نتائج البحث عن (مُحَابَاةٌ) 5 نتيجة

المحاباة:[في الانكليزية] Humility ،favoritism ،Partiality ،imitation [ في الفرنسية] Humilite ،favoritisme ،partialite ،imitation بالباء الموحدة في اللغة بمعنى التواضع والتنازل، والمعارضة لشخص في الإنعام والبيع بأقلّ من الثمن، أو الشراء بأكثر من القيمة، كما في كنز اللغات، وغيره.وعند البلغاء عبارة عن قول شيء مثل كلام الغير سواء كان له وزن الشعر أو القافية أو الرّديف أو الصنعة، أو بين شخصين يقول كلّ منهما كلاما من أجل اختبار قوة البيان لديهما، أو بناء لالتماس من آخر، وهو ثلاثة أنواع. ودليل الحصر إمّا أن يكون جوابا أو أكثر أو أقلّ أو مساويا. فإن كان أكثر فيقال له التّنبيه، يعني: يجعله يقظا ومطلعا على قصوره.أو أن يجعل الغير مطلعا، على أنّه يجب أن يكون القول هكذا. ولم يقدر وإن كان أقلّ فيسمّى المطابقة، وإن كان مساويا فيسمّى المحاباة، كذا في جامع الصنائع. إذن فالمحاباة لها معنيان: أحدهما أعمّ والثاني أخصّ. المحادثة:[في الانكليزية] Interlocution ،discourse [ في الفرنسية] Interlocution ،conversation عند الصوفية هي خطاب الحقّ لعبده في صورة من عالم الملك، كما نادى موسى عليه السلام من خلف الشجرة. وترجمة البيت:لقد تكلّم الشجر بلسانه لقد سمع موسى نفسه ذلك كذا نقل عن عبد الرزّاق الكاشي.
الْمُحَابَاة: مَأْخُوذَة من الحباء وَهُوَ الْعَطِيَّة فَهِيَ من حبا يحبو حبوة بِفَتْح الْحَاء أَي أعطَاهُ والحباء الْعَطاء كَذَا فِي الْقَامُوس. وَيعلم من جَامع الرموز فِي بَاب الْوَصِيَّة بِالثُّلثِ أَن الْمُحَابَاة هِيَ النُّقْصَان عَن قيمَة الْمثل فِي الْوَصِيَّة وَالزِّيَادَة على الْقيمَة فِي الشِّرَاء فَلَا تقتصر على أَنَّهَا هِيَ البيع بِأَقَلّ من الْقيمَة وتأجيل الْمُعَجل أَيْضا مُحَابَاة فَهِيَ كَمَا يَقع فِي الْمِقْدَار يَقع فِي التَّأْخِير والتأجيل.
المُحَاباة: هي المسامحةُ والمساهلة في البيع والزيادةُ على القيمة في الشراء قال النسفي: "المحاباة في البيع: حَطُّ بعض الثمن وهي مفاعلةٌ من الحِباء وهو العطاء".
التَّعْرِيفُ:
1 - الْمُحَابَاةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَابَى، يُقَال: حَابَاهُ مُحَابَاةً وَحِبَاءً: اخْتَصَّهُ وَمَال إِلَيْهِ وَنَصَرَهُ (1) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، قَال الْقُهُسْتَانِيُّ: الْمُحَابَاةُ هِيَ النُّقْصَانُ عَنْ قِيمَةِ الْمِثْل فِي الْوَصِيَّةِ بِالْبَيْعِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى قِيمَتِهِ فِي الشِّرَاءِ (2) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُحَابَاةِ:
الْمُحَابَاةُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ:
أَوَّلاً: الْمُحَابَاةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
أ - الْمُحَابَاةُ مِنَ الصَّحِيحِ:
2 - الْمُحَابَاةُ مِنَ الصَّحِيحِ غَيْرِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اسْتِحْقَاقُ الْمُتَبَرَّعِ لَهُ بِهَا مِنْ جَمِيعِ مَال الْمُحَابِي، إِنْ كَانَ صَحِيحًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ
__________
(1) القاموس المحيط، والمعجم الوسيط.
(2) حاشية ابن عابدين 6 / 668 - ط. الحلبي.

تُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْحَال فَيُعْتَبَرُ حَال التَّعَاقُدِ فَإِذَا كَانَ الْمُحَابِي صَحِيحًا حِينَئِذٍ فَلاَ حَقَّ لأَِحَدٍ فِي مَالِهِ، فَتُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ لاَ مِنَ الثُّلُثِ (1) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُحَابَاةَ إِذَا كَانَتْ مِنَ الصَّحِيحِ، فَإِمَّا أَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ قَبْضًا مُعْتَبَرًا شَرْعًا أَمْ لاَ، فَإِنْ قَبَضَهَا قَبْضًا مُعْتَبَرًا فَفِيهَا قَوْلاَنِ: أَرْجَحُهُمَا اخْتِصَاصُ الْمُشْتَرِي بِهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْوَرَثَةِ أَوِ الدَّائِنِينَ.
وَإِنْ لَمْ يَقَعْ قَبْضٌ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ:
أَحَدُهَا: يَبْطُل الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ وَيُرَدُّ إِلَى الْمُشْتَرِي مَا دَفَعَ مِنْ ثَمَنٍ وَهَذَا هُوَ مَا فِي الْوَاضِحَةِ عَنِ الأَْخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ، وَقَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ.
ثَانِيهَا: يَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ مِنَ الْمَبِيعِ وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مِنَ الْمَبِيعِ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ.
وَثَالِثُهَا: يُخَيَّرُ فِي تَمَلُّكِ جُزْءٍ مِنَ الْمَبِيعِ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ وَفِي أَنْ يَدْفَعَ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ فَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْمَبِيعِ (2) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُحَابَاةِ فِي
__________
(1) البدائع 7 / 370، وأسنى المطالب 3 / 39 الطبعة الأولى بالطبعة الميمنية بالقاهرة 1313، والمغني لابن قدامة 6 / 71 - طبعة مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
(2) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني 5 / 356.

حَال الصِّحَّةِ، وَتَمَامُهَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، مِثْل مَا إِذَا بَاعَ بِمُحَابَاةٍ عَلَى أَنَّ لَهُ خِيَارَ الْفَسْخِ خِلاَل ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَمَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ فِي مَرَضٍ طَرَأَ عَلَيْهِ خِلاَلَهَا وَمَاتَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْمُحَابَاةِ مِنْ جَمِيعِ مَال الْمُحَابِي لاَ مِنَ الثُّلُثِ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ بَاعَ بِمُحَابَاةٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثُمَّ مَرِضَ وَأَجَازَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَوْ تَرَكَ الْفَسْخَ فِيهَا عَامِدًا، إِنْ قُلْنَا الْمِلْكُ فِيهَا لِلْبَائِعِ فَمِنَ الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ، لأَِنَّهُ أَلْزَمَ الْعَقْدَ فِي الْمَرَضِ بِاخْتِيَارِهِ فَأَشْبَهَ مَنْ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ وَأَقْبَضَ فِي الْمَرَضِ، وَإِلاَّ فَكَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِمُحَابَاةٍ ثُمَّ مَرِضَ وَوَجَدَهُ مَعِيبًا وَلَمْ يَرُدَّهُ مَعَ الإِْمْكَانِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِتَفْوِيتٍ بَل امْتِنَاعٌ مِنَ الْكَسْبِ فَقَطْ (2) .

ب - الْمُحَابَاةُ مِنَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِغَيْرِ وَارِثِهِ
3 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْمُحَابَاةُ وَلَوْ يَسِيرَةً مِنَ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ بِدَيْنِ يُحِيطُ بِكُل مَالِهِ لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لأَِجْنَبِيٍّ - أَيْ غَيْرِ وَارِثٍ لَهُ - سَوَاءٌ أَجَازَتِ الْوَرَثَةُ الْمُحَابَاةَ أَمْ لاَ، وَيَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ أَنْ يُزِيل الْمُحَابَاةَ
__________
(1) جامع الفصولين 2 / 259.
(2) أسنى المطالب 3 / 40.

بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ إِلَى ثَمَنِ الْمِثْل أَوْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ تَجُوزُ الْمُحَابَاةُ وَلَوْ فَاحِشَةً لَكِنْ تَكُونُ فِي ثُلُثِ مَالِهِ تُؤْخَذُ مِنْهُ إِنْ وَسِعَهَا بِأَنْ كَانَتِ الْمُحَابَاةُ مُسَاوِيَةً لِلثُّلُثِ أَوْ أَقَل مِنْهُ، أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمُحَابَاةُ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ فَلاَ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ إِلاَّ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ (1) .
وَإِنْ لَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - أَنْ يُكْمِل بَقِيَّةَ الثَّمَنِ أَوْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ (2) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يُكْمِل بَقِيَّةَ الثَّمَنِ وَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْمَبِيعِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَا دَفَعَ وَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ ثُلُثُ مَال الْمَيِّتِ.
وَثَانِيهَا: يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُكْمِل بَقِيَّةَ الثَّمَنِ فَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْمَبِيعِ، فَإِذَا أَبَى فَلَهُ مَا يُقَابِل ثَمَنَهُ مِنَ الْمَبِيعِ وَثُلُثُ مَال الْمَيِّتِ.
وَثَالِثُهَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُكْمِل جَبْرًا عَلَى الْوَرَثَةِ، وَيَكُونُ لَهُ مَا يُقَابِل ثَمَنَهُ مِنَ الْمَبِيعِ مَعَ ثُلُثِ مَال الْمَيِّتِ (3) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ
__________
(1) جامع الفصولين 2 / 245، 246، والزيلعي 5 / 214، والرهوني 5 / 351، وأسنى المطالب 3 / 39 - 40، والمغني 6 / 71، 92، 93.
(2) جامع الفصولين 2 / 245، 246، والزيلعي 5 / 214، المطبعة الأميرية بالقاهرة 1315.
(3) حاشية الرهوني 5 / 356.

فَسْخِ الْبَيْعِ وَالإِْجَازَةِ فِي الثُّلُثِ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنَ الثَّمَنِ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ (1) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنِ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي فَسْخَ الْبَيْعِ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنِ اخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ وَلُزُومَهُ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي - فِيمَا إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ عَقَارًا لاَ يَمْلِكُ غَيْرَهُ قِيمَتُهُ ثَلاَثُونَ بِعَشَرَةِ - أَنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَ الْمَبِيعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ مُقَابَلَةَ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِ جَمِيعِ الْمَبِيعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي ثُلُثَيِ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ لأَِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ بِالْمُحَابَاةِ وَالثُّلُثَ الآْخَرَ بِالثَّمَنِ (2) .

ج - الْمُحَابَاةُ مِنَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِوَارِثِهِ
4 - إِنْ كَانَتِ الْمُحَابَاةُ مِنَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِوَارِثِهِ فَلاَ تَجُوزُ إِلاَّ إِذَا أَجَازَهَا بَاقِي الْوَرَثَةِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْمُحَابَاةُ يَسِيرَةً أَوْ فَاحِشَةً لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ فِي الْمَرَضِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ، وَالْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، اتَّفَقَ عَلَى هَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُحَابَاةَ لِوَارِثٍ أَوْ لِغَيْرِ وَارِثٍ تَجُوزُ إِذَا كَانَتْ يَسِيرَةً - أَيْ يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ - وَيَحْسَبُ مِنْ جَمِيعِ مَال
__________
(1) أسنى المطالب 3 / 39.
(2) المغني 6 / 71، 92، 93.

الْمَرِيضِ كَبَيْعِهِ بِثَمَنِ الْمِثْل (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَبْطُل الْمُحَابَاةُ وَيَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ مِنَ الْمَبِيعِ، وَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ فِيمَا عَدَا قَدْرَ الْمُحَابَاةِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ بَذَل الثَّمَنَ فِي كُل الْمَبِيعِ فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي بَعْضِهِ.
الثَّانِي: يَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَيَصِحُّ فِيمَا يُقَابِل الثَّمَنَ الْمُسَمَّى بَيْنَهُمَا، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ مَا يُقَابِل الثَّمَنَ، لأَِنَّ الصَّفْقَةَ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلاَ يَنْفُذُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ صَحِيحَةٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَتَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فَكَذَلِكَ الْمُحَابَاةُ، فَإِنْ أَجَازُوا الْمُحَابَاةَ صَحَّ الْبَيْعُ وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي (2) .
وَإِنْ لَمْ يُجِزْ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ الْمُحَابَاةَ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يُخَيَّرُ الْوَارِثُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ بِإِكْمَال الثَّمَنِ (3) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ، وَيَصِحُّ فِيمَا بَقِيَ، وَلِلْمُشْتَرِي
__________
(1) المراجع السابقة، والمهذب 1 / 453.
(2) المغني 5 / 319، 320، وكشاف القناع 2 / 492.
(3) جامع الفصولين 2 / 245 - 246، والزيلعي 5 / 214.

الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ مَا بَقِيَ بَعْدَ قَدْرِ الْمُحَابَاةِ (1) .
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ مَنْقُولَةٍ كُلُّهَا عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ:
نَقَل أَبُو الْحَسَنِ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْطُل الْبَيْعُ وَالْمُحَابَاةُ، وَيَرُدُّ لَهُ مَا دَفَعَ مِنَ الثَّمَنِ، وَنَقَل ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ أَنَّهُ تَبْطُل الْمُحَابَاةُ فَقَطْ، وَيَكُونُ لِلْوَارِثِ مِنَ الْمَبِيعِ بِقَدْرِ مَا دَفَعَ مِنَ الثَّمَنِ.
وَنُقِل عَنْهُ فِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ أَنَّ لِلْوَارِثِ أَنْ يُكْمِل الثَّمَنَ، وَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْمَبِيعِ جَبْرًا عَلَى الْوَرَثَةِ.
وَرَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنَ الْمُشْتَرِي (الْوَارِثِ) بَقِيَّةَ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمُحَابَاةُ وَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْمَبِيعِ، قَال صَاحِبُ الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ: وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَمِيعُ الْمَبِيعِ جَبْرًا عَلَيْهِ.
وَالْعِبْرَةُ فِي قِيمَةِ الْمُحَابَاةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَوْمُ فِعْلِهَا، فَيُنْظَرُ إِلَى قِيمَةِ الْمَبِيعِ يَوْمَ الْبَيْعِ لاَ يَوْمَ يَمُوتُ الْبَائِعُ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ لِوَارِثٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثٍ. وَدَلِيل ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ الْمَبِيعَ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ، فَيَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِي قِيمَتِهِ يَوْمَ الْبَيْعِ، فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ أَوْ نَقَصَتْ فَإِنَّمَا طَرَأَ
__________
(1) أسنى المطالب 3 / 39، والمغني 5 / 319، وكشاف القناع 2 / 492.

ذَلِكَ عَلَى مِلْكِهِ فَيَكُونُ لَغْوًا لاَ اعْتِبَارَ لَهُ وَلاَ يَعْتَدُّ بِهِ (1) .

د - الْمُحَابَاةُ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ
5 - الْمُحَابَاةُ كَمَا تَكُونُ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ تَكُونُ فِي عَيْنِهِ حَتَّى لَوْ تَمَّ بَيْعُهُ بِمِثْل الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَخْتَارَ الْبَائِعُ الْمَرِيضُ أَفَضْل مَا عِنْدَهُ مِنْ عَقَارٍ أَوْ مَنْقُولٍ، كَتُحْفَةٍ نَادِرَةٍ، فَيَبِيعُهُ لِوَارِثِهِ بِمِثْل الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ. وَهَذِهِ لاَ تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ، لأَِنَّ الْمَرِيضَ مَمْنُوعٌ مِنْ إِيثَارِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِالْعَيْنِ، لأَِنَّ النَّاسَ لَهُمْ أَغْرَاضٌ فِي الْعَيْنِ فَلاَ يَمْلِكُ إِيثَارَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِهَا. وَتَجُوزُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا، أَوْ مَرِيضًا وَبَاعَهَا لأَِجْنَبِيٍّ (2) .

هـ - مُحَابَاةُ الصَّبِيِّ
6 - الْمُحَابَاةُ سَوَاءٌ كَانَتْ يَسِيرَةً أَمْ فَاحِشَةً لاَ تَجُوزُ مِنَ الصَّبِيِّ حَتَّى وَلَوْ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فِي التِّجَارَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ تَصَرُّفَاتِ الصَّبِيِّ لاَ بُدَّ أَنْ تَتَحَقَّقَ فِيهَا مَصْلَحَتُهُ عِنْدَهُمْ، وَالْمُحَابَاةُ لاَ يَتَحَقَّقُ فِيهَا ذَلِكَ (3) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ لَهُ - أَيْ
__________
(1) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني 5 / 351.
(2) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني 5 / 351 - 356.
(3) حاشية الدسوقي والشرح الكبير 3 / 295، وكشاف القناع 2 / 229.

أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ - فِي التِّجَارَةِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ بِاتِّفَاقِ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الضَّرُورِيَّةِ لِلتِّجَارَةِ، وَلاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ - عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ أَيْضًا، لأَِنَّهُ هُوَ الآْخَرُ لاَزِمٌ فِي التِّجَارَةِ، فَيَدْخُل تَحْتَ الإِْذْنِ لَهُ بِالتِّجَارَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: لاَ يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ ذَلِكَ، لأَِنَّ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ فِي مَعْنَى التَّبَرُّعِ، وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّبَرُّعُ (1) .
هَذَا مَا إِذَا بَاعَ الصَّبِيُّ لأَِجْنَبِيٍّ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ، فَإِنْ بَاعَ لأَِبِيهِ شَيْئًا أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: الْجِوَازُ وَعَدَمُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَإِنْ بَاعَ الصَّبِيُّ لِلْوَصِيِّ عَلَيْهِ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَفْعٌ ظَاهِرٌ لِلصَّبِيِّ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِدُونِ خِلاَفٍ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا نَفْعٌ ظَاهِرٌ لِلصَّبِيِّ وَمَعَ ذَلِكَ فِيهِمَا مُحَابَاةٌ فَاحِشَةٌ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْعٍ ظَاهِرٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لاَ يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُحَابَاةٍ فَاحِشَةٍ (2) .
__________
(1) جامع أحكام الصغار بهامش جامع الفصولين 1 / 205، والبدائع 7 / 194.
(2) جامع أحكام الصغار بهامش جامع الفصولين 1 / 297، والبدائع 7 / 195.

و - مُحَابَاةُ النَّائِبِ عَنِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ
7 - لاَ يَمْلِكُ وَلِيُّ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ وَلاَ وَصِيُّهُ الْمُحَابَاةَ فِي مَالِهِمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُحَابَاةً يَسِيرَةً أَوْ مُحَابَاةً فَاحِشَةً، لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ تَصَرُّفٌ لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَهُوَ أَمْرٌ لاَزِمٌ عَلَى مَنْ يَتَصَرَّفُ لِلصَّغِيرِ.
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَجَازُوا لِلأَْبِ فَقَطْ بَيْعَ مَال وَلَدِهِ الصَّغِيرِ بِمُحَابَاةٍ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، بِسَبَبٍ يُوجِبُ الْبَيْعَ أَوْ بِدُونِ سَبَبٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ بَيْعَهُ هَذَا يُحْمَل عَلَى الصَّوَابِ وَالْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَفُوقُ الْمُحَابَاةَ (1) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ عَقْدُهُ فِي مَال الصَّغِيرِ بِالْمُحَابَاةِ الْيَسِيرَةِ، وَلاَ تَجُوزُ بِالْمُحَابَاةِ الْفَاحِشَةِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ الْعَقْدُ مَعَهَا عَلَى الإِْجَازَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ، لأَِنَّهُ عَقْدٌ لاَ مُجِيزَ لَهُ أَثَنَاءَ التَّعَاقُدِ وَيَكُونُ الْعَقْدُ فِي حَال الشِّرَاءِ بِمُحَابَاةٍ فَاحِشَةٍ نَافِذًا عَلَى الْعَاقِدِ النَّائِبِ لاَ عَلَى الصَّغِيرِ (2) .
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الأَْبَ إِذَا بَاعَ عَقَارَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِمُحَابَاةٍ يَسِيرَةٍ يَجُوزُ الْبَيْعُ إِذَا كَانَ الأَْبُ مَحْمُودَ السِّيرَةِ مَسْتُورَ الْحَال.
__________
(1) شرح الخرشي على مختصر خليل 5 / 313، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 300 - 301، والمهذب 1 / 328، وكشاف القناع 2 / 223، 241.
(2) جامع الفصولين 2 / 15.

أَمَّا إِنْ كَانَ مُفْسِدًا فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِضِعْفِ الْقِيمَةِ.
وَالْوَصِيُّ فِي بَيْعِ عَقَارِ الصَّغِيرِ كَالأَْبِ الْمُفْسِدِ، وَالْقَاضِي كَالْوَصِيِّ.
وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى لِلْحَنَفِيَّةِ: إِذَا اشْتَرَى الْوَصِيُّ مَال الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ يَجُوزُ إِذَا كَانَ خَيْرًا لِلصَّغِيرِ، وَمَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ: أَنْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَصَاعِدًا، أَوْ يَبِيعَ لَهُ مِنْ مَال نَفْسِهِ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ بِعَشَرَةِ فَقَطْ دُونَ أَيِّ زِيَادَةٍ، وَبِهِ يُفْتَى (1) .
وَجَاءَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْوَصِيَّ إِذَا بَاعَ مَال الصَّغِيرِ بِمُحَابَاةٍ يَسِيرَةٍ لِمَنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ - كَابْنِهِ وَأَبِيهِ وَزَوْجَتِهِ - لاَ يَجُوزُ (2) .

ز - مُحَابَاةُ الْوَكِيل
8 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْوَكِيل بَيْعًا وَشِرَاءً بِغَبْنٍ يَسِيرٍ أَيْ بِمَا يُتَغَابَنُ بِهِ فِي الْعُرْفِ، كَشِرَاءِ مَا يُسَاوِي تِسْعَةً بِعَشَرَةٍ، أَوْ بَيْعِ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِتِسْعَةٍ، إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُوَكِّل قَدْ قَدَّرَ قِيمَةَ الْمُثَمَّنِ لِلْوَكِيل، وَيَخْتَلِفُ الْعُرْفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْعْيَانِ مِنَ الأَْمْوَال فَلاَ تُعْتَبَرُ النِّسْبَةُ فِي الْمِثَال الْمَذْكُورِ، لأَِنَّهُ لاَ
__________
(1) آداب الأوصياء بهامش جامع الفصولين 1 / 190 - 191.
(2) جامع الفصولين 2 / 31.

يُمْكِنُ التَّوَقِّي وَالتَّحَرُّزُ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّعَامُل عَلَى الْجُمْلَةِ.
أَمَّا الْغَبْنُ الْفَاحِشُ، مِثْل أَنْ يَبِيعَ الْوَكِيل مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةٍ مَثَلاً فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَنْفُذُ الْبَيْعُ وَيَغْرَمُ الْوَكِيل لِمُوَكِّلِهِ مَا حَابَى بِهِ، وَقِيل: يُخَيَّرُ الْمُوَكِّل فِي فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِجَازَتِهِ إِلاَّ إِذَا نَقَصَ الْمَبِيعُ فِي ثَمَنِهِ أَوْ بَدَنِهِ، فَيَلْزَمُ الْوَكِيل حِينَئِذٍ الأَْكْثَرُ مِنَ الثَّمَنِ أَوِ الْقِيمَةِ (1) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ فَقَطْ يَصِحُّ شِرَاؤُهُ لِمُوَكِّلِهِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ وَلاَ يَصِحُّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بِدُونِ خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ.
وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ فَقَطْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يَصِحُّ بَيْعُ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ لِمُوَكِّلِهِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، وَالْفَرْقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ احْتِمَال التُّهْمَةِ فِي الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ، لِجَوَازِ أَنَّ الْوَكِيل اشْتَرَى لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا ظَهَرَتِ الزِّيَادَةُ الْفَاحِشَةُ فِي الثَّمَنِ جُعِل الشِّرَاءُ لِمُوَكِّلِهِ (2) .
وَنَقَل الأَْتْقَانِيُّ عَنْ خُوَاهِرْ زَادَهْ: أَنَّ جَوَازَ عَقْدِ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ يَكُونُ فِي سِلْعَةٍ يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى مُسَاوَمَةٍ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ،
__________
(1) شرح الخرشي 6 / 90، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 391، والمهذب 1 / 354، وأسنى المطالب 2 / 268، وكشاف القناع 2 / 239 - 240.
(2) جامع الفصولين 2 / 30، والبدائع 7 / 194.

وَلَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ مَعْرُوفٌ وَمُحَدَّدٌ بَيْنَ النَّاسِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ سِعْرُهَا مَعْلُومًا أَوْ مُحَدَّدًا كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا إِذَا زَادَ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ عَلَى ذَلِكَ السِّعْرِ لاَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل، سَوَاءٌ قَلَّتِ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ، لأَِنَّ هَذَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى رَأْيٍ أَوْ تَقْوِيمٍ، لِلْعِلْمِ بِهِ، قَال فِي بُيُوعِ التَّتِمَّةِ: وَبِهِ يُفْتَى (1) .
وَالْوَكِيل بِالْبَيْعِ إِذَا بَاعَ لِمَنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ أَوْ يَسِيرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: يَجُوزُ بَيْعُهُ لَهُمْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لاَ فَاحِشٍ.
وَإِنْ صَرَّحَ الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل بِالْبَيْعِ لِمَنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ، وَأَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفَ مَعَ مَنْ يَشَاءُ جَازَ بَيْعُهُ لَهُمْ بِدُونِ خِلاَفٍ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى وَإِنْ صَرَّحَ الْمُوَكِّل لَهُ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ إِذَا اشْتَرَى مِنْهُمْ (2) .

ثَانِيًا: الْفَسْخُ لِلْمُحَابَاةِ:
9 - جَاءَ فِي الْبَدَائِعِ: الْبَيْعُ بِالْمُحَابَاةِ تَصَرُّفٌ
__________
(1) الزيلعي 4 / 272، وحاشية سعدي على العناية والهداية " تكملة فتح القدير " 6 / 75.
(2) الفتاوى الهندية 3 / 589.

يَحْتَمِل الْفَسْخَ فِي نَفْسِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَيُفْسَخُ بِخِيَارِ الْعَيْبِ وَالرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ وَالإِْقَالَةِ - إِذْ هِيَ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - فَكَانَتِ الْمُحَابَاةُ مُحْتَمِلَةً لِلْفَسْخِ فِي الْجُمْلَةِ (1) .

ثَالِثًا: الْمُحَابَاةُ فِي الإِْجَارَةِ
10 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ الْمُحَابَاةَ فِي إِجَارَةِ الْمَرِيضِ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَلاَ تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ. قَال الشُّرُنْبُلاَلِيُّ: مَرِيضٌ أَجَّرَ دَارَهُ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل قَالُوا: جَازَتِ الإِْجَارَةُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَلاَ تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّهُ لَوْ أَعَارَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ جَازَتْ، وَالإِْجَارَةُ بِأَقَل مِنْ أَجْرِ الْمِثْل أَوْلَى (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَجَّرَ مَرِيضٌ مِلْكَهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْل فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ مُعْتَبَرٌ مِنَ الثُّلُثِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَجَّرَهُ فِي الصِّحَّةِ فَلاَ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ مِنَ الثُّلُثِ بَل مِنْ رَأْسِ الْمَال (3) .

رَابِعًا: الْمُحَابَاةُ فِي الشُّفْعَةِ
11 - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ إِذَا بَاعَ دَارًا لَهُ مَثَلاً وَحَابَى الْمُشْتَرِيَ: بِأَنْ بَاعَهَا بِأَلْفَيْنِ وَقِيمَتُهَا ثَلاَثَةُ آلاَفٍ فَفِيهَا. التَّفْصِيل الآْتِي:
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 373.
(2) حاشية ابن عابدين 6 / 679 - 680.
(3) أسنى المطالب 3 / 40.

إِنْ بَاعَهَا لِوَارِثٍ مِنْ وَرَثَتِهِ وَشَفِيعُهَا غَيْرُ وَارِثٍ فَلاَ شَكَّ أَنَّهُ لاَ شُفْعَةَ أَصْلاً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّ بَيْعَهَا لِلْوَارِثِ بِدُونِ مُحَابَاةٍ فَاسِدٌ عِنْدَهُ، فَبَيْعُهَا بِالْمُحَابَاةِ أَوْلَى، وَلاَ شُفْعَةَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: الْبَيْعُ جَائِزٌ، لَكِنْ يَدْفَعُ الْمُشْتَرِي قَدْرَ الْمُحَابَاةِ، فَتَجِبُ الشُّفْعَةُ، قَال صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ: الأَْصَحُّ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَإِنْ بَاعَهَا لِغَيْرِ وَارِثٍ، فَكَذَلِكَ لاَ شُفْعَةَ لِلْوَارِثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الدَّارَ بِنَفْسِ الصَّفْقَةِ مَعَ غَيْرِ الْوُرَّاثِ بَعْدَ تَحَوُّلِهَا إِلَيْهِ، أَوْ بِصَفْقَةٍ مُبْتَدَأَةٍ مُقَدَّرَةٍ بَيْنَهُمَا، فَكَانَ ذَلِكَ بَيْعًا لِلْوَارِثِ بِالْمُحَابَاةِ، وَسَوَاءٌ أَجَازَتِ الْوَرَثَةُ الشُّفْعَةَ أَوْ لَمْ يُجِيزُوا، لأَِنَّ الإِْجَارَةَ مَحَلُّهَا الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ، وَالشِّرَاءُ وَقَعَ نَافِذًا مِنَ الْمُشْتَرِي، لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ - قَدْرُ الثُّلُثِ، وَهِيَ نَافِذَةٌ فِي الأَْلْفَيْنِ مِنَ الثَّلاَثَةِ لِلأَْجْنَبِيِّ - غَيْرِ الْوَارِثِ فَانْتَفَتْ إِجَازَةُ الْوَرَثَةِ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي، فَتَنْتِفِي فِي حَقِّ الشَّفِيعِ أَيْضًا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لاَ شُفْعَةَ لَهُ، وَالثَّانِيَةُ: لَهُ الشُّفْعَةُ (1) .
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 14، والفتاوى الهندية 5 / 196.

وَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ أَجْنَبِيًّا: غَيْرَ وَارِثٍ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ بِأَلْفَيْنِ.
وَإِذَا بَرِئَ الْمَرِيضُ مِنْ مَرَضِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ بِالْمُحَابَاةِ وَالشَّفِيعُ وَارِثُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِالْبَيْعِ إِلَى وَقْتِ الْبُرْءِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ، لأَِنَّ الْمَرَضَ إِذَا زَال وَشُفِيَ مِنْهُ الْمَرِيضُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَالَةِ الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ قَدْ عَلِمَ بِالْبَيْعِ وَلَمْ يُطْلِبِ الشُّفْعَةَ حَتَّى بَرَأَ الْمَرِيضُ مِنْ مَرَضِهِ فَلاَ شُفْعَةَ لَهُ.
وَإِذَا اشْتَرَى الْمَرِيضُ دَارًا وَحَابَى الْبَائِعَ بِأَنِ اشْتَرَاهَا بِأَلْفَيْنِ وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ، وَلَهُ سِوَى ذَلِكَ أَلْفٌ أُخْرَى، ثُمَّ مَاتَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَلِلشَّفِيعِ فِيهَا الشُّفْعَةُ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا حَابَّاهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ فِي حَقِّ الأَْجْنَبِيِّ، فَيَجِبُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا الشُّفْعَةُ (1) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الرُّهُونِيِّ عَلَى شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ (2) أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ سُئِل عَنِ الرَّجُل يَكُونُ لَهُ جُزْءٌ فِي دَارٍ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، قِيمَتُهُ ثَلاَثُونَ دِينَارًا، فَيَبِيعُهُ لِرَجُلٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَهُوَ مَرِيضٌ؟ قَال: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، إِذَا مَاتَ الْبَائِعُ وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ الْمُحَابَاةَ يُقَال لِلْمُشْتَرِي: زِدِ الثَّمَنَ عَشَرَةً أُخْرَى وَخُذِ الدَّارَ، وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ مُعَارَضَةُ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَل الْمُشْتَرِي ذَلِكَ فَلِلشَّفِيعِ - إِنْ كَانَ - أَنْ يَأْخُذَ
__________
(1) الفتاوى الهندية 5 / 196.
(2)
5 / 349.

الدَّارَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، وَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَزِيدَ عَشَرَةً وَأَبَتِ الْوَرَثَةُ تَسْلِيمَهُ الدَّارَ كَمَا أَوْصَى الْمَيِّتُ قِيل لِلْوَرَثَةِ: أَعْطُوهُ ثُلُثَ الْجُزْءِ الْمُبَاعِ لَهُ بِدُونِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ بَاعَ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ جُزْءًا مِنْ عَقَارٍ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ بِأَلْفٍ، وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ، بَطَل الْبَيْعُ فِي نِصْفِهِ، لأَِنَّهُ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ.
فَإِنِ اخْتَارَ الشَّفِيعُ - وَارِثًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا - أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ بِالأَْلْفِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، لأَِنَّ الشَّفِيعَ أَخَذَهُ بِأَلْفٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ الشَّفِيعُ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ بَاعَ لأَِجْنَبِيٍّ وَحَابَاهُ وَالشَّفِيعُ وَارِثٌ، وَاحْتَمَل الثُّلُثُ الْمُحَابَاةَ فَفِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِي نِصْفِ الشِّقْصِ بِالأَْلْفِ، وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَبْقَى النِّصْفُ لِلْمُشْتَرِي بِلاَ ثَمَنٍ، لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ لِلْمُشْتَرِي تَصِحُّ، لأَِنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، وَلاَ تَصِحُّ لِلشَّفِيعِ لأَِنَّهُ وَارِثٌ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ وَهَبَ لِلْمُشْتَرِي النِّصْفَ وَبَاعَ لَهُ النِّصْفَ بِثَمَنِ الْمِثْل، وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ النِّصْفَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَيَبْقَى النِّصْفُ لِلْمُشْتَرِي بِدُونِ ثَمَنٍ.
الثَّانِي: يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِهِ بِالأَْلْفِ

وَيَدْفَعُ إِلَى الشَّفِيعِ الْوَارِثِ بِدُونِ مُحَابَاةٍ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي.
الثَّالِثُ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ، لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ تَعَلَّقَتْ بِالْكُل، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ تُجْعَل فِي نِصْفِهِ.
الرَّابِعُ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ، لأَِنَّ إِثْبَاتَ الشُّفْعَةِ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَال الْمَبِيعِ، وَإِذَا بَطَل الْبَيْعُ سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
الْخَامِسُ: - وَهُوَ الصَّحِيحُ - يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ بِالأَْلْفِ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْجَمِيعَ بِالأَْلْفِ، لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ وَقَعَتْ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ، وَالْمُشْتَرِي أَجْنَبِيٌّ، فَصَحَّتِ الْمُحَابَاةُ لَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةً عَلَى مُحَابَاةِ الْوَارِثِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّ الْوَسَائِل لَهَا حُكْمُ الْغَايَاتِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ الشِّقْصِ - النَّصِيبِ - وَالْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ أَجْنَبِيَّانِ - غَيْرُ وَارِثَيْنِ - وَلَمْ يُجِزِ الْوَارِثُ الْبَيْعَ صَحَّ الْبَيْعُ فِي ثُلُثَيِ الشِّقْصِ فَقَطْ بِثُلُثَيِ الثَّمَنِ فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ.
أَمَّا إِذَا مَلَكَ الْبَائِعُ الْمَرِيضُ غَيْرَ هَذَا الشِّقْصِ - السَّهْمِ وَالنَّصِيبِ - وَاحْتَمَل الثُّلُثُ الْمُحَابَاةَ، وَأَجَازَ الْوَرَثَةُ الْبَيْعَ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ، وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِكُل الثَّمَنِ (1) .
__________
(1) المهذب 1 / 379، وأسنى المطالب 2 / 367 - 368.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ بَيْعَ الْمَرِيضِ بِالْمُحَابَاةِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِوَارِثٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ لِوَارِثٍ بَطَلَتِ الْمُحَابَاةُ لأَِنَّهَا فِي الْمَرَضِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ، وَالْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ لاَ تَجُوزُ، وَيَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ مِنَ الْمَبِيعِ، وَهَل يَصِحُّ فِيمَا عَدَاهُ؟ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: لاَ يَصِحُّ لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ بَذَل الثَّمَنَ فِي كُل الْمَبِيعِ فَلَمْ يَصِحَّ فِي بَيْعِهِ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةِ، فَقَال: قَبِلْتُ الْبَيْعَ فِي نِصْفِهِ، أَوْ قَال: قَبِلْتُهُ بِخَمْسَةٍ، أَوْ قَال: قَبِلْتُ نِصْفَهُ بِخَمْسَةٍ، وَلأَِنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُ الْبَيْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تُوَاجَبَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَصِحَّ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَيَصِحُّ فِيمَا يُقَابِل الثَّمَنَ الْمُسَمَّى، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الأَْخْذِ وَالْفَسْخِ لأَِنَّ الصِّفَةَ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ، وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ مَا صَحَّ الْبَيْعُ فِيهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ لأَِنَّ الْبُطْلاَنَ إِنَّمَا جَاءَ مِنَ الْمُحَابَاةِ فَاخْتَصَّ بِمَا يُقَابِلُهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْجَمِيعِ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ صَحِيحَةٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَتَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَكَذَلِكَ الْمُحَابَاةُ لَهُ، فَإِنْ أَجَازُوا الْمُحَابَاةَ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، وَيَمْلِكُ الشَّفِيعُ الأَْخْذَ بِهِ لأَِنَّهُ يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ رَدُّوا

بَطَل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَصَحَّ فِيمَا بَقِيَ، وَلاَ يَمْلِكُ الشَّفِيعُ الأَْخْذَ قَبْل إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَرَدِّهِمْ، لأَِنَّ حَقَّهُمْ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَبِيعِ فَلَمْ يَمْلِكْ إِبْطَالَهُ، وَلَهُ أَخْذُ مَا صَحَّ الْبَيْعُ فِيهِ. وَإِنِ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا وَاخْتَارَ الشَّفِيعُ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ قُدِّمَ الشَّفِيعُ، لأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَجَرَى مَجْرَى الْمَعِيبِ إِذَا رَضِيَهُ الشَّفِيعُ بِعَيْبِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا وَالشَّفْيِعُ أَجْنَبِيٌّ: فَإِنْ لَمْ تَزِدِ الْمُحَابَاةُ عَلَى الثُّلُثِ صَحَّ الْبَيْعُ، وَلِلشَّفِيعِ الأَْخْذُ بِهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ حَصَل بِهِ فَلاَ يَمْنَعُ مِنْهَا كَوْنُ الْمَبِيعِ مُسْتَرْخَصًا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ أَصْل الْمُحَابَاةِ فِي حَقِّ الْوَارِثِ وَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ وَارِثًا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ وَقَعَتْ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا تَمَكُّنُ الْوَارِثِ مِنْ أَخْذِهَا.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلاَ تَجِبُ الشُّفْعَةُ (1) .

الْمُحَابَاةُ فِي التَّبَرُّعَاتِ الْمَالِيَّةِ
أَوَّلاً: الْمُحَابَاةُ فِي الْوَصِيَّةِ
12 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى
__________
(1) المغني 5 / 319 - 320.

أَنَّ الْمُحَابَاةَ لاَ تُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْوَصَايَا (1) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: تُقَدَّمُ الْمُحَابَاةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ عَلَى سَائِرِ الْوَصَايَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْوَصَايَا لِلْعِبَادِ أَوْ بِالطَّاعَاتِ وَالْقُرَبِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فَيَبْدَأُ بِالْمُحَابَاةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحَابِي قَبْل كُل وَصِيَّةٍ، ثُمَّ يَتَقَاسَمُ أَهْل الْوَصَايَا فِيمَا يَبْقَى مِنْ ثُلُثِ تَرِكَةِ الْمُحَابِي، وَيَكُونُ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ تُسْتَحَقُّ بِعَقْدِ ضَمَانٍ وَهُوَ الْبَيْعُ، إِذْ هُوَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَكُونُ الْمَبِيعُ فِيهِ مَضْمُونًا بِالثَّمَنِ، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَتَبَرُّعٌ، فَكَانَتِ الْمُحَابَاةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِعَقْدٍ أَقْوَى فَكَانَتْ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ.
وَلأَِنَّ تَقْدِيمَ بَعْضِ الْوَصَايَا الَّتِي لِلْعِبَادِ عَلَى الْبَعْضِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ الْمُرَجِّحِ وَلَمْ يُوجَدْ، لأَِنَّ الْوَصَايَا كُلَّهَا اسْتَوَتْ فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، لأَِنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْل سَبَبِ صَاحِبِهِ، وَالاِسْتِوَاءُ فِي السَّبَبِ يُوجِبُ الاِسْتِوَاءَ فِي الْحُكْمِ (2) .
وَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَتَاعٍ مُعَيَّنٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُعَيَّنٍ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ وَالْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ عَلَى السَّوِيَّةِ، إِذْ لاَ مُرَجِّحَ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكُ
__________
(1) الحطاب 6 / 378، 380، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي 4 / 392، والمهذب 1 / 453، 454، والمغني 6 / 73.
(2) البدائع 7 / 381، 373.

الْعَيْنِ صُورَةً وَمَعْنًى حَتَّى لَوْ قَال الشَّخْصُ: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ بِمِائَةٍ، وَلِفُلاَنٍ بِثُلُثِ مَالِي فَالْوَصِيَّةُ بِالْمِائَةِ الْمُرْسَلَةِ تُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْمَال.
جَاءَ هَذَا فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ، قَال صَاحِبُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: مَعَ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَرَجَّحَ الْمُحَابَاةُ لأَِنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ بِخِلاَفِ الْوَصِيَّةِ وَلَوْ بِمُعَيَّنٍ (1) .

ثَانِيًا: الْمُحَابَاةُ فِي الْهِبَةِ
تَنَاوَل كَلاَمُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ أَمْرَيْنِ:

الأَْمْرُ الأَْوَّل: مُحَابَاةُ وَتَفْضِيل الْوَالِدِ بَعْضَ أَوْلاَدِهِ بِهِبَتِهِ
13 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْنْسَانَ مُطَالَبٌ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ أَوْلاَدِهِ فِي الْهِبَةِ بِدُونِ مُحَابَاةٍ وَتَفْضِيلٍ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: إِنِّي نَحَلْتُ - أَيْ أَعْطَيْتُ بِغَيْرِ عِوَضٍ - ابْنِي هَذَا غُلاَمًا كَانَ لِي، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكُل وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْل هَذَا؟ فَقَال: لاَ فَقَال: فَأَرْجِعْهُ وَفِي رِوَايَةٍ: فَلاَ تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ وَفِي ثَالِثَةٍ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ (2)
__________
(1) جامع الفصولين 2 / 260.
(2) حديث النعمان بن بشير: " أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . . ". أخرجه الرواية الأولى والثانية مسلم (3 / 1242، 1243) ، وأخرج الرواية الثالثة البخاري (فتح الباري 5 / 211) ومسلم (3 / 1243) .

وَلأَِنَّ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ تَأْلِيفَ قُلُوبِهِمْ، وَالتَّفْضِيل يَزْرَعُ الْكَرَاهِيَةَ وَالنُّفُورَ بَيْنَهُمْ فَكَانَتِ التَّسْوِيَةُ أَوْلَى.
وَلاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ التَّفْضِيل - فِي الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ - إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ حَاجَةٌ تَدْعُو إِلَيْهِ مِثْل اخْتِصَاصِ أَحَدِ أَوْلاَدِهِ بِمَرَضٍ أَوْ حَاجَةٍ أَوْ كَثْرَةِ عَائِلَتِهِ أَوِ اشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْفَضَائِل.
أَوِ اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمْ بِمَا يَقْتَضِي مَنْعَ الْهِبَةِ عَنْهُ لِفِسْقِهِ أَوْ يَسْتَعِينُ بِمَا يَأْخُذُهُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ أَوْ يُنْفِقُهُ فِيهَا، فَيَمْنَعُ عَنْهُ الْهِبَةَ وَيُعْطِيهَا لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا.
وَيُكْرَهُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَابِلَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ حَاجَةٌ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ التَّفْضِيل حِينَئِذٍ وَتَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ - إِنْ فَعَل - إِمَّا بِرَدِّ مَا فَضَّل بِهِ الْبَعْضَ، وَإِمَّا بِإِتْمَامِ نَصِيبِ الآْخَرِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ، وَيَجُوزُ التَّفْضِيل قَضَاءً، لأَِنَّ الْوَالِدَ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ، لاَ حَقَّ لأَِحَدٍ فِيهِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَكُونُ آثِمًا فِيمَا صَنَعَ بِدُونِ دَاعٍ لَهُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل وَالإِْحْسَانِ} (1) .
__________
(1) سورة النحل / 90.

وَلُزُومُ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَمْرَيْنِ:
أ - أَنْ يَهَبَ كُل مَالِهِ أَوْ أَكْثَرَهُ.
ب - أَلاَّ يُطَالِبَ أَوْلاَدُهُ الآْخَرُونَ بِمَنْعِهِ كُل ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ تَعُودَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ افْتِقَارِهِ، فَلَهُمْ رَدُّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ وَإِبْطَالَهُ، وَأَمَّا إِذَا وَهَبَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ فَذَلِكَ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ.
وَكَيْفِيَّةُ التَّسْوِيَةِ الْمَطْلُوبَةِ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - أَنْ يُعْطِيَ الأُْنْثَى مِثْل مَا يُعْطِي الذَّكَرَ تَمَامًا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: التَّسْوِيَةُ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَ أَوْلاَدِهِ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، فَيُجْعَل لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، لأَِنَّ ذَلِكَ نَصِيبُهُ مِنَ الْمَال لَوْ مَاتَ عَنْهُ الْوَاهِبُ (1) .

الأَْمْرُ الثَّانِي: الْمُحَابَاةُ فِي الْهِبَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
14 - جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ لِلْحَنَفِيَّةِ: لَوْ وَهَبَ مَرِيضٌ شَيْئًا قِيمَتُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ لِرَجُلٍ صَحِيحٍ عَلَى أَنْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَتَقَابَضَا، ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَلاَ مَال لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي وَهَبَهُ، وَرَفَضَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا مَا صَنَعَ الْوَاهِبُ، كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْخِيَارُ: إِنْ شَاءَ فَسَخَ الْهِبَةَ
__________
(1) البدائع 6 / 127، والفتاوى الهندية 4 / 391، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن 2 / 228 - 229، وأسنى المطالب 2 / 483، والمغني 5 / 664 - 667.

وَرَدَّ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ كُلَّهُ وَأَخَذَ عِوَضَهُ. وَإِنْ شَاءَ رَدَّ ثُلُثَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ إِلَى الْوَرَثَةِ وَسَلَّمَ لَهُ ثُلُثَيْهِ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْعِوَضِ شَيْئًا. وَإِنْ عَرَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْعِوَضِ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ مِنَ الْمُحَابَاةِ عَلَى الثُّلُثِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ (1) .
وَجَاءَ فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ لِلشَّافِعِيَّةِ: يُنْفِذُ الأَْوَّل فَالأَْوَّل مِنَ التَّبَرُّعَاتِ الْمُرَتَّبَةِ الْمُنْجَزَةِ كَالإِْبْرَاءِ وَالإِْعْتَاقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ حَتَّى يُتِمَّ الثُّلُثَ عِنْدَ ضِيقِهِ عَنْهَا، ثُمَّ يُبْقِي بَاقِيَ تَبَرُّعَاتِهِ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَلاَ أَثَرَ لَهِبَةٍ بِدُونِ مُحَابَاةٍ قَبْل الْقَبْضِ، فَلاَ تُقَدَّمُ عَلَى مَا تَأَخَّرَ عَنْهَا مِنْ نَحْوِ وَقْفٍ أَوْ مُحَابَاةٍ فِي بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ قَبْل قَبْضِ الْمَوْهُوبِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ، بِخِلاَفِ الْمُحَابَاةِ فِي بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ، لأَِنَّهَا فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ (2) .

ثَالِثًا: الْمُحَابَاةُ فِي الإِْعَارَةِ
15 - الإِْعَارَةُ مِنَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ تُعْتَبَرُ مِنَ الْمُحَابَاةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهَا تَبَرُّعٌ تَمْتَدُّ إِلَيْهِ أَطْمَاعُ الْوَرَثَةِ
فَلاَ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ إِعَارَةُ دَارِهِ مَثَلاً إِذَا كَانَتْ مَنَافِعُ الدَّارِ أَزْيَدَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ.
__________
(1) جامع الفصولين 4 / 401.
(2) 3 / 40 - 41، والمغني 6 / 72.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ إِعَارَةِ الدَّارِ وَلَوْ فِي مَرَضِ الْمُعِيرِ وَاسْتَرَدَّهَا اعْتُبِرَتِ الأُْجْرَةُ مِنَ الثُّلُثِ لِكَوْنِهَا تَبَرُّعًا بِمَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ أَطْمَاعُ الْوَرَثَةِ.
وَمِنَ الْمُحَابَاةِ أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْوَصِيَّةُ بِالإِْعَارَةِ، أَمَّا إِعَارَةُ الْمَرِيضِ نَفْسِهُ فَلَيْسَتْ مِنَ الْمُحَابَاةِ، لأَِنَّهَا امْتِنَاعٌ مِنَ التَّحْصِيل، وَلَيْسَتْ تَفْوِيتًا لِلْحَاصِل، وَلاَ مَطْمَعَ لِلْوَرَثَةِ فِي عَمَلِهِ (1) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِعَارَةُ الْمَرِيضِ لِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ إِعَارَةً مُنَجَّزَةً لاَ تُعْتَبَرُ مِنَ الْمُحَابَاةِ فَتَجُوزُ، وَتَكُونُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ (2) .
وَكَذَلِكَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالإِْعَارَةِ وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ الرُّجُوعُ (3) .
الْمُحَابَاةُ فِي الزَّوَاجِ
أَوَّلاً: الْمُحَابَاةُ فِي الْمَهْرِ
16 - الْمَرِيضَةُ مَرَضَ الْمَوْتِ إِذَا نَقَصَتْ مِنْ مَهْرِهَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (4) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ تَزَوَّجَتْ بِأَقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَمَاتَتْ وَوَرِثَهَا الزَّوْجُ، فَمَا نَقَصَ مِنَ
__________
(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 438، وأسنى المطالب 3 / 40، وكشاف القناع 2 / 492.
(2) حاشية ابن عابدين على الدر المختار 6 / 680.
(3) ابن عابدين 6 / 686.
(4) الفتاوى الهندية 1 / 313.

الْمَهْرِ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِوَرَثَةِ الزَّوْجَةِ طَلَبُ تَكْمِيل مَهْرِ الْمِثْل. وَإِنْ لَمْ يَرِثْهَا - بِأَنْ مَاتَ قَبْلَهَا أَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ - فَالنَّاقِصُ مِنْ مَهْرِ الْمِثْل لاَ يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِ تَرِكَةِ الزَّوْجِ، وَلاَ يَكْمُل مَهْرُ الْمِثْل (1) .
وَإِذَا وَهَبَتِ الْمَرِيضَةُ مَهْرَهَا لِزَوْجِهَا وَمَاتَتْ مِنْ مَرَضِهَا هَذَا لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (2) .
وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ مَرِيضَةً وَبَرَأَتْ مِنْ مَرَضِهَا بَعْدَ الْهِبَةِ فَإِنَّ هِبَتَهَا تَنْفُذُ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ، مَعَ تَفْصِيلٍ فِي كَوْنِ ذَلِكَ قَبْل الدُّخُول أَوْ بَعْدَ الدُّخُول وَغَيْرِهِ (3) .
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لِلْبَالِغَةِ الرَّشِيدَةِ الرِّضَا بِأَقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الْبِكْرَ الْمُهْمَلَةَ - وَهِيَ الَّتِي لاَ أَبَ لَهَا وَلاَ وَصِيَّ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ أَبِيهَا، وَلاَ نَائِبَ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، وَلاَ يُعْلَمُ كَوْنُهَا رَشِيدَةً أَمْ سَفِيهَةً - فَلاَ يَجُوزُ رِضَاهَا بِأَقَل مِنْ مَهْرِ الْمِثْل عِنْدَهُمْ، وَإِذَا رَضِيَتْ فَلاَ يَلْزَمُهَا ذَلِكَ الرِّضَا.
وَهَذَا قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
أَمَّا الأُْنْثَى الْمَعْلُومَةُ السَّفَهِ فَلَيْسَ لَهَا الرِّضَا بِأَقَل مِنْ مَهْرِ الْمِثْل، وَيُنْقَضُ
__________
(1) أسنى المطالب 3 / 39.
(2) الفتاوى الهندية 4 / 402.
(3) الفتاوى الهندية 4 / 402، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي 2 / 330، والخرشي 3 / 335، وأسنى المطالب 3 / 218 وكشاف القناع 3 / 86.

تَصَرُّفُهَا اتِّفَاقًا (1) .
وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ بِأَزْيَدَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْل ثُمَّ مَاتَ وَكَانَتِ الزَّوْجَةُ وَارِثَةً مِنَ الْوَرَثَةِ فَالزَّائِدُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْل - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ لاَ يَنْفُذُ إِلاَّ إِذَا أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ وَارِثَةٍ كَذِمِّيَّةِ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَالزَّائِدُ عَنْ مَهْرِ الْمِثْل يَكُونُ مِنْ ثُلُثِ تَرِكَةِ الْمَرِيضِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ (2) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَزَوَّجَ فِي صِحَّةٍ، ثُمَّ مَرِضَ فَفَرَضَ لِزَوْجَتِهِ مَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْل، ثُمَّ دَخَل بِهَا وَمَاتَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلزَّوْجَةِ حِينَئِذٍ مَهْرُ الْمِثْل مِنْ رَأْسِ مَال الْمَيِّتِ، وَيَبْطُل الزَّائِدُ، إِلاَّ أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ (3) .

ثَانِيًا: الْمُحَابَاةُ فِي الْخُلْعِ
17 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ خَالَعَتْ مَرِيضَةٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَالزَّائِدُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْل مُحَابَاةٌ تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، فَهِيَ كَالْوَصِيَّةِ لِلأَْجْنَبِيِّ لاَ لِلْوَارِثِ، لِخُرُوجِ الزَّوْجِ عَنِ الإِْرْثِ بِسَبَبِ الْخُلْعِ (4) .
__________
(1) الفتاوى الهندية 1 / 294، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 321، والخرشي 3 / 320.
(2) أسنى المطالب 3 / 39، والمغني 6 / 93.
(3) الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 321، وشرح الخرشي 3 / 320.
(4) أسنى المطالب 3 / 247.

لغة: مأخوذة من الحباء، وهو العطية، فهي من حبا يحبو حبوة- بفتح الحاء-، أي: أعطاه، والحباء: العطاء. كذا في «القاموس».
وشرعا: جاء في «دستور العلماء» : أن المحاباة هي النقصان عن قيمة المثل في الوصية والزيادة على القيمة في الشراء، فلا تقتصر على أنها هي البيع بأقل من القيمة وتأجيل المعجل أيضا محاباة، فهي كما يقع في المقدار يقع في التأخير والتأجيل.
وفي «المغني» لابن باطيش: المحاباة: إخراج ماله عن ملكه بأقل من عوضه.
وفي «التنبيه» : في البيع بغير همز، وهي: البيع بدون ثمن المثل.
«دستور العلماء 3/ 223، والمغني لابن باطيش ص 459، وتحرير التنبيه ص 264».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت