نتائج البحث عن (-سنة عشرين) 10 نتيجة

-سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ الأَمِيرُ، وَالْجَلاحُ أَبُو كَثِيرٍ الْقَاصُّ، وَالْجَارُودُ الْهُذَلِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ فِي قَوْلٍ، وَأَبُو مَعْشَرٍ زِيَادُ بْنُ كُلَيْبٍ الْكُوفِيُّ، وعاصم بن عمر بن قتادة الظفري، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ مُقْرِئُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ الأَوْدِيُّ، وَعَدِيُّ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ الْكِنْدِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ الْكُوفِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ الْجَدَلِيُّ الْكُوفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ الْمَدَنِيُّ الْفَقِيهُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ فِي قَوْلٍ، وَمُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَوَاصِلٌ الأَحْدَبُ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِيهَا عُزِلَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ عَنْ إِمْرَةِ الْعِرَاقِ بِيُوسُفَ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلايَةِ خَالِدٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ الْوَلِيدُ بَعَثَ بِهِ إلى يوسف فقتله.

-سنة عشرين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة عشرين وثلاثمائة
فيها: عُزِلَ الحُسين بْن القاسم من الوزارة واستوزر أبو الفتح بْن الفُرات.
وفيها: بعث العهد واللواء لمرداويج الدَّيْلَمّي عَلَى إمرة أذْرَبَيْجان، وأرمينية، وأرّان، وقُمّ، ونِهاوَنْد، وسِجِسْتان.
وفيها: نهب الْجُنْد دور الوزير الفضل بْن جعفر بْن الفُرات، فهرب إلى طيّار لَهُ في الشط، فأحرقَ الْجُنْد الطّيّارات. وصخَّم الهاشميّون وجوههم وصاحوا: الجوع الجوع! وكان قد اشتدّ الغلاء؛ لأنّ القَرْمَطيّ ومؤنسًا منعُوا -[226]- الغلّات من النّواحي أنّ تصل، ولم يحجّ ركب العراق.
وفي صفر غلب مؤنس عَلَى الموصل فتسلل إِلَيْهِ الْجُنْد والفُرسان مِن بغداد، وأقام بالموصل أشهرًا. ثمّ تهيأ المقتدر وأخرج المخيَّم إلى الشّمّاسيّة، وجعل يزكًا عَلَى سامرّاء ألف فارس مَعَ أَبِي العلاء سَعِيد بْن حمدان. وأقبل مؤنس في جمْعٍ كثير، فلمّا قارب عَكْبُرا اجتهد المقتدر بهارون بْن غريب أنّ يحارب مؤنسًا، فامتنع واحتجّ بأن أصحابه مَعَ مؤنس في الباطن ولا يثق بهم.
وقيل: إنّه عسكر هارون وابن ياقوت وابنا رائق وصافي الحُرَميّ ومُفْلح بباب الشّمّاسيّة، وانضموا إلى المقتدر، فقالوا لَهُ: إنّ الرجال لَا يقاتلون إلّا بالمال، وأن أخرجت الأموال أسرع إليك رجال مؤنس وتركوه.
وسألوه مائتي ألف دينار، فأمر بجمع الطّيّارات لينحدر بأولاده وحُرَمهِ وأمّهِ وخاصّته إلى واسط، ويستنجد منها ومن البصرة والأهواز عَلَى مؤنس.
فقال لَهُ محمد بْن ياقوت: اتق اللَّه في المسلمين، ولا تسلِّم بغداد بلا حرب، وإنك إذا وقفت في المصافّ أحجم رجال مؤنس عَنْ قتالك. فقال: أنتَ رسول إبليس!
فلمّا أصبحوا ركبَ في الأمراء والخاصّة وعليه البُرْدة وبيده القضيب، والقراء حوله، والمصاحف منشورة، وخلْفه الوزير الفضل بْن جعفر، فشقّ بغداد إلى الشّمّاسيّة، والخلق يدعون لَهُ. وأقبل مؤنس في جيشه ووقع القتال. فوقف المقتدرُ على تل، ثمّ جاء إِلَيْهِ ابن ياقوت وأبو العلاء فقالا: تقدّم، فإذا رآك أصحاب مؤنس استأمنوا. فلم يبرح، فألحَّ عَلَيْهِ القُوّاد بالتقدم، فتقدَّم وهم يستدرجونه حتّى أوقعوه في وسط الحرب في طائفة يسيرة، وقد قدِم الجمهور بين يديه يقاتلون.
فانكشف أصحابه وأسر منهم جماعة، وأبلى محمد بْن ياقوت وهارون بلاءً حسنًا. وكان معظم جُنْد مؤنس البربر، فبينا المقتدر واقف قد انكشف أصحابه رآه عليّ بْن بليق فعرفه، فترجّل وقال: يا مولاي أمير المؤمنين! وقبّل الأرض، فوافى جماعة من البربر إلى المقتدر فضربه رَجُل منهم من خلفه ضربةٌ سقط إلى الأرض، فقال لَهُ: ويلك أَنَا الخليفة! فقال: أنت المطلوب.
وذبحه بالسَّيف، وشيل رأسه عَلَى رُمْح، ثمّ سُلب ما عَلَيْهِ، وبقي مكشوف العورة -[227]- حتّى سُتِر بالحشيش. ثمّ حفر لَهُ في الموضع ودفن وعفي أثره. وبات مؤنس بالشّمّاسيّة.
وقال الصُّوليّ: لمّا كَانَ يوم الأربعاء لثلاثٍ بقين من شوّال ركب المقتدر وعليه قباء فضّي وعمامة سوداء وعلى كتفه البُرْدة وبيده القضيب والمصاحف منشورة. وكان وزيره قد أخذ لَهُ طالعًا، فقال لَهُ المقتدر: أيّ وقتٍ هُوَ؟ قَالَ: وقت الزّوال. فتطيَّر وهَمَّ بالرجوع، فأشرفت خيل مؤنس وبليق، ونشبت الحربُ، وتفرق عَنِ المقتدر أصحابه وقتله البربريّ.
وقيل: كَانَ غلاماً لبليق، وكان بطلا شجاعًا تعجب النّاس منه يومئذ ممّا فعل من صناعات الفروسيّة من اللّعب بالرُمْح والسّيف. ثمّ حمل عَلَى المقتدر وضربه بحربةٍ أخرجها من ظهره، فصاح النّاس عَلَيْهِ، فساق نحو دار الخلافة ليخرج القاهر، فصادفه حمل شوك فزحمه وهو يسوق حمل الشَّوْك إلى قنار لحّام، فعلقه كُلّاب، وخرج الفَرَس في مشواره من تحته فماتَ. فحطّه النّاس وأحرقوه بالحمْل الشَّوك.
واستخلف المقتدر خمسًا وعشرين سنة إلّا بضعة عشر يومًا. وكان النّساء قد غلبن عَلَيْهِ. وكان سخيًا مبذّرًا يصرف في السنة للحجّ أكثر من ثلاثمائة ألف دينار. وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصّقالبة والروم والسُّود.
وأخرج جُمَيْع جواهر الخلافة ونفائسها عَلَى النّساء ومحقهُ. وأعطى بعض حظاياه الدُّرَّة اليتيمة وكان وزنها ثلاثة مثاقيل. وأخذت زيدان القهرمانة سبْحة جوهر لم يُرَ مثلها، هذا مَعَ ما ضيّع من الذَّهَب والمسْك والأشياء المفتخرة. قِيلَ: إنه فرق ستين حباً من الصيني ملأى بالغالية الّتي غرِم عليها ما لَا يحصى.
وقال الصُّوليّ: كَانَ المقتدر يفرّق يوم عَرَفَة من الإبل والبقر أربعين ألف رأس، ومن الغنم خمسين ألفًا. ويقال: إنّه أتلف من المال ثمانين ألف ألف دينار. وكان في داره عشرة آلاف خادم من الصَّقالبة. وأتلفَ نفسه بيده وبسوء تدبيره.
وخلّف من الأولاد محمداً الراضي، وإبراهيم المتّقي، وإِسْحَاق والد القادر، والمطيع، وعبد الواحد، وعباساً، وهارون، وعلياً، وعيسى، وإسماعيل، وموسى، وأبا العبّاس. وكان طبيبه ثابت بْن سِنان، وابن بُخْتَيْشُوع. -[228]-
وقال ثابت بْن سِنان الطبيب: إنّ المقتدر أتلف نيّفا وسبعين ألف ألف دينار.
وقد وزر للمقتدر، كما قدمنا جماعة.
قَالَ ثابت: لما قُتِل المقتدر انحدر مؤنس ونزل الشّمّاسيّة، فقدم إِلَيْهِ رأس المقتدر، فبكى وقال: قتلتموه؟ واللَّه لنقتلن كلنا، فأقلّ ما يكون أنّ تُظهروا أنّ ذَلِكَ جرى عَنْ غير قصد منكم، وأن تنصبوا في الخلافة ابنه أبا العبّاس.
فقال إِسْحَاق بْن إسماعيل النّوَبْخِتيّ: استرحنا ممن لَهُ أمُّ وخاله وحرم، فنعود إلى تِلْكَ الحال؟! وما زال بمؤنس حتّى ثنى رأيه عَنِ ابن المقتدر، وعدل إلى القاهر محمد. فأحضر محمد ابن المكتفي والقاهر محمد، فقال لمحمد ابن المكتفي: تتولّى هذا الأمر؟ فقال: لَا حاجة لي فيه، وعمّي هذا أحقّ بهِ.
فكلم القاهر فأجاب. فبايعه واستحلفه لنفسه ولبُليق ولولده عليّ بْن بليق، ولقب بالقاهر باللَّه، كما لقب بهِ في سنة سبْع عشرة. وكان ربعة، أسمر، معتدل الجسم، أصهب الشعر، أقنى الأنف.
وأوّل ما فعل أنْ صادر آل المقتدر وعذبهم، وأحضر أمّ المقتدر وهي مريضة فضربها بيده ضربًا مبرحًا، فلم تظهر من مالها سوى خمسين ألف دينار. وأحضر القضاة وأشهد عليها ببيع أملاكها بعد أنّ كشفت وجهها ورأوها، فلمّا عاينوا ما بها من الضُرّ بكوا. وما زال يعذبها حتّى ماتت معلقة بحبل.
وضرب أمّ موسى القهرمانة وعذبها، ووجد عندها أبا العباس ابن المقتدر فقبض عَلَيْهِ، وبالغ في الإساءة، فنفرت القلوب عَنْهُ.
وكان المقتدر قد نفى ابن مُقْلَة إلى الأهواز، فأحضره القاهر مكرمًا واستوزره.
وفيها: ادّعى مؤنس أنّ شفيعًا المقتدريّ عَلَى ملكه، ونادى عليه إهانةً له فبلغ سبعين ألف دينار، فاشتري بذلك للقاهر وأعتقه.
وذكر المسبّحي أنّ العامّة لم تزل تصلّي في مصرع المقتدر. وبني في ذَلِكَ المكان مسجد.

-سنة عشرين وأربعمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة عشرين وأربعمائة
فيها وقع بَرَدٌ كبار بالنُّعْمانية، في البَرَدَة أرطال. وجاءت ريح عظيمة قلعت الأصول والزّيتون العاتية، وكثيرًا مِن النّخْل. ووُجدت بَرَدَة عظيمة يزيد وزنها على مائة رطل، وقد نزلت في الأرض نحوا من ذراع.
وفيها ورد كتاب محمود بْن سُبُكْتكين، وهو: " سلامٌ عَلَى سيّدنا ومولانا الإمام القادر بالله أمير المؤمنين، إنّ كتاب العبد صَدَر عَنْ معسكره بظاهر الرَّيّ غُرة جُمادى الآخرة، وقد أزال الله عَنْ هذه البقعة أيدي الظّلَمة، وطهَّرها مِن أيدي الباطنيّة الكَفَرة، وقد تناهَتْ إلى الحضرة حقيقة الحال فيما قصَر العبدُ عَليْهِ سعْيَه واجتهاده غزْو أهل الكُفْر والضّلال، وقمع مِن نبغ بخُراسان مِن الفئة الباطنيّة، وكانت الرّيّ مخصوصة بالتجائهم إليها، وإعلانهم بالدّعاء إلى كُفْرهم فيها، يختلطون بالمعتزلة والرّافضة، ويتجاهرون بشتم الصّحابة، ويُسرون الكُفْرَ ومذهبَ الإباحة، وكان زعيمهم رستم بْن عليّ الدَّيْلَميّ. فعطف العبدُ بالعساكر فطلع بجُرجان، وتوقّف بها إلى انصراف الشّتاء. ثمّ سار إلى دامغان، ووجّه غالبَ الحاجب في مقدّمة العسكر، فبرز رستم عَلَى حُكم الاستسلام والاضطرار، فقبض عليه وعلى رؤوس الباطنيّة مِن قُواده، وخرج الدَّيالمة معترفين بذنوبهم، شاهدين بالكُفر والرَّفْض عَلَى نفوسهم، فرُجع إلى الفقهاء في تعرُّف أحوالهم، فأفْتوا بأنّهم خارجون عَنْ الطّاعة، داخلون في أهل الفساد، يجب عَليْهِم القتل والقطْع والنَّفْي عَلَى مراتب جناياتهم إن لم يكونوا مِن أهل الإلحاد. فكيف واعتقادُهم لا يخلو مِن التَّشَيُّع والرَّفْض والباطن، وذكر هَؤلَاءِ الفقهاء أن أكثر هَؤلَاءِ القوم لا يُصلّون ولا يُزّكون، ولا يعترفون بشرائط الدّين، ويُجاهرون بالقذْف وشتْم الصّحابة، والأمثَلُ منهم معتقدٌ مذهب -[188]- الاعتزال، والباطنيّة منهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وحكموا - يعني الفقهاء - بأنّ رستم بن علي في حياله خمسون امرَأَة مِن الحرائر، وَلَدْنَ لَهُ ثلاثةً وثلاثين نفْسًا، وحوّل رَأَيْته إلى خُراسان، فانضم إليه أعيان المعتزلة والرّافضة. ثمّ نظر فيما احتجنه رستم، فعثر مِن الجواهر عَلَى ما قيمته خمسمائة ألف دينار. ثمّ ذكر أشياء مِن الذَّهب والسُّتُور والفَرْش، إلى أن قَالَ: فَخَلَت هذه البُقْعة مِن دُعاة الباطنّية وأعيان الرّوافض، وانتصرت السُنة، فطالع العبدُ بحقيقة ما يسّره الله تعالى لنصر الدولة القاهرة.
وفي رجب انقض كوكب عظيم أضاءت منه الأرض، وكان له دوي كدوي الرعد.
وفي شَعبان اضّطرب أمرُ بغداد وكثُرت العَمْلات، وكبس العيارون المحال.
وأيضًا غارَ الماء في الفُرات غَوْرًا شديدًا، وبلغ طحن الكارة الدقيق دينارا.
وفيه جُمع العلماء والقُضاة في دار الخلافة، وقُرِئ عليهم كتابٌ طويل عمله القادر بالله يتضمَّن الوعظ وتفضيل مذهب السُنة، والطّعن على المعتزلة. وفيه أخبار كثيرة في ذلك.
وفي رمضان جُمعوا أيضًا وقرأ عليهم أبو الحسن بْن حاجب النُعمان كتابًا طويلًا عمله القادر بالله، فيه أخبار ووفاة النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيه ردٌ عَلَى مِن يَقُولُ بخلْق القرآن، وحكاية ما جرى بين عَبْد العزيز وبِشْر المَرِيسيّ، ثمّ ختمه بالوعظ والأمر بالمعروف والنَّهي عَنْ المنُكْر.
وفي ذي القعدة جُمعوا لكتابٍ ثالث في فضل أبي بكر، وعمر، وسب مِن يَقُولُ بخلْق القرآن، وأُعيد فيه ما جرى بين عَبْد العزيز وبِشْر المَرِيسيّ، وأقام النّاس إلى بعد العَتْمة حتّى فرغ، ثمّ أخذ خطوطهم بحضورهم وسماع ما سمعوه.
وكان يخطب بجامع براثا شيعيَّ فيُظهر شِعارهم، فتقَّدم إلى أَبِي منصور بْن تمّام الخطيب ليخطب ببراثا ويُظهر السُّنَّة. فخطب وقصَّر عمّا كَانَ يفعله مِن قَبْله في ذِكْر عليّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَرَموه بالآجُر، فنزل ووقف المشايخ دونه -[189]- حَتَّى أسرع فِي الصلاة. فتألم الخليفة وغاظه ذلك، وطلب الشريف المرتضى، وأبا الحَسَن الزَّيْنبيّ وأمر بمكاتبة السلطان والوزير أَبِي عليّ بْن ماكولا، وكان فيما كتب: "
إذا بلغ الأمير أطال الله بقاءه صاحب الجيش إلى الجرأة عَلَى الدّين وسياسة الدّولة والمملكة، ثَّبتها الله، مِن الرُّعاع والأَوْباش فلا صبر دون المبالغة بما توجبه الحِمية، وقد بلغه ما جرى في يوم الجمعة الماضية في مسجد براثا الّذي يجمع الكفرة والزّنادقة، ومن قد تبرّأ الله منه فصار أشبه شيء بمسجد الضرار، وذلك أن خطيبا كان فيه يجري إلى ما لا يخرج بِهِ عند الزَّنْدقة والدّعوى لعليّ بْن أَبِي طَالِب عَليْهِ السلام بما لو كَانَ حيا لقد قابله، وقد فعل ذَلِكَ في الغُواة أمثال هؤلاء الغُثاء الذين يدعون لله ما تكاد السماوات يتفطرْن منه. فإنه كَانَ في بعض ما يورده هذا الخطيب - قبحه الله - يَقُولُ بعد الصّلاة عَلَى الرَّسُول: وعلى أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مكلم الجمجمة، ومُحيي الأموات، البشريّ الإلهيّ، مكلَّم أصحاب الكهف، إلى غير ذَلِكَ مِن الغُلو، فأنفذ الخطيب أبو تمّام، فأقام الخطبة، فجاءه الآجُرُّ كالمطر، فخُلع كتفه، وكسر كنفه، وأدمي وجهه، وأشيط بدمه، لولا أربعة مِن الأتراك فاجتهدوا وحموه وإلا كَانَ هلك، وهذه هَجْمة عَلَى دين الله وفْتك في شريعة رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والضرورة ماسّه إلى الانتقام.
ونزل عَلَى الخطيب ثلاثون بالمشاعل، فانتهبوا داره وأغروا حريمه، فخاف الوزير والأمراء مِن فتنةٍ تتولّد، فلم يخطب أحد ببراثا في الجمعة الآتية.
وكثُرت العَمْلات والكَبْسات، وزاد الأمر، وفُتحت الدّكاكين، وعم البلاء.
وفي ذي الحجّة قُلد قضاء القُضاة أبو عبد الله الحسين بن ماكولا.
ثمّ أُقيمت الجمعة في جامع براثا بعد أشهُر، واعتذر رؤساء الشّيعة عَنْ سُفهائهم إلى الخليفة، وعُملت للخطيب نسخة يعتمدها، وأعفاهم الخطيب مِن دقّ المنبر بعقِب سيفه، فإنّ الشّيعة تنكر ذلك، وهو منكر.
وفي ذي الحجّة ورد أبو يَعْلَى المَوْصِليّ وجماعة مِن العَيّارين كانوا بأوانًا وعُكبرا، فقتلوا خمسة مِن الرّجّالة وأصحاب المصالح، وظهروا مِن الغد بالكَرْخ في أيديهم السّيوف، وأظهروا أنّ كمال الدّولة أبا سنان بعثهم لحفِظ -[190]- البلد وخدمة السلطان، فثار بهم أهل الكرخ وظفروا بهم وصُلبوا.
وفيها جهّز صاحب مصر جيشًا لقتال صالح بْن مرداس صاحب حلب، وكان مقدَّم الجيش نوشتكين الدزْبَرِيّ، وكانت الوقعة عَلَى نهر الأُرْدنّ، فقُتل صالح وابنه، وحُمل رأساهما إلى مصر، وأقام نصر بن صالح بحلب، والله أعلم.

-سنة عشرين وخمسمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة عشرين وخمسمائة
لمّا علم السّلطان محمود بقتال الخليفة لطُغْرُلْبَك فرح، وكاتب الخليفة، وقال: قد علمت ما فعلت لأجلي، وأنا خادمك، وتراسلا بالأيْمان والعهود على أنهما ينقضان على سنجر، ويمضيان إلى قتاله، ويكون محمود في السلطنة التي لسنجر.
فعلم سَنْجَر، وبعث إلى محمود يَقُولُ: أنت صبيّ، والخليفة قد عزم عَلَى أن يمكر بك وبي، فإذا اتّفقتما عليَّ ففرغ مني عاد إليك، فلا تَصْغِ إليه، وأنا فما لي ولدٌ ذَكَر، وأنت لمّا ضربْتَ معي مصافًا وظفرت بك لم أسئ إليك وقتلتُ مِن كَانَ سببًا لقتالنا، وأَعَدْتك إلى السَّلطنة، وجعلتك وُلّي عهدي، وزوَّجتُك ابنتي، فلمّا تُوُفّيَتْ زوَّجتُك الأخرى.
فسِر إلى بغداد بالعساكر، وأمسك الوزير ابن صدقة، واقتل رؤوس الأكراد وخُذ آلة السَّفَر الّتي عملها، وتقول للخليفة: ما تحتاج إلى هذا، أَنَا سيفك وخادمك. فإنْ فعل وإلّا أخذته بالشّدّة، وإلّا لم يبق لي ولا لك معه أمر. وبعث إليه رجلًا، وقال: هذا يكون وزيرك، فثنى عزمه.
فكتب صاحب الخبر إلى الخليفة بذلك، فنفَّذ الخليفة إِليْهِ سديد الدّولة ابن الأنباريّ يَقُولُ له: ينبغي أن تتأخر في هذه السّنة لقلّة المِيرة، فقال: لَا بدّ لي مِن المجيء. وتوجّه.
فلمّا سَمِعَ الخليفة نفّذ رسولًا وكتابًا إلى وزير السّلطان، يأمره بردّ السّلطان عَنِ المجيء، فأبي، وأجاب بجوابٍ ثَقُل سماعُه عَلَى الخليفة، وشرع في عمل آلة القتال، وجمع الجيش. ونوديَ ببغداد في ذي القِعْدة بعبور النّاس إلى الجانب الغربي، وازدحم الخلق.
ثم بعد أيام بدا للخليفة، وقال: أَنَا أُخَلّي البلد لَهُ، وأحقن دماء المسلمين. ونوديَ بالعبور إلى الجانب الشرقيّ، واشتدّت الأمطار حتّى كادت الدُّور أن تغرق. وانتقل الخليفة إلى مخيَّمة بالجانب الغربيّ تحت الرَّقَّة.
فعرف السّلطان، وقُرب من بغداد، فبعث برنقش الزَّكَويّ، وأسعد الطُّغْرائيّ، فذهبا إلى الخليفة، وأدّيا رسالة السّلطان وتألُّمه مِن انزعاج الخليفة. ثمّ حشيا في آخر الرّسالة، فقال المسترشد: أَنَا أقول لَهُ: يجب أن تتأخر في هذه السّنة، ولا يقبل؟ ما بيني وبينه -[168]- إلا السيف! وقال لبرنقش: أنت كنت السبّب في مجيئه وأنت أفسَدته، وهمَّ بقتله. فمنعه الوزير، وقال: هُوَ رسول. فرجعا بكتاب الخليفة وبالرسالة، فاستشاط غضبًا، وأمر بالرحيل إلى بغداد.
وفي يوم الأضحي نُصِبت خيمة عظيمة، وصلّى المسترشد الخليفة بالنّاس، وكان المكبّرون خُطباء الجوامع ابن الغريق، وابن المهتدي، وابن البرمكي. وصعد المنبر، ووقف وُلّي عهده الراشد بالله دونه، بيده سيفٌ مشهور، فقال: الله أكبر، ما سحّت الأنواء، وأشرق الضّياء، وطلعت ذُكاء، وعَلَت عَلَى الأرض السّماء! الله أكبر، ما هَمَع سحاب، ولمع سراب، وأنجح طلاب، وسُرّ قادما إياب!
وذكر خطبة بليغة، ثمّ جلس. ثمّ قام فخطب، وقال: اللهمّ أَصْلِحْني في ذُرّيتي، وأعِنّي على ما وليتني، وأوزعني شكر نعمتك، ووفقتي وانصُرني! فلمّا أنهاها وتهيّأ للنزول بَدَره أبو المظفَّر محمد بْن أحمد بْن عَبْد العزيز الهاشميّ فأنشده:
عليك سلامُ الله يا خير مِن عَلا ... عَلَى مَنْبرٍ قد حفَّ أعلامه النَّصْرُ
وأفضل مِن أمَّ الأنامَ وعَمَّهم ... بسيرته الحُسْنى وكان لَهُ الأمرُ
وأفضل أهل الأرض شرقًا ومَغْربًا ... ومَن جدّه مِن أجله نزل القَطْرُ
لقد شَرَّفَتْ أسماعَنَا منك خُطْبةٌ ... وموعظةُ فصل يَلين لها الصَّخْرُ
ملأتَ بها كلّ القُلُوب مَهَابة ... فقد رجَفَتْ مِن خوفٍ تخويفها مصرُ
وزدت بها عدنان مجدًا مؤثل ... فأضحى لها من الأنام بك الفخْرُ
وسُدْتَ بني العبّاس حتّى لقد غدا ... تُباهي بك السّجاد والعلم البحرُ
فلله عصر أنت فيه إمامُهُ ... ولله دينٌ أَنْتَ فيه لنا الصَّدْرُ
بقيتَ عَلَى الأيّام والمُلْك كلَّمًا ... تَقَادَم عصرٌ أنت فيه أتى عصر
وأصبحت بالعيد السعيد مهنأ ... تشرّفنا فيه صلاتُك والنَّحْر
ونزل، فنَحَر البَدَنَة بيده، وكان يومًا لم يُرَ مثلُه مِن دهر، ثمّ دخل السُّرادق، ووقع البكاء عَلَى النّاس، ودعوا لَهُ بالنّصر، وجُمعت السّفُن جميعها إلى الجانب الغربي، فانقطع عبور الناس بالكلية.
وبلغ السلطان حلوان، فأرسل من هنالك الأمير زنكي إلى واسط، فأزاح عنها عفيفا الخادم، فلحِق بالخليفة، ولم يبق بالجانب الشرقيّ سوى الحاجب -[169]- لحِفْظ دار الخلافة. وسُدّت أبوابها كلّها سوى باب النّوبي، ونزل السّلطان بالشّمّاسيّة في ثامن عشر ذي الحجّة. ونزل عسكره في دُور النّاس، وتردّدت الرّسُل إلى الخليفة تتلطّف بِهِ، وتطلب الصُّلْح وهو يمتنع ثمّ وقف عسكر للسلطان بالجانب الشّرْقيّ، والعامّة بالجانب الغربي يسبُّون الأتراك، ويقولون: يا باطنيّة، يا مَلاحدة! عصيتم أمير المؤمنين، فعُقُودكم باطلة وأنكحتكم فاسدة! وتراموا بالنّشّاب.
وفيها عاث ملك الفرنج ابن رذمير، لعنة الله، بالأندلس، وشقّ بلاد المسلمين جميعها، وسبى ونهب، حتى انتهى إلى قريب قرطبة، فحشد المسلمون وقصدوه، فبيتهم وقتل منهم مقتلة. ثمّ عاد نحو بلاده، وهو الَّذِي كسر المسلمين أيضًا سنة أربع عشرة وخمسمائة، ثمّ حاصر سنة ثمانٍ وعشرين مدينة أفراغة، وأهلكه الله.
وفيها هاجت الإسماعيلية بخُراسان، ونُصِر عليهم عسكر سَنْجَر، وقتلوا منهم مقتلة كبيرة.
وفيها قتل البرسقي.
وفيها كثُرت الإسماعيلية بالشام، وكان النّاس والكبار يخافونهم، فرأى الوزير أبو طاهر بن سعد المَزْدقانيّ مِن المصلحة أن يسلّم إلى رئيسهم بهرام حصنًا، فأعطاه طُغتِكين بانياس وتألَّم النّاس لذلك.
وفي سنة عشرين وقعة مرج الصفر، ساقها ابن الأثير، فقال: التقوا في أواخر ذي الحّجة، واشتد القتال، فسقط طُغتكين، فظن الْجُنْد أنه قُتِلَ فانهزموا إلى دمشق، وركب فرَسَه ولحِقَهم. فساقت الفرنج وراءهم، وبقي رجالة التركمان قد عجزوا عن الهزيمة، فحملوا على رجَّالة الفرنج، فقتلوا عامّتهم، ونهبوا عسكر الفرنج وخيامهم، ثم عادوا سالمين غانمين إلى دمشق.
ولما ردّت خيالة الفرنج من وراء طُغتِكين رأوا رجالتهم صَرْعى، وأموالهم قد راحت، فتمّوا منهزمين. قال: وهذا من الغريب أنّ طائفتين ينهزمان.
وفيها استفحل أمر بهرام داعي الباطنيّة بحلب والشّام، وعظُم الخَطْب وهو عَلَى غاية الاختفاء، يغيّر الزيّ، ويطوف البلاد والقلاع، ولا يُعرف. إلى -[170]- أن حصل بدمشق بتقريرٍ قرره إيلغازي بْن أرتق مع طغتكين، فأكرم اتقاء شره، وتأكدت العناية بِهِ، فتبِعَه جَهَلةٌ وسُفهاء مِن العامّة وأهل البَرّ وتَحَزَّبُوا معه. ووافقه الوزير طاهر بْن سَعْد المَزْدَقانيّ، وإن لم يكن عَلَى عقيدته، وأعانه عَلَى بثّ شَرّه، وخَفَّى سرّه ليكون عونًا لَهُ.
ثمّ التمس مِن طُغتِكين حصنًا يحتمي بِهِ، فأعطاه بانياس سنة عشرين هذه، فصار إليها وتجمع إليه أوباش استغواهم مُحَالةً وخداعة، فعظُمت البَليّة بهم، وتألَّم العلماء وأهل الدّين. وأحجموا عَنِ الكلام فيهم والتعرض لهم، خوفًا مِن شرّهم؛ لأنّهم قتلوا جماعة من الأعيان، وصاروا بحيث لَا يُنكر عليهم ملك ولا وزير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وسيأتي باقي أمرهم سنة ثلاث.
-سنة عشرين وستمائة
قَالَ أَبُو شامة: فيها عاد الملك الْأشرف من مصر فالتقاه المُعَظَّم وعرض عَلَيْهِ النزول بالقلعة، فامتنع ونزل بجَوسق والدِه العادِل، وبدت الوَحْشة بين الإخوة الثّلاثة، وأصبح الْأشرف رَحَلَ من السَّحر، ونزلَ عَلَى ضُمَيْر، ثُمَّ سار إلى حَرّان، وَكَانَ قد استناب أخاه شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين عَلَى خِلاط، وجعله وليَّ عهدهِ ومكَّنهُ من بلاده، فسوَّلت لَهُ نفسه العصْيان، وحسَّن لَهُ ذَلِكَ الملكُ المُعَظَّم، وكاتبه، وأعانه. وكذا كاتبه صاحب أربل وقالوا: نَحْنُ وراءك. فأرسل الْأشرف إلى غازي يطلبه فامتنع، فأرسل إِلَيْهِ: " يا أخي لَا تَفْعَل، وأنت وليُّ عهدي والبلاد بحُكْمك ". فأظهر العصيان، فجمع الْأشرفُ عساكره وعسْكر حلب، وقصد خِلاط.
وَقَالَ ابن الْأثير: فيها كانت الوَقْعَة بين التَّتَار الَّذِين جازوا دَرْبَند، وبين القَفْجَاق والرُّوس، وصبر الفريقان أيّامًا، ثُمَّ انهزم القَفْجَاق والرُّوس، ولم يَسْلم منهم إِلَّا اليسير. والحمد لله.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت