نتائج البحث عن (خمس عشرة) 12 نتيجة

-سَنَة خَمْس عَشْرَة
في أولها افْتَتَحَ شُرَحْبِيل بْن حَسَنة الأردن كلها عنوة إلا طبرية؛ فإنهم صالحوه، وذلك بأمر أبي عبيدة.
-سنة خمس عشرة وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَلَى الأَشْهَرِ، وَالْجُنَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرِّيُّ أَمِيرُ خُرَاسَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ، وَعُمَرُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَعُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ.
وَفِيهَا خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، وَتَغَلَّبَ عَلَى مَرْوَ وَالْجَوْزَجَانِ، فَحَارَبَهُ عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ قَطَعَ بِهِمْ نَهْرَ بَلْخٍ، فَسَارَ فِي طَلَبِهِ أَمِيرُ خُرَاسَانَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، فَالْتَقَوْا، فَانْهَزَمَ الْحَارِثُ وَنَجَا، وَأَسَرَ أَسَدٌ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَبَدَّعَ فِيهِمْ.

-سنة خمس عشرة ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي أبو زيد الأنصاريّ صاحب العربية بالبصرة، واسمه سعيد بن أوس، والعلاء بن هلال الباهليّ بالرَّقَّة، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ القاضي بالبصرة، ومكيّ بن إبراهيم الحنظليّ ببلْخ، وعليّ بن الحسن بن شقيق بمرْو، ومحمد بن المبارك الصوري بدمشق، وإسحاق بن عيسى ابن الطّبّاع ببغداد، وقُبيصة بن عُقبة السُّوائيّ بالكوفة.
وفيها سار المأمون لغزو الروم في أول العام، واستخلف على بغداد الأمير إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب، وقدِم عليه محمد بن عليّ بن موسى الرّضا، فأكرمه وأجازه بمالٍ عظيم، وأمره بالدخول بأهله، وهي أمّ الفضل ابنة المأمون، فدخل بها ببغداد، ثم سار المأمون إلى دابق وأنطاكية، ثم دخل المِصِّيصة، وخرج منها إلى طَرَسُوس، ثم دخل الروم في نصف جُمادَى الأولى، فنازل حصن قُرَّةَ حتّى فتحه عَنْوةً وهدمه، وافتتح حصن ماجدة، وتسلم حصنين بالأمان.
وأما أخوه أبو إسحاق فإنه هذب قواعد الديار -[246]- المصريّة، ورجع فقدِم واجتمع بأخيه المأمون بنواحي الموصل، وقدِم المأمون دمشقَ بعد غزوته المذكورة.

-سنة خمس عشرة وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس عشرة وثلاثمائة
في صَفَر قدِم عليّ بْن عيسى الوزير، فزاد المقتدر في إكرامه، وبعثَ إِلَيْهِ بالخلع وبعشرين ألف دينار. وركب من الغد في الدست، ثم أنشد: -[211]-
ما الناس إلّا مَعَ الدنيا وصاحبها ... فكيف ما انقلبت يومًا بهِ انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يومًا عَلَيْهِ بما لَا يشتهي وثبوا
وفيها: وصلت الروم إلى سُمَيْساط وأخذوا من فيها وما فيها، وضربوا الناقوس في جامعها، فتهيأ مؤنس للخروج.
ولمّا أراد وداع المقتدر جاءه خادم من خواص المقتدر فقال: إن الخليفة قد حفر لك زُبْيَةً بدار الشَّجرة، وأمر أنّ تفرد إذا دخلت، ويمر بك عَلَى الزُبْيَة فتكون قبرك. فامتنع من وداع المقتدر.
وركب إلى مؤنس الأمراء والغلّْمان كلّهم، ولم يبق بباب الخليفة أحد ولبسوا السّلاح، فقال لَهُ أبو الهيجاء عَبْد اللَّه بْن حمدان: أيها الأستاذ، لَا تخف، فلنقاتلن بين يديك حتّى تنبت لك لحية.
فبعث لَهُ المقتدر ورقة بخطه يحلف بالأيمان المغلظة عَلَى بطلان ما بلغه، ويعرفه أَنَّهُ يأتي الليلة ليحلف لَهُ مشافهة. فصرف مؤنس القواد إلى دار الخلافة، ولزم أبو الهيجاء باب مؤنس. وبعث المقتدر نصرًا الحاجب، فأحضروا مؤنسًا إلى الحضرة، فقبّل يدي المقتدر، فحلف لَهُ المقتدر أَنَّهُ صافي النية لَهُ وودعه.
وسار إلى الثغور فالتقى مَعَ الروم، وقتل منهم خلقًا.
وفيها: ظهرت الديلم عَلَى الرّيّ والجِبال، وأوّل من غلب لنكي بْن النُّعْمان فقتل خلقًا وذبح الأطفال.
وغلب عَلَى قزوين أسفار بْن شِيرُوَيْه فغشم وظلم وتفرعن، فقتله حاشيته في الحمام.
وجاء القَرْمَطيّ إلى الكوفة، فجهز المقتدر لحربه يوسف بْن أَبِي السّاج فالتقوا، فنظر يوسف إلى القرامطة فاستقبلهم، وقاتلهم قتالًا شديدًا، وجرح من القرامطة بالنشاب المسموم نحو خمسمائة، وأبو طاهر القرمطي في عمارية حوله مائتا فارس، فنزل وركب فرسًا، وحمل عَلَى يوسف، والتحم القتال، وأُسِرَ في آخر النَّهار يوسف بْن أَبِي السّاج مجروحًا، وقتل من أصحابه عدّة وانهزم جيشه. فداوت القرامطة جراحاته وجاءت الأخبار إلى بغداد، فخاف الناسُ، وعسكر مؤنس بباب الأنبار.
وساق القَرْمَطيّ إلى أنّ نزل غربيّ الأنبار، فقطعوا الجسر بينهم وبينه -[212]- عَلَى الفُرات. وأقام غربيّ الفُرات يتحيل في العُبُور. ثم عَبَر وأوقع بيزك المسلمين، فخرج نَصْر الحاجب والرجالة واهل بغداد إلى مؤنس، فكانوا أربعين ألفًا وأكثر، وخرج أبو الهيجاء بن حمدان وإخوته أبو الوليد، وأبو السرايا، وأبو العلاء.
وتقدم نَصْر، فنزل عَلَى نهر زبارا عَلَى نحو فرسخين من بغداد، وقطعت القنطرة في ذي القعدة. فلما أصحبوا جاءهم القَرْمَطيّ فحاذاهم، وبعث بين يديه أسود ينظر إلى المخاض، فرموه بالنشاب حتّى سار كالقنفذ، فعاد وأخبر أصحابه بان القنطرة مقطوعة. فأقامت القرامطة يومين، ثمّ ساروا نحو الأنبار، فما جسر أحدٌ يتبعهم، وهذا خذلان من اللَّه؛ فإن القرمطي كان في ألف فارس وسبعمائة راجل، وجيش العراق في أربعين ألف فارس.
وقال ثابت: إن معظم عسكر المقتدر انهزموا إلى بغداد قبل أنّ يعاينوا القَرْمَطيّ لشدة رعبهم، فوصل القرمطي الأنبار، فاعتقد من بها من الجند أنه جاء منهزما فخرجوا وقاتلوه، فقتل منهم مائة فارس، وانهزم الباقون.
ثمّ إنّ القَرْمَطيّ ضرب عُنق ابن أَبِي السّاج، وقتل جماعة من أصحابه. وهرب معظم أهل الجانب الغربيّ إلى الجانب الشرقيّ.
وسار القَرْمَطيّ إلى هيت فدخل مؤنس بالعسكر إلى الأنبار، وقدم هارون بْن غريب، وسعيد بْن حمدان في جيش إلى هيت، فسبقا القَرْمَطيّ وصعدا عَلَى سورها، فقويت قلوب أهلها وحصنوها. فعمل القَرْمَطيّ سلالم وزحف، فلم يقدر عَلَى نقبها، وقتلوا من أصحابه جماعة، فرحل عَنْهَا إلى البرية. وتصدق المقتدر وأمه بمال.
ولمّا جاء الخبر بقتل ابن أَبِي السّاج دخل عليّ بْن عيسى عَلَى المقتدر وقال: إنّه لَيْسَ في الخزائن شيء، ولم يتمّ عَلَى الإسلام شيء أعظم من هذا الكافر، وقد تمكنت هيبته من القلوب، فاتق اللَّه وخاطب السيدة في مال تنفقه في الجيش وإلّا فما لك ولأصحابك إلّا أقاصي خُراسان.
فدخلَ عَلَى والدته وأخبرها، فأخرجت خمسمائة ألف دينار، وأخرج المقتدر ثلاثمائة ألف دينار. وتجرد ابن عيسى في استخدام العساكر. -[213]-
وورد من هيت نَصْر الحاجب ومعه ثلاثة عشر من القرامطة، فأمر المقتدر لهم بخلع ومال لكونهم خامروا عَلَى القَرْمَطيّ.
وولّى المقتدر أبا الهيجاء الجزيرة والموصل.
ثمّ إنّ الْجُنْد اجتمعوا فشغبوا عَلَى المقتدر، وطلبوا الزيادة وشتموه ونهبوا القصر الملقب بالثريّا، وصاحوا: أبطلتَ حجنا وأخذت أموالنا، وجرأت العدو وتنام نومة الجارية! فبذل لهم المال فسكتوا. وجددت عَلَى بغداد الخنادق وأصلحت الأسوار.
وفيها: مات الحسين بن عبد الله الجوهري ابن الجصاص. وكان ابن طولون قَالَ: لَا يباع لنا شيء إلّا عَلَى يده.
وعنه قَالَ: كنتُ يومًا جالسًا في الدهليز، فخرجت قَهْرمانة معها مائة حبة جوهر، تساوي الحبة ألف دينار، فقالت: يحتاج هذا إلى خرط ليصغر، فأخذته مسرعًا، وجمعت يومي ما قدرت عَلَيْهِ حتّى حصّلت مائة حبّة من النّوع الصغار. وأتيت القهرمانة، فقلت: قد خرطنا هذا، وتقومت عليّ بمائة ألف درهم.
وقد أسلفنا من أخباره لمّا صودر سنة اثنتين وثلاثمائة.
قَالَ التّنُوخيّ: ولما صودر وجد في داره سبعمائة مزمّلة خيزران. وبلغت مصادرته ستة آلاف ألف دينار. وأطلق بعد المصادرة، فلم يبقَ لَهُ إلا ما قيمته سبعمائة ألف دينار.
وكان مَعَ هذا فيه نوع بله وغفلة، لَهُ حكايات في المغفلين. مرضَ مرة بالحمى فقيل: كيف أنت؟ قَالَ: الدنيا كلّها محمومة. ونظر في المرآة يومًا، فقال لرجل: ترى لحيتي طالت؟ فقال: المرآة في يدك. فقال: الشاهد يرى ما لَا يرى الحاضر.
ودخل يومًا عَلَى ابن الفُرات، فقال: أيها الوزير، عندنا كلاب ما تدعنا ننام. قَالَ: لعلهم جري. قَالَ: لَا واللَّه، ألا كلُّ كلب مثلي ومثلك!
وقيل: كَانَ يدعو ويقول: حسبي اللَّه وأنبياؤه وملائكته. اللهم، أعد من بركة دعائنا عَلَى أهل القصور في قصورهم، وعلى أهل الكنائس في -[214]- كنائسهم.
وفرغ مرة من الأكل، فقال: الحمد لله الذي لَا يحلف بأعظم منه.
ونزل مَعَ الوزير الخاقانيّ في المركب وبيده بطيخة كافور، فبصق في وجه الوزير وألقى البطيخة في دجلة. ثم أخذ يعتذر قَالَ: أردت أنّ أبصق في وجهك والقي البطيخة في الماء، فغلطت. فقال: هكذا فعلت يا جاهل.
ومع هذا كَانَ سعيدًا متمّولًا محظوظًا.
قَالَ أبو عليّ التّنُوخيّ في " نشواره ": سَمِعْتُ الأمير جعفر بْن ورقاء يَقُولُ: اجتزت بابن الجصّاص، وكان بيننا مصاهرة، فرأيته عَلَى روشن داره وهو حافٍ حاسر، يعدو كالمجنون، فلمّا رآني استحيا، فقلت: ويلك، ما لك؟ فقال: يحق لي أنّ يذهب عقلي، وقد أخذوا منّي كذا وكذا أمرا عظيمًا.
فقلت مسليًا لَهُ: ما سَلْم لك يكفي. وإنما يقلق هذا القلق من يخاف الحاجة، فاصبر حتى أوافقك بأنك غني. قال: هات. فقلت: أليس دارك هذه بفرشها وآلاتها لك؟ وعقارك بالكرخ وضياعك؟ فما زلت أحاسبه إلى أنّ بلغ قيمة ما بقي له سبعمائة ألف دينار.
ثم قلت: وأصدقني عمّا سَلْم لك من الجوهر والعبيد والخيل وغير ذَلِكَ. فحسبنا ذَلِكَ، فإذا هُوَ بقيمة ثلاثمائة ألف دينار أخرى، فقلت: فمن ببغداد مثلك اليوم وجاهك قائم بحاله؟! فسجد لله وبكى، وقال: قد أنقذني اللَّه بك. وما عزانيّ أحد أنفع منك، وما أكلت شيئًا منذ ثلاث، وأحب أنّ تقيم عندي لنأكل ونتحدث. فقلت: أفعل. فأقمت يومي عنده وتحدثنا.
قَالَ التّنُوخيّ: وكنت اجتمعت مَعَ أَبِي عليّ ولد أَبِي عَبْد اللَّه ابن الجصاص فسألته عمّا يحكي عَنْ أَبِيهِ من أنّ الْإِمَام قرأ: " {{وَلا الضَّالِّينَ}} " فقال: إيْ لعمري، بدل آمين.
وإنّه أراد أنّ يقبل رأس الوزير الخاقانيّ، فقال: إنّ فيه دهْنًا. فقال: لو كَانَ فيه خرا لقبَّلته. ومثل وصفه مصحفًا عتيقًا فقال: كسرويًا. فقال: غالبُهُ كذب، وما كانت فيه سلامة -[215]- تخرجه إلى هذا. ما كَانَ إلّا من أدهي النَّاس. ولكنه كَانَ يطلق بحضرة الوزير قريبا من ذلك لسلامة طبع كان فيه، ولأنه كان يحب أنّ يصور نفسه عندهم بصورة الأبله لتأمنه الوزراء لكثرة خلوته بالخلفاء. فأنا أحدثك عَنْهُ بحديث تعلم أنّه في غاية الحزْم.
ثمّ قَالَ: حدَّثني أَبِي أنّ ابن الفُرات لما ولي الوزارة، قَالَ: فقصدني قصدًا قبيحًا لشيء كَانَ في نفسه عليَّ وبالغ، وتلطفت معه بكل طريق. وكان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف ألف دينار عينًا وجوهرًا سوى غيرها. ففكرت في أمري، فوقع لي الرأي في الليل في الثلث الأخير.
فركبت في الحال إلى داره، فدققت فقال البوابون: لَيْسَ هذا وقت وصول، والوزير نائم. فقلت: عرفوا الحجاب أني حضرت في مهم. فعرفوهم، فخرج إلي أحدهم فقال: إنه إلى ساعة ينتبه. فقلت: لَا، الأمر أهم من ذَلِكَ فنبهه.
فدخل، ثمّ خرج فأدخلني إِلَيْهِ وهو عَلَى سرير، وحوله نحو خمسين نفسًا، كأنهم حفظة، وقد قاموا وهو جالس مرتاعًا، ظن أنّ حادثة حدثت، فرفعني وقال: ما الأمر؟ فقلت: خير، ما حَدَث شيء، ولا جئت إلّا في أمر يخصني. فسكن وصرف من حوله، وقال: هات. فقلت: أيها الوزير، إنك قصدتني أقبح قصد، وشرعت في هلاكي بإزالة نعمتي، ولعمري، إني أسأت في خدمتك.
وقد كَانَ في بعض هذا التقويم بلاغ عندي. وقد جهدت في استصلاحك، فلم يغن. وليس شيء أضعف من الهرّ، وإذا عاثَ في دكان الفاميّ فظفر بهِ ولزه وثب عَلَيْهِ وخمشه. ولستُ أضعف من السِّنَّور، وقد جعلت هذا الكلام عذرا. فإن صلحت لي وإلا فعلي وعلي.
وعقدت الأيمان لأقصدن الخليفة الآن، وأحمل إِلَيْهِ من خزانتي ألفي ألف دينار، وأقول: سَلْم ابن الفُرات إلى فلان ووله الوزارة. فيخدمني ويرجع تدبير أموره إليّ، فأسلمك إِلَيْهِ، فيعذبك حتّى يأخذ منك الألفي ألف. وأنت تعلم أنّ حالك يفي بها، ويعظم قدري بعزلي وزيرًا وتقليدي آخر.
فلمّا سمع هذا، قَالَ: يا عدوّ اللَّه، وتستحلّ هذا؟ فقلت: إنّ أحوجتني إلى هذا، وإلّا فاحلف لي السّاعة عَلَى معاملتي بكلّ جميل، ولا تبغ لي الغوائل. فقال: وتحلف ليّ أنتَ أيضًا عَلَى مثل ذَلِكَ، وعلى حُسْن الطّاعة -[216]- والمؤازرة. فقلت: أفعل. فقال: لعنك اللَّه، فما أنت إلّا إبليس. واللَّه لقد سحرتني.
واستدعى دَواةً، وعملنا نسخة اليمين، وأحلفته بها أولًا، ثمّ حلفت لَهُ. فقال: يا أبا عَبْد اللَّه، لقد عَظُمْتَ في نفسي، واللَّه ما كَانَ المقتدر يفرق بين كفايتي وموقعي، وبين أصغر كتّابي مَعَ الذهب، فاكتم ما جرى. فقلت: سبحان اللَّه! فقال: إذا كَانَ غدًا فتعال لترى ما أعاملك بهِ. فنهضت.
فقال: يا غلمان بأسركم بين يدي أَبِي عَبْد اللَّه. فعدتُ إلى داري وما طلع الفجر.
ثم قَالَ لي ابنه أبو عليّ: هذا فعل من يحكي عَنْهُ تِلْكَ الحكايات؟ فقلت: لا. والله أعلم.

-سنة خمس عشرة وأربعمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس عشرة وأربعمائة
فيها حجّ بالعراقييّن أبو الحسن الأقساسيّ، ومعه خشك صاحب محمود بْن سُبُكْتكين، فنفّذ إِليْهِ الظاهر صاحب مصر خِلعًا وصلةً فقبِلَها، ثمّ خاف ولم يدخل بغداد. فكاتب الخليفةُ محمودًا بما فعل خشك، فنفذ مَعَ رسوله الخِلَع المصريّة، فأُحرِقت عَلَى باب النوبي.
وفيها ولى وزارة مصر للظّاهر نجيبُ الدّين علي بن أحمد ابن الجرجرائي.
وماتت ستُّ المُلْك أخت الحاكم الّتي قتلت الحاكم.
وفيها تُوُفّي سلطان الدّولة أبو شجاع ابن عَضْد الدّولة بْن بُوَيْه بشيراز، وكانت مدّة ولايته اثني عشر عامًا وأشْهُرًا؛ وولى صبيّا ومات عن ثلاث وعشرين سنة.
وفيها هلك عدد كثير بعَقَبة واقصَة مِن الحُجّاج العراقيّين، عطّلت عليهم الأعْراب المياه والقُلُب ليأخذوا الرَّكْب، وتُسمّى " سنة القرعاءُ "؛ فروى أبو عليّ البرداني الحافظ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عاد الرَّكب وليس لهم ماء، فهلكوا جميعًا بعَقَبَة واقصة.

-سنة خمس عشرة وخمسمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس عشرة وخمسمائة
فيها بلغ السلطان محمودا وفاةُ جدّته، فردّ مِن الصَّيد، وعمل عزاءها ببغداد. وتكلّم أبو سَعْد إسماعيل بْن أحمد، وأبو الفتوح أحمد الغزالي الطوسيان.
وفيها استدعي علي بن طراد النقيب بحاجب مِن الدّيوان، وقرأ عَليْهِ الوزير توقيعًا بأنْ قد استُغْني عَنْ خدمتك. فمضى ولزِم بيته، وكانت بنته متّصلة بالأمير أبي عَبْد الله ابن المستظهر، وهو المقتفي.
وفي ربيع الأوّل انحدر أبو طَالِب عليّ بْن أحمد السميرميّ وزير السّلطان متفرّجًا، فلمّا حاذى باب الأزج عبر إليه عليّ بْن طِراد وحدَّثه، فوعده، ثمّ تكلم في حقه، فأعيد إلى النقابة.
وفيه انقض كوكب صارت مِن ضوئه أعمدة عند انقضاضه، وسمع عند ذلك صوت هدة كالزلزلة.
وفيه خُلِع عَلَى القاضي أبي سَعْد الهَرَويّ خِلْعةُ القضاء، قلّده السّلطان محمود القضاء بجميع الممالك سوى العراق مُرَاعاةً لقاضي القُضاة أبي القاسم الزَّيْنَبيّ، وركب إلى داره ومعه كافّة الأمراء.
وفي جُمَادَى الآخرة احترقت دار المملكة الّتي استجدّها بهروز الخادم، وكان بها السّلطان نائمًا عَلَى سطح، فنزل وهرب في سفينة، وذهب من الفرش والآلات والجواهر ما تزيد قيمته عَلَى ألف ألف دينار، وغسّل الغسّالون التّراب، وظفروا بالذّهب والحُليّ قد تسبَّك.
ولم يَسْلَم مِن الدّار ولا خَشَبَة، وأمر السّلطان ببناء دار له عَلَى المُسَنّاة المستحدثة، وأعرض عَنِ الدار الّتي احترقت، وقال: إنّ أَبِي لم يُمَتّع بها ولا امتدّ بقاؤه بعد انتقاله إليها، وقد ذهبت أموالنا فيها.
واحترق بإصبهان جامعٌ كبير أنفِقَت عَليْهِ أموال، يقال: إنه غرم على أخشابه ألف ألف دينار.
وفي شعبان عقد مجلس، وحلف السلطان للخليفة عَلَى المناصحة والطّاعة، ثمّ نفَّذ هديةً إلى الخليفة، وجلس الخليفة في الدّار الشّاطئيّة، وهي -[157]- مِن الدُّور البديعة الّتي أنشأها المقتدي، وتمَّمها المسترشد، فجلس في قُبَّته، وعليه ثوب مُصْمت وعِمامة رصافية، وعلى كتفه البُرْدة، وبين يديه القضيب.
ورتَّب وزيره ابن صَدَقة الأمور، وأتى وزير السّلطان أبو طَالِب السُّمَيْرميّ والمستوفي وخواصّ دولتهم. ثم وقف ابن صدقة عن يسار السُّدَّة، وأبو طَالِب السُّمَيْرميّ عَنْ يمينها، وأقبل السلطان محمود يده في يد أخيه مسعود.
فلمّا قرُب استقبله الوزيران والكبار، وحجبوه إلى بين يدي الخليفة. فلمّا قاربوا كُشِفت السّتارة لهما، ووقف السّلطان في الموضع الَّذِي كَانَ وزيره واقفًا فيه، وأخوه إلى جانبه، فخدما ثلاث مرات ووقفا، والوزير ابن صَدَقة يذكر لَهُ عَنِ الخليفة أنسه به وبقربه وحُسْن اعتقاده فيه.
ثمّ أمر الخليفة بإفاضة الخِلَع عَليْهِ، فحمُل إلى مجلسٍ لذلك. ثمّ وقف الوزيران بين يدي الخليفة يحضران الأمراء أميرًا أميرًا، فيخدم وتعرف خدمته، فيقبّل الأرض وينصرف.
ثمّ عاد السّلطان وأخوه، فمثّلًا بين يدي الخليفة، وعلى محمود الخلع السبع والطوق، والسّواران، والتّاج، فخدما. وأمر الخليفة بكُرْسيّ، فجلس عليه السلطان، ووعظه الخليفة وتلا عَليْهِ قوله تعالى: " فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خيرًا يره ". وأمره بالإحسان إلى الرّعيّة.
ثمّ أذن للوزير أَبِي طَالِب في تفسير ذَلِكَ عَليْهِ، ففسّره، وأعاد عَنْهُ أنّه قَالَ: وفّقني الله لقبول أوامر مولانا أمير المؤمنين، وارتسامها بالسعادات، وسلم الخليفة إلى الوزيرين سيفين وأمرهما أن يقلدا بهما السلطان. فلما فعلا قال له: اقمع بهما الكُفّار والمُلْحِدين! وعَقَد لَهُ بيده لواءين حُمِلا معه، وخرج، فقُدَّم لَهُ في صحن الدّار فَرَسٌ مِن مراكب الخليفة، بمركبٍ جديد صينيّ، وقيد بين يديه أربعةُ أفراس بمراكب الذَّهَب.
وفيها كان ببغداد أمطار عظيمة متوالية، ثمّ وقع ثلْجٌ عظيم، وكبرُ حتى كَانَ عُلُوَّ ذراع.
قال ابن الجوزيّ: وقد ذكرنا في كتابنا هذا، يعني المنتظم أنّ الثّلج وقع في سنين كثيرة في أيام الرّشيد، وفي أيّام المقتدر، وفي أيام المطيع، والطائع، والقادر، والقائم. وما سمع بمثل هذا الواقع في هذه السنة، فإنه بقي -[158]- خمسة عشر يومًا ما ذاب، وهلك شجر الأترج، والليمو، ولم يُعْهَد سقوط ثلجٍ بالبصرة إلّا في هذه السنة.
ودخل دبيس الحِلّة، فأخرج أهلها، فازدحموا عَلَى المعابر، فغرق منهم نحو الخمسمائة. ودخل أخوه النّيل، فأخرج شِحْنة السّلطان منها، وأخذ ما فيها مِن الميرة. فحثّ الخليفةُ السّلطان عَلَى دُبَيْس، فندب السّلطان الأمراء لقصد دُبَيْس، فلمّا قصدوه أحرق دار أَبِيهِ، وذهب إلى النّيل. فأتى العسكر الحِلّة، فوجدوها فارغة، فقصدوه وهو بنواحي النيل، ثم صالحوه، وحلف للسلطان.
وفي صفر أقطع السلطان لآقسنقر البُرْسُقيّ المَوْصِل وأعمالها، وبعثه إليها، وأمره بجهاد الفرنج، فسار إليها في عسكر كبير، واستقرّ بها.
وكان الأمير إيلغازي بْن ارْتُق في هذه المدّة حاكمًا عَلَى ماردين وحلب، وابنه سليمان بحلب، فعزل سليمان منها لكونه أراد أن يعصي على أبيه.
وفيها أُعيدت المُكُوس، وأُلْزمت الباعة أن يدفعوا إلى السّلطان ثُلُثي ما يأخذونه مِن الدّلالة، وفُرِض عَلَى كلّ ثوبٍ مِن السّقْلاطونيّ ثمانية قراريط، ثمّ قِيلَ للباعة: زِنوا خمسة آلاف شكرًا للسلطان، فقد أمر بإزالة المكس.
ومرض وزير السّلطان، فعاده السّلطان وهنّأه بالعافية، فاحتمل واحتفل وعمل، أعني الوزير، وليمة عظيمة إلى الغاية، فيها الملاهي والأغاني، نابه عليها خمسون ألف دينار.
وفيها تُوُفّي عليّ بْن يلدرك التُّرْكيّ، وكان شاعرًا مترسّلًا ظريفًا، تُوُفّي في صَفَر ببغداد. قال أبو الفرج ابن الْجَوْزيّ: نقلت مِن خطّ ابن عقيل، قَالَ: حدَّثني الرئيس أبو الثّناء عليّ بْن يلدرك، وهو ممن خَبرته بالصّدْق، أنّه كَانَ في سوق نهر المُعَلَّى، وبين يديه رَجُل عَلَى رأسه قفص زجاج، وهو مضطّرب المشْي، يظهر منه عدم المعرفة بالحَمْل، فما زلت أترقَّب سقوطه.
قَالَ: فسقط، فتكسّر الزّجّاج، فبُهت الرجل، ثمّ أخذ عند الإفاقة مِن البكاء يَقُولُ: هذا والله جميعُ بضاعتي، والله لقد أصابني بمكّة مصيبة عظيمة تُوُفّي على هذه، ما دخل قلبي مثل هذه! واجتمع حوله جماعة يَرْثُون لَهُ، ويبكون عَليْهِ، وقالوا: -[159]- ما الذي أصابك بمكة؟ فقال: دخلت قُبَّة زمزم، وتجرَّدت للاغتسال، وكان في يدي دملج فيه ثمانون مثقالًا، فخلعته واغتسلت، وأُنْسيتُه، وخرجت. فقال رَجُل مِن الجماعة: هذا دملجك خُذْه، لَهُ معي سنين! فدُهش النّاس مِن إسراع جبر مصيبته.
وفيها نازل المُلْك عليّ بْن يوسف بْن تاشفين البربري مدينة قرطبة وضايقها، وآذى النّاس، فتذلَّلوا لَهُ، وبذلوا لَهُ أموالًا عظيمة، حتّى ترحّل عَنْهُم. وكانوا قد خرجوا عَليْهِ لكونه بعث عَلَى نيابه قُرْطُبَة قائدًا ظالمًا، فأراد عبدٌ مِن عُبَيْده أن يُكره امرَأَة ويضطهدها علانية، فضربه النّاس، فآل الأمر إلى قتال، حتّى تسوّروا عَلَى القائد وأخرجوه، بعد أن كادوا يقتلونه. وجَرَت فتنة عظيمة، وكان البربر في هذه السّنين غالبين عَلَى الأندلس، وفيهم قِلّة دِين.
وقبل سفر ابن تاشّفين وقف لَهُ بجامع مُرّاكُش محمد بْن تُومَرْت الفقيه، وكلّمه بكلام فجّ، فقال: أيّها الأمير، إنّك حِلْت بين بصرك وبين الحق بظلمة التقليد، فقلدت قومًا أكلوا الدّنيا بالآخرة، وأنا أُناظرهم بين يديك، وأصقل مرآتك، حتّى تأمر بالاحتياط عَليْهِ. وأحضر لَهُ جماعة مِن أهل الأُصول والفروع.

-سنة خمس عشرة وستمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس عشرة وستمائة.
في ربيع الأَوَّل نزلت الفرنج عَلَى دِمياط، فبعث الملك العادل العساكر التي عنده بمرج الصُّفر إلى ابنه الملك الكامل، وطلب ابنه المُعَظَّم وَقَالَ لَهُ: قد بنيت هَذَا الطور وَهُوَ يكون سبب خراب الشَّام، وأرى المصلحة أن تخرّبه ليتوفر مَنْ فيه عَلَى حِفْظ دِمْياط. فتوقّف المُعظم، ثُمَّ أرضاه بمالٍ ووعدهُ ببلاد، فأجاب وأخلاه وخربه، وكان قد غرم عَلَى بنائه أموالًا لَا تحصى.
قَالَ ابن واصل: لَمَّا طالت إقامة جيوش الفرنج بمرج عكا، أشار عُقلاؤهم بقصْد الديار المصرية وقالوا: صلاح الدين إنما استولى عَلَى البلاد بتملُّكه مصر. فصمموا، وركبوا البحر إلى دمياط، فنزلوا عَلَى بَرِّ جِيزَتِها، وزحفوا عَلَى برج السلسلة، وَكَانَ مشحونًا بالرجال، وَكَانَ الكامل قد أقبل ونزل ببر دمياط، ودامَ الحصار والنزال أربعة أشهر، وجاءت الكامل النجداتُ -[276]- من الشَّام، ومات الملك العادل في وسط الشِّدَّة، واستراح.
وفي ربيع الآخر كسر الملك الأشرف ابن العادل ملكَ الروم كيكاوس. ثُمَّ جمع الْأشرف عساكره وعسكر حلب، ودخل بلد الفرنج ليشغلهم بأنفسهم عن قَصْد دِمياط، فنزل عَلَى صافيثا وحصن الْأكراد، فخرج ملك الروم ووصل إلى رَعْبان يريد أن يملك حَلَب، فنزل إِلَيْهِ الملك الْأفضل من سُمَيْساط، فأخذا رعْبان وتلّ باشر، فردّ الملكُ الأشرفُ إلى حلب، ونزل عَلَى الباب وبزاعة، وقدّم بين يديه العرب. وقدِم الرُّوم يعملون مَصَافًا مَعَ العرب فكسرهُم العربُ، وبعث الْأشرفُ نَجْدة من عسكره إلى دمياط.
وفي جُمَادَى الْأولى أخذت الفرنج من دمياط برج السِّلْسلة، فبعثَ الكاملُ يستصرخ بأبيه، فدقّ أَبُوه - لَمَّا بلغه الخبر - بيده، ومرض مرضة الموت.
قَالَ أَبُو شامة: وضربَ شيخُنا عَلَمُ الدين السَّخاوي بيدٍ عَلَى يد، ورأيته يُعَظِّم أمرَ البُرْج، وَقَالَ: هُوَ قُفْل الدِّيار المصرية. وقد رأيته وَهُوَ برج عالٍ في وسط النيل، ودمياط بحذائه من شَرْقيِّه، والجِيزةُ بحذائه عَلَى حافة النيل من غَرْبيِّه، وفي ناحيته سلسلتان، تمتدّ إحداهما عَلَى النيل إلى دمياط، والْأخرى عَلَى النيل إلى الجيزة، تمنعان عُبور المراكب من البحر المالح.
وفي جُمَادَى الآخرة التقى المُعَظَّم والفرنج عَلَى القَيْمون، فنصرهُ اللَّه، وقَتَل منهم خَلْقًا، وأسَرَ مائة فارس.
قَالَ: وفيها وصل رسولُ خُوَارِزْم شاه علاء الدين مُحَمَّد بن تكش إلى العادل، فبعث في جوابه الخطيبَ جمالَ الدين مُحَمَّد الدَّوْلَعيّ، والنَّجْم خليل قاضي العَسْكر، فوصلا إلى هَمَذان، فوجدا خُوارزم شاه قد اندفع من بين يدي الخطا والتَّتار، وقد خامَرَ عَلَيْهِ عَسْكره، فسارَ إلى بُخَارَى، فاجتمع المذكوران بولده جلال الدين، فأخبرهما بوفاة العادل الَّذِي أرسلهما. وَكَانَ الخطيب قد استناب ابنهُ يُونُس ولم تكن لَهُ أهليَّة، فوُلِّيَ الموفق عُمَر بن يوسف خطيب -[277]- بيت الآبار إلى أن يقدم الدولعي.
وفي رجب أدار الملك المُعَظَّم المُكوس والخُمور وما كَانَ أَبُوه أبْطَلَه، فَقِيلَ: إِنَّهُ ضَمَّنَ الخمر بدمشق والخنا بثلاثمائة ألف درهم. قَالَ أَبُو المُظَفَّر: فَقُلْتُ لَهُ: قد خلفت سيف الدين غازي ابن أخي نور الدِّين، فَإِنَّهُ كذا فعل لَمَّا مات نور الدين. فاعتذر بقلَّة المال ودفع الفرنج، ثُمَّ سار إلى بانياس، وراسل الصَّارمَ متولّي تِبنِين، بأن يُسَلِّم الحصونَ، فأجابه، وخَرّب بانياس وتبنين، وقد كانت قُفْلًا للبلاد وملجأً للعباد، وأعطى جميع التي كانت لسركس لأخيه العزيز عُثْمَان، وزَّوجه بابنة سركس، وأظهْرَ أَنَّهُ ما خَرَّب هذا إلا خوفاً من استيلاء الفرنج.
وبعث الكامل إِلَيْهِ يستنجد بِهِ، وعدَّى الفرنج دمياط، فأخلى لهم العساكر الخيامَ فطَمِعُوا، ثُمَّ عادَ عليهم الكامل فطحنهم وقتل خلقاً، فعادوا إلى دمياط.
وفيها تُوُفِّي صاحب الروّم كيكاوس، وَكَانَ ظالمًا، فاتكاً، جباراً فاسقاً.
وفيها تُوُفِّي الملك القاهر عز الدين مسعود بن رسلان بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب المَوْصِل، مسمومًا فيما قِيلَ، وترك ابنه محمودًا وَهُوَ صغير، فأخرجَ الْأميرُ بدرُ الدين لؤلؤ أخا القاهر زنكيًا من المَوْصِل، ثُمَّ استولى عليها، وتسمّى بالملك الرَّحيم، وَقِيلَ: إِنَّهُ أدخلَ محمودًا حَمّامًا حامِيًا حَتَّى اشتد كَرْبُهُ، فاستغاث: " اسقوني ماء، ثُمَّ اقتلوني "، فسقوه، ثم خنق.
وفيها عادَ السلطان خُوَارِزْم شاه مُحَمَّد إلى نَيْسَابُور، وأقامَ بها مُدَّة، وقد بلغه أَنَّ التّتار، خذلهم اللَّه تعالى، قاصدون مملكة ما وراء النهر، وجاءه من جنكس خان رسلٌ وهو محمود الخُوَارِزْمِي، وخَواجا عَليّ البُخاريّ، ومعهم من طُرَف هَدايا التُّرك من المِسْك وغيره، والرّسالة تشتمل عَلَى التَّهْنئة بسلامة خُوَارِزْم شاه، ويطلب منه المُسالمَة والهُدْنة، وَقَالَ: إِنَّ الخان الْأعظم يسلم عليك ويقول: ليس يخفى عليَّ عِظَمُ شأنك، وما بلغتَ من سُلطانك، ونفوذِ حُكمك عَلَى الْأقاليم، وَأَنَا أرى مُسالمتك من جملة الواجبات، وَأَنْتَ عندي -[278]- مثل أعزّ أولادي، وغير خافٍ عنك أنني ملكت الصِّين، وَأَنْتَ أخبرُ النَّاس ببلادي، وإنّها مثارات العساكر والخيول، ومعادن الذَّهَب والفِضَّة، وفيها كفاية عن طلب غيرها، فإن رَأَيْت أن نعقد بيننا الموَدَّة، وتأمر التّجّار بالسَّفر لتعمّ المصلحتين؟ فعلت. فأحضر السلطان خُوارزم شاه محمودًا الخوارزمي وقال: أنت منا وإلينا، ولا بد لك من مولاةٍ فينا. ووعده بالإحسان؛ إن صدقهُ، وأعطاه معضدة مجوهرة نفيسة، وشَرَطَ عَلَيْهِ أن يكون عَيْنًا لَهُ عَلَى جنكز خان، فأجابه، ثم قال له: اصدقني، أجنكز خان ملك طمغاج الصّين؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ: ما ترى في المصلحة؟ قَالَ الاتفاق. فأجاب إلى ملتمس جنكز خان. قال فسر جنكز خان بذلك، واستمرّ الحال عَلَى المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجارٌ، وَكَانَ خال السلطان خُوَارِزْم شاه ينوب عَلَى بلاد ما وراء النَّهْر، ومعه عشرون ألف فارس، فَشرِهت نفْسُه إلى أمْوال التُّجَّار وكاتبَ السلطان يَقُولُ: إِنَّ هؤلاء القوم قد جاؤوا بزيِّ التُّجَّار، وما قصْدهم إِلَّا إفساد الحال وأن يجسّوا البلاد، فإن أذنت لي فيهم. فأذِنَ لَهُ بالاحتياط عليهم. وقبض عليهم، واصطفى أموالهم. فوردت رسل جنكز خان إلى خُوَارِزْم شاه تَقُولُ: إِنَّك أعطيت أمانك للتجار، فغدرتَ، والغدْرُ قبيحٌ، وَهُوَ من سلطان الإِسْلَام أقبحٌ، فإن زعمت أَنَّ الَّذِي فعلهُ خالُك بغير أمْرك، فسلِّمه إلينا، وإلا فسوف تشاهد مني ما تعرفني بِهِ. فحصل عند خُوَارِزْم شاه من الرُّعب ما خامر عقلهُ، فتجلَّد، وأمر بقتل الرُّسُل، فقُتلوا، فيا لها حركة لمَا هدَرَت من دماء الإِسْلَام؛ أجْرت بكل نُقطة سَيْلًا من الدَّم، ثُمَّ إِنَّهُ اعتمد، من التدبير الرَّديء لَمَّا بلغه سير جنكز خان إليه أنه أمر بعمل سور سمرقند، ثُمَّ شحنها بالرّجال، فلم تُغن شيئًا، وولّت سعادته، وقُضي الْأمر.
قَالَ المؤيد عماد الدين في " تاريخه ": قَالَ النسوي كاتبُ الإنشاء الَّذِي لخُوارزم شاه: مملكة الصِّين دورها ستة أشهر، وَهِيَ ستة أجزاء، كلّ جزء عَلَيْهِ ملك، ويحكم عَلَى الكُلِّ الخان الْأكبر يُقَال لَهُ الطرخان، وَهَذَا كَانَ معاصر خُوَارِزْم شاه مُحَمَّد، وقد ورث المُلْك كابرًا عن كابر، بل كافرًا عن كافر. -[279]-
وإقامته بطوغاج في وسط الصين. وَكَانَ دوشي خان أحد الستة متزوجاً بعمة جنكز خان الَّذِي فعل الْأفاعيل وأباد الْأمم. وجنكز خان من أمراء بادية الصين، وهم أهل شَرٍّ وعُتُوٍّ، فمات دوشي المذكور، فعمدت زوجته إلى ابن أخيها جنكز خان وقد جاءها زائرًا فملّكته، وَكَانَ الملِكان اللذان هما مجاوران لهم هما: كشلي خان، وفلان خان، فرضيا بجنكز خان، وعاضداه، فَلَمَّا أُنهي الْأمر إلى القان ألطور أنكر ولم يرضَ، واستحقر جنكز خان، فغضب لَهُ المذكوران وخرجا معه وعملوا المصافَّ، فانهزم ألطور خان وذلَّ، ثمّ طلب الصُّلح، فصالحوه، وقَوُوا واتفقوا، فمات أحدهما، ثُمَّ مات كشلوخان، وتملّك ولده، فطمع جنكز خان في الولد، وتمكّن وكثُر جُنده وهم المُغُل، وحارب الولد، وهزمه واستولى عَلَى بلاده، ثُمَّ نَفّذ رسولًا إلى خُوارزم شاه كما ذكرنا.

مثل «ثلاث عشرة. انظر: ثلاث عشرة.

خمس وأربعون ـ خمس وتسعون ـ خمس وثلاثون ـ خمس وثمانون ـ خمس وخمسون ـ خمس وسبعون ـ خمس وستون ـ خمس وعشرون

مثل «ثلاث وأربعون»
. انظر: ثلاث وأربعون.

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت