْوَال إِلاَّ تَحْصِيلَهَا وَرَدَّهَا لِمَالِكِهَا. وَأَمَّا مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهَا مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا فَعَلَى الْمَالِكِ عَلَى كُل حَالٍ، يَرْجِعُ بِهِ الْعَامِل عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِلْعَامِل الْجُعْل الْمُسَمَّى أَمْ جُعْل الْمِثْل أَمْ نَفَقَةُ التَّحْصِيل وَالْبَحْثِ، وَأَمَّا مَا شَأْنُهُ أَنْ يُنْفِقَهُ الْعَامِل عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَضَرِ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ فَلاَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ. وَمَا قَالَهُ اللَّقَانِيُّ هُوَ الرَّاجِحُ. 29 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْمَال يَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ لِصِيَانَتِهِ وَبَقَائِهِ وَرَدِّهِ فَنَفَقَتُهُ - مِنْ حِينِ وَضْعِ يَدِ الْعَامِل عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَرُدَّهُ - عَلَى مَالِكِهِ لاَ عَلَى الْعَامِل، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْعَامِل خِلاَل هَذِهِ الْفَتْرَةِ بِدُونِ إِذْنِ الْمَالِكِ، أَوِ الْقَاضِي، أَوْ بِدُونِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ شُهُودًا، بِأَنْ كَانَ فِي مَكَانٍ لاَ يُوجَدُ فِيهِ قَاضٍ أَوْ لِتَعَذُّرِ الإِْشْهَادِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِإِنْفَاقِهِ هَذَا، وَلاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى مَالِكِ الْمَال وَلَوْ قَصَدَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، أَمَّا إِنْ تَحَقَّقَ مِنَ الْعَامِل أَحَدُ هَذِهِ الأُْمُورِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْمَالِكِ وَيُقْضَى لَهُ بِهَا. وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَى الْعَامِل رَدُّ الضَّالَّةِ أَوِ الآْبِقِ إِلاَّ بِبَيْعِ بَعْضِهِ وَالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ. وَبِوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْمَالِكِ أَيْضًا قَال الْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ خَالَفُوا الشَّافِعِيَّةَ فِي أَنَّ لِلْعَامِل أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْمَالِكِ إِنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ يَأْخُذَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ إِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فِي الإِْنْقَاقِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الاِسْتِئْذَانِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ جُعْلاً أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَال بِيَدِ الْعَامِل وَسَلَّمَهُ لِلْمَالِكِ أَمْ لاَ، حَتَّى لَوْ هَرَبَتِ الضَّالَّةُ مَثَلاً مِنْهُ، أَوْ مَاتَتْ فِي الطَّرِيقِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَالِكِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا قَبْل هَرَبِهَا أَوْ مَوْتِهَا؛ لأَِنَّ الإِْنْفَاقَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا لِحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَحَثًّا عَلَى صِيَانَةِ الضَّالَّةِ لِمَالِكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْفَقَ الْعَامِل عَلَى الضَّالَّةِ بِإِذْنِ مَالِكِهَا. وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَنْوِ الْعَامِل التَّبَرُّعَ بِالنَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَ نَاوِيًا التَّبَرُّعَ بِهَا فَلاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمَالِكِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِلْعَامِل اسْتِخْدَامُ الضَّالَّةِ أَوِ الآْبِقِ بِنَفَقَتِهِ كَالْمَرْهُونِ (1) . حَبْسُ الْمَال الْمَرْدُودِ عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ النَّفَقَةِ: 30 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ مِنْ حَقِّ الْعَامِل أَنْ يَحْبِسَ الْمَال الْمُتَعَاقَدَ عَلَى رَدِّهِ عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْجَاعِل، أَوِ الْمَالِكِ، أَوِ الْقَاضِي، أَوْ __________ (1) أسنى المطالب وحاشية الرملي عليه 2 / 442، 443، وحاشية البجيرمي على منهج الطلاب 3 / 222، وحاشية البجيرمي على الخطيب 3 / 176، ومنح الجليل 4 / 11، والخرشي العدوي عليه 7 / 75، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 4 / 67، وكشاف القناع وشرح المنتهى بهامشه 2 / 420، 447. بِالإِْشْهَادِ، أَوْ لِتَعَذُّرِ الإِْذْنِ مِنْهُمْ، (1) وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. أَمَّا الْحَبْسُ عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ الْجُعْل فَسَيَأْتِي. اسْتِحْقَاقُ الْجُعْل وَشَرَائِطُهُ: الإِْذْنُ فِي الْعَمَل بِجُعْلٍ: 31 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل الْجُعْل إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ إِذْنٌ بِالْعَمَل مُشْتَمِلٌ عَلَى جُعْلٍ يُقَابِل ذَلِكَ الْعَمَل، فَإِنْ أَذِنَ الْجَاعِل لِلْعَامِل وَشَرَطَ لَهُ الْجُعْل اسْتَحَقَّ الْعَامِل الْجُعْل الْمُسَمَّى لأَِنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَنْفَعَةً بِعِوَضٍ فَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ كَالأَْجِيرِ، أَمَّا إِذَا عَمِل الْعَامِل عَمَلاً مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، كَأَنْ وَجَدَ آبِقًا أَوْ ضَالَّةً فَرَدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجُعْل، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الإِْبَاقِ أَوِ الضَّوَال بِعِوَضٍ؛ لِعَدَمِ الاِلْتِزَامِ لَهُ بِشَيْءٍ فَوَقَعَ عَمَلُهُ تَبَرُّعًا. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ إِلاَّ فِي حَالَتَيْنِ: الأُْولَى مِنْهُمَا - مَا إِذَا كَانَ الْمَرْدُودُ عَبْدًا آبِقًا، وَكَانَ الْمُرَادُ لَهُ غَيْرَ السُّلْطَانِ وَمَنْ يُنِيبُهُ، فَإِنَّ الْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَسْتَحِقُّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ جُعْلاً لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِذْنٌ وَلاَ جُعْلٌ وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي رَدِّ الآْبِقِ كَمَا سَيَأْتِي __________ (1) نفس المراجع السابقة للشافعية. وَيَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل سَوَاءٌ أَكَانَ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الإِْبَاقِ بِعِوَضٍ أَمْ لَمْ يَكُنْ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّدُّ وَاجِبًا عَلَيْهِ - كَزَوْجٍ لِلْعَبْدِ أَوْ ذِي رَحِمٍ يَعُولُهُ الْمَالِكُ - أَمْ لاَ، وَذَلِكَ لِلْحَثِّ عَلَى حِفْظِهِ وَصِيَانَتِهِ عَمَّا يَخَافُ مِنْهُ مِنْ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالسَّعْيِ فِي الأَْرْضِ بِالْفَسَادِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالأَْمْوَال، أَمَّا إِنْ رَدَّهُ السُّلْطَانُ أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ فِي رَدِّهِ؛ لأَِنَّهُ مُنَصَّبٌ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَيَأْخُذُ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَال لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا. وَالثَّانِيَةُ - مَا إِذَا كَانَ الْعَمَل فِيهِ إِنْقَاذُ وَتَخْلِيصُ مَال الْغَيْرِ مِمَّا يَظُنُّ هَلاَكَهُ لَوْ تُرِكَ، فَإِنَّ لِلْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَلَوْ بِدُونِ إِذْنٍ وَلاَ جُعْلٍ مِنَ الْمَالِكِ، وَذَلِكَ لِلْحَثِّ وَالتَّرْغِيبِ فِي إِنْقَاذِ الأَْمْوَال مِنَ الْهَلاَكِ (1) . 32 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْعَامِل مَعْرُوفًا بِطَلَبِ الضَّوَال وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ، وَرَدِّهَا بِعِوَضٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جُعْل مِثْلِهِ، وَلاَ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا - كَمَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ سَوَاءٌ أَكَانَ صَاحِبُ الضَّالَّةِ يَتَوَلَّى الإِْتْيَانَ بِهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِخَدَمِهِ أَمْ لاَ. . . وَلِصَاحِبِ الضَّالَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَتْرُكَهَا لِلْعَامِل عِوَضًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ جُعْل الْمِثْل، سَوَاءٌ أَكَانَتْ قِيمَتُهَا تُسَاوِي جُعْل الْمِثْل أَمْ أَقَل أَمْ أَكْثَرَ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ الْعَامِل أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى هَذَا، وَيَتَمَسَّكَ بِجُعْل الْمِثْل، وَإِنْ __________ (1) كشاف القناع 4 / 206 ط بيروت. لَمْ يَكُنِ الْعَامِل مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَلاَ جُعْل لَهُ، وَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ (ف 27 - 28) . الإِْذْنُ فِي الْعَمَل بِدُونِ جُعْلٍ: 33 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ عَمِل شَخْصٌ بِإِذْنِ شَخْصٍ آخَرَ أَوْ إِعْلاَنِهِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرُطَ فِيهِ جُعْلاً لَهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ وَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَل؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ عِوَضًا عَلَى عَمَلِهِ. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ - إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَامِل مُعْتَادًا وَمَعْرُوفًا بِأَدَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الأَْعْمَال بِعِوَضٍ عَلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُورِ فِي الْفِقْرَةِ السَّابِقَةِ وَبِمِثْلِهِ أَيْضًا قَال الْحَنَابِلَةُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَامِل مُعَدًّا لأَِخْذِ الأُْجْرَةِ، فَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لِذَلِكَ كَالْمَلاَّحِ وَالْخَيَّاطِ، وَالدَّلاَّل، وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَرْصُدُ نَفْسَهُ لِلتَّكَسُّبِ بِالْعَمَل، وَأَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الْمَال فِي الْعَمَل، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل، لِدَلاَلَةِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا يُسْتَثْنَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ أَيْضًا: الْحَالَتَانِ الْمُفَصَّلَتَانِ فِيمَا سَبَقَ (ف / 31) . سَمَاعُ الإِْذْنِ بِالْعَمَل وَالْعِلْمُ بِهِ: 34 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل أَنْ يَسْمَعَ إِذْنَ الْجَاعِل فِي ذَلِكَ أَوْ يَعْلَمَ بِهِ، فَلَوْ رَدَّ الضَّالَّةَ مَثَلاً مَنْ سَمِعَ الإِْذْنَ قَبْل الْعَمَل اسْتَحَقَّ الْجُعْل الْمُسَمَّى عَلَى الْجَاعِل؛ لأَِنَّهُ الْمُلْتَزِمُ لَهُ، سَوَاءٌ سَمِعَهُ مُبَاشَرَةً أَوْ بِوَاسِطَةِ إِفَادَتِهِ الْعِلْمَ بِذَلِكَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُخَصِّصِ الْجَاعِل إِذْنَهُ بِالسَّامِعِينَ لَهُ فَقَطْ، فَإِنْ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ بِأَنْ قَال: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي مِنْ سَامِعِي نِدَائِي هَذَا فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّهَا مَنْ عَلِمَ بِإِذْنِهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَإِنْ عَمِل طَامِعًا فِي الْجُعْل، وَكَذَلِكَ لاَ شَيْءَ لِلْعَامِل لَوْ عَمِل بَعْدَ الإِْذْنِ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَامِل مُخَصَّصًا أَوْ قَاصِدًا الْعِوَضَ أَوْ غَيْرَهُمَا، فَلَوْ قَال الْجَاعِل: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ كَذَا، أَوْ إِنْ رَدَّهَا خَالِدٌ فَلَهُ كَذَا فَرَدَّهَا مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الإِْذْنُ الْعَامُّ، أَوْ رَدَّهَا خَالِدٌ بِدُونِ أَنْ يَبْلُغَهُ ذَلِكَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنَ الْجُعْل وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مِثْل هَذَا الْعَمَل لاَ يَضِيعُ هَدَرًا، لأَِنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِالرَّدِّ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ. وَإِنْ عَلِمَ الْعَامِل بِالإِْذْنِ وَالْجُعْل فِي أَثْنَاءِ الْعَمَل فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنَ الْجُعْل بِنِسْبَةِ مَا أَتَمَّهُ مِنَ الْعَمَل بَعْدَ الْعِلْمِ بِالإِْذْنِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا عَنِ الْعَمَل الْحَاصِل قَبْل عِلْمِهِ لأَِنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ لِلْعَمَل الْحَادِثِ قَبْل الإِْذْنِ فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِهِ، وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِيمَا عَدَا الْحَالَتَيْنِ السَّابِقَ ذِكْرُهُمَا (ف / 31) . وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْ إِذْنَ الْجَاعِل لاَ مُبَاشَرَةً وَلاَ بِوَاسِطَةٍ فَقَالُوا: يَسْتَحِقُّ جُعْل الْمِثْل عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ صَاحِبُ الْمَال أَصْلاً (ف / 32) . إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هُنَا فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّالَّةِ مَثَلاً فِي تَرْكِهَا لِلْعَامِل، فَقَال الأَُجْهُورِيُّ: لِصَاحِبِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا لِلْعَامِل هُنَا أَيْضًا عِوَضًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ جُعْل الْمِثْل، وَقَال الرَّمَاصِيُّ: لَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِنَّمَا لِلْعَامِل هُنَا جُعْل مِثْلِهِ، إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَدَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الأَْعْمَال بِعِوَضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَلَهُ النَّفَقَةُ. (1) تَحْصِيصُ الإِْذْنِ وَالْجُعْل بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ: 35 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ قَال الْجَاعِل إِنْ رَدَّ زَيْدٌ دَابَّتِي الضَّالَّةَ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَلَوْ رَدَّهَا عَمْرٌو مَثَلاً لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَدَاءِ مِثْل هَذَا الْعَمَل بِعِوَضٍ لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ عِوَضًا فَوَقَعَ عَمَلُهُ تَبَرُّعًا. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَحِقُّ عَمْرٌو جُعْل الْمِثْل إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَدَاءِ مِثْل هَذَا الْعَمَل بِعِوَضٍ، وَإِلاَّ فَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ ذِكْرُهُ (2) . (ف 28 وَ 29) . __________ (1) المهذب 1 / 411، وأسنى المطالب 2 / 439، 440، وتحفة المحتاج 2 / 366، والأنوار 1 / 418، ونهاية المحتاج 4 / 341، 344، والخرشي 7 / 74 - 75، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 4 / 66، 67، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 2 / 257، وكشاف القناع وشرح المنتهى 2 / 417، 419، 443، 446. (2) نهاية المحتاج 4 / 341، وأسنى المطالب 2 / 439، 440، وكشاف القناع 2 / 417، والمغني 6 / 352، وشرائع الإسلام 2 / 117، وللمالكية المراجع المذكورة بالفقرتين المنوه عنهما. تَخْصِيصُ الإِْذْنِ وَالْجُعْل بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ: 36 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ قَال الْجَاعِل مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي مِنْ بَغْدَادَ مَثَلاً فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ يُنْظَرُ: فَإِنْ رَدَّهَا الْعَامِل مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ فِعْلاً، لَكِنْ مِنْ أَبْعَدَ مِنَ الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ فِي الْعَقْدِ فَلاَ زِيَادَةَ لَهُ عَلَى الْجُعْل الْمُسَمَّى، لِتَبَرُّعِهِ بِالْمَسَافَةِ الزَّائِدَةِ، وَلَوْ رَدَّهَا مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ فَلَهُ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْجُعْل إِنْ تَسَاوَتِ الطَّرِيقُ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً، لأَِنَّ كُل الْجُعْل فِي مُقَابَلَةِ كُل الْعَمَل، فَبَعْضُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَعْضِ فَإِنْ تَفَاوَتَتِ الطَّرِيقُ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً بِأَنْ كَانَ النِّصْفُ الَّذِي أَتَى بِهِ مَثَلاً لَهُ مِنَ الأُْجْرَةِ ضِعْفَ النِّصْفِ الآْخَرِ عُمِل بِذَلِكَ فِي الْجُعْل فَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَيِ الْجُعْل. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ: إِذَا رَدَّهَا مِنْ مَسَافَةٍ مِثْل مَسَافَةِ بَغْدَادَ وَلَوْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل الْمُسَمَّى - عَشْرَةَ دَنَانِيرَ - لأَِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْمَكَانِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الإِْرْشَادُ إِلَى مَوْضِعٍ أَوْ مَظِنَّةٍ وَنَحْوِهِ، لاَ أَنَّ الرَّدَّ مِنْهُ شَرْطٌ فِي أَصْل الاِسْتِحْقَاقِ، إِذْ لَوْ أُرِيدَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ لَكَانَ إِذَا رَدَّهَا مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، لأَِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ مِنْهُ. وَقِيل: لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مُطْلَقًا، لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الرَّدِّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ الأُْخْرَى، وَبِمِثْل هَذَا الْقَوْل الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال الْحَنَابِلَةُ. 37 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْجُعْل فِي الدَّابَّةِ الضَّالَّةِ، وَنَحْوِهَا مِنْ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِمَكَانِهَا؛ لأَِنَّ مَنْ عَلِمَ مَكَانَهَا غَارَ وَخَادَعَ لِصَاحِبِهِ وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ، فَإِنْ عَلِمَ الْجَاعِل مَكَانَهَا وَجَهِلَهُ الْعَامِل، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْجَاعِل الأَْكْثَرُ مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَأُجْرَةِ الْمِثْل لِلْعَامِل، وَإِنْ عَلِمَ الْعَامِل فَقَطْ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لاَ شَيْءَ لَهُ، وَيَكُونُ آثِمًا ضَامِنًا لِلضَّالَّةِ إِنْ تَلِفَتْ؛ لأَِنَّ الإِْتْيَانَ بِهَا لِصَاحِبِهَا صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ حَيْثُ عَلِمَ مَكَانَهَا دُونَ صَاحِبِهَا. وَإِنْ عَلِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَكَانَهَا فَالرَّاجِحُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِل جُعْل مِثْلِهِ، نَظَرًا لِسَبْقِ الْجَاعِل بِالنِّدَاءِ وَهُوَ الإِْيجَابُ (1) . الدَّلاَلَةُ عَلَى الْمَال الضَّائِعِ، وَالإِْخْبَارُ عَنْهُ: 38 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ جَعَل شَخْصٌ لِمَنْ دَلَّهُ عَلَى مَالِهِ الضَّائِعِ جُعْلاً، فَدَلَّهُ عَلَيْهِ مَنْ لَيْسَ الْمَال فِي يَدِهِ اسْتَحَقَّ الْجُعْل، لأَِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِالْبَحْثِ عَنْهُ، ثُمَّ دَلاَلَةُ الْجَاعِل عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْبَحْثُ الْمُتْعِبُ حَادِثًا بَعْدَ إِعْلاَنِ الْجَاعِل لاَ قَبْلَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ عِبْرَةَ بِالْعَمَل الْحَادِثِ قَبْلَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْجُعْل. وَكَذَلِكَ __________ (1) نهاية المحتاج 4 / 345، ومغني المحتاج 2 / 431، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 2 / 257، والخرشي وحاشية العدوي 7 / 70، 71، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن 2 / 163، والمغني 2 / 353، وكشاف القناع 2 / 418. لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مَنْ كَانَ الْمَال الضَّائِعُ فِي يَدِهِ، وَدَل صَاحِبَهُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ شَرْعًا فَلاَ يَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ جَعَل جُعْلاً لِمَنْ أَخْبَرَهُ بِأَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ كَدَوَاءٍ يَنْفَعُهُ مَثَلاً فَأَخْبَرَهُ شَخْصٌ بِهِ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؛ لأَِنَّ مِثْل هَذَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ، أَمَّا إِنْ تَعِبَ الْمُخْبِرُ وَصَدَقَ فِي إِخْبَارِهِ، وَكَانَ لِلْجَاعِل الْمُسْتَخْبِرُ غَرَضٌ وَمَنْفَعَةٌ فِي الأَْمْرِ الْمَطْلُوبِ الإِْخْبَارُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ الدَّال أَوِ الْمُخْبِرُ مَكَانَ الْمَال الضَّائِعِ، أَوِ الأَْمْرِ الْمَطْلُوبِ الإِْخْبَارُ عَنْهُ قَبْل إِعْلاَنِ الْجَاعِل أَوْ تَعَاقُدِهِ مَعَهُ فَيَسْتَحِقُّ الْجُعْل إِنْ عَلِمَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّعَاقُدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ هُنَاكَ تَعَبٌ أَوْ مَشَقَّةٌ فِي سَبِيل عِلْمِهِ بِذَلِكَ أَمْ لاَ، كَأَنْ عَلِمَ بِهِ بِطَرِيقِ الْمُصَادَفَةِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إِنْ عَلِمَ قَبْل التَّعَاقُدِ (1) . الْفَرَاغُ مِنَ الْعَمَل وَالتَّسْلِيمُ لِلْجَاعِل: 39 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِالْجِعَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ، وَيَفْرُغَ مِنْهُ وَيُسَلِّمَهُ لِلْجَاعِل فَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل شَيْئًا إِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ ذَلِكَ، فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الآْبِقُ أَوِ الدَّابَّةُ __________ (1) أسنى المطالب 2 / 440، 441، ونهاية المحتاج 4 / 344، والحطاب 5 / 455، ومنح الجليل 4 / 10، وحاشية العدوي على الخرشي 7 / 71، وكشاف القناع 2 / 417. الضَّالَّةُ، أَوْ تَلِفَ الْمَال الْمَرْدُودُ، أَوْ غُصِبَ مِنْ يَدِ الْعَامِل فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَلَوْ بِقُرْبِ دَارِ الْجَاعِل، أَوْ تَرَكَهُ الْعَامِل فَرَجَعَ لِلْجَاعِل بِنَفْسِهِ، أَوْ هَرَبَ الْمَرْدُودُ وَلَوْ مِنْ دَارِ الْجَاعِل قَبْل تَسْلِيمِهِ لَهُ، فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل فِي كُل هَذَا، لِتَعَلُّقِ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْجُعْل بِالرَّدِّ، وَتَسْلِيمِ الْمَرْدُودِ لِلْجَاعِل، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ ذَلِكَ. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنْ أَفْلَتَ الْحَيَوَانُ الْمَرْدُودُ مِنْ يَدِ الْعَامِل وَهَرَبَ قَبْل تَسْلِيمِهِ لِلْجَاعِل، فَإِنْ جَاءَ بِهِ - مِنْ غَيْرِ تَعَاقُدِ - عَامِلٍ آخَرَ مِنْ عَادَتِهِ رَدُّ الضَّوَال وَالإِْبَاقِ بِعِوَضٍ، فَلاَ شَيْءَ لِلأَْوَّل وَكُل الْجُعْل لِلثَّانِي إِنْ جَاءَ بِهِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنِ الْجَاعِل، أَوْ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ الْعَامِل الأَْوَّل، أَمَّا إِنْ جَاءَ بِهِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ الْجَاعِل، أَوْ قَبْل أَنْ يَصِل إِلَى مَكَانِ الأَْوَّل، فَلِكُلٍّ مِنَ الْعَامِلَيْنِ - الأَْوَّل وَالثَّانِي - بِنِسْبَةِ عَمَلِهِ مِنَ الْجُعْل مَنْظُورًا فِي ذَلِكَ لِسُهُولَةِ الطَّرِيقِ وَصُعُوبَتِهَا لاَ لِمُجَرَّدِ الْمَسَافَةِ؛ لأَِنَّ الثَّانِيَ انْتَفَعَ بِعَمَل الأَْوَّل حِينَئِذٍ. 40 - وَكَمَا لاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل شَيْئًا إِنْ لَمْ يَقَعْ عَمَلُهُ مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل، فَكَذَلِكَ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ عَلَى الْمَحَل، أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الإِْتْمَامُ عَلَيْهِ، وَلَهُمْ فِي هَذَا تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ - يُرَاجَعُ فِي مُطَوَّلاَتِهِمْ - حَاصِلُهُ أَنَّهُ إِنْ تَلِفَ مَعْمُول الْعَامِل قَبْل تَمَامِ عَمَلِهِ، فَإِنْ وَقَعَ مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل بِأَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ، أَوْ فِي مِلْكِهِ، وَظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَل وَأَمْكَنَ الإِْتْمَامُ عَلَيْهِ، كَخِيَاطَةِ بَعْضِ ثَوْبٍ، أَوْ بِنَاءِ بَعْضِ حَائِطٍ، أَوْ تَعْلِيمِ بَعْضِ مَا جُوعِل عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ حِصَّةَ مَا عَمِل مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى. وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْعَمَل مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل بِمَا مَرَّ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَل كَإِنَاءٍ انْكَسَرَ، أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الإِْتْمَامُ عَلَيْهِ كَثَوْبٍ احْتَرَقَ بَعْدَ خِيَاطَةِ بَعْضِهِ أَوْ حَائِطٍ انْهَدَمَ بَعْدَ بِنَاءِ بَعْضِهِ، وَلَوْ بِلاَ تَفْرِيطٍ مِنَ الْعَامِل، أَوْ مُتَعَلِّمٍ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ تَعَلُّمِهِ، فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل فِي كُل ذَلِكَ. 41 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل إِلاَّ بِإِتْمَامِهِ الْعَمَل ثَلاَثُ صُوَرٍ: الأُْولَى - مَا إِذَا حَصَل الاِنْتِفَاعُ بِالْعَمَل السَّابِقِ - الَّذِي لَمْ يُتِمُّهُ الْعَامِل بِأَنِ اسْتَأْجَرَ الْجَاعِل عَامِلاً آخَرَ عَلَى إِتْمَامِهِ، أَوْ جَاعَلَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَتَمَّهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ خَدَمَهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل الأَْوَّل عَلَى عَمَلِهِ - حِينَئِذٍ - بِنِسْبَةِ مَا أَخَذَ الثَّانِي، سَوَاءٌ أَعَمِل الثَّانِي قَدْرَ عَمَل الأَْوَّل أَوْ أَقَل مِنْهُ، أَوْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَجْعَل لِلأَْوَّل خَمْسَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَحْمِل لَهُ بَضَائِعَ مَثَلاً إِلَى مَكَانٍ مَعْلُومٍ فَحَمَلَهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ وَتَرَكَهَا، فَجَعَل الْجَاعِل لِعَامِلٍ غَيْرِهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى إِيصَالِهَا لِلْمَكَانِ الْمَعْلُومِ، فَإِنَّ الأَْوَّل يَأْخُذُ عَشَرَةً أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ الَّذِي يَنُوبُ عَمَلُهُ بِالنِّسْبَةِ لِعَمَل الثَّانِي؛ لأَِنَّ الثَّانِيَ لَمَّا جُوعِل مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ بِعَشَرَةٍ عُلِمَ أَنَّ أُجْرَةَ الطَّرِيقِ كُلَّهَا عِشْرُونَ. وَلَوْ أَوْصَلَهَا الْجَاعِل بِنَفْسِهِ أَوْ بِخَدَمِهِ، فَإِنَّهُ يُعْطِي لِلْعَامِل الأَْوَّل بِنِسْبَةِ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَوْ جَاعَل عَلَيْهَا صَاحِبَهَا. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْعَامِل فِي كُل ذَلِكَ أُجْرَةُ مِثْل عَمَلِهِ، وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ؛ لأَِنَّ صَاحِبَ الْبَضَائِعِ قَدْ يَخَافُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْمَكَانِ، وَخَاصَّةً إِذَا كَانَتْ غَالِيَةً، وَشَأْنُ الشَّيْءِ الْغَالِي إِذَا كَانَ فِي مَكَانٍ مَخُوفٍ يَغْلِبُ ضَيَاعُهُ أَوْ هَلاَكُهُ فِيهِ أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَى نَقْلِهِ مِنْهُ بِالأُْجْرَةِ الزَّائِدَةِ عَنِ الْمِثْل، فَلاَ يُقَاسُ عَلَى الاِسْتِئْجَارِ الأَْوَّل. الثَّانِيَةُ - إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُجَاعَل عَلَيْهِ - حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَيَوَانٍ - مَمْلُوكٌ لِغَيْرِ مَنْ جَاعَل عَلَيْهِ وَقُضِيَ لَهُ بِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ يَدِ الْعَامِل، فَإِنَّ الْجُعْل يَلْزَمُ الْجَاعِل حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يَتَسَلَّمِ الْمُجَاعَل عَلَيْهِ مِنَ الْعَامِل؛ لأَِنَّهُ وَرَّطَهُ فِي الْعَمَل وَلَوْلاَ ظُهُورُ مِلْكِيَّتِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِقَبْضِ الْعَامِل الْجُعْل، وَلاَ يَرْجِعُ الْجَاعِل بِالْجُعْل عَلَى الْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَكُل هَذَا إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ وَمَمْلُوكٌ لِغَيْرِ الْجَاعِل بَعْدَ وُصُول الْعَامِل الْبَلَدَ وَقَبْل قَبْضِ الْجَاعِل لَهُ، أَمَّا لَوِ اسْتُحِقَّ مِنَ الْعَامِل وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ قَبْل وُصُولِهِ بَلَدَ الْجَاعِل، فَلاَ جُعْل لَهُ عَلَى الرَّاجِحِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِسْتِحْقَاقِ وَبَيْنَ الْمَوْتِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ قَبْل ذَلِكَ (ف / 39) أَنَّ الاِسْتِحْقَاقَ وَهُوَ ظُهُورُ مِلْكِيَّتِهِ لِغَيْرِ الْجَاعِل يَكُونُ نَاشِئًا عَنِ اعْتِدَاءٍ مِنَ الْجَاعِل غَالِبًا، فَتَغَيَّرَ حُكْمُهُ لأَِجْل هَذَا. الثَّالِثَةُ - إِذَا حَدَثَ لِلشَّيْءِ الْمُجَاعَل عَلَى تَحْصِيلَةِ حَادِثٌ أَدَّى إِلَى نُقْصَانِ قِيمَتِهِ بِحَيْثُ صَارَ لاَ يُسَاوِي الْجُعْل الْمُسَمَّى، أَوْ جُعْل الْمِثْل، فَلِلْعَامِل جُعْلُهُ كَامِلاً، وَلاَ يُنْظَرُ لِهَذَا النُّقْصَانِ، وَسَوَاءٌ أَحَدَثَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهِ الْعَامِل، أَمْ بَعْدَ أَنْ عَثَرَ عَلَيْهِ وَقَبْل أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلْجَاعِل. تَعَذُّرُ التَّسْلِيمِ لِلْجَاعِل: 42 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَتَى الْعَامِل بِالْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجِدِ الْجَاعِل وَلاَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي تَسَلُّمِهِ سَلَّمَهُ لِلْحَاكِمِ، وَاسْتَحَقَّ الْجُعْل وَيَدْفَعُهُ الْحَاكِمُ لَهُ مِنْ مَال الْجَاعِل الْمُلْتَزِمِ بِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلاَّ بَقِيَ الْجُعْل دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْجَاعِل، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَاكِمٌ لِهَذَا الْمَكَانِ أَشْهَدَ عَلَى رَدِّهِ لَهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْجُعْل حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمَرْدُودُ، أَوْ هَرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَجْرِي هَذَا الْحُكْمُ فِي تَلَفِ سَائِرِ مَحَال الأَْعْمَال (1) . __________ (1) المهذب 1 / 411، وتحفة المحتاج 2 / 370، وحاشية البجيرمي على الخطيب 3 / 175، 176، والأنوار 1 / 419، ونهاية المحتاج 4 / 349، 350، وحاشية القليوبي على شرح المحلي 3 / 133، والخرشي وحاشية العدوي عليه 7 / 72 - 75، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 4 / 64 - 67، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن 2 / 163، والحطاب والتاج والإكليل 5 / 453 - 455، وكشاف القناع وشرح المنتهى بهامشه 2 / 420 - 446، 447، والمغني 6 / 253. مُشَارَكَةُ الْعَامِل فِي الْعَمَل وَأَثَرُهَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْجُعْل: 43 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ الْتَزَمَ الْجَاعِل جُعْلاً لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَشَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الْعَمَل فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: أ - فَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ إِعَانَةَ الْعَامِل الْمُعَيَّنِ مَجَّانًا، أَوْ بِعِوَضٍ مِنَ الْعَامِل فَلاَ شَيْءَ لِلْمُعَاوِنِ مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَكُلُّهُ لِلْعَامِل الَّذِي عَيَّنَهُ الْجَاعِل؛ لأَِنَّ رَدَّ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ بِقَصْدِ الإِْعَانَةِ لِلْمُعَيَّنِ وَاقِعٌ عَنْهُ وَقَصْدُ الْجَاعِل الرَّدَّ مِمَّنِ الْتَزَمَ لَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ فَلاَ يُحْمَل تَعَاقُدُهُ عَلَى قَصْرِ الْعَمَل عَلَى الْمُخَاطَبِ وَحْدَهُ، وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. ب - وَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ الْعَمَل لِلْجَاعِل، أَوِ الْعَمَل لِنَفْسِهِ، أَوْ قَصَدَ نَفْسَهُ وَالْجَاعِل مَعًا، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، فَلِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ نِصْفُ الْجُعْل؛ لأَِنَّهُ فِي الصُّوَرِ الأَْرْبَعِ عَمِل نِصْفَ الْعَمَل، وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ مِنْ عَمَل الْمُشَارِكِ شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ أَصْلاً فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا. ج - وَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ الْعَمَل لِنَفْسِهِ وَلِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ، أَوْ قَصَدَ الْعَمَل لِلْعَامِل وَالْجَاعِل مَعًا، فَلِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ الْجُعْل الْمُسَمَّى؛ لأَِنَّهُ عَمِل النِّصْفَ وَرَجَعَ لَهُ نِصْفُ عَمَل الْمُشَارِكِ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ. د - وَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ الْعَمَل لِلْجَمِيعِ - أَيِ الْجَاعِل، وَالْعَامِل، وَنَفْسِهِ - فَلِلْعَامِل ثُلُثَا الْجُعْل؛ لأَِنَّهُ عَمِل النِّصْفَ، وَرَجَعَ لَهُ مِنَ الْمُشَارِكِ ثُلُثُ عَمَلِهِ، وَذَلِكَ سُدُسٌ يُضَمُّ إِلَى نِصْفِ الْعَامِل. هـ - وَلَوْ أَعَانَ الْعَامِل اثْنَانِ وَلَمْ يَقْصِدَاهُ فَلَهُ ثُلُثُ الْجُعْل، أَوْ ثَلاَثَةٌ فَلَهُ الرُّبُعُ، وَإِنْ قَصَدَ الْعَمَل لَهُ أَحَدُ الاِثْنَيْنِ، وَقَصَدَ الآْخَرُ الْجَاعِل فَلَهُ ثُلُثَاهُ وَهَكَذَا. وَلاَ شَيْءَ لِلْمُشَارِكِ بِأَيِّ حَالٍ فِي كُل مَا ذُكِرَ، لاَ مِنَ الْجُعْل وَلاَ مِنَ الْعَامِل؛ لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ شَيْئًا، وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَشْتَرِكَانِ فِي الأَْكْثَرِ مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى وَجُعْل الْمِثْل. 44 - أَمَّا إِذَا أَذِنَ الْجَاعِل لاِثْنَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ فَأَكْثَرَ، أَوْ عَمَّمَ إِذْنَهُ وَإِعْلاَنَهُ لِكُل مَنْ يَعْمَل فَاشْتَرَكَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي الْعَمَل مُنْذُ بِدَايَتِهِ وَتَسْلِيمِهِ لِلْجَاعِل تَامًّا، فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - وَإِنْ تَفَاوَتَ عَمَل كُلٍّ مِنْهُمْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُ الْعَمَل حَتَّى يُوَزَّعَ عَلَيْهِ الْجُعْل بِالنِّسْبَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأَْعْمَال الَّتِي يُمْكِنُ وُقُوعُهَا مِنْهُمْ مُجْتَمِعِينَ كَرَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلاً، أَمَّا الأَْعْمَال الَّتِي يُمْكِنُ وُقُوعُ جَمِيعِهَا مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِثْل أَنْ يَقُول الْقَائِدُ: مَنْ دَخَل هَذَا الْحِصْنَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَدَخَلَهُ جَمْعٌ مِنَ الْمُحَارِبِينَ اسْتَحَقَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ يُسَمَّى دَاخِلاً هُنَا. إِذَا أَتَمَّ الْعَمَل وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْنِ الْمُعَيَّنَيْنِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجُعْل الْمُسَمَّى - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ سِوَاهُ. وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذَا. 45 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ شَرَطَ الْجَاعِل لِوَاحِدٍ مِنْ ثَلاَثَةٍ جُعْلاً مَجْهُولاً، كَثَوْبٍ مَثَلاً، وَشَرَطَ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الآْخَرِينَ دِينَارًا عَلَى رَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلاً، فَرَدُّوهَا جَمِيعًا مَعًا، فَلِلأَْوَّل ثُلُثُ أُجْرَةِ الْمِثْل، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنَ الآْخَرَيْنِ ثُلُثُ الدِّينَارِ الْمُسَمَّى لَهُ. وَإِنْ قَال لِكُل وَاحِدٍ مِنْ ثَلاَثَةٍ رُدَّهَا وَلَكَ دِينَارٌ فَرَدَّهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَلَهُ مَا شَرَطَ لَهُ كَامِلاً - وَهُوَ الدِّينَارُ - وَإِنْ رَدَّهَا اثْنَانِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ مَا شَرَطَ لَهُ، وَإِنْ رَدَّهَا الثَّلاَثَةُ فَلِكُلٍّ ثُلُثُ مَا شَرَطَ لَهُ وَهَكَذَا - وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ. وَإِنْ شَرَطَ لِوَاحِدٍ عَلَى رَدِّهَا دِينَارًا، وَشَرَطَ لآِخَرَ عَلَى رَدِّهَا دِينَارَيْنِ، فَاشْتَرَكَا فِي رَدِّهَا إِلَيْهِ، اسْتَحَقَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْجُعْل الْمُشْتَرَطِ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَرَجَّحَهُ مِنْهُمُ التُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ. 46 - وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الدِّينَارَيْنِ فَيَقْتَسِمَانِهِمَا بِنِسْبَةِ مَا سَمَّاهُ الْجَاعِل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِذْ هُوَ غَايَةُ مَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الضَّالَّةِ، فَيَأْخُذُ الأَْوَّل ثُلُثَ الدِّينَارَيْنِ، وَيَأْخُذُ الآْخَرُ ثُلُثَيْهِمَا. وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ النَّقْدِ وَالْعُرُوضِ (1) ، فَلَوْ جَعَل الْجَاعِل لأَِحَدِهِمَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى رَدِّهَا وَلِلآْخَرِ عَرَضًا فَاشْتَرَكَا فِي رَدِّهَا إِلَيْهِ، فَالرَّاجِحُ أَنْ يُقَوَّمَ الْعَرْضُ، فَإِنْ سَاوَى خَمْسَةَ دَنَانِيرَ فَلِصَاحِبِ الْعَشَرَةِ ثُلُثَاهَا، وَيُخَيَّرُ صَاحِبُ الْعَرَضِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ الْعَشَرَةِ، أَوْ مَا يُقَابِل ذَلِكَ مِنَ الْعَرَضِ الَّذِي جُعِل لَهُ، وَيَجْرِي هَذَا أَيْضًا فِيمَا إِذَا جَعَل الْجَاعِل لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَرَضًا سَوَاءٌ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا أَمِ اتَّفَقَتْ. 47 - وَإِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي رَدِّهَا وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ شَرَطَ لَهُ الْجَاعِل جُعْلاً، وَوَجَبَ لِلآْخَرِ جُعْلٌ مِثْلُهُ؛ لاِعْتِيَادِهِ طَلَبَ الضَّوَال، وَلَنْ يَسْمَعَ بِمُعَاقَدَةِ الْجَاعِل، فَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الأَْكْثَرِ مِنَ الْجُعْل الْمُشْتَرَطِ فِي الْعَقْدِ وَجُعْل الْمِثْل إِذَا اخْتَلَفَا قَدْرًا (2) . __________ (1) العروض بضم العين والراء جمع عرض بسكون الراء، المتاع، وكل شيء متمول سوى النقدين. وأما العرض بفتح الراء فيشمل المتاع والنقدين فكل عرض عرض لا عكس (لسان العرب) . (2) تحفة المحتاج 2 / 368، 369، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج 3 / 220، ونهاية المحتاج 4 / 346، 347، ومغني المحتاج 2 / 432، والمهذب 1 / 412، وأسنى المطالب 2 / 441، 442، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 4 / 67، والخرشي وحاشية العدوي عليه 7 / 75، 76، والمغني 6 / 252، وكشاف القناع 2 / 418. اسْتِحْقَاقُ الْجُعْل فِي تَعَاقُدِ الْفُضُولِيِّ، وَالنَّائِبِ: 48 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوِ الْتَزَمَ فُضُولِيٌّ - لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ - الاِسْتِهْزَاءُ وَالْخَلاَعَةُ وَتَوَافَرَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل الْمَذْكُورَةُ فِيمَا سَبَقَ جُعْلاً مُعَيَّنًا لِمَنْ يَعْثُرُ عَلَى مَال غَيْرِهِ الضَّائِعِ، أَوْ يَعْمَل لِغَيْرِهِ عَمَلاً تَصِحُّ الْجِعَالَةُ عَلَيْهِ، كَأَنْ قَال: مَنْ رَدَّ ضَالَّةَ فُلاَنٍ أَوْ آبِقَهُ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجُعْل بِقَوْلِهِ هَذَا، وَيَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ مَنْ سَمِعَ إِعْلاَنَهُ هَذَا وَأَتَمَّ الْعَمَل. وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجُعْل بِقَوْلِهِ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِكَلِمَةِ " عَلَيَّ " نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ وَالْمَفْهُومَ مِنْهُ ذَلِكَ. وَالْتِزَامُ الْفُضُولِيِّ الْجُعْل فِي هَذَا الْعَقْدِ لَيْسَ كَالْتِزَامِهِ الثَّمَنَ فِي شِرَاءِ غَيْرِهِ، أَوِ الْتِزَامِهِ الْعِوَضَ عَلَى هِبَةِ غَيْرِهِ، لأَِنَّهُمَا عِوَضَا تَمْلِيكٍ فَلاَ يُتَصَوَّرُ وُجُوبُهُمَا عَلَى غَيْرِ مَنْ حَصَل لَهُ الْمِلْكُ، وَالْجُعْل لَيْسَ عِوَضَ تَمْلِيكٍ. وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل وَلِيًّا عَلَى صَاحِبِ الْعَمَل أَوْ وَكِيلَهُ. فَإِنْ كَانَ وَلِيَّهُ أَوْ وَكِيلَهُ وَالْتَزَمَ ذَلِكَ عَنْ مَحْجُورِهِ - الْمُوَلَّى عَلَيْهِ - أَوْ مُوَكِّلِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا سَبَقَ، فَإِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ الْجُعْل فِي مَال الْمَالِكِ أَوْ صَاحِبِ الْعَمَل بِمُقْتَضَى الْتِزَامِ وَلِيِّهِ أَوْ وَكِيلِهِ. 49 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَخْبَرَ شَخْصٌ عَنِ الْتِزَامِ الْمَالِكِ جُعْلاً عَلَى رَدِّ مَالِهِ الضَّائِعِ مَثَلاً بِأَنْ قَال: قَال زَيْدٌ: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ كَذَا، فَإِنْ كَذَّبَهُ زَيْدٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَامِل الرَّادُّ لَهَا شَيْئًا عَلَى " الْمُخْبِرِ " لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ وَلاَ عَلَى " زَيْدٍ " لِتَكْذِيبِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ - وَبِمِثْل ذَلِكَ قَال الْحَنَابِلَةُ - وَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْمُخْبِرِ عَلَى " زَيْدٍ " بِأَنَّ قَوْلَهُ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي تَرْوِيجِ قَوْلِهِ. وَأَمَّا إِذَا صَدَّقَهُ فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل عَلَى " زَيْدٍ " الْجُعْل الَّذِي سَمَّاهُ الْمُخْبِرُ فِي إِخْبَارِهِ عَنْهُ إِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً أَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِ الْعَامِل صِدْقُهُ - وَلَوْ كَانَ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا - لِتَرَجُّحِ طَمَاعِيَةِ الْعَامِل بِوُثُوقِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ غَيْرَ ثِقَةٍ فَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل عَلَيْهِ شَيْئًا، وَكَذَا لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَى " زَيْدٍ " أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ صَدَّقَ الْمُخْبِرَ فِي إِخْبَارِهِ لِضَعْفِ طَمَاعِيَةِ الْعَامِل بِخَبَرِ غَيْرِ الثِّقَةِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ رَدَّ الضَّالَّةَ غَيْرَ عَالِمٍ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَالْتِزَامِهِ (1) . وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. تَغْيِيرُ الْجَاعِل الْجُعْل بِالزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ أَوِ التَّبْدِيل وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ: 50 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْجَاعِل أَنْ يُغَيِّرَ فِي __________ (1) تحفة المحتاج 2 / 366، 367، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه 2 / 439، وحاشية البجيرمي على الخطيب 3 / 172، 173، ومغني المحتاج 2 / 429، 430، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج 3 / 219، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه 4 / 442، 443، والخرشي وحاشية العدوي عليه 7 / 76، وكشاف القناع 2 / 418. الْجُعْل الَّذِي شَرَطَهُ لِلْعَامِل - مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ بِتَغْيِيرِ جِنْسِهِ قَبْل فَرَاغِ الْعَامِل مِنَ الْعَمَل، سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل أَمْ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَقُول: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ عَشَرَةٌ، ثُمَّ يَقُول بَعْدَ ذَلِكَ: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ خَمْسَةٌ، أَوْ عَكْسُهُ. أَوْ يَقُول: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ دِينَارٌ، ثُمَّ يَقُول بَعْدَ ذَلِكَ: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ عَكْسُهُ. فَإِنْ عَلِمَ الْعَامِل بِذَلِكَ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل اعْتُبِرَ الإِْعْلاَنُ الأَْخِيرُ، وَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل الْجُعْل الَّذِي اشْتُرِطَ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَقَل مِنَ الأَْوَّل أَمْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَمْ لاَ - وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْعَامِل بِالإِْعْلاَنِ الأَْخِيرِ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، وَعَمِل جَاهِلاً بِذَلِكَ حَتَّى أَتَمَّ الْعَمَل، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ الإِْعْلاَنُ الأَْخِيرُ - بِزِيَادَةِ الْجُعْل أَوْ نُقْصَانِهِ - بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل وَقَبْل الْفَرَاغِ مِنْهُ، وَأَتَمَّ الْعَامِل الْعَمَل بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِهِ، وَقَدْ عَلِمَ بِالإِْعْلاَنِ الأَْوَّل أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أَيْضًا - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أُجْرَةُ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل، لأَِنَّ الإِْعْلاَنَ الأَْخِيرَ فَسْخٌ لِلأَْوَّل، وَالْفَسْخُ مِنَ الْجَاعِل أَثْنَاءَ الْعَمَل يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْل كَمَا سَيَأْتِي. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ لَهُ الْجُعْل الْمُسَمَّى وَالْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ كَامِلاً؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْجِعَالَةِ لاَزِمٌ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل لاَ يَجُوزُ لِلْجَاعِل تَغْيِيرُهُ أَوِ الرُّجُوعُ عَنْهُ. وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِهِمْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. 51 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ اشْتَرَكَ عَامِلاَنِ فِي الْعَمَل مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى تَمَامِهِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَعْمَل بِمُوجَبِ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الإِْعْلاَنِ الأَْوَّل، وَكَانَ الثَّانِي يَعْمَل بِمُوجَبِ الْجُعْل الْمُسَمَّى الَّذِي عَلِمَ بِهِ فِي الإِْعْلاَنِ الثَّانِي، فَالأَْوَّل يَسْتَحِقُّ نِصْفَ أُجْرَةِ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَسْتَحِقُّ نِصْفَ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الإِْعْلاَنِ الثَّانِي عَلَى الْقَوْل الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ. وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. زِيَادَةُ الْجَاعِل فِي الْعَمَل أَوْ نَقْصُهُ: 52 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ زَادَ الْجَاعِل فِي الْعَمَل بَعْدَ التَّعَاقُدِ أَوِ الإِْعْلاَنِ نَحْوُ أَنْ يَقُول: مَنْ بَنَى لِي بَيْتًا طُولُهُ عَشَرَةٌ، وَعَرْضُهُ عَشَرَةٌ، فَلَهُ كَذَا، ثُمَّ قَال بَعْدَ ذَلِكَ طُولُهُ عِشْرُونَ، وَعَرْضُهُ عِشْرُونَ، وَلَمْ يَرْضَ الْعَامِل بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَفَسَخَ الْعَقْدَ لِذَلِكَ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل لِمَا عَمِلَهُ، مَعَ أَنَّ الْفَسْخَ حَصَل مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْجَاعِل هُوَ الَّذِي أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ نَقَصَ الْجَاعِل مِنَ الْعَمَل لأَِنَّ النَّقْصَ فَسْخٌ مِنَ الْجَاعِل. وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يَجْرِي عَلَيْهِ التَّفْصِيل الْمَذْكُورُ فِي الْفِقْرَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي التَّصَرُّفِ بِالتَّغْيِيرِ فِيهِمَا قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل. أَمَّا التَّصَرُّفُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَلاَ أَثَرَ لَهُ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لأَِنَّ الْجُعْل قَدْ لَزِمَ الْجَاعِل وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِتَمَامِ الْعَمَل (1) . وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ (ف 25) . مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل عِنْدَ تَلَفِ الْجُعْل الْمُعَيَّنِ: 53 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَانَ الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ عَيْنًا مُعَيَّنَةً كَثَوْبٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُعَيَّنٍ، فَتَلِفَ بِيَدِ الْجَاعِل قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، وَعَلِمَ بِهَذَا الْعَامِل، فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَل وَسَلَّمَهُ لِلْجَاعِل. وَإِنْ جَهِلَهُ الْعَامِل أَوْ تَلِفَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، فَلِلْعَامِل أُجْرَةُ الْمِثْل، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ لِلْعَامِل مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا فَلَهُ قِيمَتُهُ، إِذَا أَتَمَّ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ (2) . وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِهِمْ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. __________ (1) نهاية المحتاج 4 / 348، 349، ومغني المحتاج 2 / 433، 434، وتحفة المحتاج 2 / 370، وأسنى المطالب 2 / 443، وحاشية البجيرمي على الخطيب 3 / 174، 175، وكشاف القناع 2 / 419. (2) حاشية الرملي على أسنى المطالب 2 / 441، وكشاف القناع 2 / 418. حَبْسُ الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ لاِسْتِيفَاءِ الْجُعْل: 54 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا رَدَّ الْعَامِل الشَّيْءَ الْمُتَعَاقَدَ عَلَى رَدِّهِ مِنْ ضَالَّةٍ، أَوْ عَبْدٍ آبِقٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا مِنَ الأَْعْمَال فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ - أَيْ مَنْعُهُ - عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ الْجُعْل؛ لأَِنَّ الْعَامِل إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْل بِتَسْلِيمِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَى رَدِّهِ لِلْجَاعِل، فَلاَ يَكُونُ لَهُ حَبْسُهُ قَبْل الاِسْتِحْقَاقِ. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا، وَزَادُوا عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّ الْعَامِل إِنْ حَبَسَ الْمَرْدُودَ عَنِ الْجَاعِل فَتَلِفَ بَعْدَ الْحَبْسِ ضَمِنَهُ (1) . قَدْرُ الْجُعْل الْمُسْتَحَقِّ شَرْطًا وَشَرْعًا: 55 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ مَتَى اسْتَكْمَلَتِ الْجِعَالَةُ شَرَائِطَهَا، فَقَدْرُ الْجُعْل الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل هُوَ الْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ لَهُ فِي الْعَقْدِ لاَ غَيْرُ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَقَل أَمْ أَكْثَرَ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَيْضًا رَدُّ الْعَبْدِ الآْبِقِ وَغَيْرُهُ مِنَ الأَْعْمَال (ر. ف / 31) . وَبِمِثْل ذَلِكَ قَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا فِي غَيْرِ رَدِّ الْعَبْدِ الآْبِقِ، وَكَذَا فِي رَدِّهِ أَيْضًا إِنْ كَانَ الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ أَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ فِي رَدِّهِ أَقَل مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ عِنْدَهُمْ. 56 - وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ __________ (1) أسنى المطالب 2 / 443، وكشاف القناع 2 / 418. الْعَامِل الْجُعْل فِي رَدِّ الآْبِقِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى اشْتِرَاطٍ سَابِقٍ مِنَ الْجَاعِل، بَل يَكُونُ لَهُ الْجُعْل بِالشَّرْعِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَشْرُوطُ أَقَل مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ تُلْغَى التَّسْمِيَةُ، وَلِلرَّادِّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ؛ لأَِنَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الشَّرْعُ شَيْئًا مُقَدَّرًا مِنَ الْمَال عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كَامِلاً بِوُجُودِ سَبَبِهِ. وَالْوَجْهُ الآْخَرُ أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ إِلاَّ الْمُسَمَّى، وَقَدْ قَدَّمَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ قَال فِي التَّنْقِيحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُنْتَهَى. وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي الْجُعْل الْمُقَدَّرِ شَرْعًا عِنْدَهُمْ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ رَدَّهُ مِنَ الْمِصْرِ (أَيِ الْبَلَدِ نَفْسِهِ) فَلَهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: (إِحْدَاهُمَا) يَلْزَمُهُ دِينَارٌ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى الرَّاجِحِ، لِمَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَل فِي جُعْل الآْبِقِ إِذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ دِينَارًا (1) . (وَالثَّانِيَةُ) - يَلْزَمُهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، لِقَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قِيل لَهُ __________ (1) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في جعل الآبق إذا جاء به خارجا من الحرم دينارا ". أورده ابن قدامة في المغني (6 / 97 - ط مكتبة القاهرة) ولم يعزه إلى أحد ثم قال: " هذا مرسل، وفيه مقال ". إِنَّ فُلاَنًا قَدْ أَتَى بِإِبَاقٍ مِنَ الْقَوْمِ فَقَال الْحَاضِرُونَ: لَقَدْ أَصَابَ أَجْرًا، فَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجُعْلاً، إِنْ شَاءَ مِنْ كُل رَأْسٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. وَلاَ فَرْقَ أَنْ يَزِيدَ الْجُعْل الْمُقَدَّرُ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ لاَ يَزِيدُ، لِعُمُومِ الدَّلِيل، وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ كَانَ الْجَاعِل قَدِ اشْتَرَطَهُ لَهُ. كَمَا لاَ فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ كَوْنِ مَنْ رَدَّهُ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الإِْبَاقِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّادُّ زَوْجًا لِلرَّقِيقِ الآْبِقِ، أَوْ ذَا رَحِمٍ يَعُولُهُ الْمَالِكُ أَمْ لاَ (1) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِبَاقٌ) . مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل فِي حَالَةِ فَسَادِ الْجُعْل: 57 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ لِلْعَامِل الْجَاهِل - بِأَنَّ الْجُعْل الْفَاسِدَ لاَ شَيْءَ فِيهِ - أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْجُعْل الْفَاسِدُ مِمَّا يُقْصَدُ وَيُرْغَبُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا لَوْ قَال الْجَاعِل: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثَوْبٌ، أَوْ دَابَّةٌ، أَوْ أُرْضِيهِ، أَوْ أُعْطِيهِ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِرَادِّهَا أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لِجَهَالَةِ الْجُعْل، أَوْ عَدَمِ مَالِيَّتِهِ، أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَكَذَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْل عَلَى الرَّاجِحِ لَوْ قَال الْجَاعِل: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ نِصْفُهَا مَثَلاً، وَقِيل: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل النِّصْفَ الْمَشْرُوطَ لَهُ إِنْ كَانَتِ الضَّالَّةُ مَعْلُومَةً. وَيُرَاعَى فِي تَقْدِيرِ أُجْرَةِ الْمِثْل الزَّمَانُ الَّذِي __________ (1) كشاف القناع 4 / 203. حَصَل فِيهِ كُل الْعَمَل، لاَ الزَّمَانُ الَّذِي حَصَل فِيهِ التَّسْلِيمُ فَقَطْ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ لاَ يُقْصَدُ التَّعَاقُدُ عَلَيْهِ، وَلاَ يُرْغَبُ فِيهِ عَادَةً كَالدَّمِ وَالتُّرَابِ، فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ لِلْعَامِل وَإِنْ جَهِل أَنَّهُ لاَ شَيْءَ فِيهِ؛ لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يُطْمِعْهُ فِي شَيْءٍ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِي غَيْرِ رَدِّ الْعَبْدِ الآْبِقِ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. 58 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ لِلْعَامِل جُعْل مِثْلِهِ - عَلَى الرَّاجِحِ - إِنْ أَتَمَّ الْعَمَل الْمُتَعَاقَدَ عَلَيْهِ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ إِنْ لَمْ يُتِمُّهُ؛ لأَِنَّ الْجُعْل أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ، فَيُرَدُّ الْفَاسِدُ مِنْهُ إِلَى صَحِيحِهِ، إِلاَّ أَنْ تَقَعَ الْجِعَالَةُ الْفَاسِدَةُ بِجُعْلٍ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَتَمَّ الْعَمَل أَمْ لَمْ يُتِمُّهُ، كَأَنْ يَقُول الْجَاعِل: إِنْ أَتَيْتَنِي بِضَالَّتِي فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِهَا فَلَكَ كَذَا، فَلِلْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، أَتَى بِهَا، أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهَا؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ قَدْ خَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ الْجِعَالَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ الْجُعْل فِيهَا بِتَمَامِ الْعَمَل، وَمَتَى خَرَجَ عَنْ حَقِيقَتِهِ كَانَ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْل. وَالْفَرْقُ بَيْنَ جُعْل الْمِثْل وَأُجْرَةِ الْمِثْل، أَنَّ أُجْرَةَ الْمِثْل يَسْتَحِقُّهَا الْعَامِل سَوَاءٌ أَتَمَّ الْعَمَل أَمْ لاَ. أَمَّا جُعْل الْمِثْل فَلاَ يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل إِلاَّ إِذَا أَتَمَّ الْعَمَل، فَقَبْلَهُ لاَ شَيْءَ لَهُ (1) . اخْتِلاَفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَتَنَازُعُهُمَا: أ - فِي سَمَاعِ الإِْذْنِ بِالْعَمَل أَوِ الْعِلْمِ بِهِ: 59 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَ الْجَاعِل وَالْعَامِل فِي بُلُوغِ الإِْعْلاَنِ بِطَلَبِ الْعَمَل لِلْعَامِل أَوْ سَمَاعِهِ لَهُ، بِأَنِ ادَّعَى الْعَامِل: أَنَّهُ سَمِعَ الْجَاعِل يَقُول: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ كَذَا، وَقَال الْجَاعِل: بَل أَتَيْتَ بِهَا دُونَ أَنْ تَسْمَعَ شَيْئًا، فَالْقَوْل قَوْل الْعَامِل بِيَمِينِهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْقَوْل قَوْل الْجَاعِل بِلاَ يَمِينٍ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْعَامِل، فَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ طَلَبُ الضَّوَال وَرَدُّهَا بِعِوَضٍ فَلَهُ جُعْل مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ ذَلِكَ، فَلاَ شَيْءَ لَهُ سِوَى النَّفَقَةِ فَقَطْ. ب - اشْتِرَاطُ الْجُعْل فِي الْعَقْدِ: 60 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي اشْتِرَاطِ الْجُعْل وَتَسْمِيَتِهِ فِي الْعَقْدِ، فَقَال الْعَامِل لِلْجَاعِل: شَرَطْتَ لِي جُعْلاً، وَأَنْكَرَ الْجَاعِل __________ (1) تحفة المحتاج 2 / 368، وحاشية البجيرمي على المنهج 3 / 219، وأسنى المطالب 2 / 441، ومغني المحتاج 431، ونهاية المحتاج 4 / 345، ومنح الجليل 4 / 10، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 2 / 257، 258، والخرشي وحاشية العدوي عليه 7 / 76، وكشاف القناع 3 / 419. الْتِزَامَهُ لَهُ، فَالْقَوْل قَوْل الْجَاعِل بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَتُهُ وَعَدَمُ الاِشْتِرَاطِ، وَعَلَى الْعَامِل الْبَيِّنَةُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ. ج - فِي وُقُوعِ الْعَمَل مِنَ الْعَامِل: 61 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي وُقُوعِ الْعَمَل مِنَ الْعَامِل كَرَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلاً، فَقَال: الْعَامِل: أَنَا رَدَدْتُهَا، وَقَال الْجَاعِل: بَل رَدَّهَا غَيْرُكَ، أَوِ اخْتَلَفَا فِي سَعْيِ الْعَامِل لِتَحْصِيل الضَّالَّةِ، فَقَال الْجَاعِل لِلْعَامِل: لَمْ تَسْعَ فِي تَحْصِيلِهَا وَرَدِّهَا بَل رَجَعَتْ بِنَفْسِهَا، فَالْقَوْل قَوْل الْجَاعِل بِيَمِينِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ. وَكَذَا الْقَوْل لِلْجَاعِل بِيَمِينِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنِ اخْتَلَفَ الْعَامِل وَالْعَبْدُ الآْبِقُ الْمَرْدُودُ، فَقَال الْعَامِل: أَنَا رَدَدْتُهُ، وَقَال الْعَبْدُ: جِئْتُ بِنَفْسِي، وَصَدَّقَهُ مَوْلاَهُ. د - فِي قَدْرِ الْجُعْل، وَجِنْسِهِ وَصِفَتِهِ: 62 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل وَتَسْلِيمِهِ لِلْجَاعِل فِي قَدْرِ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ، هَل هُوَ دِينَارٌ، أَوْ دِينَارَانِ، أَوْ فِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل مِنْهُ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ أَوْ صِفَتِهِ هَل هُوَ دَرَاهِمُ، أَوْ دَنَانِيرُ، أَوْ عُرُوضٌ؟ فَالْحُكْمُ فِي كُل هَذَا أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ - أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ قَوْل صَاحِبِهِ وَإِثْبَاتِ قَوْلِهِ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، فَيَنْفِي مَا يُنْكِرُهُ وَيُثْبِتُ مَا يَدَّعِيهِ وَيَحْلِفُ الْجَاعِل أَوَّلاً عَلَى الرَّاجِحِ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ بِالتَّحَالُفِ، وَيَجِبُ لِلْعَامِل أُجْرَةُ الْمِثْل. وَكَذَلِكَ يَتَحَالَفَانِ وَيَجِبُ لِلْعَامِل أُجْرَةُ الْمِثْل إِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل، وَقَبْل الْفَرَاغِ مِنْهُ، وَكَانَ يَجِبُ لَهُ بِنِسْبَةِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ، أَمَّا إِنِ اخْتَلَفَا قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل فَلاَ تَحَالُفَ؛ لأَِنَّ الْعَامِل لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا كَمَا سَيَأْتِي. وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْجَاعِل بِيَمِينِهِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْقَدْرِ الزَّائِدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَدَّعِ أَحَدُهُمَا مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ جُعْلاً مُنَاسِبًا لِذَلِكَ الْعَمَل، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَجِبُ لِلْعَامِل جُعْل مِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ لَهُ جُعْل مِثْلِهِ إِنِ امْتَنَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ، أَمَّا إِنِ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، فَيَقْضِي الْقَاضِي لِمَنْ حَلَفَ بِمَا يَدَّعِيهِ. وَأَمَّا إِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا فَقَطْ، مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ جُعْلاً مُنَاسِبًا، فَالْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ. وَإِنِ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ جُعْلاً مُنَاسِبًا لِلْعَمَل، فَالرَّاجِحُ أَنَّ الْقَوْل لِمَنْ كَانَ الْمَال الْمَرْدُودُ فِي حَوْزِهِ وَتَحْتَ يَدِهِ مِنْهُمَا، وَقِيل: الْقَوْل قَوْل الْجَاعِل؛ لأَِنَّهُ الْغَارِمُ وَالدَّافِعُ لِلْجُعْل. فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَال فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، بِأَنْ كَانَ فِي يَدِ أَمِينٍ، فَالرَّاجِحُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَجِبُ لِلْعَامِل جُعْل مِثْلِهِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الأُْولَى. هـ - فِي قَدْرِ الْعَمَل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ: 63 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْعَمَل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ وَالَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَامِل إِنْجَازُهُ كُلُّهُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ كُل الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، نَحْوُ أَنْ يَقُول الْجَاعِل: شَرَطْتُ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى رَدِّ ضَالَّتَيْنِ مَثَلاً، وَيَقُول الْعَامِل: بَل عَلَى رَدِّ هَذِهِ الَّتِي جِئْتُكَ بِهَا فَقَطْ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ، وَيَجِبُ لِلْعَامِل أُجْرَةُ الْمِثْل. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ بِأَنْ قَال الْجَاعِل: جَعَلْتُ ذَلِكَ لِمَنْ رَدَّ الضَّالَّةَ مِنْ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ، وَقَال الْعَامِل: بَل مِنْ سِتَّةٍ فَقَطْ، فَالْقَوْل قَوْل الْجَاعِل لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالأَْصْل بَرَاءَتُهُ مِمَّا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي الْعِلْمِ بِمَكَانِ الْمَال الضَّائِعِ، فَالْقَوْل قَوْل مَنِ ادَّعَى عَدَمَ الْعِلْمِ مِنَ الْجَاعِل أَوِ الْعَامِل، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ لاِسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل فِي رَدِّ الْمَال الضَّائِعِ: أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ جَاعِلاً مَكَانَهُ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ. و فِي نَوْعِ الْعَمَل وَعَيْنِ الْمَرْدُودِ: 64 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الضَّالَّةِ الْمَرْدُودَةِ مَثَلاً، فَقَال الْجَاعِل: شَرَطْتُ الْجُعْل فِي رَدِّ غَيْرِهَا، وَقَال الْعَامِل: بَل شَرَطْتُهُ فِي رَدِّهَا، فَالْقَوْل قَوْل الْجَاعِل، لأَِنَّ الْعَامِل يَدَّعِي عَلَيْهِ شَرْطَ الْجُعْل فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَالْجَاعِل يُنْكِرُهُ، وَالأَْصْل عَدَمُ الشَّرْطِ فَكَانَ الْقَوْل فِيهِ قَوْلَهُ. اخْتِلاَفُ الْعَامِل وَالْمُشَارِكِ لَهُ: 65 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَ الْعَامِل وَالْمُشَارِكُ لَهُ فِي الْعَمَل، فَقَال الْعَامِل لِلْمُشَارِكِ: لَقَدْ قَصَدْتُ أَنْ تُعَاوِنَنِي بِعَمَلِكَ مَعِي، فَيَكُونُ كُل الْجُعْل لِي، وَقَال الْمُشَارِكُ: بَل قَصَدْتُ أَنْ أَعْمَل لِنَفْسِي وَيَكُونُ لِي نَصِيبِي مِنَ الْجُعْل، فَالْقَوْل قَوْل الْعَامِل إِنْ صَدَّقَهُ الْجَاعِل، وَيَكُونُ لَهُ كُل الْجُعْل، فَإِنْ كَذَّبَهُ حَلَفَ الْجَاعِل، وَلَزِمَهُ نِصْفُ الْجُعْل لِلْعَامِل، وَلاَ شَيْءَ لِلْمُشَارِكِ بِحَالٍ عَلَى مَا سَبَقَ (1) . وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. __________ (1) حاشية البجيرمي على شرح المنهج 3 / 222، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه 2 / 441، 443، وتحفة المحتاج 2 / 370، والأنوار 1 / 419، والمهذب 1 / 412، ومغني المحتاج 2 / 95، 434، وحاشية القليوبي على شرح المحلي للمنهاج 3 / 134، والخرشي وحاشية العدوي عليه 7 / 71، 74، 75، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 4 / 66، 67، والمغني 6 / 354، 355، وكشاف القناع 2 / 419. انْحِلاَل عَقْدِ الْجِعَالَةِ: أَوَّلاً - فَسْخُهُ وَأَسْبَابُهُ: 66 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنَ الْجَاعِل وَالْعَامِل أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الْجِعَالَةِ قَبْل شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل، وَكَذَا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل قَبْل تَمَامِهِ؛ لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ قَبْل تَمَامِ الْعَمَل عَلَى مَا سَبَقَ. وَصُورَةُ الْفَسْخِ مِنَ الْجَاعِل أَنْ يَقُول: فَسَخْتُ الْعَقْدَ، أَوْ رَدَدْتُهُ، أَوْ أَبْطَلْتُهُ، أَوْ رَجَعْتُ فِيهِ، أَوْ أَبْطَلْتُ إِعْلاَنِي، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَصُورَتُهُ مِنَ الْعَامِل أَنْ يَقُول: فَسَخْتُ الْعَقْدَ، أَوْ رَدَدْتُهُ، أَوْ أَبْطَلْتُهُ، وَالْمُرَادُ بِفَسْخِ الْعَامِل رَدُّ الْعَقْدِ، لِمَا سَبَقَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لَفْظًا، فَيُؤَوَّل الْفَسْخُ فِي حَقِّهِ إِلَى هَذَا. وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْفَسْخُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل مِنَ الْعَامِل الْمُعَيَّنِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ الْفَسْخُ مِنْهُ إِلاَّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل؛ لأَِنَّهُ إِذَا قَال الْجَاعِل: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ كَذَا فَهُوَ تَعْلِيقٌ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِالْعَمَل، فَلَوْ قَال شَخْصٌ رَدًّا عَلَى ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَعْمَل شَيْئًا: فَسَخْتُ الْجِعَالَةَ، لَغَا قَوْلُهُ، إِذْ لاَ عَقْدَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُفْسَخَ. وَأَمَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل فَلاَ أَثَرَ لِلْفَسْخِ حِينَئِذٍ؛ لأَِنَّ الْجُعْل قَدْ لَزِمَ الْجَاعِل، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَلاَ يُرْفَعُ. وَبِمِثْلِهِ أَيْضًا قَال الْمَالِكِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَامِل سَوَاءٌ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل أَمْ بَعْدَهُ، وَالْجَاعِل قَبْل شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ. وَأَمَّا بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل فَلَيْسَ لِلْجَاعِل أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الْجِعَالَةِ - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْعَمَل الَّذِي شَرَعَ فِيهِ الْعَامِل قَلِيلاً لاَ أَهَمِّيَّةَ وَلاَ قِيمَةَ لَهُ، لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَزِمٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل عَلَى مَا سَبَقَ (1) . ثَانِيًا - انْفِسَاخُهُ وَأَسْبَابُهُ: 67 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: تَنْفَسِخُ الْجِعَالَةُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَجُنُونِهِ جُنُونًا مُطْبِقًا وَإِغْمَائِهِ. وَالرَّاجِحُ أَنَّ الاِنْفِسَاخَ بِالْجُنُونِ يَخْتَصُّ بِالْعَامِل الْمُعَيَّنِ، لِعَدَمِ ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ بِالْعَامِل غَيْرِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي عَلِمَ بِإِعْلاَنِ الْجَاعِل، فَلَوْ طَرَأَ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ جُنُونٌ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَكَانَ الْعَامِل غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ أَتَمَّ الْعَمَل، وَسَلَّمَهُ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ مِنْ جُنُونِهِ أَوْ قَبْلَهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، إِذْ لاَ مَعْنَى لاِنْفِسَاخِ الْعَقْدِ بِحَنُونِهِ مَعَ عَدَمِ ارْتِبَاطِهِ وَاخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَالرَّاجِحُ مِنَ الأَْقْوَال عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهَا لاَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِلاَّ قَبْل شُرُوعِ __________ (1) تحفة المحتاج 2 / 369، 370، وحاشية البجيرمي على الخطيب 3 / 172، وأسنى المطالب 2 / 443، ومغني المحتاج 2 / 433، وحاشية القليوبي على شرح المحلي للمنهاج 3 / 133، والحطاب والتاج والإكليل 5 / 455، والمقدمات 2 / 307، 308، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 4 / 68، وكشاف القناع 2 / 419. الْعَامِل فِي الْعَمَل، أَمَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل فَلاَ تَنْفَسِخُ بِهِ، وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ وَرَثَةَ كُلٍّ مِنَ الْجَاعِل وَالْعَامِل، فَلاَ يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْجَاعِل أَنْ يَمْنَعُوا الْعَامِل مِنَ الْعَمَل، وَلاَ يَكُونُ لِلْجَاعِل - إِنْ مَاتَ الْعَامِل - أَنْ يَمْنَعَ وَرَثَتَهُ مِنَ الْعَمَل إِنْ كَانُوا أُمَنَاءَ. وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. ثَالِثًا - النَّتَائِجُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى فَسْخِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ: قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل: 68 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ شَيْءَ لِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ الَّذِي سَبَقَ قَبُولُهُ لِعَقْدِ الْجِعَالَةِ إِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل، لأَِنَّهُ لَمْ يَعْمَل شَيْئًا وَكَذَلِكَ لاَ شَيْءَ لَهُ إِنْ فَسَخَ الْجَاعِل الْعَقْدَ، وَعَلِمَ بِفَسْخِهِ الْعَامِل الْمُعَيَّنُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، أَوْ أَعْلَنَ الْجَاعِل فَسْخَ الْعَقْدِ وَأَشَاعَهُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل إِذَا كَانَ الْعَامِل غَيْرَ مُعَيَّنٍ. وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْجِعَالَةِ عَدَا مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ لِلْحَنَابِلَةِ فِي رَدِّ الْعَبْدِ الآْبِقِ، وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِيمَنِ اعْتَادَ أَدَاءَ مِثْل ذَلِكَ الْعَمَل بِعِوَضٍ. بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل: 69 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ فَسَخَ الْعَامِل - مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - عَقْدَ الْجِعَالَةِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل فَلاَ شَيْءَ لَهُ؛ لأَِنَّ الْجُعْل إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ لِلْعَامِل بِتَمَامِ الْعَمَل، وَقَدْ فَوَّتَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَمْ يَحْصُل لِلْجَاعِل مَا أَرَادَهُ مِنَ الْعَقْدِ، وَسَوَاءٌ أَوَقَعَ الْبَعْضُ الَّذِي عَمِلَهُ مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل كَبَعْضِ حَائِطٍ بَنَاهُ الْعَامِل - أَمْ لَمْ يَقَعْ مُسَلَّمًا لَهُ كَتَفْتِيشِ الْعَامِل عَلَى الْمَال الضَّائِعِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَى رَدِّهِ. وَبِمِثْلِهِ أَيْضًا قَال الْمَالِكِيَّةُ، فِيمَا عَدَا مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْجِعَالَةِ عِنْدَهُمْ فِي كُل عَمَلٍ يَكُونُ لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ قَبْل تَمَامِهِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَا لَوْ زَادَ الْجَاعِل فِي الْعَمَل وَلَمْ يَرْضَ الْعَامِل بِالزِّيَادَةِ فَفَسَخَ لِذَلِكَ، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. 70 - أَمَّا إِنْ فَسَخَ الْجَاعِل الْعَقْدَ بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ - لِلْعَامِل فِيمَا عَمِل - أُجْرَةُ الْمِثْل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ عَدَمَ لُزُومِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلْجَاعِل حَقُّ فَسْخِهِ، وَإِذَا فُسِخَ لَمْ يَجِبِ الْمُسَمَّى كَسَائِرِ الْفُسُوخِ، إِلاَّ أَنَّ عَمَل الْعَامِل وَقَعَ مُقَوَّمًا فَلاَ يَضِيعُ عَلَيْهِ بِفَسْخِ غَيْرِهِ، فَيَرْجِعُ إِلَى بَدَلِهِ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْل، وَلاَ يَجُوزُ لِلْعَامِل أَنْ يُطَالِبَ بِنِسْبَةِ مَا عَمِل مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ؛ لاِرْتِفَاعِ الْعَقْدِ بِالْفَسْخِ؛ وَلأَِنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْل الْمُسَمَّى بِالْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل فَكَذَا بَعْضُهُ. وَلاَ فَرْقَ فِي وُجُوبِ أُجْرَةِ الْمِثْل بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا صَدَرَ مِنَ الْعَامِل لاَ يَحْصُل بِهِ مَقْصُودُ الْجَاعِل أَصْلاً كَرَدِّ الضَّالَّةِ إِلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ أَوْ يَحْصُل بِهِ بَعْضُ مَقْصُودِهِ، كَمَا لَوْ قَال الْجَاعِل: إِنْ عَلَّمْتَ ابْنِي الْقُرْآنَ فَلَكَ كَذَا، فَعَلَّمَهُ بَعْضَهُ ثُمَّ مَنَعَهُ الْجَاعِل مِنْ تَعْلِيمِهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ لِلْجَاعِل أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، فَإِنْ فَسَخَهُ فَلاَ أَثَرَ لِفَسْخِهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَزِمٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ حِينَئِذٍ، فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل - مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - الْجُعْل الْمُسَمَّى بِشَرِيطَةِ أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل. وَلَوْ فَسَخَ الْعَقْدَ الْعَامِل وَالْجَاعِل مَعًا فَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل لِشَيْءٍ مِنَ الأُْجْرَةِ أَوِ الْجُعْل الْمُسَمَّى لاِجْتِمَاعِ الْمُقْتَضِي لِلاِسْتِحْقَاقِ وَهُوَ فَسْخُ الْجَاعِل، وَالْمَانِعِ مِنْهُ وَهُوَ فَسْخُ الْعَامِل، فَيَرْجِعُ الْمَانِعُ (1) . وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الأَْخِيرَةِ. مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فَسْخِ الْعَقْدِ بِعِتْقِ الْعَبْدِ الآْبِقِ: 71 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَعْتَقَ الْجَاعِل عَبْدَهُ __________ (1) تحفة المحتاج 2 / 369، 370، وأسنى المطالب 2 / 442، ونهاية المحتاج 4 / 348، 349، ومغني المحتاج 2 / 433، وحاشية القليوبي على شرح المحلي للمنهاج 3 / 133، والخرشي 7 / 76، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 2 / 257، والمقدمات 2 / 307، وكشاف القناع 2 / 419. الآْبِقَ قَبْل رَدِّ الْعَامِل لَهُ، فَالرَّاجِحُ أَنَّ لِلْعَامِل أُجْرَةَ الْمِثْل تَنْزِيلاً لإِِعْتَاقِهِ مَنْزِلَةَ فَسْخِهِ. وَقَال ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ قَبْل أَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهِ الْعَامِل، فَلاَ شَيْءَ لَهُ إِنْ عَثَرَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَعَلِمَ بِعِتْقِهِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ. أَمَّا إِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ أَنْ عَثَرَ عَلَيْهِ الْعَامِل فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ إِنْ كَانَ، أَوْ جُعْل مِثْلِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اشْتِرَاطٌ وَكَانَ الْعَامِل مُعْتَادًا لِذَلِكَ الْعَمَل بِعِوَضٍ. فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ أَوِ الْجَاعِل فَقِيرًا فَالْجُعْل فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ لأَِنَّهُ بِعُثُورِهِ عَلَيْهِ وَجَبَ لَهُ الْجُعْل. وَالرَّاجِحُ أَنَّ هِبَةَ الْعَبْدِ الآْبِقِ كَعِتْقِهِ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ النَّفَقَةَ الَّتِي أَنْفَقَهَا عَلَى الآْبِقِ فَقَطْ؛ لأَِنَّ الْعَتِيقَ لاَ يُسَمَّى آبِقًا. مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى انْفِسَاخِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ: 72 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ مَاتَ الْجَاعِل بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل، فَإِنْ مَضَى الْعَامِل فِي الْعَمَل وَأَتَمَّهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى وَرَثَةِ الْجَاعِل، وَجَبَ لَهُ بِنِسْبَةِ مَا عَمِلَهُ فِي حَيَاةِ الْجَاعِل مِنَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ فِيمَا عَمِلَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْجَاعِل؛ لِعَدَمِ الْتِزَامِ الْوَرَثَةِ لَهُ بِشَيْءٍ وَسَوَاءٌ أَعَلِمَ الْعَامِل بِمَوْتِ الْجَاعِل أَمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ. وَإِنْ مَاتَ الْعَامِل الْمُعَيَّنُ فَأَتَمَّ وَارِثُهُ الْعَمَل الْمُتَعَاقَدَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْجَاعِل اسْتَحَقَّ بِنِسْبَةِ مَا عَمِلَهُ مُورِّثُهُ قَبْل مَوْتِهِ مِنَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ أَيْضًا، أَمَّا إِنْ كَانَ الْعَامِل الْمَيِّتُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَأَتَمَّ وَارِثُهُ أَوْ غَيْرُهُ الْعَمَل فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِنْفِسَاخِ بِالْمَوْتِ حَيْثُ يَجِبُ لِلْعَامِل مَا ذُكِرَ، وَبَيْنَ الْفَسْخِ حَيْثُ يَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل، أَنَّ الْجَاعِل فِي الْمَوْتِ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي إِسْقَاطِ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ، وَالْعَامِل تَمَّمَ الْعَمَل بَعْدَ الاِنْفِسَاخِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْجَاعِل مِنْهُ بِخِلاَفِ الْفَسْخِ، وَلأَِنَّ الْفَسْخَ أَقْوَى مِنَ الاِنْفِسَاخِ، لأَِنَّهُ كَإِعْدَامٍ لِلْعَقْدِ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ آثَارٍ فَيُرْجَعُ لِبَدَلِهِ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْل، أَمَّا الاِنْفِسَاخُ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ صَارَ الْعَقْدُ كَأَنَّهُ لَمْ يُرْفَعْ، فَوَجَبَتْ نِسْبَةُ الْعَمَل مِنَ الْجُعْل. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل فِي حَالَةِ مَا إِذَا مَاتَ الْجَاعِل، وَكَذَا وَارِثُ الْعَامِل فِي حَالَةِ مَوْتِ الْعَامِل كُل الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنَ الأَْقْوَال إِنْ أَتَمَّ الْعَمَل وَسَلَّمَهُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ مَاتَ الْجَاعِل قَبْل تَسَلُّمِهِ الْعَبْدَ الآْبِقَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل جُعْلُهُ الْمُقَدَّرُ شَرْعًا يَأْخُذُهُ مِنْ تَرِكَةِ سَيِّدِهِ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالدُّيُونِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْتُ سَيِّدِ الْعَبْدِ سَبَبًا فِي عِتْقِهِ، فَإِنْ كَانَ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ (1) ، وَأُمِّ الْوَلَدِ (2) فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل؛ لأَِنَّ الْعَمَل لَمْ يَتِمَّ، إِذِ الْعَتِيقُ لاَ يُسَمَّى آبِقًا. وَكَذَلِكَ لاَ شَيْءَ لَهُ فِي غَيْرِ الْعَبْدِ الآْبِقِ مِنَ الأَْمْوَال الْمَرْدُودَةِ إِنْ مَاتَ الْجَاعِل قَبْل تَسَلُّمِهَا، وَتَكُونُ لَهُ النَّفَقَةُ فَقَطْ يَأْخُذُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ (3) . حُكْمُ عَمَل الْعَامِل بَعْدَ الْفَسْخِ: 73 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَمِل الْعَامِل بَعْدَ فَسْخِ الْجَاعِل لِلْعَقْدِ عَالِمًا بِهِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ جَاهِلاً بِهِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلاَ يُنَافِي هَذَا مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل أُجْرَةَ الْمِثْل، إِنْ غَيَّرَ الْجَاعِل الْعَقْدَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ؛ لأَِنَّ الَّذِي مَعَنَا فِيمَا إِذَا فَسَخَ الْجَاعِل بِلاَ بَدَلٍ بِخِلاَفِ مَا سَبَقَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل الْجُعْل __________ (1) المدبر: هو العبد الذي تعلقت حريته بموت سيده ولتفصيل أحكامه (ر: تدبير) . (2) أم الولد: هي الأمة إذا ولدت من سيدها فتعتق بموته، ولتفصيل أحكامها (ر: استيلاد) . (3) أسنى المطالب 2 / 442، 443، وحاشية البجيرمي على المنهج 3 / 221، وحاشية القليوبي على شرح المحلي للمنهاج 3 / 433، والحطاب 5 / 452، والخرشي وحاشية العدوي عليه 7 / 73، والمقدمات 2 / 308، وكشاف القناع وشرح المنتهى بهامشه 2 / 420، 447. الْمُسَمَّى إِنْ أَتَمَّ الْعَمَل، سَوَاءٌ أَكَانَ عَالِمًا بِالْفَسْخِ أَمْ لاَ، وَلاَ عِبْرَةَ بِفَسْخِ الْجَاعِل مَا دَامَ قَدْ حَدَثَ بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل (1) . __________ (1) نهاية المحتاج 4 / 348، ومغني المحتاج 2 / 434، وأسنى المطالب 2 / 443، والمقدمات 2 / 307، والخرشي 7 / 76، وكشاف لقناع 2 / 419. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
21 - الجعالة
• * صفة الجعالة:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* صفة الجعالة:
أن يقول الإنسان مثلاً: من بنى لي هذا الجدار، أو خاط هذا الثوب، أو رَدَّ هذا الفرس فله كذا مالاً، فمن فعله استحق الجعل. * يجوز فسخ الجعالة، فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئاً. وإن كان الفسخ من الجاعل: فإن كان قبل الشروع في العمل لم يستحق العامل شيئاً. وإن كان بعده فللعامل أجرة عمله. * من رد لقطة أو ضالة أو نحوهما من غير جعل لم يستحق عوضاً، ويستحب إعطاؤه ما تيسر. * من استنقذ مال غيره من الهلكة ورده إلى صاحبه استحق أجرة المثل ولو بغير شرط. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
12 - الجعالة
- الجعالة: هي جَعْل مال معلوم لمن يعمل له عملاً مباحاً. مثل أن يقول: من رد ضالتي فله مائة ريال، أو من بنى هذا الجدار فله خمسون ريالاً. والجعالة التزام من جانب واحد، فهي عقد جائز. - حكمة مشروعية الجعالة: قد يفقد الإنسان ماله أو دابته أو سيارته، ويكون عاجزاً عن معرفة مكانها، أو البحث عنها، فأباح الشرع له أن يبذل شيئاً من المال لمن يرد عليه ضالته، أو يقضي له حاجته. - حكم الجعالة: الجعالة من العقود الجائزة التي يجوز لأحد المتعاقدين فسخها، ويجوز أن تكون على عمل معلوم كبناء حائط، أو مجهول كحفر بئر ماء ونحو ذلك، وتجوز في مدة معلومة، أو مجهولة. 1 - قال الله تعالى: {{قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)}} [يوسف:72]. 2 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَل مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْرَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعاً مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، |