نتائج البحث عن (لا يُتْرَك) 3 نتيجة

أي يُكتب حديثه ، وهذه اللفظة تشعر بأن الراوي المقول فيه هذه الكلمة يُستشهد به ولا يحتج به ، ومرتبة الاستشهاد من مراتب الجرح لا من مراتب التعديل(1) ، وأما قول الذهبي في (الميزان) في ترجمة الربيع بن حبيب البصري: (وثقه أحمد وابن معين وابن المديني ، فقول الدارقطني فيه "لا يترك" ليس بتجريح له) فلا دلالة فيه على خلاف ما ذكرتُه ، لأنه يحتمل - بل يظهر - أن الذهبي لم ينظر في هذه الكلمة إلى معناها في نفسها مجرداً ، وإنما نظر أيضاً إلى ما اجتمع حولها من القرائن ، فحملها على معنى مخالف لما هو الأصل فيها ، حملَها على أن المراد أنه لا يترك الاحتجاج به(2) ؛ ثم إنه من المعلوم أنه لا يلزم أن يكون الذهبي مصيباً في تفسير كلمة الدارقطني هذه ، فلعل الدارقطني أراد الأصل الذي بينتُه أولاً في معنى كلمة (لا يترك) ، ومعنى ذلك أن الربيع في نقد الدارقطني يستشهد به وليس متروكاً ، فهو عنده من جملة المجروحين خلافاً للأئمة الثلاثة المذكورين ، وحينئذ يكون قول الذهبي (فقول الدارقطني فيه "لا يترك" ليس بتجريح له) غير مقبول.
لا يُترك حديثُ رجلٍ حتى يجتمع الجميعُ على ترك حديثه:
قال يعقوب بن سفيان في (المعرفة والتاريخ) (2/191) - ومن طريقه الخطيب في (الكفاية) (ص18) -: (سمعت أحمد بن صالح وذكر مسلمةَ بنَ علي فقال: لا يُترك حديثُ رجلٍ حتى يجتمع الجميعُ على ترك حديثه ؛ قد يقال [أي لمن لم يتركه الجميع ولكن تركه بعضهم]: فلان ضعيف ؛ فأما أن يقال [أي له]: فلان متروك ، فلا ؛ إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه) ؛ انتهى وزدت عليه ما بين الحاصرتين.
هذه العبارة معناها أن أحمد بن صالح كان لا يرى ترك الرواية عن رجل تركه بعض العلماء ، ويرى أن الصحيح أن يُروى عنه ، وإن كان تركُ من تركَه قد يدل على ضعفه ، ويرى أنه لا يُترَك الراوي إلا إذا تركه كل النقاد العارفين بحاله.
وليس معنى كلمة "الجميع" هنا في عبارته هو كل أهل الحديث من أهل عصره ؛ أو أهل مصرِه ، أو كل من لقيه من أقرانه وطبقة تلامذته؛ وإنما المعنى ما ذُكِر، أي جماعة المتكلمين على حال ذلك الراوي من علماء النقد المعتمدين.
وهذا تساهل غريب واسترواح عجيب من هذا العالم الناقد.
تنبيه: نسبت هذه الكلمة أو معناها إلى أحمدين آخرين هما الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ، والإمام أحمد بن شعيب النسائي ؛ وإليك بيان الحق في هذين الادّعائين أو مناقشتهما.
أما نسبة الكلمة إلى الإمام أحمد بن حنبل فقد قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على (قواعد التهانوي) (ص37) ما لفظه:
(قال السيوطي في "زهر الربى على المجتبى" أي "سنن النسائي" (1/3): قال النسائي: لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه؛ انتهى، وليس هذا مذهب النسائي وحده، بل تقدمه به مَن قَبْله كالإمام أحمد بن حنبل والإمام أحمد بن صالح المصري، ففي (تهذيب التهذيب) للحافظ ابن حجر في ترجمة عبد الله بن لهيعة المصري (5/237): "قال يعقوب: قال لي أحمد بن حنبل: مذهبي في الرجال أني لا أترك حديث محدِّث حتى يجتمع أهل مصر على ترك حديثه" ، وفي (شرح الألفية) للسخاوي (ص160-161) قال أحمد بن صالح: لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه) ؛ انتهى كلام أبو غدة.
وهذا وهم؛ فإن الذي في الموضع المذكور من (تهذيب التهذيب) هو نقل يعقوب بن سفيان عن أحمد، غير منسوب؛ والمراد به قطعاً هو ابن صالح المصري، فإن ابن حجر صرح قبل ذلك بنسبته، ثم لما ذكره ثانياً أهمله، وهذه عادة للمؤلفين، بل لأكثر الكتّاب والمتحدثين، وهي معروقة سائغة، ولا أدري من أين أتى الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بزيادة (بن حنبل)! ؛ ولتأكيد ما ذكرته أزيده بياناً فأقول:
الذي في الموضع المشار إليه من (تهذيب التهذيب) إنما هو: (وقال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح----)؛ ثم راح ابن حجر ينقل كلام يعقوب عن أحمد بن صالح ولم يزل فيه إلى أن قال: (قال يعقوب: وقال لي أحمد: مذهبي في الرجال أني لا أترك حديث محدث حتى يجتمع أهل مصر على ترك حديثه ).
وقال المزي في ترجمة ابن لهيعة من (تهذيبه) (15/497) بعد كلام نقله عن يعقوب بن سفيان عن أحمد بن صالح المصري: ( قال يعقوب: وكنت كتبت عن ابن رمح كتاباً عن ابن لهيعة وكان فيه نحو ما وصف أحمد بن صالح، فقال: هذا وقع على رجل ضبط إملاء ابن لهيعة؛ فقلت له في حديث ابن لهيعة ؟ فقال: لم تعرف مذهبي في الرجال، إني أذهب إلى أنه لا يترك حديث محدث حتى يجتمع أهل مصره على ترك حديثه؛ وقال يعقوب بن سفيان في موضع آخر: سمعت أحمد بن صالح يقول: كتبت حديث ابن لهيعة----) الخ.
ثُم إن ثَمَّ قرائن تأبى حمله على ابن حنبل، منها هذه القرائن التالية:
الأولى: قوله (أهل مصر)، وهذه الكلمة، لو ثبتت، تليق بأحمد بن صالح المصري، لا بأحمد بن حنبل البغدادي ؛ ولكن الكلمة في الحقيقة خطأ وصوابها (مصرِهِ)، ولكن هكذا وقعت في مطبوعة (التهذيب) وعبد الفتاح أبو غدة قد اعتمدها - على ما يظهر - فهي بالنسبة إلى من يصححها ويعتمدها ينبغي أن تكون قرينة على ما ذكرتُ، أي أن المراد ابن صالح لا ابن حنبل.
الثانية: أن المحفوظ المشهور عن يعقوب نقلُ ذلك عن أحمد بن صالح - وهو عن أحمد بن صالح في كتب المصطلح وغيرها - لا عن أحمد بن حنبل، وليس من القريب أن يتوارد مثل أحمد بن صالح وأحمد بن حنبل على مثل هذا المعنى ومثل هذه العبارة ، إلا أن يكون أحدهما قد أخذها من الآخر ، أو تكون قاعدة لبعض الأئمة ممن كان قبلهما فأخذها كل واحد منهما ومشى عليها وعبر عنها بنفس عبارة صاحبها الأول ؛ وأما أنا فلم أقف على سلف لهما في هذه العبارة ، ولا أظنه موجوداً.
الثالثة: يبعد أن توجد مثل هذه العبارة عن الإمام أحمد بن حنبل ثم يُغفل نقلَها عنه ابنه عبد الله في (العلل ومعرفة الرجال) والخطيب البغدادي في (الكفاية) والناس في كتبهم.
الرابعة: أن معنى هذه العبارة خلاف المعروف من عمل الإمام أحمد بن حنبل وما كان جارياً عليه في باب الكلام على الرواة والاحتجاج بهم والرواية عنهم وتركِهم.
الخامسة: ان هذه الكلمة تدل على تساهل في النقد، وتقليد للعلماء؛ والإمام أحمد أحد أئمة الاعتدال والإنصاف والاجتهاد؛ وهو بخلاف أحمد بن صالح المصري فإنه عنده شيء من التساهل في التوثيق ، وقد ذكر الشيخ عبدالله السعد في تقديمه لكتاب (تعليقة على العلل لابن أبي حاتم) لابن عبد الهادي رحمه الله (ص 64-65) عدداً من الأمثلة على تساهله.
هذا ما يتعلق بنسبة هذه القاعدة إلى أحمد بن حنبل رحمه الله.
وأما علامة الحديث وعلله أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ، فقد قال ابن الصلاح في (المقدمة) (ص33) في تضاعيف كلام له: (إذ حكى أبو عبد الله الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوَرْدِي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النَّسائي أن يخرج عن كل من لم يُجمَعْ على تركه----)(3).
فقال العراقي فيما نقله عنه السيوطي في (زهر الربى) (1/10): (هذا مذهب متسع).
وأما ابن حجر فكأنه لم يرتض ظاهر هذا النقل ، فاضطر إلى تأويله بتقييده ، فقال في (النكت على ابن الصلاح والعراقي) (1/482): (وما حكاه ابن الصلاح عن الباوردي أن النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه فإنما أراد بذلك إجماعاً خاصاً.
وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط.
فمن الأولى شعبة وسفيان الثوري ، وشعبة أشد منه.
ومن الثانية يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى أشد من عبد الرحمن.
ومن الثالثة يحيى بن معين وأحمد ، ويحيى أشد من أحمد.
ومن الرابعة أبو حاتم والبخاري ، وأبو حاتم أشد من البخاري.
وقال النسائي: "لا يُترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه" ؛ فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى القطان مثلاً فإنه لا يُترك ، لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد.
وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك ، فكم من رجل أخرج له ابو داود والترمذي تجنب النسائي إخراجَ حديثه ، كالرجال الذين ذكرنا قَبْلُ (4)
أن أبا داود يخرج أحاديثهم ، وأمثال من ذكرنا ، بل تجنب النسائيُّ إخراجَ حديث جماعة من رجال الصحيحين----).
قلت: إن كان الباوردي قال ذلك من عنده فإنه لا يلزم أن يكون مصيباً فيه ، والتوقف عن قبول كلامه حينئذ يكون أولى من قبوله وتأويله بنحو ما أوله به الحافظ ابن حجر ؛ وذلك لقوة المعارض ومخالفة الواقع(5)، وكذلك فإن الباوردي ليس مشهوراً بنحو كونه أحد أئمة العلل أو الاستقراء التام.
وأما إن كان الباوردي قد قاله نقلاً عن النسائي نفسه ، وبسند صحيح ، فحينئذ يكون تأويل ابن حجر سائغاً وجيهاً.
ولكن أين ذلك الإسناد ؟!
وأما نسبة ابنِ حجر هذه القاعدة إلى النسائي على أنها من قوله وتصريحه، كما تقدم في كلامه ، فلا أدري ما هو مستنده في ذلك ، وقد مرَّ أنها من ادعاء الباوردي.
والذي أريد أن أقوله هو استبعادي صحة أن يكون النسائي قد صرح بمثل هذه القاعدة الدالة على التساهل والتقليد؛ واستبعادي لإصابة الباوردي في نسبته القاعدة المشار إليها ، إلى منهج النسائي في رواية الأحاديث ، أو في تصنيف الكتب على الأبواب؛ والله أعلم بحقيقة الأمر.
ومما قد يعين على تحقيق هذه القضية هو أن يُستقرأ الرواة الذين قال فيهم النسائي: (متروك) ، ثم يُنظر هل هم ممن أجمع النقادُ على تركهم ، أو أنَّ فيهم بعضَ من اختلفوا فيه ؛ وكذلك يُنظر هل ترك النسائي الإخراج لراوٍ لم يتفق النقاد على تركه ، وينظر ما نسبة هؤلاء وأولئك ، فبه يتم التوصل إلى طرف من تحقيق المسألة ، والله أعلم.
__________
(1) ومن خالف في ذلك فليس بمصيب.
(2) وبعبارة أخرى أقول: لا أدري هل أراد الذهبي بالتعليق على كلمة الدارقطني بيانَ ما هو الأصل في معناها عنده ، أم بيانَ معناها في حق هذا الراوي خاصة ، أم بيان كون حكم الدارقطني مرجوحاً؟ والاحتمال الثاني هو الأقرب.
(3) والمراد بأبي عبدالله الحافظ محمد بن إسحاق بن منده ، فقد قال في (شروط الأئمة) (ص71-73) في جماعة ذكرهم من الرواة المختلف فيهم أو المتكلم فيهم:
(قد أخرج عنهم محمد بن إسماعيل البخاري وتركهم مسلم بن الحجاج ، أو أخرج عنهم مسلم وتركهم البخاري لكلام في حديثه أو غلو في مذهبه.
وتبعهم في ذلك أبو داود السجستاني وأبو عبد الرحمن النسائي وجميع من أخذ طريقتهم في الحديث ---- ؛ وكل هؤلاء مقبولون على مذهب أبي داود السجستاني وأبي عبد الرحمن النسائي إلا نفر نذكرهم ونبين مذهبهم فيهم إن شاء الله تعالى.
سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج.
وسمعت محمد بن يعقوب الأخرم وذكر كلاماً معناه هذا: قل ما يفوت البخاري ومسلماً مما ثبت من الحديث.
وسمعت محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه.
وكان أبو داود السجستاني كذلك يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف لأنه أقوى عنده من رأي الرجال)
.
(4) تصحفت في مطبوعة النكت الى (قيل).
(5) بل إن النسائي قد وصف بالتشدد واشتهر بذلك أكثر من شهرته بالتساهل الذي أحد معانيه تلك القاعدة التي نحن بصدد مناقشة نسبتها إليه؛ فقد وصف النسائيَّ بالتشدد أو ما قد يدل عليه أو يوهمه جماعة من العلماء والدارسين فانظر (شروط الأئمة الستة) لمحمد بن طاهر (ص26) و(الميزان) للذهبي (1/437) و(السير) له (9/228) و(المغني) له (ترجمة مالك بن دينار)، و(مقدمة الفتح) لابن حجر (ص546) و(النكت) له (1/482-483) و(بذل الماعون في فضل الطاعون) له ، ومقدمة (شرح السيوطي لسنن النسائي)، و(الرفع والتكميل) للكنوي (ص100و176) و(التنكيل) للمعلمي (ص481 و697) و (الروض البسام في ترتيب وتخريج فوائد تمام) للدوسري (2/342) و(مباحث في علم الجرح والتعديل) لقاسم علي سعد (ص114-115) ، ومن تتبع مظانّ هذه المسألة في الكتب والبحوث وجد أكثر مما ذكرته هنا.
وإن كان عندي في ذلك كله نظر، وأن الإمام النسائي أقرب إلى الاعتدال منه إلى تسهُّلٍ أو تشدد.
وإنما أشرت إلى هذه المواضع لأبين أنها تعارض دعوى وصف النسائي بما يدل على سعة مذهبه في الرجال بل وعِظم تساهله فيهم.

الربيع بن حبيب البصري فلا يترك

ميزان الاعتدال في نقد الرجال

قلت: هو أبو سلمة الحنفي.
بصري، يروي عن الحسن، ومحمد، وأبي جعفر الباقر.
وعنه بهز بن أسد، ويحيى القطان.
وثقه أحمد، وابن معين، وابن المديني، فقول الدارقطني فيه: لا يترك، ليس بتجريح له.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت