معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
حَشَر نَفْسَهالجذر: ح ش ر
مثال: حَشَرَ نفسَه في أمور غيرهالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لشيوع الكلمة على ألسنة العامة. المعنى: أقحمها الصواب والرتبة: -حَشَرَ نفسَه في أمور غيره [صحيحة] التعليق: معنى «حشر»: جمع وساق إلى جهة، وهناك علاقة بين هذا المعنى ومعنى «أقحم» لأن الإقحام في أصله جَمْع، وبذلك يصح المعنى الجديد على المجاز. وقد أورد كل من تكملة المعاجم والأساسي التعبير المرفوض. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
يَوم البَث والحَشر والنَّشر والفَصل والدين والعَرص والجَمع: يومُ القيامة وهو يومٌ يبعث الله تعالى الموتى من القبور والأجداث فيجمعهم ويحشرهم للفصل والحساب والجزاء، اللَّهُمَّ أعِذْنا من أهوال يوم القيامة وأجِرْنا من النار.
|
مقاييس اللغة لابن فارس
|
(حَشَرَ)الْحَاءُ وَالشِّينُ وَالرَّاءُ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَفِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، وَهُوَ السُّوقُ وَالْبَعْثُ وَالِانْبِعَاثُ.
وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: الْحَشْرُ الْجَمْعُ مَعَ سَوْقٍ، وَكُلُّ جَمْعٍ حَشْرٌ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَشَرَتْ مَالَ مَالَ مَالَ بَنِي فُلَانٍ السَّنَةُ كَأَنَّهَا جَمَعَتْهُ، ذَهَبَتْ بِهِ وَأَتَتْ عَلَيْهِ. قَالَ رُؤْبَةُ: وَمَا نَجَا مِنْ حَشْرِهَا الْمَحْشُوشِ...وَحْشٌ وَلَا طَمْشٌ مِنَ الطُّمُوشِ وَيُقَالُ أُذُنٌ حَشْرَةٌ، إِذَا كَانَتْ مُجْتَمِعَةَ الْخَلْقِ. قَالَ: لَهَا أُذُنٌ حَشْرَةٌ مَشْرَةٌ...كَإِعْلِيطِ مَرْخٍ إِذَا مَا صَفِرْوَمِنْ أَسْمَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " الْحَاشِرُ "، مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيْهِ، كَأَنَّهُ يَقْدُمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُمْ خَلْفَهُ. وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ لَمَّا كَانَ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ حُشِرَ النَّاسُ فِي زَمَانِهِ. وَحَشَرَاتُ الْأَرْضِ: دَوَابُّهَا الصِّغَارُ، كَالْيَرَابِيعِ وَالضِّبَابِ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهَا وَانْسِيَاقِهَا وَانْبِعَاثِهَا. وَالْحَشْوَرُ مِنَ الرِّجَالِ: الْعَظِيمُ الْخَلْقِ أَوِ الْبَطْنِ. وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْأَصْلِ قَوْلُهُمْ لِلرَّجُلِ الْخَفِيفِ حَشْرٌ. وَالْحَشْرُ مِنَ الْقُذَذِ: مَا لَطُفَ. وَسِنَانٌ حَشْرٌ، أَيْ دَقِيقٌ ; وَقَدْ حَشَرْتُهُ. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
والوسط: الخيار والعدول، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونيّاتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرّسل على أممهم يوم القيامة، واللَّه تعالى يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه، ولهذا نوّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم، لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلّي عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم، والشّاهد المقبول عند اللَّه هو الّذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستندا إلى علمه به، كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ (1) ] [ (2) ] .
وقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ (3) ] . ويدخل في الخطاب الصَّحابيّ من باب أولى، فلقد شهد بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر. وقال تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ (4) ] . فأخبر تعالى أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من «اجتبى الشّيء يجتبيه» ، إذا ضمّه إليه وحازه إلى نفسه، فهم المجتبون الّذين اجتباهم اللَّه إليه وجعلهم أهله وخاصّته وصفوته من خلقه بعد النّبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حقّ جهاده ويبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمحبّة والعبوديّة، ويختاروه وحده إلها معبودا محبوبا على كل ما سواه، كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الّذي يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم، فيؤثرونه في كل حال على من سواه كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحبّاءه، وآثرهم بذلك على من سواهم، ثم أخبرهم تعالى أنّه يسّر عليهم دينه غاية التّيسير، ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتّة لكمال محبَّته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملّة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم، وهي إفراده تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحبّ والخوف والرّجاء والتوكّل والإنابة والتفويض والاستسلام، فيكون تعلّق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على النّاس، فيكون مشهودا لهم بشهادة الرّسول، شاهدين على الأمم بقيام حجّة اللَّه عليهم [ (5) ] . وقال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [ (6) ] . قال ابن عبّاس: أصحاب محمد ﷺ اصطفاهم اللَّه لنبيه عليه السّلام [ (7) ] . تلك آيات عظيمة نزلت من عند المولى عزّ وجلّ تشهد بفضل وعدالة جميع أصحاب النّبي ﷺ الّذين كانوا معه في المواقف الحاسمة في تاريخ الدّعوة الإسلامية ابتداء من دار الأرقم بن أبي الأرقم، وانتهاء بفتح المدائن. فمن الأمور القطعيّة الثبوت والدّلالة أن عدالة أصحاب سيدنا رسول اللَّه ﷺ جاءت من فوق سبعة أرقعة، فلا يتصور لإنسان مهما أوتي من علم ومعرفة أن يطعن في صحابة رسول اللَّه ﷺ بعد شهادة اللَّه عز وجل لهم!! وهذا سنفرد له كلمة عن الحديث عن سيدنا «أبي هريرة» رضي اللَّه تعالى عنه. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [ (8) ] . وأمّا السّنّة: وفي نصوص السّنّة النبويّة المشرّفة الشّاهدة بذلك كثرة منها: عن أبي سعيد عن النّبي- عليه السّلام- قال: «لا تسبّوا أصحابي، فو الّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» [ (9) ] . وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الحديبيّة والفتح، فإذا كان مدّ أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند اللَّه من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من أصحابه، فكيف يجوز أن يحرمهم اللَّه الصّواب في الفتاوى ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال [ (10) ] وعن عبد اللَّه بن مغفّل المزنيّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: اللَّه اللَّه في أصحابي، اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه [ (11) ] . وعن أبي موسى قال: صلّينا مع النّبيّ ﷺ المغرب، ثم قلنا: لو انتظرنا حتى نصلّي معه العشاء، فانتظرناه فخرج علينا، فقال: «ما زلتم ها هنا» ، قال: قلنا: نعم يا رسول اللَّه، قلنا: نصلّي معك العشاء، قال: «أحسنتم وأصبتم» ، ثم رفع رأسه إلى السّماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السّماء، قال: «النّجوم أمنة لأهل السّماء، فإذا ذهبت النّجوم أتى أهل السّماء ما يوعدون وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما يوعدون» [ (12) ] . ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النّجوم إلى السماء، ومن المعلوم أنّ هذا التّشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيّهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنّجوم، وأيضا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم، وحرزا من الشّرّ وأسبابه [ (13) ] . وعن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «خير أمّتي القرن الّذي بعثت فيهم، ثمّ الَّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم» [ (14) ] . فأخبر النّبيّ ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلّا لو كان خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا [ (15) ] . وقد يقول قائل: إن هذه الأدلّة تتناول أصحاب رسول اللَّه ﷺ الذين كانوا معه قبل الفتح، وأمّا من أسلم بعد الفتح فلا دليل على عدالتهم، فأسوق جوابا له قول الدّكتور محمّد السّماحيّ: (وأما مسلمة الفتح والأعراب الوافدون على رسول اللَّه ﷺ فهؤلاء لم يتحملوا من السنة مثل ما تحمّل الصّحابة الملازمون لرسول اللَّه ﷺ ومن تعرّض منهم للرّواية كحكيم بن حزام، وعتّاب، وغيرهم عرفوا بالصّدق والدّيانة وغاية الأمانة على أنه ورد ما يجعلهم أفضل من سواهم من القرون بعدهم، كقوله ﷺ: «خير القرون قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم ثمّ يفشو الكذب» [ (16) ] . وهو حديث صحيح مروي في «الصّحيحين» وغيرهما بألفاظ مختلفة، والخيرية لا تكون إلا للعدول الذين يلتزمون الدّين والعمل به. وقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ (17) ] . والخطاب الشّفهيّ لصحابة رسول اللَّه ﷺ ومن حضر نزول الوحي، وهو يشمل جميعهم، وكذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ (18) ] ، وسطا: عدولا. فالإسلام كان في أول شبابه فتيّا قويّا في قلوب من أذعنوا له واتّبعوا هداه، وتمسّكوا بمبادئه، واصطبغوا بصبغته، فكانت العدالة قوية في نفوسهم شائعة في آحادهم، حتى إننا نرى الذين وقعوا منهم في الكبائر ما لبثوا أن ساقتهم عزائمهم إلى الاعتراف وطلب الحدّ، ليطهروا به أنفسهم، وسارعوا إلى التّوبة حيث تاب اللَّه عليهم، ولا نريد بقولنا: الصحابة عدول- أكثر من أنّ ظاهرهم العدالة [ (19) ] . ثناء أهل العلم على الصّحابة وهذا الثّناء للاستئناس وليس للتّدليل إذ لا يصحّ القول مع اللَّه عزّ وجلّ ورسوله ﷺ حيث نص اللَّه ورسوله على عدالتهم، فهل بعد تعديل اللَّه عز وجل رسوله ﷺ تعديل؟!! فأقول وللَّه الحمد والمنّة: قال الإمام النّوويّ: الصّحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتدّ به [ (20) ] . قال إمام الحرمين: والسّبب في عدم الفحص عن عدالتهم أنهم حملة الشّريعة، فلو ثبت توقّف في روايتهم لانحصرت الشّريعة على عصره ﷺ ولما استرسلت سائر الأعصار. قال أبو زرعة الرّازيّ: إذا رأيت الرّجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أنّ الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة، وهؤلاء الزّنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسّنّة فالجرح بهم أولى. قال ابن الصّلاح: «ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصّحابة ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتدّ بهم في الإجماع إحسانا للظّنّ بهم، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن اللَّه سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشّريعة» [ (21) ] . قال الخطيب البغداديّ في الكفاية» مبوبا على عدالتهم: ما جاء في تعديل اللَّه ورسوله للصّحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم كل حديث اتّصل إسناده بين من رواه وبين النّبيّ ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النّظر في أحوالهم سوى الصّحابي الّذي رفعه إلى رسول اللَّه ﷺ، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن. والأخبار في هذا المعنى تتّسع، وكلها مطابقة لما ورد في نصّ القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصّحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللَّه تعالى لهم، المطّلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له [ (22) ] . وقال الإمام مالك: من انتقص أحدا من أصحاب النبي ﷺ فليس له في هذا الفيء حق، قد قسم اللَّه الفيء في ثلاثة أصناف فقال: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [ (23) ] . ثم قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ (24) ] . وهؤلاء هم الأنصار. ثم قال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ (25) ] . فمن تنقّصهم فلا حق له في فيء المسلمين [ (26) ] . عقيدة أهل السّنّة في تفضيل الصّحابة أجمع أهل السّنّة على أن أفضل الصّحابة بعد النّبي ﷺ على الإطلاق أبو بكر ثم عمر، وممّن حكى إجماعهم على ذلك أبو العبّاس القرطبي، فقال: ولم يختلف أحد في ذلك من أئمّة السّلف ولا الخلف، فقال: ولا مبالاة بأقوال أهل التّشيّع ولا أهل البدع، انتهى. وقد حكى الشّافعيّ وغيره إجماع الصّحابة والتابعين على ذلك، قال البيهقيّ في كتاب «الاعتقاد» : روينا عن أبي ثور عن الشّافعيّ قال: ما اختلف أحد من الصّحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصّحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في عليّ وعثمان [ (27) ] . وقال العلّامة الكمال بن الهمّام في «المسايرة» : فضل الصّحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند اللَّه تعالى، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول اللَّه ﷺ وقد ورد عنه ثناؤه عليهم كلهم، ولا يتحقّق إدراك حقيقة تفضيله عليه السّلام لبعضهم على بعض إن لم يكن سمعيّا يصل إلينا قطعيّا في دلالته إلا الشاهدين لذلك الزمان، لظهور قرائن الأحوال لهم، وقد ثبت ذلك لنا صريحا ودلالة كما في صحيح البخاريّ من حديث عمرو بن العاص حين سأله عليه السّلام: من أحبّ النّاس إليك من الرّجال؟ فقال: «أبوها» . يعني عائشة رضي اللَّه عنها- وتقديمه في الصّلاة على ما قدّمنا مع أن الاتّفاق على أن السّنّة أن يقدم على القوم أفضلهم علما، وقراءة، وخلقا، وورعا، فثبت أنه كان أفضل الصّحابة، وصحّ من حديث ابن عمر في صحيح البخاريّ قال: كنا في زمن النّبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النّبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم، وصحّ فيه من حديث محمّد بن الحنفيّة: قلت لأبي: أيّ النّاس خير بعد رسول اللَّه ﷺ؟ فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا واحد من المسلمين، فهذا عليّ نفسه مصرّح بأن أبا بكر أفضل النّاس، وأفاد بعد ما ذكرنا تفضيل أبي بكر وحده على الكلّ، وفي بعض ترتيب الثّلاثة، ولما أجمعوا على تقديم عليّ بعدهم دل على أنه كان أفضل من بحضرته وكان منهم الزّبير وطلحة فثبت أنه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة. هذا واعتقاد أهل السّنّة تزكية جميع الصّحابة والثناء عليهم، كما أثنى اللَّه سبحانه وتعالى عليهم إذ قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ (28) ] . [ (29) ] . وقال العلّامة البغداديّ في «أصول الدّين» : [ (30) ] أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم السّتّة الباقون بعدهم إلى تمام العشرة وهم: طلحة والزّبير وسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرّحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجرّاح، ثم البدريّون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرّضوان بالحديبية، واختلف أصحابنا في تفضيل عليّ وعثمان، فقدم الأشعريّ عثمان، وبناه على أصله في منع إمامة المفضول. وقال محمّد بن إسحاق بن خزيمة والحسين بن الفضل البجليّ بتفضيل علي رضي اللَّه عنه- وقال القلانسيّ: لا أدري أيهما أفضل، وأجاز إمامة المفضول. وقال العلّامة اللقانيّ في جوهرته: وأوّل التّشاجر الرجز الّذي ورد ... إن خضت فيه واجتنب داء الحسد |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
والوسط: الخيار والعدول، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونيّاتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرّسل على أممهم يوم القيامة، واللَّه تعالى يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه، ولهذا نوّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم، لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلّي عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم، والشّاهد المقبول عند اللَّه هو الّذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستندا إلى علمه به، كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ (1) ] [ (2) ] .
وقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ (3) ] . ويدخل في الخطاب الصَّحابيّ من باب أولى، فلقد شهد بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر. وقال تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ (4) ] . فأخبر تعالى أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من «اجتبى الشّيء يجتبيه» ، إذا ضمّه إليه وحازه إلى نفسه، فهم المجتبون الّذين اجتباهم اللَّه إليه وجعلهم أهله وخاصّته وصفوته من خلقه بعد النّبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حقّ جهاده ويبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمحبّة والعبوديّة، ويختاروه وحده إلها معبودا محبوبا على كل ما سواه، كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الّذي يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم، فيؤثرونه في كل حال على من سواه كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحبّاءه، وآثرهم بذلك على من سواهم، ثم أخبرهم تعالى أنّه يسّر عليهم دينه غاية التّيسير، ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتّة لكمال محبَّته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملّة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم، وهي إفراده تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحبّ والخوف والرّجاء والتوكّل والإنابة والتفويض والاستسلام، فيكون تعلّق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على النّاس، فيكون مشهودا لهم بشهادة الرّسول، شاهدين على الأمم بقيام حجّة اللَّه عليهم [ (5) ] . وقال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [ (6) ] . قال ابن عبّاس: أصحاب محمد ﷺ اصطفاهم اللَّه لنبيه عليه السّلام [ (7) ] . تلك آيات عظيمة نزلت من عند المولى عزّ وجلّ تشهد بفضل وعدالة جميع أصحاب النّبي ﷺ الّذين كانوا معه في المواقف الحاسمة في تاريخ الدّعوة الإسلامية ابتداء من دار الأرقم بن أبي الأرقم، وانتهاء بفتح المدائن. فمن الأمور القطعيّة الثبوت والدّلالة أن عدالة أصحاب سيدنا رسول اللَّه ﷺ جاءت من فوق سبعة أرقعة، فلا يتصور لإنسان مهما أوتي من علم ومعرفة أن يطعن في صحابة رسول اللَّه ﷺ بعد شهادة اللَّه عز وجل لهم!! وهذا سنفرد له كلمة عن الحديث عن سيدنا «أبي هريرة» رضي اللَّه تعالى عنه. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [ (8) ] . وأمّا السّنّة: وفي نصوص السّنّة النبويّة المشرّفة الشّاهدة بذلك كثرة منها: عن أبي سعيد عن النّبي- عليه السّلام- قال: «لا تسبّوا أصحابي، فو الّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» [ (9) ] . وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الحديبيّة والفتح، فإذا كان مدّ أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند اللَّه من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من أصحابه، فكيف يجوز أن يحرمهم اللَّه الصّواب في الفتاوى ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال [ (10) ] وعن عبد اللَّه بن مغفّل المزنيّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: اللَّه اللَّه في أصحابي، اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه [ (11) ] . وعن أبي موسى قال: صلّينا مع النّبيّ ﷺ المغرب، ثم قلنا: لو انتظرنا حتى نصلّي معه العشاء، فانتظرناه فخرج علينا، فقال: «ما زلتم ها هنا» ، قال: قلنا: نعم يا رسول اللَّه، قلنا: نصلّي معك العشاء، قال: «أحسنتم وأصبتم» ، ثم رفع رأسه إلى السّماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السّماء، قال: «النّجوم أمنة لأهل السّماء، فإذا ذهبت النّجوم أتى أهل السّماء ما يوعدون وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما يوعدون» [ (12) ] . ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النّجوم إلى السماء، ومن المعلوم أنّ هذا التّشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيّهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنّجوم، وأيضا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم، وحرزا من الشّرّ وأسبابه [ (13) ] . وعن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «خير أمّتي القرن الّذي بعثت فيهم، ثمّ الَّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم» [ (14) ] . فأخبر النّبيّ ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلّا لو كان خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا [ (15) ] . وقد يقول قائل: إن هذه الأدلّة تتناول أصحاب رسول اللَّه ﷺ الذين كانوا معه قبل الفتح، وأمّا من أسلم بعد الفتح فلا دليل على عدالتهم، فأسوق جوابا له قول الدّكتور محمّد السّماحيّ: (وأما مسلمة الفتح والأعراب الوافدون على رسول اللَّه ﷺ فهؤلاء لم يتحملوا من السنة مثل ما تحمّل الصّحابة الملازمون لرسول اللَّه ﷺ ومن تعرّض منهم للرّواية كحكيم بن حزام، وعتّاب، وغيرهم عرفوا بالصّدق والدّيانة وغاية الأمانة على أنه ورد ما يجعلهم أفضل من سواهم من القرون بعدهم، كقوله ﷺ: «خير القرون قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم ثمّ يفشو الكذب» [ (16) ] . وهو حديث صحيح مروي في «الصّحيحين» وغيرهما بألفاظ مختلفة، والخيرية لا تكون إلا للعدول الذين يلتزمون الدّين والعمل به. وقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ (17) ] . والخطاب الشّفهيّ لصحابة رسول اللَّه ﷺ ومن حضر نزول الوحي، وهو يشمل جميعهم، وكذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ (18) ] ، وسطا: عدولا. فالإسلام كان في أول شبابه فتيّا قويّا في قلوب من أذعنوا له واتّبعوا هداه، وتمسّكوا بمبادئه، واصطبغوا بصبغته، فكانت العدالة قوية في نفوسهم شائعة في آحادهم، حتى إننا نرى الذين وقعوا منهم في الكبائر ما لبثوا أن ساقتهم عزائمهم إلى الاعتراف وطلب الحدّ، ليطهروا به أنفسهم، وسارعوا إلى التّوبة حيث تاب اللَّه عليهم، ولا نريد بقولنا: الصحابة عدول- أكثر من أنّ ظاهرهم العدالة [ (19) ] . ثناء أهل العلم على الصّحابة وهذا الثّناء للاستئناس وليس للتّدليل إذ لا يصحّ القول مع اللَّه عزّ وجلّ ورسوله ﷺ حيث نص اللَّه ورسوله على عدالتهم، فهل بعد تعديل اللَّه عز وجل رسوله ﷺ تعديل؟!! فأقول وللَّه الحمد والمنّة: قال الإمام النّوويّ: الصّحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتدّ به [ (20) ] . قال إمام الحرمين: والسّبب في عدم الفحص عن عدالتهم أنهم حملة الشّريعة، فلو ثبت توقّف في روايتهم لانحصرت الشّريعة على عصره ﷺ ولما استرسلت سائر الأعصار. قال أبو زرعة الرّازيّ: إذا رأيت الرّجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أنّ الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة، وهؤلاء الزّنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسّنّة فالجرح بهم أولى. قال ابن الصّلاح: «ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصّحابة ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتدّ بهم في الإجماع إحسانا للظّنّ بهم، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن اللَّه سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشّريعة» [ (21) ] . قال الخطيب البغداديّ في الكفاية» مبوبا على عدالتهم: ما جاء في تعديل اللَّه ورسوله للصّحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم كل حديث اتّصل إسناده بين من رواه وبين النّبيّ ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النّظر في أحوالهم سوى الصّحابي الّذي رفعه إلى رسول اللَّه ﷺ، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن. والأخبار في هذا المعنى تتّسع، وكلها مطابقة لما ورد في نصّ القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصّحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللَّه تعالى لهم، المطّلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له [ (22) ] . وقال الإمام مالك: من انتقص أحدا من أصحاب النبي ﷺ فليس له في هذا الفيء حق، قد قسم اللَّه الفيء في ثلاثة أصناف فقال: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [ (23) ] . ثم قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ (24) ] . وهؤلاء هم الأنصار. ثم قال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ (25) ] . فمن تنقّصهم فلا حق له في فيء المسلمين [ (26) ] . عقيدة أهل السّنّة في تفضيل الصّحابة أجمع أهل السّنّة على أن أفضل الصّحابة بعد النّبي ﷺ على الإطلاق أبو بكر ثم عمر، وممّن حكى إجماعهم على ذلك أبو العبّاس القرطبي، فقال: ولم يختلف أحد في ذلك من أئمّة السّلف ولا الخلف، فقال: ولا مبالاة بأقوال أهل التّشيّع ولا أهل البدع، انتهى. وقد حكى الشّافعيّ وغيره إجماع الصّحابة والتابعين على ذلك، قال البيهقيّ في كتاب «الاعتقاد» : روينا عن أبي ثور عن الشّافعيّ قال: ما اختلف أحد من الصّحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصّحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في عليّ وعثمان [ (27) ] . وقال العلّامة الكمال بن الهمّام في «المسايرة» : فضل الصّحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند اللَّه تعالى، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول اللَّه ﷺ وقد ورد عنه ثناؤه عليهم كلهم، ولا يتحقّق إدراك حقيقة تفضيله عليه السّلام لبعضهم على بعض إن لم يكن سمعيّا يصل إلينا قطعيّا في دلالته إلا الشاهدين لذلك الزمان، لظهور قرائن الأحوال لهم، وقد ثبت ذلك لنا صريحا ودلالة كما في صحيح البخاريّ من حديث عمرو بن العاص حين سأله عليه السّلام: من أحبّ النّاس إليك من الرّجال؟ فقال: «أبوها» . يعني عائشة رضي اللَّه عنها- وتقديمه في الصّلاة على ما قدّمنا مع أن الاتّفاق على أن السّنّة أن يقدم على القوم أفضلهم علما، وقراءة، وخلقا، وورعا، فثبت أنه كان أفضل الصّحابة، وصحّ من حديث ابن عمر في صحيح البخاريّ قال: كنا في زمن النّبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النّبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم، وصحّ فيه من حديث محمّد بن الحنفيّة: قلت لأبي: أيّ النّاس خير بعد رسول اللَّه ﷺ؟ فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا واحد من المسلمين، فهذا عليّ نفسه مصرّح بأن أبا بكر أفضل النّاس، وأفاد بعد ما ذكرنا تفضيل أبي بكر وحده على الكلّ، وفي بعض ترتيب الثّلاثة، ولما أجمعوا على تقديم عليّ بعدهم دل على أنه كان أفضل من بحضرته وكان منهم الزّبير وطلحة فثبت أنه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة. هذا واعتقاد أهل السّنّة تزكية جميع الصّحابة والثناء عليهم، كما أثنى اللَّه سبحانه وتعالى عليهم إذ قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ (28) ] . [ (29) ] . وقال العلّامة البغداديّ في «أصول الدّين» : [ (30) ] أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم السّتّة الباقون بعدهم إلى تمام العشرة وهم: طلحة والزّبير وسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرّحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجرّاح، ثم البدريّون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرّضوان بالحديبية، واختلف أصحابنا في تفضيل عليّ وعثمان، فقدم الأشعريّ عثمان، وبناه على أصله في منع إمامة المفضول. وقال محمّد بن إسحاق بن خزيمة والحسين بن الفضل البجليّ بتفضيل علي رضي اللَّه عنه- وقال القلانسيّ: لا أدري أيهما أفضل، وأجاز إمامة المفضول. وقال العلّامة اللقانيّ في جوهرته: وأوّل التّشاجر الرجز الّذي ورد ... إن خضت فيه واجتنب داء الحسد |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها راء. ذكر قصة لأبي بكر الصديق مع صهيب، أخرجها ابن أبي شيبة من طريق أبي الضّحى، عن مسروق، قال: مرّ صهيب بأبي بكر، فأعرض عنه، فقال ما لك- أعرضت عني؟ أبلغك شيء تكرهه؟ قال: لا واللَّه إلا رؤيا رأيتها لك كرهتها. قال: وما رأيت؟ قال: رأيت يدك مغلولة إلى عنقك على باب رجل من الأنصار، يقال له أبو الحشر، فقال: أبو بكر: نعم ما رأيت! جمع لي ديني إلى يوم الحشر.
|
معجم علوم القرآن - الجرمي
|
تعرفة وبيان ترتيبها المصحفي: 59 نوعها: مدنية آيها: 24 ألفاظها: 447 ترتيب نزولها: 101 بعد البينة جلالاتها: 29 مدغمها الكبير: 5 مدغمها الصغير: 1 ياءات الإضافة: 1 من أسمائها: سورة بني النضير عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر قال: قل: سورة بني النضير، رواه البخاري. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
10 - خروج النار التي تحشر الناس
- مكان خروج النار: تخرج هذه النار من اليمن، من بحر حضرموت، من قعر عدن، ثم تنتشر في الأرض، فتسوق الناس من المشرق إلى المغرب في أرض المحشر في الشام. وهذه النار العظيمة آخر أشراط الساعة الكبرى، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة، فلا شيء بعدها من أمور الدنيا، فيقع بعدها النفخ في الصور، وقيام الساعة. 1 - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: «مَا تَذَاكَرُونَ؟» قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ قَالَ: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ» فَذَكَرَ الدُّخَانَ، وَالدَّجَّال، َ وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - صلى الله عليه وسلم - وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلاَثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ. وفي لفظ: «وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ» أخرجه مسلم (¬1). 2 - وَعَنْ أنَسٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُ قال: بَلَغَ عَبْدَاللهِ بْنَ سَلامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المَدِينَةَ فَأتَاهُ، فَقال: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا نَبِيٌّ: مَا أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَمَا أوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ، وَمِنْ أيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الوَلَدُ إِلَى أبِيهِ، ¬_________ (¬1) أخرجه مسلم برقم (2901). |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
خروج نار من عدن ظنها الناس النار التي تحشر الناس للقيامة.
652 - 1254 م وردت الأخبار من مكة شرفها الله تعالى بأن نارا ظهرت في أرض عدن في بعض جبالها بحيث إنه يطير شررها إلى البحر في الليل، ويصعد منها دخان عظيم في أثناء النهار، فما شكوا أنها النار التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تظهر في آخر الزمان، فتاب الناس وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا في أفعال الخير والصدقات. |