تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة تِسْع عَشِرة
قَالَ خليفة: فيها فُتِحت قيسارية، وأمير العسكر معاوية بْن أبي سُفْيَان وسعد بْن عامر بْن حذيم، كلٌّ أميرٌ على جُنده، فهزم الله المشركين وقُتِل منهم مقتلة عظيمة، ورَّخَها ابن الكلبي. وأما ابن إسحاق فَقَالَ: سنة عشرين. وفيها كانت وقعة صُهاب - بأرض فارس - في ذي الحجة، وعلى المسلمين الحكم بن أبي العاص، فقتل سهرك مُقَدَّم المشركين. قَالَ خليفة: وفيها أسرت الروم عبد الله بْن حُذافة السَّهْميّ. وقيل: فيها فُتِحَت تكريت. ويقال: فيها كانت جلولاء، وهي وقعة أخرى كانت بالعجم أو بفارس. وفيها وجه عُمَر عثمان بْن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة، فكان عندها شيء من قتال، أصيب فيه صفوان بن المعطل بن رحضة السُّلمي الذَّكوانّي، صاحب النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي له ذكر في حديث الإفك، وَقَالَ فيه النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما علمت إلا خيرًا ". وَقَالَ هو: مَا كَشفْتُ كَنَفَ أنثَى قطّ. له حديثان. رَوَى عَنْهُ: سعيد بْن المسيب، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وسعيد المقبري، وروايتهم عنه مرسلة إن كان تُوُفيّ في هذه الغزوة، وإن كان تُوُفيّ كما قَالَ الواقِديّ سنة ستين بسُمَيْساط فقد سمعوا منه. وَقَالَ خليفة: مات بالجزيرة. وكان على ساقة النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان شاعرًا. وَقَالَ ابن إسحاق: قتل في غزوة أرمينية هذه، وكان أحد الأمراء يومئذ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ فِي قَوْلٍ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي قَوْلٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْفَقِيهُ بِدِمَشْقَ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ الْفَقِيهُ بِمَكَّةَ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الأَمِيرُ بِأَرْضِ الرُّومِ. وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ غَزْوَةَ السَّائِحَةِ، فَدَخَلَ بِجَيْشِهِ فِي بَابِ اللانِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى خَرَجَ إِلَى بِلادِ الْخَزَرِ، وَمَرَّ بِبَلَنْجَرَ وَسَمَنْدَرَ، وَانْتَهَى إِلَى الْبَيْضَاءِ مَدِينَةِ الْخَاقَانِ، فَهَرَبَ الْخَاقَانُ. وَفِيهَا جَهَّزَ أَمِيرُ إفريقية إلى الْمَغْرِبِ جَيْشًا عَلَيْهِمْ قُثَمُ بْنُ عَوَانَةَ، فَأَخَذُوا قَلْعَةَ سَرْدَانِيَةَ مِنْ بِلادِ الْمَغْرِبِ، وَرَجَعُوا فَغَرِقَ قُثَمُ بْنُ عَوَانَةَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ مُسْلِمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي عليّ بن عيّاش الأَلهاني بحمص، وأبو بكر عبد الله بن الزُّبير الحُمَيْديّ بمكة، وأبو نُعَيم الفضل بن دُكين، وأبو غسّان مالك بن إسماعيل النَّهْديّ بالكوفة، وعَمرو بن حكّام، وإبراهيم بْن حُميد الطويل، وسعد بْن شُعْبَة بْن الحَجّاج بالبصرة، وأبو الأسود النَّضْر بن عبد الجبّار بمصر، وسليمان -[254]- ابن داود الهاشمي، وغسان بن المفضل الغلابي ببغداد. وفيها ظهر محمد بن القاسم العلوي الحسيني بالطالقان يدعو إلى الرِّضا من آل محمد. فاجتمع عليه خلْق، فسار لقتاله جيش من قِبل عبد الله بن طاهر، فجرت بينهم وقعات عديدة، ثم انهزم محمد بن القاسم فقصد بعض كُوَر خُراسان، فظفر به متولّي نَسَا، فقيّده وبعث به إلى ابن طاهر، فحبسه المعتصم. ثم إنّه هرب من السجن ليلة عيد الفطر، ونزل في حبلٍ دُلّي له. فنودي عليه: مَن أحضره فله مائة ألف درهم، فلم يقعوا به. وفي جُمادَى الأولى قدِم بغداد، إسحاق بن إبراهيم بسبيٍ عظيم من أهل الخرمية الذين أوقع بهم بهمذان. وفيها عاثت الزُّطّ بنواحي البصرة، فانتدب لحربهم عُجَيْف بن عَنْبَسة، فظفر بهم وقتل منهم نحو الثمانمائة. ثم جرت له معهم حروب. وكان عدّتهم خمسة عشر ألفا. وفيها امتحن المعتصم أحمد بن حنبل، وقيل: سنة عشرين، وذلك في ترجمة أحمد رحمه الله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع عشرة وثلاثمائة
فيها قبض المقتدر عَلَى الوزير سليمان بْن الحَسَن، وكان قد أضاق إضاقة شديدة. وكانت وزارته سنة وشهرين. وكان المقتدر يميل إلى وزارة الحُسين بْن القاسم، فلم يمكنه مؤنس، وأشار بأبي القاسم عُبَيْد اللَّه بْن محمد الكَلَوْذَانيّ. فاستوزره مَعَ مشاورة عليّ بْن عيسى في الأمور. وفيها: كانت وقعة بين هارون بْن غريب وبين مرداويج الديلمي بنواحي همذان. فانهزم هارون، وملك الدَّيْلَمّي الجبل بأسره إلى حُلْوان. وفيها: عزل الكَلَوْذَانيّ واستوزر الحُسين بْن القاسم بْن عُبَيْد اللَّه؛ لأنه كتب إلى المقتدر، وهو على حاجة: أنا أقوم بالنفقات وزيادة ألف ألف دينار كلّ سنة. وكانت وزارة الكَلَوْذَانيّ شهرين. وفي ذي الحجّة استوحش مؤنس من المقتدر؛ لأنه بلغه اجتماع الوزير والقُوّاد عَلَى العمل عَلَى مؤنس. فعزم خواصُّه عَلَى كبس الوزير، فعلم، فتغيب عَنْ داره. وطلب مؤنس من المقتدر عزْل الوزير فعزله. فقال: انفه إلى عُمان. فامتنع المقتدر. وأوقع الوزير في ذهن المقتدر أنّ مؤنسًا يريد أنّ يأخذ الأمير أبا العبّاس من داره ويذهب بهِ إلى الشّام ومصر، ويعقد له الخلافة هناك. ثمّ كتب الحُسين الوزير يستحثّ هارون بْن غريب عَلَى المجيء، وكتب إلى محمد بْن ياقوت، وكان بالأهواز، أنّ يُسرع الحضور. فصحَّ عند مؤنس أنّ الوزير يدبِّر عَلَيْهِ، فخرج إلى الشّمّاسيّة بأصحابه، وكتب إلى المقتدر: إن مفلحًا الأسود مطابقٌ للحسين، وإن نفسي لَا تسكن حتّى تبعث إليَّ بمفلح فأقلده أجل الأعمال ويخرج إليها. فأجابه المقتدر: إنّ مفلحًا خادمٌ يوثق بخدمته، ولم يدخل فيما توهمت. فلمّا سمع مؤنس هذا، وأن الوزير ينفق في الرجّال، وأن هارون قد قرب من بغداد - أظهر الغضب وخرج إلى الموصل، فلحق بهِ أصحابه، فقبض الوزير عَلَى حواصله وأملاكه. وهنأ النّاس الوزير بذهاب مؤنس، وزاد محلُّه عند المقتدر، ولقبه " عميد الدولة ". وكتب ذَلِكَ عَلَى الدّينار والدّرهم. وكتب الوزير إلى دَاوُد وسعيد ابني حمدان، والحسن بْن عَبْد اللَّه بْن -[225]- حمدان بمحاربة مؤنس، فتعبّوا في ثلاثين ألفًا، وكان مؤنس في ثمانمائة، فنصر عليهم وهزمهم، وملك الموصل في صفر سنة عشرين. وفيها: نزل القَرْمَطيّ الكوفة، فهرب أهلها إلى بغداد. وفيها: دخلت الدَّيْلم الدّيْنَوَر فقتلوا وسبوا، فجاء من هرب إلى بغداد ورفعوا المصاحف عَلَى القُضُب، واستغاثوا يوم الأضحى وساعدهم الغوغاء، وسبّوا المقتدر وأغلقوا الأسواق خوفَا من هجوم القَرْمَطيّ. وفيها: ولد أبو تميم المعزّ رابع خلفاء مصر الذي بنى القاهرة. ولم يحجّ في هذه السنة ركْب العراق. ووردَ الخبر بأنّ ثمل والي طرسوس غزا الروم، فعبروا نهرًا ثمّ وقع عليهم ثلج عظيم. ثمّ التقوا جيش الروم عليهم ستّة بطارقة، فنصروا عليهم، وقتل خمسمائة علج من الروم، وأُسر ثلاثة آلاف. ثمّ تناخت الملاعين ونالوا من المسلمين، وقتلوا خلقًا وأسروا آخرين. وسار إلى نجدة أهل مَلَطْية وسميساط سَعِيد بْن حمدان، فكشف عَنْهَا ودخل غازياً في بلاد الرُّوم. ثمّ سار متولّي طرسوس ونسيم الخادم لغزو الصّائفة في اثني عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل حتّى بلغوا عمّورية ودخلوها. ثمّ أوغلوا في بلاد الروم، فغنموا وسبوا نحوًا من عشرة آلاف من الرقيق، وقتلوا خلقًا. وأقاموا في الغزاة ثلاثة أشهر. وفيها: كَانَ الوباء المفرط ببغداد، حتّى كَانَ يُدْفَن في القبر الواحد جماعة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع عشرة وأربعمائة
في المحَّرم اجتمع الغلمان وأكابر الإسْفَهْسِلاريّة وتحالفوا عَلَى اتفّاق الكلمة، وبرَّزوا الخِيم، ثمّ أنفذوا إلى الخليفة يقولون: نَحْنُ عُبَيْد أمير المؤمنين، وهذا المِلك متوفرٌ عَلَى لَذّاته لا يقوم بأمورنا، ونريد أن تأمره أن يصير إلى البصرة ويُنفذ ولده نائبًا لَهُ. فأجيبوا. فأنفذ إلى السّلطان أبا الحَسَن الزَّيْنبيّ، وأبا القاسم المرتضى برسالةٍ، فاعتذر، فقالوا: تُعجل ما وعدنا بِهِ. فأخرج مِن المصاغ والفضّة أكثر مِن مائة ألف درهم، فلم تُرضهم. ثمّ بكّروا فنهبوا دار الوزير أَبِي عليّ بْن ماكولا، وعظُمت الفتنة وزالت الهيبة، ونهبوا بعض العوامّ، ووكلوا جماعةً منهم بدار السّلطنة ومنعوا مِن دخول الطّعام والماء. فضاق الأمرُ عَلَى مِن فيها حتّى أكلوا ما في البُستان وشربوا ما في الآبار. فخرج جلال الدّولة، ودعا الموكَّلين بالأبواب، فلم يجيبوه، فكتب ورقة: إنّي راجعٌ عَنْ كلّ ما أنكرتموه. فقالوا: لو أعطيتنا مال بغداد لم تصلُح لنا. فقال: أكَرِهْتُموني، فمكّنِوني مِن الانحدار. فابتيع لَهُ زَبْزَب شِعث، فقال: يكون نزولي بالليل. قَالُوا: لا، بل السّاعة، والغلمان يَرَوْنَه فلا يسلّمون عَليْهِ. ثمّ حَمَل قوم مِن الغلمان إلى السُرادق، فظنّ أنّهم يريدون الحُرم، فخرج من الدار وفي يده طِبر، فقال: قد بلغ الأمر إِلَى الحُرم؟ فقال بعضهم: ارجْع إلى دارك فأنت مَلِكُنا، وصاحوا: " جلال الدّولة يا مَنْصُور "، وترجّلوا فقبّلوا الأرض، فأخرج المصاغ والفَرْش والآلات الكثيرة فأبيعت، ولم تفِ بمقصودهم. فاجتمعوا إلى الوزير ابن ماكولا، وهموا بقتله، فقال: لا ذنب لي. ومات فيها ملك إقليم كَرْمان قوام الدّولة ابن بهاء الدولة ابن عضُد الدّولة، فأخذ كَرْمان بعده ابن أخيه أبو كاليجار. -[187]- وعُدم الرُطب ببغداد إلى أن أبيع ثلاثة أرطال بدينار جلالي. ولم يحج أحدٌ من العراق. وفيها ولى دمشق للعُبيديين أمير الجيوش الدّزْبَريّ، وكان شجاعًا شهمًا سائسًا منصِفا، واسمه أبو منصور أنُوشتكين التّركيّ، لَهُ ترجمة طويلة في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع عشرة وخمسمائة
في صِفْر برز الخليفة إلى صحراء الشّمّاسيّة بجيوشه، ثمّ رحل فنزل الدَّسْكَرَة، وجاء دُبَيْس وطُغْرُلْبَك فدبّروا أن يكبسوا بغداد ليلًا، ويحفظ دبيس المخائض، ويَنْهب طُغْرُلْبَك بغداد. فمرض طُغْرُلْبَك تِلْكَ الليلة، وجاء المطر، وزاد الماء، وضجّ النّاس بالابتهال إلى الله، وأُرْجِف عند الخليفة بأنّ دُبَيْسا دخل بغداد، فرحل مُجدّا إلى النّهروان. فلم يشعر دُبَيْس إلّا برايات الخليفة، فلمّا رآها دُهش، وقبّل الأرض، وقال: أَنَا العبد المطرود، أمّا أن يُعْفى عَنِ العبد المذنب؟ فلم يُجِبْه أحد، فأعاد القول والتضرُّع، فرقَ لَهُ الخليفة، وهم بالعفو عَنْهُ، فصرفه عن ذَلِكَ الوزير أَبُو علي بن صدقة، وبعث الخليفة نظرا الخادم إلى بغداد بالبشارة، ونودي في البلد بأن يخرج العسكر لطلب دُبَيْس، والإسراع مَعَ الوزير ابن صَدَقة. ودخل الخليفة، وسار دُبَيْس -[166]- وطُغْرُلْبَك إلى سَنْجَر مستجيرين بِهِ، هذا مِن أخيه محمود، وهذا من الخليفة، فأجارهما، ولبسا عَليْهِ، فقالا: قد طَرَدنا الخليفة، وقال: هذه البلاد لي، فقبض سنجر على دبيس وسجنه خدمة للخليفة. وفي رجب راح سعد الدولة برنقش، فاجتمع بالسّلطان خاليا وأكثر الشّكوى مِن الخليفة، وحقّق عنده أنّه يطلب المُلْك، وأنّه خرج مِن بيته نَوْبَتَين وكَسَر مِن قَصَده، وإن لم يفكّر في حسْم ذَلِكَ اتسع الخَرْق، وسترى حقيقة ذَلِكَ إذا دخلت بغداد. والّذي يحمله عَلَى ذَلِكَ وزيره، وقد كاتب أمراء الأطراف، وجمع الأكراد والعرب، فحصل في نفس محمود ما دعاه إلى المجيء إلى بغداد. وفيها قتلت الباطنية بالموسل أقسُنْقُر البُرْسُقيّ في مقصوره الجامع، فيما ذكر ابن الجوزي، والصحيح سنة عشرين. وفيها قِدم البُرْسُقيّ فنازل كَفَرْطاب، وأخذها مِن الفرنج، ثمّ عمل مَصَافًا مَعَ الفرنج، وكانوا خلْقًا، فكسروه، وقتلوا نحو الألف مِن المسلمين، وأسروا خلقًا. وفيها جمع بغدوين الصّغير صاحب القدس وحشد، وأغار عَلَى حَوْران، فخرج لحربه طُغتِكين في خلْق كثير وتُرْكُمانٌ قدموا للجهاد، وخلْقٌ مِن أحداث دمشق، ومن المرج، والغُوطةً بالعُدَد التّامّة. فالتقوا بمرج الصُّفَّر، فحملت الملاعين عَلَى المسلمين، فهزموهم إلى عَقَبَة سحوراء، وقتلوا أكثر الرّجّالة، وما نجا إلّا مِن لَهُ فَرَسٌ جواد. وجاء طُغتِكين وقد أُسِرت أبطالُه، وما شكّ النّاس أنّ الفرنج يصبّحون البلد، فحازوا الغنائم والأسرى ورجعوا، فلا قوة إلا بالله. وفيها عسكر اللعين ابن رذمير الذي استولى على شرق الأندلس بجيش في أربعة آلاف فارس بفاوة، فسار مِن سَرَقُسْطَة، ثمّ عَلَى بلنسية، ثمّ مُرْسِيّة. ومر على جزيرة شقر، فنازلهم أيّامًا. وكان عَلَى الأندلس تميم بْن يوسف بْن تاشَفين، ومُقامه بغُرْناطة، فجمع الجيوش، والتف على ابن رذمير سوادٌ عظيمٌ مِن نصارى البلاد، فوطئ بلاد الإسلام يغِير ويَنْهَب. وقصده المسلمون، -[167]- فالتقوا، فأصيب خلق من المسلمين وعاث ابن رذمير في بلاد الإسلام أكثر مِن سنة، ورجع بغنائم لا تحصى. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع عشرة وستمائة.
قَالَ أَبُو شامة: فيها ظهر بالشام جراد عظيم أكل الزَّرْع والشَّجَر، فأظهر الملك المُعَظَّم أَنَّ ببلاد العَجَم طيرًا يُقَال لَهُ السَّمرمر يأكل الجراد، فأرسل الصَّدْر البكْري المُحتسب، ورَتَّبَ معه صوفية، وَقَالَ: تمضي إلى العجم فهناك عين يجتمع عليها السَّمرمر، فتأخذ من مائها في قوارير، وتعلقها على رؤوس الرِّماح، فَإِذَا رآها السمرمر تبِعك. وما كَانَ مقصوده إِلَّا أنْ بعثه إلى السُّلْطَان جلال الدين ابن علاء الدين ليتفق معه، وَذَلِكَ لَمَّا بلغه اتّفاق أخويه بمصر عَلَيْهِ. فسار البكْري واجتمع بجلال الدين، وقَرَّر معه الْأمور بِأَذْرَبِيجَان، وجعله سَنَدًا لَهُ. فَلَمَّا عاد ولّاه مشيخة الشيوخ مع حسبة دمشق. وفيها حجّ خلقٌ كثير لكونها وقفة الْجُمُعة، وازدحم النَّاس بمكَّة حتى ماتَ جماعة؛ قَالَ ابنُ بنت الْجَوْزيّ: وحَجّ من اليمن صاحبُها الملك المسعود ابن الكامل في عسكر عظيم، ومنعَ علمَ الناصر لدين اللَّه أن يصعد الجبل، وأصْعدَ علم أَبِيهِ، ولَبِسَ السِّلاح وَقَالَ لجُنده: إنْ أصعدوا علم الخليفة فاكسروه، وانهبوا البغاددة. وَيُقَال: إِنَّهُ أذِنَ في العَلَم في آخر شيء، وبدا منه جبروتٌ عظيم. حكى لي شيخُنا جمالُ الدين الحَصِيريّ، قَالَ: رأيته وقد صعِد عَلَى قُبة زَمْزَم وَهُوَ يرمي حمام مكَّة بالبُنْدق، ورأيتُ غلمانه يضربون النَّاس بالسيوف في أرجلهم في المَسْعَى ويقولون: اسعوا قليلًا قليلًا، فإنّ السُّلْطَان نائم سكْران في دار السلطنة التي في المسعى، والدّم يجري عَلَى ساقات النَّاس! قَالَ أَبُو شامة: استولى المسعود عَلَى مكَّة وبنى القبَّة عَلَى مقام إِبْرَاهِيم، وكثُر الْجَلَب إلى مكَّة في أيامه، ولعِظَم هيبته قلَّت الْأشرار، وأمنت الطرق. قَالَ: وفيها نقل تابوت العادل إلى تربته، فأحضر إلى صحن الجامع وصلّى عَلَيْهِ الخطيب الدَّوْلَعِيّ، وألقى الدّرس بمدرسته القاضي جمال الدّين المَصْرِيّ، وحضر السُّلْطَان الملك المُعَظَّم، وبحث، وجَلس المُدرِّس عن يسار السُّلْطَان، وعن يمينه شيخ الحنفية جمال الدين الحصيري، ويليه فخر -[307]- الدين ابن عساكر شيخ الشَّافِعِيَّة، ثُمَّ القاضي شمس الدين ابن الشيرازي، ثم محيي الدين ابن الزَّكي، وتحت المُدّرِّس السيف الآمدي، ثُمَّ القاضي شمس الدين ابن سَنِيّ الدولة، ثُمَّ نجم الدين خليل قاضي العَسْكَر. ودارت حلقة صغيرة، والخلْق مِلْء الإيوان، وَكَانَ قِبالة المُعَظَّم في الحلقة شيخُنا تقيّ الدين ابن الصلاح. وفيها ملك بدر الدين لؤلؤ صاحب المَوْصِل قلعة شوش عَلَى مرحلتين من المَوْصِل، وَكَانَ صاحبها عماد الدين زنكي قد سار إلى أُزْبك بن البَهْلوان سلطان أَذْرَبِيجَان، وخدَم معه، وأقطعه خبزاً، وأقام عنده. وفيها استولت التتار على بلاد القفجاق. وفيها، أَوْ في حدودها، بلغ جلال الدين ابن خُوَارِزْم شاه أَنَّ شمس الدين أيتمش قاصده في ثلاثين ألف فارس ومائة ألف راجل، فتجلَّد جلال الدين عَلَى مُلتقاه، وسار، وقدَّم قُدّامه جهان بهلوان أُزبك، فخالفه يَزَكُ أيتمش فهجم عَلَى جماعة منهم، وحضر إلى جلال الدين من أعلمه، ثُمَّ وصل بعد ذَلِكَ رَسُول أيتمش يطلب الصُّلح وَيَقُولُ: لَيْسَ يخفي عليك ما وراءنا من عدوّ الدين وَأَنْتَ سلطان المُسلمين وابن سلطانهم، وَإنْ رَأَيْت أنْ أزوّجك ابنتي. فمال السُّلْطَان جلال الدين إلى ذَلِكَ ولم يضرّ من ذَلِكَ حاله. ثُمَّ جاءته الْأخبار أَنَّ أيتمش وقباجة وسائر ملوك الهند قد اتّفقوا عَلَى جلال الدين، وأن يُمسكوا عَلَيْهِ حافَّة البَحْر، فعظُم ذَلِكَ عَلَيْهِ، واستناب جَهان عَلَى ما ملكه من الهِنْد، وسار إلى العراق وقاسى الشَّدائد والمشاق في تِلْكَ البراري التي بين الهند وكَرْمان، فوصل في أربعة آلاف منهم من هُوَ راكب البَقَر والحمير وَذَلِكَ في سنة إحدى وعشرين وستمائة. ثُمَّ قدِم شيراز فأتاه الْأتابك علاء الدولة مُذْعنًا بالطّاعة، لأنّه كَانَ قد استوحش من أخيه غياث الدين، فرغب جلال الدين فيه، وخطب بنته، فزوّجه بها، واستظهر جلال الدين بمصاهرته. ثُمَّ رحل إلى إصبهان ففرحوا بقدومه وأخرجوا لَهُ الخيل والسِّلاح، فَلَمَّا بلغ غياث الدين توسُّطُه في البلاد ركب إِلَيْهِ في ثلاثين ألف فارس، فرجع جلال الدين عند ذَلِكَ آيسًا ممّا كَانَ يؤمّله، وسيَّر إلى غياث الدين رسولًا يَقُولُ: " حَتَّى ضاقت عَليّ الأرض بما رحبت، قصدتك لأستريح عندك أيّامًا، وحيث علمت أَنَّ ما عندك للضيف غير السيف رجعت ". فَلَمَّا بلغت غياث الدين الرسالة، عاد عمّا كَانَ عزم عَلَيْهِ من قتال أخيه جلال الدين، وتفرّقت عساكره. -[308]- وَكَانَ جلال الدين قد سيّر مَعَ رسوله عدة خواتيم يوصلها إلى جماعة الْأُمراء، منهم من تناول الخاتم وسكت وأجاب إلى القدوم عَلَيْهِ، ومنهم من سارع بالخاتم إلى غياث الدين فغَضِبَ وقبضَ عَلَى الرَّسُول، فركب جلال الدين في ثلاثة آلاف، وأسرع حَتَّى أناخَ بغياث الدين وَهُوَ عَلَى غير أُهبة للمصافّ، فركب فرس النَّوبة وهرب. ودخل جلالُ الدين خيمة غياث الدين وبها والدة غياث الدين، فزادَ في احترامها، وأنكرَ هروبه وَقَالَ: ما بقي من بني أَبِي سواه. فسيَّرت والدته خلفهُ، فعادَ إِلَيْهِ فأكرمه. وحضر إلى باب جلال الدين من كَانَ بخُرَاسَان والعراق ومازندران من المُتَغَلِّبين عَلَى البلاد؛ ففرَّق العُمّال عَلَى البلاد، وسار نحو خُوزِستان، وسيَّر رسولًا إلى بَغْدَاد، فأكرموه وفرحوا بسلامة جلال الدين في مثل هذا الوقت الصعب. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي