|
تفرد الراوي بالحديث هو عدم المتابِع؛ والحُكم على الحديث بالتفرد له عند المتقدمين معنى، وله عند المتأخرين معنى آخر.
أما المتقدمون فالأصل عندهم في تنصيصهم على تفرد الراوي بالحديث هو إرادتهم الإشارة إلى استغراب ذلك التفرد، وإعلال الرواية به ، وأحياناً قليلة يريدون إعلال متابعاتها وعدم الاعتداد بتلك المتابعات ؛ وأكثر ما يريدونه بإطلاق التفرد هو النسبيُّ منه؛ ويأتي شرح معناه. فالمتقدمون ولا سيما علماء العلل منهم ، كانوا إذا قالوا في حديث: "تفرد به فلان" فهي في الغالب عبارة عن إعلال للحديث ، وإشارة إلى وهم ذلك المتفرِّد ، أو إلى عدم احتمال حاله مثل ذلك التفرد. ولما كان الغالب على مسلكهم في هذه القضية هو مقصد التعليل صاروا لا يعتدون بالمتابعات الساقطة عن حد الاعتبار ، ولا يلتفتون إليها، فتراهم ينصون على تفرد ذلك الراوي الثقة أو المقبول ، في الجملة ، وإن شاركه في روايته لذلك الحديث بعض الهلكى أو المخطئين من الرواة(1). وأما المتأخرون فالأصل عندهم في التنصيص على التفرد هو الإحصاء وذكر الغرائب ، وبيان انتفاء المتابعة تيسيراً على الباحث المستقرئ؛ والأصل عندهم أيضاً أن التفرد لا يكون علة إلا كان المتفرد ضعيفاً ، أو مخالفاً لمن هو أوثق منه مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين. قال الشيخ الدكتور حمزة المليباري في خطبة كتابه (الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين - الطبعة الثانية) (ص13): (إن الحديث الذي يرويه الضعيف غير المتروك ، أو الحديث المنقطع بجميع أنواعه ، تتم تقويته بتعدد الروايات عند نقاد الحديث إذا ثبتت صحة هذه الروايات ، أو إذا لم يظهر لهم خطأ فيها. ففي الحالة الأولى يتقوى الحديث بالمتابعات(2) ويصير صحيحاً دون تمييز بين الثقة والضعيف والصدوق. وفي الحالة الثانية يكون الحديث حسناً ، كذلك. وأما إذا ظهر الخطأ والوهم فيما ورد من الروايات فلا يعدها النقاد متابعات ، ولا شواهد ، تصلح للتقوية ، حتى وإن كان رواتها ثقات ، فإن هذه الروايات عبارة عن أوهام من رواتها ، وتعددها يكون حينئذ وهماً لا حقيقة ، ويعبرون عن ذلك بقولهم "تفرد به فلان" ، أو "غريب" ، أو غير ذلك ؛ وهذه هي الضوابط في تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد لدى أئمة هذا الشأن----)(3). قلت: وكذلك قولهم (يُعرَف بفلان) ، فإذا قال الناقد الواسع الحفظ والاطلاع: (هذا الحديث يعرف بزيد) ، فيظهر أن معنى ذلك أنه يشير إلى عدم ثبوت ما قد يروى من متابعات لزيد ، أو إلى عدم الاعتداد بها وعدم الالتفات إليها ؛ أي أنه لا يثبت عن شيخ زيد إلا من طريق زيد وحده ، ثم إن الغالب في إطلاق هذه العبارة - أعني ذكر تفرد الراوي بالحديث وما كان بمعناها - عند المتقدمين هو أنها تقال في حق من يتفرد بحديث وهو نازل عن رتبة الاحتجاج بما يتفرد به. قال الترمذي في (سننه) (4): (حدثنا علي بن حجر قال أخبرنا الوليد بن محمد الموقري عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (إنما مثل المريض إذا برأ وصح كالبَرَدة تقع من السماء في صفائها ولونها) ؛ انتهى. الوليد بن محمد الموقري هذا ضعيف جداً ، وقد أنكر عليه أهلُ العلم هذا الحديثَ، وأدخلوه في ترجمته من كتب الضعفاء في جملة ما استنكروه عليه ؛ وصرحوا بأنه تفرد به عن الزهري ، مع أنه قد تابعه عليه غيرُ واحد من الرواة ، وذلك لأن ما رُوي من متابعات للموقري مسروقة ملصقة عمداً ، أو مقلوبة خطأً ، ولذلك لم يعتدَّ أهل العلم بها وصرحوا بتفرد الموقري أو أشاروا إليه ، فقد قال العقيلي (ترجمة رقم 1923): (عقب نقله لطعن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل والبخاري وعلي بن حجر في الموقري هذا ، ثم روايته الحديث المذكور وحده: (وله عن الزهري مناكير لا يُتابع عليها ولا تُعرف إلا به) ؛ وقال البيهقي في (شعب الإيمان) (12/269) (5): (أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد حدثنا تمتام حدثنا حاجب بن الوليد حدثنا الوليد بن محمد الموقري عن الزهري عن أنس قال قال رسول الله ﷺ: إنما مثل المريض إذا برىء وصح من مرضه كمثل البردة تقع من السماء ، في صفائها ولونها) ، ثم قال البيهقي: (هذا يعرف بالموقري وهو ضعيف ؛ وقد: 9382- أخبرنا أبو منصور أحمد بن علي الدامغاني من ساكني بيهقي أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ حدثنا الحسين بن محمد بن مودود حدثنا عبدالوهاب حدثنا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن أنس ----) الحديث. فانظر كيف قال البيهقي: (هذا يعرف بالموقري وهو ضعيف) ثم أتبع ذلك بمتابعة الزبيدي للموقري ، ولكنه يراها غير معتدٍّ بها، لأن عبد الوهاب - وهو ابن الضحاك - متروك. وقال ابن عدي في (الكامل) (3/406) في ترجمة سعيد بن هاشم بن صالح المخزومي ، عقب إخراجه لهذا الحديث من طريق ابن أخي الزهري وعبدِ الله بن عامر ، مقرونَينِ ، عن الزهري به: (وهذا الحديث قد رواه عن الزهري الموقري أيضاً ، وهو معروف به). وقال ابن عدي أيضاً (7/72) في ترجمة الموقري هذا عقب روايته الحديث من طريقه: (وهذا لا يرويه عن الزهري غير الموقري). وأخرج ابن حبان هذا الحديث في (المجروحين) (1/358) من طريق سفيان بن محمد الفزاري عن ابن وهب عن يونس عن الزهري به ، وقال: (هذا خبر باطل ، إنما هو قول الزهري ، لم يرفعه عن الزهري إلا الموقري) ، لأن سفيان بن محمد متروك ، بل متهم ، اتهمه ابن عدي بسرقة الأحاديث ، وتسوية الأسانيد ؛ وهذا الحديث بعض مسروقاته. وقال البزار (762- كشف الأستار): (والموقري لين الحديث ؛ حدث عن الزهري بأحاديث لم يتابع عليها). فهذه جملة من كلمات أهل العلم في هذا الحديث ، مع أنه قد رُوي - كما تقدمت الإشارة إليه - عن الزهري من طرق أخرى غير طريق الموقري ؛ ومعنى ذلك عدم اعتدادهم بتلك المتابعات لعدم صحتها عن أولئك المتابِعين ، فهم يرون أن كل من روى هذا الحديث عن الزهري من غير طريق الموقري ، فهو إما سارق أو واهم ؛ ولذلك صرّحوا - أو لوحوا - بأن هذا الحديث تفرد به الموقري(6). وأخيراً ، فإذا عُلم هذا تبين وجه صنيع كثير من جهابذة الحفاظ والنقاد من تصريحهم في كثير من الروايات بتفرد بعض رواتها بها ، مع وجود متابعات لها ؛ وههنا احتمالات: أولها وهو أظهرها: أنهم وقفوا على تلك المتابعات ، ولكنهم تركوها ولم يلتفتوا إليها ، لسقوطها وشدة وهائها ، فعدّوها في حكم العدم ، وقد يُشعر بذلك استعمالهم كلمة (يعرف بفلان) أو (لا يُعرف إلا بهذا الإسناد) ، ومعلوم أن كلمة (معروف) لها في عرف المحدثين معنى اصطلاحي معروف ، فالحديث المنكر غير معروف ويستحق أن يقال فيه: لا يُعرف. وثانيها: أنها فاتتهم ، إما بتعمد منهم، أو بدونه ، فليست عندهم ، فهم لم يكتبوها ، أو لم يسمعوها أصلاً ، بسبب كونها من رواية المتروكين عندهم ، من معاصريهم أو من طبقة شيوخهم ، والأئمة يكتبون أحياناً عن بعض المتروكين لحاجات النقد ، ويتركون الكتابة عن كثير منهم ، وهم الذين لا يُنتفع برواياتهم في الدراسات النقدية. وثالثها: أنها وُجدت أو افتُريت بعد عصرهم إمّا بسرقة أو تركيب متعمَّد ، أو تلقين ، أو إدخال ، أو تزوير ؛ أو وجدت بعد عصرهم ، كذلك ، ولكن من غير تعمد ، بل بسبب خطأ من راو مخطئ. ولهذا فإن من أراد أن يستدرك عليهم مثل هذه المتابعات ينبغي أن لا يكون استدراكه مُشعراً بوصفهم بالتقصير في التفتيش أو القصور في الحفظ ، فإنهم فوق ذلك وإن لم يكونوا معصومين من الخطأ ولا محيطين بكل العلم ؛ فليعلم ذلك ، وأيضاً ينبغي أن يُجعل تنصيصهم على ذلك التفرد احتمالاً قوياً في سقوط تلك الرواية المستدركة أو تعليلها بما يمنعها من صلاحيتها للاستشهاد بها ، وحينئذ لا بد من دراسة كل الاحتمالات والقرائن في كل حديث. هذا وقد أولع كثير من المحدثين من المتوسطين والمتأخرين بجمع نوعين من الأفراد والغرائب: النوع الأول: ما تفردوا هم أنفسهم به ، وأفردوا لذلك كتب الفوائد. النوع الثاني: ما تفرد به الأئمة ، كمالك وغيره من الكبار ؛ وأفردوا لذلك كتب الغرائب ونحوها(7). ومن المهم معرفته أن حكم النقاد على تفرد الثقات يختلف باختلاف حالهم في الحفظ ، واختلاف طبقتهم الزمنية ، واختلاف صفتهم من حيث الإكثار والإقلال ، واختلاف مقدار ملازمتهم لمن تفردوا عنه ، واختلاف معنى الحديث الذي تفردوا به ، واختلاف نعوت وأحوال شيخهم الذي تفردوا عنه. وإليك تفصيلٌ في بعض هذه المعاني: قال الحافظ الذهبي في (الموقظة) (ص33-36): (ويمتاز الثقة بالضبط والإتقان ، فإن انضاف إلى ذلك المعرفة والإكثار فهو حافظ. والحفاظ طبقات في ذروتها أبو هريرة رضي الله عنه ، وفي التابعين كابن المسيب ، وفي صغارهم كالزهري ، وفي أتباعهم كسفيان وشعبة ومالك ، ثم ابن المبارك ويحيى بن سعيد ووكيع وابن مهدي ----. وممن يوصف بالحفظ والإتقان جماعة من الصحابة والتابعين ، ثم عبيدالله بن عمر وابن عون ومسعر ، ثم زائدة(8) ----. وممن يُعدّ(9) من الحفاظ في الطبقة الثالثة عدد من الصحابة وخلق من التابعين وتابعيهم وهلم جراً إلى اليوم----. فهؤلاء الحُفَّاظُ الثقات ، إذا انفرد الرجلُ منهم من التابعين ، فحديثهُ صحيح. وإن كان من الأتباعِ قيل: صحيح غريب. وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريبٌ فَرْد. ويَنْدُرُ تفرُّدهم ، فتجدُ الإمامَ منهم عندهَ مِئتا ألف حديث ، لا يكادُ ينفرد بحديثينِ ، ثلاثة. ومن كان بعدَهم فأين ما يَنفرِدُ به ، ما علمتهُ ، وقد يوُجَد. ثم نَنْتَقِلُ إلى اليَقِظ الثقةِ المتوسِطِ المعرفةِ والطلب ، فهو الذي يُطلَقُ عليه أنه ثقة(10) ، وهم جُمهورُ رجالِ الصحيحين ؛ فتابِعِيُّهم إذا انفَرَد بالمَتْن خُرَّج حديثهُ ذلك في الصحاح. وقد يَتوقَّفُ كثيرُ من النُّقاَّد في إطلاق الغرابة مع الصحة في حديثِ أتباعِ الثقات(11) ؛ وقد يُوجَدُ بعضُ ذلك في الصحاح دون بعض(12). وقد يُسمِّي جماعةٌ من الحفاظ الحديثَ الذي ينفرد به مثلُ هُشَيْم وحفصِ بنِ غِياثٍ: منكراً فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة ، أطلقوا النكارةَ على ما انفرد ، مثلُ عثمان بن أبي شيبة ، وأبي سَلَمة التَّبُوْذَكِي ، وقالوا: هذا منكر(13). فإن رَوَى أحاديثَ من الأفراد المنكرة غَمَزُوه وليَّنوا حديثَه ، وتوقفوا في توثيقه ، فإن رَجَع عنها وامَتَنع من روايتها ، وجَوَّز على نفسِه الوَهَمَ فهو خيرٌ له وأرجَحُ لعدالته ، وليس من حَدِّ الثقةِ: أنَّهُ لا يَغلَطُ ولا يُخطِئ ، فمن الذي يَسلمُ من ذلك غيرُ المعصومِ الذي لا يُقَرُّ على خطأ ؟!) ؛ انتهى. تدبر كلام الذهبي رحمه الله ، وانظر كيف ذكر تفريق النقاد في أحكامهم على الرواة بحسب مراتبهم في الوثاقة والزمن. وقال ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام) (4/383) في ختام كلامه على بعض الأحاديث:(وهذا الذي كتبناه كله يؤكد ما قلناه ، من كون الحديث المذكور لا يصح ، فإنه من الأفراد التي لا تقبل إلا من الثقات المشهورين) ؛ ولكن قد يكون لكلامه محملٌ آخر فلا يكون نصاً منه في تأييد المذهب الذي نحن بصدد نصرته ؛ فإنه قال إتماماً لكلمته المتقدمة: (وقد عُدم ذلك فيه ، للجهل بحال عقيل بن شبيب ). ثم إنَّ التفرد - كما هو مشهور - نوعان: مطلق ونسبي(14) ، وهذا شرْحُهما. وانظر (لا أعلمه يُروى إلا من هذا الوجه) و (الغرائب) و (فائدة). (15) وكذلك الغرابة نوعان: مطلقة ونسبية. __________ (1) وعقد الدكتور حمزة المليباري في (الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها) مبحثاً في التفرد ، هو المبحث الثاني من مباحث الكتاب ، وقد ضم جملة من مسائل التفرد هي (حقيقته ، أهميته في معرفة علل الأحاديث ، الطريقة العلمية للكشف عن التفرد ، ضابط التفرد ، مراتب التفرد ، أمثلة ونماذج توضيحية) ، فقال في بيان حقيقة التفرد (ص71-72): (يراد بالتفرد أن يروي شخص من الرواة حديثاً ، دون أن يشاركه الآخرون ، وهو ما يقول فيه المحدثون النقاد: "حديث غريب" ، أو: "تفرّد به فلان" ، أو: "هذا حديث لا يُعرف إلاَّ من هذا الوجه" ، أو "لا نعلمه يُروي عن فلان إلا من حديث فلان" ، أو نحو ذلك. وما يمكن استخلاصه من نصوصهم أن التفرد على نوعين: تفرد مطلق ، وتفرد نسبي ، غير أنهم كثيراً ما يطلقونه على حديث ولا يفرقون بينهما ، وهذا ما يجعل المبتدئين يفهمون منه خلاف مقصودهم. أما المطلق فأن لا يكون الحديث معروفاً إلا من رواية فلان ، مثل ما تفرّد به أشعث بن عبد الله ، عن الحسن ،عن عبد الله بن مغفل: أن النبي ﷺ "نهى أن يبول الرجل في مستحمه … " [أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة من سننه]. يقول الترمذي: "هذا حديث غريب ، لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث أشعث بن عبد الله". وأما النسبي فأن يكون التفرد بالنسبة إلى جهة معينة ، مثل حديث سلمة بن وردان ، عن أبي سعيد بن أبي المعلى ، عن علي بن أبي طالب ، قال: قال رسول الله ﷺ: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة … " ، فإنَّ سلمة بن وردان لم يتفرّد بهذا الحديث مطلقاً ، وإنما تفرّد بجعله من مسند علي ، وهذا تفرد نسبي والحديث مشهور عن أبي هريرة. [روى ابن عدي حديث سلمة بن وردان في الكامل 3/1182]. ومثل حديث: " إنما الأعمال بالنيات " ، الذي رواه الربيع بن زياد ، عن محمد بن عمرو ،عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي ﷺ ، يقول ابن عدي: لم يروه عن محمد بن عمرو ، عن محمد بن إبراهيم غير الربيع بن زياد [أورده ابن عدي في الكامل 3/997] ؛ اعتبر ابن عدي رواية الربيع لهذا الحديث تفرداً رغم شهرته عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر، لأنه تفرّد بإضافته إلى محمد بن عمرو). ثم قال عقب ذلك (ص72) في بيان أهمية [العلم بـ]التفرد في معرفة علل الأحاديث: (إن التفرد من المسائل التي اعتنى بها نقاد الحديث إذ أن له علاقة مباشرة بتعليل الأحاديث ، فهو أحد وسائل الكشف عما يكمن في الأحاديث من أوهام وأخطاء ، فمن ثَمَّ أولاه المحدثون عنايةً بالغةً واهتموا به اهتماماً خاصاً ، فأفردوه بالتصنيف، فمن هذه المصنفات كتاب "الأفراد" ، و "غرائب مالك" ، و "الفوائد المنتخبة" ، للإمام الدارقطني ، ومنها ما يُنسب لتمام [تصحفت في المطبوعة إلى (لأبي تمام) ] وغيره من كتب الفوائد ، ومنها كتاب "المعجم الأوسط" ، و "المعجم الصغير" ، كلاهما للطبراني ، و "المسند المعلل" ، للإمام البزار ، و "حلية الأولياء" ، لأبي نعيم ، و "التاريخ الكبير" للإمام البخاري ، و "الكامل" لابن عدي ، و "الضعفاء" للعقيلي ، وغيرها كثير. وذلك مما يدل على أهمية المسألة ، إذ أنه ليس بالإمكان تعليل الأحاديث أو تصحيحها إلا بعد معرفة حالة التفرد أو حالة المشاركة في كل طبقة من طبقات الإسناد) ؛ انتهى ما أردت نقله من كلامه، وما بين الحاصرتين زيادات مني إما تصحيحية وإما مأخوذة من هامش (الموازنة). (2) علق الدكتور حمزة هنا قوله: (للمتبعات تفاصيل أخرى مهمة بينها أخونا الفاضل الشيخ عبدالعزيز بن عثيم رحمه الله تعالى رحمة واسعة ، في كتابه (دراسة الأسانيد) ، لمعالجة ظاهرتي الإفراط والتفريط في تطبيق قاعدة المتابعات والشواهد ، في بحوث المعاصرين والرسائل الجامعية ؛ فلتراجع ). (3) تتمة كلامه هي: (ومن المؤسف أن نرى بعض الباحثين المعاصرين يستدرك على نقاد الحديث فيما ينصون على غرابته من الأحاديث ، ويقول: "قلت: وقد توبع" ، أو: "وجدت له متابعات" ، ثم يسردها ؛ وفي الواقع لم تكن هذه المتابعات اكتشافاً من هذا الباحث ، وإنما أخذها من كتب النقاد أنفسهم الذين أعلوها بالتفرد أو المخالفة. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن ما فهمه في مسألة تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد لم يكن سليماً ولا مستقيماً منهجياً ، لكون هؤلاء المعاصرين قد اعتمدوا في ذلك على ظاهر ما ورد في كتب المصطلح ، دون إمعانهم النظر في سياقه ، ولا بحثهم عن أمثلته التطبيقية في كتاب النقاد ، فهم كمستبضع تمر إلى هَجَر. فعلى منهج النقاد فإن ظواهر الإسناد لا يعوَّل عليها في التصحيح والتضعيف إلا بعد التأكد [كذا] من انتفاء القرائن والملابسات التي يمكن أن تحيط بذلك الإسناد ؛ ولذا فإن معرفة صحة الحديث وضعفه ومدى قبوله وخطئه تكون متوقفة على الحفظ والفهم والمعرفة ، سواء في حالة اعتماد القرائن أو في حالة اعتماد الظواهر ؛ فإن القرائن غير محصورة بضوابط معينة ، بل لكل حديث قرينة وملابسات خاصة ، كما صرّح بذلك بعض حفاظ المتأخرين أمثال ابن رجب والعلائي وابن حجر وغيرهم. وهذا الذي ذكرناه من دقة منهج النقاد في التصحيح والتعليل ، هو بعينه سر وجود بعض أحاديث الثقات ، بل بعض أحاديث الأئمة ، في كتب العلل ، كونها معلولة غير مقبولة ، وسر وجود بعض أحاديث الضعفاء في كتب الصحاح مصححة معتمدة ). (4) استفدت أصل تخريج هذا الحديث من (الإرشادات) للشيخ طارق عوض الله (ص118-120). (5) ونظير هذا الولوع ولوعُهم بالإغرابِ على غيرهم، وكانوا يدخلون إلى ذلك الإغراب من بابين: الباب الأول: رواية ما ليس عند أقرانهم ، من أهل مِصرهم خاصة ، أو من أهل عصرهم، عامة. الباب الثاني: رواية ما يَعْلون به بالنسبة إلى أقرانهم ؛ فهم يُغرِبون على أقرانهم بتلك العوالي. (6) هؤلاء من الطبقة أو المرتبة الثانية من مراتب الثقات الحفاظ بحسب تقسيم الذهبي. (7) تصحفت في مطبوعة دار الآثار إلى (تعدّى) ، والتصحيح من مطبوعة الشيخ عبدالفتاح أبو غدة ، فقد كنت نقلت منها هذا النص ، ثم فقدتُ نسختي قبل البدء بتبييض الكتاب ، ولذلك جعلتُ أصلَ إحالتي على الطبعة الأخرى المذكورة. (8) يعني الثقات غير المؤكد توثيقهم. (9) يظهر أن المراد ثقات الأتباع. (10) يعني صاحب الصحيح ينتقي من أفراد هؤلاء. (11) هذه الفقرة سقطت من المطبوعة التي بين يدي ، وهي ثابتة في غيرها. |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هو أن يروي راوٍ حديثاً يتفرد بمتنه عن سائر الرواة ، أي ليس له فيه متابع ولا شاهد ؛ وذلك الحديث هو الغريب غرابة مطلقة.
فمعنى الغريب المطلق من الأحاديث هو - باختصار -: ما ليس لمتنه إلا إسناد واحد. ولا يمنع من إطلاق هذه التسمية تعدد رواة الحديث في بعض ما تأخر من طبقات سنده؛ ومن أشهر أمثلة ذلك حديث عمر رضي الله عنه (إنما الأعمال بالنيات). |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
وهو نوعان:
النوع الأول: أن يتفرد راو واحد بحديث من بين طائفة من الرواة ، تشاركه في اسم أو بلد أو زمن أو وصف أو شيخ له أو راوٍ عنه أو نحو ذلك ، مثل تفرد بصري بحديث دون سائر البصريين ، وكذلك تفرد راو يقال له أحمد بحديث من بين سائر الأحمدين ، أو تفرد أحد الثقات من بين سائرهم ، أو أحد شيوخ شعبة من بين سائرهم. والنوع الثاني: أن يتفرد بالحديث طائفة مخصوصة كالطوائف التي ذكرتها الآن ، فيكون مداره في طبقة من طبقات السند عليها ولا يرويه من غيرها أحد(1). مثال هذا النوع الأحاديث التي يتفرد بها الضعفاء أو الكذابون ، أو أصحاب البدعة الفلانية ، أو المدلسون أو الشاميون أو الكوفيون. أما الحاكم فقال في (معرفة علوم الحديث) (ص317 وما بعدها) في الأفراد من الأحاديث: (وهو على ثلاثة أنواع. فالنوع الأول منه: معرفة سنن لرسول الله صلى الله عليه وآله يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي(2) ----. والنوع الثاني من الأفراد: أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من الأئمة ----. فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة يتفرد بها عنهم أهل مكة مثلاً ، وأحاديث لأهل مكة يتفرد بها عنهم أهل المدينة مثلاً ، وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون عن أهل الحرمين مثلاً ، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه) ؛ انتهى. وهذان الاسمان (التفرد المطلق والتفرد النسبي) يظهر أنهما من اصطلاحات المتأخرين ؛ وأما المتقدمون فعنايتهم بالنقد المتعلق بتفرد الراوي عن شيخه، هو الأكثر. فائدة: يصح أن يقال في تعريف التفرد المطلق: هو تسلسل الحديث بالتفرد النسبي إلى منتهاه ؛ وأعني بالتفرد النسبي هنا النوع الأشهر منه وهو تفرد الراوي عن شيخه. (3) ثم ذكر حديثاً قال فيه بعده: (تفرد به أهل الكوفة من أول الإسناد إلى آخره لم يشركهم فيه أحد). __________ (1) قولنا في هذا الباب: هذا الحديث تفرد به المكيون مثلاً ليس المراد بذلك تسلسله بهم ، ولا اشتراك جميع الرواة المكيين بروايته ، وهذا واضح. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
كتاب التفرد
لأبي داود. وهو: تفرد أهل الأمصار بالسنن. |
معجم المصطلحات الاسلامية
|
Autonomy التفرد الاستقلال الذاتي
|