نتائج البحث عن (أُكتبْ حديثَه) 1 نتيجة

سئل الإمام مسلم عن بعض معاصريه من المحدثين فأجاب بقوله لمن سأله: (أُكتبْ حديثه) ، وهذا حكم منه لذلك الراوي بأنه يحتج به.
ولا يَرِدُ على هذا أن من عادة المحدثين أن يكتبوا عمن يُحتج به ، وعمن يُستشهد به أيضاً ، وذلك لأن الإمام مسلماً أطلق الأمر أو الإذن بالكتابة من غير أن يستدرك شيئاً أو ينبه إلى ضعفٍ أو لِينٍ في حال ذلك الراوي المعاصر الذي لا شك أنه يعرفه معرفة كافية(1) ؛ وهذا الإطلاق كأنه قرينةٌ تجعل عبارة الإمام مسلم هذه مشوبةً بنوع من معاني تزكية ذلك الراوي والحثّ على كتابة حديثه ؛ ولذلك تفسر هذه العبارة بأنها تفيد الاحتجاج بمن قيلت في حقه ؛ فالأصل أنه لو كان ذلك الراوي ضعيفاً يكتب حديثه ولا يحتج به لما سكت الإمام مسلم عن تضعيفه ، وهو الإمام الناقد الجهبذ المشهور بتثبته وتحريه واحتياطه ، ثم إن من كان معاصراً لمسلم فهو من أهل عصر تكاثرت فيه الرواية وانتشرت انتشاراً واسعاً فيمكن الاستغناء عن راو ضعيف يستشهد به ، بغيره من أقرانه أو معاصريه ولو بنزول.
هذا ما ظهر لي بعد أن كنتُ أميل إلى تفسير كلمة الإمام مسلم هذه بأنها تصْدق بمن يُحتج به وبمن يُستشهد به ، ولكل قولٍ حجةٌ ، والله أعلم بالصواب.
قال المزي في (تهذيب الكمال) (1/524): (قال مكي بن عبدان: سألت مسلم بن الحجاج عنه فقال: ثقة ، وأمرني بالكتابة عنه ).
وقال (1/258) في ترجمة أبي الأزهر أحمد بن أزهر: (وقال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع الحافظ: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: سألت محمد بن يحيي عن أبي الأزهر ، فقال: أبو الأزهر من أهل الصدق والأمانة نرى أن يكتب عنه ، وقال أيضاً: حدثني أبو محمد بن أبي حامد عن مكي بن عبدان قال: سألت مسلم بن الحجاج عن أبي الأزهر ، فقال: اكتب عنه ؛ قال الحاكم أبو عبد الله: وهذا رسم مسلم في الثقات).
وجعل مؤلفا (تحرير تقريب التهذيب) (1/60) إذنَ مسلم أو وصيته بالكتابة عن الرجل توثيقاً تامّاً منه له(2)، واستندا في ذلك إلى ما أسنده الحاكم في (تاريخ نيسابور) له عن أبي حاتم السلمي ، قال: سألت مسلم بن الحجاج عن الكتابة عن أحمد بن حفص ؟ فقال: نعم ؛ ثم قال الحاكم: (هذا رسم مسلم في الثقات الأثبات)(3).
وأقول: قول الحاكم (الثقات الأثبات) إن كان هذا فيه توقيف عن مسلم نفسه فهو اصطلاح له ولا كلام ، ولكن الحاكم لم يذكر توقيفاً والظاهر أنه قاله استنباطاً واستقراءً.
وحينئذٍ يُقال بناءً على ذلك: إنَّ الحاكم إما أن يريد بكلمة (الثقات الأثبات) ظاهرها وهو التوثيق التام المؤكَّد ، أو يريد التوثيق المطلق أعني المعبَّر عنه عند الجمهور بكلمة (ثقة) ، أو يريد القوي الذي يحتج به، سواء ثقةً كان أو صدوقاً.
وعلى احتمال أن مراده هو النوع الأول من الرواة أو النوع الثاني منهما ، أي صاحب التوثيق التام ، فدعواه ليست بمسلمة له ، ترى لو سئل مسلم عن الكتابة عن راو صدوق حسن الحديث بم كان يجيب سائله؟ بالإيجاب أم المنع أم السكوت؟ ألم يرو مسلم في (صحيحه) لمئات من الصدوقين الذين لا يرتقون الى رتبة التوثيق المطلق ، ومنهم طائفة من شيوخه؟!
وأما على احتمال أن مراده هو المعنى الأخير أي التقوية والاحتجاج فدعوى قريبة ظاهرٌ قربها، كما تقدم ؛ ومما لعله يؤيد أن ذلك هو مراد الحاكم هو أنه لا يفرق في الجملة بين حديث الثقة وهو الحديث الصحيح وبين حديث الصدوق وهو الحديث الحسن ، فهو يطلق على كل واحد من النوعين اسم الصحيح ، ومعنى ذلك بحسب ما يظهر هو عدم تفريقه بين الراوي الثقة والراوي الصدوق ، فكلاهما يطلق عليه عنده اسم الثقة.
إن قول ناقد مثل مسلم لسائله عن بعض الرواة: (اكتبْ عنه) يعطي معنى زائداً على معنى قول الناقد في الراوي: (يكتب عنه) أو قوله فيه (يكتب حديثه) ففي الأولى إشعار بتحضيضه السائل أو غيره على الكتابة عنه وبترغيبه فيها، وأن أحاديثه صالحة للاحتجاج بها في الجملة ؛ وأما (يكتب حديثه) فهي مشعرة بجواز الكتابة عنه وأنه بيس متروكاً ، وهي تشبه أن تكون صيغة تمريض ؛ وانظر (يكتبُ حديثه).
__________
(1) وما كان مثل مسلم ليأمر من استفسره عن حال بعض الضعفاء الذين يستشهد بهم بالكتابة عنه ويقتصر في نقده على هذه الكلمة ويغفل التصريح بحقيقة حاله والإشارة إلى جرحه؛ فالراجح أن مسلماً لا يستعمل هذه العبارة إلا فيمن هو - في الأقل - صدوق محتج به عند علماء الجرح والتعديل.
(2) قال ابن حجر في أحمد بن حفص السلمي: (صدوق) ، فقالا: (بل ثقة ، وثقه النسائي في رواية ، وأوصى مسلمٌ بالكتابة عنه - وهو رسمه في الثقات - وروى عنه البخاري في "الصحيح" ، وأبو داود ، والنسائي ، بل قال الذهبي: ثقةٌ مشهورٌ كبيرُ القَدْر ، ولا نعلم فيه أدنى جرح).
(3) جاء في ترجمة أحمد بن حفص النيسابوري من (تهذيب التهذيب) (1/21): (وعنه البخاري وأبو داود والنسائي ومسلم في غير الصحيح وأبو حاتم---- وابن خزيمة ؛ قال النسائي: لا بأس به ، صدوق ، قليل الحديث ---- ؛ قلت: وقال الكلاباذي فيه: السلمي مولاهم؛ وقال مسدد بن قطن: ما رأيت أحداً أتم صلاة منه؛ وأمر مسلم بالكتابة عنه وقال النسائي في أسماء شيوخه: ثقة، وكذا قال مسلمة ).
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت