نتائج البحث عن (-سنة اثنتين وتسعين) 11 نتيجة

-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ التَّيْمِيُّ، وَخَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَطُوَيْسُ الْمُغَنِّي صَاحِبُ الأَلْحَانِ.
وَفِيهَا وَلِيَ قَضَاءَ مِصْرَ عِيَاضُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَاجِذٍ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي عُقَيْلٍ الثَّقَفِيُّ مَدِينَةَ أرمائيل صلحا ومدينة قيربون.
وَسَارَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى رُتْبِيلَ فَصَالَحَهُ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَافْتَتَحَ إِقْلِيمَ الأَنْدَلُسِ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ عَظِيمَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِبَرِّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، وَالْبَحْرِ الْكَبِيرِ مِنْ غَرْبِيِّهَا وَقَدْ خَرَجَ مِنْهُ بَحْرُ الرُّومِ مِنْ جَنُوبِيِّهَا، ثُمَّ دَارَ إِلَى شَرْقِيِّهَا، ثُمَّ اسْتَدَارَ إِلَى شَمَالِيِّهَا قَلِيلا، وَهِيَ جَزِيرَةٌ مُثَلَّثَةُ الشَّكْلِ، افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَهَا فِي رَمَضَانَ مِنْهَا عَلَى يَدِ طَارِقٍ أَمِيرِ طَنْجَةَ، مِنْ قِبَلِ مَوْلَاهُ أَمِيرِ الْمَغْرِبِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَطَنْجَةُ هِيَ أَقْصَى الْمَغْرِبِ، فَرَكِبَ طَارِقٌ الْبَحْرَ، وَعَدَّى مِنَ الزُّقَاقِ لِكَوْنِ الْفِرَنْجِ اقْتَتَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاشْتَغَلُوا، فانتهز الفرصة. -[1039]-
وَقِيلَ: بَلْ عَبَرَ بِمُكَاتَبَةِ صَاحِبِ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، فَدَخَلَ طَارِقٌ وَاسْتَظْهَرَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأَمْعَنَ فِي بِلادِ الأَنْدَلُسِ، وَافْتَتَحَ قُرْطُبَةَ، وَقَتَلَ مَلِكَهَا لُذَرِيقَ، وَكَتَبَ إِلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِالْفَتْحِ، فَحَسَدَهُ مُوسَى عَلَى الانْفِرَادِ بِهَذَا الْفَتْحِ الْعَظِيمِ، وَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُبَشِّرُهُ بِالْفَتْحِ وَيَنْسِبُهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَكَتَبَ إِلَى طَارِقٍ يَتَوَعَّدُهُ لِكَوْنِهِ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، وَسَارَ مُسْرِعًا بِجُيُوشِهِ، وَدَخَلَ الأَنْدَلُسَ وَمَعَهُ حَبِيبُ بن أبي عبيدة الفهري، فتلقها طَارِقٌ وَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا مَوْلاكَ، وَهَذَا الْفَتْحُ لَكَ.
وَأَقَامَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ غَازِيًا وَجَامِعًا لِلأَمْوَالِ نَحْوَ سَنَتَيْنِ، وَقَبَضَ عَلَى طَارِقٍ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَلَى الأَنْدَلُسِ وَلَدَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُوسَى، وَرَجَعَ بأموالٍ عَظِيمَةٍ، وَسَارَ بِتُحَفِ الْغَنَائِمِ إِلَى الْوَلِيدِ.
وَمِمَّا وَجَدَ بِطُلَيْطِلَةَ لَمَّا افْتَتَحَهَا: مَائِدَةُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَهِيَ مِنْ ذهبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالْجَوَاهِرِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى طَبَرِيَّةَ بَلَغَهُ مَوْتُ الْوَلِيدِ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سُلَيْمَانَ أَخَاهُ، فَقَدَّمَ لِسُلَيْمَانَ مَا مَعَهُ.
وَقِيلَ: بَلْ لَحِقَ الْوَلِيدَ وَقَدَّمَ مَا مَعَهُ إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَائِدَةَ كَانَتْ حِمْلَ جَمَلٍ.
وَتَتَابَعَ فَتْحُ مَدَائِنِ الأَنْدَلُسِ. وَفِي هَذَا الْحِينِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِلادَ التُّرْكِ وَغَيْرَهَا، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَكَانَ أَكْثَرَ جُنْدِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ الْبَرْبَرُ، وهم قوم موصفون بِالشَّهَامَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَفِيهِمْ صدقٌ وَوَفَاءٌ، وَلَهُمْ هممٌ عَالِيَةٌ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَبِهِمْ مَلِكُ الْبِلادِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيُّ، وَبَنُو عُبَيْدٍ، وَتاشَفِينُ، وَابْنُهُ يُوسُفَ، وَابْنُ تُومَرْتَ، وَعَبْدُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُلْكُ فِيهِمْ إِلَى الْيَوْمِ.
وَفِيهَا تَوَجَّهَ طائفةٌ مِنْ عَسْكَرِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ فِي الْبَحْرِ إِلَى جَزِيرَةِ سَرْدَانِيَةَ، فَأَخَذُوهَا وَغَنِمُوا، وَلَكِنَّهُمْ غَلُّوا فَلَمَّا عَادُوا سَمِعُوا قَائِلا يَقُولُ: اللَّهُمَّ غَرِّقْ بِهِمْ، فَغَرِقُوا عَنْ آخِرِهِمْ، ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْفِرَنْجُ.
وقد غزاها مجاهد العامري سنة ست وأربع مائة، ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا الْفِرَنْجُ فِي الْعَامِ كَمَا -[1040]- سَيَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الْعَوْنُ.
-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وتسعين
تُوُفِّيَ فِيهَا: صَعْصَعَةُ بْنُ سَلامٍ خَطِيبُ قُرْطُبَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمِصْرِيُّ، عَرْعَرَةُ بن البرند السامي الْبَصْرِيُّ، عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ، الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ، تُوُفِّيَ مَسْجُونًا، يَحْيَى بْنُ كريب الرعيني المصري، يوسف ابن الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ.
وَفِيهَا شَخَصَ هَرْثَمَةُ إِلَى خُرَاسَانَ، وَوَجَّهَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى فِي الظَّاهِرِ أَمْوَالا وَخُلَعًا وَسِلاحًا، فَلَمَّا نَزَلَ نَيْسَابُورَ جَمَعَ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ فَخَلا بِكُلٍّ مِنْهُمْ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ يَكْتُمَ أَمْرَهُ، وَوَلَّى كُلَّ رَجُلٍ بَلَدًا، وَدَفَعَ إِلَيْهِ عَهْدَهُ، وَجَهَّزَهُ سِرًّا إِلَى بَلَدِهِ، فَعَلَ هَذَا خَوْفًا مِنْ ثَوْرَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، ثُمَّ سَارَ، فَلَمَّا كَانَ عَلَى مَرْحَلَةٍ من مرو دعا ثقاتا من أَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ أَسْمَاءَ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَدَفَع إِلَى كُلِّ رَجُلٍ رُقْعَةً بِاسْمِ مَنْ وَكَّلَهُ بِحِفْظِهِ إِذَا دَخَلَ مَرْوَ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى عَلِيٍّ: إِنْ أَحَبَّ الأَمِيرُ أن يوجهه ثِقَاتِهِ لِقَبْضِ مَا مَعِي فَعَلَ، فَإِنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَتِ الأَمْوَالُ أَمَامَ دُخُولِي كَانَ أَقْوَى لِلأَمِيرِ وَأَفَتَّ فِي عَضُدِ أَعْدَائِهِ، فَوَجَّهَ عَلِيٌّ جَمَاعَةً لِقَبْضِ الأَمْوَالِ؛ فَقَالَ هَرْثَمَةُ: اشْغِلُوهُمُ اللَّيْلَةَ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَرْوَ، فَلَمَّا صَارَ مِنْهَا عَلَى مِيلَيْنِ تَلَقَّاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَوَلَدُهُ وَقُوَّادُهُ؛ فَلَمَّا وَقَعَتْ عَيْنُ هَرْثَمَةَ عَلَيْهِ ثَنَى رِجْلَهُ لِيَنْزِلَ، فَصَاحَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَئِنْ نَزَلْتَ لأنزلن. فثبت ودنا، فاعتنقا، ثم سارا إِلَى قَنْطَرَةٍ لا يَجُوزُهَا إِلا فَارِسٌ. فَحَبَسَ هَرْثَمَةُ لِجَامَ الْفَرَسِ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: سِرْ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ. فَقَالَ هَرْثَمَةُ: لا وَاللَّهِ، أَنْتَ -[1029]- أميرنا، ثم نزل منزل عَلِيٍّ، وَأَكَلا مِنَ السِّمَاطِ، ثُمَّ دَفَعَ الْخَادِمُ كِتَابَ الرَّشِيدِ إِلَى عَلِيٍّ، فَلَمَّا رَأَى أَوَّلَ حرف مِنْهُ سُقِطَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَ هَرْثَمَةُ بِتَقْيِيدِهِ وَتَقْيِيدِ وَلَدِهِ وَعُمَّالِهِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْجَامِعِ فَخَطَبَ وَبَسَطَ مِنْ آمَالِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الرَّشِيدَ وَلاهُ ثُغُورَهُمْ بِمَا بَلَغَهُ مِنْ سُوءِ سِيرَةِ الْفَاسِقِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَإِنِّي مُنْصِفُكُمْ مِنْهُ، فَأَظْهَرُوا السُّرُورَ وَضَجُّوا بِالدُّعَاءِ. ثُمَّ انْصَرَفَ وَدَعَا بِعَلِيٍّ وَآلِهِ فَقَالَ: أَعْفُونِي مِنَ الإِقْدَامِ بِالْمَكْرُوهِ عَلَيْكُمْ. وَنُودِيَ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ من رجل عنده لعلي وآله وَدِيعَةٌ فَأَخْفَاهَا، فَأَحْضَرَ النَّاسُ شَيْئًا كَثِيرًا إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاسْتَصْفَى هَرْثَمَةُ حَتَّى حُلِيِّ النِّسَاءِ وَالثِّيَابِ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَامَهُمْ لِمَظَالِمِ النَّاسِ وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ حَمَلَ عَلِيًّا إِلَى الرَّشِيدِ.
وَفِيهَا تَوَجَّهَ الرَّشِيدُ نَحْوَ خُرَاسَانَ لِحَرْبِ رَافِعٍ، فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الطَّبَرِيُّ أَنَّ أَبَاهُ شَيَّعَ الرَّشِيدَ إِلَى النَّهْرَوَانِ، فَجَعَلَ يُحَادِثُهُ فِي الطَّرِيقِ إِلَى أَنْ قَالَ: يَا صَبَّاحُ، لا أَحْسَبُكَ تَرَانِي بَعْدَهَا، فَقُلْتُ: بَلْ يَرُدُّكَ اللَّهُ سَالِمًا، ثُمَّ قَالَ: وَلا أَحْسَبُكَ تَدْرِي مَا أَجِدُ، فَقُلْتُ: لا، وَاللَّهِ، فقال: تعالى حَتَّى أُرِيَكَ، وَانْحَرَفَ عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَوْمَأَ إِلَى الْخَوَاصِّ فَتَنَحَّوْا، ثُمَّ قَالَ: أَمَانَةَ اللَّهِ يَا صَبَّاحُ أَنْ تَكْتُمَ عَلَيَّ، وَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ، فإذا عصابة حرير حوالي بَطْنِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ عِلَّةٌ أَكْتُمُهَا النَّاسَ كُلَّهُمْ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَلَدِي عَلَيَّ رَقِيبٌ، فَمَسْرُورٌ رَقِيبُ الْمَأْمُونِ، وَجِبْرِيلُ بْنُ بَخْتَيْشُوعَ رَقِيبُ الأَمِينِ، وَنَسِيتُ الثَّالِثَ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا وَهُوَ يُحْصِي أَنْفَاسِي وَيَعُدُّ أَيَّامِي وَيَسْتَطِيلُ دَهْرِي، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ ذَلِكَ فَالسَّاعَةَ أَدْعُو بِبِرْذَوْنَ، فَيَجِيئُونَ بِهِ أعْجَفَ لِيَزِيدَ فِي عِلَّتِي، ثُمَّ دعا ببرذون، فجاؤوا بِهِ كَمَا وَصَفَ، فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ رَكِبَهُ وودعني.
وَفِيهَا تَحَرُّكُ الْخُرَّمِيَّةِ بِبِلادِ أَذْرَبَيْجَانَ، فَسَارَ لِحَرْبِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، فَأَسَرَ وَسَبَى.
وَفِيهَا قَدِمَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ عَلَى الرَّشِيدِ معه أبو النداء أسيرا فَقَتَلَهُ.
وَفِيهَا تَحَرُّكُ ثَرْوَانَ الْحَرُورِيِّ فَقَتَلَ عَامِلَ الطَّفِّ.
وَقُدِمَ بِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بَغْدَادَ، فَحُبِسَ فِي داره.
وقتل فيها الرشيد هيصما الْيَمَانِيَّ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ.

-سنة اثنتين وتسعين ومائتين.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
تُوُفّي فيها: أحمد بن الحَسَن المِصْريُّ الأيْليّ، وأبو بكر أحمد بن عليّ بن سعيد قاضي حمص، وأحمد بن عَمْرو أبو بكر البزّار، وأبو مسلم الكَجّيّ، وإدريس بن عبد الكريم المقرئ، وأسلم بن سهل الواسطي بحشل، وأبو خازم القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز، وعليّ بن محمد بن عيسى الجكانيّ، وعليّ بن جبلة الأصبهاني.
وفي صفرها سار محمد بن سليمان إلى مصر، لحرب صاحبها هارون بن خمارويه فجرت بينهم وقعات، ثمّ وقع بين أصحاب هارون اختلاف، فاقتتلوا، فخرج هارون ليُسَكِّنَهم، فرماه بعضُ المغاربة بسهمٍ قتله، وهربوا، فدخل محمد بن سليمان مصر، واحتوى على خزائن آل طولون، وقيَّد منهم بضعة عشر نفْسًا، وحبسهم. وكتب بالفتح إلى المكتفي.
وَرُوِيَ أنّ محمد بن سليمان لما قرُب من مصر، أرسل إلى هارون يقول: إن الخليفة قد ولّاني مصر، ورسم أن تسير إلى بابه إنْ كنت مطيعًا. -[865]-
فشاور قوّاده، فأبوا عليه، فخرج هارون فصاح: المكتفي يا منصور. فقال القّواد: هذا يريد هَلَاكَنا. فدُّسوا خادمًا، فقتله على فراشه، وأقاموا مكانه شيبان بن أحمد بن طولون ثمّ خرج شَيبان إلى محمد مستأمنًا. ثمّ سُيِّر آل طولون إلى بغداد، فحُبِسوا بها.
قال نِفْطَوَيْه: ظهر من شجاعة محمد بن سليمان، وإقدامه على النَّهْب، وضرب الأعناق، وإباحة الأموال الطُّولونية، ما لم يُرَ مثله. ثمّ اجتبى الخراج. وكان يركب بالسيوف المسللة والسلاح.
وفيها وافى طُغْجُ بنُ جُفٍّ وأخوه بدْرُ بغدادَ، ودخل بدْر الحمّاميّ، فوجّه يومئذٍ مائتي جَمّازة إلى عسكر محمد بن سليمان، لأن العباس بن الحَسَن الوزير ساء ظنه بمحمد بن سليمان، وخاف أن يغلب على مصر، وبلغه عنه كلام، فكتب إلى القُوّاد الّذين مع محمد بالقبض عليه، ففعل ذلك جماعة منهم وقيدوه.
وفي جُمادَى الأولى زادت دِجْلة زيادةً لم يُرَ مثلها، حتّى خربت بغداد، وبلغت الزّيادة إحدى وعشرين ذراعاً.
وفيها خرج الخلنجي القائد بنواحي مصر، فسار من بغداد فاتك المعتضدي لمحاربته، واستولى الخلنجي على مصر.
وفيها قدِم بدر الحمّاميّ على المكتفي، فبالغ في إكرامه وحَبَائه، وتلقّته الدّولة، وطُوِّق وسُوِّر، وجهز مع فاتك في جيشٍ كثيفٍ لحرب الخلنجي.
وفيها وصلت تَقَادُم إسماعيل بن أحمد من خراسان على ثلاثمائة جَمَلٍ، ومائة مملوك.

-سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة
فيها ثارت العامّة ببغداد عَلَى النَّصارَى، فنهبوا البيعة وأحرقوها، فسقطت على جماعة من المسلمين، فهلكوا، وعَظُمَت الفتنة ببغداد، وانتشر الدُّعار.
وبطل الحجّ من العراق فِي هذه السنة.
وفيها وُلِد الْحَسَنُ وَالْحُسَيْن توأمين للسلطان بهاء الدولة، فعاش الْحُسَيْن سبع سنين، وأمّا أَبُو عَلِيّ فعاش وملك العراق، ولُقّب مُشَرَّف الدولة.
وزاد أمر الشُّطَّار ببغداد، وواصلوا أخذ العملات والأموال، وقتلوا، وأشرف النّاس معهم عَلَى خطّه صعبة، وكان فيهم من هُوَ عباسي وعَلَوِيّ، فبعث بهاء الدولة أبا عَلِيّ عميد الجيوش إلى العراق ليدبّر أمورها، فقدم بغداد، وزينت له، فغرق جماعة، ومنع الشيعة والسنة من إظهار مذهب، ونفي الدُّعَّار، ونفي ابن المعلّم فقيه الشيعة، وقامت هيبته. -[686]-
وفي المحرم غزا السلطان محمود بْن سبكتكين الهند، فالتقاه صاحبها الملك جيبال، ومعه ثلاثمائة فيل، فنصر الله محمودا، وقتل من الكفار خمسة آلاف، ومن الفيول خمسة عشر فيلا، وأُسِر جيبال فِي جماعة من قوّاده، فكان عَلَيْهِ من الجواهر ما قيمته مائتا ألف دينار، وبلغت الغنيمة من الرقيق خمسمائة ألف رأس نقل ذَلِكَ صاحب " سيرة محمود بن سبكتكين " الْأديب الكاتب أَبُو النَّصر مُحَمَّد بْن عَبْد الجبّار العُتْبي، وقد سَمِعَ هذا من أَبِي الفتح البُسْتِي وجماعة.
قَالَ أَبُو النّصر: وافتدى الملك نفسه بخمسين فيلا. وكان شيخا مُسِنًا، فتألّم مما تمّ عَلَيْهِ، وآثر النّار عَلَى العار، فحلق شعره، ثم حرّق نفسه حتى تلف.

-سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة
لمّا سار السلطان بَركيَارُوق إلى خُراسان، استعمل أنر على فارس وبلادها، وكان قد غلب عليها خوارج الأعراب، واعتضدوا بصاحب كرْمان ابن قاروت، فالتقاهم أُنَرْ، فهزموه وجاءَ مَفْلُولًا، ثمّ ولي إمارة العراق، يعني من قبل بَركيَارُوق، فأخذ يكاتب الأمراء المجاورين لَهُ، وعسكر بأصبهان، ثمّ سار منها إلى إقطاعه بأذربيجان، وقد عاد، وانتشرت دعوة الباطنية بأصبهان، فانتدب لقتالهم، وحاصر قلعةً لهم بأرض إصبهان، واتصل به مؤيد الملك ابن نظام المُلْك، وجرت لَهُ أمور، ثمّ كاتب غياث الدين محمد بْن ملكشاه، وهو إذ ذاك بكنجة، ثمّ سار إلى الرّيّ في نحو عشرة آلاف، وهَمَّ بالخروج عَلَى بَركيَارُوق، فوثب عَلَيْهِ ثلاثة فقتلوه في رمضان بعد الإفطار، فوقعت الصيحة، ونهبت خزائنه، وتفرق جَمْعُه، ثمّ نقل إلى أصبهان، فدفن في داره. -[669]-
وفيها أخذت الفرنج بيت المقدس؛ لما كسرت الفرنج خذلهم اللَّه، المسلمين عَلَى أنطاكية في العام الماضي قووا وطغوا، وكان تاج الدّولة تتش قد استولى عَلَى فلسطين وغيرها، وانتزع البلاد من نُوّاب بني عُبَيْد، فأقطع الأمير سُقْمان بن أرتق التركماني بيتَ المقدس، فرتبه وحصّنه، فسار الأفضل بْن بدر أمير الجيوش، فحاصر الأمير سُقْمان وأخاه إيلغازي، ونصبوا عَلَى القدس نيفًا وأربعين منجنيقًا، فهدموا في سوره، ودام الحصار نيفًا وأربعين يومًا، وأخذوه بالأمان في شَعْبان سنة تسع وثمانين، وأنعم الأفضل عَلَى سُقْمان وأخيه، وأجزل لهم الصِّلات، فسار سُقْمان واستولى عَلَى الرُّها، وذهب أخوه إلى العراق، ووُلّي عَلَى القدس افتخار الدولة المصري، فدام فيه إلى هذا الوقت، وسارت جيوش النصرانية من حمص، فنازلت عكّا أيّامًا، ثمّ ترحّلوا وأتوا القدس، فحاصروه شهراً ونصفا، ودخلوه من الجانب الشمالي ضحوة نهار الجمعة لسبعٍ بقين من شَعْبان، واستباحوه، فإنا لله وإنا إِلَيْهِ راجعون.
واحتمى جماعة ببرج دَاوُد، ونزلوا بعد ثلاثٍ بالأمان، وذهبوا إلى عسقلان.
قال ابن الأثير: قتلت الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد عَلَى سبعين ألفًا، منهم جماعة من العلماء والعبّاد والزُّهّاد، وممّا أخذوا أربعين قِنْديلًا من الفضّة، وزن القِنْديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنُّورًا من فضة، وزنه أربعون رِطْلًا بالشّاميّ، وغنموا ما لا يُحْصَى، وورد المستنفرون من الشّام إلى بغداد صحبة القاضي أَبِي سعْد الهَرَوِيّ، فأوردوا في الديوان كلامًا أبكى العيون وجرح القلوب، وبعث الخليفة رُسُلًا، فساروا إلى حلوان، فبلغهم قتل مجد الملك الباسلانيّ، فردّوا من غير بلوغ أربٍ، ولا قضاء حاجة، واختلف السلاطين، وتمكنت الفرنج من الشام، وللأَبِيوَرْدِيّ:
مزجنا دماء بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرضة للمراجم
وشر سلاح المرء دمع يفيضه ... إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
فإيها بني الإسلام، إنّ وراءكم ... وقائع يلحقن الردى بالمناسم -[670]-
أتهويمةٌ في ظل أمنٍ وغبطةٍ ... وعيش كنوار الخميلة ناعم
وكيف تنام العين ملء جفونها ... عَلَى هفوات أيقظت كلّ نائم؟
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسومهم الروم الهوان وأنتم ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
فكم من دماءٍ قد أبيحت، ومن دمي ... توارى حياءً حسنها بالمعاصم
بحيث السيوف البيض محمرة الظبا ... وسمر العوالي داميات اللهاذم
يكاد لهن المستجن بطيبةٍ ... ينادي بأعلى الصوت: يا آل هاشم
أرى أُمتي لا يشرعون إلى العدى ... رماحهم، والدين واهي الدعائم
ويجتنبون النار خوفًا من الردى ... ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى ... وتغضي عَلَى ذلٍ كماة الأعاجم
فليتهم إذ لم يردوا حمية ... عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم
قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: سارت الفرنج ومقدمهم كندهري في ألف ألف، منهم خمسمائة ألف مقاتل، وعملوا برجين من خشب مطلين عَلَى السور، فأحرق المسلمون البرج الّذي كَانَ بباب صهيون، وقتلوا من فيه، وأمّا الآخر فزحفوا بِهِ حتى ألصقوه بالسور وحكموا بِهِ عَلَى البلد، وكشفوا من كَانَ بإزائهم، ورموا بالمجانيق والسّهام رمية رجلٍ واحدٍ، فانهزم المسلمون من السور.
قلت: هذه مجازفة بينة، بل حكى ابن منقذ: أن ما جرى كان بجبيل، وإن قومًا وقفوا عَلَى سورها بأمر الوالي في مضيق لا يكاد يعبر منه إلّا واحدٌ بعد واحد، قَالَ: فكان عدد خيلهم ستة آلاف ومائة فارس، والرجالة ثمانية وأربعون ألفًا، ولم تزل دار الإسلام منذ فتحها عمر رضي الله عنه.
قال ابن الأثير: وكان الأفضل لما بلغه نزولهم عَلَى القدس تجهز وسار من مصر في عشرين ألف فارس، فوصل إلى عسقلان ثاني يوم الفتح، ولم يعلم، وراسل الفرنج. فأعادوا الرسول بالجواب، ورحلوا في أثره وطلعوا على المصريين عقيب وصول الرسول، ولم يعلم المصريّون بشيء، فبادروا -[671]- السلاح والخيل، وأعجلتهم الفرنج فهزموهم، وقتلوا منهم من قُتِل، وغنموا خيامهم بما فيها، ودخل الأفضل عسقلان، وتمزق أصحابه، فحاصرته الفرنج بعسقلان، فبذل لهم ذهباً كثيراً، فردّوا إلى القدس.
قَالَ أبو يعْلى ابن القلانسيّ: قتلوا بالقدس خلقًا كثيرًا، وجمعوا اليهود في كنيسة وأحرقوها عليهم، وهدموا المشاهد.
وفيها ابتداء دولة محمد بن ملكشاه، لمّا مات أبوه ببغداد سار مَعَ أخيه محمود والخاتون تركان إلى إصبهان، ثمّ إنّ أخاه بَركيَارُوق أقطعه كنجة، وجعل لَهُ أتابكًا، فلمّا قوي محمد قتل أتابكه قتلغ تكين، واستولى عَلَى مملكة أرّان، وطلع شهمًا شجاعًا مهيباً، قطع خطبة أخيه، واستوزر مؤيد الملك عَبْد اللَّه بن نظام المُلْك، فإنه التجأ إِلَيْهِ بعد قتل مخدومه أُنَرْ، واتفق قتل مجد الملك الباسلاني، واستيحاش العسكر من بَركيَارُوق، ففارقوه وقدموا عَلَى محمد، وكثر عسكره، فطلب الرّيّ، وعرّج أخوه إلى إصبهان، فعصوا عَلَيْهِ، ولم يفتحوا لَهُ، فسار إلى خوزستان، وأما محمد فاستولى عَلَى الرّيّ وبها زبيدة والدة السلطان بَركيَارُوق، فسجنها مؤيد الملك الوزير، وصادرها وأمر بخنقها، ولكن أظفر اللَّه بركياروق بالمؤيد فقتله. وسار سعْد الدولة كوهرائين من بغداد إلى خدمة السلطان محمد، فخلع عَلَيْهِ، وردّه إلى بغداد نائباً له، وأقيمت لمحمد الخطبة ببغداد، ولقب " غياث الدنيا والدين " في آخر السنة.
وفيها، وفي العام الماضي، كَانَ بخراسان الغلاء المفرط، والوباء، حتى عجزوا عن الدفن، وعظم البلاء.
وفيها نقل الأتابك طغتكين المصحف العثماني من طبرية خوفًا عَلَيْهِ إلى دمشق، وخرج النّاس لتلقيه، فأقره في خزانةٍ بمقصورة الجامع.

-سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة
فيها استُنِيب في الوزارة قاضي القضاة أبو طالب عليّ بن عليّ ابن البخاريّ.
وفيها أُفرج عن الأمير مُجير الدين طاشْتِكين الحاجّ، ووُلّي مملكة بلاد -[932]- خُوزسْتان، ووْسم بالملك، وأُنعِم عليه بكوسات وأعلام.
وقال أبو شامة: وفيها قدم العزيز ثالثًا إلى الشّام ومعه عمّه الملك العادل.
قلت: فحاصرا دمشق مدَّةً يسيرة، ووقعت المخامرَة من عسكر دمشق ففتحوا الأبواب، ودخل العزيز والعادل في رجب.
قال ابن الأثير: كان أبلغ الأسباب في ذلك وثُوق الأفضل بعمّه، وقد بلغ من وثوقه به أنه أدخله بلده وهو غائب عنه، وقد كان أرسل إليه أخوه الظّاهر يقول له: أخرج عمّنا من بيننا، فإنّه لا يجيء علينا منه خير، وأنا أَعْرَف به منك، وأنا زوج بنته. فردّ عليه الأفضل: أنت سّيئ الظنّ، وأيّ مصلحةٍ لعمّنا في أن يؤذينا؟ ولما تقرّر العادل بمصر استمال الملك العزيز، وقرّر معه أنه يخرج إلى دمشق، ويملك دمشق ويسلّمها إليه، فسار معه وحصروها، واستمالوا أميرًا فسلِّم إليهم باب شرقيّ، وفتحه ودخل منه العادل ووقف العزيز بالميدان، فلمّا رأى الأفضل أن البلد قد مُلِك، خرج إلى أخيه ودخل به البلد، واجتمعا بالعادل وقد نزل في دار أسد الدّين شيركوه، فبقوا أيامًا كذلك، ثم أرسلا إلى الأفضل ليتحوّل من القلعة، فخرج وسلَّم القلعة إلى أخيه.
قلت: رجع العزيز إلى مصر، وأقام العادل بدمشق، فتغلّب عليها، وأخرج أولاد أخيه صلاح الدين عنها، وأنزل الأفضل في صَرْخَد.
وقال أبو شامة: انفصل الحال على أن خرج الأفضل إلى صَرْخَد، وتسَّلم البلد الملك العزيز، وسلمها إلى عمه، وأسقط ما فيها من المُكُوس، وبقيت بها الخطْبة والسّكَّة باسم الملك العزيز.
وقال في " الروضتين ": فيها نزل العزيز بقلعة دمشق، ودخل هو وأخوه الأفضل متصاحبَيْن إلى الضّريح النّاصريّ، وصلى الجمعة عند ضريح والده، ودخل دار الأمير سامة في جوار التُّربة، وأمر القاضي محيي الدّين أن يبنيها مدرسةً للتربة، فهي المدرسة العزيزيَّة، ووقف عليها قرية محجَّة. -[933]-
قلت: ما أحسن قول ملك البلاغة القاضي الفاضل: أمّا هذا البيت فإنّ الآباء منه اتَّفقوا فملكوا، وأنّ الأبناء منه اختلفوا فهلكوا، إذا غَرَب نجْمٌ فما في الحيلة تشريقهُ، وإذا خُرِق ثوبُ فما يليه إلا تمزيقهُ، وإذا كان الله مع الخصم فمن يُطَيقُه؟
قال أبو شامة: وأُخِذَت قلعة بصرى من الملك الظافر خضر ابن صلاح الدّين، أخذها أخوه.
قال: وفيها بعد خروج الناس من مكة هبت ريح سوداء عمت الدنيا، ووقع على الناس رملٌ أحمر، ووقع من الركن اليَمَانيّ قطعة، وتجرّد البيت مراراً.
قَالَ: وفيها سار عسكر خوارزم شاه على مقدمته مملوك له جاء فكسر عسكر الخليفة، وكان في مقدمته وهو عشرون ألفا ابن القصاب الوزير، أشنع من كسرة ابن يونس، وعاد العسكر إلى بغداد عرايا جياعا، وقطع رأس الوزير وبعث به وبأعلام الخليفة والخزائن، وكان ذلك على باب همذان.
ومن خبر خُوارزم شاه أنه كان قد قطع نهر جيحون في خمسين ألفاً، ثمّ وصل همذان وشحن على البلاد إلى باب بغداد، وبعث إلى الخليفة يطلب السَّلْطَنة، وإعادة دار السلطنة إلى ما كانت، وأن يجيء إلى بغداد، وأن يكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السَّلجوقية، فانزعج الخليفة وأهل بغداد، وغلت الأسعار.
قال: وفيها كانت وقعة أخرى ليعقوب بن يوسف مع الفُنْش، وكان الفنْش قد حشد وجمع جمعًا أكثر من الأوّل، ووقع المُصَاف، فكسره يعقوب، وساق خلفه إلى طُلَيْطُلة ونازلها، وضربها بالمنجنيق، وضيّق عليها ولم يبق إلا أخذها، فخرجت إليه والدة الفنْش وبناته وحريمه، وبَكَيْنَ بين يديه وسألْنَه إبقاءَ البلد عليهنّ، فرقّ لهن ومَنَّ عليهنّ بالبلد، ولو فتح طُلَيْطُلَة لفتح إلى مدينة النّحاس، وعاد إلى قُرْطُبة وقسم الغنائم، وصالح الفنش مدّة. -[934]-
وقيل: إن هذه الوقعة كانت في سنة إحدى وتسعين.
وفيها وفي التي قبلها عاث ابن غانية الملثَّم، وخَلَت له إفريقية، وكان بالبرّية مع العرب، فعاود إفريقية، وخرّبت عساكره البلاد، فلهذا صالح يعقوب الفِرنج ورجع إلى المغرب لحرب الملثَّم.

-سنة اثنتين وتسعين وستمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وتسعين وستمائة
فِي المُحَرَّم حكم بدمشق القاضي حسامُ الدِّين الحَنَفِيّ للعناكيّين بصحّة نَسَبَهم إلى جَعْفَر بْن أبي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بعد أنّ سعوا وتعبوا.
وفي المُحَرَّم جاءت ريح عظيمة على الركْب بمعان وبرد ومشقة.
وفيه نزل لصدر الدين ابن الوكيل حموه شيخنا التاج ابن أبي عصرون عن تدريس الشامية الجوانية.
وفيه طلب السّلطان من صاحب سيس قلعة بهسنا ومرعش وتلّ حمدون. أمّا بَهَسْنا فكانت للنّاصر صاحب حلب وبها نوّابه، فَلَمّا أخذ هولاكو البلاد كان فِي بَهَسْنا الأمير سيف الدِّين العقرب فباعها لصاحب سيس بمائة ألف درهم وسلّمها إليه فبقي على المسلمين منها ضَرَر، فأذعن صاحب سيس بتسليمها وأضعف الحمل مع ذَلِكَ. وتسلّمها نوّاب السلطان فِي رجب ودُقّت البشائر. -[686]-
وفي المُحَرَّم قَدِمَ الدّواداريّ وجماعة أمراء من الدّيار المصرية وعزّ الدِّين أيبك الخَزْنَدار متولّيًا نيابة طرابُلُس عِوَضًا عن سيف الدِّين طغْريل الإيغاني.
ونزح إلى حلب ابن مَلي، فوُلّي بعده تدريس الرواحية الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني.
وفيها طهر السلطان أخاه الملك الناصر دام بقاؤه وابن أخيه مُوسَى ابْن الملك الصّالح واحتفلوا لذلك بالقاهرة احتفالاً زائدًا.
وفيها عُمل للسلطان دهليز جليل أطلس مزركش بطراز وغرم عليه أموال عظيمة.
وفيها ولي ولاية البر بدمشق سيف الدين أسندمر في رجب.
وحج بالناس الأمير بكتاش الطيار.
وفي صَفَر جاءت زلزلة هدمت وأنكت فِي غزة والرملة والكرك وسار من دمشق أميران وعدد من الحجارين والصُّنّاع لإصلاح ما تهدّم من أبرجة الكَرَك.
وفيها مسك الأمير عز الدين أزدمر العلاني وقيد بدمشق وبعث إلى مصر.
وتوجه من دمشق شمس الدِّين سُنْقر المسّاح بطلب إلى مصر وجاء على خبزه بدمشق بلبان الحلبي، الخزندار.
وفي ربيع الآخر توجّه على البريد إلى مصر صاحب حماة وعمّه الملك الأفضل عليّ.
وجاء مملوك لسيف الدِّين طغجي بمرسوم بالحوطة على ابن جرادة، فمُسك ونفِّذ إلى مصر وأُخذ ماله ونكب.
وفيه تردد غيارة الفرنج فِي البحر إلى الساحل وشعثوا بأنْطَرسُوس، فطلعوا إلى صيدا.
وفي جُمَادَى الأولى عزم السّلطان على البيكار وتقدمه الأعسر، فهيأ إقامات ومؤنة من الناحية القبلية وقدم الصاحب ابن السَّلعوس فِي جُمَادَى الآخرة، ثُمَّ قَدِمَ بعده بيدرا نائب السّلطنة، ثُمَّ السّلطان فنزل بالقصر. -[687]-
وفيه تسلّم نوّاب السّلطان حصنين للأرمن وهما: كديربرت وأبرما. ثم تسلموا حصن بكازر.
وقد كان السّلطان فِي مجيئه مرّ بقلعة الشَّوْبَك وبالكَرَك، ثُمَّ بعث جماعة لخراب قلعة الشوبك. ثم خرج إلى المرج.
وفي رجب دخل دمشق الأمير الكبير حسام الدِّين لاجين وصُحبته الأمير مُهَنّا بْن عِيسَى وإخوته محتاطًا عليهم وذكر أنّ السّلطان أمر بالقبض عليهم عند سَلَمِيَة لأمرٍ نقمه عليهم.
وفي أثناء رجب رجع السّلطان إلى الدّيار المصرية.
ودرس بعد الشيخ تقي الدين ابن الواسطيّ بمدرسة الشَّيْخ أبي عُمَر الفقيه شمس الدين ابن التاج، ثم عزل بعد ثمانية أشهر.
وفي رجب سافر طوغان نائبًا على قلعة الروم.
وفي آخر رجب انكسفت الشمس وصلَّى بجامع دمشق خطيبه موفّق الدِّين الحموي وخطب.
وفي رمضان جاء إلى دمشق مرسوم بإلزام الدّواوين بالإسلام ومن امتنع يؤخذ منه ألف دينار. فأسلم أربعة في ثامن رمضان.
وفي شوّال بَلَغَنا أنّ السّلطان صادر الأمير عزَّ الدِّين الأفرم أيبك وضّيق عليه وأخذ منه أموالًا كثيرة وأعطى خبزه للأمير حسام الدين لاجين المنصوري.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت