نتائج البحث عن (الفِكر) 50 نتيجة

(الْفِكر) إِعْمَال الْعقل فِي الْمَعْلُوم للوصول إِلَى معرفَة مَجْهُول وَيُقَال لي فِي الْأَمر فكر نظر وروية وَمَا لي فِي الْأَمر فكر مَا لي فِيهِ حَاجَة وَلَا مبالاة (ج) أفكار

(الْفِكر) يُقَال لَيْسَ لي فِي هَذَا الْأَمر فكر لَا أحتاج إِلَيْهِ وَلَا أُبَالِي بِهِ
(الفكرة) الْفِكر وَالصُّورَة الذهنية لأمر مَا (ج) فكر
الفكر:[في الانكليزية] Thought ،reflection [ في الفرنسية] Pensee ،reflexion بالكسر وسكون الكاف عند المتقدّمين من المنطقيين يطلق على ثلاثة معان. الأول حركة النفس في المعقولات بواسطة القوة المتصرّفة، أيّ حركة كانت، أي سواء كانت بطلب أو بغيره، وسواء كانت من المطالب أو إليها، فخرج بقيد الحركة الحدس لأنّه الانتقال من المبادئ إلى المطالب دفعة لا تدريجا. والمراد بالمعقولات ما ليست محسوسة وإن كانت من الموهومات فخرج التخيّل لأنّه حركة النفس في المحسوسات بواسطة المتصرّفة، وتلك القوة واحدة لكن تسمّى باعتبار الأول متفكّرة وباعتبار الثاني أي باعتبار حركة النفس بواسطتها في المحسوسات تسمّى متخيّلة؛ هذا هو المشهور.والأولى أن يزاد قيد القصد لأنّ حركة النفس فيما يتوارد من المعقولات بلا اختيار كما في المنام لا تسمّى فكرا. ولا شكّ أنّ النفس تلاحظ المعقولات في ضمن تلك الحركة، فقيل الفكر هو تلك الحركة والنظر هو الملاحظة التي في ضمنها، وقيل لتلازمهما أنّ الفكر والنظر مترادفان. والثاني حركة النفس في المعقولات مبتدئة من المطلوب المشعور بوجه ما، مستغرقة فيها طالبة لمبادئه المؤدّية إليه إلى أن تجدها وترتّبها، فترجع منها إلى المطلوب، أعني مجموع الحركتين، وهذا هو الفكر الذي يترتّب عليه العلوم الكسبية ويحتاج في تحصيل جزئيه المادّية والصورية جميعا إلى المنطق، ويجيء تحقيق ذلك في لفظ النظر، ويرادفه النظر في المشهور بناء على التلازم المذكور. وقيل هو هاتان الحركتان والنّظر هو ملاحظة المعقولات في ضمنهما، وهذا المعنى أخصّ من الأوّل كما لا يخفى. والثالث هو الحركة الأولى من هاتين الحركتين أي الحركة من المطلوب إلى المبادئ وحدها من غير أن توجد الحركة الثانية معها وإن كانت هي المقصودة منها، وهذا هو الفكر الذي يقابله الحدس تقابلا يشبه تقابل الصاعدة والهابطة، إذ الانتقال من المبادئ إلى المطالب دفعة يقابله عكسه الذي هو الانتقال من المطالب إلى المبادي، وإن كان تدريجا، لكنّ شارح المطالع جعل الحدس بإزاء مجموع الحركتين، فإنّه لا يجامعه في شيء معيّن أصلا ويجامع الحركة الأولى، كما إذا تحرّك في المعقولات فاطّلع على مباد مترتّبة فانتقل منها إلى المطلوب دفعة. وأيضا الحدس عدم الحركة في مسافة فلا يقابل الحركة في مسافة أخرى. والتحقيق أنّ الحدس بحسب المفهوم يقابل الفكر بأيّ معنى كان إذ قد اعتبر في مفهومه الحركة وفي مفهوم الحدس عدمها. وأمّا بحسب الوجود بالنسبة إلى شيء معيّن فلا يجامع مجموع الحركتين ويجامع الأوّل والثالث كما عرفت، ولا ينافي ذلك كون عدم الحركة معتبرا في مفهومه لأنّ الحركة التي لا تجامعه ليست جزءا من ماهيته ولا شرطا لوجوده. ثم إنّ هذا المعنى أخصّ من الأول أيضا وأعمّ من الثاني لعدم اعتبار وجود الحركة الثانية فيه. وعند المتأخّرين هو الترتيب اللازم للحركة الثانية كما هو المشهور. وذكر السّيّد السّند في حاشية العضدي أنّ الحركة الثانية يطلق عليها الفكر على مذهب المتأخّرين انتهى.ويرادف الفكر النظر في القول المشهور. وقيل الفكر هو الترتيب والنظر ملاحظة المعقولات في ضمنه، هكذا ذكر أبو الفتح في حاشية الحاشية الجلالية، ويجيء توضيح ذلك في لفظ النظر أيضا.فائدة:قالوا الفكر هو الذي يعدّ في خواصّ الإنسان، والمراد الاختصاص بالنسبة إلى باقي الحيوانات لا مطلقا.فائدة:قالوا حركة النفس واقعة في مقولة الكيف لأنّها حركتها في صور المعقولات التي هي كيفيات، وهذا على مذهب القائلين بالشّبح والمثال. وأمّا على مذهب من يقول إنّ العلم بحصول ماهيات الأشياء أنفسها فتلك الحركة من قبيل الحركة في الكيفيات النفسانية لا من الحركات النفسانية.فائدة:الفكر يختلف في الكيف أي السرعة والبطء وفي الكم أي القلّة والكثرة، والحدس يختلف أيضا في الكم وينتهي إلى القوة القدسية الغنية عن الفكر بالكلّية. بيان ذلك أنّ أول مراتب الإنسان في إدراك ما ليس له حاصلا من النظريات درجة التعلّم، وحينئذ لا فكر له بنفسه، بل إنّما يفكر المتعلّم حين التعلّم بمعونة المعلّم، وفي هذا خلاف السّيّد السّند، فإنّ عنده لا فكر للمتعلّم، ثم يترقّى إلى أن يعلم بعض الأشياء بفكره بلا معونة معلّم، ويتدرّج في ذلك أي يترقّى درجة درجة في هذه المرتبة إلى أن يصير الكلّ فكريّا أي يصير كلما يمكن أن يحصل له من النظريات فكريا أي بحيث يقدر على تحصيله بفكره بلا معونة معلّم، ثم يظهر له بعض الأشياء بالحدس ويتكثّر ذلك على التدريج إلى أن يصير الأشياء كلها حدسية، وهي مرتبة القوة القدسية، ومعناه أنّه لو لم يكن بعض الأشياء حاصلة بالفكر فهو يعلمه الآن بالحدس.فإن قيل في تأخّر هذه المرتبة نظر إذ لا يتوقّف صيرورة الأشياء حدسيا على صيرورة الكلّ فكريا. قلت: ليس معنى صيرورة الكلّ فكريا كون الكلّ حاصلا بالفكر بل التمكّن منه كما عرفت، ولا يراد بالتمكّن الاستعداد القريب بالنسبة إلى الجميع الذي يحصل بحصول مبادئ الجميع بالفعل ولا الاستعداد البعيد الذي حصل للعقل الهيولاني، بل الاستعداد القريب ولو بالنسبة إلى البعض. ولا خفاء في تأخّر هذه المرتبة عنه وإن كان لا يخلو عن نوع تكلّف.ثم المراد بالقوة القدسية القوة المنسوبة إلى القدس وهو التنزّه هنا عن الرذائل الإنسانية والتعلّقات انتهى.قال الحكماء هذه القوة القدسية لو وجدت لكان صاحبها نبيا أو حكيما إلهيا، فظهر أنّ الاختلاف في الكيف مختصّ بالفكر والاختلاف في الكم يعمّهما، هكذا يستفاد من شرح الطوالع وشرح المطالع وحواشيه في تقسيم العلم إلى الضروري والنظري.قال الصوفية الفكر محتد الملائكة سوى إسرافيل وجبرائيل وعزرائيل وميكائيل عليهم السلام من محمد صلى الله عليه وآله وسلم.اعلم أنّ الدقيقة الفكرية أحد مفاتيح الغيب الذي لا يعلم حقيقتها إلّا الله، فإنّ مفاتيح الغيب نوعان: نوع حقّي ونوع خلقي. فالنوع الحقّي هو حقيقة الأسماء والصفات والنوع الخلقي هو معرفة تراكيب الجوهر الفرد من الذات أعني ذات الإنسان المقابل بوجوهه وجود الرحمن والفكر أحد تلك الوجوه. بلا ريب فهو مفتاح من مفاتيح الغيب، لكنه أبّن ذلك النور الوضاح الذي يستدلّ به إلى أخذ هذا المفتاح، فتفكر في خلق السموات والأرض لا فيهما، فإذا أخذ الإنسان في الترقّي إلى صور الفكر وبلغ حدّ سماء هذا الأمر أنزل الصور الروحانية إلى عالم الإحساس واستخرج الأمور الكتمانية على غير قياس، وعرج إلى السموات وخاطب أملاكها على اختلاف اللغات. وهذا العروج نوعان. فنوع على صراط الرحمن، من عرج على هذا الصراط المستقيم إلى أن بلغ من الفكر نقطة مركزه العظيم، وجال في سطح خطه القويم ظفر بالتجلّي المصون بالدّرّ المكنون في الكتاب المكنون الذي لا يمسّه إلّا المطهرون، وذلك اسم أدغم بين الكاف والنون مسماه إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وسلّم المعراج إلى هذه الدقيقة هي من الشريعة والحقيقة وأمّا النوع الآخر فهو السّحر الأحمر المودع في الخيال والتصوير المستور في الحقّ بحجب الباطل، والتزوير هو معراج الخسران وصراط الشيطان إلى مستوى الخذلان كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، فينقلب النور نارا والقرار بوارا، فإن أخذ الله يده وأخرجه بلطفه بما أيّده جاز منه إلى المعراج الثاني فوجد الله تعالى عنده، فعلم مأوى الحقّ ومآبه، وتميّز في مقعد الصدق عن الطريق الباطل ومن يذهب ذهابه، وأحكم الأمر الإلهي فوفّاه حسابه. وإن أهمل انهلك في ذلك النار وترك على ذلك الفرار وطفح ناره على ثياب طبائعه فأكلها، ثم طلع دخانه إلى مشام روحه الأعلى فقتلها، فلا يهتدي بعدها إلى الصواب ولا يفهم معنى أمّ الكتاب، بل كلما يلقيه إليه من معاني الجمال أو من تنوّعات الكمال يذهب به إلى ضيع الضلال فيخرج به على صورة ما عنده من المحال، فلا يمكن أن يرجع إلى الحقّ.اعلم أنّ الله خلق الفكر المحمدي من نور اسمه الهادي الرشيد، وتجلّى عليه باسميه المبدئ والمعيد، ثم نظر إليه بعين الباعث الشهيد، فلمّا حوى الفكر أسرار هذه الأسماء الحسنى وظهر بين العالم بلباس هذه الصفات العليا، خلق الله من فكر محمد صلى الله عليه وآله وسلم أرواح ملائكة السموات والأرض كلهم لحفظ الأسافل والعوالي، فلا تزال العوالم محفوظة ما دامت بهذه الملائكة ملحوظة، فإذا وصل الأجل المعلوم قبض الله أرواح هذه الملائكة ونقلهم إلى عالم الغيب بذلك القبض، فالتحق الأمر بعضه ببعض وسقطت السموات بما فيها على الأرض، وانتقل الأمر إلى الآخرة كما ينتقل إلى المعاني أمر الألفاظ الظاهرة، فافهم، كذا في الإنسان الكامل. ويقول في كشف اللغات ولطائف اللغات: الفكر في اصطلاح السّالكين هو سير السّالك بسير كشفي من الكثرة والتعيّنات (التي هي باطلة في الحقيقة أي هي عدم) إلى الحقّ، يعني بجانب وحدة الوجود المطلق الذي هو الحقّ الحقيقي. وهذا السّير عبارة عن وصول السّالك إلى مقام الفناء في الله، وتلاشي وامّحاء ذوات الكائنات في أشعّة نور وحدة الذّات كالقطرة في اليم.
الفِكْرُ، بالكسر ويُفْتَحُ: إِعمالُ النَّظَرِ في الشيءِ،كالفِكْرَةِ والفِكرَى، بكسرهماج: أفْكارٌ. فَكَرَ فيه وأفْكَرَ وفَكَّرَ وتَفَكَّرَ.وهو فِكِّيرٌ، كسِكِّيتٍ،وفَيْكَرٌ، كَصَيْقَلٍ: كثيرُ الفِكْرِ.ومَالي فيه فَكْرٌ، وقد يُكْسَرُ، أي: حاجةٌ.
الْفِكر: إمعان النّظر فِي الشَّيْء وَاعْلَم أَن النّظر والفكر كالمترادفين لِأَن بَينهمَا تغاير اعتباريا بِأَن مُلَاحظَة مَا فِيهِ الْحَرَكَة مُعْتَبرَة فِي النّظر وَغير مُعْتَبرَة فِي الْفِكر. وَالْمَشْهُور فِي تعريفيهما تَرْتِيب أُمُور مَعْلُومَة للتأدي إِلَى مَجْهُول نَظَرِي تصوري أَو تصديقي. وعَلى هَذَا يُرَاد أَنه لَا يَصح التَّعْرِيف بالمفرد كتعريف الْإِنْسَان بالناطق وبالضاحك. وَأجِيب بِأَن الْمُعَرّف يجب أَن يكون مَعْلُوما بِوَجْه مَا فالتعريف بالمركب من ذَلِك الْوَجْه والمفرد أَو بِأَن التَّعْرِيف بالمفرد إِنَّمَا يكون بالمشتقات وَهِي مركبة من حَيْثُ اشتمالها على الذَّات وَالصّفة أَو من حَيْثُ إِنَّهَا أَعم بِحَسب الْمَفْهُوم فَلَا بُد من قرينَة مخصصة فالتعريف بالمفرد مركب من معنى الْمُشْتَقّ والقرينة. وَلَا يخفى مَا فِي هَذِه الْأَجْوِبَة الثَّلَاثَة من الاختلال لِأَن الْوَجْه الَّذِي علم بِهِ الْمَطْلُوب سَابق على التَّعْرِيف وَلَو كَانَ مَعَه يلْزم طلب الْمَجْهُول الْمُطلق وَأَيْضًا لَا تَرْتِيب بَينه وَبَين الْمُفْرد وَكَذَا لَا تَرْتِيب فِي الْمُشْتَقّ لَا بَين الذَّات وَالصّفة وَلَا بَين الْمُشْتَقّ والقرينة.فحاصل الْإِيرَاد أَن تَفْسِير النّظر بالترتيب لَا يَشْمَل التَّعْرِيف بالمفرد مَعَ أَنه لَا خلاف فِي إِمْكَان وُقُوع التَّصَوُّر بالمعاني المفردة وَتلك الْأَجْوِبَة مقدوحة مزيفة كَمَا عرفت. وَالْجَوَاب أَن نظر المنطقي والبحث فِيهِ إِنَّمَا هُوَ مضبوط والتعريف بالمفرد لَيْسَ بمضبوط مثل ضبط الْمركب فَإِن الْمُفْرد لَيْسَ بمنحصر فِي الْفَصْل والخاصة بل إِنَّمَا يكون على خلاف ذَلِك كَمَا فِي البسائط فَإِنَّهُ لَا يكون تَعْرِيفهَا بِالْفَصْلِ وَهُوَ ظَاهر لعدم التَّرْكِيب وَلَا بالخاصة لعدم الْعلم والجزم يكون الْمُعَرّف خَاصَّة لَهَا لم لَا يجوز أَن يكون ذاتيا لَهَا بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ فَلَا يكون جَمِيع أَفْرَاد التَّعْرِيف بالمفرد منضبطة فَلَمَّا لم يكن مضبوطا لم يلتفتوا إِلَيْهِ لِأَن التفاتهم إِنَّمَا هُوَ إِلَى مَا هُوَ مضبوط عرفُوا النّظر والفكر بالترتيب الْمَذْكُور. وَالْأولَى فِي تَوْجِيه عدم الانضباط أَن يُقَال إِن كثيرا مَا تكون البسائط معرفَة بالمفردات وأكثرها أُمُور انتزاعية وَالْأَمر الانتزاعي غير مضبوط.وَلما كَانَ التَّعْرِيف الْمَشْهُور منظورا فِيهِ عرفهما الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله بملاحظة الْمَعْقُول لتَحْصِيل الْمَجْهُول لشُمُوله جَمِيع أفرادهما بِلَا كلفة سَوَاء كَانَ بالمفرد أَو بالمركب مَعْلُوما كَانَ أَو مظنونا أَو مَجْهُولا بِالْجَهْلِ الْمركب فَإِن الْمَعْقُول شَامِل لكل وَاحِد مِنْهَا بِخِلَاف الْمَعْلُوم فَإِن الْمُتَبَادر مِنْهُ الْمَعْلُوم بِالْعلمِ التصديقي اليقيني.

الفكر والذكر والآية

مفردات القرآن للفراهي

الفكر والذكر والآية "الفكر": هو النظر فيما وراء الشيء، وربما يسمى "اعتباراً". فهو سُلَّمٌ إلى فوق. فإذا انتهى إلى ما هو المنتهى رجع القهقرَى، أو وقف. ولكن التوقف ليس من شأن الفكر، فلا بدّ من رجعة بعد المنتهى. ولذلك منع عن الفكر في ذات الله إلى الفكر في آلائه. وهذا يشبه انعكاس كل قوة إلى نفسها إذا صادف ما لا تستطيع أن تجاوزه: {{ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ}} .وأما "الذكر" فهو: القيام على الشيء، وحفظه، والتجرد له. فهو سكون، كما أن "الفكر" حرَكة. والذكر بعد النِّسيان أو الغفلة مثل ردّ السكون إلى الشيء بعد الذهاب أو الالتفات عنه.وأما "الآية" فتتعلق بكليهما. فبالآية تذكر ما نسيت، وكذلك تحثّك على الفكر، فهي محرّكة لكلتا القوتين. والآية لا تكون آية إلا لمن هو أهل النظر والبصيرة. والآية -لكونها مطيّة النظر والفكر والذكر- تسمى "بصيرة". ومن لا يتنبه للآية فهو كالأعمى، كما قال تعالى:{{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}} .والآية تنبّه على الذكر، والفكر، والنظر. وعلى التأثر من هذه الثلاث من عواطف النفس مثل الشكر والخشية والإنابة والتضرع والعزم والثبات وغيرها. فتأمل في قوله تعالى: {{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ......................... المِيعَادَ}} .
بنات الفكر: المقدمات التي إذا ركبت تركيبا خاصا أدت إلى مطلوب، ذكره الأكمل.
الفكر: ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول ذكره ابن الكمال. وقال الأكمل: الفكر حركة النفس من المطالب إلى الأوائل، والرجوع منها إليها. وقال العكبري: الفكر جولان الخاطر في النفس. وقال الراغب: الفكر قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان لا للحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب. وقيل الفكر مقلوب عن الفرك، لكن يستعمل الفكر في المعاني وهي فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها.
رُبَّما الفكرة حسنةالجذر: ر ب ب

مثال: رُبَّما الفكرة حسنة فيستفيد منهاالرأي: مرفوضةالسبب: لدخول «رُبما» على الجملة الاسمية.

الصواب والرتبة: -رُبَّما تكون الفكرة حسنة فيستفيد منها [فصيحة]-رُبَّما كانت الفكرة حسنة فيستفيد منها [فصيحة]-رُبَّما الفكرة حسنة فيستفيد منها [صحيحة] التعليق: يُمكن تصحيح المثال المرفوض بسبب زيادة «ما» لاحقةً لرُبَّ أو على تقدير فعل محذوف مثل: «تكون».
الفِكر: ترتيب أمور معلومة للتأدّي إلى مجهول أو تردد القلب بالنظر والتدبر بطلب المعاني.

إنارة الفكر، بما هو الحق في كيفية الذكر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

إنارة الفكر، بما هو الحق في كيفية الذكر
للشيخ، الإمام، برهان الدين: إبراهيم بن عمر البقاعي، الشافعي.
المتوفى: سنة 885.
مختصر.
أوله: (الحمد لله الذي يذكر من ذكره... الخ).
ذكر فيه أنه ألفه: بدمشق، لما رأى اجتماع العوام على شيخ في الجامع، يرقصون، ويرفعون أصواتهم، فكتب نهيا لهم.
وفرغ في: شوال، سنة إحدى وثمانين وثمانمائة.
  • الفِكْرُ
  • الفِكْرُ
الفِكْرُ: حركات مَا للنَّفس فِي الْمعَانِي طلبا للحد الْأَوْسَط، أَو مَا يجْرِي مجْرَاه.
  • الفِكْرُ
  • الفِكْرُ
الفِكْرُ: حركات تخييلية فِي الذِّهْن، وَقيل: انْتِقَال النَّفس فِي الْمعَانِي انتقالا بِالْقَصْدِ؛ لطلب علم، أَو ظن.
الفكرُ: تَرْتِيب أُمُور مَعْلُومَة للتأدي إِلَى مَجْهُول.

‫فرق النصارى - الفرق النصرانية المعاصرة - الأرثوذكس - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫- الكتاب المقدس بالإضافة إلى المجامع المسكونية حتى مجمع كليدونية 451م بالنسبة للكنيسة المصرية، ومجمع القسطنطينية بالنسبة للكنائس الأرثوذكسية الأخرى.‬
‫- الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، والفلسفة الغنوصية.‬
‫- الحضارات القديمة: المصرية، اليونانية، الهندية.‬

‫فرق النصارى - الفرق النصرانية المعاصرة - الكاثوليك - الجذور الفكرية والعقدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫- نصوص الكتاب المقدس، بالإضافة إلى المجامع المسكونية والإقليمية أو المحلية التي أيَّدت عقيدة الكنيسة.‬
‫- الديانات الوثنية: المجوسية، البوذية، الرومانية، المصرية القديمة.‬
‫- الفلسفةالأفلاطونية الحديثة، الفلسفة الغنوصية.‬

‫فرق النصارى - الفرق النصرانية المعاصرة - البروتستانت - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫· نصوص الكتاب المقدس، وبخاصة نصوص العهد القديم.‬
‫· الديانات الوثنية.‬
‫· الفلسفة الأفلاطونية الحديثة.‬
‫· الأفكار والمبادئ الصهيونية والتلمودية.‬
‫· يعتقد بعض الباحثين أن الإصلاحات التي نادت بها حركة الإصلاح، ونتج عنها البروتستانتية قد تأثرت بالإسلام.‬

‫فرق النصارى - الفرق النصرانية المعاصرة - المارونية - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫الموارنة فرع عن الكاثوليك الشرقيين، الذين هم بدورهم فرع عن النصرانية بشكل عام؛ لذا فإن جذورهم هي نفس الجذور النصرانية.‬
‫يمتازون بالمحافظة الشديدة على تراثهم ولغتهم السريانية القديمة، وقد اقتربوا على مدار الزمن من الكنيسة البابوية بروما بعد إدخال عدد من التعديلات على الطقوس المارونية القديمة.‬

‫فرق النصارى - الفرق النصرانية المعاصرة - المورمون - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫لليهود دور في نشوء هذه الطائفة؛ تعزيزاً للانشقاق داخل الكنائس المسيحية، بغية السيطرة عليها.‬
‫كتاب المورمون يشبه التلمود في كل شيء ويحاكيه، وكأنه نسخة طبق الأصل عنه.‬
‫إن إسرائيل قد جنَّدت كل إمكاناتها لخدمة هذه الطائفة، عاملة على استمرارية العون والمساندة النصرانية لها.‬
‫يعملون على ربط صهيون أو القدس الجديدة بالأرض الأمريكية المقدسة - حسب وصايا الرب - انتظاراً لعودة المسيح الذي سيعود ليملك الأرض، ويملأها جنات خالدات.‬
‫يقولون عن فلسطين في كتاب المورمون في الإصحاح العاشر الفقرة (31): (فاستيقظي وانتفضي من الثرى يا أورشليم، نعم والبسي حللك الجميلة يا ابنة صهيون، ووسِّعي حدودك إلى الأبد؛ لكي لا تعودي مغلوبة، ولكي تتحقق عهود الأب الأزلية التي قطعها معك، يا بيت إسرائيل).‬
‫يقولون في الإصحاح الرابع عشر فقرة (6) مخاطبين المورمون: (لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دوركم قدام الخنازير؛ لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت لتمزقكم).‬
‫نلاحظ تعانق الفكر الصليبي مع الفكر الصهيوني في نظرتهم إلى فلسطين، إنهم يقولون ذلك منذ عام (1825) م, يوم كانت فلسطين ما تزال جزءًا من أرض الإسلام.‬

‫الانتشار ومواقع النفوذ:‬
‫آمن بفكرة المورمون كثير من النصارى، وكان دعاتها من الشباب المتحمِّس، وقد بلغ عدد أفرادها أكثر من خمسة ملايين نسمة، ثمانون بالمائة منهم في الولايات المتحدة الأمريكية، ويتمركزون في ولاية يوتاه، حيث إن (68%) من سكان هذه الولاية منهم، و (62 %) من سكان مقاطعة البحيرات المالحة مسجَّلون كأعضاء في هذه الكنيسة، ومركزهم الرئيسي في ولاية يوتاه الأمريكية.‬
‫انتشروا في الولايات المتحدة الأمريكية، وأمريكا الجنوبية، وكندا، وأوروبا، كما أن لهم في معظم أنحاء العالم فروعاً ومكاتب ومراكز لنشر أفكارهم ومعتقداتهم.‬
‫إنهم يوزعون كتبهم مجاناً، ودعوتهم تأتي خدمة لمصلحة إسرائيل، وتأكيداً لأهدافها المرسومة. ولهم (175) إرسالية تنصيرية، كما أنهم يملكون:‬
‫شبكة تلفزيونية، وإحدى عشرة محطة إذاعية.‬
‫ويملكون مجلة شهرية بالإسبانية، وصحيفة يومية واحدة.‬
‫ويملكون مركزاً متطوراً جدًّا للمعلومات في مدينة سولت ليك في ولاية يوتاه الأمريكية.‬
‫ويتَّضح مما سبق:‬
‫أن المورمون طائفة نصرانية جديدة نسبيًّا، انشقَّت عن النصرانية، وتدعو إلى التمسك بالكتب اليهودية وكتاب المورمون وكتاب المبادئ والعهود وغيرها، ويدعون إلى الإيمان بالمسيح الذي جاء - في نظرهم - لينقذ اليهود من الاضطهاد، والإيمان بأن المبادئ والمراسم الأربعة للإنجيل هي: الإيمان بالرب يسوع المسيح كما يقولون، والتوبة والعماد بالتغطيس لغفران الخطايا ووضع الأيدي لموهبة الروح القدس. ويصل شركهم مداه عندما يقولون: إنهم يعتقدون أن الله تعالى هو على شكل إنسان له لحم وعظام، وبداخل جسده الملموس روح أزلية، كما أن البشر عندهم هم أبناء وبنات الله.‬
‫مراجع للتوسع:‬
‫هناك نشرات توزعها كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة بمدينة سولت ليك بولاية يوتاه في الولايات المتحدة الأمريكية ومنها:‬
‏‫a) The Church of Jesus Christ of Latter-day Saints‬
‫· ومن نشراتهم باللغة العربية ما يلي:‬
‫- مبادئ الإنجيل.‬
‫- دليل الشعبة.‬
‫- دليل القائد الكهنوتي.‬
‫- كلمة الحكمة.‬
‫- شهادة يوسف سميث.‬
‫- دليل العائلة.‬
‫- ماذا عن المورمون – طبع الولايات المتحدة.‬
‫- مقال عن المورمون في مجلة الأمة عدد (22) شوال (1402هـ/ آب 1982) م.‬
‫- مقال في الموسوعة البريطانية عن المورمون.‬
‫- ولهم كذلك نشرات باللغة الإنجليزية هي:‬
‏‫- Succession in the Presidency.‬
‏‫- W.H.Y. Famillies?‬
‏‫- A Family home evening program suggested by the Church of Jesus Christ of latter-day saints.‬
‏‫- The Mormons and the Jewish people.‬
‏‫- The Lord’s Day.‬
‏‫- What the Mormons think of Christ.‬
‏‫- A Word of Wisdom, Mark E. Perersen.‬
‏‫- Baptism. How and by Whom administered?‬
‫¤ الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي - بتصرف‬

‫فرق النصارى - الفرق النصرانية المعاصرة - - المونية حركة صن مون التوحيدية - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫إن اليهود - باعتبارهم أقلية مفسدة - يسعون دائماً لبثِّ دعاوى إذابة الفروق بين العقائد مما يمهِّد الطريق لهم ليتغلغلوا داخل شعوب الأرض، ويكونوا هم المستفيدين في النهاية على حساب الأديان الأخرى جميعاً.‬
‫إن هذه الحركة تدور في فلك الحركات المسخَّرة لخدمة الصهيونية العالمية؛ إذ إن التشابه بين هذه الحركات يدلُّ على أنها ذات أصل واحد، وتعمل لهدف مشترك واحد.‬
‫إن الثراء الفاحش الذي يتحرَّك فوقه صن مون ليشير إلى الجهة التي تموله، وتقف وراءه لتستفيد من عمله ودعوته في تفتيت الأديان، وتحطيم الأخلاق.‬

‫ الانتشار ومواقع النفوذ:‬
‫تتمتع هذه الحركة بوجود ضخم في جنوب ووسط أمريكا إذ إن لهم علاقات قوية مع كبار السياسيين في تشيلي وأرجواي والأرجنتين وهندوراس وبوليفيا.‬
‫في أيرلندا لهم مركز وكنيسة اسمها الكنيسة التوحيدية، وتجدر الإشارة إلى أن لأيرلندا دوراً كبيراً في دعم أمثال هذه الحركات.‬
‫لهم استثمارات في جنوب كوريا، وقد سمحت لهم حكومة سيول بإقامة كنيسة لهم خارج العاصمة.‬
‫- إنهم متغلغلون في الجناح الأيمن للحزب الجمهوري بالولايات المتحدة، كما يشكلون الجناح الأيمن للدكتاتورية في أمريكا الجنوبية.‬
‫- يمتلك زعيمهم عدة عقارات في العالم، وشركات ومطاعم وأراض، ومحلات لبيع المجوهرات وشركة للنشر تسمَّى Paragon House كما أسَّس جريدة الواشنطن تايمز التي يوزَّع منها (75) ألف نسخة في اليابان ونيويورك وأرجواي وقبرص، ولديه فندق نيويوركر New Yorker في مانهاتن.‬
‫ويتضح مما سبق:‬
‫أن المونية حركة مشبوهة، تدعو إلى القضاء على كلِّ الأديان، وابتداع دين جديد، ينصهر في بوتقة المتنبي الكوري صن مون، ويجذب الشباب إليه، مغرياً إياهم بالانحراف، والانفصال عن أسرهم، والغرق في بحور الملذَّات؛ خدمة لأهداف الصهيونية العالمية.‬
‫مراجع للتوسع:‬
‫- جريدة المسلمون الأسبوعية، العدد (35) , (21 محرم 1406هـ/ 5 أكتوبر 1985) م - وكذلك أعداد (36، 37، 38).‬
‫- جريدة الواشنطن بوست تاريخ (28/ 8/1983) م.‬
‫- باللغة الإنكليزية:‬
‏‫- Carol Cultrer: Are religions Cults Dangerous? The Mercier Press, Dublin and Cork, 1984.‬
‫- باللغة الفرنسية:‬
‏‫- Gibert Picard: L’enfer des Sectes, Editions le carrousel – Fn Paris, 1984.‬
‫- باللغة الإسبانية:‬
‏‫- Pepe redriguez: Esclavos De un Mesias. Barcelona. 1984.‬
‫¤ الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي – بتصرف‬

‫التنصير - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫يبلغ عدد المبشِّرين في أنحاء العالم ما يزيد على (220) ألف منهم (138000) كاثوليكي، والباقي وعددهم (62000) من البروتستانت.‬
‫- لقد بدأ التنصير، وتوسَّع إثر الانهزامات التي مُني بها الصليبيون طوال قرنين من الزمان (1099 - 1254) م, أنفقوهما في محاولة الاستيلاء على بيت المقدس، وانتزاعه من أيدي المسلمين.‬
‫- الأب اليسوعي ميبز يقول: (إن الحروب الصليبية الهادئة التي بدأها مبشرونا في القرن السابع عشر لا تزال مستمرة إلى أيامنا، إن الرهبان الفرنسيين والراهبات الفرنسيات لايزالون كثيرين في الشرق).‬
‫- يرى المستشرق الألماني بيكر Becker بأن (هناك عداء من النصرانية ضد الإسلام، بسبب أن الإسلام عندما أنتشر في العصور الوسطى أقام سدًّا منيعاً في وجه انتشار النصرانية، ثم إن الإسلام قد امتدَّ إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها).‬
‫- التنصير في أساسه يهدف إلى تمكين الغرب النصراني من البلاد الإسلامية، وهو مقدِّمة أساسية للاستعمار، وسبب مباشر لتوهين قوة المسلمين وإضعافها.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫الاستشراق - متى ظهر الاستشراق؟ اختلف الباحثون في بداية وقت ظهور الاستشراق وتعود صعوبة تحديد الوقت إلى أن الأفكار تسير متغلغلة دون أن تحدد بزمن دقيق؛ إذ لا يمكن التحديد إلا بأمرين أحدهما أن يصرِّح به صاحب الفكرة الأساسي وثانيهما أن يتمَّ التحديد في وقت ظهور الفكرة عند انتشارها ومما قيل عن تحديد نشأة الاستشراق ¬‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫قيل: إنه ظهر في أيام الدولة الإسلامية في الأندلس حينما وفد إليها كثير من فرنسا وغيرها للتعلم. ....... وقيل: إنه ظهر في أيام الصليبيين وحروبهم مع المسلمين في بداية القرن الثامن عشر الميلادي بداية الاستعمار. وقيل: إنه ظهر في القرن الثاني الهجري، وأنه نشط في بلاد الشام في بدايته.‬
‫وإذا لاحظنا أن الاستشراق هو امتداد للتنصير، فلا يمنع أن يحدَّد ظهوره بالعصور الأولى للدولة الإسلامية، ولهذا أرجعه بعضهم إلى القرن الأول الهجري، إلا أنه كان على صورة غير نظامية، فإنه بدأ يكتمل بوجهه الجديد في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث أنشئت المدارس النظامية، وعقدت المؤتمرات، وفتحت المراكز والبعثات والجمعيات والمعاهد، وكان هذا بعد انتهاء الحروب الصليبية، ولا جدال في أن النصارى وقفوا ضد الإسلام من أول ظهوره، وكل رجال الكنيسة من البابوات وزعماء الدول الغربية ينظرون بحقد شديد إلى انتشار الإسلام وقوة المسلمين، حيث رأوا أخيرا أنه لا يمكن وقف المدِّ الإسلامي إلا بغزوه فكريا مع إبداء الصداقة للعرب، وغيرهم من المسلمين، في الوقت الذي يبذلون فيه غاية جهودهم لمقاومة الإسلام، والتصدي للمسلمين؛ لإطفاء نور الإسلام، وقد ظلَّ هذا التوجه للنصارى قائما في شكل صراع محتدم على طول تاريخ الغرب النصراني والشيوعي على حد سواء، حيث أدَّى ذلك إلى اختلاف العلماء في تحديد ظهور الاستشراق أول مرة، ولكنه بالتأكيد كان بعد قيام الحرب الصليبية والهزائم التي أُلحقت بالنصارى.‬
‫¬_________‬
(¬1) ((الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي)) ط ج 1 (ص: 697). وانظر ((أجنحة المكر الثلاثة)) (ص 120).‬

‫الاستشراق - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫لقد كان الاستشراق وليد الاحتكاك بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني أيام الصليبيين، وعن طريق السفارات والرحلات. ويلاحظ دائما أن هناك تقارباً وتعاوناً بين الثالوث المدمر: التنصير والاستشراق والاستعمار، والمستعمرون يساندون المستشرقين والمنصرين؛ لأنهم يستفيدون منهم كثيراً في خططهم الاستعمارية.‬
‫- كان الدافع الأساسي هو الجانب اللاهوتي النصراني، بغية تحطيم الإسلام من داخله بالدسِّ والكيد والتشويه، ولكن الاستشراق بعد ذلك وفي الآونة الأخيرة بدأ يتحلَّل من هذا القيد نوعاً ما، ليتوجه توجهاً أقرب إلى الروح العلمية.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫أهم الديانات الوثنية - الصابئة - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫- تأثر الصابئة بكثير من الديانات والمعتقدات التي احتكوا بها.‬
‫- أشهر فرق الصابئة قديماً أربعة هي: أصحاب الروحانيات، وأصحاب الهياكل، وأصحاب الأشخاص، والحلولية.‬
‫- لقد ورد ذكرهم في القرآن مقترناً باليهود والنصارى والمجوس والمشركين (انظر الآيات: (62 - البقرة) , (69 - المائدة)، (17 - الحج)، ولهم أحكام خاصة بهم من حيث جواز أخذ الجزية منهم أو عدمها أسوة بالكتابيين من اليهود والنصارى.‬
‫- عرف منهم الصابئة الحرانيون الذين انقرضوا، والذين تختلف معتقداتهم بعض الشيء عن الصابئة المندائيين الحاليين.‬
‫- لم يبق من الصابئة اليوم إلا صابئة البطائح المنتشرون على ضفاف الأنهر الكبيرة في جنوب العراق وإيران.‬
‫- تأثروا باليهودية، وبالمسيحية، وبالمجوسية؛ لمجاورتهم لهم.‬
‫- تأثروا بالحرانيين الذين ساكنوهم في حران عقب طردهم من فلسطين، فنقلوا عنهم عبادة الكواكب والنجوم أو على الأقل تقديس هذه الكواكب وتعظيمها، وتأثَّروا بهم في إتقان علم الفلك وحسابات النجوم.‬
‫- تأثروا بالأفلاطونية الحديثة التي استقرت فلسفتها في سوريا، مثل الاعتقاد بالفيض الروحي على العالم المادي.‬
‫- تأثَّروا بالفلسفة الدينية التي ظهرت أيام إبراهيم الخليل - عليه السلام - فقد كان الناس حينها يعتقدون بقدرة الكواكب والنجوم على التأثير في حياة الناس.‬
‫- تأثروا بالفلسفة اليونانية التي استقلت عن الدين، ويلاحظ أثر هذه الفلسفة اليونانية في كتبهم.‬
‫- لدى الصابئة قسط وافر من الوثنية القديمة يتجلى في تعظيم الكواكب والنجوم على صورة من الصور.‬

‫أهم الديانات الوثنية - الهندوسية - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫- في القرن الخامس عشر قبل الميلاد كان هناك سكان الهند الأصليين من الزنوج الذين كانت لهم أفكار ومعتقدات بدائية.‬
‫- جاء الغزاة الآريون مارِّين في طريقهم بالإيرانيين، فتأثَّرت معتقداتهم بالبلاد التي مروا بها، ولما استقروا في الهند حصل تمازج بين المعتقدات تولَّدت عنه الهندوسية كدين فيه أفكار بدائية من عبادة الطبيعة والأجداد والبقر بشكل خاص.‬
‫- وفي القرن الثامن قبل الميلاد تطورت الهندوسية عندما وُضع مذهب البرهمية، وقالوا بعبادة براهما.‬
‫- عصفت بالديانة الهندية حركتان قويتان هما الجينية والبوذية.‬
‫- ظهرت قوانين منو فأعادت إليها القوة، وذلك في القرن الثاني والثالث قبل الميلاد.‬
‫- انتقلت فكرة التثليث من الفكر الهندي إلى الفكر النصراني بعد رفع المسيح عليه السلام.‬
‫- انتقل فكر التناسخ والحلول ووحدة الوجود إلى بعض المسلمين الذين ضلُّوا، فظهرت هذه العقائد عند بعض المتصوفة، وكذلك ظهرت عند الإسماعيلية وعند الفرق الضالة كالأحمدية.‬

‫أهم الديانات الوثنية - البوذية - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫ليس هناك ما يثبت أن للبوذية جذوراً فكرية أو عقائدية، إلا أن الناظر في الديانات الوضعية التي سبقتها أو عاصرتها يجد بينها وبين البوذية شبهاً من بعض الجوانب مثل:‬
‫الهندوسية: في القول بالتناسخ والاتجاه نحو التصوف.‬
‫الكونفوشيوسية: في الاتجاه إلى الاعتناء بالإنسان، وتخليصه من آلامه.‬
‫ينبغي أن يلاحظ التشابه الكبير بينها وبين النصرانية، وبخاصة فيما يتعلق بظروف ولادة المسيح وحياته والظروف التي مرَّ بها بوذا مما يؤكد تأثر النصرانية بها في كثير من معتقدات هذه الأخيرة.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫أهم الديانات الوثنية - الجينية - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫الجينية ثورة على الهندوسية مستنكرة آلهتها وطبقاتها، لكنها لم تستطع أن تتحرر من طابعها العام ومن سماتها البارزة، فاتخذت لنفسها آلهة خاصة بها.‬
‫- الفكر الجيني يقوم أصلاً على أفكار هندوسية كالانطلاق، والكارما، والنجاة، والتناسخ وتكرار المولد، والدعوة إلى السلبية، مع صبغ هذه المفاهيم بالصبغة الجينية وتطويرها؛ لتلائم المعتقد الجيني.‬
‫- تَدَّعي الجينية بأن فلسفتها ترجع إلى الجيني الأول الذي كان حيًّا في التاريخ البعيد، وإلى جيناتها الذين تتابعوا واحداً إثر الآخر حتى كان الجيني الثالث والعشرون بارسواناث؛ والرابع والعشرون مهافيرا الذي استقرت على يديه معالم هذه الديانة التي تشكَّلت خلال مرحلة طويلة من الزمن.‬
‫- كان ظهورها مواكباً لظهور البوذية، وكلتاهما ثورتان داخل الفكر الهندوسي.‬
‫- يعتقد بأن النصرانية قد أخذت عن الجينية فكرة الصيام عن كل ما فيه حياة؛ إذ إنهم يصومون عن اللحوم وعن جميع المشتقات الحيوانية لأيام معدودة، ويعيشون خلال ذلك على الأطعمة النباتية.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫أهم الديانات الوثنية - السيخية - الجذور الفكرية والعقائدية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫ترجع حركتهم في الأصل إلى ظهور حركة فيسنافا باختي التي بدأت بالظهور بين الهندوس في منطقة التأمل، ووصلت إلى الشمال على يد رامانوجا (1050 - 1137) م.‬
‫وفي القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وبعد الاحتكاك بالمسلمين، انتشرت هذه الحركة في سهل الغانج.‬
‫لذا يقال بأن ناناك (1469 - 1538) م, لم يكن الأول في مذهبه السيخي هذا، وإنما سبقه إليه شخص آخر صوفي اسمه كابير (1440 - 1518) م, درس الدين الإسلامي والهندوكي، وكان حركة اتصال بين الدينين، إذ أراد أن يؤلِّف بينهما عن طريق التوجيه والتأمل الصوفي.‬
‫كان كابير هذا يتساهل في قبول كثير من العقائد الهندوكية، ويضمُّها إلى الإسلام شريطة بقاء التوحيد أساساً، لكنه لم يفلح إذ انقرض مذهبه بموته، مخلفاً مجموعة أشعار باللغة البنجابية، تُظهر تمازج العقيدتين المختلفتين الهندوسية والإسلامية، مرتبطتين برباط صوفي يجمع بينهما.‬
‫أصل نظريتهم عن الكون مستمدة من النصوص الهندوسية.‬
‫إنهم يحرقون موتاهم كالهندوس.‬

اليهودية المفاهيم والفرق - المفاهيم والعقائد الأساسية في اليهودية - الفكر الأخروي

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الفكر الأُخروي (إسكاتولوجي)
‏Eschatology
«الفكر الأخروي» يُشار إليه في الإنجليزية بكلمة «إسكاتولوجي» من الكلمة اليونانية «إسكاتوس» ومعناها «آخر» أو «بعد» . ويشير المصطلح إلى المفاهيم والموضوعات والتعاليم الخاصة بما سيحدث في آخر الزمان، وإلى العقائد الخاصة بعودة الماشيَّح، والمحن التي ستحل بالبشرية بسبب شرورها، والصراع النهائي بين قوى الشر وقوى الخير (حرب يأجوج ومأجوج) ، والخلاص النهائي، وعودة اليهود المنفيين إلى أرض الميعاد، وإلى يوم الحساب وخلود الروح والبعث، وهي الموضوعات التي تظهر أساساً في كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، والتي تعود جذورها إلى الحضارات البابلية والمصرية والكنعانية، وخصوصاً الفارسية الزرادشتية.

وقبل الخوض في هذا الموضوع بتعريفاته المختلفة وتناقضاته المتعددة، لابد أن نميِّز بين التفكير الأخروي داخل إطار حلولي والتفكير الأخروي داخل إطار توحيدي، فالفكر الديني التوحيدي يفترض وجود إله خارج الزمان والطبيعة ويتجاوزهما ومن ثم تتحدد الثنائيات الفضفاضة المختلفة (التي يشكل الإله نقطة الوصل بينها دون أن يملأ الثغرة التي تفصل بينها) . وينجم عن ذلك أن التفكير الأخروي يتحدد باعتباره حدثاً كونياً يقع لا في آخر الزمان وإنما خارجه، ولا يقتصر على مجموعة من البشر دون أخرى بل يشمل كل البشر، ويرتبط تماماً بفكرة الثواب والعقاب للفرد لا للجماعة، أي أن التفكير الأخروي (ورؤية الخلاص) يدور في إطار أخلاقي عالمي إنساني. أما التفكير الأخروي في الإطار الحلولي، فيقف على النقيض من ذلك تماماً وبسبب حلول الإله في التاريخ والإنسان والطبيعة وكمونه فيها، فإن كل الثنائيات تَمَّحي (أو تتحدد بشكل صلب) ، وتقع الآخرة في نهاية التاريخ (داخل الزمان لا خارجه) ، وهي حدث تاريخي وكوني في آن واحد تدور أحداثه حول شعب واحد مختار لا أفراد مسئولين، كما أنها لا ترتبط بالقيم الأخلاقية أو الثواب والعقاب. فرؤية الخلاص لا علاقة لها بالقيم الأخلاقية.
ويمكننا أن نقول إن التفكير الأخروي اليهودي كان يدور في البداية داخل إطار حلولي كامل ثم تحرَّر منه بالتدريج في كتب الأنبياء. ثم عاد وبدأت عملية السقوط التدريجي في الحلولية في أسفار الرؤى (أبوكاليبس) ، وتزايدت معدلات الحلولية في التلمود، إلى أن نصل إلى القبَّالاه حيث نصل إلى نقطة وحدة الوجود الروحية التي يتبعها حلول بدون إله في العصر الحديث، أي وحدة الوجود المادية.

وهناك، في العهد القديم، عبارة ليست مرادفة تماماً لكلمة «إسكاتولوجي» وهي عبارة «أحرِّيت هياميم» التي تحمل تضمينات أخروية وتعني حرفياً «نهاية الزمان» أو «آخر الأيام» . وتعني عبارة «آخر الأيام» التي سنستخدمها في هذه الموسوعة ثلاثة أشياء مختلفة:
1 ـ ففي أسفار موسى الخمسة، قد تكون العبارة بمعنى «في المستقبل» أو «في الأيام المقبلة» . وبالتالي، فإن الإشارة في مثل هذا السياق تنصرف إلى مراحل تاريخية زمنية تالية، وقد تأتي بعدها مراحل أخرى.
2 ـ ولكن العبارة قد ترد أيضاً بمعنى «الأيام الأخيرة» ، وهي هنا تعني «آخر المراحل التاريخية» التي لا تأتي بعدها مراحل أخرى، ولكنها تظل مع هذا مرحلة زمنية.
3 ـ ثم اكتسبت العبارة، فيما بعد، دلالة جديدة تماماً، بحيث أصبحت تشير إلى ما بعد البعث. وفي القرون الأخيرة قبل الميلاد وبعده، ظهر مصطلح آخر هو «كيتس هيَّاميم» ، ويعني حرفياً «نهاية الأيام» (دانيال 12/13) ، وهو مفهوم يشير بوضوح إلى ما بعد البعث، قارن ذلك بمصطلح «وقت المنتهى» (دانيال 8/17) .
وقد اجتازت المفاهيم الأخروية عدة تطورات، ولكن على الطريقة الجيولوجية التي يتسم بها النسق الديني اليهودي. فالمفاهيم الحلولية القديمة للآخرة لم تكن تُستبعَد، بل كان يُكتفَى بضم المفاهيم الجديدة إليها، فتتعايش معها جنباً إلى جنب أو تكون الواحدة فوق الأخرى. ولذا، لا يتسم الفكر الأخروي اليهودي عبر تاريخه بالوضوح أو التحدد، إذ ظلت هناك أسئلة خلافية تُركَت دون حسم من بينها ما يلي:
1 ـ هل ستقع آخر الأيام داخل الزمان والتاريخ أم ستقع خارجهما؟
2 ـ هل تختص آخر الأيام بمصير الشعب اليهودي وحده أو تختص بمصير الشعوب كافة؟ وهل للشعب اليهودي دور خاص أم أنه سيكون شعباً واحداً ضمن شعوب أخرى عديدة متساوية في المصير؟
3 ـ هل المقصود بالشعب اليهودي الشعب ككيان جماعي أو اليهود كأفراد؟
4 ـ ما هي علاقة البعث بالثواب والعقاب في آخر الأيام؟

وإذا نظرنا إلى أسفار موسى الخمسة وأسفار يوشع والقضاة، وإلى الفكر الديني اليسرائيلي في القرون الأولى من حكم الملوك، لما وجدنا أية إشارة إلى مفاهيم أخروية محددة حقيقية. ومع هذا، يمكن القول بأن ثمة عناصر أخروية تسم الفكر الديني اليهودي في مرحلة ما قبل السبي. فأعضاء جماعة يسرائيل كانوا يعبدون الإله الذي اختارهم، وعقد عهداً أو ميثاقاً معهم، وحلَّ في تاريخهم، ولذا فإنه يتجلى فيه من آونة إلى أخرى مثلما فعل حينما خرج بهم من مصر، ثم هزم أعداءهم ووعدهم بأرض كنعان وساعدهم على غزوها. ولقد أصبح تَدخُّل الإله في التاريخ، ونصره للشعب، من ثوابت الفكر الأخروي اليهودي فيما بعد، وإن كانت الآخرة هنا مجرد نقطة تحوُّل جوهرية في التاريخ نفسه، مثل الخروج من مصر أو الاستيطان في كنعان، ولا تشكل نقطة نهاية إذ تتبعها مرحلة تاريخية أخرى مختلفة نوعياً عن المرحلة السابقة ولكنها تظل مع هذا نقطة في الزمان، وهي في هذا لا تختلف كثيراً عن التغيرات النوعية أو الطفرات التي تؤدي إلى «التقدم» إذا ما أردنا استخدام المصطلحات الحديثة. والواقع أن هذا المفهوم الأخروي يعني التدخل المستمر من قبل الإله في التاريخ وحلوله فيه، وإن كان ثمة نهاية، فهي تتجلى في الفكرة البدائية الخاصة بيوم الرب، ذلك اليوم الذي ستسود فيه جماعة يسرائيل على الجميع، أي أنها رؤية أخروية حلولية مادية تتحقق داخل التاريخ.

وقد تطوَّر الفكر الأخروي اليهودي على يد الأنبياء، وظهر كلٌّ من عاموس وهوشع مع بداية حكم الملوك، فطوَّر الأول فكرة يوم الرب، بحيث تحولت إلى فكرة يوم الحساب، وهو مفهوم أكثر عالمية وأخلاقية إذ أنه اليوم الذي سيحاسب فيه الإله اليهود وغير اليهود. وقد تَعمَّق المفهوم الأخروي، إذ يشير عاموس إلى تغيرات ستدخل على الطبيعة مثل كسوف الشمس، وقد استخدمها بشكل مجازي، ولكنها مع هذا فُسِّرت حرفياً ثم أصبحت عنصراً ثابتاً في الفكر الأخروي منذ ذلك التاريخ. ورغم أن عاموس يتحدث عن عقاب الآثمين من اليهود وغير اليهود، فإنه يعرف أن الإله وفيٌّ لشعبه. وهنا ظهرت في سفر عاموس، ثم في سفر هوشع، فكرة البقية الصالحة التي ستنجو من الهلاك، وظهرت أيضاً فكرة تجديد الميثاق أو العهد مع الإله واسترجاع جماعة يسرائيل وعودتها، كما ظهرت فكرة السلام الذي سيعم الأرض ويشمل كل الأمم.
ورغم أن كثيراً من ثوابت الفكر الأخروي اليهودي قد تحددت على يد الأنبياء، فلم تكن هناك حتى هذه الفترة إشارات إلى آخرة تقع خارج التاريخ، إذ تظل الآخرة مجرد مرحلة زمنية لها ملامحها الفريدة ومختلفة عما سبقها من مراحل. ويُلاحَظ أن الفكر الأخروي يتطور من خلال سياقين: أحدهما محلي، وهو ما يحدث داخل المجتمع العبراني، والآخر دولي، وهو ما يحدث حوله ويؤثر فيه. وقد تأثر فكر عاموس الأخروي بالاستقطاب الاجتماعي الذي شهده عصره، فظهرت فكرة العقاب الذي سيحيق بالآثمين من جماعة يسرائيل. كما أن ظهور القوة الآشورية يشكل القطب الثاني، فقد تحولت القوة العالمية التي تتهدد العبرانيين إلى أداة العقاب التي سيستخدمها الإله للقصاص من الشعب المذنب.

وتَعمَّقت كل هذه الاتجاهات في نبوءات أشعياء الذي تنبأ بخراب كامل لجماعة يسرائيل وللأمم الوثنية (ويُلاحَظ أن الاضطرابات التي تصاحب آخر الأيام بدأت تأخذ بُعداً كونياً) . وقد قام أشعياء بوصف المُلك الثاني ليهودا والذي سيكون في المستقبل، وأدخل بذلك فكرة الماشيَّح، كما وصف السلام الذي سيعم العالم، ويأخذ شكل عودة إلى حديقة عدن، وبذا بدأت تظهر بذور فكرة الجنة في الفكر الأخروي. أما في سفر ميخا، فتظهر فكرة جبل صهيون كمركز للخلاص النهائي، كما تظهر موضوعات مثل قرب النهاية في سفر صفنيا، والحرب الكونية التي تسبق النهاية في سفر يوئيل. ويُلاحَظ أن الآخرة، رغم كل التحولات التاريخية والكونية المصاحبة لها، لا تزال زمنية، وما يحدث فيها هو واقعة تاريخية داخل الزمان.
وتشكل واقعة السبي نقطة تحوُّل في تاريخ الأفكار الأخروية، إذ تكتسب فكرة العودة وإعادة بناء الهيكل مركزية حقيقية تظهر في سفر حزقيال، وتصبح الحرب الكونية، حرب ياجوج وماجوج، من العلامات المهمة على آخر الأيام. ويصبح التاريخ مجرد تعبير عن خطة إلهية مقررة مسبقاً. كما أن الأبعاد الكونية أصبحت أكثر وضوحاً وبروزاً، وأصبحت الأفكار الأخروية لا تتحدث عن بداية مرحلة تاريخية جديدة، وإنما عن تحوُّل كوني كامل نتيجة تَدخُّل إلهي. ثم تظهر، في سفر ملاخي، شخصية إلياهو العجائبية التي ستأتي في يوم الرب.

ويدل ظهور كل هذه الموضوعات ضمن الفكر الأخروي، على أن الفكر الرؤياوي (الأبوكاليبسي) أخذ يتغلغل ويحل محل الفكر النبوي، كما يتضح في الإصحاحات الستة الأخيرة في سفر زكريا التي أشارت إلى أن الشعب المختار سيعاني قبل الخلاص. وتبدأ النزعة الرؤيوية في التعمق حتى أن إصحاحات 24/1 ـ 27/13من سفر أشعياء يُطلَق عليها «أبوكاليبس أشعياء» . وقد كان مجال التفكير الأخروي، كما تقدَّم، هو «هذه الدنيا» ، و «المستقبل» . ولكن عدة انتكاسات حلت باليهود فقد سمح لهم قورش بالعودة، وبناء الهيكل دون أن يسمح لهم بتأسيس مُلك يهودي في ولاية يهودا، أي دون أن يسمح بعودة القوة السياسية اليهودية، وبالتالي لم يسودوا العالمين كما كانت تقول النبوءات الأولى. ثم زال حكم الفرس وظهرت الإمبراطورية اليونانية كقوة عظمى، وبعدها الإمبراطورية الرومانية التي أحكمت قبضتها عليهم تماماً وهدمت الهيكل. بعد هذه الانتكاسات العديدة، اكتسب التفكير الأخروي أبعاداً جديدة، وأصبح مجاله «العالم الآخر» ، «في المستقبل» ، «خارج الزمان» .

وقد اكتملت ملامح الفكر الأخروي اليهودي ومعظم ثوابته مع سفر دانيال، فهو يقدم رؤية لتاريخ العالم، وتاريخ الممالك الأربع التي ستزول وتحل محلها المملكة التي لا تزول (الملكوت الأبدي) . كما يظهر مفهوم ابن الإنسان الذي يأتي مع سُحُب السماء (أي من الإله) مقابل وحوش البحر الأربعة (الإصحاح السابع) . ويبدو أن ثمة إرهاصات لفكرة البعث في أشعياء (26/19) وفي المزامير (73 / 23ـ 26) ، ولكنها تظهر في دانيال بشكل لا إبهام فيه (12/1ـ 3) ، ويصبح البعث بعثاً لأفراد لا لأمم، وبالتالي يصبح الحساب حساباً أخلاقياً فردياً لا قومياً جماعياً. وتظهر في آخر سفر دانيال واحدة من أولى المحاولات لحساب آخر الأيام. وقد ازدادت الرؤية الأخروية اليهودية تبلوراً بعد ذلك، فظهرت في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد كتب الرؤى التي تدور حول موضوعات أخروية نشورية. ويُلاحَظ أن فكرة شيول غير المحددة اكتسبت تَحدُّدها في آخر هذه الفترة وأصبحت كلمة «جهنم» تدل عليها، ووُضعت «جهنم» مقابل «حديقة عدن» التي تَحدَّد مفهومها هي الأخرى فأصبحت «الجنة» . وأصبح الشيئان مرتبطين بفكرة البعث والثواب والعقاب في العالم الآخر.
ومع هذا، فإن عدم التجانس وسمة الجيولوجية ظلا واضحين في الفكر اليهودي الأخروي، فعند هَدْم الهيكل، أي في تاريخ متأخر نسبياً، كان هناك فريق كبير من اليهود (الصدوقيون) لا يزال ينكر البعث. أما الأسينيون، فمع أنهم اهتموا بالتفكير الأخروي وجعلوه محور رؤاهم، فإن الآخرة بالنسبة إليهم كانت في هذه الدنيا، ولا يوجد أي ذكر للبعث في المخطوطات التي خلفوها، فمخطوطات البحر الميت تتحدث عن النهاية ولا تتحدث قط عن جنة أو جهنم (فقد كان يدور الحديث عن الموت كعقاب أزلي للآثمين، وعن الحياة الأزلية للصالحين) .

وفي يهودية العصور الوسطى في الغرب، أخذ الحاخامات بالمفاهيم الأخروية بعد تبلورها. ولكن عملية التبلور لم تكن كاملة، فالمضمون الأخلاقي للأفكار الأخروية بدأ يزداد شحوباً مرة أخرى، واكتسبت رؤية الخلاص مضموناً قومياً. كما ميَّز الحاخامات بين أيام الماشيَّح، أو العصر المشيحاني، وبين العالم الآتي أو الآخرة، إذ أن الأولى تسبق الثانية، وتشكل مرحلة انتقالية، وهذا يدل على أن عدم التجانس مازال قائماً بين الإيمان بالآخرة كمرحلة تاريخية داخل الزمان والإيمان بها كآخرة تقع في آخر الزمان وخارجه. ويُلاحَظ أن الحاخامات قد نصحوا اليهود بألا يحاولوا أن يحسبوا متى تأتي آخر الأيام ونهاية الزمان، كما أنهم حرَّموا أن يحاول اليهودي التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكيتس) ، وأصبح الإيمان بالآخرة إحدى العقائد اليهودية الأساسية التي تبناها القبَّاليون، ولكنهم أدخلوها في أنساقهم الحلولية فظهرت الدورات الكونية والتناسخ وعودة الشخيناه. ولذا، نجد أن من هموم القبَّاليين الكبرى الحسابات القبَّالية الخاصة بالنهاية. وقد انسلخ الفكر الأخروي تماماً عن الفكر الأخلاقي وأصبح مرتبطاً إلى حدٍّ كبير بالسحر وبالخلاص القومي للشعب اليهودي وهلاك كل الأغيار. ويُلاحَظ أن الفكر الأخروي اليهودي في العصر الحديث يزداد اختلاطاً، إذ تتراجع أفكار أخلاقية أساسية مثل البعث والثواب والعقاب والآخرة لتحل محلها أفكار عامة مثل العصر المشيحاني (في اليهودية الإصلاحية) أو فكرة التقدم (في اليهودية التجديدية) .

وقد تأثر الفكر الصهيوني بالفكر الأخروي اليهودي الحلولي (حلولية بدون إله) بمعنى أن الآخرة هي النهاية داخل الزمان أو آخر مرحلة تاريخية، أو هي نهاية التاريخ التي تصل بالجدل والصراع والانحرافات إلى نهايتها، فيكون «الخروج» الكامل من تاريخ الأغيار بكل شذوذه وعنفه، ويكون «الدخول» في كنعان حيث يمكن استئناف التاريخ اليهودي بكل مثالياته. ومثل هذا التفكير الأخروي البدائي عادة ما يأخذ شكلاً هندسياً متناسقاً تكون فيه النهايات شبيهة بالبدايات.
وإذا كانت بداية التاريخ اليهودي من وجهة النظر الصهيونية هي الخروج من أرض العبودية في مصر ودخول أرض الميعاد، فالنهاية الأخروية هي الخروج أيضاً من أرض العبودية في مصر أو روسيا أو أي منفى آخر، ودخول أرض الميعاد أيضاً، أي أن النهاية لابد أن تشبه البداية حتى يكتمل الاتساق الهندسي. وإذا كان دخول كنعان قد أدَّى إلى إنشاء الهيكل والعبادة القربانية المركزية (حيث يحل الإله وسط الشعب في قدس الأقداس) ، فإن الدخول الحديث إلى فلسطين يؤدى إلى إنشاء الدولة الصهيونية، بحيث يحل الإله فيها بالنسبة للمتدينين اليهود، فتصبح دولة مقدَّسة. أما بالنسبة إلى الملحدين، فهي دولة مقدَّسة بذاتها إذ أن حلوليتهم حلولية بدون إله ووحدة وجود مادية.
أسفار الرؤى (أبوكاليبس)
‏Apocalypse

«الرؤيا» ترجمة لكلمة «أبوكاليبس» اليونانية الأصل والتي تعني الكشف عن الغيب، وخصوصاً عن آخر الأيام (إسكاتولوجي) ويوم الحساب. ويتم الكشف عن طريق الأحلام والرؤى والغيب، وفي الدراسات العربية يُطلَق على الكتب التي تتناول هذه الأشياء مصطلح «أسفار الرؤي» ، وذلك لاعتمادها على الرؤى في سرد الأحداث وفي شرح الأفكار المُتضمَنة فيها. وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى الكتب الدينية اليهودية والمسيحية التي تحتوي على مثل هذه الرؤى، مثل سفري حنوخ وسفر صعود موسى وسفر باروخ وكتاب اليوبيل، وتُعَدُّ ضمن الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) . وتُعَدُّ الإصحاحات الأخيرة من سفر دانيال (8/17 ـ 12/13) ضمن أسفار الرؤى، ويُشار إلى بعض إصحاحات كتاب أشعياء بوصفها أبوكاليبس أشعياء (24/1 ـ 27/13) . كما أن مخطوطات البحر الميت، هي الأخرى تدخل ضمن كتب الرؤى وتضم الكثير من الأسرار التي تقع خارج نطاق المعرفة الإنسانية كأسرار السماء والأرض والملائكة والشياطين.

وتأخذ كتب الرؤى شكل نبوءة على لسان بطل تاريخي قديم (ذائع الصيت مات منذ زمن بعيد) يدَّعي أنه يرى أحداث ذلك التاريخ كله منذ بدايته حتى نهايته، وأن هذه المعرفة قد أُخفيت (باليونانية «أبوكريفون» ) طيلة هذه السنين حتى الوقت الحاضر، وهو عادةً زمن الأزمة (ومن هنا نجد أن معظم كتب الرؤى من الكتب الخفية) . ولا تُعنَى كتب الرؤى بالحاضر، كما أنها تورد إشارات سريعة إلى الماضي، أما المستقبل والنهاية فقد وُجه إليهما اهتمام بالغ فتم وصفهما بالتفصيل. وتنقل هذه الكتب رؤاها من خلال نسق مركب من الرؤى الرمزية والصور الخيالية الباهرة تلعب فيه الحيوانات والطيور والزواحف والوحوش ذات الرؤوس البشرية دوراً أساسياً. والواقع أن أدب الرؤى غامض للغاية، يحتمل العديد من التفسيرات بحيث يمكن توظيفه لأي غرض ولإثبات أي شيء، وهي سمة سيتصف بها الماشيَّح فيما بعد. ويرى مؤرخو اليهودية أن جذور الصوفية اليهودية والقبَّالاه ترجع إلى هذه الكتب. ولأن الرؤية الواردة في هذه الكتب لم تكن تساندها شرعية الرؤية الإلهية، فمؤلفوها كانوا ينسبونها إلى شخصيات توراتية. كما أن الخوف من الاضطهاد السياسي كان سبباً أساسياً لإخفاء شخصية المؤلف. وقد استخدم مؤلفو كتب الرؤى موضوعات كتب الأنبياء بعد تطويرها وتغيير معناها بما يتناسب مع ظروف وشخوص تاريخية معاصرة لهم.
وكتب الرؤى تعبير عن الطبقة الحلولية في اليهودية تنبع من الإيمان بأن أعضاء الشعب المختار الراهن أمة من الأنبياء والقديسين والكهنة يمتلكون إمكانيات نبوية خارقة خاصة، وأن تقاليد النبوة عندهم لا تزال ممكنة ومفتوحة ومتاحة.

ومما يزيد من حدة التأملات الرؤياوية (الأبوكاليبسية) عندهم أنهم، وهم الشعب المختار، كانوا دائماً يذوقون صنوف الويل والعذاب الأرضيين، فتجربتهم التاريخية هزيمة تلو هزيمة، وانكسار إثر انكسار، على أيدي الآشوريين والبابليين، ثم زادت الأمور سوءاً بعد العودة من بابل، وتوقُّف سلسلة أنبياء اليهودية، وبعد إعادة بناء الهيكل. وقد عاد اليهود من المنفى تحدوهم تطلعات مشيحانية، وأمل في أن تسود جماعة يسرائيل مرة أخرى. ولكن الماشيَّح لم يأت بل تدهور حالهم وأصبح الحاضر تحفه المشاكل، وبدأت نذر الشر تظهر في الأفق، فقد ظهرت الإمبراطورية الرومانية بقوتها الضخمة لتهيمن على الشرق الأدنى القديم، وفلسطين، ثم دمرت الهيكل تماماً على يد تيتوس، ثم القدس على يد هادريان. وفي هذه المرحلة الأخيرة الخطرة (من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد) ظهرت أسفار الرؤى.

وقد ساعد كل ذلك على انصراف اليهود عن الحاضر إلى التأمل الأخروي في آخر الأيام، إذ كان من غير المنطقي، من وجهة نظرهم، أن يتركهم الإله في عذابهم الدنيوي دون نهاية سعيدة. وقد تَرسَّخ لديهم الإيمان، تحت تأثير الأفكار الفارسية، بالفكرة الثنوية التي ترى أن الوجود يتكون من عالمين: العالم الحاضر ويحكمه الشيطان ومصيره الزوال، والعالم القادم ويحكمه إله الخير والنور؛ وهو عالم حر تنتشر فيه السعادة الأبدية، يأتي بعد انتصار إله النور على إله الظلام. ولذا، فقد آمنوا بأن الإله سيرسل حتماً من يرفع عنهم العذاب. بل إنهم يؤمنون بأنه كلما تأخر يوم الخلاص، زادت شدة العذاب الذي سيحيق بأعدائهم، علماً بأن زيادة الآلام علامة اقتراب الخلاص والنصر (وهذا هو النمط الأساسي في كتب الرؤى) . وستأخذ النهاية الرؤياوية للبؤس اليهودي صورة عودة الماشيَّح أو انتصار داود أو تنصيب سليمان معلماً للأمم، أو عودة اليهود إلى أرض الميعاد. وقد تبنَّى مؤلفو كتب الرؤى فلسفة للتاريخ ذات أصل فارسي، فقد كان الفرس يُقسِّمون تاريخ العالم إلى ممالك ثلاث: الآشورية والميدية والفارسية، ثم أضافوا إليها فيما بعد المملكة اليونانية. وقد تبنَّى مؤلفو كتب الرؤى هذا التقسيم، وأحلوا محل آشور بابل التي كانت لا تزال عالقة بذاكرتهم التاريخية، وأضافوا مملكة خامسة هي مملكة اليهود الأزلية. وهناك بعض رؤى الأبوكاليبس المسيحية التي ترى أن الخلاص النهائي مرتبط بعودة اليهود إلى فلسطين وتَنصُّرهم، وتُسمَّى «الرؤى الاسترجاعية» نسبة إلى استرجاع اليهود إلى فلسطين، أو «الرؤى الألفية» نسبة إلى الألف عام التي سيحكم فيها الماشيَّح الأرض.
وتجب التفرقة بين كتب الرؤى (أبوكاليبس) وكتب النبوة، فكلتاهما وسيلة لمعرفة الإرادة الإلهية. ولكن، بينما تدور كتب الأنبياء داخل نطاق رؤية توحيدية، تدور أسفار الرؤى داخل رؤية حلولية، وتمكن التفرقة بينهما على النحو التالي:

1 ـ من نقط الاختلاف الأساسية، موقف كتب الأنبياء والرؤى من التاريخ والمجتمع. فالأنبياء توجهوا برسالاتهم مباشرة إلى مجتمعاتهم وركزوا على الحاضر، وأشاروا إلى الخيارات الفلسفية والأخلاقية المطروحة مطالبين جماعة يسرائيل باتخاذ موقف محدَّد واستجابة مباشرة. وقد كان المستقبل بالنسبة إلى الأنبياء لا يزال عملية مستمرة تستطيع الإرادة الإنسانية أن تلعب فيها دوراً. أما مؤلفو كتب الرؤى، فكانوا يركزون على البدايات والنهايات، وعلى النهايات أكثر من البدايات. فكانوا يرون التاريخ عملية موصدة مغلقة، وما العصر الذي يعيش فيه الكاتب سوى حلقة من سلسلة متكاملة قررها الإله من قبل، وهي عادةً الحلقة الأخيرة. ويُقال إن هذه الرؤية متأثرة بالرؤية الإغريقية الهيلينية للتاريخ والتي تنظر إليه باعتباره دائرة هندسية مغلقة. ولكن يمكننا أن نقول إن انغلاق كتب الرؤى تعبير عن الحلولية الكامنة فيها.
2 ـ لا تنشغل كتب الرؤى بالتاريخ انشغال كتب الأنبياء به، فهى قد تتعامل معه ومع أحداثه ولكنها لا تحترم تفاصيله. فالعقلية الرؤياوية تتوقع وتؤيد التغيير في المجتمع، لكنه تغيير غير تاريخي لأنه غير مرتبط بمسار التاريخ، كما أنه يأخذ شكل انفجارأو تحوُّل فجائي جوهري في كل شيء إذ يتم التحول عن طريق التدخل (أو الحلول) المباشر والفجائي للإله في شئون البشر وفي التاريخ. هذا على عكس رؤية معظم الأنبياء التي كانت تبشر بأن إرادة الإله تتحقق داخل التاريخ من خلال أحداثه لا من خلال تَدخُّل مباشر، فتصبح آشور مثلاً أداة العقاب الإلهي.

3 ـ لكل هذا، نجد أن كتب الأنبياء منشغلة بالمضمون الأخلاقي لرسالاتهم وبإبلاغها، وبكيفية تحقيق الخلاص داخل التاريخ أو تعديل مساره عن طريق التوبة والعودة. ويُحجم الأنبياء عن ذكر ما رأوه في لحظة الوحي، أما كُتَّاب الرؤى فيعطون وصفاً تفصيلياً لكل شيء؛ السماء أو البلاط المقدَّس أو الملائكة. وعيون كُتَّاب الرؤى مركزة دائماً على النهاية (لحظة التدخل الفجائي) حين ينتهي التاريخ كليةً، فالنهاية دائماً وشيكة الوقوع، هذا على عكس النهاية الأخروية عند الأنبياء، فقد كانت هذه النهاية عند معظمهم في المستقبل البعيد. ويُلاحَظ أن رؤية النهاية عند كُتَّاب كتب الرؤى كانت شخصية وتاريخية في آن واحد، إذ يرد في الإصحاح 12 من سفر دانيال أول ذكر واضح لبعث الموتى ولعملية العقاب والثواب (دانيال 12/13) . ومن الواضح أن كتب الرؤى تشكل عودة لرؤية الحلولية اليهودية، كما مهدت للقضاء على تأثير رؤى الأنبياء التي وجدت تطورها الحقيقي في المسيحية.
والتفكير الصهيوني تفكير رؤياوي علماني يؤمن بأنه لا حل للمسألة اليهودية عن طريق التدرج التاريخي (الاستنارة أو الاندماج أو الثورة الاجتماعية) أو عن طريق التعامل مع الواقع التاريخي المتعين، وإنما يجب أن يتم «الآن وهنا» على الفور (الدولة الصهيونية ـ العودة ـ تكوين جيش من اليهود يغزو فلسطين ويطرد العرب) ، أي أن الصهيونية تتعجل وتعمل من أجل «نهاية التاريخ» ، وذلك بطرح رؤى مثالية فاشية يتم فرضها على الواقع التاريخي لا عن طريق الحلول الإلهي لصالح الشعب اليهودي وإنما عن طريق العنف والتحالف مع الإمبريالية (مثلاً) ، ومن هنا فإن الصهيونية تعبير عن الحلولية بدون إله.
الآخرة أو العالم الآخر (الآتي)
‏World to Come

«الآخرة» أو «العالم الآخر» هي المقابل العربي للمصطلح العبري «عولام هبّا» ، وهو مصطلح يهودي أخروي يعني «العالم الآتي في آخر الأيام» (مقابل «عولام هازّيه» ، أي «هذا العالم» ) . ومفهوم الآخرة أو العالم الآخر مفهوم أخروي، أخذ في الظهور التدريجي، واكتسب كثيراً من ملامحه بعد العودة من بابل، ثم صار إحدى الأفكار الدينية الأساسية في التلمود. وهذا العالم الآتي يشير إلى عدة أشياء متناقضة، فهو قد يشير إلى المستقبل وحسب، وقد يشير إلى العصر المشيحاني (الألفي) قبل أو بعد يوم الحساب وقبل أو بعد البعث، وقد يشير إلى الآخرة بمعنى نقطة خارج الزمان. وقد قرنه بعض الحاخامات بالجنة وحسب. وهو قد يشهد التَحرُّر القومي لليهود من ظلم الأمم الأخرى، ولكنه قد يشهد تَحرُّر الكون بأسره، أي أنه يعكس كل تناقضات التفكير الأخروي اليهودي، وتأرجحه ما بين الرؤية الحلولية والرؤية التوحيدية.
آخر الأيام (اليوم الآخر)
‏End of Days; Aharit Ha Yamim
«آخر الأيام» أو «اليوم الآخر» مصطلح عربي يقابل المصطلح العبري «أحريت هياميم» ، وهو مصطلح أخروي يهودي، ويكون بأحد معنيين:
1 ـ يكون بمعنى «في المستقبل» أو «في الأيام المقبلة» ، أي في فترة زمنية مقبلة تتلوها أيام وفترات أخرى.
2 ـ ويكون بمعنى «في الأيام الأخيرة» ، ويعني آخر المراحل الزمنية التي لن يأتي بعدها مراحل أخرى، ومع هذا، فإن هذه المرحلة الأخيرة تقع داخل الزمان.
وإذا كان المعنيان السابقان مختلفين، فإنهما متفقان في أنهما يقعان داخل الزمان. ومع هذا، فقد تغيَّر المجال الدلالي للمصطلح قليلاً في القرن الأول قبل الميلاد بحيث أصبح يشير إلى آخر الزمان كمرحلة تقع خارج التاريخ كلية، يتم فيها بعث الموتى وحسابهم.
يوم الرب
‏Day of the Lord

«يوم الرب» مصطلح يهودي أُخروي حلولي، وهو اليوم الذي سيكشف فيه الإله عن نفسه للأمم بكل قوته وعظمته في آخر الأيام ليحطم أعداء جماعة يسرائيل، بسبب ما اقترفوه من آثام في حق شعبه المقدَّس المختار. وستعلو جماعة يسرائيل في ذلك اليوم، وتسمو على العالمين، بعد أن تتجدد قوتها وتنتقم من أعدائها، وتؤسس مملكة قوية. وهذا المفهوم البدائي القومي ينم عن رغبة عميقة في الانتقام، ويحمل تضمينات عسكرية (تماماً كما نقول في العربية «يوم داحس والغبراء» أو «يوم الخندق» ) ، ويجعل الآخرة أمراً مختصاً بالجماعة لا بالأفراد.
وقد حوَّل عاموس المفهوم تماما حين أسماه «يوم يهوه» ، فلم يعد هذا اليوم يوم انتقام جماعة يسرائيل من أعدائهم، وإنما أصبح «يوم الحساب» أو «يوم الحكم» أو «يوم القضاء العالمي الشامل» ، وهو اليوم الذي سيحاسب فيه الإله كل الناس، يهوداً كانوا أو أغياراً، دون تمييز أو تفرقة. ويُعَدُّ هذا أهم التطورات التي دخلت على المفاهيم اليهودية الأخروية.
يوم الحساب
‏Day of Judgement

«يوم الحساب» ترجمة لمصطلح «يوم هدِّين» ، وهو مصطلح عبري بمعنى "اليوم الذي سيحاسب فيه الإله كل البشر في آخر الأيام". وهو تطوير لمصطلح «يوم الرب» ذي الطابع الحلولي القومي المتطرف الذي كان يعني حدوث الخلاص (الثواب والعقاب) داخل إطار قومي. وقد تَحوَّل هذا المفهوم القومي الأخير (على يد النبي عاموس وغيره من الأنبياء) إلى مصطلح «يوم الحساب» أو «يوم الحكم والقضاء» (العالمي والشامل) ، وهو يوم سيُحاسَب فيه كل الناس يهوداً كانوا أو أغياراً دون تمييز أو تفرقة. وقد حذر عاموس شعبه من أن الإله سيحطم جماعة يسرائيل بسبب فسادها (عاموس 5/18) ، وأكد كلٌّ من إرميا وحزقيال (إرميا 31/29 ـ 30، حزقيال 18) المسئولية الفردية، كما أكَّد كثير من الأنبياء أن النفي عقوبة تستحقها جماعة يسرائيل. لكن أول إشارة للثواب والعقاب بعد البعث ترد في أشعياء (إصحاح 26) ، ودانيال (12/2) : "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي". وتطوَّر المفهوم، فأصبح المصطلح يشمل الموتى الذين سيُبعثون يوم الحساب "حتى يشملهم الحساب هم أيضاً ".

ويُلاحَظ أن مفهوم يوم الحساب، الذي لم يستقر بصورته الجديدة إلا بعد المرحلة البابلية، لم يفقد محتواه القومي تماماً، إذ نكتشف أن اليهود سيتطهرون في يوم الحساب من آثامهم ثم تعود البقية الصالحة منهم إلى أرض الميعاد ليحيوا حياة سعيدة هنيئة كما جاء في سفر هوشع (2، 14) . كما يجب التنبيه أيضاً إلى أن يوم الحساب ليس مثل يوم القيامة أو الآخرة، لأنه (حسب كثير من التفسيرات) سيحل قبل البعث النهائي، أي أنه واقعة تاريخية (وفي هذه الدنيا) ، وهو مثل المرحلة الألفية سيقع قبل الآخرة ولن يُحاسَب فيه إلا الأحياء الموجودون في الدنيا بالفعل. وكان البعض يرى أن الإله يحاسب العالمين أربع مرات كل عام. وكان البعض يؤمن بأن عيد رأس السنة اليهودية هو اليوم الذي يحاسب فيه الإله البشر، وأن أحكامه تصبح نهائية في يوم الغفران.
والواقع أن دولة إسرائيل هي، بمعنى من المعاني، محاولة علمانية لترجمة مفهوم الفردوس اليهودي الأرضي إلى واقع حقيقي.
البعث
‏Resurrection

«البعث» تقابلها في العبرية كلمة «تحيَت همِّيتيم» . وفي الواقع، فإن ثمة إطارين لفهم فكرة البعث: الإطار التوحيدي، وفي نطاقه نجد أن الإيمان بالبعث يعني الإيمان بعودة الروح إلى الجسد في المستقبل (في اليوم الآخر) لتثاب أو تُعاقَب. وداخل الإطار الحلولي، وفي نطاقه أشكال مختلفة لفكرة البعث من بينها الإيمان بتناسخ الأرواح، أو الإيمان بخلود الروح وحسب دون بَعْث، أو الإيمان بأن بعض الأرواح وحدها هي التي تُبعَث ولا يُبعَث البعض الآخر، أو الإيمان بأن الموتى يحيون بعد الموت في عالم خاص بهم. ولا توجد في كتب العهد القديم الأولى أية إشارات إلى بعث الموتى أو الحياة الأبدية، إذ يبدو أن العبرانيين القدامى لم يكونوا من المؤمنين بالبعث، وإنما كانوا يؤمنون بأن الإنسان جسد يفنى بالموت. وحتى بعد أن ظهرت فكرة خلود الروح، فإن هذه الفكرة لم تكن بعد مرتبطة بفكرة البعث والخير والشر والثواب والعقاب، إذ أن الروح كانت تذهب بعد الموت إلى مكان مظلم يُسمَّى «شيول» ، حيث تبقى إلى الأبد، بغض النظر عما ارتكبته من أفعال في هذا العالم الدنيوي. وتتضح هذه الرؤية العدمية في سفر أيوب الذي جاء فيه: «اذكر أن حياتي إنما هي ريح، وعيني لا تعود ترى خيراً ... السحاب يضمحل ويزول، وهكذا الذي ينزل إلى الهاوية (شيول) لا يصعد» (أيوب 7/7 ـ 9) . "أما الرجل فيَبلى ويموت الإنسان يسلم الروح فأين هو ... الإنسان يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات ولا ينتبهون من نومهم" (أيوب 14/10 ـ 12) .

وقد كانت مكونات فكرة البعث موجودة، فإحدى صفات الإله أنه يُحيي الموتى، وقد رُفع إليه إلياهو بالفعل. ويبدو أن هناك إرهاصات لفكرة البعث في سفر أشعياء (26/19) ، ولكنها لا تظهر بشكل واضح لا إبهام فيه إلا في سفر دانيال (وتحت تأثير فارسي) : "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي" (سفر دانيال 12/1 ـ 3) . وبعد ظهور المفهوم، حاول مفسرو العهد القديم أن يقوموا بعملية إسقاط لهذه الفكرة على نصوص سابقة لتفسَّر على أنها تتحدث عن البعث، كما فعل راشي مع مزمور 17/15. ومع هذا، لم تستقر الفكرة تماماً في اليهودية. وعند هدم الهيكل، كان الصدوقيون لا يزالون ينكرون البعث. ويبدو أن الأسينيين أيضاً لم يكونوا يؤمنون به، على عكس الفريسيين.

وترى اليهودية الحاخامية أن الإيمان ببعث الموتى إحدى العقائد الأساسية في اليهودية، وأحد أُسُس الإيمان، كما ترى أن البعث بعث للروح والجسد. ولكن، حتى بعد ظهور فكرة البعث بشكلها الكامل، ظهرت عدة إشكاليات من بينها زمن البعث، فالتفكير الأخروي اليهودي يتضمن عنصرين: أحدهما زمني وهو العصر المشيحاني، والآخر لا زمني هو صيغة من صيغ آخر الأيام. كما أن علاقة البعث بيوم الحساب وجهنم والجنة لم تتحدد (وهذه أسئلة أثارها حسداي قريشقش) . كما أن فكرة البعث احتفظت بكثير من العناصر الحلولية، ولذلك نجد أنها تكتسب بُعداً قومياً وتظل مرتبطة بالعودة القومية إلى الأرض. وحتى بين هؤلاء الذين يؤمنون بفكرة البعث، هناك خلاف حول من يُبعَث من البشر إذ قال موسى بن ميمون إن الأبرار وحدهم هم الذين سيُبعَثون، وذهب آخرون إلى أن كل أفراد جماعة يسرائيل سيُبعَثون، وقال فريق ثالث إن الجنس البشري بأسره سيُبعَث في آخر الأيام. وثمة بعض المفكرين من اليهود ينكرون حتى الآن عقيدة البعث. وتنكر اليهودية الإصلاحية فكرة أن البعث هو عودة الروح إلى الجسد وحسابها، مكتفيةً بتأكيد عقيدة خلود الروح. وقد تم تعديل كتاب الصلوات ليتفق مع العقائد الجديدة.

والواقع أن في إنكار البعث إنكاراً للمسئولية الشخصية وإنكاراً لفكرة الضمير الفردي، فالأخلاقيات اليهودية الحلولية أخلاقيات جماعية قومية لا تميِّز بين الخير والشر بقدر تمييزها بين اليهود والأغيار. وإنكار البعث تعبير مباشر عن النزعة الحلولية. فإذا كان الإله يحل في الأمة والأرض ولا يتجاوز المادة والتاريخ ويجمع بينهما، فإن البعث الفردي (والمسئولية الخلقية) تصبح أموراً مستحيلة وغير مرغوب فيها، فالبعث هو التوحد مع الأمة المقدَّسة والبحث عن الاستمرار والخلود من خلالها، وربما الدفن في الأرض المقدَّسة. ومن هنا كان الاهتمام المتطرف في إسرائيل بالدفن والمدافن، وباستعادة جثث الموتى من الجنود الإسرائيليين، بل من الشائع لدى بعض الجماعات اليهودية شراء تراب من أرض فلسطين (ومن القدس بالذات) ليُنثر على رأس المتوفي أملاً في أن يحوز بذلك البركة الخاصة بالبعث. وفي إطار الحلولية الصهيونية بدون إله ووحدة الوجود المادية التي تقدِّس الأرض، بدأ بعض الشباب الإسرائيلي يشعر بأن هذه الأرض المقدَّسة أصبحت تطالب بمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى. ولعل ما يدعم إحساسهم هذا، رفض يهود العالم الهجرة إليها وحرص الكثيرين منهم في الوقت نفسه على أن يدفن فيها.
تناسخ الأرواح
‏Transmigration of the Souls

«تناسخ الأرواح» مصطلح يقابله في العبرية مصطلح «جلجول هنيفيش» ، وهو يعني الإيمان بأن أرواح البشر تعود بعد الموت إن عاجلاً أو آجلاً وتستقر في جسد إنسان آخر، وهي عقيدة مرتبطة تماماً بالفكر الحلولي وتحل محل فكرة البعث التوحيدية (وتشبه فكرة العود الأزلي لنيتشه) وهي عقيدة تستند إلى الإيمان بخلود الروح ولكنها لا تحرِّر الروح تماماً من الزمن. وقد آمن القراءون بشكل من أشكال تناسخ الأرواح. وتظهر الفكرة أيضاً وبشكل أوضح في القبَّالاه؛ سواء في الزوهار أو في القبَّالاه اللوريانية. وبحسب ما جاء في التراث القبَّالي، كانت أرواح كل البشر جزءاً من الآدم قدمون؛ الإنسان الأول أو الكامل، ولكن خطيئة آدم الأولى أدَّت إلى اغتراب روح البشر عن الإله. وروح كل إنسان جزء من روح آدم، ومن هنا فإن كل الأرواح تشارك في حالة السقوط والنفي. فإذا اقترف الإنسان آثاماً في حياته، فإن روحه تتجسد في أشكال أدنى من الحياة. ولذا، يتعيَّن على الإنسان أن يفعل الخير حتى تحل روحه في أجساد الأبرار لكي تصل الروح إلى حالة الإصلاح (تيقون) وهي استقرارها في مكانها الطبيعي في روح آدم. وقد تستقر روح أحد المذنبين في جسد إنسان آخر، فتمتلكه وتستحوذ عليه، وتشكل أثراً سيئاً فيه، ويمكن طرد هذه الروح بطقوس دينية خاصة.

ومن المفاهيم المهمة الأخرى المرتبطة بتناسخ الأرواح، فكرة «تلقيح الروح» (بالعبرية: عبُّور) ، وذلك حينما تلقى روح شخص ما ظلالها على روح شخص آخر (حيّ) دون أن تسكن جسده بالضرورة. وقد يكون الهدف من عملية التلقيح هذه سلبياً أو إيجابياً. وإذا كانت الروح الهائمة روحاً مذنبة، فهي تلقي بظلالها على الشخص لتكفِّر عن سيئاتها. وبالتالي، فهي ستتلبس الشخص الحي، وفي هذه الحالة، يُقال لها «ديَبُّوق» ولابد من طردها. وقد تلقي الروح الهائمة بظلالها على روح شخص آخر لهدايته، وإضفاء هيبة عليه. وتذكر القبَّالاه اللوريانية حالات عديدة لتناسخ الأرواح، منها أن روح هارون حلت في عزرا، كما حلت روح يعقوب في مردخاي، في حين أن روحى موسى وسيمون بن يوحاي كانتا تلقيان بظلالهما على روح إسحق لوريا. ويُقال إن روح حاييم فيتال (تلميذ لوريا) لم تتأثر قط بخطيئة آدم.
وفكرة تناسخ الأرواح تعبير عن التيار الحلولي في اليهودية، وقد سادت هذه الفكرة بين اليهود وهيمنت على كثير منهم منذ القرن السابع عشر، فقد كان شبتاي تسفي (ومن تبعه) يتحدث عن حلول روح الإله في تسفي أو حلول روح تسفي فيمن أتى بعده. وقد أصبحت هذه الفكرة مركزية بين الحسيديين. ومن مظاهر ذلك ما يفعله الأتباع على قبر أبي حصيرة إذ يلقون أجسادهم عليه أملاً في أن تحل روحه فيهم وتُسمَّى تلك العملية «شيطَّوح» أو «التسطح على القبر» .
خلود الروح
‏Immortality of the Soul

لا يوجد في يهودية ما قبل التهجير، ولا في معظم العهد القديم، إيمان واضح بخلود الروح. ولعل هذا يعود إلى النزعة الحلولية التي تمحو كل الثنائيات وترى أن الروح إن هي إلا جزء من الجسد تفنى بفنائه، وأن الموت إن هو إلا نقصان فيما يُسمَّى «المادة الحيوية» . ولذا، فقد أخذت الحياة الآخرة عندهم شكل شيول، وهو مكان محايد لا يعرف الثواب أو العقاب. ولم يُقدَّر لمفهوم خلود الروح أن يتبلور، بسبب تخبط الفكر الديني اليهودي بين الفكر الديني التوحيدي المصري وفكر بلاد الرافدين الحلولي، فقد أخذ بخلود الروح عن المصريين من ناحية وعن بلاد الرافدين من ناحية أخرى. وفي عبادة يسرائيل، أي في يهودية ما قبل التهجير، نجد أن ما يضفي معنى على الأشياء ليس حياة الفرد، وإنما تاريخ الأمة. ولذا، فإن الكتاب المقدَّس هو تاريخ الأمة، ويصبح هذا التاريخ محط اهتمام الإله واهتمام الشعب، ويصبح الخلود هو خلود الشعب. وقد طرح بعض الأنبياء فكرة خلود روح الفرد، وإن كان بشكل متردِّد وغير قاطع. ولا نعرف على وجه الدقة متى بدأت الفكرة تضرب بجذور راسخة في العقيدة اليهودية، ولكن يمكن القول بأن الفكرة بدأت تأخذ شكلاً محدداً في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد وبدأ الفريسيون يبشرون بها. واليهودية الهيلينية تفترض هي الأخرى فكرة خلود الروح، وأصبحت فكرة البعث التي تفترض خلود الروح إحدى العقائد الأساسية لليهودية.

ومع تزايد هيمنة الحلولية على النسق الديني اليهودي، نجد أن خلود الروح يأخذ عند القبَّاليين شكلاً آخر هو إيمانهم بتناسخ الأرواح. وهو مفهوم يفترض خلود الروح ولكنه لا يحررها تماماً من الزمان. وقد يكون مما ساعد على عدم تبلور فكرة موحَّدة ومحدَّدة عن البعث، تَخبُّط الفكر الأخروي اليهودي بين الأفكار المتناقضة عن العصر المشيحاني والآخرة أو العالم الآخر (الآتي) ، وكذلك العقائد الألفية قبل وبعد العصر المشيحاني. ويظهر هذا التخبط في فكر موسى بن ميمون نفسه الذي أنكر أن كل الناس ستُبعَث.
وفي العصر الحديث، أُعيد طرح القضية مرة أخرى، وبُعثَت من جديد بعض الأفكار الحلولية القديمة. فرفض المفكر الديني موريتس لازاروس فكرة خلود روح الفرد وفكرة الآخرة. أما هرمان كوهن، فيرى أن خلود الروح في اليهودية ينطبق على الشعب ككل، لا على أفراده، فالشعب هو وحده الذي لا يموت (فتاريخه أزلي) ، والروح الفردية تكتسب استمرارها من خلال هذا التاريخ، وهذا هو ما ورد في العهد القديم، أما ما عدا ذلك فأساطير، ولذا يجب ألا يجرى التفكير في مصير الإنسان بعد الموت. أما المفكر الصهيوني آحاد هعام، فيرى أن الإيمان بخلود الروح علامة من علامات الضعف ومرض الروح، ولذا فهو يسخر من الآخرة ومن الإيمان بها، ويرى أن الالتصاق العضوي بالأمة يحقق مثل هذا الخلود، وبذا تحل فكرة الشعب العضوي (فولك) محل فكرة خلود الروح والبعث واليوم الآخر.
الموت
‏Death

كلمة «موت» العربية يقابلها في العبرية كلمة «مافت» ، التي كانت تُستخدَم كذلك للإشارة إلى إله الموت في العبادة الكنعانية القديمة الذي كان دائماً يصارع بعل إله المطر والخصب. ويعود بعل في شهر المطر ويموت في نهايته، أما موت، فيعود إلى الحياة حينما يتوقف المطر، ويموت حينما يهطل المطر مرة أخرى. وهذه رؤية ثنوية للإله وجدت طريقها إلى العهد القديم، إذ يُنظَر إلى الموت باعتباره قوة مستقلة عن الإله، وله رسله (هوشع 13/14، أمثال 16/14) . وتوجد عبارات عديدة في العهد القديم يُفهَم منها أن أعضاء جماعة يسرائيل تصوروا أن الموت ضرب من ضروب العودة إلى الأسلاف والانضمام إليهم (تكوين 49/33، عدد 27/13) وهو تعبير عن الطبقة الحلولية داخل اليهودية باعتبارها تركيباً جيولوجياً تراكمياً، ومن هنا الاهتمام بمكان الدفن في اليهودية إذ أصبح من الضروري أن يدفن اليهودي بجوار أسلافه. وقد تأثر مفهوم الموت بعدم الإيمان بالبعث، فكان الموت يُنظَر إليه (في سفر أيوب مثلاً) باعتباره نهايةً مطلقةً وعدماً كاملاً وفناءً لا يُرجى منه شفاء.

وقد ورد في العهد القديم سببان يفسران الموت: الأول أن الإنسان خُلق من تراب، ولذا فإنه لابد أن يعود إلى التراب (تكوين 2/7، أيوب 10/9) . أما سفر التكوين، فيعطي سبباً آخر وهو أن الموت عقاب على الذنوب التي يرتكبها الإنسان وعلى معصية آدم (الأولى) التي طُرد بسببها من الجنة، فلم يعد بمقدوره أن يأكل من شجرة الحياة الأزلية (تكوين 3/22 ـ 24) . والموت، بهذا المعنى، عقوبة سيرفعها الإله عن الناس في الآخرة، أي في العالم الآخر (الآتي) . وكان الموت يعني الذهاب إلى أرض الموتى (شيول) التي لا عودة منها دون أن يكون هناك ثواب أو عقاب. وظهر فيما بعد الإيمان بخلود الروح وبالبعث، وذلك بعد الاحتكاك بالفُرْس واليونان، وتطورت المفاهيم الأخروية، وتَقبُّل الفكر الحاخامي الموت كحقيقة طبيعية حتمية. وحينما ظهر التفكير القبَّالي، طُرحَت قضية الموت مرة أخرى، فالفكر القبَّالي يرى أن الموت نتيجة خلل حدث في الكون بعد حادثة تَهشُّم الأوعية. وقد حاول الفكر القبَّالي أن يهِّون من نهائية الموت، فطرح فكرة تناسخ الأرواح التي تجعل الزمان الإطار المرجعي الأساسي، إن لم يكن الوحيد، والذي تمكن هزيمته عن طريق دورات التناسخ.

وفي العصر الحديث، اتخذ الفكر اليهودي مواقف متفاوتة متضاربة من حقيقة الموت تعكس التناقضات القديمة. وقد عاد الفكر القبَّالي إلى الظهور من خلال الحاخام الصهيوني إسحق كوك الذي يرى، على طريقة القبَّالاه اللوريانية، أن الموت ليس حقيقة نهائية يقبلها المؤمن، وإنما هو عيب في الخَلْق، وعلى الشعب أن يصلح هذا العيب ويزيله وينقذ الطبيعة من الموت بالتوبة والصلاة. ويتفق هذا الموقف تماماً مع موقف كوك الحلولي المتطرف. فالحلولية لا يمكن أن تقبل الموت لأن هذا يعني وجود مسافة بين الخالق والمخلوق. وقد كان كوك يرى أن تزايد متوسط عمر الفرد في القرن العشرين إحدى علامات اقتراب زوال الموت، وربما الانتصار النهائي عليه، وهذا اتجاه غنوصي واضح.
الانتحار
‏Suicide
بالعبرية «إيبّود» ، ويُعَدُّ الانتحار، حسب التصور الديني اليهودي، جريمة مثل القتل. ويشير الحاخامات إلى ما جاء في سفر التكوين (9/5) على أنه تحريم للانتحار. ولهذا، فإن المنتحر أو القاتل المحكوم عليه بالإعدام كان لا يُدفن في داخل المقابر اليهودية، كما أنه لم تكن تُقام من أجله الشعائر الدينية الخاصة بالدفن. ومع هذا، فقد ورد في العهد القديم أربع حالات انتحار، وهي انتحار كلٍّ من: شمشون، وشاؤول وحامل درعه، وأحيتوفل. وفي العصر الحديث، قرَّر الحاخامات أن من ينتحر لا يتمتع بكامل قواه العقلية، ولذلك يمكن دفنه مع بقية الموتى وبالطريقة نفسها التي يُدفَنون بها.

وتختلف معدلات الانتحار بين اليهود والإسرائيليين باختلاف الظروف الاجتماعية ومعدلات التقدم والتخلف. فقد لاحَظ دوركهايم، في أواخر القرن التاسع عشر، أن معدلات الانتحار بين أعضاء الجماعات اليهودية منخفضة قياساً إلى الكاثوليك والبروتستانت. كما لوحظ أن نسبة الانتحار في إسرائيل كانت آخذة في التناقص حتى عهد قريب. ولكن، مع زيادة نسبة الاضطرابات النفسية في الكيان الصهيوني، زادت نسبة الانتحار، فقد بلغ عدد المنتحرين عام 1984 نحو مائتين وسبعين منهم مائتان وأربعون يهودياً، وهي نسبة ليست عالية بالقياس إلى اليابان أو الدول الاسكندنافية المشهورة بارتفاع معدلات الانتحار فيها ولكنها على أية حال أعلى في إسرائيل منها في معظم الدول الغربية. وقد بلغ عدد الذين حاولوا الانتحار وأخفقوا ودخلوا المستشفى للعلاج نحو ألف وأربعمائة، وهذا يشكل نصف العدد الحقيقي لأنه لا يتم عادةً الإبلاغ عن محاولات الانتحار. ولا تضم هذه الأرقام حالات الانتحار في الحبس أو السجون. ويُقال أيضاً إن هذه الأرقام ليست دقيقة لأن الاعتبارات الدينية تجعل بعض الأسر تبلغ عن حادث الانتحار كما لو كان حادثة عادية، كما يُقال إن بعض المنتحرين ينفذون انتحارهم بحيث يبدو كما لو كان حادثة حتى لا يسببوا حرجاً لأسرهم. وقد لوحظ ارتفاع معدلات الانتحار بين الجنود الإسرائيليين أثناء التورط الإسرائيلي في لبنان. كما انتحر عدد من يهود الفلاشاه بعد استيطانهم فلسطين بسبب عدم تكيفهم مع الأوضاع الجديدة. وبعد الانتفاضة، انتحر أكثر من ثلاثين جندياً خلال عام 1989، وكان معظمهم من الجنود النظاميين (ولذا، فقد أدخل الجيش الإسرائيلي لأول مرة ضباطاً متخصصين في الطب النفسي) . وتمجِّد الصهيونية فكرة الانتحار الجماعي. ومعظم الأساطير القومية، مثل أسطورة ماسادا وشمشون بل وبركوخبا، هي أساطير انتحارية. ولذلك، فإن أحد المفكرين الإسرائيليين (يهوشفاط حركبي) سَمَّى النزعة

الانتحارية عند الإسرائيليين «أعراض بركوخبا» . ويتحدث الكتاب الغربيون عن «عقدة ماسادا» .
الدفن والمدافن
‏Burial and Burial Places
تتسم العقائد الأخروية «قبيراه» عند اليهود بعدم تحدُّدها أو تبلورها، إذ تتعايش داخل إطارها عدة أفكار غير متجانسة بل ومتناقضة على طريقة اليهودية الجيولوجية، بعضها حلولي بدرجات متفاوتة من الحلول والبعض الآخر توحيدي. ويُلاحَظ أن شعائر الدفن والمدافن تكتسب أهمية خاصة داخل الإطار الحلولي. وقد دخل على اليهودية بعض المفاهيم البابلية عن أرض الموتى. وحسب هذه المفاهيم، يتوقف مصير الموتى لا على ما اقترفوه من آثام، وما أدوه من حسنات، وإنما على الطريقة المادية للدفن، وهل تمت طقوس الدفن حسب القواعد المرعية أم لا؟ وهل وُضع بجوارهم طعام أم لا؟ وتوجد مثل هذه الأفكار في العهد القديم، إذ يجب تقديم طعام للموتى على أن يكون قد دُفعَت عشوره.
ويؤكد العهد القديم أهمية الدفن، وخصوصاً في مقبرة الأسرة (تكوين 47/29 ـ 30، 49/29) . وقد اهتم الآباء بمكان دفنهم وأعدوا العدة لذلك. والسير التي وردت في العهد القديم تنتهي دائماً بسرد تفاصيل دفن الشخص الذي وردت سيرته. ويُعَدُّ عدم دفن الجثمان عقوبة قاسية تلحق بصاحبه، ومع هذا لم تكن هناك طريقة عبرانية محدَّدة للدفن إذ استمر العبرانيون في استخدام طرق الدفن السائدة في فلسطين قبل التسلل العبراني. ولم ترد قواعد محددة للدفن في العهد القديم.

لكل ما تقدَّم، تشغل طقوس الدفن جزءاً مهماً في اليهودية، وتأخذ أشكالاً متنوعة. ويقوم اليهود بغسل موتاهم في أسرع وقت ممكن، ثم يقومون بدفنهم في احتفال يجب أن يتسم بالبساطة بعد أن يتلوا صلاة القاديش. ويستخدم الإشكناز توابيت يدفنون فيها الموتى، أما اليهود الشرقيون فيدفنون موتاهم في الأرض مباشرة كما هي عادة المسلمين. وعادةً ما يُدفَن اليهودي الذي يموت ميتة طبيعية في شال الصلاة (طاليت) الذي كان يستخدمه أثناء حياته. أما من يُقتَل فيؤخذ بملابسه الملطخة، ويُلَف بشاله حتى لا يفقد أي جزء من أعضاء جسمه. ويقوم اليهود بختان الطفل الذي يموت قبل أن يُختن، ثم يُطلق عليه اسم عبري ويُدفَن.
وهناك عدة طقوس ذات طابع حلولي شعبي مرتبطة بمراسم الدفن، فإحدى صلوات الإشكناز في الجنازة اليهودية كانت تتضمن طلب الغفران من الجثة، وهي عادة ظلت قائمة حتى عام 1887 حينما أوقفها الحاخام الأكبر في إنجلترا. ويلقي السفارد عملات في الجهات الأربع كهدية أو رشوة للأرواح الشريرة. ويُدفَن اليهود في اليمن وأقدامهم موجهة نحو القدس. وفي ليبيا، إذا كانت أرملة الميت حبلى، فإنهم يرفعون النعش وتمر الأرملة تحته حتى تبين أن الميت هو أبو الجنين الذي تحمله. ولا شك في أن كل هذه العادات متأثر بالمحيط الحضاري الذي يعيش فيه أعضاء الجماعات اليهودية.
وتحظى المدافن اليهودية بالاهتمام نفسه الذي تحظى به طقوس الدفن، وهي تُسمَّى «بيت الأحياء» ، كما يُطلَق عليها أيضاً اسم «بيت الأزلية» . وتقع المدافن اليهودية عادةً خارج حدود المدينة لأن جثث الموتى أحد مصادر النجاسة. ويزور اليهود المقابر في الأعياد ليقدموا الصلوات أمام قبور الموتى حتى يتشفعوا لهم عند الإله. ولابد من دفن جميع اليهود في المكان نفسه بالطريقة نفسها، ويُحتَفَظ بأماكن خاصة في المدافن للعلماء والحاخامات والشخصيات البارزة.

وللدفن في الأرض المقدَّسة دلالة خاصة (وهذا أمر منطقي في الإطار الحلولي) ، فمع حلول الإله في الأرض والشعب، وعدم تجاوزه لهما، فإن الخلود الفردي يتراجع ويحل محله الخلود عن طريق التوحد مع الأمة والأرض. فإبراهيم اشترى لنفسه قبراً في فلسطين، أما موسى فلم يُدفَن هناك، وقد قلل هذا من شأنه. ولا يزال كثير من أثرياء اليهود في العالم يشترون قطع أرض في إسرائيل ليُدفَنوا فيها. وجرت العادة خارج فلسطين على أن يُرش على رأس الميت تراب يُحضَر خصيصاً من فلسطين. كما أن الحكومة الإسرائيلية وجهت عنايتها البالغة لنقل رفات معظم الزعماء الصهاينة فور إعلان دولة إسرائيل، وبذلت جهداً كبيراً لاسترداد جثث الجنود الإسرائيلين الذي قُتلوا أثناء حرب أكتوبر. ولا يجوز إخراج جثة اليهودي المدفونة من الأرض إلا لإعادة دفنها في مدافن العائلة أو في أرض إسرائيل. ويُقال في الفلكلور الديني في التلمود إن جثة الميت خارج فلسطين تزحف تحت الأرض بعد دفنها حتى تصل إلى الأرض المقدَّسة وتتوحد معها.
وقد تحوَّلت المدافن إلى حلبة أساسية للصراع بين أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية. فالإشكنازي الذي يتزوج سفاردية كان لا يمكن أن يُدفَن في مدافن السفارد. كما أن السيطرة على المدافن أصبحت من أهم مظاهر الهيمنة الحاخامية في أمريكا اللاتينية، الأمر الذي حدا بأحد الباحثين إلى القول بأنه إذا كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤكد أنه لا خلاص للمسيحي خارج الكنيسة، فإن المؤسسات اليهودية في أمريكا اللاتينية حولت الدفن في المقابر اليهودية إلى شيء يشبه الخلاص من خلال الكنيسة (لا خلاص خارج المدافن!) . وتقوم مجالس الجماعات اليهودية المختلفة بجمع الرسوم الباهظة من أعضاء الجماعة اليهودية. ومع تزايد معدلات العلمنة، بدأت تخف حدَّة هذا التوتر نظراً لعدم اكتراث كثير من أعضاء الجماعات، في الوقت الحالي، بمكان الدفن أو مراسمه.

وتُشكِّل القداسة والنجاسة مشكلة أساسية في عملية الدفن كما هو متوقع في الإطار الحلولي، وتعبِّر القداسة (أو انعدامها) عن درجات الحلول الإلهي. فالكهنة، أي أولئك اليهود الذي يُفترَض أنهم من نسل الكهنة، وهم الذين يعبِّرون عن الحلول الإلهي بدرجة أعلى من بقية اليهود، يُدفَنون إما في نهاية صف المقابر أو في الصف الأمامي وعلى بعد أربع خطوات من المقبرة، وذلك حتى يتسنى إقامة حاجز يقي أقارب الميت (وهم أيضاً من الكهنة) من الدنس الذي قد يلحق بهم لو لمسوا جثث الموتى من اليهود العاديين أو اقتربوا منها. وعادةً لا يجوز دفن اليهود في مقابر غير اليهود. ولكن، إن لم تتوافر مدافن خاصة بهم، فيمكن دفنهم في مقبرة عامة على أن يكون هناك فاصل من أربع خطوات بين مقبرة اليهودي ومقبرة أيٍّ من الأغيار (ونلاحظ أن الخطوات الأربع هي أيضاً المسافة التي يجب أن تفصل الكاهن عن اليهود العاديين) .

ويتبدَّى الفصل الحاد بين اليهود والأغيار، الذي يشكل مقولة أساسية في اليهودية، في الموقف من مدى قداسة المدافن والموتى أو نجاستها. فمدافن غير اليهود، على عكس مدافن اليهود، لا تُدنِّس الكهنة نظراً لانعدام قداستها. ولا يمكن إزالة مدافن اليهود لأنها مقدَّسة، أما مدافن العرب والمسلمين وغير اليهود فيمكن هدمها بكل بساطة. وعلى سبيل المثال، أُزيلت مئات المقابر في إسرائيل لإقامة هيلتون تل أبيب. ولكن، عندما هدمت الحكومة الأردنية بعض مقابر اليهود على جبل الزيتون، حدث احتجاج على ذلك وبشدة. وقد أثيرت مؤخراً قضية مقابر اليهود في حي البساتين في القاهرة، إذ تقرر بناء طريق سريع حول القاهرة يمر بهذه المقابر، وهو ما سيؤدي إلى نقل بعضها بضعة أمتار. وهناك فتاوى حاخامية تذهب إلى أنه يجوز نقل هذه المقابر، وهناك سوابق لذلك. ومع هذا، قررت المؤسسة الصهيونية تحويل هذه الواقعة إلى مناسبة للصراع، وإلى وسيلة للضغط على الحكومة المصرية، وتأكيد فكرة الشعب اليهودي على حساب السيادة المصرية. فصرح الحاخام هرتس فرانكيل (من بروكلين) بأن المقبرة، حسب العقيدة اليهودية، أكثر قداسة من المعبد اليهودي، وهو أمر قد يكون صحيحاً من منظور حلولي يهودي يساوي بين الإله (المعبد) والإنسان (المقبرة) بل يُعلي من شأن الإنسان على الإله ومن ثم يُعلي من شأن المقبرة على المعبد. ولكن ذلك ليس صحيحاً من منظور حاخامي توحيدي معتدل. وقد أضاف الحاخام فرانكيل أيضاً أن المقابر اليهودية جزء من التراث اليهودي وتاريخ الشعب اليهودي، فأعطى مضموناً أيديولوجياً للمقابر. وقد جندت المؤسسة الصهيونية بعض رجال الكونجرس للضغط على الحكومة المصرية لبناء كوبري يمر فوق المقبرة بدلاً من نقل المقابر. وقد طُبع مؤخراً في إسرائيل ما يُسمَّى «محذوفات التلمود» جاء فيه أنه إذا مرَّ يهودي على مقبرة فعليه أن يلقي عليها دعاءً بالبركة إن كانت المقبرة مقبرة يهودي، وعليه أن

يلعن أمهات الموتى إن كانت المقبرة لغير يهودي.
وقد غيَّر اليهود الإصلاحيون كثيراً من طقوس الدفن، فأصبح من الممكن دفن الميت بعد يوم أو يومين في ملابس عادية، كما أنهم يصرحون بإحراق الجثة. وفي الآونة الأخيرة، هناك اتجاه أخذ في التزايد نحو إحراق جثمان الميت وذَرِّ رماده أو الاحتفاظ به في وعاء خاص، وذلك بسبب تزايد العلمنة، وهي ممارسة يعترض عليها اليهود الأرثوذكس لأنها تتنافى مع الشريعة اليهودية.
وتُطبَّق قوانين الدفن والمدافن تطبيقاً كاملاً في إسرائيل. وقد أثار أفنيري، في الكنيست، مسألة التفرقة التي تمارسها الدولة في دفن الجنود الإسرائيليين الذين يسقطون أثناء القتال، إذ يُدفَنون دون تمييز في بادئ الأمر، ثم تقوم دار الحاخامية (سراً) بغرس شجرة أمام القتلى الذين لم تعترف الحاخامية بيهوديتهم، حتى يتم عزلهم عن بقية المدفونين.

وقد أثيرت مؤخراً حادثة جثة تيريزا أنجليلوفيتش، المستوطنة الصهيونية التي هاجرت من رومانيا إلى إسرائيل مع زوجها ودُفنَت في مقابر اليهود، وقد اختُطفَت جثتها لدفنها في مقبرة منفصلة، لأنها لم تتهوَّد بالطريقة المعتمدة لدى الحاخامية. وفي نهاية الأمر، أُعيد دفنها في مقابر اليهود. وتقدمت شولاميت ألوني باقتراح إنشاء مقابر لليهود العلمانيين مستقلةً عن مقابر المتدينين. ومن القضايا التي أُثيرت أخيراً، الطلب الذي تقدمت به إحدى أمهات الجنود الإسرائيليين الذين قُتلوا في لبنان بأن يُزال من فوق شاهد قبر ابنها عبارة «عملية السلام من أجل الجليل» ، وهو الاسم الرسمي للغزو الإسرائيلي للبنان. وقد أشارت الأم إلى أنها لم تكن عملية وإنما كانت حرباً، ولم تكن من أجل السلام كما أنها لم تحققه. كما أشارت إلى أن ابنها لم يسقط في الجليل وإنما في لبنان. وطلبت الأم تغيير التاريخ المكتوب على قبر ابنها من التاريخ العبري إلى التاريخ الجريجوري، وقد وافقتها المحكمة على طلبها هذا. ويطلب كثير من أعضاء الجماعات اليهودية أن يُدفَنوا في إسرائيل، الأمر الذي أدَّى إلى ارتفاع ثمن المقابر. وقد لوحظ أن بعض المهاجرين السوفييت يصلون أحياناً ومعهم توابيت لبعض أفراد الأسرة ليُدفَنوا في فلسطين، ولكنهم يكتشفون أن أسعار المدافن باهظة، وأنهم غير قادرين على دفع الثمن. وتنوي بلدية القدس المحتلة بناء مقابر تابعة لها في الضفة الغربية بالقرب من معليه أدوميم.
التشريح
‏Autopsy

لا يوجد تحريم واضح لعملية التشريح في العهد القديم. وبحسب ما جاء في القانون الإسرائيلي، يمكن تشريح جثث الموتى إذا لم يطالب بغير ذلك آخر، أو نصَّ الميت على ذلك في وصيته. كما يمكن تشريح الجثث لأسباب قانونية لمعرفة سبب الوفاة أو لأي أسباب أخرى. وقد وافق الحاخام الأكبر على القانون الإسرائيلي، إلا أن ثمة معارضة قوية من جانب بعض الحاخامات الأرثوذكس. وتُطرَح القضية من آونة إلى أخرى في إسرائيل.
الثواب والعقاب
‏Retribution, Reward and Punishment
الإيمان بالثواب والعقاب في الآخرة هو إحدى العقائد الأساسية في الطبقة التوحيدية في اليهودية، وهي طبقة واحدة توجد بجوار طبقات أخرى مختلفة عنها من أهمها الطبقة الحلولية. ولذا، لا توجد إشارات واضحة في أسفار موسى الخمسة إلى فكرة الثواب والعقاب، وإن كان ثمة ثواب وعقاب فإنهما يأخذان شكلاً قومياً ينصرف إلى الشعب اليهودي ككل، أو إلى الشعوب الأخرى، لا إلى الأفراد. كما أن الثواب والعقاب في العهد القديم عادةً ما يتمان داخل الزمان. ولذا، فقد جاء في الوصايا العشر أن طاعة الوالدين تطيل العمر. كما جاء في سفر التثنية: "فإذا سمعتم لوصاياي ... أُعطي مطر أرضكم في حينه" (11/13 ـ 14) . ويثير سفر أيوب قضية معاناة الأبرار وازدهار الأشرار، ومع هذا فإن السفر يحل هذه الإشكالية بالعودة إلى النمط المادي القديم، أي بمكافأة أيوب في هذا العالم. فبعد طول معاناة، وبعد تأملات عدمية تنكر البعث، يقول السفر: "بارك الرب آخرة أيوب أكثر من أولاه، وكان له أربعة عشر ألفاً من الغنم وستة آلاف من الإبل وألف فدان من البقر وألف أتان، وكان له سبعة بنين وثلاث بنات… ولم توجد نساء جميلات كبنات أيوب في كل الأرض وأعطاهن أبوهن ميراثاً بين إخوتهن" (42/13 ـ 15) .

ولكن بعد أن أكد الأنبياء فكرة المسئولية الخلقية، أصبح من الصعب تَقبُّل هذا الرأي الخاص بالمكافأة المادية المباشرة في هذا العالم، وظهرت فكرة يوم الحساب، ثم فكرة البعث وفكرة جهنم حيث يُعاقَب الفرد المخطئ ويُثاب المصيب. وقد وضع فقهاء اليهود الثواب والعقاب في إطار أخروي، رغم وجود النصوص التوراتية التي تؤكد أن مسألة الثواب والعقاب الإلهى تتعلق بأمور الدنيا. وقد ساد هذا التفسير بين فقهاء اليهود في العصور الوسطى في الغرب وفي العالم الإسلامي، وإن كان التلمود يضم نصوصاً كثيرة هي استمرار للأفكار الحلولية القديمة. ويتعمق التيار الحلولي مع القبَّالاه التي ترى أن الثواب والعقاب يَتمَّان من خلال تناسخ الأرواح. فإذا كان الإنسان خيِّراً، حلت روحه في جسد إنسان خير. أما إذا كان شريراً، فإنها تحل في جسد إنسان وضيع أو حتى في جماد أو حيوان.
وعلى كلٍّ، فإن فكرة الثواب والعقاب، برغم تحدُّدها وتبلورها في الفكر الديني اليهودي، لم تستبعد الأفكار الأخرى، وبما أن اليهودية تركيب جيولوجي تراكمي يضم الأفكار دون صهرها بحيث تتعايش هذه الأفكار بكل تناقضاتها داخل النسق الواحد. فليس من المستغرب أن يطرح الفكر الديني اليهودي فكرة الثواب والعقاب للنقاش مرة أخرى في العصر الحديث. وقد ذكر كلٌّ من كوهلر وكابلان وبوبر أن فكرة الثواب والعقاب لا يمكن أن تؤخذ بشكل حرفي، بل لا تنطبق على الفرد، فهي تنطبق على المجتمع ككل، وبذلك فقد قرنوا فكرة الثواب والعقاب بفكرة التقدم والتخلف، بل إن كابلان يقرن الإله نفسه بالتقدم.

وقد طُرحَت القضية مرة أخرى بعد الحرب العالمية الثانية، أي بعد الإبادة النازية ليهود أوربا، وظهر ما يُسمَّى «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ، وهي عبارة تشير إلى تساؤل أساسي يطرحه الفلاسفة الدينيون اليهود، وهو: هل من الممكن، بعد أوشفيتس، الاستمرار في الإيمان بالإله بعد ما حاق باليهود من عذاب وإبادة؟ وقد تحدَّث بوبر عن «خسوف الإله» . أما ريتشارد روبنشتاين، فقال إنه لم يعد بوسعه أن يقبل المفهوم التقليدي للإله، إذ أن مثل هذا الإله عليه أن يتحمل مسئولية أوشفيتس، باعتبار أن الإبادة النازية لليهود كانت حدثاً فريداً في تاريخ اليهود، ورفض أن يكون النازيون هم أداة عقاب الإله. ولقد رد عليهم فاكنهايم فقال إن رَفْض الفكرة التقليدية للإله يعني انتصار هتلر. وتؤمن الجماعات الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة برغم صهيونيتها الواضحة بأن أوشفيتس عقاب إلهي حل باليهود نظراً لرفضهم المسيح عيسى بن مريم. كما أن الحاخام مناحيم إيمانويل هارتوم يرى أن الإبادة النازية عقاب لليهود من الإله على خطاياهم، وحيث إنهم لا يزالون مستمرين فيما هم فيه، فقد يحل بهم العقاب مرة أخرى.
حلقة الأعالي
‏Academy on High

«حلقة الأعالي» هي ترجمة للعبارة العبرية «يشيفا شيل معلاه» . وقد وردت في الأدب الأخروي (إسكاتولوجي) ، وخصوصاً في العصر التلمودي، فكرة حلولية مفادها أنه توجد حلقة تلمودية (يشيفا) في السماء يترأسها الإله حيث يستمر الأتقياء والعلماء في دراسة التوراة، ومناقشاتهم لها وللقضايا الدينية الأخرى. وفي كل يوم، يطرح الإله تفسيره للتوراة، ويذكر آراء العلماء الآخرين. وتذكر الأجاداه أن المناقشات الحادة كانت تدور بين الإله وأعضاء حلقة الأعالي. ويدرس في هذه الحلقة التلمودية الأطفال الصغار الذين ماتوا قبل أن تتاح لهم فرصة دراسة الشريعة. ولكن لا يدخل هذه الحلقة، من بين الكبار، إلا من درس في الحلقات التلمودية أو المدارس التلمودية العليا على الأرض، أو أولئك الذين لم يدرسوا ولكنهم عاونوا الآخرين على الدراسة.
وقد طوَّر القبَّاليون هذا المفهوم، بحيث أصبح هناك حلقتان: تُسمَّى إحداهما حلقة السماء، وتُسمَّى الأخرى حلقة الأعالي. ويترأس الأولى ملاك، ويترأس الثانية الإله. ويمكن أن ينتقل عضو الحلقة الأولى بعد أن ينجح إلى الحلقة الثانية التي تُعَدُّ أعلى مرتبة.
وهذه الفكرة الأخروية الطريفة الساذجة هي تعبير حاد عن التيار الحلولي اليهودي في اليهودية الذي يعادل تماماً بين الإله والإنسان، وبين الأرض والسماء، بحيث يُسقط تناقضات العالم الأرضي وصراعاته وسماته على ما يدور في السماء. وفي صلاة يوم الغفران، يطلب المصلون، قبل تلاوة دعاء كل النذور، أن تسمح لهم هذه الحلقة بإقامة الصلاة مع المخطئين.
الجنة
‏Paradise

«الجنة» هي الترجمة العربية لكلمة «جن عيدن» العبرية. كما توجد كلمة أخرى في العبرية هي «باراديس» وتعني «جنة» . والكلمة من أصل فارسي، وتعني «بقعة يحيط بها سور» ، ولعلها ذات صلة بالكلمة اليونانية «باراديوس» التي أصبحت في الإنجليزية «باراديز paradise» . ويشكل مفهوم الجنة أحد المفاهيم الأخروية اليهودية المتأخرة. وقد ورد في العهد القديم (سفر التكوين) أن الإله غرس جنة عدن ليقطن فيها آدم وحواء. وهذه الجنة بقعة جغرافية في هذا العالم. والواقع أن اليهودية الأولى، أي عبادة يسرائيل الحلولية، لم تعرف الحياة الآخرة أو العالم الآخر أو البعث. وثمة مشاكل عديدة في قصة جنة عدن هذه تتعلق بشجرة الحياة والمعرفة ودلالتها الرمزية. ومفهوم جنة عدن هو أصل مفهوم الفردوس الأرضي (الموجود بعيداً في الشرق) الذي يقطن فيه الصالحون.

وقد تطوَّر مفهوم الجنة مع تطوُّر المفاهيم الأخروية الأخرى، وظهرت مفاهيم مثل: العالم الآخر (الآتي) ، والمستقبل، والعصر المشيحاني، وكلها مفاهيم تدور حول فكرة الفردوس (وإن كان هذا الفردوس فردوساً أرضياً داخل الزمان) . ومع ظهور فكرة البعث وفكرة الثواب والعقاب الفرديين، صارت فكرة الجنة مرتبطة بهذه الأفكار وأصبحت جنة عدن "حديقة في العالم الآخر". بل ذهب بعض الحاخامات، لحل مشكلة الثنائية بين جنة عدن والجنة أو الفردوس الأرضي والفردوس السماوي، إلى أن جنة عدن نُقلَت إلى السماء. ومع هذا، لم يتبلور المفهوم تماماً، واختلط بمفهوم العالم الآتي وتداخل مع المفاهيم الفردوسية الأخرى. وهكذا، فإننا نجد أن الفكر القبَّالي يجعل الجنة (باراديس) في متناول العارفين بالقبَّالاه الذين يصلون إلى معنى التوراة الخفي، فيخترقون سطح توراة الخالق ليصلوا إلى توراة الفيض، ومن هنا ذهب القبَّاليون إلى أن بارديس هي التفسير المتعمق للتوراة. والحروف المكوِّنة لكلمة «بارديس» هي الحروف الأولى لمستويات التفسير الأربعة: ب = بيشاط (حرفي) ، ر = ريميز (رمزي) ، د = ديراش (وعظي) ، س = سود (باطني أو صوفي حلولي) . وفي العصر الحديث، تخلَّى الفكر الديني اليهودي عن هذه الفكرة تماماً، وهي لم تكن في أي وقت إحدى العقائد الأساسية.
أرض الموتى (شيول)
‏Sheol
«أرض الموتى» ترجمة لكلمة «شيول» العبرية التي تُستخدَم كاسم عَلَمْ، وهي مجهولة الأصل وتأتي دائماً في صيغة المؤنث وبدون أداة تعريف ولا تظهر في اللغات السامية الأخرى. وتشير الكلمة إلى مكان يسكن فيه الموتى. وقد أُشير إليه بأسماء أخرى، مثل «عفر» ، أي «تراب» ، و «جفر» ، أي «قبر» ، كما استُخدمت عبارات شتى للإشارة إليه مثل «مكان السكنى» ، و «أماكن الأرض السفلى» ، و «أرض الظلمة» . وتقع شيول إما تحت الأرض، أو تحت الماء، أو تحت قاعدة الجبال، وأحياناً تُصوَّر على هيئة تنين مخيف.

وتُعتبَر شيول مكاناً محايداً، أي أنه لم يكن مكاناً للثواب والعقاب يتساوى فيه الملوك والعامة والأثرياء والفقراء والسادة والعبيد والأخيار والأشرار، بل هو يكاد يكون مجرد مكان للدفن. ورغم أن الإله يتحكم (حسب التصور اليهودي) في العالمين العلوي والسفلي، فإن الموتى لا يمكنهم التواصل معه أو التسبيح له (مزامير 115/17) ، ذلك أنهم قد انحدروا إلى أرض السكون. ومع هذا، فيمكن استدعاء الموتى من هناك ليجيبوا عن أسئلة الأحياء. وشيول تشبه في كثير من النواحي عالم الأراللو أو عالم الظلمات في بلاد أرض الرافدين، فهو عالم مظلم لا حساب فيه ويُنسى من ينزل إليه.
ومفهوم كلمة «شيول» مفهوم منطقي في السياق الحلولي الوثني للعهد القديم وعبادة يسرائيل، فالديانة القديمة ترى أن الجسد والروح شيء واحد، وأن الحياة الآتية امتداد للحياة الحالية. ولذا، فإن حياة ما بعد الموت، إن وُجدت، فليست إلا صورة شاحبة لهذه الحياة تتسم بنوع من نقصان الحيوية. وحين يموت المرء، تذهب روحه وجسده إلى أرض الموتى.
وقد تطوَّر هذا المفهوم فيما بعد، في فترة ما بعد السبي البابلي حين ظهرت فكرة الثواب والعقاب الفرديين، بحيث أصبحت شيول المكان الذي ينتظر فيه الموتى يوم الحساب حين يُبعثون ليُحاسَبوا. ولذا، فقد قُسِّمت شيول إلى أقسام مختلفة، ينتظر الأخيار في مكان خاص بهم، وينتظر الأشرار في أماكن أخرى مختلفة كل حسب درجة شرِّه. ومن هنا، تداخل مفهوم كلمة «شيول» مع مفهوم كلمة «جيهنوم» (جهنم) وهو مكان العذاب الدائم للمذنبين.
جهنم
‏Hell

«جهنم» من الكلمة الآرامية «جيهينوم» ، ويقابلها في العبرية كلمة «جي بني هنوم» ، أي «وادي أبناء هنوم» . و «جهنم» أحد المفاهيم الأخروية اليهودية، ولم يظهر إلا متأخراً. فقد ظهرت في بداية الأمر كلمة أرض الموتى (شيول) ، وهي كلمة ذات مفهوم محايد غير مرتبط بالثواب والعقاب أو البعث والحساب. ومع تطوُّر الفكر اليهودي من الحلولية إلى التوحيدية، ودخول أفكار خلود الروح الفردي والبعث والحساب، تطوَّر مفهوم أرض الموتى لتعبِّر عنه كلمة «جهنم» ، أي «المكان الذي سيُعاقَب فيه الأشرار» . وكان المعروف أن عقاب المذنبين سيتم داخل الزمان، ولذا كان يُشار إليه باعتباره «الوادي الملعون» ، ثم تحوَّل إلى المكان الذي سيُعاقَب فيه الآثمون بعد البعث.
ومع هذا، ظل المفهوم قلقاً غير محدد، مثله مثل معظم المفاهيم الأخروية، فليس من المعروف ما إذا كان الآثمون سيدخلون جنهم بعد البعث أم بعد الموت؟ ولم يحدد الفكر الديني مدى العقوبة، فثمة رأي يذهب إلى أن الآثمين من جماعة يسرائيل سيُعاقَبون مدة عام، ثم تباد أرواحهم بعد ذلك. وذهب الحاخام عقيبا إلى أنهم سيذهبون إلى الجنة بعد قضاء فترة العقوبة. وكان الرأي يذهب إلى أن كل أعضاء جماعة يسرائيل، باستثناء قلة مذنبة صغيرة، سيكون لهم نصيب في الآخرة أو العالم الآخر (الآتي) . ويُقال إن إبراهيم سيقف عند باب جهنم وينقذ من دخولها المختونين من نسله. وسيستريح كل المذنبين من العذاب، ومن ضمنهم غير اليهود، يوم السبت. وقد أنكر بعض حاخامات فلسطين وجود جهنم وقالوا إن أرواح الأشرار ستباد تماماً يوم الحساب. وفي العصر الحديث، أسقط كثير من المفكرين الدينيين اليهود فكرة جهنم تماماً. وقد كان الأمر بالنسبة إليهم يسيراً لأنها لم تصبح قط ضمن العقائد اليهودية المستقرة.
الملائكة
‏Angels

«الملائكة» صيغة جمع عربية لكلمة «ملاك» التي تقابلها «ملاك» العبرية ومعناها «مُرسَل» لأداء «مل آخاه» أي «مهمة» أو «بعثة» . ويمكن القول بأن الملائكة داخل إطار حلولي تختلف تماماً عنها داخل إطار توحيدي، فهم داخل الإطار التوحيدي رمز للغيب وتعبير عن قدرة الإله اللانهائية التي تتجاوز مقدرات البشر وإدراكهم. أما داخل الإطار الحلولي، فالأمر جدُّ مختلف، فهم ليسوا رسل الإله وحسب وإنما هم جزء منه ووسطاؤه. ولذا، يشار إلى الملائكة في التراث الديني اليهودي باعتبارهم «بنو إلوهيم» أو «بنو إليم» ، أي «أبناء الإله» أو «قيدوشيم» ، أي «المقدَّسون» ، وأحياناً «إيش» ، أي «رجل» . أما أسماء مثل: «آرئيليم» ، أو «كروبيم» أو «سيرافيم» أو «أوفانيم» ، فتُستخدَم للإشارة إلى الملائكة المرتبطين بالعرش أو المركبة الإلهية. وقد عرف الشرق الأدنى القديم آلهة مجنحة لها رؤوس بشر ذكور وإناث، هي التي تظهر أمام القصور الآشورية، كما عرفتها العبادة الكنعانية.
ويظهر الملائكة في الأجزاء الأولى من العهد القديم على هيئة بشر. وهم يضطلعون بوظائف عديدة، من بينها حماية العبرانيين أثناء خروجهم من مصر وأثناء تجوالهم في البرية، ويفسرون لزكريا ودانيال الرؤى (أبوكاليبس) التي شاهدها. كما أنهم يقومون بعقاب المذنبين، مثلما فعلوا عند تحطيم سدوم وعموراه. وهم يحيطون بالعرش الإلهي، ومنهم أيضاً الجوقة التي تسبح للإله. ومن أهم أحداث العهد القديم، حادثة الصراع بين يعقوب والملاك (الذي ظهر فيما بعد أنه الإله) ، وقد صرعه يعقوب، وسُمِّي «يسرائيل» ، أي «الذي تصارع مع الإله» أو «من صرع الإله» . ويرتكب الملائكة الحماقات، فقد ورد في العهد القديم (تكوين 6/1ـ 2) : "وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات، أن أبناء الإله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا".

وبعد العودة من بابل ترسَّخ مفهوم الملائكة في العقيدة اليهودية، وأصبح للملائكة أسماء وطبقات. وقد تزايد عددهم وتزايدت أسماؤهم في كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، وظهرت فكرة رئيس الملائكة الذي سقط. ومع هذا، فقد استمرت فرق مثل الصدوقيين في إنكار الملائكة، وهو جزء من إنكارها لفكرة البعث والإله المتجاوز للطبيعة والتاريخ.
والإيمان بالملائكة داخل الإطار الحلولي هو إحدى العقائد الأساسية في التلمود. وقد تَعمَّق الاهتمام بهم مع ظهور التراث القبَّالي ووصوله إلى ذروته، وهو تعبير عن هيمنة الحلولية. ويضم كتاب الزوهار، وغيره من الكتب القبَّالية، قوائم طويلة بأسماء الملائكة، ومهمة كل واحد منها والوقت الذي يزداد فيه نفوذ كل ملاك ومكانه في الأبراج السماوية. وقد استُخدمت أسماؤهم في القبَّالاه العملية، في إعداد التمائم والتعاويذ المختلفة. بل يصبح الملائكة، شأنهم في هذا شأن عزازيل، قوى مستقلة عن الذات الإلهية، أي آلهة صغيرة لها إرادة مستقلة تقف على باب السماء تمنع دخول أدعية البشر للإله، ولذا يحاول اليهود خداعهم. ولاتقاء شرهم، يتلون بعض الأدعية في صلاة الصباح بالآرامية بدلاً من العبرية. وحينما يسمع الملائكة الأدعية بالآرامية، فإنهم يحتارون في أمرها. وأثناء حيرة حارس بوابة السماء، تدخل الأدعية الأخرى دون أن يدري.

وقد اتُهم اليهود بأنهم من عبدة الملائكة من فرط اعتمادهم عليها وتَضرُّعهم لها. ولا يزال كتاب الصلوات الأرثوذكسي يتضمن تضرعات موجهة إلى الملائكة، مثل تلك الموجهة إلى ملاك الرحمة (ملآخ هارحيم) . أما أنشودة "شالوم عليخم مل آخي هاشاريت"، أي "السلام عليكم يا ملائكة العون"، فهي تُنشَد في المعبد أو في المنزل بعد صلاة المساء. وتتضمن الصلاة الإضافية (موساف) التي تُتلى في السبت والأعياد في المعابد الأرثوذكسية تضرعاً إلى الملائكة، وكذا الأدعية التي تُتلى أثناء نفخ الشوفار في احتفال رأس السنة. هذا على الرغم من أن موسى بن ميمون أدان أية صلاة لغير الإله.
وقد استبعدت كتب اليهودية الإصلاحية أية إشارة إلى الملائكة تقريباً، كما استبعدت اليهودية المحافظة معظمها، وخصوصاً تلك الصلوات ذات الأصل القبَّالي. وقد احتفظ الأرثوذكس بطقوس الصلوات القديمة، دون أن يضفوا أهمية غير عادية على الكلمات والفقرات الصوفية كما كان الحال في الماضي.
وقد أُثيرت مؤخراً (في إسرائيل) قضية خاصة بالملائكة، إذ صنع المثَّال الإسرائيلي إدوارد لفين ثلاثة تماثيل للملائكة لتزيين دار البلدية في القدس، ولكنه نظراً لأنه نشأ في روسيا جعل الملائكة تشبه تلك التي تظهر في الأيقونات البيزنطية، وقد طُلب إليه تهويدها فأضاف إليها نجمة داود!
الكروب (الملائكة)
‏Cherub; Kerub

«كروب» كلمة عبرية تعني «ملاك» وجمعها «كروبيم» . وهي مشتقة من الكلمة الأكادية «كاريبو» بمعنى «شفيع» . وكانت «الكاريبو» في بلاد الرافدين، خصوصاً في آشور، عبارة عن ثيران أو أسود مجنحة لها رؤوس بشر. وكانت هذه التماثيل توضع على مداخل المعابد والقصور. والكروب آلهة ثانوية تتدخل لدى كبير الآلهة لصالح الإنسان. وقد عُثر على تماثيل للكروبيم في سوريا أيضاً، وكان بعضها على هيئة بشر ذوي جناحين. وتعود فكرة الملائكة (كروبيم) في اليهودية إلى أصول آشورية وسورية وكنعانية وربما مصرية أيضاً. وقد استُخدمت الكروبيم لإضفاء طابع جمالي على الهيكل. ولم تكن الملائكة آلهة ثانوية في اليهودية، وإنما كائنات خلقها الإله، وهي تحمل عرشه وتحرس بوابات جنة عدن وشجرة الحياة والهيكل، وتظهر على هيئات مختلفة، فقد تم تخُّيلها على أنها ذات وجهين؛ وجه بشر ووجه حيوان. وفي رواية أخرى صُوِّرت على هيئة حيوانات ذات أربعة أوجه؛ إنسان وأسد وثور ونسر.

ووجود تماثيل الملائكة في الهيكل يدل على أن اليهودية لم تكن معادية تماماً للتصوير. فقد كان هناك أيضاً العجول الذهبية (في دان وبيت إيل) التي شُيِّدت كرموز ليهوه. وقد وُجدت تماثيل للملائكة (كروبيم) في الهيكل، كما وُجدت صور لها على الحوائط والستائر. وداخل قدس الأقداس، فوق تابوت العهد، كان يوضع تمثالان من الذهب طول كل منهما خمسة عشر قدماً، وأجنحتها بالطول نفسه. وقد تلامس جناحان من أجنحتها في حين يلامس الجناحان الآخران حائط قدس الأقداس. وتغيَّرت صورتهما، في مرحلة لاحقة بعد العودة من بابل، وأصبحا على هيئة رجل وأنثى مجنحين في عناق ذي طابع جنسي، رمز الحب بين الإله وجماعة يسرائيل (وقد ذكر راشي أن الملاكين كانا متصلين أحدهما بالآخر، وملتصقين ومتعانقين، كما يعانق الذكر الأنثى) . وكان الإله يكلِّم موسى من فوق غطاء تابوت العهد ومن بين الملاكين الذين يظللان التابوت. وقد حاول فيلون أن يفسر دلالة الملاكين بأنهما رمز للخير والسيادة، ولكن راب فتينا (وهو فقيه من بابل في القرنين الثالث والرابع) بيَّن أنهما يمثلان رموزاً جنسية مقدَّسة، وأنهما كانا يُعرضان أثناء الحج على جماهير اليهود، فيزاح ستار قدس الأقداس، ويُقال: "انظروا إن حبكم للإله هو مثل حب الذكر للأنثى".
ميتاترون
‏Metatron

«ميتاترون» هو اسم أعلى الملائكة بحسب ما جاء في الأجاداه والتراث القبَّالي، ويبدو أن الاسم من اللاتينية «ميتاتور» وتعني «من يخطط الحدود» ، أو من اليونانية «ميتاثرونون» وتعني «أقرب إلى العرش الإلهي» . ولعل هذا الاسم يعود إلى اسم الإله الفارسي «ميثرا» . ويُقال إن «ميتاترون» تعني «الملاك حامل الاسم الرباعي» . وأحياناً يُطلَق عليه «أمير الحضور» وكأنه شخيناه مُذكَّرة، ويُقرَن بالملاك ميخائيل. ويقوم ميتاترون بتسجيل حسنات الناس وسيئاتهم، وأحياناً يصبح الوسيط بين الإله والعالم والذي خلق العالم من خلاله، وهو إحدى حلقات الفيض الإلهي. وتعادل القيمة الرقمية لاسمه القيمة الرقمية لاسم أحد أسماء الإله (شدَّاي) ، وأحياناً كان يُقرن بالإله والإنسان في آن واحد، أي أن الحلقة الحلولية تكتمل من خلاله. ويُتداوَل اسم «ميتاترون» بين الدروز في لبنان، ومن الواضح أن أصل ميتاترون غنوصي.
الجن والشياطين
‏Demons
توجد في العهد القديم إشارات عديدة إلى كائنات خرافية قد تكون خيرة أو شريرة حسب الوظيفة التي تقوم بها. ومن هذه الكائنات الشياطين، وأهمها عزازيل وليل (ليليت) .
ليل (ليليت)
‏Lilith

«ليل أو (ليليت) » شيطانة في التراث الديني اليهودي الشعبي. ويبدو أن كلمة «ليل» صيغة مُعَبْرَنة للشيطانة البابلية ليليتو، ومن خلال ربط اسمها بالكلمة العبرية «ليلاه» ، أي «ليل» ، فُسِّرت ليل بأنها شيطانة الليل والظلام التي تأتي بالأحلام الجنسية للرجال وتسبب القذف أثناء النوم، وتقتل الأطفال المولودين وأمهاتهم، وخصوصاً في الأيام السبعة الأولى بعد الميلاد، وتظهر صورتها في آثار سومر على هيئة أنثى عارية مجنحة تقف على ظهر أسد، ولها مخالب طائر. وحسبما جاء في التلمود، كانت ليل عشيقة آدم في الفترة التي افترق فيها عن حواء بعد طردهما من الجنة وولَدت له عدة شياطين. وفي رواية أخرى، كانت ليل هذه زوجته الأولى قبل حواء، خُلقَت مثله من طين لا من ضلعه، ولكنهما تشاجرا لأنها لم توافق على أن يطأها الرجل في عملية الجماع، وذلك لأنها ترى أن في هذا إذلالاً لها وهيمنة للرجل عليها، فنطقت باسم يهوه وهربت وأقسمت أن تنتقم منه. ولذا، فهي تقتل أولاد حواء. ولكن يمكن أن يُوقَف مفعول لعنتها عن طريق استخدام الحجاب المناسب.
والواقع أن شخصية ليل (أو ليليت) مثال جيد للسمة الجيولوجية في النسق الديني اليهودي، فهي قد ذُكرَت في العهد القديم بشكل عابر (أشعياء 34/14) باعتبارها إحدى الأرواح أو أحد الوحوش المفترسة التي ستدمر الأرض في آخر الأيام. ثم نُسجَت حولها الأساطير بحيث أصبح داخل اليهودية قصتان متناقضتان للخلق يتعايشان جنباً إلى جنب. وقد أصبحت ليليت إحدى بطلات حركة التمركز حول الأنثى في أمريكا والعالم الغربي وعلماً على الأنثى المتمردة.
عزازئيل
‏Azazel

«عزازئيل» اسم عبري معناه «الرب يقوي» ، و «قوة الرب» ، وكذلك «القوة المناوئة للرب» كما يُقال إن الاسم يعود إلى اسم الإله السوري الكنعاني «عزيز» . وعزازئيل روح شريرة أو شيطان ورد اسمه في العهد القديم (لاويين 16/8 ـ 10 ـ 26) . وهو أحد قواد الملائكة الذين سقطوا من السماء. ويعيش عزازئيل حسب الرؤية اليهودية القديمة في البرية بالقرب من أورشليم. وكان كبير الكهنة يُقدِّم في يوم الغفران كبشين: أحدهما قرباناً ليهوه، والآخر قرباناً لعزازئيل. وكان الكبش الثاني لا يُذبَح، وإنما يُطلَق سراحه في البرية، حاملاً ذنوب جماعة يسرائيل، ولكنه مع هذا كان يُذبَح فيها أو يُدفَع به من عل حتى لا يعود حاملاً هذه الذنوب.
ومن الواضح أن عزازئيل هذا هو استمرار لطقوس وثنية وأفكار غنوصية، فهو رمز الشر، بل هو خالق كل الشرور في العالم، وهو نقيض يهوه خالق الخير. ويبدو أن هذا الطقس يفترض أن يهوه وعزازئيل عنصران متكاملان يشبهان في هذا علاقة إله الخير بإله الشر في عبادات الفرس الثنوية. وقد توارى وجوده بعض الشيء أثناء الفترة التلمودية، ولكنه عاد إلى الظهور مرة أخرى مع انتشار القبَّالاه.
وقد صار عزازئيل في القبَّالاه قوة مستقلة تصارع ضد الإله، ولذلك يقرأ القبَّاليون أدعية لإرضاء الإله وأخرى لإرضاء الشيطان. بل ويؤمن القبَّاليون بأن بعض القرابين في الهيكل كانت تُقدَّم إلى الشيطان، وهم ليسوا مجانبين الصواب تماماً في ذلك. ويُقال إن كل القرابين في الأيام السبعة الأولى من عيد المظال كانت تُقدَّم إلى عزازئيل باعتباره حاكم الأغيار، حتى يظل مشغولاً عن اليهود، وحتى يمكن تقديم القرابين إلى الإله في اليوم الثامن.

في الفرنسية/ Pensee
في الانكليزية/ Thought
في اللاتينية/ Cogitatio
الفكر اعمال العقل في الأشياء للوصول إلىمعرفتها. ويطلق بالمعنى العام على كل ظاهرة من ظواهر الحياة العقلية. وهو مرادف للنظر العقلي ( Reflexion) والتأمل ( Meditation)، ومقابل للحدس ( Intuition).
وللفكر عند الفلاسفة ثلاثة معان.
الأول حركة النفس في المعقولات سواء كانت بطلب، أو بغير طلب، أو كانت من المطالب إلىالمبادي، أو من المبادي إلىالمطالب، وهذا المعنى الذي يتضمن معنى الحركة يخرج الحدس، لأن الحدس انما هو انتقال من المبادي إلىالمطالب دفعة لا تدريجا، اما الفكر فهو حركة وانتقال، والأولى أن يشترط في معنى الفكر القصد، لأن حركة النفس في المعقولات، بلا اختيار، كما في المنام، لا تسمّى فكرا.
والثاني حركة النفس في المعقولات مبتدئة من المطلوب المتصور إلىمبادئه الموصلة اليه إلى ان تجدها وترتبها فترجع منها إلىالمطلوب. فالفكر بهذا المعنى يشمل حركتين: الأولى من المطالب إلىالمبادي، والثانية من المبادي إلىالمطالب. وهذا ايضا يخرج الحدس، لأن الحدس كما بينا انتقال من المبادي إلىالمطالب دفعة. والثالث هو الحركة الأولى من هاتين الحركتين، اعنى الحركة من المطالب إلىالمبادي من غير ان توجد الحركة الثانية معها، وهذا هو الفكر الذي يقابل الحدس تقابلا يشبه الصعود والهبوط، لأن الانتقال من المبادي إلىالمطالب دفعة يقابله عكسه الذي هو الانتقال من المطالب إلىالمبادي وان كان تدريجا.
قال ابن سينا: و اعني بالفكر هاهنا ما يكون عند اجماع الإنسان أن ينتقل عن أمور حاضرة في ذهنه متصورة أو مصدق بها تصديقا علميا أو ظنيا أو وضعا وتسليما إلىامور غير حاضرة فيه، وهذا الانتقال لا يخلو من ترتيب (الاشارات والتنبيهات ص 2).
وجميع هذه المعاني تخرج الانفعالات، والعواطف، والغرائز، والارادات من مفهوم الفكر، الّا ان بعض الفلاسفة يوسعون معنى الفكر ويطلقونه على جميع ظواهر النفس. مثال ذلك قول (ديكارت) في كتاب التأملات: ما هو الفكر انه الشيء الذي يشك، ويفهم، ويدرك، ويثبت، ويريد، او لا يريد، ويتخيل، ويحس، وفي هذا القول دليل على ان معنى الفكر عند (ديكارت) يشمل الاحساس والادراك والتخيل والشك والاثبات والارادة. وقد بطل اليوم استعمال لفظ الفكر بهذا المعنى العام، حتى ان (ديكارت) نفسه لم يطلق لفظ الفكر على الحالات الانفعالية والارادية الّا من جهة ما هي حالات تدركها النفس باعمال الفكر فيها. فلا غرو اذا اقتصر الفلاسفة المتأخرون على اطلاق لفظ الفكر على الأفعال العقلية دون غيرها. إن الفكر عند (كانت) هو القوة الانتقادية، والفكر المتعالي عنده هو الفعل الذي يربط الظواهر بقوتي الفهم والحدس.
والفكر عند (مين دوبيران) هو القوة الدراكة التي ترد الكثرة إلىالوحدة.
فائدة: بين الفكر واللغة علاقة وثيقة، لأن الفكر يبحث في اللغة عن صورة تعبر عنه، واللغة تبحث في الفكر عن فعل عقلي معادل لها. ومن العبث فصل الافكار عن الالفاظ المعبرة عنها فصلا تاما، لأن الفكر والتعبير يسيران جنبا إلىجنب.
وجملة القول ان الفكر يطلق على الفعل الذي تقوم به النفس عند حركتها في المعقولات، أو يطلق على المعقولات نفسها، فإذا اطلق على فعل النفس دلّ على حركتها الذاتية، وهي النظر والتأمل، وإذا اطلق على المعقولات دل على الموضوع الذي تفكر فيه النفس.
وهو مرادف للفكرة، ومنه قولهم:
الفكر الديني، والفكر السياسي.
والفكري هو المنسوب إلىالفكر، تقول: الحياة الفكرية، والعمل الفكري.

في الفرنسية/ Idee
في الانكليزية/ Idea
في اللاتينية/ Idea
1 - الفكرة هي التصور الذهني، أو هي حصول صورة الشيء في الذهن، ويرادفها المعنى، لأن المعنى هو الصورة الذهنية من حيث انه وضع بازائها اللفظ (تعريفات الجرجاني).
والفرق بين الفكرة والصورة المستمدة من العالم الخارجي ان الفكرة عامّة ومجردة، والصورة جزئية ومشخصة، لأنها شبح يرسله الشيء إلىالحواس فينطبع فيها ويترتب عليه الادراك. والفلاسفة التجربيون يتكلمون على كيفية تكون الفكرة من الصورة الحسية المختلفة، وان كان كلامهم على ذلك لا يقطع مظان الاشتباه.
2 - والفكرة عند (افلاطون) هي النموذج العقلي أو المثال، أو الصورة العقلية المجردة التي لا تدثر ولا تفسد، وهي الوجود الحقيقي، والاولى في اللغة العربية إبدال لفظ الفكرة بلفظ المثال، أو الماهية العقلية، للدلالة على هذا المعنى.
3 - والفكرة عند (ابن سينا) هي حركة النفس في المعاني، ويرادفها الفكر. قال ابن سينا:
أما الفكرة فهي حركة ما للنفس في المعاني، مستعينة بالتخيل في أكثر الأمر، يطلب بها الحدّ الاوسط، أو ما يجري مجراه، مما يصار به إلىعلم بالمجهول حالة الفقد، استعراضا للمخزون في الباطن (الاشارات ص 127).
4 - والفكرة عند فلاسفة القرن السابع عشر هي الصورة الذهنية المطابقة لموضوعها، وهي، من جهة ما هي تصور ذهني، مقابلة للعاطفة والفعل، كما انها من جهة ما هي تصور جزئي مقابلة للحقيقة، لأن الحقيقة لا تكون الا كلية. قال ديكارت: من خواطر نفسي ما يكون اشبه بصور للاشياء. وهذه وحدها يطابقها اسم الفكرة على التحديد. مثال ذلك ان اتمثل انسانا، أو غولا، أو ملكا أو اللّه نفسه. ومنها ايضا ما يكون له صور اخرى، فاني مثلا حين اريد أو أخاف، أو اثبت، أو أنفي، انما أتصور دائما شيئا هو كالحامل لفعل ذهني، ولكني اضيف ايضا شيئا آخر بهذا الفعل إلىالفكرة التي لدي عن ذلك الشيء. وهذا الضرب من الخواطر بعضه يسمى ارادات أو اهواء، وبعضه الآخر يسمى أحكاما (ديكارت، التأملات في الفلسفة الاولى، التأمل الثالث، ترجمة عثمان امين)، وقال ايضا:
هذه الأفكار يبدو بعضها مفطورا في، وبعضها غريبا عني ومستمدا من الخارج، والبعض الآخر وليد صنعي واختراعي (م. ن، التأمل 3، ص 137). ومعنى ذلك ان للفكرة عند ديكارت ثلاثة انواع، وهي:
الفكرة العارضة (- adven Idee tice)، وهي الآتية من الحواس.
والفكرة المصطنعة ( Idee factice)، وهي التي ينشئها الذهن ويبدعها.
والفكرة الفطرية ( innee Idee) وهي التي تستمدها النفس من ذاتها قبل اتصالها بالعالم الخارجي، وهي تمتاز على غيرها بالوضوح والبساطة.
5 - وللفكرة عند (كانت) معنى قريب من المعنى الافلاطوني، لأنها لا تنحصر في عالم الحس، بل تجاوزه، وتجاوز تصورات الذهن، وليس لها في عالم التجربة ما يماثلها، وتسمى هذه التصورات بتصورات العقل المحض، أو بالتصورات المتعالية ( Transcendentales) التي يتم بها تحقيق الوحدة التامة في الفكر، وهي تصور العالم، وتصور النفس، وتصور اللّه.
6 - ويطلق اصطلاح الفكرة المطابقة ( adequate Idee) على الفكرة التي تمثل موضعها وتستوعبه استيعابا تاما، وهي مقابلة للفكرة غير المطابقة ( inadequate Idee) التي يشوبها الغموض أو يعوزها التحديد.
7 - والفكرة الثابتة أو المتسلطة ( fixe Idee) ظاهرة مرضية قوامها تسلط أحد التصورات على النفس بحيث تعجز الارادة عن إبعاده عنها.
8 - والفكرة- القوة (- Idee force) اصطلاح وضعه (فويّه) للدلالة على ان للظواهر النفسية صفتين: احداهما ذهنية، والاخرى ارادية، وإذا كانت الفكرة قوة فمرد ذلك إلىانها تبعث على الحركة ومنه قولهم: الأفكار تحرك العالم.
9 - والفكرة الكاذبة (- Pseudo idee) هي الفكرة الغامضة، أو الملتبسة، أو الوهمية التي ترجع إلىمجرد اللفظ ...
10 - والفكرة السابقة ( Preconcue Idee) هي الفكرة التي يتصورها العقل قبل ان تحصل له بها معرفة مستمدة من التجربة، وهي عند (كلود برنارد) مرادفة للفرضية ( Hypothese). والفرق بينها وبين الفرضية ان الغرضية فكرة يخاطر بها العالم ويعرف انها موقتة، لا تصبح نهائية الا اذا حققتها التجربة، وليس الأمر كذلك في كل فكرة سابقة.
11 - والفكرة الممثلة ( representative Idee) هي الفكرة التي تدل على ان العلاقة بين العالم والمعلوم ليست علاقة مباشرة، وان الفكرة من حيث هي فعل ذهني مختلفة عن الشيء الذي تمثله. وقد أخذ هذا الاصطلاح من قول (ديكارت):
ان افكارنا تمثل نسخ الأشياء، وان كمالها متناسب مع درجة تمثيلها لهذه النسخ. قال: إن بين الأفكار التي لدي فكرة تمثل اللّه، وافكارا اخرى تمثل الأشياء الجسمانية الجامدة، هذا عدا الفكرة التي تمثل نفسي لنفسي (التأملات، التأمل 3).

إنارة الفكر بما هو الحق في كيفية الذكر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

إنارة الفكر، بما هو الحق في كيفية الذكر
للشيخ، الإمام، برهان الدين: إبراهيم بن عمر البقاعي، الشافعي.
المتوفى: سنة 885.
مختصر.
أوله: (الحمد لله الذي يذكر من ذكره ... الخ) .
ذكر فيه أنه ألفه: بدمشق، لما رأى اجتماع العوام على شيخ في الجامع، يرقصون، ويرفعون أصواتهم، فكتب نهيا لهم.
وفرغ في: شوال، سنة إحدى وثمانين وثمانمائة.

الخواطر الفكرية في الفتاوي البكرية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الخواطر الفكرية، في الفتاوي البكرية
للشهاب: أحمد بن محمد بن عبد السلام الشافعي.
الذي ولد: سنة 847، سبع وأربعين وثمانمائة.
جمع فيه فتاوي شيخه.

زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

زبدة الفكرة، في تاريخ الهجرة
للأمير: بيبرس، ركن الدين المنصوري، الدواداري، المصري.
المتوفى: سنة 725، خمس وعشرين وسبعمائة.
وهو تاريخ كبير.
مرتب على: السنوات.
أحد عشر مجلدا.
قال العيني: استعان على ذلك بكاتبه: ابن كبير النصراني.
وانتهى إلى: سنة 724.

شمس الواصلين وأنس السائرين في سر السير على براق الفكر والطير

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

شمس الواصلين، وأنس السائرين، في سر السير، على براق الفكر والطير
في الأسماء والخواص.
للشيخ، أبي العباس: أحمد بن علي بن يوسف البوني، القرشي.
المتوفى: سنة 662.
أوله: (الحمد لله على حسن توفيقه ... الخ) .

شموس الفكر المنقذة من ظلمات الجبر والقدر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

شموس الفكر، المنقذة من ظلمات الجبر والقدر
مختصر.
أوله: (الحمد لله الذي جعل أبصار الأبصار ... الخ) .
للشيخ: محيي الدين بن عربي.

غرائب السير ورغائب الفكر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

غرائب السير، ورغائب الفكر
في علوم الحديث.
لمحمد بن محمد الأسدي، القدسي.
المتوفى: سنة 808، ثمان وثمانمائة.
الفكرة، والعبرة
للإمام، أبي حامد: محمد بن محمد الغزالي.
المتوفى: سنة 505، خمس وخمسمائة.

مباهج الفكر ومناهج العبر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

مباهج الفكر، ومناهج العبر
لمحمد بن عبد الله الأنصاري.
المتوفى: سنة ...

مناهج الفكر ومناهج العبر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

مناهج الفكر، ومناهج العبر
مر في (المباهج) .
والصحيح بالنون.
للشيخ، جمال الدين: محمد بن إبراهيم الوطواط، الكتبي، الوراق.
المتوفى: سنة 718، ثمان عشرة وسبعمائة.
منهاج الفكر، في الحيل
لابن الوراق.
هو: أبو الحسن: محمد بن عبد الله النحوي.
المتوفى: سنة 381.
نتائج الفكر
في علل النحو.
للشيخ، الإمام، أبي القاسم: عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي، السهيلي، الأندلسي.
المتوفى: سنة 518، إحدى وثمانين وخمسمائة.
أوَّله: (الحمد لله نفتتح كلامنا ... الخ) .
ذكر فيه: أن الإعراب مرقاة إلى علوم الكتاب.
فرتبه على: ترتيب أبواب (كتاب الجمل) ، لميل قلوب الناس إليه.

نتيجة الفكر في الجهر بالذكر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

نتيجة الفكر، في الجهر بالذكر
رسالة.
لجلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة 911، إحدى عشرة وتسعمائة.
ذكرها في: (حاويه) تماما.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت