نتائج البحث عن (مروان بن الحكم) 50 نتيجة

4848- مروان بن الحكم
مروان بْن الحكم بْن أَبِي العاص بْن أمية بْن عبد شمس بْن عبد مناف القرشي الأموي، يكنى أبا عَبْد الْمَلِكِ بابنه عَبْد الْمَلِكِ، وهو ابن عم عثمان بْن عفان بْن أَبِي العاص.
ولد عَلَى عهد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيل: ولد سنة اثنتين من الهجرة، قَالَ مالك: ولد يَوْم أحد، وقيل: ولد يَوْم الخندق، وقيل: ولد بمكة، وقيل: بالطائف.
ولم ير النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه خرج إِلَى الطائف طفلا لا يعقل لِمَا نفي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباه الحكم، لِمَا ذكرناه فِي ترجمة أبيه، وَكَانَ مع أبيه بالطائف حَتَّى استخلف عثمان، فردهما، واستكتب عثمان مروان، وضمه إليه، ونظر إليه عَليّ يوما فقال: ويلك، وويل أمة مُحَمَّد منك ومن بنيك، وَكَانَ يقال لمروان: خيط باطل، وضرب يَوْم الدار عَلَى قفاه، فقطع أحد علباويه فعاش بعد ذَلِكَ أوقص، والأوقص الَّذِي قصرت عنقه.
ولما بويع مروان بالخلافة بالشام قَالَ أخوه عبد الرحمن بْن الحكم، وَكَانَ ماجنا حسن الشعر، لا يرى رأي مروان:
فوالله ما أدري وَإِني لسائل حليلة مضروب القفا: كيف تصنع؟
لحا اللَّه قوما أمروا خيط باطل عَلَى الناس، يعطي ما يشاء ويمنع
وقيل: إنما قَالَ عبد الرحمن هَذَا حين استعمل معاوية مروان عَلَى المدينة.
واستعمله معاوية عَلَى المدينة، ومكة، والطائف، ثُمَّ عزله عن المدينة سنة ثمان وأربعين، واستعمل عليها سَعِيد بْن أَبِي العاص، وبقي عليها أميرا إِلَى سنة أربع وخمسين، ثُمَّ عزله واستعمل الْوَلِيد بْن عتبة بْن أَبِي سفيان، فلم يزل عليها إِلَى أن مات معاوية، ولما مات معاوية بْن يَزِيدَ بْن معاوية، ولم يعهد إِلَى أحد، بايع بعض الناس بالشام مروان بْن الحكم بالخلافة، وبايع الضحاك بْن قيس الفهري بالشام أيضا لعبد اللَّه بْن الزبير، فالتقيا واقتتلا بمرج راهط عند دمشق، فقتل الضحاك، واستقام الأمر بالشام ومصر لمروان، وتزوج مروان أم خَالِد بْن يَزِيدَ ليضع من خَالِد، وقال يوما لخالد: يا ابن الرطبة الاست، فقال لَهُ خَالِد: أنت مؤتمن خائن وشكى خَالِد ذَلِكَ يوما إِلَى أمه، فقالت: لا تعلمه أنك ذكرته لي، فلما دخل إليها مروان قامت إليه مع جواريها، فغمته حَتَّى مات.
وكانت مدة ولايته تسعة أشهر، وقيل: عشرة أشهر، ومات وهو معدود فيمن قتله النساء.
روى عَنْهُ عَليّ بْن الْحُسَيْن، وعروة بْن الزبير.
وقال فِيهِ أخوه عبد الرحمن:
ألا من مبلغ مروان عني رسولا، والرسول من البيان
بأنك لن ترى طردا لحر كإلصاق بِهِ بعض الهوان
وهل حدثت قبلي عن كريم معين فِي الحوادث أو معان
يقيم بدار مضيعة إذا لَمْ يكن حيران أو خفق الجنان
فلا تقذف بي الرجوين إِنِّي أقل القوم من يغني مكاني
سأكفيك الَّذِي استكفيت مني بأمر لا تخالجه اليدان
ولو أنا بمنزلة جميعا جريت، وأنت مضطرب العنان
ولولا أن أم أبيك أمي وأنت من قد هجاك فقد هجاني
لقد جاهرت بالبغضاء، إِنِّي إلى أمر الجهارة والعلان
بن أبي «1» العاص بن أميّة بن عبد شمس «2» بن عبد مناف القرشيّ الأمويّ، أبو عبد الملك.
وهو ابن عم عثمان، وكاتبه في خلافته.
يقال: ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع. وقال ابن شاهين: مات النّبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلم وهو ابن ثمان سنين، فيكون مولده بعد الهجرة بسنتين، قال: وسمعت ابن «3» داود يقول: ولد عام أحد- يعني سنة ثلاث. وقال ابن أبي داود: وقد كان في الفتح مميّزا وفي حجة الوداع، ولكن لا يدري أسمع من النّبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلم شيئا أم لا. وقال ابن طاهر: ولد هو والمسور بن مخرمة بعد الهجرة بسنتين لا خلاف في ذلك، كذا قال.
وهو مردود: والخلاف ثابت، وقصة إسلام أبيه ثابتة في الفتح لو ثبت أنّ في تلك السنة مولده لكان حينئذ مميّزا، فيكون من شرط القسم الأول، لكن لم أر من جزم بصحبته، فكأنه لم يكن حينئذ مميزا، ومن بعد الفتح أخرج أبوه إلى الطّائف وهو معه فلم يثبت له أزيد من الرؤية.
وأرسل عن النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلم، وروى عن غير واحد من الصّحابة، منهم: عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وعبد الرّحمن بن الأسود بن عبد يغوث، ويسرة بنت صفوان.
وقرنه البخاريّ بالمسور بن مخرمة في روايته عن الزهريّ عن عروة عنهما في قصّة صلح الحديبيّة. وفي بعض طرقه عنده أنهما رويا ذلك عن بعض الصّحابة، وفي أكثرها أرسلا الحديث.
روى عنه سهل بن سعد، وهو أكبر منه سنّا وقدرا، لأنه من الصّحابة.
وروى عنه من التّابعين ابنه عبد الملك، وعليّ بن الحسين، وعروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب: وأبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة وغيرهم، وكان يعدّ في الفقهاء.
وأنكر بعضهم أن يكون له رواية، منهم البخاريّ. وقيل: إن أمه لما ولد أرسلت به إلى النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلم ليحنّكه.
وهذا مشكل على ما ذكروه في سنة مولده، لأنه إن كان قبل الهجرة فلم تكن أمّه أسلمت، وإن كان بعدها فإنّها لم تهاجر به، والنبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلم إنّما دخل مكّة بعد الهجرة عام القضيّة، وذلك سنة سبع، ثم في الفتح سنة ثمان، فإن كان ولد حينئذ بعد إسلام أبويه استقام، لكن يعكّر على من زعم أنه كان له عند الوفاة النبويّة ستّ سنين أو ثمان أو أكثر، وكان مع أبيه بالطّائف إلى أن أذن عثمان للحكم في الرجوع إلى المدينة، فرجع مع أبيه، ثم كان من أسباب قتل عثمان، ثم شهد الجمل مع عائشة، ثم صفّين مع معاوية، ثم ولّى إمرة المدينة لمعاوية، ثم لم يزل بها إلى أن أخرجهم ابن الزّبير في أوائل إمرة يزيد بن معاوية، فكان ذلك من أسباب وقعة الحرّة، وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية، فبايعه بعض أهل الشّام في قصة طويلة، ثم كانت الوقعة بينه وبين الضّحاك بن قيس، وكان أميرا لابن الزّبير، فانتصر مروان، وقتل الضّحاك، واستوثق له ملك الشام، ثم توجّه إلى مصر فاستولى عليها، ثم بغته الموت، فعهد إلى ولده عبد الملك، فكانت مدّته في الخلافة قدر نصف سنة، ومات في شهر رمضان سنة خمس وستين.
قال ابن طاهر: هو أوّل من ضرب الدنانير الشّامية التي يباع الدّينار منها بخمسين، وكتب عليها: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» .
الميم بعدها السين

مروان بن الحكم

سير أعلام النبلاء

كبار التابعين:
324- مروان بن الحكم 1: "خ"
ابن أَبِي العَاصِ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ، المَلِكُ، أَبُو عَبْدِ المَلِكِ القُرَشِيُّ، الأُمَوِيُّ.
وَقِيْلَ: يكنَّى أَبَا القَاسِمِ، وَأَبَا الحَكَمِ.
مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ, وَقِيْلَ: لَهُ رُؤْيَةٌ، وَذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.
رَوَى عَنْ: عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ.
وَعَنْهُ: سَهْلُ بنُ سَعْدٍ -وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ, وَسَعِيْدُ بنُ المُسَيِّبِ، وَعَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ، وَعُرْوَةُ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدُ اللهِ بنِ عَبْدِ الله، وَمُجَاهِدُ بنُ جَبْرٍ، وَابْنُهُ؛ عَبْدُ المَلِكِ.
وَكَانَ كَاتِبَ ابْنِ عَمِّهِ عُثْمَانَ، وَإِلَيه الخَاتِمُ، فَخَانَهُ، وَأَجْلَبُوا بِسَبِبِهِ عَلَى عُثْمَانَ، ثُمَّ نَجَا هُوَ، وَسَارَ مَعَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَقَتَلَ طَلْحَةَ يَوْمَ الجَمَلِ، وَنَجَا -لاَ نُجِّيَ, ثُمَّ وَلِي المَدِيْنَةَ غَيْرَ مَرَّةٍ لِمُعَاوِيَةَ.
وَكَانَ أَبُوْهُ قَدْ طَرَدَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الطَّائِفِ، ثُمَّ أَقْدَمَهُ عُثْمَانُ إِلَى المَدِيْنَةِ؛ لأَنَّهُ عَمُّهُ. وَلَمَّا هَلَكَ وَلَدُ يَزِيْدَ؛ أَقْبَلَ مَرْوَانُ وانضمَّ إِلَيْهِ بَنُو أُمَيَّةَ وَغَيْرُهُم، وَحَارَبَ الضَّحَّاكَ الفِهْرِيَّ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ دِمَشْقَ، ثُمَّ مِصْرَ، وَدَعَا بِالخِلاَفَةِ.
وَكَانَ ذَا شَهَامَةٍ, وَشَجَاعَةٍ، وَمَكْرٍ، وَدَهَاءٍ، أَحْمَرَ الوَجْهِ، قَصِيراً؛ أَوْقَصَ2، دَقِيْقَ العُنُقِ، كَبِيْرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، يلقَّب: خَيْطَ بَاطِلٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمَّا انْهَزَمُوا يَوْمَ الجَمَلِ، سَأَلَ عَلِيٌّ عَنْ مَرْوَانَ، وَقَالَ: يَعْطِفُنِي عَلَيْهِ رَحِمٌ مَاسَّةٌ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ سَيِّدٌ مِنْ شَبَابِ قريش.
__________
1 ترجمته في طبقات ابن سعد "5/ 35"، التاريخ الكبير "7/ ترجمة 1579"، الجرح والتعديل "8/ ترجمة 1238"، الاستيعاب "3/ 1387"، أسد الغابة "5/ 144"، تجريد أسماء الصحابة "2/ ترجمة 764"، الإصابة "3/ ترجمة 7914"، تهذيب التهذيب "10/ ترجمة 166"، خلاصة الخزرجي "3/ ترجمة 6923".
2 الأوقص: قصير العنق خلقة.

‏<br> مروان بْن الحكم بْن أَبِي الْعَاص بْن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


يكنى أَبَا عَبْد الْمَلِكِ. ولد على عهد رسول ﷺ سنة اثنتين من الهجرة. وقيل: عام الخندق. وقال مَالِك: ولد مَرَوَان بْن الحكم يَوْم أحد. وقال غيره: ولد مَرَوَان بمكة. ويقال: ولد بالطائف، فعلى قول مَالِك توفي رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْن ثمان سنين أو نحوها، ولم يره لأنه خرج إِلَى الطائف طفلا لا يعقل، وذلك أن رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ قد نفى أباه الحكم إليها، فلم يزل بها حَتَّى ولي عُثْمَان بْن عَفَّان، فرده عُثْمَان، فقدم المدينة هُوَ وولده فِي خلافة عُثْمَان، وتوفي أبوه فاستكتبه عثمان، وكتب له،

سيأتي على حسب الترتيب الجديد للكتاب في الأفراد.



فاستولى عَلَيْهِ إِلَى أن قتل عُثْمَان، ونظر إِلَيْهِ علي يوما. فقال لَهُ: ويلك وويل أمة مُحَمَّد منك، ومن بنيك إذا ساءت درعك! وَكَانَ مَرَوَان يقال لَهُ خيط باطل، وضرب بِهِ يَوْم الدار على قفاه، فجرى لقبه، فلما بويع لَهُ بالإمارة قَالَ فِيهِ أخوه عبد الرحمن بن الحكم- وكان ما جنا شاعرا محسنا، وَكَانَ لا يرى رأي مَرَوَان:

فو الله مَا أدري وأني لسائل ... حليلة مضروب القفا كيف يصنع

لحا الله قوما أمروا خيط باطل ... على الناس يعطي مَا يشاء ويمنع

وقيل: إنما قَالَ لَهُ أخوه عَبْد الرَّحْمَنِ ذَلِكَ حين ولاه مُعَاوِيَة أمر المدينة ، وَكَانَ كثيرا ما يهجوه. ومن قوله فيه:

وهبت نصيبي فيك يَا مرو كله ... لعمرو ومروان الطويل وخالد

فكل ابْن أم زائد غير ناقص ... وأنت ابْن أم ناقص غير زائد

وقال مَالِك بْن الريب يهجو مَرَوَان:

لعمرك مَا مَرَوَان يقضي أمورنا ... ولكنما تقضي لنا بِنْت جَعْفَر

فيا ليتها كانت علينا أميرةً ... وليتك يَا مَرَوَان أمسيت آخر

وكان مُعَاوِيَة لما صار الأمر إِلَيْهِ ولاه المدينة، ثم جمع له إلى المدينة مكة والطائف، ثُمَّ عزله عَنِ المدينة سنة ثمان وأربعين، وولاها سَعِيد بْن أَبِي الْعَاص، فأقام عليها أميرا إِلَى سنة أربع وخمسين، ثُمَّ عزله، وولى مَرَوَان، ثُمَّ عزله، وولى الْوَلِيد بْن عُتْبَة، فلم يزل واليا على المدينة حَتَّى مات مُعَاوِيَة وولى يَزِيد، فلما كف الْوَلِيد بْن عُتْبَة عَنِ الْحُسَيْن وَابْن الزُّبَيْر فِي شأن البيعة ليزيد، وَكَانَ الْوَلِيد رحيما حليما سريا، عزله وولى يَزِيد عَمْرو بْن سَعِيد الأشدق، ثُمَّ عزله وصرف الْوَلِيد بْن عُتْبَة، ثُمَّ عزله، وولى عُثْمَان بْن محمد بن أبى سفيان، وعليه قامت

في ش: من.

من ش.

في ش: ذاخر.



الحرّة، ثم لما مات يزيد، وولىّ ابنه أَبُو ليلى مُعَاوِيَة بْن يَزِيد، وذلك سنة أربع وستين. عاش بعد أَبِيهِ يَزِيد أربعين ليلة، ومات وَهُوَ ابْن إحدى وعشرين سنة، وَكَانَ موته من قرحة يقال لَهَا السكتة، وكانت أمه أم خَالِد بِنْت هاشم ابن عُتْبَة بْن رَبِيعَة، وقالت لَهُ: اجعل الخلافة من بعدك لأخيك، فأبى، وَقَالَ:

لا يكون لي مرها ولكم حلوها، فوثب مَرَوَان حينئذ عليها وأنشد:

إِنِّي أرى فتنةً تغلي مراجلها ... والملك بعد أَبِي ليلى لمن غلبا

ثم التقى هُوَ والضحاك بْن قَيْس بمرج راهط على أميال من دمشق، فقتل الضحاك، وَكَانَ مَرَوَان قد تزوج أم خَالِد بْن يَزِيد ليضع منه، فوقع بينه وبين خَالِد يوما كلام، فَقَالَ لَهُ مَرَوَان- واغلظ لَهُ فِي القول: اسكت يَا بْن الرطبة. فقال لَهُ خَالِد: مؤتمن خائن. فندم مَرَوَان، وَقَالَ: مَا أدى الأمانة إذا أؤتمن، ثُمَّ دخل خَالِد على أمه فَقَالَ لَهَا: هكذا أردت، يَقُول لي مَرَوَان على رءوس الناس كذا وكذا! فقالت لَهُ: اسكت، لا ترى بعد منه شيئا تكرهه، وسأقرب عليك مَا بعد، فسمته، ثُمَّ قامت إِلَيْهِ مع جواريها فغممته حَتَّى مات، فكانت خلافته تسعة أشهر وقيل عشرة أشهر.

ومات فِي صدر رمضان سنة خمس وستين، وَهُوَ ابْن ثلاث وستين. وقيل: ابْن ثمانية وستين، وقيل ابْن أربع وستين، وَهُوَ معدود فيمن قتله النساء. روى عَنْهُ من الصحابة سَهْل بْن سَعْد فيما ذكر صَالِح بْن كيسان. وعبد الرحمن بْن إِسْحَاق، عَنِ ابْن شهاب، بْن سَهْل بْن سَعْد، عَنْ مَرَوَان، عَنْ زَيْد بْن ثَابِت فِي قول الله عز وجل : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ من الْمُؤْمِنِينَ ... : الآية.

ورواه مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ قبيصة بْن ذؤيب. عن زيد بن ثابت. وممن

سورة النساء، آية .



رَوَى عَنْهُ من التابعين عُرْوَة بْن الزُّبَيْر، وعلي بْن الْحُسَيْن. وقال عُرْوَة: كَانَ مَرَوَان لا يتهم فِي الحديث، ومن شعر عَبْد الرحمن فيه:

ألا من مبلغ مَرَوَان عني ... رسولا والرسول من البيان

بأنك لن ترى طردا لحر ... كإلصاق بِهِ بعض الهوان

وهل حدثت قبلي عَنْ كريم ... معين فِي الحوادث أو معان

يقيم بدار مضيقة إذا لم ... يكن حيران أو خفق الجنان

فلا تقذف بي الرجوين إِنِّي ... أقل القوم من يغني مكاني

سأكفيك الَّذِي استكفيت مني ... بأمر لا تخالجه يدان

ولو أنا بمنزلة جميعا ... جريت وأنت مضطرب العنان

ولولا أن أم أبيك أمي ... وأن من قد هجاك فقد هجاني

لقد جاهرت بالبغضاء إِنِّي ... إلى أمر الجهارة والعلان
3 - مروان بن الحكم (64 - 65هـ): هو «مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس»، ولد فى السنة الأولى من الهجرة، ولذلك يعده بعض العلماء من الصحابة، وهو ابن عم الخليفة «عثمان بن عفان» رضى الله عنه، وكان كاتبه وأمين سره، وولاه «معاوية بن أبى سفيان» فى خلافته «المدينة المنورة» أكثر من مرة؛ ثقة منه بقدرته وخبرته السياسية التى اكتسبها طوال عمله مع «عثمان».
وكان «مروان» أثناء ولايته على «المدينة» يتحرَّى العدل، ولا يصدر أمرًا إلا بعد استشارة صلحاء الناس، ومن مآثره التى جلبت ثناء الناس عليه أنه جمع صيعان «المدينة» التى يكيلون بها، وأخذ بأعدلها وأضبطها كيلا، فنسبه الناس إليه، وقالوا: «صاع مروان»، وقال عنه الإمام «أحمد بن حنبل»: «كان عند مروان قضاء - يقصد كان عادلا فى قضائه - وكان يتبع قضايا عمر بن الخطاب»، ويصفه المؤرخون بالشجاعة والشهامة، والدهاء وحسن السياسة.
توليته الخلافة: اضطرب أمر «بنى أمية» بعد رفض «معاوية بن يزيد» أن يتولى الخلافة، أو يعهد بالأمر إلى أحد من أهل بيته، وفى هذه الأثناء أعلن «عبدالله بن الزبير» نفسه خليفة للمسلمين سنة (64هـ) فى «مكة»، فبايعه «العراق» و «مصر»، حتى الشام نفسها معقل الأمويين بايعه معظم أقاليمها، وبدا الأمر كما لو أن دولة الزبيريين قامت، ودولة الأمويين بادت.
كان «مروان بن الحكم» وبنوه يعيشون فى «المدينة المنورة»، فأخرجهم منها «عبدالله بن الزبير» فرحلوا إلى الشام، حيت تجمع هناك كل أنصار «بنى أمية» وولاتهم، من أمثال: «عبيد الله بن زياد»، و «الحصين بن نمير»، فأخذوا يشجعون «مروان» على تحمل قيادة البيت الأموى، ومنع دولتهم من السقوط.
وبعد مداولات طويلة بين زعماء القبائل استغرقت عدة شهور عقد مؤتمر فى «الجابية» بالقرب من «دمشق»، فى شهر ذى القعدة سنة (64هـ)، بويع فيه «مروان بن الحكم» بالخلافة، باعتباره أكبر أبناء البيت الأموى سنا، وأكثرهم تجربة.

مروان بن محمد بن مروان بن الحكم

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

13 - مروان بن محمد بن مروان بن الحكم (127 - 132هـ): هو آخر خلفاء «بنى أمية»، ولى حكم «أرمينيا» و «أذربيجان» منذ خلافة ابن عمه «هشام بن عبدالملك»، وكان من أكفأ الولاة، وأكثرهم خبرة وبصرًا بالأمور؛ فارسًا شجاعًا، بطلا مقدامًا، غيورًا على ملك «بنى أمية».
أدرك «مروان» عواقب مقتل «الوليد بن يزيد» على البيت الأموى، فخرج من «أرمينيا» قاصدًا «دمشق»؛ ليثأر لمقتل «الوليد»، لكن الخليفة الجديد «يزيد بن الوليد» ترضَّاه، ورجاه أن يرجع، ووعده بإصلاح الأحوال، فرجع مؤمِّلا أن يفى الخليفة بوعده، غير أن الخليفة تُوفِّى فجاءة، تاركًا الدولة وأحوالها مضطربة، لأخيه «إبراهيم»، الذى عجز عن النهوض بأعباء الخلافة؛ مما دفع «مروان» إلى التحرك من جديد، قاصدًا «دمشق»، ليجد «إبراهيم» قد غادرها هربًا، فيدخلها، ويبايع له بالخلافة، ليقوم بآخر محاولة لإنقاذ الدولة الأموية، التى شاءت الأقدار أن تكون نهايتها على يديه.
ولا يستطيع أحد أن يلوم «مروان» أو يحمله مسئولية زوال الدولة، فعوامل سقوطها كانت تتفاعل وتعمل من زمن بعيد، وكُتب له أن يجنى وحده الثمار المرة لأخطاء من سبقه، على الرغم مما بذله من جهد ومثابرة، وعزم لا يلين، فحارب فى أكثر من ميدان، وصارع أحداثًا عدّة، كانت كلها ضدَّه، وأول خطر واجهه هو انقسام البيت الأموى شيعًا وأحزابًا، وإشعال أبناء عمومته الثورات العارمة ضده فى الشام و «العراق»، ثم انقسام القبائل العربية؛ حيث وقفت القبائل اليمنية فى وجهه، وهم الأنصار التقليديون لبنى أمية، وانفجار المشكلات فى أنحاء الدولة كلها من «الأندلس» حتى بلاد «خراسان» و «ما وراء النهر».
وقد بلغت حركة الخوارج أقصى درجات العنف فى عهد «مروان بن محمد» (127 - 132هـ)، وقد شهد آخر ثورات الخوارج وأشدها خطرًا، بقيادة «الضحاك بن قيس الشيبانى» فى «العراق»، و «أبى حمزة الخارجى» فى جنوبى الجزيرة العربية.
*مروان بن الحكم هو «مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس»، ولد فى السنة الأولى من الهجرة، ولذلك يعده بعض العلماء من الصحابة، وهو ابن عم الخليفة «عثمان بن عفان» رضى الله عنه، وكان كاتبه وأمين سره، وولاه «معاوية بن أبى سفيان» فى خلافته «المدينة المنورة» أكثر من مرة؛ ثقة منه بقدرته وخبرته السياسية التى اكتسبها طوال عمله مع «عثمان».
وكان «مروان» أثناء ولايته على «المدينة» يتحرَّى العدل، ولا يصدر أمرًا إلا بعد استشارة صلحاء الناس، ومن مآثره التى جلبت ثناء الناس عليه أنه جمع صيعان «المدينة» التى يكيلون بها، وأخذ بأعدلها وأضبطها كيلا، فنسبه الناس إليه، وقالوا: «صاع مروان»، وقال عنه الإمام «أحمد بن حنبل»: «كان عند مروان قضاء - يقصد كان عادلا فى قضائه - وكان يتبع قضايا عمر بن الخطاب»، ويصفه المؤرخون بالشجاعة والشهامة، والدهاء وحسن السياسة.
اضطرب أمر «بنى أمية» بعد رفض «يزيد بن معاوية» أن يتولى الخلافة، أو يعهد بالأمر إلى أحد من أهل بيته، وفى هذه الأثناء أعلن «عبدالله بن الزبير» نفسه خليفة للمسلمين سنة (64هـ) فى «مكة»، فبايعه «العراق» و «مصر»، حتى الشام نفسها معقل الأمويين بايعه معظم أقاليمها، وبدا الأمر كما لو أن دولة الزبيريين قامت، ودولة الأمويين بادت.
كان «مروان بن الحكم» وبنوه يعيشون فى «المدينة المنورة»، فأخرجهم منها «عبدالله بن الزبير» فرحلوا إلى الشام، حيت تجمع هناك كل أنصار «بنى أمية» وولاتهم، من أمثال: «عبيد الله بن زياد»، و «الحصين بن نمير»، فأخذوا يشجعون «مروان» على تحمل قيادة البيت الأموى، ومنع دولتهم من السقوط.
وبعد مداولات طويلة بين زعماء القبائل استغرقت عدة شهور عقد مؤتمر فى «الجابية» بالقرب من «دمشق»، فى شهر ذى القعدة سنة (64هـ)، بويع فيه «مروان بن الحكم» بالخلافة، باعتباره أكبر أبناء البيت الأموى سنا، وأكثرهم تجربة.
كان على

مروان بن محمد بن مروان بن الحكم

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

*مروان بن محمد بن مروان بن الحكم هو آخر خلفاء «بنى أمية»، ولى حكم «أرمينيا» و «أذربيجان» منذ خلافة ابن عمه «هشام بن عبدالملك»، وكان من أكفأ الولاة، وأكثرهم خبرة وبصرًا بالأمور؛ فارسًا شجاعًا، بطلا مقدامًا، غيورًا على ملك «بنى أمية».
أدرك «مروان» عواقب مقتل «الوليد بن يزيد» على البيت الأموى، فخرج من «أرمينيا» قاصدًا «دمشق»؛ ليثأر لمقتل «الوليد»، لكن الخليفة الجديد «يزيد بن الوليد» ترضَّاه، ورجاه أن يرجع، ووعده بإصلاح الأحوال، فرجع مؤمِّلا أن يفى الخليفة بوعده، غير أن الخليفة تُوفِّى فجاءة، تاركًا الدولة وأحوالها مضطربة، لأخيه «إبراهيم»، الذى عجز عن النهوض بأعباء الخلافة؛ مما دفع «مروان» إلى التحرك من جديد، قاصدًا «دمشق»، ليجد «إبراهيم» قد غادرها هربًا، فيدخلها، ويبايع له بالخلافة، ليقوم بآخر محاولة لإنقاذ الدولة الأموية، التى شاءت الأقدار أن تكون نهايتها على يديه.
ولا يستطيع أحد أن يلوم «مروان» أو يحمله مسئولية زوال الدولة، فعوامل سقوطها كانت تتفاعل وتعمل من زمن بعيد، وكُتب له أن يجنى وحده الثمار المرة لأخطاء من سبقه، على الرغم مما بذله من جهد ومثابرة، وعزم لا يلين، فحارب فى أكثر من ميدان، وصارع أحداثًا عدّة، كانت كلها ضدَّه، وأول خطر واجهه هو انقسام البيت الأموى شيعًا وأحزابًا، وإشعال أبناء عمومته الثورات العارمة ضده فى الشام و «العراق»، ثم انقسام القبائل العربية؛ حيث وقفت القبائل اليمنية فى وجهه، وهم الأنصار التقليديون لبنى أمية، وهبوب ثورات الخوارج الأخيرة ضد الدولة، وانفجار المشكلات فى أنحاء الدولة كلها من «الأندلس» حتى بلاد «خراسان» و «ما وراء النهر».
وفى الوقت الذى يواجه فيه «مروان» كل هذه الظروف الصعبة، منتقلا من ميدان إلى ميدان، ومن جبهة إلى أخرى دون كلل أو ملل، محاولا إنقاذ الدولة، وبث روح الحياة فيها، وتجديد الدماء فى أوصالها -

عبد الملك بن مروان بن الحكم 65هـ ـ 86هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

عبد الملك بن مروان بن الحكم 65هـ ـ 86ه

عبد الملك بن مروان : بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب أبو الوليد ولد سنة ست و عشرين بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير فلم تصح خلافته و بقي متغلبا على مصر و الشام ثم غلب على العراق و ما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة ثلاث و سبعين فصحت خلافته من يومئذ و استوثق له الأمر ففي هذا العام هدم الحجاج الكعبة و أعادها على ما هي عليه الآن و دس على ابن عمر من طعنه بحربة مسمومة فمرض منها و مات

و في سنة أربع و سبعين سار الحجاج إلى المدينة و أخذ يتعنت على أهلها و يستخف ببقايا من فيها من صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم و ختم في أعناقهم و أيديهم يذلهم بذلك كأنس و جابر بن عبد الله و سهل بن سعد الساعدي فإنا لله و إنا إليه راجعون

و في سنة خمس و سبعين حج بالناس عبد الملك الخليفة و سير الحجاج أميرا على العراق

و في سنة سبع و سبعين فتحت هرقلة و هدم عبد العزيز بن مروان جامع مصر و زيد فيه من جهاته الأربع

و في سنة اثنين و ثمانين فتح حصن سنان من ناحية المصيصة و كانت غزوة أرمينية و صنهاجة بالمغرب

و في سنة ثلاث و ثمانين بنيت مدينة واسط بناها الحجاج

و في سنة أربع و ثمانين فتحت المصيصة و أودية من المغرب

و في سنة خمس و ثمانين بنيت مدينة أردبيل و مدينة برذعة بناها عبد العزيز ابن حاتم بن النعمان الباهلي

و في سنة ست و ثمانين فتح حصن بولق و حصن الأخرم و فيها كان طاعون الفتيات و سمي بذلك لأنه بدأ في النساء

و فيها مات الخليفة عبد الملك في شوال و خلف سبعة عشر ولدا

قال أحمد بن عبد الله العجلي : كان عبد الملك أبخر الفم و إنه ولد لستة أشهر

و قال ابن سعد : كان عابدا زاهدا ناسكا بالمدينة قبل الخلافة

و قال يحيى الغساني : كان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء فقالت له مرة : بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء بعد النسك و العبادة قال : إي و الله و الدماء قد شربتها

و قال نافع : لقد رأيت المدينة و ما بها شاب أشد تشميرا و لا أفقه و لا أنسك و لا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان

و قال أبو الزناد : فقهاء المدينة : سعيد بن المسيب و عبد الملك بن مروان و عروة ابن الزبير و قبيصة بن ذؤيب

و قال ابن عمر : ولد الناس أبناء و ولد مروان أبا

و قال عبادة بن نسي : قيل لابن عمر : إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا فمن نسأل بعدكم ؟ فقال : إن لمروان ابنا فيها فاسألوه

و قال سحيم مولى أبي هريرة رضي الله عنه : دخل عبد الملك ـ و هو شاب ـ على أبي هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة : هذا يملك العرب

و قال عبيدة بن رياح الغساني : قالت أم الدرداء لعبد الملك : ما زلت أتخيل هذا الأمر فيك منذ رأيتك قال : و كيف ذاك ؟ قالت : ما رأيت أحسن منك محدثا و لا أعلم منك مستمعا

و قال الشعبي : ما جالست أحدا إلا وجدت لي عليه الفضل إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذكرته حديثا إلا و زادني فيه و لا شعرا إلا و زادني فيه

و قال الذهبي : سمع عبد الملك من عثمان و أبي هريرة و أبي سعيد و أم سلمة و بريرة و ابن عمر و معاوية روى عنه : عروة و خالد بن معدان و رجاء ابن حيوة و الزهري و يونس بن ميسرة و ربيعة بن يزيد و إسماعيل بن عبيد الله و حريز بن عثمان و طائفة

و قال بكر بن عبد الله المزني : أسلم يهودي اسمه يوسف و كان قرأ الكتب فمر بدار مروان فقال : ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار فقلت له : إلى متى ؟ قال : حتى تجيء رايات سود من قبل خراسان

و كان صديقا لعبد الملك بن مروان فضرب يوما على منكبه و قال : اتق الله في أمة محمد إذا ملكتهم فقال : دعني ويحك ما شأني و شأن ذلك ؟ فقال : اتق الله في أمرهم قال : و جهز يزيد جيشا إلى أهل مكة فقال عبد الملك : أعوذ بالله ! أيبعث إلى حرم الله ؟ فضرب يوسف منكبه و قال : جيشك إليهم أعظم

و قال يحيى الغساني : لما نزل مسلم بن عقبة المدينة دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلست إلى جنب عبد الملك فقال لي عبد الملك : أمن هذا الجيش أنت ؟ قلت : نعم قال : ثكلتك أمك ! أتدري إلى من تسير ؟ إلى أول مولود ولد في الإسلام و إلى ابن حواري رسول الله صلى الله عليه و سلم و إلى ابن ذات النطاقين و إلى من حنكه رسول الله صلى الله عليه و سلم أما و الله إن جئته نهارا وجدته صائما و لئن جئته ليلا لتجدنه قائما فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم الله جميعا في النار فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا مع الحجاج حتى قتلناه

و قال ابن أبي عائشة : أفضي الأمر إلى عبد الملك و المصحف في حجره فأطبقه و قال : هذا آخر العهد بك

و قال مالك : سمعت يحيى بن سعيد يقول : أول من صلى المسجد ما بين الظهر و العصر عبد الملك بن مروان و فتيان معه كانوا إذا صلى الإمام الظهر قاموا فصلوا إلى العصر فقيل لسعيد بن المسيب : لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء فقال سعيد بن المسيب : ليست العبادة بكثرة الصلاة و الصوم و إنما العبادة التفكر في أمر الله و الورع عن محارم الله

و قال مصعب بن عبد الله : أول من سمي في الإسلام عبد الملك عبد الملك ابن مروان و قال يحيى بن بكير : سمعت مالكا يقول : أول من ضرب الدنانير عبد الملك و كتب عليها القرآن و قال مصعب : كتب عبد الملك على الدنانير : {{ قل هو الله أحد }} و في الوجه الآخر [ لا إله إلا الله ] و طوقه بطوق فضة و كتب فيه [ ضرب بمدينة كذا ] و كتب خارج الطوق [ محمد رسول الله أرسله بالهدى و دين الحق ]

و في الأوائل للعسكري بسنده : كان عبد الملك أول من كتب في صدور الطوامير {{ قل هو الله أحد }} و ذكر النبي صلى الله عليه و سلم مع التاريخ فكتب ملك الروم : إنكم أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكر نبيكم فاتركوه و إلا أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون فعظم ذلك على عبد الملك فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية فشاوره فقال : حرم دنانيرهم و اضرب للناس سككا فيها ذكر الله و ذكر رسوله و لا تعفهم مما يكرهون في الطوامير فضرب الدنانير للناس سنة خمس و سبعين قال العسكري : و أول خليفة بخل عبد الملك و كان يسمى [ رشح الحجارة ] لبخله و يكنى [ أبا الذبان ] لبخره

قال : و هو أول من غدر في الإسلام و أول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء و أول من نهى عن الأمر بالمعروف

ثم أخرج بسنده عن ابن الكلبي قال : كان مروان بن الحكم ولى العهد عمرو ابن سعيد بن العاص بعد ابنه فقتله عبد الملك و كان قتله أول غدر في الإسلام فقال بعضهم :

( يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد ... جربتم الغدر من أبناء مروانا )

( أمسوا و قد قتلوا عمرا و ما رشدوا ... يدعون غدرا بعهد الله كيسانا )

( و يقتلون الرجال البزل ضاحية ... لكي يؤلوا أمور الناس ولدانا )

( تلاعبوا بكتاب الله فاتخذوا ... هواهم في معاصي الله قرآنا )

و أخرج بإسناد فيه الكديمي و هو متهم بالكذب عن ابن جريج عن أبيه قال : خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزبير عام حج سنة خمس و سبعين فقال بعد حمد الله و الثناء عليه :

أما بعد فلست بالخليفة المستضعف ـ يعني عثمان و لا الخليفة المداهن ـ يعني معاوية و لا الخليفة المأفون ـ يعني يزيد ألا و إن من كان قلبي من الخلفاء كانوا يأكلون و يطعمون من هذه الأموال ألا و إني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم تكلفوننا أعمال المهاجرين و لا تعملون مثل أعمالهم ؟ فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا و بينكم هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته و موضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا ألا و إنا نحمل لكم كل شيء إلا وثوبا على أمير أو نصب راية ألا و إن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي و الله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه و الله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ثم نزل

ثم قال العسكري : و عبد الملك أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية و أول من رفع يديه على المنبر

قلت : فتمت له عشرة أوائل منها خمسة مذمومة

و قد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن محمد بن سيرين قال : أول من أحدث الأذان في الفطر و الأضحى بنو مروان فإما أن يكون عبد الملك أو أحدا من أولاده

و أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرني غير واحد أن أول من كسا الكعبة بالديباج عبد الملك بن مروان و إن من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا : أصاب ما نعلم لها من كسوة أوفق منه

و قال يوسف بن الماجشون : كان عبد الملك إذا قعد للحكم قيم على رأسه بالسيوف

و قال الأصمعي : قيل لعبد الملك : يا أمير المؤمنين عجل عليك الشيب فقال : و كيف لا و أنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة ؟

و قال محمد بن حرب الزيادي : قيل لعبد الملك بن مروان : من أفضل الناس ؟ قال : من تواضع عن رفعة و زهد عن قدرة و أنصف عن قوة

و قال ابن عائشة : كان عبد الملك إذا دخل عليه رجل من أفق من الآفاق قال : اعفني من أربع و قل بعدها ما شئت : لا تكذبني فإن الكذوب لا رأي له و لا تجبني فيما لا أسألك فإن فيما أسألك عنه شغلا و لا تطرني فإني أعلم بنفسي منك و لا تحملني على الرعية فإني إلى الرفق بهم أحوج و قال المدائني : لما أيقن عبد الملك بالموت قال : و الله لوددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالا ثم أوصى بنيه بتقوى الله و نهاهم عن الفرقة و الاختلاف و قال : كونوا بني أم بررة و كونوا في الحرب أحرارا و للمعروف منارا فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها و إن المعروف يبقى أجره و ذكره واحلوا في مرارة و لينوا في شدة و كونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشيباني :

( إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش باليد )

( عزت فلم تكسر و إن هي بددت ... فالكسر و التوهين للمتبدد )

يا وليد اتق الله فيما أخلفك فيه إلى أن قال : و انظر الحجاج فأكرمه فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر و هو سيفك يا وليد و يدك على من ناوأك فلا تسمعن فيه قول أحد و أنت إليه أحوج منه إليك و ادع الناس إذا مت إلى البيعة فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا

وقال غيره : لما احتضر عبد الملك دخل عليه ابنه الوليد فتمثل بهذا :

( كم عائد رجلا و ليس يعوده ... إلا ليعلم هل يراه يموت ؟ ! )

فبكى الوليد فقال : ما هذا ؟ أتحن حنين الأمة ؟ إذا أنا مت فشمر و ائتزر و البس جلد النمر و ضع سيفك على عاتقك فمن أبدى ذات نفسه لك فاضرب عنقه و من سكت مات بدائه

قلت : لو لم يكن من مساوىء عبد الملك إلا الحجاج و توليته إياه على المسلمين و على الصحابة رضي الله عنهم يهينهم و يذلهم قتلا و ضربا و شتما و حبسا و قد قتل من الصحابة و أكابر التابعين ما لا يحصى فضلا عن غيرهم و ختم في عنق أنس و غيره من الصحابة ختما يريد بذلك ذلهم فلا رحمة الله و لا عفا عنه و من شعر عبد الملك :

( لعمري لقد عمرت في الدهر برهة ... و دانت لي الدنيا بوقع البواتر )

( فأضحى الذي قد كان مما يسرني ... كلمح مضى في المزمنات الغوابر )

( فيا ليتني لم أعن بالملك ساعة ... ولم أله لي لذات عيش نواضر )

( و كنت كذي طمرين عاش ببلغة ... من الدهر حتى زار ضنك بالمقابر )

و في تاريخ ابن عساكر عن إبراهيم بن عدي قال : رأيت عبد الملك بن مروان و قد أتته أمور أربعة في ليلة فما تنكر و لا تغير وجهه : قتل عبيد الله بن زياد و قتل حبيش بن دلجة بالحجاز و انتقاض ما كان بينه و بين ملك الروم و خرج عمرو بن سعيد إلى دمشق

و فيه عن الأصمعي قال : أربعة لم يلحنوا في جد و لا هزل : الشعبي و عبد الملك بن مروان و الحجاج بن يوسف و ابن القرية

و أسند السلفي في الطيوريات : أن عبد الملك بن مروان خرج يوما فلقيته امرأة فقالت : يا أمير المؤمنين قال : ما شأنك ؟ قالت : توفي أخي و ترك ستمائة دينار فدفع إلي من ميراثه دينار واحد فقيل هذا حقك فعمي الأمر فيها على عبد الملك فأرسل إلى الشعبي فسأله فقال : نعم هذا توفي فترك ابنتين فلهما الثلثان أربعمائة و أما فلها السدس مائة و زوجة فلها الثمن خمسة و سبعون و اثني عشر أخا فلهم أربعة و عشرون و بقي لها دينار

و قال ابن أبي شيبة في المنصف : حدثنا أبو سفيان الحميري حدثنا خالد بن محمد القرشي قال : قال عبد الملك بن مروان : من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية و من أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية و من أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية

و قال أبو عبيدة : لما أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها :

( شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... و أعظم الناس أحلاما إذا قدروا )

قال : خذ بيده يا غلام فأخرجه ثم ألقي عليه من الخلع ما يغمره ثم قال : إن لكل قوم شاعرا و شاعر بني أمية الأخطل و قال الأصمعي : دخل الأخطل على عبد الملك فقال : ويحك ! صف لي السكر قال : أوله لذة و آخره صداع و بين ذلك حالة لا أصف لك مبلغها فقال : ما مبلغها ؟ قال : لملكك يا أمير المؤمنين عندها أهون علي من شسع نعلي و أنشأ يقول :

( إذا ما نديمي علني ثم علني ... ثلاث زجاجات لهن هدير )

( خرجت أجر الذيل تيها كأنني ... عليك أمير المؤمنين أمير )

قال الثعالبي : كان عبد الملك يقول : ولدت في رمضان و فطمت في رمضان و ختمت القرآن في رمضان و بلغت الحام في رمضان و وليت في رمضان و أتتني الخلافة في رمضان و أخشى أن أموت في رمضان فلما دخل شوال و أمن مات

و ممن مات في أيام عبد الملك من الأعلام : ابن عمر و أسماء بنت الصديق و أبو سعيد بن المعلى و أبو سعيد الخدري و رافع بن خديج و سلمة بن الأكوع و العرباض بن سارية و جابر بن عبد الله و عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و السائب بن يزيد و أسلم مولى عمر و أبو إدريس الخولاني و شريح القاضي و أبان بن عثمان بن عفان و الأعشى الشاعر و أيوب بن القرية الذي يضرب به المثل في الفصاحة و خالد بن يزيد بن معاوية و زر بن حبيش و سنان بن سلمة ابن المحبق و سويد بن غفلة و أبو وائل و طارق بن شهاب و محمد بن الحنيفة و عبد الله بن شداد بن الهاد و أبو عبيد بن عبد الله بن مسعود وعمرو بن حريث و عمرو بن سلم الجرمي و آخرون

يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم 101هـ ـ 105 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم 101هـ ـ 105 ه

يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم : أبو خالد الأموي الدمشقي

ولد سنة إحدى و سبعين و ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان كما تقدم

و قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما ولي يزيد قال : سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز فأتى بأربعين شيخا فشهدوا له ما على الخلفاء حساب و لا عذاب

و قال ابن الماجشون : لما مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد : و الله ما عمر بأحوج إلى الله مني فأقام أربعين يوما يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز ثم عدل عن ذلك

و قال سليم بن بشير : كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين احتضر : سلام عليك أما بعد فإني لا أراني إلا لما بي فالله الله في أمة محمد فإنك تدع الدنيا لمن لا يحمدك و تفضي إلى من لا يعذرك و السلام

و في سنة اثنتين خرج يزيد بن المهلب على الخلافة فوجه إليه مسلمة بن عبد الملك بن مروان فهزم يزيد و قتل و ذلك بالعقير موضع بقرب كربلاء

قال الكلبي : نشأت و هم يقولون : ضحى بنو أمية يوم كربلاء بالدين و يوم العقير بالكرم مات يزيد في أواخر شعبان سنة خمس و مائة

و ممن مات في خلافته من الأعلام : الضحاك بن مزاحم و عدي بن أرطأة و أبو المتوكل الناجي و عطاء بن يسار و مجاهد و يحيى بن وثاب مقرئ الكوفة و خالد بن معدان و الشعبي عالم العراق و عبد الرحمن حسان بن ثابت و أبو قلابة الجرمي و أبو بردة بن أبي موسى الأشعري و آخرون

مروان بن محمد بن مروان بن الحكم [ الحمار ] 127 هـ ـ 132 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

مروان بن محمد بن مروان بن الحكم [ الحمار ] 127 هـ ـ 132 ه

مروان الحمار : آخر خلفاء بني أمية أبو عبد الملك بن محمد بن مروان بن الحكم و يلقب بالجعدي نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم و بالحمار لنه كان لا يجف له لبد في محاربة الخارجين عليه

كان يصل السير بالسير و يصبر على مكاره الحرب و يقال في المثل : فلان أصبر من حمار في الحروب فلذلك لقب به وقيل : لأن العرب تسمي كل مائة سنة حمارا فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بالحمار لذلك

ولد مروان بالجزيرة و أبوه متوليها سنة اثنتين و سبعين و أمه أم ولد

و ولي قبل الخلافة ولايات جليلة و افتتح قونية سنة خمس و مائة

و كان مشهورا بالفروسية و الإقدام و الرجولة و الدهاء و العسف فلما قتل الوليد و بلغه ذلك و هو على أرمينية دعا إلى بيعة من رضيه المسلمون فبايعوه فلما بلغه موت يزيد أنفق الخزائن و سار فحارب إبراهيم فهزمه و بويع مروان و ذلك في نصف صفر سنة سبع و عشرين و استوثق له الأمر فأول ما فعل أمر بنبش يزيد الناقص فأخرجه من قبره و صلبه لكونه قتل الوليد

ثم إنه لم يتهن بالخلافة لكثرة من خرج عليه من كل جانب إلى سنة اثنتين و ثلاثين فخرج عليه بنو العباس و عليهم عبد الله بن علي عم السفاح فسار لحربهم فالتقى الجمعان بقرب الموصل فانكسر مروان فرجع إلى الشام فتبعه عبد الله ففر مروان إلى مصر فتبعه صالح أخو عبد الله فالتقيا بقرية بوصير فقتل بها في ذي الحجة من السنة

مات في أيامه من الأعلام : السدي الكبير و مالك بن دينار الزاهد و عاصم ابن أبي النجود المقري و يزيد بن أبي حبيب و شيبة بن نصاح المقري و محمد بن المنكدر و أبو جعفر يزيد بن القعقاع مقرىء المدينة و أبو أيوب السختياني و أبو الزناد و همام بن منبه و واصل بن عطاء المعتزلي

و أخرج الصولي عن محمد بن صالح قال : لما قتل مروان الحمار قطع رأسه و وجه به إلى عبد الله بن علي فنظر غليه و غفل فجاءت هرة فاقتلعت لسانه و جعلت تمضغه فقال عبد الله بن علي : لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ذلك

عزل مروان بن الحكم عن المدينة وتولية الوليد بن عتبة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عزل مروان بن الحكم عن المدينة وتولية الوليد بن عتبة.
57 شوال - 677 م
عزل معاوية رضي الله عنه مروان بن الحكم عن المدينة وولى عليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو الذي حج بالناس في هذه السنة، لأنه صارت إليه إمرة المدينة. ولم يزل عليها واليا حتى مات معاوية رضي الله عنه.

مروان بن الحكم يتولى الخلافة الأموية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مروان بن الحكم يتولى الخلافة الأموية.
64 ذو الحجة - 684 م
لما بويع لابن الزبير بالخلافة وقدم الحصين بن نمير ومن معه إلى الشام أخبر مروان بما كان بينه وبين ابن الزبير، وقال له ولبني أمية: نراكم في اختلاط فأقيموا أميركم قبل أن يدخل عليكم شأمكم فتكون فتنة عمياء صماء. وكان من رأي مروان أن يسير إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة، فقدم ابن زياد من العراق، وبلغه ما يريد مروان أن يفعل، فقال له: قد استحييت لك من ذلك، أنت كبير قريش وسيدها تمضي إلى أبي خبيب فتبايعه، يعني ابن الزبير، فقال: ما فات شيء بعد، فقام معه بنو أمية ومواليهم وتجمع إليه أهل اليمن فسار إلى دمشق وهو يقول: ما فات شيء بعد، فقدم دمشق والضحاك بن قيس قد بايعه أهلها على أن يصلي بهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس، وهو يدعو إلى ابن الزبير سراً. وكان زفر بن الحارث الكلائي بقنسرين يبايع لابن الزبير، والنعمان بن بشير بحمص يبايع له أيضاً، وكان حسان بن مالك بن بحدل الكلبي بفلسطين عاملاً لمعاوية ولابنه يزيد وهو يريد بني أمية، فسار إلى الأردن واستخلف على فلسطين روح بن زنباع الجذامي، فثار ناتل بن قيس بروح فأخرجه من فلسطين وبايع لابن الزبير ولكن مروان جهز جيوشا ليثبتوا له البيعة فثبت حكمه بالشام وأما الجيش الثاني فسار للعراق ليأخذ له البيعة ولكن لم تدم مدة خلافته طويلا حتى توفي فكانت خلافته تسعة أشهر.

98 - خ 4: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الملك القرشي الأموي، وقيل: أبو القاسم، ويقال: أبو الحكم.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

98 - خ 4: مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ الأُمَوِيُّ، وَقِيلَ: أَبُو الْقَاسِمِ، وَيُقَالُ: أَبُو الْحَكَمِ. [الوفاة: 61 - 70 ه]
وُلِدَ بِمَكَّةَ بَعْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن له رؤية إِنْ شَاءَ اللَّهُ. -[707]-
وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدِيثَ الْحُدَيْبِيَةِ بِطُولِهِ وَفِيهِ إِرْسَالٌ، لكن أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَرَوَى أَيْضًا عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
رَوَى عَنْهُ: سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَمُجَاهِدٌ.
وَكَانَ كَاتِبُ ابْنِ عَمِّهِ عُثْمَانَ، وَوَلَّى إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ وَالْمَوْسِمِ لِمُعَاوِيَةَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَبَايَعُوهُ بِالْخِلافَةِ بَعْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ، وَحَارَبَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ فِي الْمَصَافِّ، وَسَارَ إِلَى مِصْرَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى الشَّامِ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مُسْتَوْلِيًا عَلَى الحجاز كله والعراق وَخُرَاسَانَ وَغَيْرَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلِمَرْوَانَ ثَمَانِ سِنِينَ، وَلَمْ يَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا، وَأُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْكِنَانِيَّةُ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَسْلَمَ الْحَكَمُ فِي الْفَتْحِ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَطَرَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَ الطَّائِفَ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَمَاتَ زَمَنَ عُثْمَانَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَضَرَبَ عَلَى قَبْرِهِ فُسْطًاطًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَرْوَانَ كَانَ مِنْ أَكْبَرِ الأَسْبَابِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا الدَّاخِلُ عَلَى عُثْمَانَ، لِأَنَّهُ زَوَّرَ عَلَى لِسَانِهِ كِتَابًا فِي شَأْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي السَّرِيِّ: كَانَ مروان قصيرا، أحمر الوجه، أوقص، دقيق الْعُنُقِ، كَبِيرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ " خَيْطَ بَاطِلٍ " لِدِقَّةِ عُنُقِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: لَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ يَوْمَ الْجَمَلِ؛ كَانَ عَلِيٌّ يَسْأَلُ عَنْ مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أمير المؤمنين إنك لتسأل عنه؟ قال: يعطفني عَلَيْهِ رَحِمٌ مَاسَّةٌ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ سَيِّدٌ مِنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنِي زياد إلى -[708]- مُعَاوِيَةَ فِي حَوَائِجَ، فَقُلْتُ: مَنْ تَرَى لِهَذَا الأَمْرِ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَسَمَّى جَمَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْقَارِئُ لِكِتَابِ اللَّهِ، الْفَقِيهُ فِي دِينِ الله، الشديد في حدود الله: مَرْوَانُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُقَالُ: كَانَ عِنْدَ مَرْوَانَ قَضَاءٌ، وَكَانَ يَتْبِعُ قَضَاءَ عُمَرَ.
وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ: أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَنْحَرَ ابْنَهَا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَقَدِمَتِ الْمَدِينَةَ تَسْتَفْتِي، فَجَاءَتِ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لا أَعْلَمُ فِي النَّذْرِ إِلا الْوَفَاءَ، قَالَتْ: أَفَأَنْحَرُ ابْنِي؟ قَالَ: قَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. فَجَاءَتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فقال: أمر الله بوفاء بالنذر، وَنَهَاكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ نَذَرَ إِنْ تَوَافَى لَهُ عَشَرَةُ رَهْطٍ أَنْ يَنْحَرَ أَحَدَهُمْ، فَلَمَّا تَوَافَوْا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَصَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ أَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، أَهُوَ أَوْ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَ الْمِائَةِ وَبَيْنَهُ، فَصَارَتِ الْقُرَعَةُ عَلَى الإِبِلِ، فَأَرَى أَنْ تَنْحَرِي مِائَةً مِنَ الإِبِلِ مَكَانَ ابْنِكِ، فَبَلَغَ الْحَدِيثُ مَرْوَانَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: مَا أَرَاهُمَا أَصَابَا، إِنَّهُ لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَاسْتَغْفِرِي الله وَتُوبِي إِلَيْهِ، وَاعْمَلِي مَا اسْتَطَعْتِ مِنَ الْخَيْرِ، فَسُرَّ النّاسُ بِذَلِكَ وَأَعْجَبَهُمْ قَوْلُهُ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يُفْتُونَ بِأَنَّهُ لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي شُرَحْبيلُ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي من حضر ابن البياع الليثي يوم الدار يبارز مروان فكأني أنظر إلى قِبَائِهِ قَدْ أَدْخَلَ طَرَفَيْهِ فِي مَنْطِقَتِهِ، وَتَحْتَ الْقِبَاءِ الدِّرْعُ، فَضَرَبَ مَرْوَانُ عَلَى قَفَاهُ ضَرَبَةً قطع علابي رقبته، ووقع لوجهه، فأرادوا أن يذففوا عَلَيْهِ، فَقِيلَ: أَتُبَضِّعُونَ اللَّحْمَ، فَتُرِكَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَذَكَرَ مَرْوَانَ، فقال: والله لقد ضربت كَعْبُهُ، فَمَا أَحْسَبُهُ إِلا قَدْ مَاتَ، وَلَكِنَّ الْمَرْأَةَ أَحْفَظَتْنِي، قَالَتْ: مَا تَصْنَعُ بِلَحْمِهِ أَنْ تُبَضِّعَهُ، فَأَخَذَنِي الْحُفَّاظُ، فَتَرَكْتُهُ. -[709]-
وَقَالَ خَلِيفَةُ: إِنَّ مَرْوَانَ وَلِيَ الْمَدِينَةَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ.
وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، قال: كان مَرْوَانُ أَمِيرًا عَلَيْنَا سِتَّ سِنِينَ، فَكَانَ يَسُبُّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عُزِلَ بِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَبَقِيَ سَنَتَيْنِ، فَكَانَ لا يَسُبُّهُ، ثُمَّ أُعِيدَ مَرْوَانُ، فَكَانَ يَسُبُّهُ، فَقِيلَ لِلْحَسَنِ: أَلا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ هَذَا؟ فَجَعَلَ لا يَرُدُّ شَيْئًا، قَالَ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَجِيءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَدْخُلُ فِي حجرة النبي صلى الله عليه سلم فَيَقْعُدُ فِيهَا، فَإِذَا قُضِيَتِ الْخُطْبةُ خَرَجَ فَصَلَّى، فَلَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ حَتَّى أَهْدَاهُ لَهُ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: فَإِنَّا لَعِنْدَهُ إِذْ قِيلَ: فُلانٌ بِالْبَابِ، قَالَ: ائْذَنْ لَهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَظُّنُهُ قَدْ جَاءَ بِشَرٍّ، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: يَا حَسَنُ، إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ سُلْطَانٍ وجئتك بعزمة، قال: تكلم؟ قال: أرسل مرون ويل بعلي وبعلي وبعلي، وبك وبك وبك، وَمَا وَجَدْتُ مِثْلَكَ إِلا مِثْلَ الْبَغْلَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَنْ أَبُوكِ، فتَقُولُ: أُمِّي الْفَرَسُ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنِّي وَاللَّهِ لا أَمْحُو عَنْكَ شَيْئًا مِمَّا قلت، فَلَنْ أَسُبَّكَ، وَلَكِنَّ مَوْعِدِي وَمَوْعِدُكَ اللَّهَ، فَإِنْ كُنْتَ صادقاُ فَجَزَاكَ اللَّهُ بِصِدْقِكَ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَاللَّهُ أَشَدُّ نَقْمَةً، وَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ جَدِّي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، أَوْ قَالَ مِثْلِي مِثْلُ الْبَغْلَةِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْحُجْرَةِ لَقِيَ الحسين، فَقَالَ: مَا جِئْتَ بِهِ؟ قَالَ: رِسَالَةٌ. قَالَ: وَاللَّهِ لَتُخْبِرُنِي أَوْ لَآمُرَنَّ بِضَرْبِكَ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَرَجَعَ، فَلَمَّا رَآهُ الْحَسَنُ، قَالَ: أَرْسِلْهُ، قَالَ: إِنِّي لا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: إِنِّي قَدْ حَلَفْتُ، قَالَ: قَدْ لَجَّ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أكل فلان بظر أمه إن لم تبلغه عَنِّي مَا أَقُولُ لَهُ: قُلْ لَهُ: وَيْلٌ بك وبأبيك وَقَوْمِكَ، وَآيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ أَنْ يَمْسِكَ مَنْكِبَيْكَ مِنْ لَعْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالَ وَزَادَ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، قَالَ: كُنْتُ بَيْنَ الْحَسْنِ وَالْحُسَيْنِ وَمَرْوَانَ، وَالْحُسَيْنُ يُسَابُّ مَرْوَانَ، فَجَعَلَ الْحَسْنُ يَنْهَاهُ، فَقَالَ مروان: إنّكم أهل بيتٍ ملعونون، فغضب الحَسَن، وَقَالَ: وَيْلَكَ، قُلْتَ هَذَا، فَوَاللَّهِ لَقَدْ لَعَنَ الله أباك على لسان نبيه وأنت في صُلْبِهِ. رَوَاهُ جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي يحيى النخعي. -[710]-
وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنّ الحسن والحسين كان يصليان خلف مروان، فقيل: أما كانا يصليان إذا رجعا إلى منازلهما؟ قالا: لا وَاللَّهِ.
وَقَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ثَلاثِينَ رَجُلا اتَّخَذُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلا، وَدِينَ اللَّهِ دَغَلا، وَعِبَادَ اللَّهِ خَوَلا ".
سَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَكَانَ عَطِيَّةُ مَعَ ضَعْفِهِ شِيعِيًّا غَالِيًا، لَكِنَّ الْحَدِيثُ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: " إِذَا بَلَغَتْ بَنُو أُمَيَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلا اتَّخَذُوا عِبَادَ اللَّهِ خَوَلا، وَمَالَ اللَّهِ دُوَلا، وَكِتَابَ اللَّهِ دَغَلًا ". إِسْنَادُهُ مُنْقطِعٌ.
وَذَكَرَ عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ، أَنَّ مَرْوَانَ قَدِمَ بِبَنِي أُمَيَّةَ عَلَى حَسَّانِ بْنِ مَالِكِ بْنِ بَحْدَلٍ وَهُوَ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: أَتَيْتَنِي بنفسك إذ أَبَيْتُ أَنْ آتِيكَ، وَاللَّهِ لَأُجَادِلَنَّ عَنْكَ فِي قَبَائِلِ الْيَمَنِ، أَوْ أُسَلِّمُهَا إِلَيْكَ، فَبَايَعَ حَسَّانُ أَهْلِ الأُرْدُنِّ لِمَرْوَانَ، عَلَى أَنْ يُبَايِعَ مَرْوَانُ لِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَلَهُ إِمْرَةُ حِمْصَ، وَلِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ إِمْرَةُ دِمَشْقَ، وَذَلِكَ فِي نِصْفِ ذِي الْقَعْدَةِ.
وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: بَايَعَ مَرْوَانَ أَهْلُ الأُرْدُنِّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَسَائِرُ النَّاسِ زُبَيْرِيُّونَ، ثُمَّ اقْتَتَلَ مَرْوَانُ وشيعة ابْنِ الزُّبَيْرِ يَوْمَ رَاهِطٍ فَظَفِرَ مَرْوَانُ وَغَلَبَ عَلَى الشَّامِ وَمِصْرَ، وَبَقِيَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَاتَ.
قَالَ اللَّيْثُ: تُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ.
وَقَالَ ابْنُ وهب: سمعت مالكا يقول: تذكر مَرْوَانَ يَوْمًا، فَقَالَ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أصبحت فِيمَا أَنَا فِيهِ مِنْ هَرْقِ الدِّمَاءِ، وَهَذَا الشَّأْنُ. -[711]-
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانُوا يَنْقِمُونَ عَلَى عُثْمَانَ تَقْرِيبَ مَرْوَانَ وَتَصَرُّفَهُ، وَكَانَ كَاتِبَهُ، وَسَارَ مَعَ طلحة والزبير يطلبون بدم عثمان، وقاتل يَوْمَ الْجَمَلِ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَلَمَّا رَأَى الْهَزِيمَةَ رَمَى طَلْحَةَ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَقَدْ أَصَابَتْهُ جِرَاحٌ يَوْمَئِذٍ، وَحُمِلَ إِلَى بَيْتِ امْرَأَةٍ، فَدَاوُوهُ وَاخْتَفَى، فَأَمَّنَهُ عَلِيٌّ، فَبَايَعَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى اسْتُخْلِفَ مُعَاوِيَةُ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَ الْحَرَّةِ مَعَ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ، وَحَرَّضَهُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَكَانَ قَدْ أَطْمَعَ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ ثُمَّ بَدَا لَهُ، وَعَقَدَ لِوَلَدَيْهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَخَذَ يَضَعُ مِنْهُ وَيُزْهِدُ النَّاسَ فِيهِ، وَكَانَ يَجْلِسُ مَعَهُ، فَدَخَلَ يَوْمًا فَزَبَرَهُ، وَقَالَ: تَنَحَّ يَا ابْنَ رَطْبَةِ الإست، والله ما لك عَقْلٌ، فَأَضْمَرَتْ أُمُّهُ السُّوءَ لِمَرْوَانَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ قَالَ لَكِ خَالِدٌ شَيْئًا؟ فَأَنْكَرَتْ، وكان قد تزوج بها، فنام فوثبت هي وجواريها فعمدت إلى وِسَادَةٍ فَوَضَعَتْهَا عَلَى وَجْهِهِ، وَغَمَرَتْهُ هِيَ وَالْجَوَارِي حتى مات، ثم صرخن وقلن مات فجاءة.
وقال الهيثم بن مروان العنسي: مَاتَ مَطْعُونًا بِدِمَشْقَ.

11 - بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

11 - بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْقُرَشِيُّ الأُمَوِيُّ. [الوفاة: 71 - 80 ه]
كَانَ سَمْحًا جَوَّادًا مُمَدَّحًا، وَلِيَ إِمْرةَ الْعِرَاقَيْنِ لِأَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَهُ دَارٌ بِدِمَشْقَ عِنْدَ عَقَبَةَ الْكَتَّانِ، وَجمَعَ لَهُ أَخُوهُ إِمْرَةَ الْعِرَاقَيْنِ.
فَعَنِ الضَّحَّاكِ الْعَتَّابِيِّ قَالَ: خَرَجَ أَيْمَنُ بْنُ خُرَيْمٍ إِلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، فَقَدِمَ فَرَأَى النَّاسَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ بِلا اسْتِئْذَانٍ، فَقَالَ: مَنْ يُؤْذِنُ الأَمِيرَ بِنَا؟ قَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَابٌ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
يُرَى بَارِزًا للناس بشر كأنه ... إذا لاذ فِي أَثْوَابِهِ قَمَرٌ بَدْرُ
بَعِيدُ مِرَاةُ الْعَيْنِ مَا رَدَّ طَرْفُهُ ... حَذَارِ الْغَوَاشِي رَجْعُ بَابِ وَلا سَتْرُ
وَلَوْ شَاءَ بِشْرُ أَغْلَقَ الْبَابَ دُونَهُ ... طَمَاطَمُ سُودٌ أَوْ صَقَالِبَةٌ حُمْرُ
وَلَكِنَّ بِشْرًا يَسَّرَ الْبَابَ لِلَّتِي ... يَكُونُ لَهُ فِي جَنْبِهَا الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ
فَقَالَ: تَحْتَجِبُ الْحُرُمَ، وَأَجْزَلَ صلته.
وقال أبو مسهر: حدثنا الْحَكَمُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ أَخَاهُ بِشْرًا عَلَى الْعِرَاقَيْنِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ حِينَ وَصَلَهُ الْخَبَرُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ قَدْ شَغَلْتَ إِحْدَى يَدَيْ، وَهِيَ الْيُسْرَى، وَبَقِيَتِ الأُخْرَى فَارِغَةٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِوِلايَةِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، فَمَا بَلَغَهُ الْكِتَابُ حَتَّى وَقَعَتِ الْقُرْحَةُ فِي يَمِينِهِ، فَقِيلَ لَهُ: نَقْطَعُهَا مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، فَجَزَعَ، فَمَا أَمْسَى حَتَّى بَلَغَتِ الْمِرْفَقَ، ثُمَّ -[796]- أصبح وقد بلغت الْكَتِفَ، وَأَمْسَى وَقَدْ خَالَطَتِ الْجَوْفَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كَتَبْتُ إِلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الآخِرَةِ، قَالَ: فَجَزِعَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَأَمَرَ الشُّعَرَاءَ فَرَثَوْهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ: قَالَ الْحَسَنُ: قَدِمَ عَلَيْنَا بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ الْبَصْرَةَ وَهُوَ أَبْيَضُ بَضَّ، أَخُو خَلِيفَةٍ، وَابْنُ خَلِيفَةٍ، فَأَتَيْتُ دَارَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْحَاجِبِ قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ادْخُلْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُطِيلَ الْحَدِيثَ وَلا تُمِلَّهُ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ عَلَى سَرِيرٍ عَلَيْهِ فرش قد كاد أن يغوص فيها، وَرَجُلٌ مُتَّكِئٌ عَلَى سَيْفِهِ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَسلَّمْتُ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، فَأَجْلَسَنِي، ثُمَّ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي زَكَاةِ أَمْوَالِنَا، نَدْفَعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ أَمْ إِلَى الْفُقَرَاءِ؟ قُلْتُ: أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ، فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى الَّذِي عَلَى رَأْسِهِ، فقال: لشيء ما يسود من يسود، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَشِيِّ، وَإِذَا هُوَ قَدِ انْحَدَرَ مِنْ سَرِيرِهِ إِلَى أَسْفَلَ وَهُوَ يَتَمَلْمَلُ، وَالأَطِبَّاءُ حَوْلَهُ، ثُمَّ عُدْتُ مِنَ الْغَدِ وَالنَّاعِيَةُ تَنْعَاهُ، وَالدَّوَابُّ قَدْ جَزُّوا نَوَاصِيَهَا، وَدُفِنَ فِي جَانِبِ الصَّحْرَاءِ. وَوَقَفَ الْفَرَزْدَقُ عَلَى قَبْرِهِ وَرَثَاهُ بِأَبْيَاتٍ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلا بَكَى.
قَالَ خَلِيفَةٌ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ أَوَّلُ أَمِيرٍ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ، تُوُفِّيَ وَعُمْرُهُ نَيِّفٌ وأربعون سنة.

96 - د: عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبو الأصبغ الأموي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

96 - د: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مروان بن الحكم أَبُو الأَصْبَغِ الأُمُوَيُّ. [الوفاة: 81 - 90 ه]
أَمِيرُ مِصْرَ، وَوَلِيُّ عَهْدِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِعَهْدٍ مِنْ مَرْوَانَ، إِنْ صَحَّحْنَا خِلافَةَ مَرْوَانَ، فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بَاغٌ، فَلا يَصِحُّ عَهْدُهُ إلى ولديه، وإنما تَصِحُّ إِمَامَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ يَوْمِ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَلَمَّا مَلَكَ مَرْوَانُ الشَّامَ وَغَلَبَ عَلَيْهَا سَارَ إِلَى مِصْرَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، -[969]- وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَبْدَ الْعَزِيزِ وَلَدَهُ، فَبَقِيَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ.
رَوَى عَنْ: أَبِيهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَشَهِدَ مقتل عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الأَشْدَقِ بِدِمَشْقَ. وَكَانَتْ دَارُهُ الْخَانَقَاهَ السُّمَيْسَاطِيَّةُ، وَانْتَقَلَتْ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى ابْنِهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
رَوَى عَنْهُ: ابْنُهُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَكَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ، وَعَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَبَحِيرُ بْنُ ذَاخِرٍ.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً قَلِيلَ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ النسائي: ثقة.
وقال ابن وهب: حدثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: بَعَثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ بِأَلْفِ دِينَارٍ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَجِئْتُهُ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فَقَالَ: أَيْنَ الْمَالُ؟ فَقُلْتُ: حَتَّى أَصْبَحَ. فَقَالَ: لا والله، لا أبيت الليلة وَلِي أَلْفَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهُ بِهَا فَفَرَّقَهَا.
وَقَالَ ابن أبي مليكة: شَهِدْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنُ مروان يَقُولُ عِنْدَ الْمَوْتِ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ شَيْئًا، يَا لَيْتَنِي كَهَذَا الْمَاءِ الْجَارِي.
وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: لَمَّا حَضَرَتْ عَبْدَ الْعَزِيزِ الْوَفَاةُ قَالَ: ائْتُونِي بِكَفَنِي، فَلَمَّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاهُمْ ظَهْرَهُ، فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يَقُولُ: أُفٍّ لَكَ أُفٍّ لَكَ مَا أَقْصَرَ طَوِيلَكِ وَأَقَلَّ كَثِيرَكِ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ مُوسَى قَالَ: لَمَّا احْتَضَرَ أَتَاهُ بَشِيرٌ يُبَشِّرُهُ بِمَالِهِ الَّذِي كَانَ بِمِصْرَ حِينَ كَانَ عَامِلا عَلَيْهَا عَامَهُ، فَقَالَ: هَذَا مَالُكَ، هذه ثلاثمائة مدي من ذهب، فقال: ما لي وَلَهُ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ بَعْرًا حَائِلا بِنَجْدٍ.
قَالَ خَلِيفَةُ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ.
قُلْتُ: وَهُوَ غَلَطٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو حَسَّانٍ الزِّيَادِيُّ وَغَيْرُهُمْ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، زَادَ الزِّيَادِيُّ فَقَالَ: فِي جُمَادَى الأُولَى.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ، قَبْلَ أخيه بسنة. -[970]-
وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ: قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ.
قُلْتُ: وَكَأَنَّ هَذَا أَيْضًا وَهْمٌ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ.
وَقَدْ كَانَ مَاتَ بِمِصْرَ قَبْلَهُ بِسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا ابْنُهُ الأَصْبَغُ فَحَزِنَ عَلَيْهِ، وَمَرِضَ، وَمَاتَ بِحُلْوَانَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي بَنَاهَا عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ مِصْرَ وَحُمِلَ إِلَى مِصْرَ فِي النِّيلِ.
وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ مَوْتُهُ بَايَعَ بِوِلايَةِ الْعَهْدِ لابْنَيْهِ الْوَلِيدِ ثُمَّ سُلَيْمَانَ، بَعْدَ أَنْ كَانَ هَمَّ بخلع أخيه.

97 - عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب الخليفة، أبو الوليد القرشي الأموي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

97 - عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْن عَبْد شَمْسِ بْن عَبْد مَناف بْن قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ الْخَلِيفَةُ، أَبُو الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ الأُمَوِيُّ. [الوفاة: 81 - 90 ه]
بُويِعَ بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيهِ فِي خِلافَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَبَقِيَ عَلَى مِصْرَ وَالشَّامِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى بَاقِي الْبِلادِ مُدَّةَ سَبْعِ سِنِينَ، ثُمَّ غَلَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الْعِرَاقِ، وَمَا وَالاهَا فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَبَعْدَ سَنَةٍ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَاسْتَوْسَقَ الأَمْرُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ.
وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَكَانَ عَابِدًا نَاسِكًا بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْخِلافَةِ، وَشَهِدَ يَوْمَ الدَّارِ مَعَ أَبِيهِ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَحَفِظَ أَمْرَهُمْ: قَالَ: وَاسْتَعْمَلَهُ معاوية على المدينة وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً.
قُلْتُ: هَذَا لا يُتَابِعُ ابْنَ سَعْدٍ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ اسْتِعْمَالِ مُعَاوِيَةَ لَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ.
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ وَجِيهٍ: قَرَأْتُ فِي كِتَابِ " صِفَةِ الْخُلَفَاءِ " فِي خِزَانَةِ الْمَأْمُونِ: كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ رَجُلا طَوِيلا، أَبْيَضَ، مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، كَبِيرَ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفَ الأَنْفِ، رَقِيقَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الْجِسْمِ، لَيْسَ بِالْقَضِيفِ وَلا الْبَادِنِ، أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ. -[971]-
قُلْتُ: سَمِعَ عُثْمَانَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، وَبُرَيْرَةَ مَوْلاةَ عائشة، وابن عمر، ومعاوية.
رَوَى عَنْهُ: عروة، وخالد بن معدان، وإسماعيل بن عبيد الله، ورجاء بن حيوة، وربيعة بن يزيد، ويونس بن ميسرة، والزهري، وحريز بن عثمان، وطائفة.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاءِ بْنِ زَبْرٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لا يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ يُجَهِّزُ غَازِيًا، أَوْ يَخْلُفُهُ بِخَيْرٍ إِلا أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ الْمَوْتِ ".
قَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ فِي الإِسْلامِ عَبْد الْمَلِكِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: أُمُّهُ هِيَ عَائِشَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ.
وَقَالَ ضَمْرَةُ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ قَالَ: قِيلَ لابْنِ عُمَرَ: إِنَّكُمْ مَعْشَرَ أَشْيَاخِ قُرَيْشٍ يُوشَكُ أَنْ تَنْقَرِضُوا، فَمَنْ نَسْأَلُ بَعْدَكُمْ؟ فَقَالَ: إِنَّ لِمَرْوَانَ ابْنًا فَقِيهًا فَسَلُوهُ.
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ الْيَمَامِيِّ، عَنْ سُحَيْمٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ غُلامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: هَذَا يَمْلُكُ الْعَرَبَ.
مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ مَجْهُولٌ.
وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ وَمَا بِهَا شَابٌّ أَشَدُّ تَشْمِيرًا، وَلا أَفْقَهُ، وَلا أَنْسَكُ، وَلا أَقْرَأُ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. -[972]-
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَلَدَ النَّاسُ أَبْنَاءً، وَوَلَدَ مَرْوَانُ أَبًا.
وَعَنْ عَبْدَةَ بْنِ رِيَاحٍ الْغَسَّانِيِّ، أَنَّ أُمَّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - تَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ - مَا زِلْتُ أَتَخَيَّلُ هَذَا الأَمْرَ فِيكَ مُنْذُ رَأَيْتُكَ. قَالَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْكَ مُحَدِّثًا، وَلا أَحْلَمَ مِنْكَ مُسْتَمِعًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ: قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ صلى في المسجد بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَفِتْيَانٌ مَعَهُ، كَانُوا إِذَا صَلَّى الإِمَامُ الظُّهْرَ قَامُوا فَصَلُّوا إِلَى الْعَصْرِ، فَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: لَوْ قُمْنَا فَصَلَّيْنَا كَمَا يُصَلِّي هَؤُلاءِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: لَيْسَتِ الْعِبَادَةُ بِكَثْرَةِ الصَّلاةِ وَلا الصَّوْمِ، إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَالْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ.
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مَا جَالَسْتُ أَحَدًا إِلا وَجَدْتُ لِي عَلَيْهِ الْفَضْلَ، إِلا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَإِنِّي مَا ذَاكَرْتُهُ حَدِيثًا إِلا زَادَنِي فِيهِ، وَلا شِعْرًا إِلا زَادَنِي فِيهِ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: قَالَ لِي أَبُو خَالِدٍ: أَغْزَى مُسْلِمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ مُعَاوِيَةَ بْنَ حديج سَنَةَ خَمْسِينَ، وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ، أَنِ ابْعَثْ عَبْدَ الْمَلِكِ عَلَى بَعْثِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَقَدِمَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَدَخَلَ إِفْرِيقِيَّةَ مَعَ معاوية بن حديج، فبعثه ابن حديج إِلَى حِصْنٍ، فَحَصَرَ أَهْلَهُ، وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَنْجَنِيقَ.
وقال حماد بن سلمة: أخبرنا حُمَيْدٌ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، أَنَّ يَهُودِيًّا أَسْلَمَ، وَكَانَ اسْمُهُ يُوسُفَ، قَدْ قرأ الكتب، فَمَرَّ بِدَارِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: وَيْلٌ لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ. فَقُلْتُ لَهُ: إِلَى مَتَى؟ قَالَ: حَتَّى تَجِيءَ رَايَاتٌ سُودٌ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ. وَكَانَ صَدِيقًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَضَرَبَ يَوْمًا عَلَى مَنْكِبِهِ وَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إِذَا مَلَكْتَهُمْ. فَقَالَ: دَعْنِي وَيْحَكَ، وَدَفَعَهُ، مَا شَأْنِي وَشَأْنُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِهِمْ.
قَالَ: وَجَهَّزَ يَزِيدُ جَيْشًا إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، أَيَبْعَثُ إِلَى حَرَمِ اللَّهِ فضرب يوسف منكبه وَقَالَ: جَيْشُكَ إِلَيْهِمْ أَعْظَمُ. -[973]-
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هِشَامِ بْنِ يحيى الغساني: حدثنا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ دَخَلْتُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ: أَمِنْ هَذَا الْجَيْشِ أَنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَتَدْرِي إِلَى مَنْ تَسِيرُ؟ إِلَى أَوَّلِ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلامِ، وَإِلَى ابْنِ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلَى ابْنِ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، وَإِلَى مَنْ حَنَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ جِئْتَهُ نَهَارًا وَجَدْتَهُ صَائِمًا، وَلَئِنْ جِئْتَهُ لَيْلا لَتَجِدَنَّهُ قَائِمًا، فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الأَرْضِ أَطْبَقُوا عَلَى قَتْلِهِ لأَكَبَّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فِي النَّارِ. فَلَمَّا صَارَتِ الْخِلافَةُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَجَّهْنَا مَعَ الْحَجَّاجِ حَتَّى قَتَلْنَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَائِشَةَ: أَفْضَى الأَمْرُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ، فَأَطْبَقَهُ وَقَالَ: هَذَا آخِرُ الْعَهْدِ بِكَ.
وقال الأصمعي: حدثنا عَبَّادُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَكِبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِكْرًا، فَأَنْشَأَ قَائِدُهُ يَقُولُ:
يَأَيُّهَا الْبِكْرُ الَّذِي أَرَاكَا ... عَلَيْكِ سهل الأَرْضِ فِي مَمْشَاكَا
وَيْحَكَ هَلْ تَعْلَمُ مَنْ عَلاكَا ... خَلِيفَةُ اللَّهِ الَّذِي امْتَطَاكَا لَمْ يَحْبُ بِكْرًا مِثْلَ مَا حَبَاكَا
فَلَمَّا سَمِعَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ: إيها يَا هَنَاهْ، قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَجَّلَ عَلَيْكَ الشَّيْبُ، فَقَالَ: وَكَيْفَ لا، وَأَنَا أَعْرِضُ عَقْلِي عَلَى النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ.
وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أُفُقٍ مِنَ الآفَاقِ قَالَ: اعْفِنِي مِنْ أَرْبَعٍ، وَقُلْ بَعْدَهَا مَا شِئْتَ: لا تَكْذِبْنِي فَإِنَّ الْمَكْذُوبَ لا رَأْيَ لَهُ، وَلا تُجِبْنِي فِيمَا لا أَسْأَلُكَ، فَإِنَّ فِيمَا أَسْأَلُكَ عنه شغلا، وَلا تُطْرِنِي فَإِنِّي أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْكَ، وَلا تحملني عَلَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنِّي إِلَى الرِّفْقِ بِهِمْ أَحْوَجُ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ عَلَيْهَا الْقُرْآنَ.
وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الدِّينَارِ: {{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}} وَفِي الْوَجْهِ الآخَرِ: " لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ "، وَطَوَّقَهُ بِطَوْقٍ فِضَّةٍ، وَكَتَبَ -[974]- فِيهِ " ضُرِبَ بِمَدِينَةِ كَذَا "، وَكَتَبَ فِي خَارِجِ الطَّوْقِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: لَحَنَ جَلِيسٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فقال رجل: زد ألف، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَأَنْتَ فَزِدْ أَلْفًا.
وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونَ: كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِذَا قَعَدَ لِلْحُكْمِ قَيِمَ عَلَى رَأْسِهِ بِالسُّيُوفِ.
وَرَوَى الأَصْمَعِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ الزِّيَادِيِّ قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ تَوَاضَعَ عَنْ رِفْعَةٍ وَزَهِدَ عَنْ قُدْرَةٍ، وَأَنْصَفَ عَنْ قُوَّةٍ.
وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ:
لعمري لَقَدْ عُمِّرْتُ فِي الدَّهْرِ بُرْهةً ... وَدَانَتْ لِيَ الدُّنْيَا بِوَقْعِ الْبَوَاتِرِ
فَأَضْحَى الَّذِي قَدْ كَانَ مِمَّا يَسُرُّنِي ... كَلَمْحٍ مَضَى فِي الْمُزْمِنَاتِ الْغَوَابِرِ
فَيَا لَيْتَنِي لَمْ أَعْنِ بِالْمُلْكِ سَاعَةً ... وَلَمْ أَلْهُ فِي لَذَّاتِ عَيْشٍ نَوَاضِرِ
وَكُنْتُ كَذِي طِمْرَيْنِ عَاشَ بِبُلْغَةٍ ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى زَارَ ضَنْكَ الْمَقَابِرِ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ فِي مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ بِدِمَشْقَ، فَقَالَتْ لَهُ مَرَّةً: بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّكَ شَرِبْتَ الطِّلاءَ بَعْدَ النُّسُكِ وَالْعِبَادَةِ، فَقَالَ: أَيْ وَاللَّهِ، والدماء، قَدْ شَرِبْتُهَا!
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ كَانَ أَبْخَرَ، وَأَنَّهُ وُلِدَ لِسَتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ كَانَ فَاسِدَ الْفَمِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: خَطَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ ذُنُوبِي عِظَامٌ، وَإِنَّهَا صِغَارٌ فِي جَنْبِ عَفْوِكَ، فاغفرها لِيَ يَا كَرِيمُ.
قَالُوا: تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَخِلافَتُهُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا مِنْ وَسَطِ سَنَةِ ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا احْتَضَرَ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ ابْنُهُ، فتمثل: -[975]-
كَمْ عَائِدٍ رَجُلا وَلَيْسَ يَعُودُهُ ... إِلا لِيَعْلَمَ هَلْ تَرَاهُ يَمُوتُ
وَتَمَثَّلَ أَيْضًا:
وَمُسْتَخْبِرٌ عَنَّا يُرِيدُ بِنَا الرَّدَى ... وَمُسْتَخْبِرَاتٌ وَالْعُيُونُ سَوَاجِمُ
فَجَلَسَ الْوَلِيدُ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا هَذَا، تَحِنُّ حَنِينَ الأَمَةِ! إِذَا مِتُّ فَشَمِّرْ وَائْتَزِرْ وَالْبَسْ جِلْدَ النَّمِرِ، وَضَعْ سَيْفَكَ عَلَى عَاتِقِكَ، فَمَنْ أَبْدَى ذَاتَ نَفْسِهِ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَمَنْ سَكَتَ مَاتَ بِدَائِهِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ: لَمَّا أَيْقَنَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالْمَوْتِ دَعَا مَوْلاهُ أَبَا عِلاقَةَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مُنْذُ وُلِدْتُ إِلَى يَوْمِي هَذَا حَمَّالا. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْبَنَاتِ إِلا وَاحِدَةً، وَهِيَ فَاطِمَةُ، وَكَانَ قَدْ أَعْطَاهَا قِرْطَيْ مَارِيَّةَ، وَالدُّرَّةَ الْيَتِيمَةَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أُخْلِفْ شَيْئًا أَهَمَّ مِنْهَا إِلَيِّ فَاحْفَظْهَا، فَتَزَوَّجَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَوْصَى بَنِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْفُرْقَةِ وَالاخْتِلافِ، وَقَالَ: انْظُرُوا مُسْلِمَةَ وَاصْدُرُوا عَنْ رَأْيِهِ - يَعْنِي أَخَاهُمْ - فَإِنَّهُ مَجَنَّكُمُ الَّذِي بِهِ تَجْتَنُّونَ وَنَابَكُمُ الَّذِي عَنْهُ تَفْتَرُّونَ، وَكُونُوا بَنِي أُمٍّ بَرَرَةً، وَكُونُوا فِي الْحَرْبِ أَحْرَارًا، وَلِلْمَعْرُوفِ مَنَارًا، فَإِنَّ الْحَرْبَ لَمْ تُدْنِ مَنِيَّةً قَبْلَ وَقْتِهَا، وَإِنَّ الْمَعْرُوفَ يَبْقَى أَجْرُهُ وَذِكْرُهُ، وَاحْلَوْلَوْا فِي مَرَارَةٍ، وَلِينُوا فِي شِدَّةٍ، وَكُونُوا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الشَّيْبَانِيُّ:
إِنَّ الْقِدَاحَ إِذَا اجْتَمَعْنَ فَرَامَهَا ... بِالْكَسْرِ ذُو حَنَقٍ وَبَطْشٍ أَيِّدِ
عَزَّتْ فَلَمْ تُكْسَرْ، وَإِنْ هِيَ بُدِّدَتْ ... فَالْكَسْرُ وَالتَّوْهِينُ لِلْمُتَبَدِّدِ
يَا وَلِيدُ اتَّقِ اللَّهَ فِيمَا أُخْلِفُكَ فِيهِ، وَاحْفَظْ وَصِيَّتِي، وَخُذْ بِأَمْرِي، وانظر أَخِي مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ ابْنُ أُمِّي، وَقَدِ ابْتُلِيَ فِي عَقْلِهِ بِمَا عَلِمْتَ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَآثَرْتُهُ بِالْخِلافَةِ، فَصِلْ رَحِمَهُ، وَاحْفَظْنِي فِيهِ، وَانْظُرْ أَخِي مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ، فَأَقِرَّهُ عَلَى الْجَزِيرَةِ، وَلا تعزله، وانظر أخاك عبد الله، فلا توآخذه، وَأَقْرِرْهُ عَلَى عَمَلِهِ بِمِصْرَ، وَانْظُرِ ابْنَ عَمِّنَا هَذَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ إِلَيْنَا بِمَوَدَّتِهِ وَهَوَاهُ وَنَصِيحَتِهِ، وَلَهُ نَسَبٌ وَحَقُّ، فَصِلْ رَحِمَهُ وَاعْرَفْ حَقَّهُ، وَانْظُرِ الْحَجَّاجَ فَأَكْرِمْهُ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي وَطَّأَ لَكُمُ الْمَنَابِرَ، وَهُوَ سَيْفُكَ يَا وَلِيدُ، وَيَدُكَ عَلَى مَنْ نَاوَأَكَ، فَلا تَسْمَعَنَّ فِيهِ قَوْلَ أَحَدٍ، وَأَنْتَ إِلَيْهِ أَحْوَجُ مِنْهُ إِلَيْكَ. وَادْعُ النَّاسَ إِذَا مِتُّ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَمَنْ قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، فَقُلْ -[976]- بِسَيْفِكَ هَكَذَا، ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
فَهَلْ مِنْ خَالِدٍ إِمَّا هَلَكْنَا ... وَهَلْ بِالْمَوْتِ يَا لِلنَّاسِ عَارُ
وَعَاشَ إِحْدَى وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ لَهُ سَبَعَةَ عَشَرَ وَلَدًا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: فَمِنْ أَوْلادِهِ: الْوَلِيدُ، وَسُلَيْمَانُ، وَمَرْوَانُ الأَكْبَرُ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّهُمْ وَلادَةُ بِنْتُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَازِنٍ.
وَيَزِيدُ، وَمَرْوَانُ الأَصْغَرُ، ومعاوية، وأم كلثوم، وأمهم عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَهِشَامٌ، وَأُمُّهُ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ.
وَأَبُو بَكْرٍ، وَأُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ.
وَالْحَكَمُ، وَمَاتَ قَدِيمًا، أُمُّهُ أُمُّ أَيُّوبَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.
وَفَاطِمَةُ، وَأُمُّهَا أُمُّ الْمُغِيرَةِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ الْمَخْزُومِيَّةُ.
وَمُسْلِمَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَالْمُنْذِرُ، وَعَنْبَسَةُ، وَالْحَجَّاجُ، لأُمَّهَاتِ أَوْلادِ.
وَتَزَوَّجَ أَيْضًا بِأُمِّ أَبِيهَا بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَبِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

84 - سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي الأموي، أمير المؤمنين، أبو أيوب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

84 - سليمان بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ القرشي الأموي، أمير المؤمنين، أبو أيوب. [الوفاة: 91 - 100 ه]
كان مِنْ خِيَارِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلِيَ الْخِلافَةَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ستٍ وَتِسْعِينَ بَعْدَ الوليد بالعهد المذكور من أبيه.
روى قَلِيلا عَنْ أَبِيهِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُنَيْدَةَ.
رَوَى عَنْهُ: ابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَالزُّهْرِيُّ.
وَكَانَتْ دَارُهُ مَوْضِعَ سِقَايَةِ جَيْرُونَ، وَلَهُ دَارٌ بَنَاهَا بِدَرْبِ مُحْرِزٍ بِدِمَشْقَ، فَجَعَلَهَا دَارَ الْخِلافَةِ، وَجَعَلَ لَهَا قُبَّةً صَفْرَاءَ كَالْقُبَّةِ الْخَضْرَاءَ الَّتِي بِدَارِ الْخِلافَةِ، وَكَانَ فَصِيحًا مُفَوَّهًا مُؤْثِرًا لِلْعَدْلِ، مُحِبًّا لِلْغَزْوِ، وَجَهَّزَ الْجُيُوشَ مَعَ أَخِيهِ مُسْلِمَةَ لِحِصَارِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَحَاصَرَهَا مُدَّةً حَتَّى صَالَحُوا عَلَى بِنَاءِ جامع بالقسطنطينية، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتِّينَ.
وَقَالَتِ امْرَأَةٌ: رَأَيْتُهُ أَبْيَضَ عَظِيمَ الْوَجْهِ مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، يَضْرِبُ شَعْرُهُ مِنْكِبَيْهِ، مَا رَأَيْتُ أَجْمَلَ مِنْهُ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْبَيْعَةَ أَتَتْ سليمان وهو بمشارف الْبَلْقَاءَ، فَأَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَتَتْهُ الْوُفُودُ فَلَمْ يَرَوْا وِفَادَةً كَانَتْ أَهْيَأُ مِنَ الْوِفَادَةِ إِلَيْهِ، كَانَ يَجْلِسُ فِي قُبَّةٍ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ مِمَّا يَلِي الصخرة، وَيَجْلِسُ النَّاسُ عَلَى الْكَرَاسِيِّ، وَتُقَسَّمُ الأَمْوَالُ وَتُقْضَى الْأَشْغَالُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَلِيَ سُلَيْمَانُ وَهُوَ إِلَى الشَّبَابِ وَالتَّرَفُّهِ مَا هُوَ، فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز: يا أبا حفص، إنا قد ولينا ما تَرَى، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا بِتَدْبِيرِهِ عِلْمٌ، فَمَا رَأَيْتَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَمُرْ بِهِ. فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ عَزَلَ عُمَّالَ الْحَجَّاجِ، وَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ فِي سِجْنِ الْعِرَاقِ، وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُهُ أَنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ قَدْ أُمِيتَتْ فَأَحْيُوهَا وَرُدُّوهَا إِلَى وَقْتِهَا. مَعَ أمورٍ حَسَنَةٍ كَانَ يَسْمَعُ مِنْ عُمَرَ فِيهَا، فَأَخْبَرَنِي مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ هَمَّ بِالإِقَامَةِ بِبَيْتِ -[1109]- الْمَقْدِسِ وَاتَّخَذَهَا مَنْزِلا، ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَدَّمْنَا فِي سَنَةِ ثمانٍ وَتِسْعِينَ مِنْ نُزُولِهِ بِقِنَّسْرِينَ مُرَابِطًا.
وَحَجَّ سُلَيْمَانُ فِي خِلافَتِهِ سَنَةَ سبعٍ وَتِسْعِينَ.
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَجَّ سُلَيْمَانُ، فَرَأَى النَّاسَ بِالْمَوْسِمِ، فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَمَا تَرَى هَذَا الْخَلْقَ الَّذِي لا يُحْصِي عَددَهُمْ إِلا اللَّهُ وَلا يَسَعُ رِزْقَهُمْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَؤُلاءِ الْيَوْمَ رَعِيَّتُكَ، وَهُمْ غَدًا خُصَمَاؤُكَ. فَبَكَى سُلَيْمَانَ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَخْطُبُنَا كُلَّ جُمُعَةٍ، لا يَدَعُ أَنْ يَقُولَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلُ الدُّنْيَا عَلَى رَحِيلٍ، لَمْ تَمْضِ بِهِمْ نِيَّةٌ وَلَمْ تَطْمَئِنَّ لَهُمْ دَارٌ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، لا يَدُومُ نَعِيمُهَا وَلا تُؤْمَنُ فجائعها، وَلا يُتَّقَى مِنْ شَرِّ أَهْلِهَا. ثُمَّ يَقْرَأُ: {{أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ}} {{ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ}} {{مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}}.
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، افْتَتَحَ خِلَافَتَهُ بِإِحْيَائِهِ الصَّلاةَ لمواقيتها، وَاخْتَتَمَهَا بِاسْتِخْلافِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْغِنَاءِ. وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الأَكَلَةِ الْمَذْكُورِينَ، فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغِلابِيُّ، وليس بثقة، قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَكَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْبَعِينَ دَجَاجَةً تُشْوَى لَهُ عَلَى النَّارِ عَلَى صِفَةِ الْكَبَابِ، وَأَكَلَ أَرْبَعًا وَثَمَانِينَ كُلْوَةً بِشُحُومِهَا وَثَمَانِينَ جَرْدَقَةً.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّ سُلَيْمَانَ حَجَّ فَأَتَى الطَّائِفَ، فَأَكَلَ سَبْعِينَ رُمَّانَةً وَخَرُوفًا وَسِتَّ دَجَاجَاتٍ، وَأُتِيَ بِمَكُّوكِ زَبِيبٍ طَائِفِيٍّ، فَأَكَلَهُ أَجْمَعَ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَكُولا.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يحيى: حدثنا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي بَيْتٍ أَخْضَرَ عَلَى وِطَاءٍ أخضر عليه -[1110]- ثِيَابٌ خُضْرٌ، ثُمَّ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ فَأَعْجَبَهُ شَبَابُهُ وَجَمَالُهُ، فَقَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صِدِّيقًا، وَكَانَ عُمَرُ فَارُوقًا، وَكَانَ عُثْمَانُ حَيِيًّا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ حَلِيمًا، وَكَانَ يَزِيدُ صَبُورًا، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ سَائِسًا، وَكَانَ الْوَلِيدُ جَبَّارًا، وَأَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ. فَمَا دَارَ عَلَيْهِ الشَّهْرُ حَتَّى مَاتَ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ مِنْ فَرْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ وَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ، فَلَمَّا نَزَلَ بِمَرْجِ دَابِقٍ حُم وَفَشَتِ الْحُمَّى فِي عَسْكَرِهِ، فَنَادَى بعض خَدَمِهِ فَجَاءَتْ بِطِسْتٍ، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: مَحْمُومَةٌ. قَالَ: فَأَيْنَ فُلانَةُ؟ قَالَتْ: مَحْمُومَةٌ. فَمَا ذَكَرَ أَحَدًا إِلا قَالَتْ: مَحْمُومَةٌ. فَالْتَفَتَ إِلَى خَالِهِ الْوَلِيدِ بْنِ الْقَعْقَاعِ الْعَبْسِيِّ وَقَالَ:
قَرِّبْ وَضُوءَكَ يَا وَلِيدُ فَإِنَّمَا ... هَذِي الْحَيَاةُ تَعِلَّةٌ وَمَتَاعُ
فَقَالَ الْوَلِيدُ:
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكِ فِي حَيَاتِكَ صَالِحًا ... فَالدَّهْرُ فِيهِ فُرْقَةٌ وَجَمَاعُ
وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ.
وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: عَرَضَتْ لِسُلَيْمَانَ سَعْلَةٌ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَنَزَلَ وَهُوَ مَحْمُومٌ، فَمَا جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الأُخْرَى حَتَّى دُفِنَ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ الْكِنَانِيِّ، قَالَ: لَمَّا مَرِضَ سُلَيْمَانُ بِدَابِقٍ قَالَ لِرَجَاءِ بْنِ حَيَوَةَ: مَنْ لِهَذَا الأَمْرِ بَعْدِي، أَسْتَخْلِفُ ابْنِي؟ قَالَ: ابْنُكَ غَائِبٌ، قَالَ: فَابْنِي الآخَرُ، قَالَ: صَغِيرٌ، قَالَ: فَمَنْ تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَسْتَخْلِفَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: أَتَخَوَّفُ إِخْوَتِي لا يَرْضَوْنَ. قَالَ: فَوَلِّ عُمَرَ، وَمِنْ بَعْدِهِ يَزِيدُ بْنُ عبد الملك، وتكتب كتابا وتختم عليه، وادعوهم إِلَى بَيْعَتِهِ مَخْتُومًا. قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتَ؛ ائْتِنِي بقرطاس، فَدَعَا بِقِرْطَاسٍ فَكَتَبَ فِيهِ الْعَهْدَ، وَدَفَعَهُ إِلَى رَجَاءٍ وَقَالَ: اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَلْيُبَايِعُوا عَلَى مَا فِيهِ مَخْتُومًا، فَخَرَجَ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُبَايِعُوا لِمَنْ فِي هَذَا الْكِتَابِ، قَالُوا: وَمَنْ فِيهِ؟ قَالَ: هُوَ مَخْتُومٌ، لا تُخْبَرُونَ بِمَنْ فِيهِ حَتَّى يَمُوتَ. قَالُوا: لا نُبَايِعُ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ وَالْحَرَسِ، فَاجْمَعِ النَّاسَ وَمُرْهُمْ بِالْبَيْعَةِ، فَمَنْ أَبَى فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَفَعَلَ، قَالَ: فَبَايَعُوهُ عَلَى مَا فِيهِ. قَالَ رَجَاءُ بْنُ حَيَوَةَ: فَبَيْنَا أَنَا رَاجِعٌ -[1111]- إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةَ مَوْكِبٍ، فَإِذَا هِشَامٌ، فَقَالَ لِي: يَا رَجَاءُ، قَدْ عَلِمْتُ مَوْقِعَكَ مِنَّا، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ صَنَعَ شَيْئًا مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَزَالَهَا عَنِّي، فَإِنْ يَكُنْ قَدْ عَدَلَهَا عَنِّي فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نفس حتى أنظر، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا أُطْلِعَكَ عَلَيْهِ! لا يَكُونُ ذَا أَبَدًا. قَالَ: فَأَدَارَنِي وَلاحَانِي، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ فَانْصَرَفَ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةً خَلْفِي، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالَ لِي: يَا رَجَاءُ، إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَمْرٌ كَبِيرٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَهَا إِلَيَّ وَلَسْتُ أَقُومُ بِهَذَا الشَّأْنِ، فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نَفْسٌ لَعَلِّي أَتَخَلَّصُ مِنْهُ مَا دَامَ حَيًّا، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا أُطْلِعَكَ عَلَيْهِ! قَالَ: وَثَقُلَ سُلَيْمَانُ، فَلَمَّا مَاتَ أَجْلَسْتُهُ مَجْلِسَهُ وَأَسْنَدْتُهُ وَهَيَّأْتُهُ وَخَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: كَيْفَ أَصْبَحَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قُلْتُ: أَصْبَحَ سَاكِنًا، وَقَدْ أَحَبَّ أَنْ تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ وَتُبَايِعُوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، فَدَخَلُوا وَأَنَا قَائِمٌ عِنْدَهُ، فَلَمَّا دَنَوْا قُلْتُ: إِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ بِالْوُقُوفِ، ثُمَّ أخذت الكتاب من عنده وتقدمت إليهم وَقُلْتُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُبَايِعُوا عَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَبَايَعُوا وَبَسَطُوا أَيْدِيهِمْ. فَلَمَّا بَايَعْتُهُمْ وَفَرَغْتُ قُلْتُ: آجَرَكُمُ اللَّهُ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالُوا: فَمَنْ؟ فَفَتَحْتُ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ الْعَهْدُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا سَمِعُوا: " وَبَعْدَهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ " كَأَنَّهُمْ تَرَاجَعُوا، فَقَالُوا: أَيْنَ عُمَرُ، فَطَلَبُوهُ فَإِذَا هُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَوْهُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، فَعُقِرَ بِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعِ النُّهُوضَ حَتَّى أَخَذُوا بِضَبْعَيْهِ، فَدَنَوْا بِهِ إِلَى الْمِنْبَرِ وَأَصْعَدُوهُ، فَجَلَسَ طَوِيلا لا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَجَاءٌ: أَلا تَقُومُونَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَتُبَايِعُونَهُ، فَنَهَضَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ فَبَايَعُوهُ رَجُلًا رَجُلًا وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: فَصَعَدَ إِلَيْهِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ قَالَ: يَقُولُ هِشَامٌ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَقَال عُمَرُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، حِينَ صَارَ يَلِي هَذَا الأَمْرَ أَنَا وَأَنْتَ. ثم قام فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي لَسْتُ بِقَاضٍ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ، وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ، وَإِنَّ مَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَمْصَارِ وَالْمُدُنِ إِنْ هُمْ أَطَاعُوا كَمَا أَطَعْتُمْ فَأَنَا وَالِيكُمْ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَلَسْتُ لَكُمْ بوالٍ. ثُمَّ نَزَلَ فَأَتَاهُ صَاحِبُ الْمَرَاكِبِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: مَرْكَبُ الْخَلِيفَةِ. قَالَ: لا حَاجَةَ لِي فِيهِ، ائْتُونِي بِدَابَّتِي، فَأَتَوْهُ بِدَابَّتِهِ فَانْطَلَقَ إِلَى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ فَكَتَبَ بِيَدِهِ إِلَى عُمَّالِ الأَمْصَارِ. -[1112]-
قَالَ رَجَاءٌ: كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ سَيَضْعُفُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ صُنْعَهُ فِي الْكِتَابِ عَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَقْوَى.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ: صَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي عَاشِرِ صَفَرٍ سَنَةَ تسعٍ وَتِسْعِينَ.
قَالَ الْهَيْثَمُ وَجَمَاعَةٌ: عَاشَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَاشَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: تِسْعًا وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَخِلافَتُهُ سَنَتَانِ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَعِشْرُونَ يَوْمًا.

114 - عبد الله بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

114 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الأُمَوِيُّ. [الوفاة: 91 - 100 ه]
وَلِيَ الْغَزْوَ فِي أَيَّامِ أَبِيهِ، وَبَنَى الْمِصِّيصَةَ، وَكَانَتْ دَارُهُ بِمَحَلَّةِ القباب -[1124]- عِنْدَ بَابِ الْجَامِعِ. وَوَلِيَ إِمْرَةَ مِصْرَ بَعْدَ عَمِّهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَنْ عُزِلَ سَنَةَ تِسْعِينَ بُقُرَّةَ بْنِ شَرِيكٍ.
وَعَنْ مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: مَاتَ بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ وَلَمْ يَدَعْ كَفَنًا، وَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَتَرَكَ ثَمَانِينَ مُدًى ذَهَبٍ.
تُوُفِّيَ سَنَةَ مِائَةٍ.

227 - الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو العباس الأموي

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

227 - الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، أَبُو الْعَبَّاسِ الأُمَوِيُّ [الوفاة: 91 - 100 ه]
اسْتُخْلِفَ بعهدٍ مِنْ أَبِيهِ بَعْدَهُ. -[1183]-
قَالَ الْعيشيُّ، عَنْ أَبِيهِ: كَانَ دَمِيمًا، إِذَا مَشَى تَبَخْتَرَ فِي مِشْيَتِهِ، وَكَانَ أَبَوَاهُ يُتْرِفَانَهُ، فَشَبَّ بِلا أَدَبٍ، وَكَانَ سَائِلَ الأَنْفِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ: كَانَ الْوَلِيدُ طَوِيلا أَسْمَرَ، بِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ، وَبِمُقَدَّمِ لِحْيَتِهِ شمطٌ لَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلا لِحْيَتِهِ غَيْرُهُ، أَفْطَسُ.
وَرَوَى يحيى بن يَحْيَى الْغَسَّانِيّ، أَنَّ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ، قَالَ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ مَهْمُومٌ، فَقَالَ: فَكَّرْتُ فِيمَنْ أُوَلِّيهِ أَمْرَ الْعَرَبِ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَقُلْتُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنِ الْوَلِيدِ؟ قَالَ: إِنَّهُ لا يُحْسِنُ النَّحْوَ. قَالَ: فَقَالَ لِي: رُحْ إِلَيَّ الْعَشِيَّةَ فَإِنِّي سَأُظْهِرُ كَآبَةً، فَسَلْنِي، قَالَ: فَرُحْتُ إِلَيْهِ، وَالْوَلِيدُ عِنْدَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لا يسوءك اللَّهُ مَا هَذِهِ الْكَآبَةِ؟ قَالَ: فَكَّرْتُ فِيمَنْ أُوَلِّيهِ أَمْرَ الْعَرَبِ، فَلَمْ أَجِدْهُ، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ رَيْحَانَةِ قريشٍ وَسَيِّدِهَا الْوَلِيدِ! فقال لِي: يَا أَبَا زِنْبَاعٍ إِنَّهُ لا يَلِي الْعَرَبَ إِلا مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلامِهِمْ. قَالَ: فَسَمِعَهَا الْوَلِيدُ، فَقَامَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَجَمَعَ أَصْحَابَ النَّحْوِ، وَجَلَسَ مَعَهُمْ فِي بَيْتٍ وَطَيَّنَ عَلَيْهِ سِتَّةَ أشهرٍ، ثُمَّ خرج وَهُوَ أَجْهَلُ مِمَّا كَانَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ أُعْذِرَ.
وَقَدْ غَزَا الْوَلِيدُ أَرْضَ الرُّومِ فِي خِلافَةِ أَبِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ سَنَةَ ثمانٍ وَسَبْعِينَ.
وَرَوَى الْعُتْبِيّ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَوْصَى بَنِيهِ عِنْدَ الْمَوْتِ بِأُمُورٍ، ثُمّ قَالَ لِلْوَلِيدِ: لا أُلْفِيَنَّكَ إِذَا مِتُّ تَعْصُرُ عَيْنَيْكَ وَتَحِنُّ حَنِينَ الأَمَةِ، وَلَكِنْ شَمِّرْ وَائْتَزِرْ وَالْبَسْ جِلْدَ نمرٍ وَدَلِّنِي فِي حُفْرَتِي وَخَلِّنِي وَشَأْنِي، ثُمَّ ادْعُ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَمَنْ قَالَ هَكَذَا، فَقُلْ بِالسَّيْفِ هَكَذَا.
وَبُويِعَ الْوَلِيدُ في شوال.
روى سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الضُّبَعِيّ، عَنْ كَثِيرٍ أَبِي الْفَضْلِ الطُّفَاوِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ صَلَّى الْجُمُعَةَ وَالشَّمْسُ عَلَى الشُّرَفِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ.
قُلْتُ: كَثِيرٌ هُوَ ابْنُ يَسَارٍ، بَصْرِيٌّ.
رَوَى عَنْهُ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، وَجَمَاعَةٌ. لَمْ يضعف، وَبَنُو أُمَيَّةَ مَعْرُوفُونَ بِتَأْخِيرِ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا.
وَقَالَ ضَمْرَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمَلَةَ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: قَالَ لِي الْوَلِيدُ: كَيْفَ أَنْتَ وَالْقُرْآنُ؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ -[1184]- أَخْتِمُهُ فِي كُلِّ جُمَعَةٍ، قُلْتُ: فَأَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: وَكَيْفَ مَعَ الأَشْغَالِ، قُلْتُ: عَلَى ذَاكَ، قَالَ: فِي كُلِّ ثَلاثٍ. قَالَ عَلِيٌّ: فذكرت ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، فَقَالَ: كَانَ يَخْتِمُ فِي رَمَضَانَ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً.
وَقَالَ ضَمْرَةُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي عَبْلَةَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ الْوَلِيدَ وَأَيْنَ مِثْلُ الْوَلِيدِ، افْتَتَحَ الْهِنْدَ والأندلس وَبَنَى مَسْجِدَ دِمَشْقَ، وَكَانَ يُعْطِينِي قِصَاعَ الْفِضَّةِ أُقَسِّمُهَا عَلَى قُرَّاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنَ الْبَابِ الأَصْغَرِ، فَوَجَدَ رَجُلا عِنْدَ الْحَائِطِ عِنْدَ الْمِئْذَنَةِ الشَّرْقِيَّةِ يَأْكُلُ وَحْدَهُ، فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا هُوَ يَأْكُلُ خُبْزًا وَتُرَابًا، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ انْفَرَدْتَ مِنَ النَّاسِ! قَالَ: أَحْبَبْتُ الْوِحْدَةَ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَكْلِ التُّرَابِ، أَمَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُجْرَى عَلَيْكَ! قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ رَأَيْتُ الْقُنُوعَ، قَالَ: فَرَدَّ الْوَلِيدُ إِلَى مَجْلِسِهِ ثُمَّ أَحْضَرَهُ، فَقَالَ: إِنَّ لَكَ لَخَبَرًا لَتُخْبِرْنِي بِهِ وَإِلا ضَرَبْتُ مَا فِيهِ عَيْنَاكَ، قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ جَمَّالًا وَمَعِي ثَلاثَةُ أَجْمَالٍ مُوقَرَةٌ طَعَامًا حَتَّى أَتَيْتُ مَرْجَ الصُّفَّرِ فَقَعَدْتُ فِي خربةٍ أَبُولُ فَرَأَيْتُ الْبَوْلَ يَنْصَبُّ فِي شِقٍّ، فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى كَشَفْتُهُ، فَإِذَا غطاء عَلَى حَفِيرٍ، فَنَزَلْتُ، فَإِذَا مَالٌ صبيبٌ، فَأَنَخْتُ رَوَاحِلِي وَأَفْرَغْتُ أَعْكَامِي، ثُمَّ أَوْقَرْتُهَا ذَهَبًا وَغَطَّيْتُ الْمَوْضِعَ، فَلَمَّا سِرْتُ غَيْرَ يَسِيرٍ وَجَدْتُ مَعِي مِخْلاةً فِيهَا طَعَامٌ، فَقُلْتُ: أَنَا أَنْزِلُ الْكُسْوَةَ فَفَرَّغْتُهَا وَرَجَعْتُ لِأَمْلأَهَا فَخَفِيَ عَنِّي الْمَوْضِعُ، وَأَتْعَبَنِي الطَّلَبُ، فَرَجَعْتُ إِلَى الْجِمَالِ فَلَمْ أَجِدْهَا، وَلَمْ أَجِدِ الطَّعَامَ، فَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَلا آكُلَ شَيْئًا إِلا الْخُبْزَ بِالتُّرَابِ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: كَمْ لَكَ مِنَ الْعِيَالِ؟ فَذَكَرَ عِيَالا. قَالَ: يُجْرَى عَلَيْكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلا تُسْتَعْمَلْ فِي شَيْءٍ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَحْرُومُ. قَالَ ابْنُ جَابِرٍ: فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الإِبِلَ جَاءَتْ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَأَنَاخَتْ عِنْدَهُ، فَأَخَذَهَا أَمِينُ الْوَلِيدِ فَطَرَحَهَا في بيت المال.
رواته ثقات، قاله الكتاني.
وقال المفضل الغلابي: حدثنا نُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، -[1185]- قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: لَوْلا أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ آلَ لوطٍ فِي الْقُرْآنِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا.
وَقَالَ ابن الأنباري: حدثنا أبي، قال: حدثنا أَبُو عِكْرِمَةَ الضَّبِّيُّ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الملك قرأ على المنبر: {{ياليتها كَانَتِ الْقَاضِيَةَ}}، وَتَحْتَ الْمِنْبَرِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: وَدِدْتُهَا وَاللَّهِ.
وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: كَانَ الْوَلِيدُ لَحَّانًا كَأَنِّي أَسْمَعُهُ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: يَا أهل الْمَدِينَةِ.
قُلْتُ: وَكَانَ الْوَلِيدُ جَبَّارًا ظَالِمًا، لَكِنَّهُ أَقَامَ الْجِهَادَ فِي أَيَّامِهِ، وَفُتِحَتْ فِي خِلافَتِهِ فُتُوحَاتٌ عَظِيمَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنِي خالد بن نافع، قال: حدثني أبو عيينة بن الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: لَمَّا وَلانِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ خُرَاسَانَ وَدَّعَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ لِي: يَا يَزِيدَ اتَّقِ اللَّهَ، إِنِّي حيث وضعت الوليد في لحده إذا هو يرتكض في أكفانه، يعني ضرب الأرض برجله.
وقال سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هَلَكَ الْوَلِيدُ بِدَيْرِ مُرَّانَ فَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ فَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ وَغَيْرُهُ: تُوُفِّيَ فِي نِصْفِ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ستٍ وَتِسْعِينَ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: عَاشَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً.
قُلْتُ: كَانَتْ خِلافَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَبَلَغَنَا أَنَّ الْبَشِيرَ لَمَّا جَاءَ الْوَلِيدَ بِفَتْحِ الأَنْدَلُسِ جَاءَهُ أَيْضًا بشيرٌ بِفَتْحِ مدينةٍ مِنْ خُرَاسَانَ، قَالَ الْخَادِمُ: فَأَعْلَمْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَسَجَدَ لِلَّهِ طَوِيلًا وَحَمِدَهُ وَبَكَى. -[1186]-
وَقِيلَ: كَانَ يَخْتِنُ الْأَيْتَامَ وَيُرَتِّبُ لَهُمُ الْمُؤَدِّبِينَ وَيُرَتِّبُ لِلزَّمْنَى مَنْ يَخْدُمُهُمْ وَلِلأَضِرَّاءِ مَنْ يَقُودُهُمْ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَمَّرَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَسَّعَهُ، وَرَزَقَ الْفُقَهَاءَ وَالْفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهُمْ سُؤَالَ النَّاسِ، وَفَرَضَ لَهُمْ ما يكفيهم، وضبط الأمور أتم ضبطٍ.

247 - أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

247 - أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الأُمَوِيُّ [الوفاة: 91 - 100 ه]
كَانَ أَسَنَّ مِنْ عُمَرَ أَخِيهِ لِأَبَوَيْهِ، وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلا، لَهُ ابْنَانِ: الْحَكَمُ وَمَرْوَانُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ستٍ وَتِسْعِينَ.

196 - ع: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أمير المؤمنين أبو حفص القرشي الأموي رضي الله عنه وأرضاه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

196 - ع: عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْن عَبْد شمسٍ بْن عَبْد مَناف بْن قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو حفصٍ الْقُرَشِيُّ الأُمَوِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. [الوفاة: 101 - 110 ه]
وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سِتِّينَ، عام تُوُفِّيَ مُعَاويَة أو بعده بسنة، وَأُمُّهُ هِيَ أُمُّ عَاصِمِ بِنْتُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. -[116]-
رَوَى عَنْ: أَبِيهِ، وَأَنَسَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب، وابن قارظ، وأرسل عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَخَوْلَةَ بِنْتِ حُكَيْمٍ، وَرَوَى أَيْضًا عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وَيُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، وَطَائِفَةٍ.
وَعَنْهُ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحَدُ شُيُوخِهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَمُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاءِ بْنِ زَيْدٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، وَوَلَدَاهُ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَكَانَتْ خِلافَتُهُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ شهراً، كأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه.
قَالَ الْخُرَيْبِيُّ: وُلِدَ عَامَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْخُطَبِيُّ: رَأَيْتُ صِفَتَهُ فِي كتابٍ: أَبْيَضَ، رَقِيقَ الْوَجْهِ، جَمِيلا، نَحِيفَ الْجِسْمِ، حَسَنَ اللِّحْيَةِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، بِجَبْهَتِهِ أَثَرٌ حافر دابة، فلذلك سُمِّيَ أَشَجُّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقَدْ وَخَطَّهُ الشَّيْبُ.
قَالَ ثَرْوَانُ مَوْلَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّهُ دَخَلَ إِلَى إِصْطَبْلِ أَبِيهِ وَهُوَ غُلامٌ، فَضَرَبَهُ فَرَسُهُ فَشَجَّهُ، فَجَعَلَ أَبُوهُ يَمْسَحُ عَنْهُ الدَّمَ وَيَقُولُ: إِنْ كُنْتَ أَشَجَّ بَنِي أُمَيَّةَ إِنَّكَ لَسَعِيدٌ، رَوَاهُ ضَمْرَةُ عَنْهُ.
نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ ضِمَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَكَى وَهُوَ غُلامٌ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: مَا يُبْكِيكَ: قَالَ: ذكرت الْمَوْتِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَهُوَ غلامٌ صَغِيرٌ، فَبَكَتْ أُمُّهُ.
سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ أَمِيرَ مِصْرَ بَعَثَ ابْنَهُ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَتَأَدَّبُ بِهَا، وَكَتَبَ إِلَى صَالِحِ بْنِ كيسان يَتَعَاهَدَهُ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَسْمَعُ مِنْهُ الْعِلْمَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ يَنْتَقِصُ عَلِيًّا، فَقَالَ لَهُ: مَتَى بَلَغَكَ أَنَّ اللَّهَ سَخَطَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ بَعْدَ أن -[117]- رَضِيَ عَنْهُمْ! فَفَهِمَ، وَقَالَ: مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ لا أَعُودُ.
وَقَالَ غَيْرَهُ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، طَلَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى دِمَشْقَ، فَزَوَّجُوهُ بِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ، وَكَانَ الَّذِينَ يَعِيبُونَ عُمَرَ مِنْ حُسَّادِهِ لا يَعِيبُونَهُ إِلا بِالإِفْرَاطِ فِي التَّنَعُّمِ وَالاخْتِيَالِ فِي الْمِشْيَةِ، هَذَا قَبْلَ الإِمَرَةِ، فَلَمَّا وُلِّيَ الْوَلِيدُ الْخِلافَةَ، أَمَّرَ عُمَرَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَوُلِيَهَا مِنْ سَنَةِ ستٍّ وَثَمَانِينَ، إِلَى سَنَةِ ثلاثٍ وَتِسْعِينَ، وَعُزِلَ، فَقَدِمَ الشَّامَ، ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ عَزَمَ على أن يخلع أَخَاهُ سُلَيْمَانَ مِنَ الْعَهْدِ وَأَنْ يَجْعَلَ وَلِيَّ عَهْدِهِ وَلَدَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْوَلِيدِ، فَأَطَاعَهُ كثيرٌ مِنَ الأَشْرَافِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَصَمَّمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَامْتَنَعَ، فَطَيَّنَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
قَالَ أبو زرعة عبد الأحد بن الليث القتباني: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: أَتَى فَتَيَانِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالُوا: إِنَّ أَبَانَا تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالا عِنْدَ عَمِّنَا حُمَيْدٍ الأَمَجِيِّ، فَأَحْضَرَهُ عُمَرُ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْقَائِلُ:
حُمَيْدٌ الَّذِي أمجٌ دَارُهُ ... أَخُو الْخَمْرِ ذُو الشَّيْبَةِ الأَصْلَعُ
أَتَاهُ الْمَشِيبُ عَلَى شُرْبِهَا ... فَكَانَ كَرِيمًا فَلَمْ يَنْزَعُ
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَرَانِي إِلا حَادُّكَ، أَقْرَرْتُ بِشُرْبِهَا، وَأَنَّكَ لَنْ تَنْزَعَ عَنْهَا، قَالَ: أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ؟ أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ: {{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ}} قَالَ: أَوْلَى لَكَ يَا حُمَيْدُ، مَا أَرَاكَ إِلا قَدْ أُفْلِتَّ، وَيْحَكَ يَا حُمَيْدُ، كَانَ أَبُوكَ رَجُلا صَالِحًا وَأَنْتَ رَجُلُ سوءٍ، قَالَ: أصلحك الله، وَأَيُّنَا يُشْبِهُ أَبَاهُ، كَانَ أَبُوكَ رَجُلَ سوءٍ، وأنت رجلٌ صالحٌ، قَالَ: إِنَّ هَؤُلاءِ زَعَمُوا أَنَّ أَبَاهُمْ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالا عِنْدَكَ، قَالَ: صَدَقُوا، وَأَحْضَرَهُ بِخَتْمِ أَبِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُمْ مَاتَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَكُنْتُ أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِي، وَهَذَا مَالُهُمْ، قَالَ: مَا أحدٌ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنْكَ، فَامْتَنَعَ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إمامٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْبَهَ صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْفَتَى، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ عُمَرَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: فَكَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، -[118]- وَيُخَفِّفُ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، رَوَاهُ الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمُلائِيُّ: سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: هُوَ نَجِيبُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الْعُلَمَاءُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَلامِذَةً.
أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، الْتَفَتَ إِلَيْهَا وَبَكَى، ثُمّ قَالَ: يَا مُزَاحِمُ أَتَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْهُ الْمَدِينَةُ؟
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمَرْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيْلَةً فَقَالَ: كُلُّ مَا حُدِّثْتُ اللَّيْلَةَ قَدْ سَمِعْتُهُ، وَلَكِنَّكَ حَفِظْتَ ونسيت.
قال عبد العزيز بن الماجشون: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: يَا آلِ عُمَرَ، كُنَّا نَتَحَدَّثُ، وَفِي لَفْظٍ: يَزْعَمُ النَّاسُ، أَنَّ الدُّنْيَا لا تَنْقَضِي حَتَّى يَلِي رجلٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِ عُمَرَ، قَالَ: فَكَانَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِوَجْهِهِ شَامَةٌ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ هُوَ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أُمُّهُ بِنْتُ عَاصِمِ بْنِ عمر.
قال التّرمذيّ في تاريخه: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا عُثْمَانُ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ لاحِقٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ: بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ مِنْ وَلَدِي رَجُلا بِوَجْهِهِ شينٌ يَلِي، فَيَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلا، قَالَ نَافِعٌ: فَلا أَحْسِبُهُ إِلا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ -[119]- يَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هَذَا الَّذِي مِنْ وَلَدِ عُمَرَ فِي وَجْهِهِ علامةٌ، يَمْلَأُ الأَرْضَ عدلاً.
أيوب بن محمد بن الوزّان، ومحمد بن عبد العزيز قالا: حدثنا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ رِيَاحِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الصَّلاةِ، وشيخٌ مُتَوَكِّئٌ عَلَى يَدِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّ هَذَا الشيخٌ جافٍ، فَلَمَّا صَلَّى وَدَخَلَ لَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: أَصْلَحَ الله الأمير، من الشيخ الذي كان يتّكئ عَلَى يَدِكَ؟ قَالَ: يَا رِيَاحُ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَحْسِبُكَ إِلا رَجُلا صَالِحًا، ذاك أخي الخضر، أتاني فأعلمني أنّي سَأَلِي أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنِّي سَأَعْدِلُ فِيهَا، رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ هَزَّانَ بن سعيد قال: حَدَّثَنِي رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ قَالَ: لَمَا ثَقُلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، رَآنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الدَّارِ فَقَالَ: يَا رَجَاءُ، أُذَكِّرُكَ اللَّهَ أَنْ تُذَكِّرَنِي أَوْ تُشِيرَ بِي، فَوَاللَّهِ مَا أَقْدَرُ عَلَى هَذَا الأَمْرِ، فَانْتَهَرْتُهُ وَقُلْتُ: إِنَّكَ لحريصٌ عَلَى الْخِلافَةِ، أَتَطْمَعُ أَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِكَ، فَاسْتَحْيَا، وَدَخَلْتُ، فَقَالَ لِي سُلَيْمَانُ: يَا رَجَاءُ، مَنْ تَرَى لِهَذَا الأَمْرِ؟ قُلْتُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّكَ قادمٌ عَلَى رَبِّكَ وَسَائِلُكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، وَمَا صَنَعْتَ فِيهِ، قَالَ: فَمَنْ تَرَى؟ قُلْتُ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِعَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَيَّ، وَإِلَى الْوَلِيدِ فِي ابْنَيْ عَاتِكَةٌ، أَيُّهُمَا بَقِيَ؟ قُلْتُ تَجْعَلُهُ مِنْ بَعْدِهِ، قَالَ: أَصَبْتَ، هَاتِ صَحِيفَةً، فَكَتَبَ عَهْدَ عُمَرَ، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ دَعَوْتُ رِجَالا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: عَهْدِي فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مَعَ رَجَاءٍ، اشْهَدُوا وَاخْتُمُوا الصَّحِيفَةَ، فَمَا لَبَثَ أَنْ مَاتَ، فَكَفَفْتُ النِّسَاءَ عَنِ الصِّيَاحِ، وَخَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: كَيْفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَكُنْ مُنْذُ اشْتَكَى أَسْكَنَ مِنْهُ السَّاعَةَ، قالوا لله الحمد.
الوليد بن المسلم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ الْكِنَانِيِّ قَالَ: لما مرض -[120]- سُلَيْمَانُ بِدَابِقٍ، قَالَ لِرَجَاءِ بْنِ حَيَوَةَ: مَنْ للأمر بَعْدِي، أَسْتَخْلِفُ ابْنِي؟ قَالَ: ابْنُكَ غَائِبٌ، قَالَ: فَالآخَرُ، قَالَ: صَغِيرٌ، قَالَ: فَمَنْ تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَسْتَخْلِفَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: أَتَخَوَّفُ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: وَلِّ عُمَرَ، وَمِنْ بَعْدِهِ يَزِيدَ، وَاخْتُمِ الْكِتَابَ، وَتَدْعُوهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِ مَخْتُومًا، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتَ، ائْتِنِي بِقِرْطَاسٍ، فَدَعَا بقرطاسٍ، وَكَتَبَ الْعَهْدَ، وَدَفَعَهُ إِلَى رَجَاءٍ، وَقَالَ: اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَلْيُبَايِعُوا عَلَى مَا فِيهِ مَخْتُومًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَامْتَنَعُوا، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ الْحَرَسِ وَالشُّرَطِ فَاجْمَعِ النَّاسَ وَمُرْهُمْ بِالْبَيْعَةِ، فَمَنْ أَبَى فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَفَعَلَ، فَبَايَعُوا عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، قَالَ رَجَاءٌ: فَبَيْنَا أَنَا رَاجِعٌ إِذَا بِمَوْكِبِ هِشَامٍ، فَقَالَ: تَعْلَمُ مَوْقِعَكَ مِنَّا، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ صَنَعَ شَيْئًا مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَزَالَهَا عَنِّي، فَإِنْ يَكُنْ عَدَلَهَا عَنِّي فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نفسٌ، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا أُطْلِعُكَ عَلَيْهِ، لا يَكُونَ ذَا أَبَدًا، فأدارني وألاصني، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ، فَانْصَرَفَ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ، إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةً خَلْفِي، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ لِي: يَا رَجَاءُ إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي أمرٌ كَبِيرٌ أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ جَعَلَهَا إِلَيَّ، وَلَسْتُ أَقُومُ بِهَذَا الشَّأْنِ، فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نفسٌ، لَعَلِّي أَتَخَلَّصُ مِنْهُ مَا دَامَ حَيًّا، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا أُطْلِعَكَ عَلَيْهِ! فأدارني وألاصني، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ، وَثَقُلَ سُلَيْمَانُ، وَحُجِبَ النَّاسُ، فَلَمَّا مَاتَ أَجْلَسْتُهُ وَسَنَّدْتُهُ وَهَيَّأْتُهُ، وَخَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: كَيْفَ أَصْبَحَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قُلْتُ: أَصْبَحَ سَاكِنًا، وَقَدْ أَحَبَّ أَنْ تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ وَتُبَايِعُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَذِنْتُ لِلنَّاسِ، فَدَخَلُوا، وَقُمْتُ عِنْدَهُ، فَقُلْتُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ بِالْوُقُوفِ، ثُمَّ أَخَذْتُ الْكِتَابَ مِنْ عِنْدِهِ، وتقدمت إليهم، وَقُلْتُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُبَايِعُوا عَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَبَايَعُوا وَبَسَطُوا أيديهم، فلما بايعهم وَفَرَغْتُ، قُلْتُ لَهُمْ: آجَرَكُمُ اللَّهُ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالُوا: فَمَنْ؟ فَفَتَحْتُ الْكِتَابَ، فَإِذَا عُمَرُ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا قَرَأُوا: بَعْدَهُ يَزِيدُ، فَكَأَنَّهُمْ تَرَاجَعُوا، فَقَالُوا: أَيْنَ عُمَرُ؟ فَطَلَبُوهُ، فَإِذَا هُوَ فِي -[121]- الْمَسْجِدِ، فَأَتَوْا فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، فَعُقِرَ بِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعِ النُّهُوضَ، حَتَّى أَخَذُوا بِضَبْعَيْهِ فَأَصْعَدُوهُ الْمِنْبَرَ، فَجَلَسَ طَوِيلا لا يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَجَاءُ جَالِسِينَ، قَالَ: أَلا تَقُومُونَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَتُبَايِعُونَهُ فَنَهَضُوا إِلَيْهِ فَبَايَعُوهُ رَجُلا رَجُلا، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِمْ، فَصَعَدَ إِلَيْهِ هِشَامٌ، فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ قَالَ: يَقُولُ هِشَامٌ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَقَال عُمَرُ: إِنَّا للَّهِ حِينَ صَارَ يَلِي هَذَا الأَمْرَ أَنَا وَأَنْتَ، ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي لَسْتُ بقاضٍ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ، وَلَسْتُ بمبتدعٍ، وَلَكِنِّي متبعٌ، وَإِنَّ مَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَمْصَارِ إِنْ أَطَاعُوا كَمَا أَطَعْتُمْ فَأَنَا وَالِيكُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَلَسْتُ لَكُمْ بوالٍ، ثُمَّ نَزَلَ يَمْشِي، فَأَتَاهُ صَاحِبُ الْمَرَاكِبِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ مَرْكَبُ الْخِلافَةِ، قَالَ: لا ائْتُونِي بِدَابَّتِي، ثُمَّ إِنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْعُمَّالِ فِي الأَمْصَارِ، قَالَ رَجَاءٌ: كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ سَيَضْعُفُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ صُنْعَهُ فِي الْكِتَابِ عَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَقْوَى.
قَالَ عُمَرُ بْنُ مُهَاجِرٍ: صَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَغَيْرُهُ: وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ عَاشِرُ صَفَرٍ سَنَةَ تسعٍ وتسعين.
قُلْتُ: وَكَانَ عُمَرُ فِي خِلافَةِ سُلَيْمَانَ كَالْوَزِيرِ له.
أحمد بن حنبل: حدثنا سفيان، قال: حَدَّثَنِي مَنْ شَهِدَ دَابِقَ، وَكَانَ مُجْتَمَعَ غَزْوِ الناس: فمات سليمان، وكان رجاء صاحب أمره ومشورته، فَأَعْلَمَ النَّاسَ بِمَوْتِهِ، وَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، وَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ كِتَابًا وَعَهِدَ عَهْدًا وَمَاتَ، أَفَسَامِعُونَ أَنْتُمْ مُطِيعُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: نَسْمَعُ وَنُطِيعُ إِنْ كَانَ فِيهِ اسْتِخْلافُ رجلٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: فَجَذَبَهُ النَّاسُ حَتَّى سَقَطَ وَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فَقَالَ رَجَاءٌ: قُمْ يَا عُمَرُ، فَقَالَ عمر: والله إن هذا لأمر مَا سَأَلْتُهُ اللَّهَ قَطُّ.
وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ عُمَرُ عَنْ قَبْرِ سُلَيْمَانَ، قَدَّمُوا لَهُ مَرَاكِبَ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ:
فَلَوْلا التُّقَى ثُمَّ النُّهَى خشْيَةَ الرَّدَى ... لَعَاصَيْتُ فِي حُبِّ الصِّبَى كُلَّ زَاجِرِ
قَضَى مَا قَضَى فيما مضى ثُمَّ لا تُرَى ... لَهُ صبوةٌ أُخْرَى اللَّيَالِي الغوابر -[122]-
لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، قَدِّمُوا بَغْلَتِي.
خَالِدُ بن مرداس: حدثنا الْحَكَمُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ جَاءَهُ أَصْحَابُ الْمَرَاكِبِ يَسْأَلُونَهُ الْعُلُوفَةَ وَرِزْقَ خَدَمِها، قَالَ: ابْعَثْ بِهَا إِلَى أَمْصَارِ الشَّامِ يَبِيعُونَهَا فِيمَنْ يَزِيدُ، وَاجْعَلْ أَثْمَانَهَا فِي مَالِ اللَّهِ، تَكْفِينِي بَغْلَتِي هَذِهِ الشَّهْبَاءُ.
سفيان بن وكيع: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن ذر أن مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لَهُ إذ رجع من جنازة سليمان: ما لي أَرَاكَ مُغْتَمًّا؟ قَالَ: لَمِثْلُ مَا أَنَا فِيهِ فَلْيُغْتَمُّ، لَيْسَ أحدٌ مِنَ الأُمَّةِ إِلا وَأَنَا أُرِيدَ أَنْ أُوصِلَ إِلَيْهِ حَقَّهُ غَيْرَ كاتبٍ إِلَيَّ فِيهِ، وَلا طَالِبَهُ مِنِّي.
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ، أَنَّ عُمَرَ بن عبد العزيز لما استخلف قام في النَّاسِ، فَحَمَدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لا كِتَابَ بَعْدَ الْقُرْآنِ، ولا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلا وَإِنِّي لَسْتُ بقاضٍ، وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ، وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، وَلَكِنِّي متبعٌ، إِنَّ الرَّجُلَ الْهَارِبَ مِنَ الإِمَامِ الظَّالِمِ لَيْسَ بظالمٍ، أَلا لا طَاعَةَ لمخلوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. رَوَاهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سليمان، عن عبيد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَزَادَ فِيهِ: لَسْتُ بخيرٍ مِنْ أحدٍ مِنْكُمْ، وَلَكِنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلا.
أَيُّوبُ بن سويد الرملي: حدثنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، يَكْتُبُ إِلَيْهِ بِسِيرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الصَّدَقَاتِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالَّذِي سَأَلَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ إِنْ عَمِلْتَ بِمِثْلِ عَمَلِ عُمَرَ فِي زَمَانِهِ وَرِجَالِهِ فِي مِثْلِ زَمَانِكَ وَرِجَالِكَ، كُنْتَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا مِنْ عُمَرَ. -[123]-
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَعُمَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَإِذَا رَجُلانِ يَخْتَصِمَانِ، وَأَنْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَالِسٌ، فَقَالَ لَكَ: يَا عُمَرُ إِذَا عَمِلْتَ فَاعْمَلْ بِعَمَلِ هَذَيْنِ، لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَاسْتَحْلَفَهُ عُمَرُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتَ هَذَا؟ فَحَلَفَ لَهُ، فَبَكَى.
وَرُوِيَتْ مِنْ وجهٍ آخَرَ، وَأَنَّ الرَّائِيَ عُمَرَ نَفْسَهُ.
قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِنَّ الله كان يتعاهد الناس بنبيٍ بعد نبي، إن اللَّهَ تَعَاهَدَ النَّاسَ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا اسْتُخْلِفَ بَكَى، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانُ أَتَخْشَى عَلَيَّ؟ قَالَ: كَيْفَ حُبُّكَ لِلدِّرْهَمِ؟ قَالَ: لا أُحِبُّهُ، قَالَ: لا تَخَفْ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُعِينُكَ.
جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، قال: جمع عمر بن عبد العزيز بني مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُ فَدَكٌ ينفق منها، ويعود منها على صغير بني هاشم، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا، فَأَبَى، فَكَانَتْ كذلك حياة أبي بكر وعمر، قَالَ: ثُمَّ أَقْطَعَهَا مَرْوَانُ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَأَيْتُ أَمْرًا مَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ، لَيْسَ لِي بحقٍ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ إِنِّي قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَدَأَ بِلُحْمَتِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَأَخَذَ مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَسَمَّى أَمْوَالَهُمْ مَظَالِمَ، فَفَزَعَتْ بَنُو أُمَيَّةَ إِلَى عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مَرْوَانَ، فَأَتَتْهُ لَيْلا، فَأَنْزَلَهَا عَنْ دَابَّتِهَا، فَلَمَّا أَخَذَتْ مَجْلِسَهَا قَالَ: يَا عَمَّةُ أَنْتِ أَوْلَى بِالْكَلامِ فَتَكَلَّمِي، قَالَتْ: تَكَلَّمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيَّهُ رَحْمَةً، ثُمَّ اخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، فَقَبَضَهُ -[124]- اللَّهُ، وَتَرَكَ لَهُمْ نَهْرًا شُرْبُهُمْ سواءٌ، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَتَرَكَ النَّهْرَ عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ وُلِّيَ عُمَرُ فَعَمِلَ عَمَلَ صَاحبِهِ، ثُمَّ لم يزل النهر يشتق مِنْهُ يَزِيدُ، وَمَرْوَانُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَالْوَلِيدُ، وَسُلَيْمَانُ، حَتَّى أَفْضَى الأَمْرُ إِلَيَّ، وَقَدْ يَبِسَ النَّهْرُ الأَعْظَمُ، وَلَنْ يُرْوَى أَصْحَابُ النَّهْرِ الأَعْظَمِ حَتَّى يَعُودَ النَّهْرُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: حَسْبُكَ قَدْ أَرَدْتُ كَلامَكَ وَمُذَاكَرَتَكَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مَقَالَتُكَ هَذِهِ، فَلَسْتُ بذاكرةٍ لَكَ شَيْئًا، فَرَجَعْت إِلَيْهِمْ فَأَبْلَغَتْهُمْ كَلامَهُ.
هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: حدثنا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ فُرَاتِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: لَوْ أَقَمْتُ فِيكُمْ خَمْسِينَ عَامًا مَا اسْتَكْمَلْتُ فِيكُمُ الْعَدْلَ، إِنِّي لَأُرِيدُ الأَمْرَ فَأَخَافُ أَنْ لا تَحْمِلَهُ قُلُوبُكُمْ، فَأُخْرِجُ معه طَمَعًا مِنْ طَمَعِ الدُّنْيَا، فَإِنْ أَنْكَرَتْ قُلُوبُكُمْ هَذَا سَكَنَتْ إِلَى هَذَا.
ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إبراهيم بن ميسرة، قال: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: هُوَ الْمَهْدِيُّ؟ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: هُوَ مهديٌّ وَلَيْسَ بِهِ، إنه لم يستكمل الْعَدْلَ كُلَّهُ.
ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الطَّلَاءِ قَالَ: نَهَى عَنْه إِمَامُ هُدًى. يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
حَرْمَلَةُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: الْخُلَفَاءُ خَمْسَةً: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بن عياش نحوه.
ابن وهب: حدثني ابن زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلَ يَجِيءُ بِالْمَالِ الْعَظِيمِ، فَيَقُولُ: اجْعَلُوا هَذَا حَيْثُ تَرَوْنَ، فَمَا يَبْرَحُ حَتَّى يَرْجِعَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، قَدْ أَغْنَى عُمَرُ النَّاسَ.
سَعِيدُ بن عامر: حدثنا جُوَيْرِيَةُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَثْنَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ بَقِيَ لَنَا مَا احْتَجْنَا بَعْدُ إِلَى أحدٍ.
إِبْرَاهِيمُ الْجَوْزَجَانِيُّ: حدثنا محمد بن الحسن الأسدي قال: حدثنا عمر بن ذر، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، قال: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ امْرَأَةُ -[125]- عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مُصَلاهُ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلَى لِحْيَتِه، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ألشيءٍ حَدَثَ؟ قَالَ: يَا فَاطِمَةُ إِنِّي تَقَلَّدْتُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْوَدَهَا وَأَحْمَرَهَا، فَتَفَكَّرْتُ فِي الْفَقِيرِ الْجَائِعِ، وَالْمَرِيضِ الضَّائِعِ، وَالْعَارِي الْمَجْهُودِ، وَالْمَظْلُومِ الْمَقْهُورِ، وَالْغَرِيبِ الأَسِيرِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَذِي الْعِيَالِ الْكَثِيرِ، وَالْمَالِ الْقَلِيلِ، وَأَشْبَاهِهِمْ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ وَأَطْرَافِ الْبِلادِ فَعَلِمْتُ أَنَّ رَبِّي سَائِلِي عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَخَشِيتُ أَنْ لا تثبت لي حجةٌ، فبكيت.
الفريابي: حدثنا الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز كان جَالِسًا فِي بَيْتِهِ، وَعِنْدَهُ أَشْرَافُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: تُحِبُّونَ أَنْ أُوَلِّيَ كُلَّ رجلٍ مِنْكُمْ جُنْدًا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: لِمَ تَعْرِضْ عَلَيْنَا مَا لا تَفْعَلُهُ؟ قَالَ: تَرَوْنَ بِسَاطِي هَذَا، إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى بِلًى وفناءٍ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تُدَنِّسُوهُ بِأَرْجُلِكُمْ، فَكَيْفَ أُوَلِّيكُمْ دَيْنِي، أُوَلِّيكُمْ أَعْرَاضَ الْمُسْلِمِينَ وَأَبْشَارَهُمْ، هَيْهَاتَ لَكُمْ هيهات! فقالوا له: لم، أما لنا قرابة؟ أَمَا لَنَا حَقٌّ؟ قَالَ: مَا أَنْتُمْ وَأَقْصَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدِي فِي هَذَا الأَمْرِ إِلا سَوَاءَ، إِلا رَجُلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَبَسَهُ عني طول شقته.
حماد بن سلمة: أخبرنا حميد قال: أمل علي الْحَسَنُ رِسَالَةً إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَبْلَغَ، ثُمَّ شَكَا الْحَاجَةَ وَالْعِيَالَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ لا تُهَجِّنْ هَذَا الْكِتَابَ بِالْمَسْأَلَةِ، اكْتُبْ هَذَا فِي غَيْرِ ذَا، قَالَ: دَعْنَا مِنْكَ، فَأَمَرَ بِعَطَائِهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ اكْتُبْ إِلَيْهِ فِي الْمَشُورَةِ فَإِنَّ أَبَا قِلابَةَ قَالَ: كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ، فَمَا مَنَعَهُ ذَلِكَ أَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْمَشُورَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَكَتَبَ بِالْمَشُورَةِ، فَأَبْلَغَ فِيهَا أَيْضًا.
أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَاقِبَ رَجُلا حَبَسَهُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَاقَبَهُ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَعْجَلَ فِي أَوَّلِ غَضَبِهِ.
مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ الْحِمْصِيُّ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَلَّى بِهُمُ الْجُمْعَةَ، ثُمَّ جَلَسَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مَرْقُوعُ الْجَيْبِ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ، فَلَوْ -[126]- لَبِسْتَ، فَنَكَّسَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أُفَضِّلُ الْقَصْدَ عِنْدَ الْجِدَّةِ، وَأُفَضِّلُ الْعَفْوَ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ.
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّ نَفْسِي نفسٌ تواقةٌ، لَمْ تُعْطَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلا تَاقَتْ إِلَى مَا هُوَ أفضل منه، فلما أعطيت ما لا شيء فوقه في الدنيا، تاقت نفسي إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، قَالَ سَعِيدٌ: يُرِيدُ الْجَنَّةَ.
حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ: النَّاسُ يَقُولُونَ: إِنِّي زاهدٌ، إِنَّمَا الزَّاهِدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الَّذِي أَتَتْهُ الدُّنْيَا فَتَرَكَهَا.
الَفِسَوِيُّ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هشام بن يحيى، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قال: دعاني المنصور، فقال: كَمْ كَانَتْ غَلَّةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلافَةُ؟ قُلْتُ: خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: كَمْ كَانَتْ غَلَّتُهُ يَوْمَ مَاتَ؟ قُلْتُ: مَا زَالَ يَرُدُّهَا حَتَّى كَانَتْ مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ مُسْلِمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فَإِذَا عَلَيْهِ قميصٌ وسخٌ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ، وَهِيَ أُخْتُ مُسْلِمَةَ: اغْسِلُوا قَمِيصَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: نَفْعَلُ، ثُمَّ عُدْتُ فَإِذَا الْقَمِيصُ عَلَى حَالِهِ، فَقُلْتُ لَهَا! فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لَهُ قميصٌ غَيْرُهُ.
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ، قَالَ: كَانَتْ نَفَقَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ.
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى زَوْجَتِهِ فَقَالَ: عِنْدَكِ دِرْهَمٌ نَشْتَرِي بِهِ عِنَبًا؟ قَالَتْ: لا، أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لا تَقْدِرُ عَلَى دِرْهَمٍ! قَالَ: هَذَا أَهْوَنُ مِنْ مُعَالَجَةِ الْأَغْلَالِ فِي جهنم.
يحيى بن معين: حدثنا مروان بن معاوية: قال: حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكَاهِلِيُّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَلْبِسُ الْفَرْوَةَ الْكُبُلَ، وَكَانَ -[127]- سِرَاجُ بَيْتَهُ عَلَى ثَلاثِ قَصَبَاتٍ، فَوْقَهُنَّ طِينٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ غُلامَهَ أَنْ يُسَخِّنَ لَهُ مَاءً، فَانْطَلَقَ فَسَخَّنَ قُمْقُمًا فِي مَطْبَخِ الْعَامَّةِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَأْخُذَ بِدِرْهَمٍ حَطَبًا يَضَعَهُ فِي المطبخ.
ابن المبارك في " الزهد ": أخبرنا إبراهيم بن نشيط، قال: حدثنا سليمان بن حميد، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهَا: أَخْبِرِينِي عَنْ عُمَرَ، قَالَتْ: مَا اغْتَسَلَ مِنْ جنابةٍ مُنْذُ اسْتُخْلِفَ.
يَحْيَى بْنُ حمزة: حدثنا عمرو من مُهَاجِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُسْرِجُ عَلَيْهِ الشَّمْعَةَ مَا كَانَ فِي حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ أَطْفَأَهَا، ثُمَّ أسرج عليه سراجه.
خالد بن مرداس: حدثنا الحكم بن عمر قَالَ: كَانَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَلاثُمِائَةُ حرسيٌ، وَثَلاثُمِائَةُ شُرَطِيٍّ، فَشَهِدْتُهُ يَقُولُ لِحَرَسِهِ: إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ بِالْقَدَرِ حَاجِزًا، وَبِالأَجَلِ حَارِسًا، مَنْ أَقَامَ مِنْكُمْ فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَلْحَقْ بِأَهْلِهِ.
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ قَالَ: اشْتَهَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تُفَّاحًا، فَأَهْدَى لَهُ رجلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ تُفَّاحًا، فَقَالَ: مَا أَطْيَبَ رِيحَهُ وَأَحْسَنَهُ، ارْفَعْهُ يَا غُلامُ لِلَّذِي أَتَى بِهِ، وَأَقْرِئْ فُلانًا السَّلامَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ هَدِيَّتَكَ وَقَعَتْ عِنْدَنَا بِحَيْثُ نُحِبُّ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ابْنُ عَمِّكَ ورجلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، وَقَدْ بَلَغَكَ أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، إِنَّ الْهَدِيَّةَ كَانَتِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً، وَهِيَ الْيَوْمِ لَنَا رشوةٌ.
ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَالَ لِي رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: مَا أَكْمَلَ مُرُوءَةَ أَبِيكَ، سَمُرْتُ عِنْدَهُ ذَاتَ ليلةٍ فَعَشِي السِّرَاجُ، فَقَالَ لِي: مَا تَرَى السِّرَاجَ قَدْ عَشِيَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: وَإِلَى جَانِبِه وَصِيفٌ رَاقِدٌ، قُلْتُ: أَلا أُنَبِّهُهُ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: أَفَلا أَقُومُ؟ قَالَ: لَيْسَ مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ اسْتِخْدَامُهُ ضَيْفَهُ، فَقَامَ إِلَى -[128]- بَطَّةِ الزَّيْتِ وَأَصْلَحَ السِّرَاجَ، ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: قُمْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَرَجَعْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ رَجَاءٍ أَبِي الْمِقْدَامِ الرَّمْلِيِّ، عَنْ نُعَيْمٍ كَاتِبِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنْ كثيرٍ مِنَ الكلام مخافة المباهاة.
سليمان بن حرب: حدثنا جرير بن حازم، قال: حدثنا المغيرة بن حكيم: قال: قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ امْرَأَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِنَّهُ يَكُونُ فِي النَّاسِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ صَلاةً وَصِيَامًا مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَشَدَّ فَرَقًا مِنْ رَبِّهِ مِنْ عُمَرَ، كَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ قَعَدَ فِي مَسْجِدِهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنُهُ، ثُمَّ يَنْتَبِهُ، فَلا يَزَالُ يَدْعُو رَافِعًا يَدَيْهِ يَبْكِي حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنُهُ.
رَوَى مِثْلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَزَادَ: يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْلَةِ أَجْمَعَ.
هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَوْ حَلَفْتُ لَصَدَقْتُ، مَا رَأَيْتُ أَزْهَدَ وَلا أَخْوَفَ لِلَّهِ مِنْ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز.
أبو جعفر النفيلي: حدثنا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٌّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَانَ لا يَكَادُ يَبْكِي، إِنَّمَا هُوَ يَنْتَفِضُ أَبَدًا، كَأَنَّ عَلَيْهِ حُزْنُ الْخَلْقِ.
الْفَسَوِيُّ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يحيى، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: حَدِّثْنِي، فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثًا بَكَى مِنْهُ بُكَاءً شَدِيدًا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ عَلِمْتُ لَحَدَّثْتُكَ حَدِيثًا أَلْيَنَ مِنْهُ، قَالَ: يَا مَيْمُونُ، إِنَّا نَأْكُلُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْعَدَسَ، وَهِيَ مَا علمت، مرقةٌ للقلب مغزرةٌ لِلدَّمْعَةِ، مذلةٌ لِلْجَسَدِ.
عَنْ: عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْمَعُ كُلَّ ليلةٍ الفقهاء، -[129]- فَيَتَذَاكَرُونَ الْمَوْتَ وَالْقِيَامَةَ، ثُمَّ يَبْكُونَ، حَتَّى كَأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ جَنَازَةً.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَغَيْرِهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ اضْطَرَبَتْ أَوْصَالُهُ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَرْطَأَةُ قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ جَعَلْتَ عَلَى طَعَامِكَ أَمِينًا لا تُغْتَالُ، وَحَرَسًا إِذَا صَلَّيْتَ، وَتَنَحَّ عَنِ الطَّاعُونَ؛ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ إِنِّي أَخَافُ يَوْمًا دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فلا تؤمن خوفي.
روى علي بن أبي حملة، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: لَقِيَنِي يَهُودِيٌّ فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَيَلِي، ثُمَّ لَقِيَنِي آخِرَ وِلايَةِ عُمَرَ، فَقَالَ: صَاحِبُكَ قَدْ سُقِيَ فَمُرْهُ فَلْيَتَدَارَكْ، فَأَعْلَمْتُ عُمَرَ، فَقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ، مَا أَعْلَمَهُ؟ لَقَدْ عَلِمْتُ السَّاعَةَ الَّتِي سُقِيتُ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ شِفَائِي أَنْ أمسح شحمة أذني أو أوتي بطيبٍ فَارْفَعْهُ إِلَى أَنْفِي مَا فَعَلْتُ. رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ ضَمْرَةَ عَنْهُ، وَلَكِنَّ بَعْضُهُمْ قَالَ: عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ، بَدَلَ الْوَلِيدِ.
مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ مُشْكَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيَّ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ مَسْحُورٌ، قَالَ: مَا أَنَا بمسحورٍ، ثُمَّ دَعَا غُلامًا لَهُ فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تُسْقِينِي السُّمَّ؟ قَالَ: أَلْفُ دينارٍ أُعْطِيتُهَا، عَلَى أَنْ أُعْتَقَ، قَالَ: هَاتِهَا، فَجَاءَ بِهَا، فَأَلْقَاهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ لا يَرَاكَ أَحَدٌ.
قُلْتُ: كَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ قَدْ تَبَرَّمَتْ بِعُمَرَ، لِكَوْنِهِ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ، وَانْتَزَعَ كَثِيرًا مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا قَدْ غَصَبُوهُ، وَكَانَ قَدْ أَهْمَلَ التَّحَرُّزَ، فَسَقَوْهُ السُّمَّ.
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَبُوكَ عِنْدَ مَوْتِهِ؟ فَقَالَ: كَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ أَنَا، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَعَاصِمٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَكُنَّا أُغَيْلِمَةً، فَجِئْنَا كَالْمُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ وَالْمُوَدِّعِينَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَرَكْتَ وَلَدَكَ لَيْسَ لَهُمْ مالٌ، وَلَمْ تُؤْوِهِمْ إِلَى أَحَدٍ! فَقَالَ: مَا كُنْتُ لَأُعْطِيَهُمْ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَمَا كُنْتُ لِآخُذَ مِنْهُمْ حَقًّا هُوَ لَهُمْ، وَإِنَّ وَلِيِّي فِيهِمُ اللَّهُ الذي -[130]- يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ أَحَدُ رَجُلَيْنِ، رجلٌ صَالِحٌ أَوْ فَاسِقٌ، وَقِيلَ إِنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ خَالُهُمْ مُسْلِمَةُ.
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَتَيْتَ الْمَدِينَةَ، فَإِنْ مُتَّ دفنت في موضع القبر الرابع، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: وَاللَّهِ لِأَنْ يُعَذِّبَنِي اللَّهُ بِكُلِّ عَذَابٍ إِلا النَّارَ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ مِنِّي أَنِّي أَرَانِي لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَهْلا. رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ مِثْلَهُ.
جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بن حكيم قال: قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَلِكِ: كُنْتُ أَسْمَعُ عُمَرَ فِي مَرَضِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَخْفِ عَلَيْهِمْ أَمْرِي وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: أَلا أَخْرُجُ عَنْكَ، فَإِنَّكَ لَمْ تَنَمْ، فَخَرَجْتُ عَنْهُ، فَجَعَلْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: {{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}} [القصص] مِرَارًا، ثُمَّ أَطْرَقَ فَلَبِثَ طَوِيلا لا يُسْمَعُ لَهُ حسٌ، فَقُلْتُ لِوَصِيفٍ: وَيْحَكَ انْظُرْ، فَلَمَّا دَخَلَ صَاحَ، فَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُهُ مَيِّتًا، قَدْ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ، وَوَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى فِيهِ. وَالأُخْرَى عَلَى عَيْنَيْهِ.
هِلالُ بْنُ الْعَلاءِ الرقي: حدثنا أبي، قال: حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الرَّقِّيُّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: لَمَّا احْتَضَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: اخْرُجُوا عَنِّي، فَقَعَدَ مُسْلِمَةُ، وَفَاطِمَةُ عَلَى الْبَابِ فَسَمِعُوهُ يَقُولُ: مَرْحَبًا بِهَذِهِ الْوُجُوهِ، لَيْسَتْ بِوُجُوهِ إنسٍ وَلا جانٍ، ثُمَّ قَالَ: {{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ}} [القصص 83] الآيَةَ، ثُمَّ هَدَأَ الصَّوْتُ، فَقَالَ مُسْلِمَةُ لِفَاطِمَةَ: قَدْ قُبِضَ صَاحِبُكِ، فَدَخَلُوا فَوَجَدُوهُ قَدْ قُبِضَ.
رَوَى هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ خَالِدٍ الرَّبَعِيِّ قَالَ: إِنَّا نجد في التوراة أن السماوات وَالأَرْضَ تَبْكِي عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أربعين صَبَاحًا.
جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَاتَ خَيْرُ النَّاسِ.
سُلَيْمَانُ بن عمر بن الأقطع: حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ الْخَصِيُّ غُلامُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِدِينَارَيْنِ إِلَى أَهْلِ الدَّيْرِ، فَقَالَ: -[131]- إِنْ بِعْتُمُونِي مَوْضِعَ قَبْرِي، وَإِلا تَحَوَّلْتُ عَنْكُمْ.
ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ صَالِحَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ سَأَلَ عَنْ قَبْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُهُ، حَتَّى دُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَقَالَ: قَبْرُ الصِّدِّيقِ تُرِيدُونَ؟ هُوَ فِي تِلْكَ الْمَزْرَعَةِ.
مُحَمَّدُ بن سعد في " الطبقات " وغيره: أخبرنا عباد بن عمرو الواشحي: قال: حدثنا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، لَقِيتُهُ مِنْ نَحْوِ خَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ فَاضِلا خَيِّرًا، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نُسَوِّي التُّرَابَ عَلَى قَبْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِذْ سَقَطَ علينا كتابٌ رق مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمانٌ مِنَ اللَّهِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ النَّارِ.
الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْقَحْذَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُمَرَ تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ، سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ، بِدَيْرِ سَمْعَانَ، مِنْ أَعْمَالِ حِمْصٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ

199 - عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

199 - عُمَرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ. [الوفاة: 101 - 110 ه]
كَانَ لَعَّابًا مُتَنَعِّمًا، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: فَحْلُ بَنِي مَرْوَانَ، لِأَنَّهُ كَانَ يَرْكَبُ مَعَهُ سِتُّونَ ابْنًا لِصُلْبِهِ.

229 - محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي الأمير.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

229 - مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الأُمَوِيُّ الأمير. [الوفاة: 101 - 110 ه]
سَمِعَ: أَبَاهُ،
وَعَنْهُ: الزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُهُ.
وُلِّيَ الْجَزِيرَةَ لِأَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ.
رَوَى الأَصْمَعِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ قَوِيًّا فِي بَدَنِهِ، شَدِيدَ الْبَأْسِ، فَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَحْسِدُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يَفْعَلُ أَشْيَاءَ لا يَزَالُ يَرَاهَا مِنْهُ، فَلَمَّا اسْتَوْثَقَ الأَمْرُ لعبد الْمُلْكِ جَعَلَ يُبْدِي لَهُ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ مِمَّا فِي نَفْسِهِ، وَيُقَابِلُهُ بِمَا يَكْرَهُ، فَلَمَّا رَأَى مُحَمَّدٌ ذَلِكَ تَهَيَّأَ لِلرَّحِيلِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَأَصْلَحَ جِهَازَهُ، وَرَحَلَتْ إِبِلُهُ، وَدَخَلَ يُوَدِّعُ أَخَاهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا بَعَثَكَ عَلَى ذَلِكَ! فَأَنْشَأَ يقول: -[164]-
وَإِنَّكَ لا تَرَى طَرْدًا لِحُرٍّ ... كَالصَّاقِ بِهِ بَعْضَ الْهَوَانِ
فَلَوْ كُنَّا بِمَنْزِلَةٍ جَمِيعًا ... جَرَيْتَ وَأَنْتَ مُضْطَرِبُ الْعَنَانِ
فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلا مَا أَقَمْتَ، فَوَاللَّهِ لا رَأَيْتَ مَكْرُوهًا بَعْدَهَا، فَأَقَامَ.
ولمحمدٍ عِدَّةُ وَقَعَاتٍ ومصافاتٍ مَعَ الرُّومِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَائِذٍ وَغَيْرُهُ. وَهُوَ وَالِدُ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ.
قَالَ خَلِيفَةُ: تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ.

274 - يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين، أبو خالد الأموي الدمشقي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

274 - يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَبُو خَالِدٍ الأُمَوِيُّ الدِّمَشْقِيُّ. [الوفاة: 101 - 110 ه]
وَلِيَ الْخِلافَةَ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بعهدٍ مِنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ، مَعْقُودٌ فِي تَوْلِيَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ.
قَالَ سَعِيد بْن عفير: كَانَ جسيما أبيض مدور الوجه أفقم لم يشب.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ: بيَّنَّا نَحْنُ عِنْدَ مكحول، إذ أقبل يزيد -[181]- ابْن عَبْد الملك، فهممنا أن نوسع لَهُ، فَقَالَ مكحول: دعوه يجلس حيث انتهى به المجلس، يتعلم التواضع.
أَبُو ضمرة، عَن مُحَمَّدً بن موسى بن عبد الله بن يسار قَالَ: إني لجالس فِي مسجد النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد حج يزيد بْن عَبْد الملك قبل أن يكون خليفة، فجلس مع المقبري، وابن أبي العتاب، إذ جاء أَبُو عَبْد الله القراظ، فوقف عَلَيْهِ فَقَالَ: أنت يزيد بْن عَبْد الملك؟ فالتفت يزيد إلى الشيخين فَقَالَ: أمجنونٌ هذا! فذكروا لَهُ فضله وصلاحه وقالوا: هذا أَبُو عَبْد الله القراظ صاحب أَبِي هُرَيْرَةَ، حتى رق لَهُ ولان، فَقَالَ: نعم أَنَا يزيد، فقال له: ما أجملك، إنك لتشبه أباك إن وليت من أمر النَّاس شيئا، فاستوص بأهل المدينة خيرا، فأشهد عَلَى أبي هُرَيْرَةَ لحدثني عَن حبه وحبي صاحب هذا البيت، وأشار إلى الحجرة: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - خرج إلى ناحية من المدينة، يقال لها: بيوت السقيا، وخرجت معه، فاستقبل القبلة ورفع يديه فَقَالَ: " إن إِبْرَاهِيم خليلك دعاك لأهل مكة، وأنا نبيك ورسولك أدعوك لأهل المدينة، اللَّهُمَّ بارك لهم فِي مدهم وصاعهم وقليلهم وكثيرهم، ضعفي ما باركت لأهل مكة، اللهم ارزقهم من ها هنا وها هنا، وأشار إلى نواحي الأرض كلها، اللهم من أرادهم بسوءٍ فأذبه كَمَا يذوب الملح فِي الماء ". ثُمَّ التفت إلى الشيخين فَقَالَ: ما تقولان؟ قالا: حديثٌ معروفٌ مرويٌ، وقد سمعنا أيضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قَالَ: " من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين هذين ". وأشار كل واحدٍ منهما إلى قلبه.
رَوَاهُ ابن أَبِي خيثمة فِي تاريخه عَن الحزامي عنه. -[182]-
قال ابن وهب: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: لما توفي عمر بن عَبْد العزيز وولى يزيد قَالَ: سيروا بسيرة عُمَر بْن عَبْد العزيز، قَالَ: فأتى بأربعين شيخا فشهدوا لَهُ: ما عَلَى الخلفاء حساب ولا عذاب.
وقال روح بن عبادة: حدثنا حجاج بن حسان التيمي، قال: حدثنا سليم بْن بشير قَالَ: كتب عُمَر بْن عَبْد العزيز إلى يزيد بْن عَبْد الملك حين احتضر: سلامٌ عليك، أما بعد، فإني لا أراني إلا لما بي، فالله، الله فِي أمة محمدٍ فإنك تدع الدُّنْيَا لمن لا يحمدك، وتفضي إلى من لا يعذرك، والسلام.
قَالَ الزبير بْن بكار: حدثنا هارون الفروي، قال: حدثني موسى بن جعفر بن أبي كثير، وابن الماجشون قالا: لَمَّا مات عُمَر بْن عَبْد العزيز قَالَ يزيد: والله ما عُمَر بأحوج إلى الله مني، فأقام أربعين يوما يسير بسيرة عُمَر، فَقَالَت حبابة لخصي لَهُ كَانَ صاحب أمره: ويحك قربني منه حَيْثُ يسمع كلامي، ولك عشرة آلاف درهم، ففعلوا، فلما مر يزيد بِهَا قَالَتْ:
بكيت الصبا جهدا فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى فِي البكاء وأسعدا
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا ... فقد منع المحزون أن يتجلدا
والشعر للأحوص، فلما سمعها قَالَ: ويحك قل لصاحب الشرط يصلي بالناس.
وقَالَ يوما: والله إني لأشتهي أن أخلو بِهَا فلا أرى غيرها، فأمر ببستانٍ لَهُ فهيئ، وأمر حاجبه أن لا يعلمه بأحدٍ، قَالَ: فبينما هُوَ معها أسر شيء بِهَا، إذ حذفها بحبة رمانٍ أو بعنبة، وهي تضحك، فوقعت فِي فيها، فشرقت فماتت، فأقامت عنده فِي البيت حتى جيفت أو كادت، واغتم لَهَا، وأقام أياما، ثُمَّ إنه خرج إلى قبرها فَقَالَ:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا ... فباليأس أسلو عنك لا بالتجلد
وكل خليلٍ زارني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد
ثُمَّ رجع، فما خرج من منزله إلا عَلَى النعش.
قَالَ الهيثم بْن عمران العنسي: مات يزيد بْن عَبْد الملك بسواد الأردن، مرض بطرفٍ من السل.
وقَالَ أَبُو مسهر: مات يزيد بإربد. -[183]-
وقَالَ غير واحد: مات لخمسٍ بقين من شعبان سنة خمسٍ ومائة، وكانت خلافته أربع سنين وشهرا.

207 - عمر بن مروان بن الحكم الأموي، ويقال عمرو

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

207 - عُمَر بْن مروان بْن الحَكَم الأموي، ويقال عَمْرو [الوفاة: 111 - 120 ه]
قَالَ أَبُو سَعِيد بْن يونس: لم يكن بمصر رَجُل من بني أمية أفضل منه. وكان أولاد أخيه يستشيرونه.
رَوَى عَنْهُ: يزيد بْن أَبِي حَبِيبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي -[288]- جَعْفَر. تُوُفِّي سنة خمس عشرة ومائة. قَالَ: وولده بالأندلس إلى اليوم.

252 - د: مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأمير، أبو سعيد، وأبو الأصبغ الأموي، ويسمى الجرادة الصفراء

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

252 - د: مَسْلَمةُ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الأمير، أَبُو سَعِيد، وأَبُو الأصبغ الأمويُّ، وَيُسَمَّى الجرادة الصَّفراء [الوفاة: 111 - 120 ه]
سَمِعَ: عُمَر بْن عَبْد العزيز.
رَوَى عَنْهُ: معاوية بن خديج، ويحيى بْن يحيى الغسّاني، وجماعة.
وله دار بدمشق، ولي غزْوَ القسطنطينية لأخيه سُلَيْمَان، وغزا الرومَ مرّات، وكان بطلا شجاعًا مهيبًا، لَهُ آثار حميدة فِي الحروب، وقد ولي لأخيه يزيد بْن عَبْد الملك إمرةَ العراقَيْن، ثم عُزِل، وولي أرمينية حِفْظًا لذلك الثغر، وأول ما ولي غزوَ الروم فِي آخر دولة أَبِيهِ، فافتتح ثلاثةَ حصون.
وفي سنة تسعٍ وثمانين غزا عَمُّورِية، والتقى المشركين فهزمهم. وفي سنة تسعين، افتتح خمسة حصون، وفي سنة إحدى عُزِل مُحَمَّد بْن مروان عَنْ أرمينية، وأَذْرَبَيْجان بمَسْلَمةُ، فغزا عامئذٍ التُّرْكُ حتى بلغ البابَ، مِنْ قِبَل بَحْرِ أَذْرَبَيْجان، فَافْتَتَحَ مدائنَ وَحُصُونًا، وَدَانَ لَهُ مِنْ وراء الباب، ثم افتتح سندرة، ثم حج بالناس، ثم افتتح بعد ذَلِكَ فتحًا كبيرًا، وشهد غير مَصَافّ.
قال زيد بن الحباب: أخبرنا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ الْغَنَوِيِّ. عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَليْه وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " لَتُفْتَحَنَّ القُسْطَنْطِينيَّةُ، ولَنِعْم الأميرُ أميرُها "، قَالَ: فَدَعَانِي مُسْلِمَةُ، فَحَدَّثْتُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَغَزَاهُمْ، رَوَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ. عَنْ زَيْدٍ. وَقَالَ أَبُو -[313]- بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَآخِرُ عَنْ زَيْدٍ فَقَالَ: الْخَثْعَمِيُّ، بَدَلَ الْغَنَوِيِّ.
قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وَسَارَ مُسْلِمَةُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ فِي طَلَبِ التُّرْكِ، وَذَلِكَ فِي شِدَّةِ الثَّلْجِ وَالْمَطَرِ، حَتَّى جَاوَزَ الْبَابَ، وَخَلَّفَ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الطَّائِيَّ فِي بُنْيَانِ الْبَابِ وَتَحْصِينِهِ، فَافْتَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ، فَحَرَقَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنفُسَهُمْ فِي مَدَائِنِهِمْ عِنْدَ الْغَلَبَةِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: فِي سَنَةِ تسعٍ وَمِائَةٍ غَزَا مَسْلَمةُ الترك والسند.
وقال ابن عيينة: حدثنا أبي: قال: سَمِعْتُ مَسْلَمةُ بْن عَبْد الملك يَقُولُ: لو رأيتَني أَنَا وعُمَر بْن عَبْد العزيز ننتهي إلى الزَّرْعَ فيُقْحِمُ عُمَر فَرَسَه، وأكُفُّ فَرَسِي، وسمعت مَسْلَمةُ يَقُولُ: إن أقلّ النَّاسَ همًّا في الدنيا، أقلهم هماً فِي الآخرة.
قَالَ أَبُو الحَسَن المدائني: قَالَ مَسْلَمةُ لنَصِيب: سلْني! قَالَ: لا، فإنّ كفَّكَ بالجزيل أكثر مِنْ مسألتي باللّسان، فأعطاه ألفَ دينار.
وقَالَ سَعِيد بْن عَبْد العزيز: أوصى مَسْلَمةُ بثُلُثِ ماله لطّلاب الأدب، وقَالَ: إنّها صناعة مَجْفُوُّ أهلُها.
قَالَ الزُّبَيْر بْن بكّار للوليد بْن يزيد، يرثي عمّه مَسْلَمةُ:
أقول وما الْبُعْدُ إلا الردَّى ... أمسلمٌ لا تَبْعَدَنْ مسلمه
فقد كنت نوراً لنا في البلا ... د مُضِيئًا فقد أصْبَحَتْ مُظْلِمَة
ونَكْتُمُ موتَكَ نخشَى اليقيـ ... ـن فأبدى اليقينُ عَنِ الْجُمْجُمَهْ.
تُوُفِّي مَسْلَمةُ سنة عشرين ومائة. قاله خليفة. وقَالَ ابن عائذ: سنة إحدى.

10 - إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو إسحاق الأموي الخليفة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

10 - إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَبُو إِسْحَاقَ الأُمَوِيُّ الْخَلِيفَةُ. [الوفاة: 121 - 130 ه]
بُويِعَ بِالْخِلافَةِ بِدِمَشْقَ عِنْدَ مَوْتِ أَخِيهِ يَزِيدَ النَّاقِصِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ طَوِيلا أَبْيَضَ جَمِيلا مُسْمِنًا.
قَالَ مَعْمَرُ: رَأَيْتُ رَجُلا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يقال له: إبراهيم بن الوليد جاء إلى الزُّهْرِيِّ بِكِتَابٍ فَعَرَضَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أُحَدِّثُ بهذا عنك؟ قال: إي لعمري فمن يحدثكموه غَيْرِي؟ وَقَدْ حَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَلَدُهُ يَعْقُوبُ.
وَقَالَ بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ: حَضَرْتُ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَقَدِ احْتَضَرَ فَأَتَاهُ قَطَنٌ، فَقَالَ: أَنَا رسول من وراءك يسألونك بحق الله لما وَلَّيْتَ أَمْرَهُمْ أَخَاكَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَغَضِبَ وَقَالَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ: أَنَا أُوَلِّي إِبْرَاهِيمَ! ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَبَا الْعَلاءِ إِلَى مَنْ تَرَى أَعْهَدُ؟ قُلْتُ: أَمْرٌ نَهَيْتُكَ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ فَلا أُشِيرُ عَلَيْكَ فِي آخِرِهِ، قَالَ: وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ حَتَّى حَسِبْتُهُ قَدْ مَاتَ فَقَعَدَ قَطَنٌ فَافْتَعَلَ كِتَابًا بِالْعَهْدِ عَلَى لِسَانِ يَزِيدَ وَدَعَا نَاسًا فَاسْتَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ وَلا وَاللَّهِ مَا عَهِدَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ شَيْئًا.
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: مَكَثَ إِبْرَاهِيمُ سَبْعِينَ لَيْلَةً فِي الْخِلافَةِ، ثُمَّ خُلِعَ وَوَلِيَهَا مَرْوَانُ.
وَذَكَر غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْوَلِيدِ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ.

124 - سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي الأمير أبو محمد ويلقب بسعيد الخير.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

124 - سَعِيدُ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَم الأُمَوِيُّ الأَمِيرُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَيُلَقَّبُ بِسَعِيدِ الْخَيْرِ. [الوفاة: 121 - 130 ه]
رَوَى عَنْ: أَبِيهِ، وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَعَنْهُ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَرَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَغَيْرُهُمَا.
وَكَانَ دَيِّنًا مُتَأَلِّهًا، وَلِيَ الْغَزْوَ زَمَنَ أَخِيهِ هِشَامٍ، وَلَهُ بِالْمَوْصِلِ مَسْجِدٌ وَدَارٌ.
مَاتَ فِي حُدُودِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.

172 - العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو الحارث الأموي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

172 - الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدُ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَبُو الْحَارِثِ الأُمَوِيُّ. [الوفاة: 121 - 130 ه]
كَانَ مِنَ الأَبْطَالِ الْمَذْكُورِينَ، وَالأَسْخِيَاءِ الْمَوْصُوفِينَ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: -[441]- فَارِسُ بَنِي مَرْوَانَ. اسْتَعْمَلَهُ أَبُوهُ عَلَى حِمْصٍ، وولي المغازي، وافتتح عدة حصون، ولكنه كَانَ يَنَالُ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِجَهْلٍ.
وَقَدْ مَاتَ فِي سِجْنِ مَرْوَانَ.

348 - هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الخليفة، أبو الوليد القرشي الأموي الدمشقي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

348 - هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَّيَةَ، الْخَلِيفَةُ، أَبُو الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ الأُمَوِيُّ الدِّمَشْقِيُّ. [الوفاة: 121 - 130 ه]
وُلِدَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ، وَاسْتُخْلِفَ بِعَهْدٍ مِنْ أَخِيهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَتْ دَارُهُ عِنْدَ بَابِ الْخَوَّاصِينَ الَّتِي بَعْضُهَا السَّاعَةُ مَدْرَسَةِ النَّوْرِيَّةِ. وَبُويِعَ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ. وَأُمُّهُ هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ. -[545]-
قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ: اسْتُخْلِفَ وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ سَنَةً يَوْمَئِذٍ فَاسْتُخْلِفَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ: كَانَ جَمِيلا أَبْيَضَ مُسْمِنًا أَحْوَلَ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ.
قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: زَعَمُوا أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ بَالَ فِي الْمِحْرَابِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَدَسَّ مَنْ يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْهَا - وَكَانَ يَعْبُرُ الرُّؤْيَا - وَعَظُمَتْ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ سَعِيدُ: يَمْلِكُ مِنْ وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ أَرْبَعَةٌ، فَكَانَ هِشَامُ آخِرَهُمْ، وَكَانَ يَجْمَعُ الْمَالَ وَيُوصَفُ بِالْحِرْصِ وَيَبْخَلُ، وَكَانَ حَازِمًا عَاقِلا.
قال أبو عمير ابن النَّحَّاسِ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: كَانَ لا يَدْخُلُ بَيْتَ مَالِ هِشَامٍ مَالٌ حَتَّى يَشْهَدَ أَرْبَعُونَ قَسَّامَةً، لَقَدْ أَخَذَ مِنْ حَقِّهِ وَلَقَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: أَسْمَعُ رَجُلٌ مَرَّةً هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَلامًا، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا لَيْسَ لَكَ أَنْ تُسْمِعَ خَلِيفَتَكَ.
قَالَ: وَغَضِبَ مَرَّةً عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَكَ سَوْطًا.
وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا سَحْبَلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ أَكْرَهُ إِلَيْهِ الدِّمَاءُ وَلا أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ هِشَامٍ. وَلَقَدْ دَخَلَهُ مِنْ مَقْتَلِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَيَحْيَى بْنِ زَيْدٍ أَمْرٌ شَدِيدٌ، وَقَالَ: وَدَدْتُ أَنِّي كُنْتُ أَفْتَدَيْتُهُمَا.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا كَانَ أَحَدٌ أَكْرَهُ إِلَيْهِ الدِّمَاءُ مِنْ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَقَدْ ثَقُلَ عَلَيْهِ خُرُوجُ زَيْدٍ، فَمَا كَانَ شَيْءٌ حَتَّى أُتِيَ إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ وَصُلِبَ بَدَنُهُ بِالْكُوفَةِ. -[546]-
قال الواقدي: فلما ظهر بنو العباس عمد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فَنَبَشَ هِشَامًا مِنْ قَبْرِهِ وَصَلَبَهُ.
قَالَ ابْنُ عَائِشَةَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: مَا بَقِيَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا إِلا وَقَدْ نِلْتُهُ إِلا شيئاً واحداً: أخ يدفع مؤنة التَّحَفُّظِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْبَيْتَ لَهُ وَلَمْ يُحْفَظْ لَهُ سِوَاهُ.
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الْهَوَى قَادَكَ الْهَوَى ... إِلَى بَعْضِ مَا فِيهِ عَلَيْكَ مَقَالُ
قَالَ حَرْمَلَةُ: حدثنا الشَّافِعِيُّ قَالَ: لَمَّا بَنَى هِشَامُ الرَّصَافَةَ بِقِنَّسْرِينَ أَحَبَّ أَنْ يَخْلُوَ يَوْمًا لا يَأْتِيهِ فِيهِ غَمٌّ فَمَا انْتَصَفَ النَّهَارُ حَتَّى أَتَتْهُ رِيَشَةٌ بِدَمٍ مِنْ بَعْضِ الثُّغُورِ فَأَوْصَلَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَلا يَوْمًا وَاحِدًا!.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لا يُكْتَبُ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ فِيهِ ذِكْرُ الْمَوْتِ.
قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عِمْرَانَ: مَاتَ هِشَامٌ مِنْ وَرَمٍ أَخَذَهُ فِي حلقه يقال له: الحرذون بِالرَّصَافَةِ.
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: مَاتَ فِي رَبِيعٍ الآخَرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً.

356 - الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الخليفة الفاسق، أبو العباس، الأموي، الدمشقي

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

356 - الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، الْخَلِيفَةُ الْفَاسِقُ، أَبُو الْعَبَّاسِ، الأُمَوِيُّ، الدِّمَشْقِيُّ [الوفاة: 121 - 130 ه]
وُلِدَ سَنَةَ تِسْعِينَ، وَيُقَالُ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، فَلَمَّا احْتَضَرَ أَبُوهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ لِأَنَّهُ صَبِيٌّ حَدَثٌ، فَعَقَدَ لِأَخِيهِ هِشَامٌ وَجَعَلَ هَذَا وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ هِشَامٍ. -[549]-
قال أحمد في مسنده: حدثنا أبو المغيرة، قال: أخبرنا ابن عياش هو إسماعيل، قال: حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: وُلِدَ لِأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ وَلَدٌ فَسَمَّوْهُ الْوَلِيدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " سَمَّيْتُمُوهُ بِأَسْمَاءِ فَرَاعِنَتِكُمْ لِيَكُونَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْوَلِيدُ، لَهُوَ أَشَدُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ ".
وَقَدْ رَوَاهُ الْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ فَأَرْسَلُوهُ، لَمْ يُدْرِكُوا عُمَرَ، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْمَرَاسِيلِ.
وَفِي لَفْظِ بَعْضِهِمْ: " لَهُوَ أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي ". وَفِي لَفْظٍ: " لَهُوَ أَشَدُّ على أمتي ".
وقال محمد بن حميد: حدثنا سلمة الأبرش، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدِي غُلامٌ مِنْ آلِ الْمُغِيرَةِ اسْمُهُ الْوَلِيدُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: الْوَلِيدُ، قَالَ: قَدِ اتَّخَذْتُمُ الْوَلِيدَ حَنَانًا، غَيِّرُوا اسْمَهُ، فَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ فِرْعَوْنُ يُقَالُ لَهُ الْوَلِيدُ. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ مُنْقَطِعًا.
وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ: قَالَ لِي الرَّشِيدُ: هَلْ رَأَيْتَ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: صِفْهُ لِي، قُلْتُ: كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ وَأَشْعَرِهِمْ وَأَشَدِّهِمْ، قَالَ: أَتَرْوِي مِنْ شِعْرِهِ شَيْئًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَجَّ بِالنَّاسِ الْوَلِيدُ، وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدٍ سَنَةَ سِتَّ عشرة. -[550]-
وقال ابن سعد: حدثنا محمد بن عمر، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقْدَحُ أَبَدًا عِنْدَ هِشَامٍ فِي الْوَلِيدِ وَيَعِيبُهُ وَيَذْكُرُ أُمُورًا عَظِيمَةً لا يُنْطَقُ بِهَا حَتَّى يَذْكُرَ الصِّبْيَانَ أَنَّهُمْ يَخْضِبُونَ بِالْحِنَّاءِ، وَيَقُولُ: مَا يَحِلُّ لَكَ إِلا خَلْعُهُ، فَلا يَسْتَطِيعُ هِشَامٌ. وَلَوْ بَقِيَ الزُّهْرِيُّ إِلَى أَنْ تَمَلَّكَ الْوَلِيدُ لَفَتَكَ بِهِ.
قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَرَادَ هِشَامٌ أَنْ يخلع الوليد وَيَجْعَلَ الْعَهْدَ لولده، فقال الوليد:
كفرت يدا من منعم لَوْ شَكَرْتَهَا ... جَزَاكَ بِهَا الرَّحْمَنُ ذُو الْفَضْلِ وَالْمَنِّ
رَأَيْتُكَ تَبْنِي جَاهِدًا فِي قَطِيعَتِي ... وَلَوْ كُنْتَ ذَا حَزْمٍ لَهَدَمْتَ مَا تبني
أراك على الباقين تجني ضغينة ... فيا ويحهم إنْ مُتَّ مِنْ شَرِّ مَا تَجْنِي
كَأَنِّي بِهِمْ يَوْمًا وَأَكْثَرُ قِيلِهِمْ ... " أَلا لَيْتَ أَنَا " حِينَ يَا لَيْتَ لا تُغْنِي
قَالُوا: وَتَسَلَّمَ الأَمْرَ الْوَلِيدُ فِي رَبِيعٍ الآخَرِ سَنَةَ خَمْسٍ عِنْدَ مَوْتِ هِشَامٍ.
قَالَ حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ الْوَلِيدِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ مُنَجِّمَانِ، فَقَالا: نَظَرْنَا فِيمَا أَمَرْتَنَا فَوَجَدْنَاكَ تَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ، قَالَ حَمَّادٌ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَخْدَعَهُ، فَقُلْتُ: كَذَبَا وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالآثَارِ وَضُرُوبِ الْعِلْمِ وَقَدْ نَظَرْنَا فِي هَذَا وَالنَّاسِ فَوَجَدْنَاكَ تَمْلِكُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَأَطْرَقَ، ثُمَّ قَالَ: لا مَا قَالا يَكْسِرُنِي، وَلا مَا قُلْتَ يُغِرَّنِي، وَاللَّهِ لأَجْبِيَنَّ هَذَا الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ جِبَايَةَ مَنْ يَعِيشُ الأَبَدَ، وَلأَصْرِفَنَّهُ فِي حَقِّهِ صَرْفَ مَنْ يَمُوتُ الْغَدَ.
قَالَ الْعُتْبِيُّ: كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ رَأَى نَصْرَانِيَّةً اسْمَهَا سَفْرَى فَجُنَّ بِهَا وَجَعَلَ يَرَاسِلُهَا وَتَأْبَى عَلَيْهِ - وَقَدْ قَرُبَ عِيدُ النَّصَارَى - فَبَلَغَهُ أنَهَّا تَخْرُجُ فِيهِ إِلَى بُسْتَانٍ يَدْخُلُهُ النِّسَاءُ فصانع الوليد صاحب البستان وتقشف الوليد وَتَنَكَّرَ وَدَخَلَتْ سفرى البستان فجعلت تمشي حتى انتهت إليه، فقالت لصاحب البستان: من هذا؟ قَالَ: رَجُلٌ مُصَابٌ، فَأَخَذَتْ تُمَازِحُهُ وَتُضَاحِكُهُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: تَدْرِينَ مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ قَالَتْ: لا، فَقِيلَ لَهَا: هُوَ الْوَلِيدُ، فَجُنَّتْ بِهِ بعد -[551]- ذَلِكَ فَكَانَتْ عَلَيْهِ أَحْرَصُ مِنْهُ عَلَيْهَا فَقَالَ:
أَضْحَى فُؤَادُكَ يَا وَلِيدُ عَمِيدًا ... صَبًّا قَدِيمًا لِلْحِسَانِ صَيُودًا
مِنْ حُبِّ وَاضِحةِ الْعَوَارِضِ طِفْلَةٌ ... بَرَزَتْ لَنَا نَحْوَ الْكَنِيسَةِ عِيدًا
مَا زِلْتُ أَرْمُقُهَا بِعَيْنِي وَامِقٍ ... حَتَّى بَصُرْتُ بِهَا تُقَبِّلُ عُودًا
عُودَ الصَّليِبِ فَوَيحَ نَفْسِي مَنْ رَأى ... مِنْكُمْ صَلِيبًا مِثْلَهُ مَعْبُودًا
فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ أَكُونَ مَكَانَهُ ... وَأَكُونَ فِي لَهَبِ الْجَحِيمِ وَقُودًا
قَالَ الْمُعَافِيُّ الْجُرَيْرِيُّ: كُنْتُ جَمَعْتُ مِنْ أَخْبَارِ الْوَلِيدِ شَيْئًا، وَمِنْ شِعْرِهِ الَّذِي ضَمَّنَهُ مَا فَخَرَ بِهِ مِنْ خَرْقِهِ وَسَخَافَتِهِ وَخَسَارَتِهِ وَحُمْقِهِ، وَمَا صَرَّحَ بِهِ مِنَ الإِلْحَادِ فِي الْقُرْآنِ، وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ - تَعَالَى -.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خيثمة: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثنا صَالِحُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَرَادَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَجَّ، وَقَالَ: أَشْرَبُ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَهَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَفْتِكُوا بِهِ إِذَا خَرَجَ، وَكَلَّمُوا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ لِيُوَافِقَهُمْ فَأَبَى، فَقَالُوا: اكْتُمْ عَلَيْنَا، قَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ: لا تَخْرُجْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ، قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: لا أخبرك بِهِمْ، قَالَ: إِنْ لَمْ تُخْبِرْنِي بِهِمْ بَعَثْتُ بِكَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ، قَال: وَإِنْ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ فَعَذَّبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ.
وَرَوَى مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ فَذُكِرَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ، فَقَالَ رَجُلٌ: كَانَ زِنْدِيقًا، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: مَهْ، خِلافَةُ اللَّهِ عِنْدَهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي زِنْدِيقٍ.
قال خليفة: حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَحَاطُوا بِالْوَلِيدِ أَخَذَ الْمُصْحَفَ، وَقَالَ: أُقْتَلُ كَمَا قُتِلَ ابْنُ عَمِّي عُثْمَانُ.
قُلْتُ: مَقَتَ النَّاسُ الْوَلِيدَ لِفِسْقِهِ وَتَأَثَّمُوا مِنَ السُّكُوتِ عَنْهُ وَخَرَجُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ خَلِيفَةُ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قال: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ الْجَرْمِيُّ - وَكَانَ شَهِدَ قَتْلَ الْوَلِيدِ - قَالَ: لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ قَلَّدُوا أَمْرَهُمْ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَتَى أَخَاهُ الْعَبَّاسَ لَيْلا فَشَاوَرَهُ فنَهَاهُ -[552]- قَالَ: وَأَقْبَلَ يَزِيدُ لَيْلا فِي أَرْبَعِينَ رَجُلا، وَدَخَلَ الْجَامِعَ بِدِمَشْقَ، فَكَسَرُوا بَابَ الْمَقْصُورَةِ، وَدَخَلُوا عَلَى وَالِيهَا، فَأَوْثَقُوهُ، وَحَمَلَ يَزِيدُ الأَمْوَالَ عَلَى الْعَجَلِ إِلَى بَابِ الْمِضْمَارِ، وَعَقَدَ رَايَةً لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَنَادَى مُنَادِيَهُ مَنِ انْتَدَبَ لِلْوَلِيدِ فَلَهُ أَلْفَانِ، فَانْتَدَبَ معه ألفا رَجُلٍ.
قَالَ عَلِيٌّ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مَرْوَانَ الْكَلْبِيِّ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ مَوْلَى الْوَلِيدِ، لَمَّا خَرَجَ يَزِيدُ النَّاقِصُ، خَرَجَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فَسَاقَ فَأَتَى الْوَلِيدَ مِنْ يَوْمِهِ، فَنَفَقَ الْفَرَسُ حِينَ وَصَلَ فَأَخْبَرَ الْوَلِيدُ فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ وَحَبَسَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا محمد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَأَجَازَهُ وَجَهَّزَهُ إِلَى دِمَشْقَ، فَخَرَجَ أَبُو محمد فلما أتى برية أَقَامَ فَوَجَّهَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ لِحَرْبِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُصَادٍ فَسَالَمَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَبَايَعَ لِيَزِيدَ، فَأَتَى الْوَلِيدُ الْخَبَرَ وَهُوَ بِالأَعْرَفِ، فَقَالَ لَهُ بَيْهَسُ الْكِلابِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سِرْ فَانْزِلْ حِمْصَ فَإِنَّهَا حَصِينَةً، وَوَجِّهِ الْجُنُودَ إِلَى يَزِيدَ فَيُقْتَلُ أَوْ يُؤْسَرُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَنْبَسَةَ: مَا يَنْبَغِي لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَدَعَ عَسْكَرَهُ وَنِسَاءَهُ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَ وَيُعْذَرَ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُهُ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ: وَمَاذَا يَخَافُ عَلَى حَرَمِهِ مِنْ بَنِي عَمِّهِمْ؟ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَدْمُرُ حَصِينَةٌ وَبِهَا بَنُو كلب قومي. قاله الأبرش، فقال الوليد: ما أرى أَنْ نَأْتِيَهَا وَأَهْلَهَا بَنُو عَامِرٍ وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَيَّ، وَلَكِنْ دُلَّنِي عَلَى حِصْنٍ، قَالَ: انْزِلِ الْقَرْيَتَيْنِ قَالَ: أَكْرَهُهَا، قَالَ: فَهَذَا الْهَزَمُ، قَالَ: أَكْرَهُ اسْمُهُ، قَالَ: وَأَقْبَلَ فِي طَرِيقِ السَّمَاوَةِ وَتَرَكَ الرِّيفَ وَمَرَّ فِي سِكَّةِ الضَّحَّاكِ وَبِهَا مِنْ آلِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلا، فَسَارُوا مَعَهُ، وَقَالُوا: إِنَّا عَوْنٌ فَلَوْ أَمَرْتَ لَنَا بِسِلاحٍ، فَمَا أَعْطَاهُمْ سَيْفًا، فَقَالَ لَهُ بَيْهَسُ: هَذَا حِصْنُ الْبَخْرَاءِ، وَهُوَ مِنْ بِنَاءِ الْعَجَمِ فَانْزِلْهُ، قَالَ: أَخَافُ الطَّاعُونَ، قَالَ: الَّذِي يُرَادُ بِكَ أَشَدُّ مِنَ الطَّاعُونِ، فَنَزَلَ حِصْنَ الْبَخْرَاءِ.
ثُمَّ سَارَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَجَّاجِ بِالْجُنْدِ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ الأَمَوالَ فَتَلَقَّاهُمْ ثَقْلُ الْوَلِيدِ فَأَخَذُوهُ وَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الْوَلِيدِ، وَأَتَى الْوَلِيدَ رَسُولُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ: إِنِّي آتِيكَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَخْرِجُوا سَرِيرًا، فَفَعَلُوا، وَجَلَسَ عَلَيْهِ، -[553]- وَقَالَ: أَعَلَيَّ تَوَثَّبَ الرِّجَالُ وَأَنَا أَثِبُ عَلَى الأَسَدِ، وَأَتَخَصَّرُ الأَفَاعِي، وَبَقُوا يَنْتَظِرُونَ قُدُومَ الْعَبَّاسِ فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَجَّاجِ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ حَوَى بْنُ عَمْرٍو وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ مَنْصُورُ بْنُ جَمْهُورٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ زِيَادُ بْنُ حُصَيْنٍ الْكَلْبِيُّ يَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ فَقَتَلَهُ قَطَرِيٌّ - مَوْلَى الْوَلِيدِ - فَانْكَشَفَ أَصْحَابُ يَزِيدَ، فَكَرَّ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي أَصْحَابِهِ وَقَدْ قتل منهم عدة وحملت رؤوسهم إِلَى الْوَلِيدِ وَقُتِلَ أَيْضًا مِنْ أَصْحَابِ الْوَلِيدِ يَزِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْخَشَنِيُّ.
وَبَلَغَ عَبْدُ الْعَزِيزِ مَسِيرُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ فَجَهَّزَ لِحَرْبِهِ مَنْصُورَ بْنَ جَمْهُورٍ فَأَدْرَكَ الْعَبَّاسَ وَهُوَ آتٍ فِي ثَلاثِينَ فَارِسًا، فَقَالَ: اعْدِلْ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ فشتموه، فقال منصور: والله لئن تقدمت لأنقذن حصينك، ثم أحاط به وجيء بِهِ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: بَايِعْ لِأَخِيكَ يَزِيدَ، فَبَايَعَ، وَوَقَفَ وَنَصَبُوا رَايَةً وَقَالُوا: هَذِهِ رَايَةُ الْعَبَّاسِ وَقَدْ بَايَعَ لِأَخِيهِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِنَّا لِلَّهِ، خِدْعَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، هَلَكَ بَنُو مَرْوَانَ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنِ الْوَلِيدِ، فَأَتَوُا الْعَبَّاسَ، وعبد العزيز، ثم ظاهر الوليد بين درعين وأتوه بفرسين: السندي، والزائد، فركب وقاتل، فناداهم رَجُلٌ: اقْتُلُوا عَدُوَّ اللَّهِ قَتْلَةَ قَوْمِ لُوطٍ ارْمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ دَخَلَ الْقَصْرَ فَأَغْلَقَهُ، فَأَحَاطَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَأَصْحَابُهُ، فَدَنَا الْوَلِيدُ مِنَ الْبَابِ، فَقَالَ: أَمَا فِيكُمْ رَجُلٌ شَرِيفٌ لَهُ حَسَبٌ وَحَيَاءٌ أُكَلِّمُهُ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ: كَلِّمْنِي، فَقَالَ: يَا أَخَا السَّكَاسِكِ أَلَمْ أَزِدْ فِي أَعْطِيَاتِكُمْ؟ أَلَمْ أَرْفَعْ عَنْكُمُ الْمُؤْنَ؟ أَلَمْ أُعْطِ فُقَرَاءَكُمْ؟ فَقَالَ: مَا نَنْقِمُ عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِنَا، لَكِنْ نَنْقِمُ عَلَيْكَ انْتِهَاكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَشُرْبَ الْخَمْرِ، وَنِكاحَ أُمَّهَاتِ أَوْلادِ أَبِيكَ، وَاسْتِخْفَافَكَ بِأَمْرِ اللَّهِ، قَالَ: حَسْبُكَ، قَدْ أَكْثَرْتَ، وَرَجَعَ إِلَى الدَّارِ فَجَلَسَ وَأَخَذَ مُصْحَفًا، وَقَالَ: يَومٌ كَيَوْمِ عُثْمَانَ وَنَشَرَ المصحف -[554]- يَقْرَأُ، فَعَلَوُا الْحَائِطَ فَكَانَ أَوَّلُهْم يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ. فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَسَيْفُ الْوَلِيدِ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: نَحِّ سَيْفَكَ، قَالَ الْوَلِيدُ: لَوْ أَرَدْتَ السيف كان لي ولك حَالٌ غَيْرَ هَذِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِ الْوَلِيدِ - وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَقِلَهُ وَيُؤَامَرُ فِيهِ - فَنَزَلَ مِنَ الْحَائِطِ عَشَرَةٌ، مِنْهُمْ مَنْصُورُ بْنُ جَمْهُورٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ نَصْرٍ. فَضَرَبَهُ عَبْدُ السَّلامِ اللَّخْمِيُّ عَلَى رَأْسِهِ وَضَرَبَهُ آخَرُ عَلَى وَجْهِهِ فَتَلِفَ، وَجَرُّوهُ بَيْنَ خَمْسَةٍ لِيُخْرِجُوهُ فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ، فَكَفُّوا وَحَزُّوا رَأْسَهُ وَخَاطُوا الضَّرْبَةَ الَّتِي فِي وَجْهِهِ، وَأَتَى يَزِيدُ النَّاقِصُ بِالرَّأْسِ فَسَجَدَ.
وَبِهِ عَنْ عَمْرِو بن مروان، قال: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: دَخَلَ بِشْرٌ مَوْلَى كِنَانَةَ مِنَ الْحَائِطِ فَفَرَّ الْوَلِيدُ وَهُمْ يَشْتُمُونَهُ فَضَرَبَهُ بِشْرٌ عَلَى رَأْسِهِ وَاعْتَوَرَهُ النَّاسُ بِأَسْيَافِهِمْ فَطَرَحَ عَبْدُ السَّلامِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ جَعَلَ لِمَنْ أَتَاهُ بِالرَّأْسِ مِائَةَ أَلْفٍ.
وَقِيلَ: قُطِعَتْ كَفُّهُ وَبُعِثَ بِهَا إِلَى يَزِيدَ فَسَبَقَتِ الرَّأْسَ بِلَيْلَةٍ وَأُتِيَ بالرَّأْسِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَنَصَبَهُ يَزِيدُ عَلَى رُمْحٍ بَعْدَ الصَّلاةِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ، فَقَالَ: بُعْدًا لَهُ أَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ شَرُوبًا لِلْخَمْرِ مَاجِنًا فَاسِقًا وَلَقَدْ رَاوَدَنِي عَلَى نَفْسِي.
قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَجَمَاعَةٌ: عَاش الْوَلِيدُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
قُلْتُ: هَذَا خِلافُ مَا مَرَّ، بَلِ الأَصَحُّ أَنَّهُ عَاشَ بِضْعًا وَثَلاثِينَ سَنَةً.
قَالَ خَلِيفَةُ، وَغَيْرُهُ: عَاشَ سِتًّا وثلاثين سنة.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا سُفْيَانُ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ كَانَ بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ سَدِيدُ الْعَقْلِ، فَقَالَ لِخَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ: اصْنَعْ طَعَامًا وَاجْمَعْ لَهُ، قَالَ: فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ: أَنَا لَكُمُ النَّذِيرُ كَفَّ رَجُلٌ يَدَهُ وَمَلَكَ لِسَانَهُ وَعَالَجَ قَلْبَهُ.
قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عِمْرَانَ: مَلَكَ الْوَلِيدُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: قُتِلَ بِالْبَخْرَاءِ فِي جُمَادَى الأُخْرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ - سَامَحَهُ اللَّهُ -. -[555]-
وَلَمْ يَصِحَّ عَنِ الْوَلِيدِ كُفْرٌ وَلا زَنْدَقَةٌ، نَعَمُ اشْتُهِرَ بِالْخَمْرِ وَالتَّلَوُّطِ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِ لِذَلِكَ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ عَمَّ أُمِّهِ، وَهِيَ ابْنَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ.

79 - زبان بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

79 - زَبَّانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الأُمَوِيُّ. [الوفاة: 131 - 140 ه]
أَخُو أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ.
كَانَ أَحَدَ فِرْسَانِ مِصْرَ الْمَذْكُورِينَ.
رَوَى عَنْ: أَخِيهِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام.
وَعَنْهُ: الأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَكَانَ أَحَدُ مَنْ فَرَّ مِنَ الْمُسَوِّدَةِ تَقَنْطَرَ بِهِ فَرَسُهُ لَيْلَةَ قَتَلُوا مَرْوَانَ بِبُوصِيرَ، فَسَقَطَ فَذَبَحُوهُ، وَذَلِكَ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ.

263 - محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي الأمير

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

263 - مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الأُمَوِيِّ الأَمِيرُ [الوفاة: 131 - 140 ه]
وَلِيَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ لِأَخِيةِ الْخَلِيفَةِ هِشَامٍ، وَكَانَ فِيهِ دِينٌ، وَلَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ غَلَبَ عَلَى الأُرْدُنِ. روى عن أَبِيهِ.
وَعَنْهُ: الأَوْزَاعِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، وَغَيْرُهُمَا.
ظَفِرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ يَوْمَ نَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ فَذَبَحَهُ صَبْرًا.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ يُوَثِّقُهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ سَمِعَ مِنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَهَذَا غَلَطٌ.
وَذَكَر ابْنُ يُونُسَ أنه روى عن رجل عن أبي هريرة.

270 - مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الخليفة أبو عبد الملك الأموي، ويلقب بمروان الحمار، ومروان الجعدي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

270 - مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، الْخَلِيفَةُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ، وَيُلَقَّبُ بِمَرْوَانَ الْحِمَارِ، وَمَرْوَانَ الْجَعْدِيِّ، َ [الوفاة: 131 - 140 ه]
تِلْكَ نِسْبَةٌ إِلَى مُؤَدِّبِهِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ
وَيُقَالُ: فُلانٌ أَصْبَرُ مِنْ حِمَارٌ فِي الْحُرُوبِ، وَلِهَذَا قِيلَ لَهُ: مَرْوَانُ الْحِمَارِ فَإِنَّهُ كَانَ لا يُخْفِ لَهُ لَبِدٌ فِي مُحَارَبَةِ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ. كَانَ يَصِلُ السَّرَى بِالسَّيْرِ وَيَصْبِرُ عَلَى مَكَارِهِ الْحَرْبِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ بِالْحِمَارِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ مِائَةِ سَنَةٍ حِمَارًا، فَلَمَّا قَارَبَ مُلْكُ بَنِي أُمَيَّةَ مِائَةَ سَنَةٍ لَقَّبُوا مَرْوَانَ بِالْحِمَارِ لِذَلِكَ، وَأَخَذُوهُ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي مَوْتِ حمار العزيز. {{وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ}}.
وُلِدَ مَرْوَانُ بِالْجَزِيرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَأَبُوهُ مُتَوَلِّيهَا، وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ، وَقَدْ وَلِيَ وِلايَاتٍ جَلِيلَةٍ قَبْلَ الْخِلافَةِ، وَافْتَتَحَ قُونِيَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ، وَوَلِيَ الْجَزِيرَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ مَشْهُورًا بِالْفُرُوسِيَّةِ وَالإِقْدَامِ وَالْرُجْلَةَ وَالدَّهَاءِ وَفِيهِ عَسَفٌ. سَارَ مَرَّةً حَتَّى جَاوَزَ نَهْرَ الرُّومِ فَقَتَلَ وَسَبَى وَأَغَارَ عَلَى الصَّقَالِبَةِ، قَالَه خَلِيفَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَغَيْرُهُ: كَانَ مَرْوَانُ أَبْيَضَ شَدِيدَ الشَّهْلَةِ، ضَخْمَ الْهَامَةِ، كَثَّ اللِّحْيَةِ، أَبْيَضَهَا، رِبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ. -[733]-
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: بُويِعَ يَوْمَ نِصْفِ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ، بَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ، وَهُوَ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ فَدَعَا إِلَى بَيْعَةِ مَنْ رَضِيَهُ الْمُسْلِمُونَ فَبَايَعُوهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ يَزِيدَ النَّاقِصِ أَنْفَقَ الْخَزَائِنَ وَسَارَ فِي بِضْعٍ وَثَلاثِينَ فَارِسًا مِنَ الْجَزِيرَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أَخَاهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حَلَبَ بَايَعَهُ خَلْقٌ مِنَ الْقَيْسِيَّةِ، ثُمَّ قَدِمَ حِمْصَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمَسِيرِ مَعَهُ وَإِلَى بَيْعَةِ وَلِيَّيِ الْعَهْدِ الْحَكَمِ، وَعُثْمَانَ ابْنَيِ الْوَلِيدِ، وَكَانَا مَحْبُوسَيْنِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اسْتُخْلِفَ بِدِمَشْقَ بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، فَسَارَ مَعَهُ جَيْشُ حِمْصَ وَخَرَجَ لِحَرْبِهِ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ بِمَرْجِ عَذْرَاءَ فَهَزَمَهُمْ مَرْوَانُ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَانْهَزَمَ بَعْدَ حَرْبٍ شَدِيدٍ، فَبَرَزَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَسْكَرَ بِمَيْدَانِ الْحَصَى وَمَعَهُ الْخَزَائِنُ فَتَفَلَّلَ عَنْهُ النَّاسُ فَتَوَثَّبَ أَعْوَانَهُ فَقَتَلُوا وَلِيَّيِ الْعَهْدِ الْمَذْكُورَيْنِ وَقَتَلُوا مَعَهُمَا يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ فِي السِّجْنِ، وَثَارَ أَحْدَاثِ أَهْلِ دِمَشْقَ بِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَتَلُوهُ لِكَوْنِهِ سَعَى فِي قَتْلِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ أَخْرَجُوا مِنَ الْحَبْسِ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَوَضَعُوهُ عَلَى مِنْبَرِ دِمَشْقَ، وَفَكُّوا قُيُودَهُ لِيُبَايِعُوهُ، وَوَضَعُوا رَأْسَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَخَطَبَهُمْ وَحَضَّهُمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَبَايَعَ لِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَهَرَبَ حِينَئِذٍ مِنْ مَيْدَانِ الْحَصَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ وَأَمَّنَ مَرْوَانُ أَهْلَ الْبَلَدِ وَرَضِيَ عَنْهُمْ، فَأَوَّلُ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورُ، وَاسْتَوْثَقَ لَهُ الأَمْرُ وَأَمَرَ بِنَبْشِ يَزِيدَ النَّاقِصِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَصَلَبَهُ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّهُ خَلَعَ نَفْسَهُ وَبَعَثَ بِالْبَيْعَةِ إِلَى مَرْوَانَ فَأَمَّنَهُ، وَتَحَوَّلَ إِبْرَاهِيمُ فَنَزَلَ الرَّقَّةَ خَامِلا، ثُمَّ اسْتَأْمَنَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ فَأَمَّنَهُ مَرْوَانُ.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ، وَغَيْرُهُ: كَانَ مَرْوَانُ عَظِيمَ الْمُرُوءَةِ، يُحِبُّ اللَّهْوَ وَالسَّمَاعَ، غَيْرَ أَنَّهُ شُغِلَ بِالْحُرُوبِ، وَكَانَ يُحِبُّ الْحَرَكَةَ وَالأَسْفَارَ.
وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ: سَمِعْتُ الْوَزِيرَ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَأَلَنِي الْمَنْصُورُ: مَا كَانَ أَشْيَاخُكَ الشَّامِيُّونَ يَقُولُونَ؟ قُلْتُ: أَدْرَكْتُهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْخَلِيفَةَ إِذَا اسْتُخْلِفَ غُفِرَ لَهُ مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَتَدْرِي مَا الْخَلِيفَةُ؟ بِهِ تُقَامُ الصَّلاةُ، وَبِهِ يُحَجُّ الْبَيْتُ، ويجاهد العدو، قال: -[734]- فَعَدَّدَ مِنْ مَنَاقِبِ الْخَلِيفَةِ مَا لَمْ أَسْمَعْ أحدًا ذَكَرَ مِثْلَهُ. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ عَرَفْتَ مِنْ حَقِّ الْخِلافَةِ فِي دَهْرِ بَنِي أُمَيَّةَ مَا أَعْرِفُ الْيَوْمَ لأَتَيْتُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ حَتَّى أُبَايِعَهُ أَقُولَ: مُرْنِي بِمَ شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الْمَهْدِيُّ: وَكَانَ الْوَلِيدُ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ الْوَلِيدَ وَمَنْ أَقْعَدَهُ خَلِيفَةً، قَالَ: أَفَكَانَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْهُمْ؟ فَقَالَ الْمَنْصُورُ: لِلَّهِ دَرُّ مَرْوَانَ مَا كَانَ أَحْزَمَهُ وَأَسْوَسَهُ وَأَعَفَّهُ عَنِ الْفَيْءِ. قَالَ: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ: لِلأَمْرِ الَّذِي سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ.
وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ فَعَلَ فِعْلا فَظِيعًا أَدْخَلَ عَلَيْهِ يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقِسْرِيَّ فَاسْتَدْنَاهُ وَلَفَّ مِنْدِيلا عَلَى إِصْبَعِهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي عَيْنِ يَزِيدَ فَقَلَعَهَا وَاسْتَخْرَجَ الْحَدَقَةَ، ثُمَّ أَدَارَ يَدَهُ فَأَخْرَجَ حدقته الأُخْرَى وَمَا سَمِعْتُ لِيَزِيدَ كَلِمَةً، وَكَانَ قَدْ حَارَبَ مَرْوَانُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَخْلَفَ، وَقَامَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَلِيدِ.
قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: وَسَارَ مَرْوَانُ لِحَرْبِ بَنِي الْعَبَّاسِ فَكَانَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ الزَّابِينَ دُونَ الْمَوْصِلِ فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَمُّ الْمَنْصُورِ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ، فَانْكَسَرَ مَرْوَانُ وَقَطَعَ الْجُسُورَ إِلَى الْجِزِيرَةِ وَأَخَذَ بُيُوتَ الأَمْوَالِ وَالْكُنُوزِ، فَقَدِمَ الشَّامَ، فَاسْتَوْلَى عَبْدُ اللَّهِ عَلَى الْجَزِيرَةِ وَطَلَبَ الشَّامَ، وَفَرَّ مِنْهُ مَرْوَانُ وَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ دِمَشْقَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَرْوَانُ أَخَذَ دِمَشْقَ، وَهُوَ حِينَئِذٍ بِأَرْضِ فِلَسْطِينَ، دَخَلَ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ وَعَبَرَ النِّيلَ وَطَلَبَ الصَّعِيدَ، فَوَجَّهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ أَخَاهُ صَالِحَ بْنَ عَلِيٍّ فَطَلَبَ مَرْوَانَ وَعَلَى طَلائِعِهِ عَمْرٌو بْن إِسْمَاعِيلُ، فَسَاقَ عَمْرٌو فِي أَثَرِ مَرْوَانَ فَلَحِقَهُ بِقَرْيَةِ بُوصِيرَ فَبَيَّتَهُ فَقَتَلَهُ.
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ السِّنْدِيُّ: قُتِلَ مَرْوَانُ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَقَالَ يَعْقُوبُ الْفَسَوِيُّ: نَزَلَ بُوصِيرَ وَسَهْرَ وَتَطَيَّرَ بِاسْمِ بُوصِيرَ، فَأَحَاط عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بِبُوصِيرَ فَقَتَلُوهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ. -[735]-
وَيُرْوَى أَنَّ مَرْوَانَ مَرَّ فِي هَرَبِهِ عَلَى رَاهِبٍ، فَقَالَ: يَا رَاهِبُ هَلْ تَبْلُغُ الدُّنْيَا مِنَ الإِنْسَانِ أَنْ تَجْعَلَهُ مَمْلُوكًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قال: كيف؟ قال: بحبها قال: فما السبيل إلى العتق؟ قال: ببغضها وَالتَّخَلِّي مِنْهَا. قَالَ هَذَا مَا لا يَكُونُ، قَالَ: بَلْ سَيَكُونُ فَبَادِرْ بِالْهَرَبِ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تُبَادِرَكَ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ أَنْتَ مَرْوَانُ مَلِكُ الْعَرَبِ تُقْتَلُ فِي بِلادِ السُّودَانَ، وَتُدْفَنَ بِلا أَكْفَانَ، وَلَوْلا أَنَّ الْمَوْتَ فِي طَلَبِكَ لَدَلَلْتُكَ عَلَى مَوْضِعِ هَرَبِكَ.
قَالَ هشام بن عمار: حدثنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ مُهَلْهِلٍ عَنْ أبيه، قال: قال لي مروان لما عَظُمَ أَمْرِ أَصْحَابِ الرَّايَاتِ السُّودِ: لَوْلا وَحْشَتِي لَكَ، وَأُنْسِي بِكَ لأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ ذَرِيعَةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ هَؤُلاءِ فَتَأْخُذُ لِي وَلَكَ الأَمَانَ قُلْتُ: وَبَلَغْتَ هَذَا الْحَالَ! قَال: إِيْ وَاللَّهِ، قُلْتُ: فَأَدُلُّكَ عَلَى أَحْسَنِ مَا أَرَدْتُ؟ قَالَ: قُلْ، قُلْتُ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِكَ تُخْرِجُهُ مِنَ الْحَبْسِ وَتُزَوِّجُهُ بِنْتَكَ، وَتُشْرِكْهُ فِي أَمْرِكَ، فَإِنْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُ انْتَفَعْتَ بِذَلِكَ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كُنْتَ قَدْ وَضَعْتَ بِنْتَكَ فِي كَفَاءَةٍ، قَالَ: أَشَرْتَ - وَاللَّهِ - بِالرَّأْيِ وَلَكِنْ - وَاللَّهِ - السَّيْفُ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا.

264 - عبيد الله بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الأموي، ويقال: عبد الله.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

264 - عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الأُمَوِيُّ، وَيُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ. [الوفاة: 161 - 170 ه]
كان وَلِيَ عَهْدَ أَبِيهِ مَرْوَانَ، فَلَمَّا قُتِلَ مَرْوَانُ هَرَبَ هَذَا وَأَخُوهُ إِلَى بِلادِ النُّوبَةِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا، وَعَاشَ هَذَا مُسْتَخْفِيًا دَهْرًا طَوِيلا، وَظَفِرَ بِهِ الْمَهْدِيُّ فِي دَوْلَتِهِ فَسَجَنَهُ، فَمَاتَ فِي الْمُطْبَقِ، سَنَةَ سَبْعِينَ، وقَدْ شَاخَ.

7 - آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

7 - آدَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الأُمَوِيُّ. [الوفاة: 171 - 180 ه]
شَاعِرٌ مَاجِنٌ ثُمَّ إِنَّهُ نَسَكَ، وَقَدْ تَوَهَّمَ فِيهِ الْمَهْدِيُّ الزَّنْدَقَةَ لِمُجُونِهِ، وَقَوْلِهِ فِي الْخَمْرِ:
اسْقِنِي، وَاسْقِ خَلِيلَيَّ ... فِي مَدَى اللَّيْلِ الطَّوِيلِ
قَهْوَةً صَهْبَاءَ صِرْفًا ... سُبِيَتْ مِنْ نَهْرِ بِيلِ
قُلْ لِمَنْ يُلْحَاكَ فِيهَا ... مِنْ فَقِيهٍ أَوْ نَبِيلِ
أَنْتَ دَعْهَا وَارْجُ أُخْرَى ... مِنْ رَحِيقِ السَّلْسَبِيلِ
فضرب ثلاث مائة سَوْطٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أُقِرُّ عَلَى نَفْسِي بِبَاطِلٍ، وَاللَّهِ مَا كَفَرْتُ بِاللَّهِ طَرْفةَ عَيْنٍ، وَلَكِنِّيَ كُنْتُ فَتًى أَشْرَبُ النَّبِيذَ، ثُمَّ إِنَّهُ صَلُحَ حَالُهُ. سَامَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

176 - عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص، الأمير الأموي المرواني الداخل إلى الأندلس.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

176 - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ معاوية بْن هشام بْن عَبْد الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، الأَمِيرُ الأُمَوِيُّ الْمَرْوَانِيُّ الدَّاخِلُ إِلَى الأَنْدَلُسِ. [الوفاة: 171 - 180 ه]
-[680]-
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَمَلَّكَ الأَنْدَلُسَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ هَرَبَ وَانْفَلَتَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ عِنْدَ اسْتِيلائِهِمْ، وَأَبْعَدَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْدَلُسِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدَّاخِلَ لَمَّا سَارَ هَارِبًا مِنْ مِصْرَ صَارَ إِلَى أَرْضِ بَرْقَةَ، فَأَقَامَ بِهَا خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ رَحَلَ مِنْهَا يُرِيدُ الأَنْدَلُسَ، فَدَخَلَ بَدْرٌ مَوْلاهُ يَتَجَسَّسُ عَنِ الأَخْبَارِ، فَقَالَ لِلْمُضَرِيَّةِ: لَوْ وَجَدْتُمْ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْخِلافَةِ أَكُنْتُمْ تُبَايِعُونَهُ؟ قَالُوا: وَكَيْفَ لَنَا بِذَاكَ؟ فَقَالَ بَدْرٌ: هَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ. فَأَتَوْهُ فَبَايَعُوهُ، فَوُلِّيَ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ وُلِّيَ ابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
قَالَ: وَدُخُولُهُ الأَنْدَلُسِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَ يُوسُفُ الْفِهْرِيُّ أَوَّلَ مَنْ قَطَعَ الدَّعْوَةَ عَنْهُمْ، وَكَانَ مَنْ قَبْلَهُ يَدْعُونَ لِوَلَدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْخِلافَةِ، فَأَبْطَلَ يُوسُفُ ذَلِكَ وَدَعَا لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلُ إِلَى الأَنْدَلُسِ قَاتَلَ يُوسُفَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلادِ.
قُلْتُ: وَبَقِيَ مُلْكُ الأَنْدَلُسِ بِأَيْدِي أَوْلادِهِ إِلَى رَأْسِ الأَرْبَعِمِائَةِ، وَبَلَغَنَا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى يُوسُفَ الْفِهْرِيِّ عَدَّى إِلَى الْجَزِيرَةِ فَنَزَلَهَا، فَاتَّبَعَهُ أَهْلُهَا، فَمَضَى فِي عَسْكَرٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ، فَأَطَاعَهُ أَهْلُهَا، ثُمَّ مَضَى إِلَى قُرْطُبَةَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَكَانَ كُلَّمَا قَصَدَ مَدِينَةً بَايَعُوهُ، فَلَمَّا رَأَى يُوسُفُ الْعَسَاكِرَ قَدْ أَظَلَّتْهُ هَرَبَ إِلَى دَارِ الشِّرْكِ، فَتَحَصَّنَ هُنَاكَ، فَغَزَاهُ فِيمَا بَعْدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلُ، فَوَقَعَتْ نَفْرَةٌ فِي عَسْكَرِهِ فَانْهَزَمَ، وَرَجَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا، وَجَعَلَ لِمَنْ يَأْتِيهِ بِرَأْسِ يُوسُفَ مَالا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ خَاصَّةِ يُوسُفَ بِرَأْسِهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ: وُلِدَ الأَمِيرُ أَبُو الْمُطَرِّفِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالشَّامِ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَدَخَلَ الأَنْدَلُسَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ، فَقَامَتْ مَعَهُ الْيَمَانِيَّةُ، وَحَارَبَ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيَّ مُتَوَلِّي الأَنْدَلُسِ، فَهَزَمَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى قُرْطُبَةَ يَوْمَ النَّحْرِ مِنَ الْعَامِ، وَعَاشَ إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. قَالَهُ لَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ.
قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى سِيرَةٍ جَمِيلَةٍ مِنَ الْعَدْلِ، وَمِنْ قُضَاتِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ الْحَضْرَمِيُّ الحمصي. -[681]-
قال أبو المظفر الأَبِيوَرْدِيُّ: كَانُوا يَقُولُونَ: مَلَكَ الدُّنْيَا ابْنَا بَرْبَرِيَّتَيْنِ؛ يَعْنُونَ الْمَنْصُورَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُعَاوِيَةَ.
وَكَانَ الْمَنْصُورُ إِذَا ذُكِرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ذَاكَ صَقْرُ قُرَيْشٍ، دَخَلَ الْمَغْرِبَ وَقَدْ قُتِلَ قَوْمُهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ الْعَدْنَانِيَّةَ بِالْقَحْطَانِيَّةِ حَتَّى تَمَلَّكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ: أَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي بِلادِهِ يَدْعُو بِالْخِلافَةِ لِأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ أَعْوَامًا، ثُمَّ تَرَكَ الْخُطْبَةَ.
وَقِيلَ: لَمَّا تَوَطَّدَ مُلْكُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَارَتْ إِلَيْهِ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَأَكْرَمَ مَوْرِدَهُمْ وَادَّبَّرَ أَرْزَاقَهُمْ، وَلَمْ يَهْجُهُ بَنُو الْعَبَّاسِ، وَلا هُوَ تَعَرَّضَ لَهُمْ، بَلْ قَنَعَ بِإِقْلِيمِ الأَنْدَلُسِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ اللُّغَوِيُّ الَّذِي تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعِمِائَةٍ: كَانَ بِقُرْطُبَةَ جَنَّةٌ اتَّخَذَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ فِيهَا نَخْلَةٌ أَدْرَكْتُهَا، وَمِنْهَا تَوَلَّدَتْ كُلُّ نَخْلَةٍ بِالأَنْدَلُسِ.
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ:
يَا نَخْلُ أَنْتِ غَرِيبَةٌ مِثْلِي ... فِي الْغَرْبِ نَائِيَةٌ عَنِ الأهل
فابكي، وهل تبكي مكمشة ... عجماء، لم تطبع على خبل؟
لَوْ أَنَّهَا تَبْكِي، إِذًا لَبَكَتْ ... مَاءَ الْفُرَاتِ وَمَنْبِتَ النَّخْلِ
لَكِنَّهَا ذَهَلَتْ، وَأَذْهَلَنِي ... بُغْضِي بَنِي الْعَبَّاسِ عَنْ أَهْلِي
وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا:
أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُيَمِّمُ أَرْضِي ... أَقْرِ مِنْ بَعْضِي السَّلامَ لِبَعْضِي
إِنَّ جِسْمِي كَمَا عَلِمْتَ بِأَرْضٍ ... وَفُؤَادِي ومالكيه بأرض
قدر البين بيننا فافترقنا ... فطوى الْبَيْنُ عَنْ جُفُونِيَ غَمْضِي
وَقَضَى اللَّهُ بِالْفِرَاقِ عَلَيْنَا ... فَعَسَى بِاجْتِمَاعِنَا اللَّهُ يَقْضِي
تُوُفِّيَ فِي شَهْرِ جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ هِشَامٌ.

181 - خ م د ت ن: عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو صفوان الأموي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

181 - خ م د ت ن: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِيُّ. [الوفاة: 181 - 190 ه]
-[876]-
مَا زَالَ فِي ذِهْنِي أَنَّهُ مَعْدُودٌ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ، لَكِنْ وَجَدْتُ مَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهِ إِلَى حُدُودِ الْمِائَتَيْنِ، فَكَرَّرْتُ ذِكْرَهُ.
قُتِلَ أبوه عند زوال ملك بني أُمَيَّةَ، وَكَانَ هَذَا طِفْلا، فَفَرَّتْ بِهِ أُمُّهُ إِلَى مَكَّةَ.
رَوَى عَنْ: ابْنِ جُرَيْجٍ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَمُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ.
طَلَبُ الْعِلْمِ فِي حُدُودِ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
رَوَى عَنْهُ: الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَعِدَّةٍ.
وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ بَقِيَ وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو السُّكَيْنِ الطَّائِيُّ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ.

508 - أبو بكر بن مروان بن الحكم الأسيدي البصري.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

508 - أَبُو بَكْر بْن مروان بْن الحَكَم الأَسيْديّ البَصْريُّ. [الوفاة: 231 - 240 ه]
تُوُفِيّ سنة أربع وثلاثين. -[980]-
حدَّث عَنْ: جُوَيْرية بْن أسماء، وحمّاد بْن زيد.
وَعَنْهُ: عُمَرَ بْن شَبَّة، والْمَعْمَريّ.
قَالَ أبو حاتم: كتبتُ عنهُ وليس بِهِ بأس.

162 - جلوان بن سمرة بن ماهان بن خاقان بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو الطيب البانبي الأموي البخاري المحدث.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

162 - جَلْوان بن سمرة بن ماهان بْن خاقان بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْن الْحَكَمِ، أبو الطَّيِّب البانَبيّ الأمويّ الْبُخَارِيّ المحدِّث. [الوفاة: 261 - 270 ه]
سَمِعَ: المقرئ، والقعنبيّ، وعصامًا، وأبا مقاتل النحوي، وأحمد بن حَفْص الفقيه، وسعيد بْن مَنْصُورٌ، وطبقتهم.
وَعَنْهُ: سهل بْن شَاذَوَيْه، والحسين بْن محمد بْن قريش، وغيرهما.
قيَّده الخطيب جِلْوان؛ بكسر الجيم، وقال ابن ماكولا: بل هو بفتحها.
وكذلك ذكره المستغفري وغُنْجار.
ومن ذرِّيَّته أَحْمَد بْن حُسَيْنِ بن أَحْمَد بْن محمد بْن يعقوب بْن إِبْرَاهِيم بن جنيد بن جلوان.

446 - د ق: محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو جعفر الواسطي الدقيقي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

446 - د ق: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، أبو جعفر الواسطيّ الدَّقيقيُّ. [الوفاة: 261 - 270 ه]
عَنْ: يزيد بن هارون، ووهب بن جرير، ويعلى بن عبيد، وسعيد بن عامر وعبد الصمد بن عبد الوارث، وأبي أَحْمَد الزُّبيريّ، وطائفة.
وَعَنْهُ: أبو دَاوُد، وابن ماجة، وإبراهيم الحربيّ، وإبراهيم بْن محمد نفطوية، وابن صاعد، وابن أبي حاتم ومحمد بن البختري وإسماعيل الصّفّار، وأحمد بن سليمان العباداني وجماعة.
قَالَ أبو حاتم: صدوق.
ووثّقه الدَّارقطنيّ.
توفّي في شوال سنة ستٍّ وستين.
وقع لنا من موافقاته العالية.

609 - يوسف بن يزيد بن كامل بن حكيم. مولى عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو يزيد القراطيسي المصري.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

609 - يوسف بن يزيد بن كامل بن حكيم. مولى عبد العزيز بن مروان بن الحَكَم، أَبُو يزيد القَراطيسيّ المصري. [الوفاة: 281 - 290 ه]-[857]-
سَمِعَ: أسد بن موسى السنة، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وسعيد بن أبي مريم، وحَجَّاج بن إِبْرَاهِيم الأزرق، وطبقتهم.
وَعَنْهُ: عبد الله بن جَعْفَر بن الورد، وَسُلَيْمَان الطَّبَرَانيّ، وعَليَّ بن محمد المِصْرِيّ، وآخرون.
وَقِيلَ: إنَّ النَّسَائِيَّ رَوَى عَنْهُ.
تُوُفِّي في ربيع الأول سنة سبعٍ وثمانين عن مائة سنة.
وثّقه ابن يونس وَقَالَ: قد رأى الشَّافِعِيّ.
وَقَالَ أَحْمَد بن خَالِد الجبَّاب الحَافِظ: أَبُو يزيد القَرَاطيسيّ من أوثق النَّاس، لم أر مثله، ولا لقيت أحدًا إِلا وقد مُسَّ أَوْ تُكلِّمَ فيه، إِلا هُوَ وَيَحْيَى بن أيّوب العلّاف. ورفع من شأن القراطيسي.

290 - الحسن بن محمد بن الحسن بن علي، القاضي أبو علي الأموي المصري الشافعي العدل الوراق، المعروف بابن مروان - يعني مروان بن الحكم.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

290 - الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ، القاضي أَبُو عليّ الأمويّ المصريّ الشّافعيّ العدل الورّاق، المعروف بابن مروان - يعني مروان بْن الحَكَم. [المتوفى: 606 هـ]
سَمِعَ من عَبْد الله بْن رفاعة في سنة خمسين وخمس مائة، ومولده في سنة تسع عشرة وخمس مائة. حَدّثَ عَنْهُ الزّكيّ عَبْد العظيم وغيره، وكان بارعًا في الشروط، صَنَّف فيها كتابين مشهورين، وتُوُفّي في رجب.
3 - مروان بن الحكم (64 - 65هـ): هو «مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس»، ولد فى السنة الأولى من الهجرة، ولذلك يعده بعض العلماء من الصحابة، وهو ابن عم الخليفة «عثمان بن عفان» رضى الله عنه، وكان كاتبه وأمين سره، وولاه «معاوية بن أبى سفيان» فى خلافته «المدينة المنورة» أكثر من مرة؛ ثقة منه بقدرته وخبرته السياسية التى اكتسبها طوال عمله مع «عثمان».
وكان «مروان» أثناء ولايته على «المدينة» يتحرَّى العدل، ولا يصدر أمرًا إلا بعد استشارة صلحاء الناس، ومن مآثره التى جلبت ثناء الناس عليه أنه جمع صيعان «المدينة» التى يكيلون بها، وأخذ بأعدلها وأضبطها كيلا، فنسبه الناس إليه، وقالوا: «صاع مروان»، وقال عنه الإمام «أحمد بن حنبل»: «كان عند مروان قضاء - يقصد كان عادلا فى قضائه - وكان يتبع قضايا عمر بن الخطاب»، ويصفه المؤرخون بالشجاعة والشهامة، والدهاء وحسن السياسة.
توليته الخلافة: اضطرب أمر «بنى أمية» بعد رفض «معاوية بن يزيد» أن يتولى الخلافة، أو يعهد بالأمر إلى أحد من أهل بيته، وفى هذه الأثناء أعلن «عبدالله بن الزبير» نفسه خليفة للمسلمين سنة (64هـ) فى «مكة»، فبايعه «العراق» و «مصر»، حتى الشام نفسها معقل الأمويين بايعه معظم أقاليمها، وبدا الأمر كما لو أن دولة الزبيريين قامت، ودولة الأمويين بادت.
كان «مروان بن الحكم» وبنوه يعيشون فى «المدينة المنورة»، فأخرجهم منها «عبدالله بن الزبير» فرحلوا إلى الشام، حيت تجمع هناك كل أنصار «بنى أمية» وولاتهم، من أمثال: «عبيد الله بن زياد»، و «الحصين بن نمير»، فأخذوا يشجعون «مروان» على تحمل قيادة البيت الأموى، ومنع دولتهم من السقوط.
وبعد مداولات طويلة بين زعماء القبائل استغرقت عدة شهور عقد مؤتمر فى «الجابية» بالقرب من «دمشق»، فى شهر ذى القعدة سنة (64هـ)، بويع فيه «مروان بن الحكم» بالخلافة، باعتباره أكبر أبناء البيت الأموى سنا، وأكثرهم تجربة.

مروان بن محمد بن مروان بن الحكم

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

13 - مروان بن محمد بن مروان بن الحكم (127 - 132هـ): هو آخر خلفاء «بنى أمية»، ولى حكم «أرمينيا» و «أذربيجان» منذ خلافة ابن عمه «هشام بن عبدالملك»، وكان من أكفأ الولاة، وأكثرهم خبرة وبصرًا بالأمور؛ فارسًا شجاعًا، بطلا مقدامًا، غيورًا على ملك «بنى أمية».
أدرك «مروان» عواقب مقتل «الوليد بن يزيد» على البيت الأموى، فخرج من «أرمينيا» قاصدًا «دمشق»؛ ليثأر لمقتل «الوليد»، لكن الخليفة الجديد «يزيد بن الوليد» ترضَّاه، ورجاه أن يرجع، ووعده بإصلاح الأحوال، فرجع مؤمِّلا أن يفى الخليفة بوعده، غير أن الخليفة تُوفِّى فجاءة، تاركًا الدولة وأحوالها مضطربة، لأخيه «إبراهيم»، الذى عجز عن النهوض بأعباء الخلافة؛ مما دفع «مروان» إلى التحرك من جديد، قاصدًا «دمشق»، ليجد «إبراهيم» قد غادرها هربًا، فيدخلها، ويبايع له بالخلافة، ليقوم بآخر محاولة لإنقاذ الدولة الأموية، التى شاءت الأقدار أن تكون نهايتها على يديه.
ولا يستطيع أحد أن يلوم «مروان» أو يحمله مسئولية زوال الدولة، فعوامل سقوطها كانت تتفاعل وتعمل من زمن بعيد، وكُتب له أن يجنى وحده الثمار المرة لأخطاء من سبقه، على الرغم مما بذله من جهد ومثابرة، وعزم لا يلين، فحارب فى أكثر من ميدان، وصارع أحداثًا عدّة، كانت كلها ضدَّه، وأول خطر واجهه هو انقسام البيت الأموى شيعًا وأحزابًا، وإشعال أبناء عمومته الثورات العارمة ضده فى الشام و «العراق»، ثم انقسام القبائل العربية؛ حيث وقفت القبائل اليمنية فى وجهه، وهم الأنصار التقليديون لبنى أمية، وانفجار المشكلات فى أنحاء الدولة كلها من «الأندلس» حتى بلاد «خراسان» و «ما وراء النهر».
وقد بلغت حركة الخوارج أقصى درجات العنف فى عهد «مروان بن محمد» (127 - 132هـ)، وقد شهد آخر ثورات الخوارج وأشدها خطرًا، بقيادة «الضحاك بن قيس الشيبانى» فى «العراق»، و «أبى حمزة الخارجى» فى جنوبى الجزيرة العربية.
*مروان بن الحكم هو «مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس»، ولد فى السنة الأولى من الهجرة، ولذلك يعده بعض العلماء من الصحابة، وهو ابن عم الخليفة «عثمان بن عفان» رضى الله عنه، وكان كاتبه وأمين سره، وولاه «معاوية بن أبى سفيان» فى خلافته «المدينة المنورة» أكثر من مرة؛ ثقة منه بقدرته وخبرته السياسية التى اكتسبها طوال عمله مع «عثمان».
وكان «مروان» أثناء ولايته على «المدينة» يتحرَّى العدل، ولا يصدر أمرًا إلا بعد استشارة صلحاء الناس، ومن مآثره التى جلبت ثناء الناس عليه أنه جمع صيعان «المدينة» التى يكيلون بها، وأخذ بأعدلها وأضبطها كيلا، فنسبه الناس إليه، وقالوا: «صاع مروان»، وقال عنه الإمام «أحمد بن حنبل»: «كان عند مروان قضاء - يقصد كان عادلا فى قضائه - وكان يتبع قضايا عمر بن الخطاب»، ويصفه المؤرخون بالشجاعة والشهامة، والدهاء وحسن السياسة.
اضطرب أمر «بنى أمية» بعد رفض «يزيد بن معاوية» أن يتولى الخلافة، أو يعهد بالأمر إلى أحد من أهل بيته، وفى هذه الأثناء أعلن «عبدالله بن الزبير» نفسه خليفة للمسلمين سنة (64هـ) فى «مكة»، فبايعه «العراق» و «مصر»، حتى الشام نفسها معقل الأمويين بايعه معظم أقاليمها، وبدا الأمر كما لو أن دولة الزبيريين قامت، ودولة الأمويين بادت.
كان «مروان بن الحكم» وبنوه يعيشون فى «المدينة المنورة»، فأخرجهم منها «عبدالله بن الزبير» فرحلوا إلى الشام، حيت تجمع هناك كل أنصار «بنى أمية» وولاتهم، من أمثال: «عبيد الله بن زياد»، و «الحصين بن نمير»، فأخذوا يشجعون «مروان» على تحمل قيادة البيت الأموى، ومنع دولتهم من السقوط.
وبعد مداولات طويلة بين زعماء القبائل استغرقت عدة شهور عقد مؤتمر فى «الجابية» بالقرب من «دمشق»، فى شهر ذى القعدة سنة (64هـ)، بويع فيه «مروان بن الحكم» بالخلافة، باعتباره أكبر أبناء البيت الأموى سنا، وأكثرهم تجربة.
كان على

*مروان بن محمد بن مروان بن الحكم

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

*مروان بن محمد بن مروان بن الحكم هو آخر خلفاء «بنى أمية»، ولى حكم «أرمينيا» و «أذربيجان» منذ خلافة ابن عمه «هشام بن عبدالملك»، وكان من أكفأ الولاة، وأكثرهم خبرة وبصرًا بالأمور؛ فارسًا شجاعًا، بطلا مقدامًا، غيورًا على ملك «بنى أمية».
أدرك «مروان» عواقب مقتل «الوليد بن يزيد» على البيت الأموى، فخرج من «أرمينيا» قاصدًا «دمشق»؛ ليثأر لمقتل «الوليد»، لكن الخليفة الجديد «يزيد بن الوليد» ترضَّاه، ورجاه أن يرجع، ووعده بإصلاح الأحوال، فرجع مؤمِّلا أن يفى الخليفة بوعده، غير أن الخليفة تُوفِّى فجاءة، تاركًا الدولة وأحوالها مضطربة، لأخيه «إبراهيم»، الذى عجز عن النهوض بأعباء الخلافة؛ مما دفع «مروان» إلى التحرك من جديد، قاصدًا «دمشق»، ليجد «إبراهيم» قد غادرها هربًا، فيدخلها، ويبايع له بالخلافة، ليقوم بآخر محاولة لإنقاذ الدولة الأموية، التى شاءت الأقدار أن تكون نهايتها على يديه.
ولا يستطيع أحد أن يلوم «مروان» أو يحمله مسئولية زوال الدولة، فعوامل سقوطها كانت تتفاعل وتعمل من زمن بعيد، وكُتب له أن يجنى وحده الثمار المرة لأخطاء من سبقه، على الرغم مما بذله من جهد ومثابرة، وعزم لا يلين، فحارب فى أكثر من ميدان، وصارع أحداثًا عدّة، كانت كلها ضدَّه، وأول خطر واجهه هو انقسام البيت الأموى شيعًا وأحزابًا، وإشعال أبناء عمومته الثورات العارمة ضده فى الشام و «العراق»، ثم انقسام القبائل العربية؛ حيث وقفت القبائل اليمنية فى وجهه، وهم الأنصار التقليديون لبنى أمية، وهبوب ثورات الخوارج الأخيرة ضد الدولة، وانفجار المشكلات فى أنحاء الدولة كلها من «الأندلس» حتى بلاد «خراسان» و «ما وراء النهر».
وفى الوقت الذى يواجه فيه «مروان» كل هذه الظروف الصعبة، منتقلا من ميدان إلى ميدان، ومن جبهة إلى أخرى دون كلل أو ملل، محاولا إنقاذ الدولة، وبث روح الحياة فيها، وتجديد الدماء فى أوصالها -

عبد الملك بن مروان بن الحكم

ميزان الاعتدال في نقد الرجال

أنى له العدالة وقد سفك الدماء [] وفعل الافاعيل /! - عبد الملك بن مسلم الرقاشي.
عن أبي جرو، عن علي.
قال البخاري: لم يصح حديثه - يعنى أن عليا رضي الله عنه ناشد الزبير: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقاتلني وأنت ظالم لي! قال: بلى.
ولكن نسيت.
رواه جعفر بن سليمان، عن [عبد الله بن محمد] () الرقاشي، وتفرد عبد الله بن محمد عن جده عبد الملك هذا.
أما: - عبد الملك بن مسلم () [ت، س] بن سلام.
عن أبيه.
وعنه وكيع، وجماعة - فوثقه ابن معين: وقيل: كان شيعيا.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت