لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
قال ابن حجر في (النكت) في خاتمة كلامه على الحديث الصحيح والحديث الحسن (1/490): (قد قررنا أنهما في حيز القبول ، وقد وجدنا في عبارة جماعة من أهل الحديث ألفاظاً يوردونها في مقام القبول ينبغي الكلام عليها وهي: الثابت والجيد والقوي والمقبول والصالح ، وسنستوفي الكلام على هذه الأنواع في آخر الكتاب إن شاء الله كما وعدنا في الخطبة والله أعلم).
لكن ابن حجر توفي رحمه الله تعالى قبل أن يتم كتابه هذا فلم يتكلم على هذه الأنواع ، وتكلم على بعضها السيوطي في (تدريب الراوي) (1/177-178) فقال: (من الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول: الجيد والقوي والصالح والمعروف والمحفوظ والمجود والثابت. فأما الجيد فقال شيخ الاسلام في الكلام على أصح الأسانيد لما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل أن أصحها الزهري عن سالم عن أبيه: "عبارة أحمد: أجود الأسانيد ، كذا أخرجه الحاكم". قال: هذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح ، ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك: من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة ؛ وفي "جامع الترمذي" في الطب: هذا حديث جيد حسن ؛ وكذا قال غيره: لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم ، إلا أن الجهبذ منهم لا يعدل عن "صحيح" إلى "جيد" ، إلا لنكتة ، كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته ويتردد في بلوغه الصحيح ، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح ، وكذا القوي. وأما الصالح فقد تقدم في شأن "سنن أبي داود" أنه شامل للصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج ؛ ويستعمل أيضا في ضعيف يصلح للاعتبار. وأما المعروف فهو مقابل المنكر ، والمحفوظ مقابل الشاذ ، وسيأتي تقرير ذلك في نوعيهما(1). والمجود والثابت يشملان أيضا الصحيح. قلت [القائل هو السيوطي]: ومن ألفاظهم أيضا "المشبه" ، وهو يطلق على الحسن وما يقاربه ، فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح ، قال أبو حاتم: أخرج عمرو بن حصين الكلابي أول شيء أحاديث مشبهة حساناً ، ثم أخرج بعْدُ أحاديث موضوعة فأفسد علينا ما كتبنا). قلت: الاستدلال على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح بما ذُكر ، استدلال فيه نظر ، فهل يلزم من قول الناقد: "أقوى أو أحسن الأسانيد إسناد فلان عن فلان" أن نقول: إنه يساوي بين القوي والصحيح ، أو نقول: إنه يساوي بين الحسن والصحيح ؟ وهل يلزم من قول من قال: "أصح شيء في هذا الباب هذا الحديث" ، ثم يذكر حديثاً ضعيفاً أنه يساوي بين الصحيح والضعيف ؟ هذا بين البطلان فقد قال العلماء أن المراد بمثل هذه العبارة قد يكون أن أقل أحاديث هذا الباب ضعفاً هو ذلك الحديث. وكذلك عبارة الترمذي لا دليل فيها على أنه يساوي بين الجيد والصحيح. وانظر بعض ما يتعلق بهذا الموضع - أي معنى كلمة جيد - في الكلام على (صالح) و (حسن) و (شيخ) و (صححه الحاكم ووافقه الذهبي). وقال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع في (التحرير) (1/175) في شرح معنى قولهم "جيد الحديث": (عبارة تعديل واحتجاج ، مستعملة عندهم بغير شيوع ، واستعملوها بما يساوي (ثقة) ، ولذا فربما اقترنت بها في كلام بعض النقاد. فمن ذلك ، قول أحمد بن حنبل في زكريا بن أبي زائدة: " جيد الحديث ، ثقة "(2) ، وفي سليمان بن أبي مسلم الأحول: " ثقة ، جيد الحديث "(3). ووقعت مرسلة في كلام أبي داود السجستاني ، فقد قال في عمر بن عبد الله الرومي: "جيد الحديث"(4) ؛ وكذلك قال أبو زرعة الدمشقي في الوليد بن عبد الرحمن الجرشي(5). ولقد ملت إلى هذا القول بعد الوقوف عليه ، فكتبت في أول شرحي لهذا المصطلح: (قول المتقدمين في الحديث: (حديث جيد) يريدون به الصحة في الغالب ، ولكن المتأخرين استعملوا لفظة (جيد) في منزلة متوسطة أو مترددة عندهم بين الصحيح والحسن. ومنه يعلم معنى قولهم في الراوي " جيد الحديث "). انتهى. ولكني وقفت بعد كتابة ما تقدم بزمن غير طويل على تحقيق استقرائيٍّ في المسألة فرجعت إليه ، والحق أحق أن يتبع، فدونك بيان ذلك. كتب الدكتور عبد الرحمن بن عبد الكريم الزيد في مجلة الأحمدية (18/202-248 /1425هـ) بحثاً بعنوان (مصطلح الحديث الجيد عند أهل السنن الأربعة) ، قال في أوله معرّفاً به: (يطلق علماء الحديث لفظ (جيد الحديث) أو (إسناد جيد) ، ويكثر هذا عند المتأخرين، فما مرادهم بهذا الاصطلاح؟ عند البحث في كتب المصطلح لا نجد في هذا الموضوع إلا كلاماً يسيراً عند الحافظ السيوطي في (تدريب الراوي) ، وذكر فيه أن الجيد بمعنى الصحيح، أو هو مرتبة بينه وبين الحسن. وهذا بحث استقرائي لمعرفة مراد العلماء في ذلك، خصصته بكتب السنة [كذا] السنن الأربعة ، فهم المتقدمون والمقدَّمون في هذا الفن. وقد قمت فيه بدراسة ستة عشر حديثاً هي جميع ما أُطلق عليه (جيد) في السنن، فخرجت الأحاديث وجمعت طرقها وترجمت للرواة في كل إسناد، وذكرت ما تبين به حال الراوي من جرح أو تعديل، ثم الحكم على الحديث بمقتضى قواعد وضوابط أهل الحديث. فتبين لي بعد البحث أنهم يطلقون (الجيد) غالباً على الحديث الحسن لذاته أو لغيره؛ وقد يطلقونه نادراً على الصحيح الذي فيه كلام يسير؛ وذكرتُ ما يؤيد ذلك من استعمالات بعض المحدثين ؛ وختمت البحث بتنبيه حول القوي وأنه يستعمل أيضاً بمعنى الحسن). __________ (1) لا يستقيم هذا التقسيم أو التفصيل إلا على طريقة المتأخرين. (2) العلل ومعرفة الرجال ، رواية الميموني (3). (4) العلل ومعرفة الرجال ، رواية الميموني (5). (6) سؤالات الآجري (7). (8) تاريخ أبي زرعة (2/713). |