نتائج البحث عن (دِينيَّة) 22 نتيجة

دَيْنِيَّة
من (د ي ن) نسبة إلى الدَّيْن.
دِينيَّة
من (د ي ن) مؤنث الديني نسبة إلى الدِين.

الإرشادات السنية، في تحقيق مسائل العقائد الدينية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الإرشادات السنية، في تحقيق مسائل العقائد الدينية
رسالة.
في الكلام.
أولها: (الحمد لله العليم... الخ).
مرت على: خمسة عشر إرشادا.

اليهودية المفاهيم والفرق - المفاهيم والعقائد الأساسية في اليهودية - الكتب المقدسة والدينية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الكُتب المقدَّسة والدينية
‏Sacred and Religious Books
تتَّسم اليهودية بتعدد كُتُبها الدينية المقدَّسة. ويعود هذا إلى عدة أسباب من أهمها فكرة العقيدة الشفوية الحلولية التي تضفي القداسة على كتابات الحاخامات الدينية واجتهاداتهم، بل تعادل بين الوحي الإلهي (التوراة) والاجتهاد البشري (التلمود) . وقد مرّت اليهودية، كنسق ديني، بمراحل تطور تاريخية طويلة؛ متعددة ومتناقضة. ولذا، فهي تأخذ شكل تركيب جيولوجي تراكمت داخله عدة طبقات تتعايش جنباً إلى جنب، أو الواحدة فوق الأخرى، ويتبدَّى هذا التراكم الجيولوجي في الصراع الحاد بين التوحيد والحلولية، والذي يتضح في كتب اليهود المقدَّسة وأهمها الكتاب المقدَّس أو التوراة، والتي تُقسَّم إلى أسفار موسى الخمسة (وهي أهم أجزائه وأكثرها قداسة) ، ثم كتب الأنبياء (وهي أكثر الأسفار توحيدية) ، وأخيراً كتب الحكم والأمثال والأناشيد. وبعد انتهاء تدوين العهد القديم واعتماده من قبَل الحكماء اليهود، ظهرت كتب الرؤى وغيرها من الأسفار التي استُبعد بعضها، وأصبحت تُسمَّى الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) أو غير القانونية، وسُمِّي بعضها الآخر الكتب المنسوبة (سيود إبيجرفا) . ومعظم هذه الكتب ذو أصل شعبي واتجاه حلولي واضح. وقد نسى اليهود هذه الكتب طوال العصور الوسطى في الغرب، ولم يكتشفوها إلا مع عصر النهضة. ومع القرن السادس، تم تدوين التلمود الذي أصبح كتاب اليهود الديني الأول، حتى أنه حل محل العهد القديم نفسه، وبذلك تكون النزعة الحلولية قد انتصرت وبدأت في الهيمنة التدريجية على النسق الديني اليهودي. ومع القرن الثالث عشر، ظهرت كتب القبَّالاه ابتداءً من الباهير فالزوهار ثم كتابات إسحق لوريا التي سادت الفكر الديني اليهودي تماماً حتى أن التلمود أُهمل من قبَل معظم أعضاء الجماعات وحاخاماتهم، وأصبح مقصوراً على أرستقراطية الحاخامات وحسب. ويشكل شيوع القبَّالاه الهيمنة الكاملة للطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي. ولليهود كتب....

صلوات تضم صلواتهم، وتُضاف إليها بركات وأدعية وأناشيد وقصائد، بعضها حلولي والبعض الآخر توحيدي.
وقد انعكس هذا التركيب الجيولوجي على الفكر الديني اليهودي الحديث الذي يضم اتجاهات فكرية مختلفة علمانية وإلحادية ووجودية وصوفية، كما انعكس على الصهيونية وعلى الفكر المعادي للصهيونية. ويجد كل فريق سنداً لرأيه في التراث الديني الذي يضم طبقات متراكمة مختلفة. ويمكن القول بأن الحلولية بدون إله قد وجدت هي الأخرى كتبها المقدَّسة، فقد أكد ماكس نوردو أن كتاب هرتزل دولة اليهود سيحل محل التوراة والكتب الدينية الأخرى. ورغم مغالاة هذا الزعيم الصهيوني، فإن من يدرس الفكر الديني اليهودي، بعد أن تمت صهينته، وبعد أن تم إضفاء مركزية دينية على الدولة الصهيونية، لا في الوجدان الشعبي فقط وإنما في العقيدة نفسها، لا يملك إلا أن يرى قدراً كبيراً من الصدق في هذا القول. وقد جاء حاييم كابلان ليؤكد أن وثائق التاريخ الأمريكي تُعتبَر أيضاً من كتب اليهود المقدَّسة، كما أن الولايات المتحدة تشكل أساس المطلقية.
ويذهب أحد مفكري لاهوت موت الإله (إرفنج جرينبرج) إلى أن العهد القديم هو كتاب اليهود المقدَّس في مرحلة الهيكل، وأن التلمود كتاب مرحلة الشتات اليهودي، أما في المرحلة الثالثة (مرحلة ما بعد أوشفيتس وتشييد الدولة الصهيونية) فإن كتابهم المقدَّس هو النصوص التي تُذكِّر الشعب اليهودي بالإبادة وبضرورة البقاء، ومن هنا يعتبر جرينبرج كتابات إيلي فيزيل، على سبيل المثال، كتابات مقدَّسة، وكذلك إعلان استقلال إسرائيل. وحالة السيولة هذه أمر متسق تماماً مع الحلولية بدون إله.
العهد القديم
‏Old Testament

«العهد القديم» مصطلح يستخدمه المسيحيون للإشارة إلى كتاب اليهود المقدَّس، بينما يُستخدَم مصطلح «العهد الجديد» للإشارة إلى الأسفار التي تتضمنها الأناجيل الأربعة وإلى أعمال الرسل ورسائلهم (سبعة وعشرين سفراً) . أما اليهود أنفسهم، فيستخدمون عبارة «سيفري هاقودش» أو «كتبي هاقودش» ، أي «الكتب المقدَّسة» ، ويستخدمون أحياناً تعبير «كتوفيم» ، أي «الكتب» . كما يُستخدَم لفظ «توراة» في بعض الأحيان. ومن الألفاظ الأخرى المستخدمة، لفظ «المقرا» و «تناخ» . ويشتمل العهد القديم على الأقسام التالية:
أولاً: أسفار موسى الخمسة (بالعبرية: حوميش موشيه) ، وتُعرَف أيضاً باسم «التوراة» أو «شريعة موسى» . وهي تحتوي على الشرائع والقوانين والشعائر والوصايا العشر التي أوصى الإله بها موسى، كما تضم أخباراً تاريخية عن جماعة يسرائيل:
1 ـ سفر التكوين. ويهتم بوصف الخليقة، وأصل العبرانيين (جماعة يسرائيل) حتى الخروج من مصر.
2 ـ سفر الخروج. ويروي تاريخ العبرانيين في مصر وخروجهم منها.
3 ـ سفر اللاويين. ويعالج واجبات الكهنة والطقوس الأخرى.
4 ـ سفر العدد. وفيه تعداد رؤساء الشعب وحاملي السلاح، وفيه أيضاً أخبار تذمُّر الشعب، والتجسس على أرض كنعان.
5 ـ سفر التثنية. أي تثنية الاشتراع أو إعادة الشريعة وتكرارها على جماعة يسرائيل.
ثانياً: أسفار الأنبياء (بالعبرية: نفيئيم) .
هذا القسم يتضمن ما وقع للعبرانيين من أحداث بعد موت موسى حتى هدم الهيكل المقدَّس. وهو يغطي فترة زمنية تمتد بين سنة 1300 وسنة 200 ق. م تقريباً، وينقسم إلى قسمين:

1 ـ الأنبياء الأولون أو المتقدمون (نفيئيم ريشونيم) ، وعدد أسفاره ستة: سفر يشوع (يوشع بن نون) الذي يروي قصة احتلال جماعة يسرائيل أرض كنعان وتقسيم الأرض بين الأسباط أو القبائل العبرانية، وسفر القضاة الذي يذكر أسماء القضاة وتاريخ جماعة يسرائيل في عهدهم وانتصارهم على الفلستيين، وسفرا صموئيل: وهما (الأول والثاني) اللذان يعالجان تأسيس المملكة العبرانية المتحدة وقصة داود، وسفرا الملوك (الأول والثاني) وهما يغطيان فترة حكم داود وسليمان وسقوط المملكة الشمالية ثم المملكة الجنوبية.
2 ـ والأنبياء الآخرون أو المتأخرون (بالعبرية: نفيئيم أحرونيم) : وهذا القسم يضم مجموعة من النبوءات والمواعظ والقصص، وعددها خمسة عشر سفراً، منها ثلاثة لأنبياء كبار (أشعياء، وإرميا، وحزقيال) ، واثنا عشر لأنبياء صغار (هوشع، ويوئيل، وعاموس، وعوفديا، ويونس [وهو نبي مرسل إلى نينوي وليس إلى جماعة يسرائيل] ، وميخا، وناحوم، وحبقوق، وصفنيا، وحجاي، وزكريا، وملاخي) .
وتتبع أسفار موسى الخمسة وأسفار الأنبياء نسقاً تاريخياً متصلاً يحكي تاريخ العبرانيين منذ ظهورهم في التاريخ حتى عودتهم من التهجير إلى بابل. وتشكل الأسفار كلها ما يشبه الملحمة، تدور أحداثها حول عبقرية هذا الشعب المختار والمصاعب التي واجهها، وطريقة انتصاره عليها وتحقيقه إرادته.
ثالثاً: كتب الحكمة والأناشيد (بالعبرية: كيتوفيم) ، أي «الكتابات» . وهي مجموعة من الأسفار التي تضم مواد تاريخية وقصصية وغنائية وعددها أحد عشر، إذا اعتبرنا سفري عزرا ونحميا سفراً واحداً. وترتيب هذه الأسفار حسب ورودها في العهد القديم كما يلي:
1 ـ مزامير داود. ويُنسَب معظمها إلى داود، وهي أناشيد شكر للإله وتراتيل روحية.
2 ـ سفر الأمثال.
3 ـ سفر أيوب. ويحدثنا عن حياة أيوب الصالح (ويُعتقَد أن هذا السفر من أصل عربي، فأيوب من بني عيسو) .

4 ـ نشيد الأنشاد. وهو من الأغاني الشعبية للأفراح والزفاف، ويُقال إنه نشيد غزل بين الإله وجماعة يسرائيل، ويُنسب إلى سليمان.
5 ـ راعوث. وهي قصة بطلة ترجع إلى عصر القضاة.
6 ـ مراثي إرميا. وهي قصائد بكاء على أورشليم (القدس) بعد تخريبها.
7 ـ سفر الجامعة. وهو خواطر فلسفية ذات طابع عدمي.
8 ـ سفر إستير. ويتحدث عن خلاص جماعة يسرائيل على يد إستير. ويحتفل اليهود بهذه المناسبة في عيد النصيب.
9 ـ سفر دانيال. ويحدثنا عن سيرة هذا النبي.
10 ـ سفر عزرا. ويتحدث عن عودة العبرانيين (أعضاء جماعة يسرائيل) إلى أورشليم (القدس) ، وإعادة بناء الهيكل الثاني.
11 ـ سفر نحميا. وهو يعنى أيضاً بعودة اليهود من السبي البابلي.
12و13 ـ سفرا أخبار الأيام (الأول والثاني) . وهما تلخيص للوقائع التاريخية الواردة في العهد القديم منذ بدء الخليقة حتى السبي البابلي.
وقد أضاف المسيحيون، إلى كل ذلك، الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) ، ثم أضافوا العهد الجديد، وقد اتخذ كل هذا اسم «الكتاب المقدَّس» .
ويختلف ترتيب العهد القديم عند الكاثوليك عنه عند البروتستانت، وهذا يعود إلى أن الكاثوليك يقرون الأسفار التي وردت في الترجمة السبعينية زائدةً عن الأصل العبري، بل يفضلونه، ذلك لأنه ييسر عملية ربط العهد الجديد بالعهد القديم. هذا، بينما لا يعتبر معظم البروتستانت تلك الزيادات مقدَّسة، فهي في نظرهم لا تنتمي إلى العهد القديم.

وتتضارب الآراء المتصلة بتاريخ تدوين الأسفار، ولا تزال المسألة خلافية. وأولى المشاكل هي الإشارات العابرة في العهد القديم إلى نصوص لم تُدوَّن، مثل: كتاب حروب الرب، وسفر ياشر، وسفر أخبار شمعيا، وسفر أمور سليمان، وسفر كلام ناتان النبي، وسفر أخبار الأيام لملوك يهودا، وسفر ملوك جماعة يسرائيل، وغيرها. وتدل أسماء الأسفار السابقة على أن ملوك العبرانيين كانوا يدونون أخبارهم على عادة ملوك الشرق الأدنى القديم، وأن كتب الأخبار وكتب الملوك الحالية هي كل ما تبقى.
والمشكلة الثانية هي أن نصوص العهد القديم تم تَناقُلها شفاهةً. ولذا، فإن معظم المؤرخين يرجحون تعرُّضها إلى ما تتعرض له عادةً كل الأقوال المنقولة مشافهة، وبالتالي دخلتها التناقضات وتداخلت النصوص والمصادر. ومن هنا، فقد قام علم نقد العهد القديم بتطوير نظرية المصادر وتفسير التناقضات وعدم التجانس الأسلوبي.
والواقع أن تدوين العهد القديم بدأ في فترة زمنية تَبعُد عن موسى مئات السنين، وكذلك عن كثير من الأحداث التي تم التأريخ لها. كما أن عملية التدوين لم تتم دفعة واحدة، وإنما تمت خلال مدة زمنية طويلة. وتم اختيار بعض النصوص المقدَّسة من بين نصوص مقدَّسة أخرى. ويرى كثير من الباحثين أن أول جزء من العهد القديم تم تدوينه هو أسفار موسى الخمسة، ويُقال إن هذه العملية تمت في بابل أثناء فترة التهجير (587 ق. م) أو ربما قبل ذلك بوقت قصير، ذلك أنه لم يأت ذكر لقراءة التوراة في الاحتفالات الخاصة بافتتاح الهيكل، وأول إشارة إلى قراءة التوراة هي قراءة عزرا عام 444 ق. م.

أما كُتُب الأنبياء، فمن الأرجح أنها دُوِّنت أثناء المرحلة الفارسية فيما قبل عام 333 ق. م. ومما يدعم هذا الرأي أن سفري الأخبار لم يحلا محل سفري صموئيل والملوك ولم يلحقا بهما، الأمر الذي يدل على أن كتب الأنبياء كان قد تم تدوينها والاعتراف بها ككتب قانونية. ولا توجد في أسفار الأنبياء أية كلمة إغريقية، ولا أية إشارة إلى سقوط الإمبراطورية الفارسية أو ظهور الإمبراطورية اليونانية. ولكن لابد أن ثمة فترة زمنية قد مرَّت بين تدوين أسفار موسى الخمسة وتدوين أسفار الأنبياء، ذلك لأن هذه الأخيرة لم تكن تُقرأ في الاجتماعات العامة التي وُصفت في سفر نحميا (8 و10) . كما أن السامريين الذين انفصلوا عن اليهود، وبنوا هيكلهم في جريزيم عام 428 ق. م، اعترفوا بالتوراة ولم يعترفوا بكتب الأنبياء. وقد جُمعت أسفار الأنبياء ونُظِّمت خلال الفترة الممتدة من القرن السادس حتى القرن الثالث قبل الميلاد، ويبدو أنها أُلِّفت في فترة كانت فيها أسفار موسى مجهولة منسية، إذ يَندُر أن تجد فيها ذكراً لاسمه. ويبدو أن بعض الأنبياء أيضاً (عاموس مثلاً) لم يكن لهم به علم.

أما القسم الثالث، وهو كتب الحكمة والأناشيد، فقد أُلِّف بعضه أثناء عصر الأنبياء، ولكنها لم تُضَم إلى كتب الأنبياء باعتبار أنها لم تكن ثمرة الوحي الإلهي. أما الكتب ذات الطابع النبوي، مثل كتب دانيال وعزرا والأخبار، فلابد أنها كُتبت في مرحلة متأخرة بحيث لم يمكن ضمها إلى كتب الأنبياء. ولقد ضُمَّت أسفار الحكمة والأناشيد، لكنها لم تُعتبَر جزءاً من العهد القديم إلا في القرن الثاني قبل الميلاد، فقبل ذلك التاريخ كان الحديث يتواتر عن التوراة باعتبارها أسفار موسى الخمسة والأنبياء دون إشارة إلى كتب الحكمة والأناشيد. ومن الأدلة الأخرى على أن هذه الأسفار كانت متأخرة، وجود كلمات يونانية في نشيد الأنشاد ودانيال، وكذلك الإشارة في سفر دانيال إلى سقوط الإمبراطورية الفارسية. ولا يشير بن سيرا إلى سفر دانيال أو إستير. وقد استمر الجدل حول أسفار مثل: الأمثال، ونشيد الأنشاد، وإستير، وسفر الجامعة، هل تُضَم مع الأسفار القانونية أم لا؟
ويُطلَق مصطلح «كانون Canon» أي «الأسفار القانونية» ، على تلك الأسفار أو النصوص التي تم اعتمادها. أما الكتب غير القانونية، فتُسمَّى الكتب الخارجية أو الخفية أو الكتب المنسوبة (سيودإبيجرفا) . والقواعد التي استخدمها محررو العهد القديم لضم أو استبعاد هذا أو ذاك النص غير معروفة، ولكن يبدو أن هذه القواعد هي بشكل عام:
1 ـ أن يكون النص مكتوباً بالعبرية. ويبدو أن بداية ونهاية سفر دانيال تُرجمتا من الآرامية إلى العبرية بسرعة حتى يمكن ضمهما إلى النص القانوني المُعتمَد.
2 ـ أن يكون النص قد كُتب في مرحلة ما قبل النبي مالاخي، أي في القرن الخامس قبل الميلاد، وهي الفترة التي يرى الحاخامات أن النبوة توقفت عندها في جماعة يسرائيل.
3 ـ أن يتفق مضمون النص مع المعايير الدينية التي تبناها الحاخامات.

ويبدو أن مشادات فقهية بين الفقهاء، كانت تحدث من وقت لآخر، في شأن بعض الأسفار نظراً لما تحتويه من أفكار غنوصية مثل سفر حزقيال واتفقوا في نهاية الأمر على تركه داخل إطار الكتب القانونية مع عدم تدريسه للصغار.
ولغة الكتاب المقدَّس (اليهودي) هي العبرية، وإن كانت التراكيب والأساليب وبعض المفردات تختلف باختلاف هذه الأسفار وتنم عن الفترة التي وُضع فيها كل سفر. ومع هذا، فإن هناك أجزاء وُضعت باللغة الآرامية. والعبرية، مثلها مثل العربية، تتميَّز بالعلامات الصوتية المميِّزة للحرف، أي علامات التشكيل. ولما كان النص العبري الأصلي مكتوباً دون علامات التشكيل، فقد كان لابد أن يتم الاتفاق على قراءة معيارية. وبالفعل، ظهر النص المعتمد كتابةً وقراءة، وهو الذي يُطلَق عليه مصطلح النص «الماسوري» أو «ماسوراتي» . ويُطلَق على المحققين الذين وضعوا علامات الضبط بالحركات «الماسوريون» .
وقد قُسِّم العهد القديم إلى أسفار وإصحاحات وفقرات ومقاطع في القرن الثالث عشر، فنص التوراة الذي كُتب على لفائف التوراة لا يزال حتى الآن بدون علامات تشكيل ولا علامات فصل بين الأسفار والإصحاحات والفقرات المختلفة. وقد تُرجم الكتاب المقدَّس إلى مختلف لغات العالم تقريباً. ومن أهم الترجمات: الترجمة اليونانية، وهي ما يُعرَف باسم «الترجمة السبعينية» ، والترجمة الآرامية وأهمها «الترجوم» ، والترجمة اللاتينية وتُعرَف باسم «الفولجاتا أو الشعبية» . كما تُرجم الكتاب المقدَّس إلى السريانية باسم «البشيطاه» ، وكذلك تُرجم إلى العربية. وأقدم ترجمة هي ترجمة سعيد بن يوسف الفيومي، فيما نعلم، إلا أن ثمة محاولات سابقة عُثر عليها في الجنيزاه القاهرية باللهجة المصرية العامة.

ويرى اليهود الأرثوذكس أن كلمات العهد القديم، وأسفار موسى الخمسة بصفة خاصة، هي كلام الإله الذي أوحى به إلى موسى حرفاً حرفاً، وأملاه عليه حينما صعد إلى جبل سيناء، وهو كلام أزلي لا يتغيَّر. والكتب التاريخية وأسفار الأنبياء والأناشيد والحكم، هي الأخرى نتاج الروح المقدَّسة، وإن كانت بدرجة أقل، تلك الروح التي تغمر روح الإنسان فيتحدث باسم الإله. وتُعتبَر كل كلمة، وكل جملة وردت في العهد القديم، ذات معنى داخلي ومغزى عميق. لكل هذا، نجد أن العهد القديم، بالنسبة إلى اليهود الأرثوذكس، هو السلطة العليا التي لا يمكن التشكيك فيها، وهو المرجع الأخير في الحياة الدينية. ولكن أسفار موسى الخمسة، مع هذا، تظل أهم الأجزاء التي تشكل جوهر اليهودية وشريعتها.
أما بالنسبة إلى اليهود الإصلاحيين والمحافظين والتجديديين، فإن العهد القديم يُعَدُّ مجرد إلهام من الإله وليس وحياً منه. وقد وصل هذا الإلهام إلى واضعي الكتاب المقدَّس بدرجات مختلفة. ولذا، فإن بعض أجزاء العهد القديم ذو قيمة روحية وأخلاقية أعلى من غيره. كما لم يكن الوحي الإلهي، أي الإلهام، خالصاً. فقد اصطبغ هذا الوحي بصبغة إنسانية، فلزم أن يقوم اليهودي بإعادة تفسيره ليستخلص الوحي الإلهي (المطلق) من النص الذي يضم عناصر إنسانية تاريخية (نسبية) . ويُعتبَر العهد القديم العبري من مصادر التشريع اليهودي الأساسية، وقد ظل قروناً طويلة يشكل المنهج الدراسي الوحيد في المدارس الدينية اليهودية، وإلى جانبه التلمود الذي هو تفريع منه. وفي إسرائيل، فإن منهج الدراسة يتضمن خمس ساعات أسبوعياً لدراسة العهد القديم.

كما أن الصهاينة اللادينيين يعتبرون العهد القديم وكتب اليهود المقدَّسة كتباً عظيمة تشكل جزءاً مهماً من تراث اليهود وفلكلورهم القومي وهو تعبير عن انتشار الحلولية بدون إله بين الصهاينة. وقد نشر أحد التربويين الإسرائيليين في أحد الكيبوتسات كتاباً يروي قصص العهد القديم باعتبارها أدباً من صنع البشر، ومن ثم فإنه قد استبعد أي إشارة إلى الإله.
التوراة
‏Torah
«توراة» كلمة من أصل عبري مشتقة من فعل «يوريه» بمعنى «يُعلِّم» أو «يوجِّه» ، وربما كانت مشتقة من فعل «باراه» بمعنى «يُجري قرعة» . ولم تكن كلمة «توراة» ذات معنى محدد في الأصل، إذ كانت تُستخدَم بمعنى «وصايا» أو «شريعة» أو «علم» أو «أوامر» أو «تعاليم» ، وبالتالي كان اليهود يستخدمونها للإشارة إلى اليهودية ككل، ثم أصبحت تشير إلى البنتاتوخ أو أسفار موسى الخمسة (مقابل أسفار الأنبياء وكتب الحكمة والأناشيد) . ثم صارت الكلمة تعني العهد القديم كله، مقابل تفسيرات الحاخامات. ويُشار إلى التوراة أيضاً بأنها القانون أو الشريعة، ويبدو أن هذا قد تم بتأثير الترجمة السبعينية التي ترجمت كلمة «توراة» بالكلمة اليونانية «نوموس» أي «القانون» . وقد شاع هذا الاستخدام في الأدبيات الدينية اليهودية حتى أصبحت كلمة «توراة» مرادفة تقريباً لكلمة «شريعة» .

ويُلاحَظ أنه، داخل الإطار الحلولي، تتداخل حدود الأشياء والدوال وتذوب المدلولات بعضها في البعض وتنفصل الدوال عن المدلولات، وهذا ما يحدث في لفظ «توراة» مع هيمنة الحلولية بشكل تدريجي. وقد وَسَّع الحاخامات معنى الكلمة استناداً إلى العقيدة أو الشريعة الشفوية الحلولية التي تساوي بين الوحي الإلهي والتفسير الحاخامي والقائلة بأن هناك توراتين أو شريعتين: واحدة مكتوبة تلقاها موسى عند جبل سيناء، والأخرى شفوية يتناقلها الحاخامات عن موسى، ولها نفس قداسة التوراة المكتوبة. وبهذا أصبحت كلمة «توراة» تعني «هالاخاه» ، وكل الأوامر والنواهي التي ورد ذكرها في كل من التوراة والتلمود والشولحان عاروخ وفتاوى الحاخامات وتفسيراتهم، بل أحياناً ما ورد ذكره في الكتب القبَّالية. وقد جاء في التلمود أن الإله يقول: "ياليت الناس يهجرونني ولا يهجرون التوراة" (حجيجاه 1/7) ، وهي عبارة تعبِّر عن درجة عالية من الحلولية باعتبار أن التوراة هنا مطلق منفصل عن الإله، وربما يفوقه في الأهمية. والمقصود هنا هو التوراة الشفوية، أي آراء الحاخامات وتفسيراتهم.
ومن ناحية أخرى، فإن المجال الدلالي للكلمة واسع للغاية، وقد أشار القبَّاليون إلى التوراة الظاهرية والتوراة الباطنية أو توراة الخلق (بالآرامية: توراه دى بريئاه) وتوراة الفيض (بالآرامية: توراه دي أتسليوت) . وتوراة الفيض هي التوراة التي يمكن أن يتوصل لها المفسرون العالمون بالقبَّالاه، وهي مختلفة تماماً عن التوراة المتداولة بين اليهود ولها تعاليم وشرائع تقف الواحدة أحياناً على الطرف النقيض من الأخرى. وتُستخدَم كلمة «توراة» أيضاً للإشارة إلى سلوك أتقياء اليهود وأقوالهم باعتبارها «توراة» . وقد جاء في التلمود أن حديث من يعيش في أرض الميعاد «توراة» ، كما أن الحسيديين كانوا يقولون إن حديث بعل شيم طوف توراة، بل كذلك حديث وأفعال كل تساديك حسيدي يلتصق بالإله!

وتحتل التوراة، بمعنييها الضيق والواسع، مكاناً مركزياً في الوجدان الديني لليهود، فهي أقدم من هذا العالم، بها ولها خلق الإله الدنيا، وهي عروس الرب التي تجلس إلى جواره على العرش، والتي ستُزَف إلى الماشيَّح حينما يأتي إلى هذا العالم. ويُحتفَظ في المعبد اليهودي بـ «تاج التوراة» ، وبمؤشر من الذهب أو الفضة على شكل يد لاستخدامه في قراءة التوراة. ومن أقدس الأماكن في المعبد اليهودي، الدولاب المسمَّى «تابوت العهد» الذي يُحتفَظ فيه بلفائف الشريعة.
وتُستخدَم كلمة «توراة» كذلك للإشارة إلى كل التراث الديني اليهودي بقضه وقضيضه، وكل ما أوصى الإله به لجماعة يسرائيل، أو للعالم كله من خلال جماعة يسرائيل. وفي المصادر الكلاسيكية اليهودية لم يكن يشار إلى «اليهودية» وإنما إلى «التوراة» ، بل لم يظهر مصطلح «يهودية» إلا في العصر الهيليني. ولكن، ورغم ترادف المصطلحين، فإن ثمة اختلافاً دقيقاً بينهما، فبينما تُستخدَم كلمة «توراة» للإشارة إلى الجوانب الإلهية الثابتة في العقيدة اليهودية، تستخدم كلمة «يهودية» للإشارة إلى الجوانب المتغيرة التاريخية، ومن هنا يمكن الحديث عن «اليهودية الحاخامية» ، أو «اليهودية الإصلاحية» ، ولكن لا يمكن الحديث عن «التوراة الحاخامية» ، أو «التوراة الإصلاحية» .
ويرى بعض علماء اليهود أن كلمة «توراة» هي، بالمعنى العام، المقابل لكلمة «لاهوت» في المسيحية، فلاهوت اليهودية هو التأمل في التاريخ اليهودي والتقاليد اليهودية، تماماً مثل اللاهوت المسيحي، ولكنه لاهوت معلمين وحاخامات وليس لاهوت كنيسة، جانبه الخارجي هو الهالاخاه، أي الشريعة، وجانبه الداخلي هو الأجاداه، أي القصص الوعظية، وكلاهما «توراة» .

وتُستخدَم الكلمة أيضاً للإشارة إلى مخطوط أسفار موسى الخمسة المكتوب بخط اليد (لفائف الشريعة) ، والذي يُحفَظ في تابوت العهد في المعبد اليهودي. وكان الأطفال اليهود يتعلمون في الجيتو أن التوراة هي الشيء الوحيد الباقي، أما العالم فزائل، ولذا يجب على اليهودي أن ينفق كل وقته في دراستها، وأن هذا واجب ديني نص عليه العهد القديم. وفي واقع الأمر، لا يوجد مثل هذا النص لا في أسفار موسى الخمسة ولا في كتب الأنبياء، ويبدو أن فكرة دراسة التوراة ذات أصل يوناني. وقد قال أحد الفقهاء اليهود إن اليهود يعملون بالتجارة والربا، لأنهم بهذه الطريقة يحققون أرباحاً كبيرة سريعة دون أن يعملوا، وبذلك يتفرغون لدراسة التوراة.
على أن هذه الدراسة لا تهدف إلى الخروج من الذات وتحدِّيها، بقدر ما هي ضرب من عبادة الذات وتوثينها، إذ أننا نكتشف أن التوراة (مكتوبة وشفوية) ليست نتاج عبقرية الشعب فحسب، بل هي أيضاً «جماعة يسرائيل» ، وهما معاً يكوِّنان شيئاً واحداً. ومن الواضح أن هناك جوانب قومية للاهتمام اليهودي بالتوراة، كما هو الحال مع الأنماط الحلولية. فالحكمة ملك لكل الشعوب، أما التوراة فهي الكتاب المقدَّس لليهود وحدهم وهي مصدر الحياة بالنسبة إليهم والشاهد على عبقريتهم الدينية وعلى اتخاذهم كشعب مختار دون سائر أهل الأرض. وتحتوي الصلوات اليهودية على شكر للإله لإرساله التوراة إلى الشعب. وحينما يُنادَى على أحد المصلين ليقرأ أسفار موسى الخمسة، فإنه يقول: «مبارك الرب الذي خلقنا من أجل جلاله وفضَّلنا عمن ضلوا سواء السبيل، وأرسل لنا التوراة، وبذا غرس الحياة الأبدية وسطنا فليفتح الرب قلوبنا على التوراة» . وهكذا تكون التوراة تجسيداً لروح الإله، ولكنها في الوقت نفسه هي الشعب الذي هو بدوره تجسيد لروح الإله، أي أنها دائرة حلولية مقدَّسة مغلقة يعبِّر فيها كلٌّ من التوراة والشعب عن روح الإله بالدرجة نفسها.

والفقيه اليهودي الذي يربط في فتواه بين دراسة التوراة والتجارة والربا وضع يده (دون أن يدري) على العلاقة بين دراسة التوراة ودور الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية. فالجماعات الوظيفية تعيش في بلد ما دون أن تكون منه، ولذا فهي تحتاج إلى وطن أصلي. وفي حالة الجماعات اليهودية الوظيفية، كانت صهيون هي هذا الوطن الأصلي الذي تشتتوا منه والتوراة (والتلمود) هو الوطن المتنقل الذي يستطيعون التمركز حوله وتطوير هويتهم وضرب أسوار العزلة حول أنفسهم من خلاله، وهي عزلة أساسية كي يضطلعوا بدورهم. كما أن ارتباطهم بهذا الوطن يقلل حركيتهم، فهو وطن متنقل معهم.
والجدير بالذكر أن التوراة تشكل الأرضية المشتركة بين اليهود المؤمنين واليهود الملحدين، فهما يشتركان في تقديسها. فأما المؤمنون منهم، فإنهم يرونها مقدَّسة لأنها مرسلة من الإله. وأما الملحدون (الذين يدورون في إطار الحلولية بدون إله) ، فإنهم يقدسونها لأنها جزء من فلكلور الشعب اليهودي وتعبير عن عبقريته. والخلاف في نهاية الأمر ظاهري لأن البنية الحلولية لليهودية توحد بين الشعب والإله. وفي التراث الصهيوني، يؤكد المفكرون الصهاينة أهمية ثالوث الشعب والأرض والإله أو التوراة إذ تؤمن الصهيونية الثقافية (اللادينية) بثالوث الشعب والأرض والتوراة، في حين تؤمن الصهيونية الدينية بثالوث الشعب والأرض والإله (الذي يعادل التوراة) . وفي الوقت الحاضر، تُستخدَم كلمة «توراة» في العبرية الحديثة مرادفة لكلمة «عقيدة» أو «نظرية» ، ومن هنا يمكن الحديث عن «التوراة العلمانية» أو «التوراة الماركسية» .
الكتاب
‏The Book
«الكتاب» اصطلاح يُستخدَم للإشارة إلى العهد القديم أو إلى التوراة (بالمعنى المحدد للكلمة) ، ويتحدث بعض المفكرين اليهود والصهاينة عن اليهود باعتبارهم «شعب الكتاب» .
سفر
‏Book

«سفر» وهي «سيفر» بالعبرية وتعني «كتاباً» . ويُشار إلى كتب العهد القديم بكلمة «أسفار» . ويُقسَّم السفر إلى إصحاحات ويُقسَّم كل إصحاح إلى فقرات، وتُقسَّم كل فقرة إلى مقاطع.
إصحاح
‏Chapter
تُسمَّى أقسام الكتاب المقدَّس «أسفاراً» ، ويُقسَّم كل سفر إلى إصحاحات، ويُقسَّم كل إصحاح إلى فقرات والفقرات تُقسَّم إلى مقاطع.
أسفار موسى الخمسة
‏Pentateuch
«أسفار موسى الخمسة» تشكل القسم الأول من العهد القديم، ويشمل خمسة أسفار، هي: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر التثنية. ويعتقد اليهود المتدينون أن الإله أنزلها على موسى في سيناء وأملاها عليه حرفاً حرفاً، وهي تبدأ بسرد أحداث العالم منذ بدء الخليقة حتى وفاة موسى. والكلمة مرادفة لكلمة «توراه» ، وإن كانت أكثر دقة كما أن دلالاتها أكثر تحدداً قياساً إلى كلمة «توراه» فضفاضة المعنى متعددة الأبعاد والدلالات.
تناخ
‏Tanach
«تَناخ» اسم عبري للعهد القديم، وهو مختصر من الحروف الأولى لثلاث كلمات عبرية هي: التوراة (أسفار موسى الخمسة) ، ونفيئيم (أسفار الأنبياء) ، وكتوفيم (المزامير وسفر الأمثال ونشيد الأنشاد وبقية أسفار الحكمة وغيرها) .
ويُفضِّل اليهود استخدام مصطلح «تَناخ» على عبارة «العهد القديم» لأن هذه العبارة الأخيرة تفيد أن العهد الجديد قد أكمل كتاب اليهود المقدَّس وحل محله. أما مصطلح «تَناخ» فهو تعبير وصفي وحسب، وهو يخلو من أي اعتراف ضمني بقدم الكتاب المقدَّس، وبأن «العهد الجديد» قد أكمله وحل محله.
الكتاب المقد س
‏Bible; Holy Book; Holy Scriptures

«الكتاب المقدَّس» هو المقابل العربي للعبارة العبرية «كتيفي هاقودش» . وتُستخدَم عبارة «الكتاب المقدَّس» عند المسيحيين للإشارة إلى العهدين القديم والجديد. أما في الدراسات اليهودية والصهيونية، فهي تشير إلى العهد القديم وحسب. ولذا، فقد يكون من المفيد ألا نستخدم هذا المصطلح ( «الكتاب المقدَّس» ) إلا إذا اضطرنا السياق إلى ذلك، نظراً لغموضه، ونستخدم بدلاً منه مصطلحات مثل: «العهد القديم» أو «تَناخ» أو «أسفار اليهود» .
ومن أسماء الكتاب المقدَّس عند اليهود «المقرا» وتعني «القراءة» أو «المطالعة» .
الإنجيل
‏Bible
«إنجيل» كلمة ذات أصل يوناني من كلمة «أونجليون» ومعناها «خبر طيب» . والإنجيل هو الكتاب المقدَّس عند المسيحيين الذين يشيرون إلىه أحياناً بكلمة «العهد الجديد» ، ويتكون من أربعة أقسام، هي: إنجيل متَّى، وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا. وقد أطلق اليهود (بين القرنين الثالث والخامس) على الإنجيل «جليون هامينيم» أي «لفيفة المهرطقين» .
الماسوراه
‏Masorah
«ماسوراه» كلمة عبرية من فعل «مَسَار» بمعنى «تلقَّى» و «تناول» ، ولكنها تشير إلى مجموعة القواعد التي وضعها الحاخامات عبر القرون والتي تتصل بطريقة هجاء وكتابة وقراءة العهد القديم. ويُشار إلى نص العهد القديم الذي ارتضاه العلماء ورفضوا ماعداه بأنه «النص الماسوري» أو «الماسوراتي» . والكلمة لا تشير إلى نسخة العهد القديم التي جمعها عزرا، بل يضاف إلى ذلك ضبطها بالحركات، وتقسيمها إلى أسفار وإصحاحات وفقرات ومقاطع، وتعيين مواضع الفصل والوصل والوقوف عند التلاوة، وتحديد نطق بعض الألفاظ التي كُتبت بطريقة لا تؤدي إلى النطق الشرعي الصحيح. وقد استغرق إقرار هذا النص الشرعي، في صورته النهائية، عدة أجيال، واستمر حتى عهد الفقهاء (جاءونيم) .
الترجوم
‏Targum

«ترجوم» كلمة آرامية من الأصل الفارسي «تورجمان» وهي تعني «ترجمة» . ويُطلَق هذا المصطلح على الترجمات الآرامية للكتاب المقدَّس. وقد وُضعت هذه الترجمات في الفترة الواقعة بين أوائل القرن الثاني وأواخر القرن الخامس قبل الميلاد. وقد أصبحت مثل هذه الترجمة أمراً مهماً وحيوياً بالنسبة إلى اليهود، نظراً لأن الآرامية حلَّت محل العبرية بعد التهجير البابلي. فمنذ أيام عزرا، كانت تُضاف ترجمة آرامية بعد قراءة أجزاء من العهد القديم، وقد صار هذا تقليداً ثابتاً. ومن أشهر الترجمات الآرامية للكتاب المقدَّس: ترجوم أونكيلوس لأسفار موسى الخمسة وحدها، وترجوم يوناثان لبقية أسفار العهد القديم. ويُعتقَد أن آرامية الترجوم كانت مُتكلَّفة إلى حدٍّ ما. وسعت التراجم الآرامية إلى إضفاء مسْحَة من ثقافة عصرها على النص فقام المترجمون بإدخال مصطلحات مثل «الجن والملائكة» بديلاً عن الإشارة إلى الرب مجسداً.
الفولجاتا (أو الشعبية)
‏Vulgate
«فولجاتا» من الكلمة اللاتينية «فولجاتوس Vulgatus» وتعني «شائع» . وتُستخدَم الكلمة للإشارة لترجمة العهد القديم اللاتينية التي اضطلع بها إيرونيموس (340 ـ 420) عن الترجمة السبعينية، ومع هذا فإنها لم تأت مطابقة لها كل المطابقة. وقد اشتملت الفولجاتا على سفرين اثنين فقط للمكابيين، مقابل أربعة في السبعينية، وحُذفت منها أسفار عزرا الثلاثة وزيد عليها سفر باروخ. وفيما عدا ذلك، لا يوجد فرق يذكر بين الترجمتين. وقد أقرت الكنيسة الكاثوليكية جميع الأسفار والأجزاء الزائدة في الترجمة اللاتينية على الأصل العبري، واعتبرتها جميعاً أسفاراً أو أجزاء مقدَّسة من أسفار العهد القديم وأجزائه. ولكن معظم البروتستانت لا يعتبرون هذه الزيادات مقدَّسة، وهي في نظرهم لا تنتمي إلى العهد القديم. أما اليهود، فإنهم يدخلونها في القسم الذي يسمونه الأسفار الخارجة أو الخفية (أبوكريفا) .
البشيطَّاه
‏Peshitta

«بشيطَّاه» كلمة سريانية تعني «البسيطة» . وتشير إلى الترجمة السريانية للعهد القديم التي تم إنجازها في القرن الثاني بعد الميلاد من نسخة للعهد القديم تختلف عن النص القياسي (الماسوري) . ويتخذها مسيحيو سوريا والنسطوريون في العراق وفارس كتاباً مقدَّساً لهم.
الترجمة السبعينية
‏Septuagint
كلمة «سبتواجينت» الإنجليزية من الكلمة اللاتينية «سبتواجينتا» ومعناها «سبعون» ، وهي إشارة إلى الأسطورة القائلة بأن اثنين وسبعين من علماء اليهود قاموا بترجمة العهد القديم العبري إلى اليونانية بأمر من بطليموس فيلادلفيوس (228 ـ 247 ق. م) ، وهي أقدم ترجمات العهد القديم بأية لغة. وتقول الأسطورة إن كل عالم جلس في حجرته بمفرده ليترجم العهد القديم، وعند الانتهاء وجدوا أن الترجمات كلها متماثلة. وبغض النظر عن مدى صدق الأسطورة، فقد كان الغرض من الترجمة إلى اليونانية سد حاجة المصريين اليهود المتأغرقين الذين كانوا يجهلون العبرية تماماً بسبب اندماجهم في المحيط الهيليني، واتخاذهم اللغة اليونانية السائدة آنذاك في حوض البحر الأبيض المتوسط لغةً لهم. وقد تمت الترجمة بالتدريج ابتداءً من القرن الثالث قبل الميلاد، وتم الانتهاء منها في السنوات الأخيرة قبل رسالة المسيح. ولم تكن الترجمة على مستوى رفيع، فلم يكن المترجمون ملمين بالعبرية بالقدر الكافي، ولم تكن النصوص التي ترجموا عنها نصوصاً جيدة، كما أن المترجمين أخذوا في الاعتبار حساسيات العالم الهيليني. فمثلاً تُرجمت كلمة «الأرنب» (لاويين 11/6) ، وهو حيوان مدنَّس حسب الشريعة اليهودية، بعبارة «ذو الأقدام الخشنة» لأن كلمة «الأرنب» باليونانية هي «لاجوسlagos» ، وهي أحد ألقاب أسلاف الأسرة البطلمية. وتم تغيير عبارة «آرامياً تائهاً كان أبي فانحدر إلى مصر وتغرَّب هناك» (تثنية 26/5) فصارت «أبي ترك سوريا وذهب إلى مصر» ، وذلك لإرضاء البطالمة أيضاً حيث كانت سوريا تحت حكم السلوقيين أعدائهم،

وكلمة «آرامي» تعني «سوري» وأسقط المترجمون أسماء الأعلام التي كان يتسمَّى بها الإله مثل «أدوناي، و «شدَّاي صباءوت» ، واستخدموا بدلاً من ذلك أسماء مثل «الإله» أو «الخالق» . وبدلاً من تأكيد خصوصية الإله وخصوصية علاقته بالشعب، يصبح هو الكائن الأعظم للجنس البشري. وهذا يعود إلى وجود اتجاه عام في العالم الهيليني نحو تعظيم الخالق الواحد، وكانت الآلهة المحلية آخذة في الاختفاء. كما أسقط المترجمون العبارات التي تنسب إلى الخالق صفات جسدية، فبينما تتحدث النسخة العبرية عن أنهم «رأوا إله يسرائيل» (خروج 24/10) ، فإن الترجمة اليونانية تتحدث عن أنهم «رأوا المكان الذي كان قد وقف فيه إله يسرائيل» . والهدف من هذا كله هو: تقريب التوراة من العقل الهيليني.
وقد تم أغرقة المصطلح تماماً في بعض الأحيان، فتُرجمت «توراة» بكلمة «نوموس» اليونانية، والتي تعني «قانون» . أما كلمة «إيموناه» ، وهي بمعنى «إيمان» ، فتُرجمت بالكلمة اليونانية «بيستيس pistis» وتعني «الاعتقاد» .
وتجدر بنا الإشارة إلى وجود صياغات في الترجمة السبعينية لم نجدها في النص العبري الحالي. ومع هذا عُثر على نظيرها العبري في مخطوطات قُمران، وهو ما يؤكد اعتماد المترجمين على نصوص عبرية متعددة.
وقد تجاهل العلماء الهيلينيون العهد القديم، ولم تصلنا أية تعليقات لهم عليه. ولكن الفقهاء اليهود في فلسطين، قبلوا الترجمة واعتمدوها في بادئ الأمر، فأجَّلها اليهود المتحدثون باليونانية، واستفادت اليهودية منها في عملية التبشير. ونظراً للاختلافات بين الترجمة والنص العبري، وهي اختلافات استفاد منها المسيحيون الأولون، وبعد أن اعترفت الكنيسة المسيحية بالترجمة السبعينية باعتبارها الإنجيل الرسمي، أظهر الحاخامات العداء لها، وخصوصاً ابتداءً من عام 70 الميلادي. وأصبحت الترجمة السبعينية تشبَّه بـ «العجل الذهبي» .

وقد ساهمت الترجمة السبعينية في نشر المسيحية بين اليهود المتأغرقين وبين العناصر الهيلينية في الإمبراطورية الرومانية. وتشتمل الترجمة السبعينية على عدة أسفار لا توجد في الأصل العبري الذي وصل إلينا، وهي: سفر طوبيا، وسفر الحكمة لسليمان، وأسفار المكابيين وعددها أربعة أسفار، وسفر يهوديت، وسفر الكهنوت أو سفر الحكمة ليسوع بن سيراخ، ونشيد الأطفال الثلاثة، وسفر الحكماء الثلاثة، وسفر بعل والتنين، وثلاثة أسفار منسوبة إلى عزرا، وذلك زيادة على السفر المثبت في الأصل العبري، وبعض زيادات في سفر إستير ودانيال، وهي الأسفار التي أصبحت تشكل أبوكريفا العهد القديم (الكتب الخارجية أو الخفية) . ولقد تُرجم العهد القديم إلى اللاتينية (في الترجمة المعروفة بالفولجاتا عن الترجمة السبعينية) .
سفر التكوين
‏Genesis
يُسمَّى «سفر التكوين» في العبرية «يريشيت» بمعنى «في البدء» ، وهي أول كلمة ترد في السفر. و «التكوين» اسم أول أسفار موسى الخمسة، ويحكي تاريخ العالم من بدء تكوين السماوات والأرض، وقصة آدم وحواء، ونوح والطوفان وأولاده سام وحام ويافث، ونسل سام إبراهيم وإسحق ويعقوب، والعهد بين الخالق وشعبه. وينتهي هذا السفر بقصة يوسف ومجيئه إلى مصر ولحاق يعقوب وأبنائه الأحد عشر به واستقرارهم في أرض الفراعنة.
وتعكس الأجزاء الأولى التقاليد الحضارية لبلاد الرافدين بعد أن دخلت عليها العناصر التوحيدية. ويرى علماء الكتاب المقدَّس أن سفر التكوين ليس متجانساً وإنما قام بوضعه كُتَّاب مختلفون، في حين يرى البعض الآخر أنه عمل متكامل يستند إلى فلسفة متسقة مع نفسها، وأن تكرار بعض الأجزاء ليس إلا من قبيل الصيغة الأدبية، وأنه وُضع في القرن التاسع قبل الميلاد، أي بعد موسى بنحو خمسة أو ستة قرون.
سفر الخروج
‏Exodus

يُسمَّى «سفر الخروج» في العبرية «شيموت» ، أي «الأسماء» ، وهي كلمة مأخوذة بتركيب الحروف الأولى من كلمات العبارة الافتتاحية فيه. وسفر الخروج ثاني أسفار موسى الخمسة، ويعرض تاريخ جماعة يسرائيل في مصر. كما يأتي فيه ذكر قصة موسى وذهابه إلى سيناء، والوحي الإلهي الذي جاء فيه، والعهد بين الإله وجماعة يسرائيل، وعودة موسى إلى مصر ليساعد اليهود على الخروج من أرض العبودية. ثم تلقَّى موسى الوصايا العشر في سيناء، وقيادته جماعة يسرائيل حتى حدود أرض كنعان. كما يشتمل السفر على طائفة من أحكام الشريعة اليهودية في العبادات والمعاملات، وما إلى ذلك مما يشبه قوانين حمورابي، وترد فيه أيضاً قصة عبادة العجل الذهبي وما تبع ذلك من محاولات تطهير الدين.
ويرى علماء الكتاب المقدَّس أن ثمة مصادر عديدة لهذا السفر، وأنه وُضع نحو القرن التاسع قبل الميلاد، أي بعد موسى بنحو خمسة أو ستة قرون.
سفر العَدد
‏Numbers
يُسمَّى «سفر العَدد» بالعبرية «بميدبار» ، أي «في البرية» ، وهي أول كلمة ترد في السفر، وسفر العدد رابع أسفار موسى الخمسة. وسُمِّي سفر العدد بهذا الاسم لأنه يشتمل في معظمه على إحصاءات عن قبائل العبرانيين وجيوشهم وأموالهم وكثير مما يمكن إحصاؤه من شئونهم كما يشتمل على أحكام تتعلق بطائفة من العبادات والمعاملات. ويأتي في هذا السفر ذكر تذمُّر جماعة يسرائيل من متابعة السير على خطوات موسى، وهو ما أثار غضبه عليهم، وقد دُوِّن هذا السفر بعد التهجير البابلي في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد.
سفر التثنية
‏Deuteronomy
يُسمَّى «سفر التثنية» بالعبرية «ديفاريم» ، أي «الكلمات» ، وهي أول كلمة ترد في السفر. وهو يُسمَّى أيضاً «مشنا توراه» ، ومعناها «إعادة الشريعة وتكرارها على جماعة يسرائيل مرة ثانية عند خروجهم من سيناء» ، أو «تثنية الاشتراع» . وهو آخر أسفار موسى الخمسة، ويتكون من:

أ) المقدمة، وتحوي مراجعة موسى لما حدث منذ عبور سيناء.
ب) نصائح موسى الأخلاقية (ومنها إعادة الوصايا العشر) ، وتتضمن تلخيصاً للتشريع الذي قبلته جماعة يسرائيل.
جـ) خطب موسى الأخيرة.
د) أفعال موسى الأخيرة وأغنية الوداع ومعها سرد لأحداث موته.
ويختلف هذا السفر من حيث الأسلوب واللغة عن الأسفار السابقة، بل يناقضها أحياناً. ولذا، يرى بعض العلماء أن بعض القوانين التي أتت في سفر التثنية إنما هي من وضع مجموعة من المؤلفين قاموا بكتابة بعض الأجزاء الأخرى في أسفار موسى الخمسة. ويختلف العلماء في تحديد تاريخ هذا السفر، فيرى بعضهم أنه وُضع أثناء عصر القضاة، ويرى البعض الآخر أنه وُضع في وقت لاحق في أواخر القرن السابع قبل الميلاد.
سفر اللاويين
‏Leviticus
يُسمَّى «سفر اللاويين» في العبرية «فايقرا» أي «دعا أو نادى» وهي الكلمة التي يبدأ بها سفر اللاويين. وكان في الماضي يُعرَف باسم «تورات كوهانيم» أي «شريعة الكهنة» ، وهو ثالث أسفار موسى الخمسة. ويتوقف السرد القصصي في هذا السفر ليحل محله تناول شئون العبادات، وخصوصاً ما يتعلق بالأعياد والأضحية والقرابين والمحرمات من الحيوانات والطيور وما يتعلق بالطهارة، وكذلك التعاليم الأخلاقية والنظم الاجتماعية التي لم ترد في سفر الخروج، والتعليمات الخاصة بخيمة الاجتماع.
واللاويون هم سدنة الهيكل والمشرفون على شئون الذبح والأضحية والقرابين. وثمة وحدة في الموضوع بين هذا السفر والجزء الأخير من سفر الخروج وجزء كبير من سفر العدد. ويرى بعض علماء الكتاب المقدَّس أن هذا السفر تجميع لوصايا متفرقة كُتبت على حدة في بداية الأمر، كما أن بعضهم يرى أن السفر كله لم يُكتب إلا بعد التهجير البابلي في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد.
الوصايا العشر
‏Ten Commandments; Decalogue

ورد في العهد القديم، في سفر التثنية، عبارة «عسِّيريت هادبروت» ، أي «الكلمات العشر» التي كُتبت على لوحي حجر (تثنية 4/13) . ووردت العبارة نفسها تقريباً في سفر الخروج (34/28) : «فكتب على اللوحين كلمات العهد الكلمات العشر» . وفي اللغة الإنجليزية يُفرَّق أحياناً بين تعبير «تن كوماندمنتس Ten Commandments» وكلمة «ديكالوج Decalogue» ، فتُستخدَم العبارة الأولى عادةً للإشارة إلى ما يُسمَّى بالوصايا العشر التي وردت في سفر الخروج (20/1 ـ 7) أو سفر التثنية (5/6 ـ 21) ، أما كلمة «ديكالوج» فتشير إلى الشيء نفسه في هذه الصيغة أو الصيغ الأخرى التي وردت في العهد القديم، وهي كثيرة ومتنوعة. لكن التعبيرين كثيراً ما استُخدما بشكل يفيد الترادف.
ويذهب بعض الدارسين إلى أن الوصايا العشر هي جوهر اليهودية، وروح اليهودية والقوانين اليهودية ككل؛ لكننا لا نأخذ بهذا الرأي. فاليهودية تركيب جيولوجي تراكمت داخله طبقات عديدة، والوصايا العشر بصيغها المختلفة تعبير عن الظاهرة نفسها، فهي تضم وصايا ذات تَوجُّه توحيدي عالمي أخلاقي، وأخرى ذات تَوجُّه حلولي قومي لا أخلاقي. ومن ثم يكون من الصعب الحديث عن شيء متناقض مثل الوصايا العشر باعتباره جوهر اليهودية، إلا إذا كان في ذهننا تركيبها الجيولوجي.

وثمة مشاكل عديدة تثيرها الوصايا العشر، أولاها أن من المتفق عليه في الموروث الديني اليهودي أن موسى ذهب إلى جبل سيناء، وصام أربعين يوماً، ونزلت عليه الوصايا هناك، لكنه حطمها عندما اكتشف أن أعضاء جماعة يسرائيل يعبدون العجل الذهبي، وعاد فصام أربعين يوماً أخرى، وأعطاها الإله له مرة أخرى. ولكن ليس من المعروف على وجه الدقة هل أعطاها الإله له مباشرة، وقام هو بتوصيلها للشعب أم أنه أعطاها له على مسمع من الشعب، أم أن الإله أعطاها للشعب مباشرة. وهناك إشارات عديدة إلى كل هذه الاحتمالات في سفر الخروج (19/9 ـ 25 و20/18 ـ 2) ، وسفر التثنية (4/10 و5/4ـ 5 و5/22) ، بل يُقال في الاجتهادات الحاخامية إن الإله خطها بإصبعه على جانبي اللوحين (لوحي الشهادة) ، أي أنها كانت صيغة مقروءة وليست مسموعة استناداً إلى النص الوارد في سفر الخروج (31/18، 32/15 ـ 16) .
ولكن المشكلة الأكثر حدة هي ما أثاره نقاد العهد القديم، فالإشارة الواردة في سفر الخروج إلى الكلمات العشر تتعلق بالصيغة المألوفة الواردة في سفري الخروج (20/1 ـ 7) والتثنية (5/6 ـ 21) . ولكن هناك صيغة ترد مباشرة قبل عبارة «الكلمات العشر» في سفر الخروج (34/28) ، وهي في سفر الخروج أيضاً وفي الإصحاح نفسه (34/11 ـ 26) ، وهي تختلف تماماً عن الصيغتين الأخريين المألوفتين شكلاً ومضموناً.
ولنبدأ بنص الصيغة غير المألوفة: "احفظ ما أنا موصيك اليوم. هأنا طارد من قدامك الأموريين والكنعانيين والحيثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين. احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فخاً في وسطك. بل تهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم:

1 ـ فإنك لا تسجد لإله آخر. لأن الرب اسمه غيور. إله غيور هو. احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض فيزنون وراء آلهتهم ويذبحون لآلهتهم، فتُدعَى وتأكل من ذبيحتهم، وتأخذ من بناتهم لبنيك، فتزنى بناتهم وراء آلهتهن ويجعلن بنيك يزنون وراء آلهتهن.
2 ـ لا تصنع لنفسك آلهة مسبوكة (أي من معدن مصهور) .
أما بقية الوصايا، فجاءت على النحو التالي:
ـ تحفظ عيد الفطير (الفصح) . سبعة أيام تأكل فطيراً كما أمرتك في وقت شهر أبيب. لأنك في شهر أبيب خرجت من مصر.
ـ لي كل فاتح رحم. وكل ما يُولَد ذكراً من مواشيك بكراً من ثور وشاه. وأما بكر الحمار فتفديه بشاة، وإن لم تفده تكسر عنقه. كل بكر من بنيك تفديه ولا يظهروا أمامي فارغين.
ـ ستة أيام تعمل. وأما اليوم السابع فتستريح فيه، في الفلاحة وفي الحصاد تستريح.
ـ وتصنع لنفسك عيد الأسابيع.
ـ أبكار حصاد الحنطة وعيد الجمع في آخر السنة. ثلاث مرات في السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب إله يسرائيل فإني أطرد الأمم من قدامك وأوسع تخومك ولا يشتهي أحد أرضك حين تصعد لتظهر أمام الرب إلهك ثلاث مرات في السنة.
ـ لا تذبح على خمير دم ذبيحتي.
ـ ولا تبت إلى الغد ذبيحة عيد الفصح. أول أبكار أرضك تحضره إلى بيت الإله إلهك.
ـ لا تطبخ جدياً بلبن أمه.
ويرى نقاد العهد القديم أن هذه الصيغة تعود إلى المصدر القيني (K) أقدم مصادر العهد القديم، وهو مصدر يختلف اختلافاً تاماً عن المصادر الأخرى نصاً وروحاً. ويشير نقاد العهد القديم إلى هذه الصيغة باعتبارها «الوصايا القربانية» ، لأنها تحتوي على عدد كبير من الطقوس الخاصة بالأعياد والقرابين، كما أن الأخلاقيات الواردة فيها بدائية إلى أقصى حد تعكس بيئة رعوية.

ويرى أحد نقاد العهد القديم أنه توجد صيغ أخرى مثل تلك الواردة في خروج (13/3 ـ 16، 23/10 ـ 19) ، وهي لا تختلف كثيراً عن الصيغة السابقة في بدائيتها، وتعكس بيئة شمالية أكثر ثراء. كما يشيرون إلى صيغ أخرى موجودة بشكل متناثر في سفر التثنية. ويُفسَّر تعدُّد الصيغ بالإشارة إلى الثورات المختلفة في المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية ضد العبادات الأجنبية، وأن كل ثورة كانت تؤكد صيغة جديدة.
وأهم الصيغ التي وردت هي، كما تَقدَّم، في سفري الخروج (20/1 ـ 17) والتثنية (5/6 ـ 21) ، والصيغتان متشابهتان تماماً إلا في تفاصيل قليلة لا دلالة لها، باستثناء الوصية الثالثة حيث نجد أن ثمة اختلافاً جوهرياً بين الصيغتين، والوصيتين التاسعة والعاشرة حيث هناك تباينات لفظية. وقد أوردنا فيما يلي الصيغة الأولى بأكملها، بعد أن أثبتنا بين قوسين في السياق الوصايا الثالثة والرابعة والتاسعة والعاشرة في صياغتها الأخرى:
ثم تكلم الإله بجميع هذه الكلمات قائلاً: أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية:
1 ـ لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن. لأني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي. وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي.
2 - لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً. لأن الرب لا يبرئ من نطق اسمه باطلاً.

3 - اذكر يوم السبت لتقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك. وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك. لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك. لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع. لذلك بارك الرب يوم السبت وقدَّسه [وأما اليوم السابع فسبت للرب إلهك لا تعمل فيه عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وثورك وحمارك وكل بهائمك ونزيلك الذي في أبوابك لكي يستريح عبدك وأمتك مثلك. واذكر أنك كنت عبداً في أرض مصر. فأخرجك الرب إلهك من هناك بيد شديدة وذراع ممدودة. لأجل ذلك أوصاك الإله إلهك أن تحفظ يوم السبت] .
4 ـ أكرم أباك وأمك لكي تطول على الأرض التي يعطيك الرب إلهك [أكرم أباك وأمك كما أوصاك الرب إلهك لكي تطول أيامك ولكي يكون لك خير على الأرض التي يعطيك الرب إلهك] .
5 ـ لا تقتل.
6 ـ لا تزن.
7 ـ لا تسرق.
8 ـ لا تشهد على قريبك شهادة زور.
9 ـ لا تشته بيت قريبك [لا تشته امرأة قريبك] .
10- لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك [لا تشته بيت قريبك ولا حقله ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا كل ما لقريبك] » .

ويمكن تقسيم الوصايا علي النحو التالي من (1) إلى (3) : وصايا تختص بعلاقة الإنسان بالإله، وبقية الوصايا تختص بعلاقة الإنسان بالإنسان. وتبدأ الوصايا بالإله يُعرِّف نفسه، وأهم سماته هي مساهمته في التاريخ اليهودي، فهو يُعرِّف نفسه بأنه الإله الذي «أخرجك من أرض مصر وأرض العبودية» ، أي أن ديباجة الوصايا العشر ذات طابع حلولي ترسِّخ الإحساس بالعلاقة الخاصة بالإله الذي يتدخل في التاريخ لصالح جماعة يسرائيل، وتعمَّق الإحساس بكره الأغيار (المصريين) . كما يُلاحَظ أن فكرة التوحيد ليست كاملة، إذ أن هذه الوصية تعترف ضمناً بوجود آلهة أخرى. أما الوصية الأولى، فهي تتحدث عن الإله الغيور الذي يتعقب ذنوب الآباء في الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع من أعدائه، وهي بذلك تنسب صفات بشرية إلى الإله، وتتضمن أخلاقيات بدائية إذ يصبح الشر والخير بالضرورة مسألة موروثة وليست مسألة دينية مرتبطة بقيم أخلاقية وبالاختيار والمسئولية الفردية.

أما الوصية الثالثة، فهي الوصية التي يرد فيها تفسيران مختلفان لتقديس يوم السبت. وهذا يعود بطبيعة الحال إلى تعدُّد المصادر، ولكن الحاخامات فسروا الاختلاف باعتبار أنه يعود إلى أن موسى حطم لوحي العهد، فلما عاد أتى بنسخة أخرى من الوصايا، وكانت النسخة الأخرى غير مطابقة تماماً للنسخة الأولى. وقد فسر آخرون هذا الاختلاف بأنه معجزة محضة، فقد أرسل الإله النسختين في آن واحد. وهو التفسير الذي ساد والذي يتسق إلى حدٍّ كبير مع تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي الذي تتعايش داخله الطبقات المتراكمة المتناقضة. ولهذا التفسير الحاخامي الأخير دلالة خاصة. فالصيغتان الأولى والثانية، كما بيَّنا، تتفقان في كل التفاصيل تقريباً، إلا في الوصية الثالثة التي تختص بتقديس يوم السبت، حيث يختلف تفسير مصدر القداسة من صيغة إلى أخرى، فصيغة سفر الخروج (20/11) تورد أن الإله قد خلق الأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، أما سفر التثنية (5/15) فيذكر أن ذلك اليوم مقدَّس لأنه اليوم الذي أخرج الإله فيه جماعة يسرائيل من مصر، أي أنه من خلال ربط الصيغتين يتم مزج المقدَّس بالدنيوي والإلهي بالقومي. فقد ساوت الصيغتان الحادثة الكونية (خلق العالم أو الطبيعة) بحادثة قومية تاريخية (الخروج من مصر) في بداية التاريخ اليهودي. وهكذا ترتبط الطبيعة والتاريخ، ويُمنَح اليهود عطلة يوم السبت لسببين: أحدهما كوني، والآخر تاريخي يختص بالشعب المقدَّس، ولكنهما يتساويان في الدرجة. والسبت في هذا لا يختلف عن معظم الأعياد اليهودية التي هي أعياد دينية تاريخية وهي في الوقت نفسه أعياد طبيعية لا علاقة لها بالدين أو التاريخ أو الأخلاق. وفي هذا اتساق مع النمط الحلولي الذي لاحظناه، وهو تداخل النسبي والمطلق، والدنيوي والمقدَّس، وإضفاء مركزية كونية على التاريخ اليهودي.

وتعالج بقية الوصايا قضايا أخلاقية عامة ومهمة لتنظيم أي مجتمع، وإن كان هناك تخصيص في الوصية الأخيرة التي توصي اليهودي بعدم ارتكاب المعاصي ضد أقاربه من اليهود، وتلتزم الصمت تجاه الأغيار.
وثمة تشابه واضح بين الوصايا العشر في موضوعاتها وعناصرها الأساسية وأقسامها وترتيب أجزائها من جهة والمعاهدات المعروفة في حدود النصف الأول من القرن الثالث عشر ق. م. مثل المعاهدات المبرمة بين الملوك الحيثيين والدويلات الخاضعة لهم من جهة أخرى. فهذه المعاهدات تبدأ بديباجة أو مقدمة تاريخية، يليها شروط تتعلق بحفظ المعاهدة. وقد أخذت الوصايا العشر شكل إحدى هذه المعاهدات. فالرب هو الحاكم الإلهي الذي يذكر لعبيده أفضاله عليهم، وما أسدي إليهم من جميل، ثم يملي عليهم شروطه، ويهدد بإنزال العقوبات على المخالفين منهم. كما كانت مثل هذه المعاهدات تتطلب أن تُقرأ نصوص المعاهدة علناً بشكل دوري، وأسلوب الوصايا العشر يدل على أنه يجب قراءتها بصوت عال على الملأ. وقد وُضعت الوصايا العشر في سفينة العهد التي كان يُنظَر إليها باعتبارها مسند قدم الإله. والواقع أن هذه العادة سادت الشرق الأدنى القديم حيث كانت تُودَع نسخ من المعاهدات تحت أقدام الإله الذي شهد عليها.
وثمة تشابه بين الجانب الأخلاقي في الوصايا وبين الدليل الذي كان يُوضَع بجوار الموتى في مصر الفرعونية، ليهديهم في اليوم الآخر، والمسمَّى «إعلان البراءة» ، الذي ورد فيه: «لم أسرق؛ لم أطمع في شيء؛ لم أقتل إنساناً؛ لم أكذب؛ لم أزن» .

وقد أصبحت الوصايا العشر جزءاً من الصلاة التي تتلى في عيد الأسابيع (عيد نزول التوراة) وهو ما يدل على أنه كان هناك عيد يسرائيلي قديم (لتجديد العهد) ، وأنه كان يتضمن قراءة نصوص الوصايا العشر. وكانت الوصايا العشر، في الأصل، جزءاً من الصلاة في الهيكل، وكان اليهود يريدون أن تصبح هذه الوصايا جزءاً من الصلاة اليومية، ولكنهم مُنعوا من ذلك، حتى تُدحَض ادعاءات الفرق اليهودية المهرطقة التي كانت تدَّعي أنها وحدها المنزلة من الإله وما عدا ذلك فهو اجتهاد بشري ولذا فهو غير مُلزم لأحد. ورداً على ذلك، جاء في الأجاداه أن هذه الأوامر والنواهي كانت مكتوبة على لوحي العهد في الفراغات بين الكلمات، وهذه محاولة لخلع القداسة على الشريعة الشفوية التي يحمل الحاخامات مشعلها. ولكل هذا، لم تُضَم الوصايا العشر إلى الصلوات اليومية. والواقع أن الأهمية الخاصة والوحيدة لهذه الوصايا هي أن المصلين يقفون عند تلاوتها في المعبد. وفي احتفالات بلوغ اليهودي سن التكليف الديني (برمتسفا) في المعابد الإصلاحية، يقوم المُحتفَل به بتلاوتها أمام تابوت العهد.
وقد أضاف حاخامات اليهود ما يُسمَّى الأوامر والنواهي أو المتسفوت وعددها 613. ويوجد أيضاً ما يُسمَّى شريعة نوح، وهي تضم مجموعة من الأوامر والنواهي الملزمة لليهود وغير اليهود.
سفر أيوب
‏Job

«أيوب» اسم لا يُعرَف معناه على وجه الدقة، ليس له اشتقاق عبري، أشار جيزينوس إلى أنه من أصل عربي من آب بمعنى رجع/عاد/تاب، ولعله قريب من اللفظة العربية «آيب» بمعنى «الراجع إلى الإله أو التائب» ، و «أيوب» اسم سفر يعالج مسألة عذاب الأبرار، وتدور أحداثه حول رهان بين الإله وبين الشيطان الذي سُمح له بأن يختبر إيمان أيوب. وابتلي أيوب، ففقد ممتلكاته وحُرم من أسرته وأصيب في جسده. وتلت المقدمة حوارات شعرية بين أيوب وثلاثة أصدقاء جاءوا لمواساته. ويضم السفر إشارات عديدة يُفهم منها إنكار البعث والحياة في الآخرة، وأن الثواب والعقاب يقتصران على الحياة الدنيا. ومع هذا، يظهر الإله لأيوب في العاصفة ويوجه إليه اللوم على الاعتراض على حكمه، فعقل الإنسان قاصر عن إدراك حكمة الإله ولذا لا يحق له أن يعترض على حكمه، فيتوب أيوب وينيب ويعود إلى نجاح فاق نجاحه الأول.
ولا توجد أية إشارة إلى يهوه في الحوار الشعري الذي يدور في السفر، ولا إلى تاريخ جماعة يسرائيل، ولا إلى أيٍّ من شرائعهم، إذ أن تناول القوانين الأخلاقية يتم بشكل إنساني عام. كما أن السفر خال من الزخارف اللفظية، من الصور التي تسم الأسفار ذات الأصل العبراني. كل هذا حدا ببعض الباحثين إلى القول بأن الكتاب من أصل أدومي أو تقليد لنص أدومي. ولم يُحدَّد، على وجه الدقة، تاريخ كتابة السفر، فالبيئة والظروف التي يتحدث عنها تشبه البيئة والظروف التي عاش فيها الآباء الأولون. ولذلك يُحتمَل أنه يرجع إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وإن كانت هناك آراء تذهب إلى أنه وُضع في تاريخ متأخر من القرن الرابع قبل الميلاد، وربما بعد ذلك.
وكان الكاهن الأعظم يتلو سفر أيوب في يوم الغفران. ولا يزال السفارد يقرأونه في التاسع من آب.
سفر الأمثال
‏Proverbs

يُسمَّى «سفر الأمثال» بالعبرية «ميشاليم» وهو يضم مجموعة من الأمثال، ويتناول موضوعات مختلفة مثل: مخافة الإله، وطاعة الوالدين، واحترام المعلمين، والنهي عن المنكر، والأمر بالعدل، والصبر، وعدم الغش في الكيل، والتَبصُّر في الأمور. ويؤكد السفر أن الصالحين من العلماء سيُكافَأون وأن الصالحين من الجهلاء سيُجازون. والتوجه الأخلاقي للسفر فردي إنساني وليس قومياً. كما يخلو السفر من النهي عن عبادة الأوثان. وتُنسَب معظم أجزاء السفر إلى سليمان، كما تُنسَب أجزاء أخرى إلى مؤلفين آخرين حُدِّدت أسماء بعضهم ولم تُحدَّد أسماء البعض الآخر. ويشبه السفر كتب الحكم والأمثال المصرية، كما يُلاحَظ تأثره بأدب الأمثال الكنعاني والآشوري. ويختلف ترتيب مجموعات الأمثال في النسخة العبرية عن ترتيبها في الترجمة السبعينية، الأمر الذي يدل على تعدُّد المصادر.
وينسب الحاخامات نشيد الأنشاد وسفر الأمثال وسفر الجامعة إلى سليمان، فيقولون إنه وضع الأول في شبابه، والثاني في تمام عقله وحكمته، والثالث في شيخوخته.
سفر الجامعة
‏Ecclesiastes

ويُسمَّى بالعبرية «قوهيليت» أي «الجامعة» ، وهو رابع المجلات الخمس، وأحد أسفار العهد القديم، يحاول واضعه أن يُعرِّف معنى الحياة وهدفها، ولكنه يرى أن كل شيء باطل وعبث، فيسقط في العدمية والحسية والقدرية، وشعاره هو "باطل الأباطيل، كل شيء باطل"، فكل شيء مقرَّر من قبل لا مجال للاختيار الإنساني. ويرى صاحب السفر أن الحكمة والمعرفة لا جدوى من ورائهما، فلا فرق بين الحيوان والإنسان، ولا حساب بعد الموت، ولذا فيوم الوفاة خير من يوم الميلاد، وأن يذهب الإنسان للعزاء خير من أن يذهب ليبارك مقدم مولود. وثمة تَماثُل في بعض الوجوه بين سفر الجامعة وبين الفلسفة اليونانية، إذ يقول بركليس: «إن الخير كل الخير ألا يولد الإنسان أصلاً، ولكن ما يلي ذلك هو أن يموت الإنسان صغيراً» . وقد ضُمِّن السفر في العهد القديم برغم رؤيته اللادينية. ويبدو أنه قد وُضع في القرن الثالث قبل الميلاد، وكُتب في أسلوب دقيق سهل ناصع، ولغته قريبة من عبرية المشناه. وينسب اليهود نشيد الأنشاد إلى سليمان، وكذلك سفر الأمثال وسفر الجامعة. ويقولون إنه كتب الأول في شبابه والثاني في تمام عقله وحكمته والثالث في شيخوخته. ويُقرأ سفر الجامعة في عيد المظال.
سفر المزامير
‏Psalms

ويُسمَّى بالعبرية «تهيليم» أي «المزامير» . سُمِّي «سفر المزامير» بهذا الاسم لأنه يحوي مجموعة من الأغاني تُنشَد بمصاحبة المزامير. وتُقسَّم المزامير إلى خمس مجموعات (1) ، (42) ، (78) ، (90) ، (107) ، وتُختَم كل مجموعة بتسبيحة شكر. وقد نُسبت المزامير أساساً إلى داود، ولكن بعضها نُسب إلى سليمان أو مؤلفين آخرين، كما أن بعضها لا يُنسب إلى أحد. ويتناول هذا السفر موضوعات كثيرة، كالترانيم والأدعية والتسابيح، والتعبير عن ثقة وإيمان المؤمنين بإله الكون، وأغان تعبِّر عن الحزن والفرح، وأناشيد تُغنَّى في مناسبات مثل يوم الزفاف الملكي واعتلاء العرش وفي الأعياد وأغاني الأفراح والحروب. وكان بعض المزامير يُغنَّى بشكل جماعي والبعض الآخر يُغنَّى بشكل فردي. ويشبه كثير من المزامير القصائد الأوجاريتية، كما يظهر في المزمور رقم 104 أثر قصيدة أخناتون التي يخاطب فيها معبوده الشمس، وتوجد أيضاً تأثيرات بابلية. ولا يُعرَف على وجه الدقة متى أصبح إنشاد المزامير جزءاً من الصلوات في المعبد اليهودي، وإن كانت أغلبية الباحثين تميل إلى القول بأن ذلك تم بعد التهجير البابلي. وقد أصبح كثير من المزامير جُزءاً من الصلوات اليهودية والمسيحية، نظراً لجمال بعضها وبساطته. ولكن البعض الآخر يتسم بالنزعة القومية العنصرية (بل العسكرية أيضاً) . وقد خُصِّصت بعض المزامير لمناسبات معيَّنة ولأيام محدَّدة. وفي التراث القبَّالي، يُنظَر إلى المزامير باعتبارها «أسلحة» في يد المؤمن يبيد بها أعداءه. ومن ناحية أخرى، فإن إصحاحات السفر مرتبة في النص العبري بطريقة تختلف في هذا السفر عنها في الترجمة السبعينية.
سفر نشيد الأنشاد
‏Song of Songs

بالعبرية «شيرهشيريم» أي «نشيد الأنشاد» ، ويُسمَّى «نشيد الأنشاد» أحياناً «نشيد سليمان» ، وهو أولى المجلات الخمس. يضم نشيد الأنشاد قصائد حب كُتبت على هيئة حوار، وقد فسرها البعض على أنها مسرحية شعرية ذات فصول ومناظر، شخصياتها هي الراعية شولاميت وبنات أورشليم والراعي الشاب، وتدور أحداثها حول غرام سليمان بشولاوميت التي كانت تحب الراعي بعد أن خطبت له، وبقيت وفية على حبها له إلى أن تزوجا في النهاية. ويرى البعض أنها مجرد أغاني حب وزفاف. وتتسم قصائد السفر بالإسراف في التعبير عن عاطفة الحب والحسية في الوصف الأمر الذي أثار الجدل حوله، وقد تم تفسيره تفسيراً رمزياً باعتباره نشيد زفاف جماعة يسرائيل إلى الإله، أو زفاف التوراة إلى جماعة يسرائيل. ويُعَد نشيد الأنشاد من أهم أسفار العهد القديم من منظور التراث القبَّالي لأنه يستخدم صوراً مجازية جنسية. ويُلاحَظ أن اسم الإله لم يُذكَر في هذا السفر إلا مرة واحدة (8/6) : «اجعلني كخاتم على قلبك كخاتم على ساعدك. لأن المحبة قوية كالموت. الغيرة قاسية كالهاوية لهيبها لهيب نار لظى الرب» .
ويُنسَب نشيد الأنشاد إلى سليمان، كما يُنسَب إليه الأمثال والجامعة. ويقولون إنه وضع الأول في شبابه، والثاني في أيام العقل والحكمة، والثالث في شيخوخته.
سفر المراثي (مراثي إرميا)
‏Lamentations

ثالثة المجلات الخمس (وهو بكلمة «إيخاه = كيف» العبرية ويضم مراثي أشبه بالبكائيات على الأطلال) ، ويضم خمسة إصحاحات من المراثي تتناول هدم يهودا وأورشليم والهيكل على يد البابليين. وتقرر المراثي أن ما حدث من خراب ودمار لأورشليم، إنما هو نتيجة أعمال قاطنيها وشرورهم. ويبكي الشاعر احتلال أورشليم ورحيل حكامها، ويدعو إلى التوبة ويأمل في رحمة الإله وفي انتقامه من الأعداء، وأخيراً فإنه يستعطف الإله ويرجوه إرجاع المجد القديم. وتوجد كتب مراث للمدن المهدمة في الأدب السوري والأكادي، وكلها تتناول موضوعات مثل: المجاعة وتهديم المدينة والمعبد ونهب المدينة والأسر والنحيب، وهو ما يشير إلى احتمال تأثيرها في مراثي إرميا. ويُنشد السفر في التاسع من آب. ومن الواضح أن له أكثر من مؤلف.
تفسير العهد القديم
‏Exegesis of the Old Testament
بالعبرية «بيروشيم أوبيئوريم» = «تفسيرات وشروح» ، وتُعَدُّ قضية التفسير مسألة أساسية بالنسبة للعهد القديم، نظراً لعدم اتساقه وتعدُّد مصادره وعدم تمازجها. وتفسير العهد القديم هو ما يشكل الشريعة الشفوية التي فاقت في أهميتها (عند اليهود) الشريعة المكتوبة المتمثلة في العهد القديم. وكان أول طرح للقضية في القرن الأول قبل الميلاد، حينما تحوَّلت قضية التفسير إلى قضية سياسية في الصراع الدائر بين الفريسيين والصدوقيين، إذ رأى الفريسيون أن الشريعة المكتوبة لا تكفي، وأنه لابد من إكمالها بالشريعة الشفوية، أي بالتفسير الحاخامي، الأمر الذي يعني في واقع الأمر توسيع نطاق المشاركة في إدارة حياة اليهود وصياغة رؤيتهم للكون بحيث لا يستأثر الكهنة (الصدوقيون) بمفردهم بهذه العملية. وقد قدَّم الغيورون، وخصوصاً حَمَلة الخناجر منهم، تفسيراً شيوعياً بدائياً لليهودية وجد صداه بين الجماهير اليهودية، فاندلع التمرد الأول ضد الرومان.

وبعد استقرار اليهودية الحاخامية، مر تفسير العهد القديم بعدة فترات. تمتد الفترة الأولى حتى القرن السادس الميلادي. وقد بدأت هذه الفترة مع تدوين العهد القديم نفسه، إذ صاحب ذلك ظهور كتب المدراش المختلفة (بشقيها الهالاخي والأجادي، أي التشريعي والوعظي القصصي) التي تمثل النواة الأولى للشريعة الشفوية. وقد وُضعت قواعد مختلفة للتفسير، وظهرت مدارس مختلفة، لكن من الواضح أن التفسير اكتسب من البداية مركزية وحل محل النص المقدَّس كمرجع نهائي. وقد ظل التفسير ينطلق من النص ويعود إليه في حلقات متداخلة حيث يفرض المفسر الرأي الراجح في تصوُّره.

وقد ظهرت مدارس مختلفة للتفسير، منها الحرفي والمباشر (بيشاط) ، ومنها ما يحاول أن يغوص في المعنى الكامن (دراش) ، ومنها الرمزي (ريميز) ، وأخيراً هناك التفسير الذي يحاول أن يصل إلى المعنى الفلسفي أو اللاهوتي والباطني والغنوصي (سود) ، وهو أيضاً التفسير الصوفي. وقد ساد النوعان الأول والثاني في بادئ الأمر، وفي هذه الفترة فسَّر فيلون العهد القديم تفسيراً مجازياً حاول فيه أن يوفق بين اليهودية والفلسفة اليونانية. ومن أشهر مدارس التفسير، في هذه الفترة، بيت شماي وبيت هليل. وقد ظهرت الحلقات التلمودية، إبان هذه الفترة، في فلسطين وبابل ظهرت طبقات الشارحين المختلفة: الكتبة (سوفريم) ، ومعلمي المشناه (تنائيم) ، والشراح (أمورائيم) ، والمفسرين (صابورائيم) ، والفقهاء (جاؤنيم) . ويرى بعض النقاد أن ترجمات العهد القديم، اليونانية (السبعينية) والسريانية (البشيطَّاه) واللاتينية (الفولجاتا) ، هي في الواقع من قبيل التفسير إذ أن المترجمين كانوا يضيفون أحياناً كلمات هنا وهناك لتوضيح المعنى. كما أن فكرة الكتب الخارجية والخفية (أبوكريفا) ، والكتب المنسوبة (سيودإبيجرفا) ، هي أيضاً من قبيل كتب التفسير التي تلقي الضوء على نصوص الكتاب المقدَّس. ومع نهاية هذه الفترة، جُمعت التفسيرات والفتاوى والشروح المختلفة في التلمود وفي كتب المدراش المختلفة. وبدأت التفسيرات الصوفية في الظهور، وخصوصاً تفسيرات قصة الخلق، كما ظهرت التأملات الخاصة بتركيب السماء والأرض.

أما في الفترة الثانية، فقد ظهرت طرق تفسير جديدة بتأثير الحضارة الإسلامية. وعلى سبيل المثال، ابتعد سعيد بن يوسف الفيومي عن التفسير الوعظي الملتصق بالنص، واشتهر باستخدام المعارف الدنيوية السائدة في عصره، وتطبيق طرق البحث الفلسفية واللغوية لتفسير العهد القديم. وقد تطورت هذه الطرق في إسبانيا، الإسلامية ثم المسيحية، حيث ظهرت جذور علم نقد العهد القديم. ووصل التفسير الفلسفي قمته في أعمال موسى بن ميمون الذي لم يكتب تفسيراً كاملاً للعهد القديم، ولكن أعماله الفلسفية تتضمن الكثير من التفسيرات للعديد من النصوص. وقد استخدم ابن ميمون معرفته بالفلسفة الإسلامية، والعلوم الدنيوية في الحضارة الإسلامية التي عاش في كنفها، ليقدم تفسيراً عقلانياً لا يستبعد الجوانب الرمزية، بل يستفيد من معرفة قوانين المنطق واللغة. أما في أوربا الغربية، فقد انحصر راشي (في القرن الحادي عشر) داخل نطاق التفسير الحرفي والمباشر، فلم يرجع إلا لكتب المدراش، وكانت تفسيراته ذات طابع لغوي ضيق.

ومما يجدر ذكره أن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي اكتسبت مركزية وأهمية في هذه الفترة. ويتبدى هذا في هيمنة الشريعة الشفوية التي تذهب إلى أن التفسير البشري أهم من الوحي الإلهي، ولذا نجد أن الحاخامات أعطوا أنفسهم الحق في إصدار تفسيرات وتشريعات لا تستند بالضرورة إلى النص وتهدف، في تصوُّرهم، إلى حماية الأوامر التوراتية. كما يُلاحَظ أن تفسيرات الحاخامات لها منزلة أعلى من النص نفسه، فإن تناقضت أحكامهم مع أحكام التوراة، أي مع كلمات الإله، فإن تفسيرهم يكون التفسير الملزم لأن التوراة، بعد أن أعطاها الإله للإنسان، أصبحت خاضعة لتفسيره. وقد جاء في التلمود أن الإله وافق على أنه يجب أن يُفسِّر الحاخامات ما قاله هو. وعلى كلٍّ تقرر الشريعة الشفوية أنها تَصدُر عن الإرادة الإلهية، شأنها في هذا شأن الشريعة المكتوبة، الأمر الذي عارضه السامريون والقرّاءون. وقد شهدت هذه الفترة هيمنة التلمود (ثمرة الشريعة الشفوية) بحيث حل محل العهد القديم باعتباره أهم كتب اليهود المقدَّسة.

ويُقسِّم التلمود اليهود وفق ترتيب هرمي حدّي يتناسب مقدار الصعود أوالهبوط فيه تناسباً طردياً مع مدى التعمق في التفسير ومن ثَمَّ درجة الحلول الإلهي في التفسير. فأقل اليهود منزلة هم الجهلاء الذين لا يعرفون العهد القديم ولا تفسيراته، يعلوهم أولئك الذين يعرفون العهد القديم، ثم أولئك الذين يعرفون المشناه والأجزاء الوعظية القصصية (الأجادية) منها أو تلك الموجودة في الجماراه. أما أعلى اليهود منزلة، فهم أولئك الذين يعرفون الأجزاء التشريعية (الهالاخية) من المشناه والجماره ويفسرونها. وهذا الترتيب الهرمي يبين مدى علاقة التفسير بالسلطة بحيث نجد أن الحاخامات (مفسري الشريعة) ، أصحاب الشريعة الشفوية، يقفون على قمة الهرم. وقد سادت القرن الثامن عشر طريقة البيلبول، وهي طريقة في التفسير تهدف إلى إبراز براعة المفسر ومقدراته، بغض النظر عن مدى صدق تفسيره أو مطابقته للنص.
وقد انفصلت الدراسات التلمودية تماماً عن الواقع، أي واقع، بحيث انغمست في الاعتبارات المنطقية التي لا يربطها أي رابط مع مشاكل أعضاء الجماعات اليهودية وحياتهم. وعلى سبيل المثال، فمن الضروري ألا يتزوج الكاهن الأعظم إلا عذراء. ورغم هدم الهيكل وانتهاء العبادة القربانية، فإن التلمود والحاخامات استمروا في مناقشة أدق التفاصيل الخاصة بذلك التحريم، مثل محاولة تعريف العذراء. ويتساءل التلمود عن امرأة تمزَّق غشاء بكارتها بسبب حادث وقع لها، فتطرح أسئلة مثل: هل وقع الحادث قبل أو بعد سن الثالثة؟ وعن طريق جسم معدني أو خشبي؟ وهل وقع الحادث بسبب تَسلُّق شجرة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل وقع الحادث أثناء صعودها أم أثناء نزولها من الشجرة؟ وذلك إلى جانب عشرات من الأسئلة الأخرى.

ومع الدراسات التلمودية، نشأت التفسيرات الصوفية القبَّالية في القرن الرابع عشر، جنباً إلى جنب، وأخذت في الانتشار حتى سادت تماماً مع بدايات القرن السابع عشر، واتبعت منهجاً حلولياً باطنياً في التفسير.
والحلولية لا توحد الإله والطبيعة وحسب، وإنما توحد الكل والجزء كذلك، ولذا تصبح المادة والأجزاء، داخل الإطار الحلولي، إما الجسد الإلهي نفسه أو مادة مقدَّسة مُستمَدة من الإله لها معنى رمزي باطني، ولكن المفارقة تكمن في أنها قد تصبح عكس ذلك تماماً، مجرد مادة خام يسبر عقل الإنسان المقدَّس أغوارها ويشكلها حسب هواه ويفرض عليها أي معنى باطني يعن له باعتبار أن الإنسان تَجسُّد للإله الذي حل فيه.

ويُلاحَظ أن علاقة الدال بالمدلول داخل الإطار الحلولي تضطرب تماماً وتعكس الموقفين المتناقضين نفسيهما، فقد يلتصق الدال بالمدلول (التصاق أو تَوحُّد التوراة مع الإله) ليصبح الدال أو النص (مثل جسد الإله) مقدَّساً ويشمل كل شيء، أو العكس إذ يصبح الدال ظاهرياً جافاً منفصلاً عن مدلوله (الحقيقي) ومن ثم يفرض المفسر عليه أي معنى يشاء (وهذا يعني موت النص وهيمنة المفسر) . وفي التراث القبَّالي، كل شيء انعكاس لشيء آخر بسبب اختفاء الحدود في النسق الحلولي وذوبان الكل في الجزء واختفاء الثغرة، ولذا يمكن أن يدل أي دال على أي مدلول. كما أن الرمز، لهذا السبب، يصبح أحياناً هو المعنى نفسه (مثل الصليب أو الأيقونة) . وثمة تشابه بين هذه الطريقة في التفسير وبين بعض أطروحات المدرسة التفكيكية التي أسسها جاك دريدا، وخصوصاً مفهوم «لا ديفيرانس La differance» ، وهي كلمة مركبة تفيد الاختلاف والإرجاء، أي أن كل دال مختلف عن أي دال آخر، ومع هذا فهو على صلة بكل الدوال الأخرى فمعناه النهائي مختلف ومرجأ، ولذا نعبِّر عن هذا المفهوم بكلمة «الإخترجلاف» . وفي كلتا الحالتين، يحاول المفسر أن يصل إلى المعنى الباطني وهو الغنوص الكامل الذي يمكن التحكم من خلاله في الإله ومن ثم في الكون.

وتذهب إحدى مدارس التفسير القبَّالية إلى أن التوراة عبارة عن مجرد مادة خام (هيولي) يشكلها المفسر القبَّالي بالطريقة التي يراها حسب هواه. وقد ذكر إسحق لوريا أن للتوراة ستمائة ألف معنى أو وجه، وهذا العدد هو نفسه عدد أعضاء جماعة يسرائيل الافتراضي في سيناء حين أوحى الإله إلى موسى بالتوراة. ومعنى هذا أن لكل يهودي تفسيره الخاص، أو كما يقول لوريا: كل يهودي يقرأ التوراة بطريقته، حسب «جذره» . وقد اتبع القبَّاليون منهج الجماتريا في التفسير وهو حساب القيمة الرقمية للأعداد وتحوير معاني المفردات، بحيث يستنطقها المفسر بما يريد من مدلولات، الأمر الذي يعني أن النص المقدَّس ينطق بما يراه المفسر.

وقد تعمقت الحلولية وازداد المجال الدلالي اضطراباً مع هيمنة القبَّالاه التي يدور موقفها من التوراة حول موضوعين أساسيين: أولهما أن «التوراة» اسم للإله أو دال عليه. ويُنظَر في التراث اليهودي إلى هذا الاسم باعتباره أعلى تركيز للمقدرة الإلهية (وهي فكرة لها علاقة بالسحر وبالتأمل الباطني) ، ومعنى ذلك أن التوراة ليست مجرد مادة خام بل لم تَعُد كتاباً ينقل معنىً أو مدلولاً محدداً، وإنما هي وحدة صوفية تهدف إلى التعبير عن قدرة الإله المتركزة في اسمه، وما القصص والمواعظ والمعاني التي ترد فيها سوى رداء خارجي للاسم المقدَّس. وحينما كان القبَّاليون يشيرون إلى أن التوراة هي «اسم الإله» ، فإنهم لم يكونوا يعنون بذلك أنها اسم يُنطَق به، وإنما كانوا يعتقدون أنها الوجود الإلهي المتسامي نفسه، أي أنها هي نفسها اللوجوس أي تجسُّد الإله وليس مجرد دال علىه أو رسالة منه (في التفسيرات المسيحية يُنظَر إلى النص باعتباره قصة رمزية بسيطة، بالإنجليزية: أليجوريكال allegorical) ، أي أن علاقة المستوى الرمزي بالمستوى الواقعي علاقة مباشرة وواضحة، ومن ثم فأحداث القصة علامات تشير إلى مغزى أخلاقي رمزي آخر، فتكون أحداث القصة الدال الذي يشير إلى مدلول وراءه) . وقد جاء في الأجاداه أن التوراة أداة الإله في خلق العالم، كما جاء في أحد كتب المدراش أن الإله نظر إلى التوراة ثم خلق العالم، أي أن القانون الذي يحكم العالم يوجد في التوراة، وهنا يتداخل التأمل مع السحر. وتعبِّر التوراة عن الحياة الداخلية للإله، بل هي جزء منه. ومن هنا، فإن الإشارة كانت إلى التوراة الكونية (توراة قيدوماه) باعتبارها أحد التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . ومن هنا، كان الحديث عن أن التوراة هي الإله، حروفها جسده ومعناها روحه.

أما الموضوع الثاني، فهو أن التوراة كيان عضوي حيّ، وهذه فكرة نابعة من الفكرة السابقة. فالتوراة اسم، ولكنه اسم على هيئة كيان حيّ، ولذا يشار إليها بأنها شجرة الحياة تظهر على هيئة إنسان. وهنا يتحد كل من التوراة وجماعة يسرائيل، فالتوراة التي تجسد الإله متوازية مع الشعب، والشعب هو الشخيناه التي هي أحد تجليات الإله. وبالتالي، فإن الشعب أحد التجليات النورانية، أي أنه جزء عضوي من الإله.
وقد امتد هذا التصور ليشمل فكرة التوراة الشفوية التي تعتبر الكل الذي يضم مختلف فتاوى الحاخامات. والتوراة الشفوية هي التي تكمل التوراة المكتوبة وتجعلها متعيِّنة، أي أن التوراتين تمثلان كلاًّ عضوياً، وكل منهما تكمل الأخرى ولا يمكن تصوُّر الواحدة منفصلة عن الأخرى. وقد قرن القبَّاليون التوراة المكتوبة بالتجلي النوراني المسمَّى «تفئيرت» (الإله من حيث هو عنصر مذكر) ، في حين تكون التوراة الشفوية الوعاء المتلقي أو الشخيناه، أي جماعة يسرائيل (الإله من حيث هو عنصر مؤنث) ، ومعنى هذا أن الإله والتوراة والشعب يكوِّنون كلاًّ عضوياً. والواقع أن مضامين الفكرة جادة وخطيرة للغاية، فالتوراة المكتوبة تكتسب مضمونها من خلال التوراة الشفوية وليس العكس. ويكتسب الإله هويته من خلال الشخيناه (الشعب) وليس العكس (وهنا يتبدَّى النمط الحلولي الكامن الذي يبدأ بحلول الإله في الإنسان، ولكنه يصبح دونه مرتبةً ومنزلةً ومعتمداً عليه) . والشيء نفسه يُقال عن التوراتين، فالتوراة الشفوية (التي وضعها الإنسان) تفوق التوراة المكتوبة المرسلة من عند الإله. وقد قال نحمانيدس إنه جاء في الأجاداه أن التوراة كُتبت بنار سوداء على نار بيضاء، ولذا فإن حروف التوراة المكتوبة لا معنى لها دون المفسرين، فهم يكتشفون التوراة المكتوبة بالنار البيضاء الخفية التي لا يمكن إلا لكبار المفسرين قراءتها، إذ أن التوراة التي بين أيدينا مكتوبة بالحروف السوداء التي تعطي معنى

مباشراً عادياً، أي أنه ليست هناك سوى التوراة الشفوية في نهاية الأمر. بل إن نحمانيدس يذهب إلى القول بأن كتابة التوراة كانت متصلة بدون أي فراغ بين الكلمات، أي أنها كلمة واحدة متصلة الأمر الذي يجعل من الممكن قراءتها: إما بالطريقة التقليدية كتاريخ ووصايا، أو بالطريقة الباطنية كأسماء للإله. وجاء أيضاً أن موسى تلقى التوراة التي تُقرأ كوصايا، ولكن التوراة الشفوية هي التي ستمكنه من قراءتها بوصفها أسماء للإله. وقال بعض القبَّاليين بنظرية الحرف الناقص، وهو حرف الشين الغائب أو الباطني الذي له أربع أسنان على عكس الشين العبرية الظاهرة التي لها ثلاث أسنان فقط، مثلها مثل الشين العربية. ويقول البعض الآخر إن هناك حرفاً ناقصاً من العبرية المعروفة لنا، وسيُكشَف هذا الحرف للعوام في الدورة الكونية المقبلة، ولكنه يمكن أن يُكشَف للعالمين بالقبَّالاه في الدورة الكونية الحالية. وحسب هذه النظرية، فعند قراءة أوامر ونواهي التوراة، تكون النواهي مرتبطة بهذا الحرف الناقص، فإن وُضع في موضعه فإن الأوامر مثل «لا تسرق، لا تزن» ستتحول إلى دعوة للإباحية بمعنى «فلتسرق، ولتزن» . وستظهر هذه التوراة الكاملة البيضاء في العصر المشيحاني.

وقد طوَّر القبَّاليون فكرة التوراتين على أسس جديدة، فآمنوا بوجود توراتين: توراة الخلق الظاهرة (توراه دى بريئاه) ، وتوراة الفيض الباطنة (توراة دي أتسيلوت) . وهاتان التوراتان، على عكس التوراة المكتوبة والشفوية، كلماتهما واحدة ولكن ثمة معنى خفياً وراء النص الظاهر لا يمكن أن يصل إليه سوى الماشيَّح ومن هم في منزلته. والواقع أن توراة الخلق هي توراة هذا العالم المكتوبة على رقائق الجلد والورق وتحوي الأوامر والنواهي والتحريمات. أما توراة الفيض الكاملة، فهي توراة عالم الخلاص؛ توراة الحرية وعدم التقيد بأية حدود أو أوامر، توراة الإباحة الكامنة وراء توراة الخلق. ولذا، فإن من يدرك كنهها، مثل شبتاي تسفي وفرانك، يتحلل تماماً من الشريعة.

ويمكن القول بأن ثمة نمطاً كامناً وراء كل التفسيرات الحلولية يفترض أن ثمة تساوياً بين الإله والتوراة والشعب بحيث يصبح الشعب إلهاً، وهو ما يؤدي إلى الإباحة التي تؤدي بدورها إلى الإباحية الكاملة. ويتحدث التراث القبَّالي عن حادثة طرد آدم من الجنة، وكيف أنه بعد أن أكل من شجرة المعرفة اكتشف عورته التي بدا له أنها خطيئة، ولذا اضطر إلى ارتداء ثوب ليستر به عورته (معرفته) . وبالمثل، فإن الشخيناه التي تتجسد في التوراة، والتي ترافق جماعة يسرائيل في منفاها، بل تصبح هي نفسها كنيست يسرائيل، تصبح في حاجة إلى الثياب لكي تغطي بها أصلها الحقيقي. ومن ثم، فإنها ترتدي ملابس الحداد الكئيبة (الأمر الذي يوضح أثر فكرة السقوط المسيحية وفكرة الجسد من حيث هو خطيئة) . والتوراة/الشخيناه ترتدي هي الأخرى الثياب التي تتمثل في الأوامر والنواهي التي ينبغي على اليهودي مراعاتها في عالم المنفى، أي في عالم السقوط (إذا استخدمنا المصطلح المسيحي) . أما في عصر الخلاص أو العصر المشيحاني، فإن التوراة التي بين أيدينا (توراة شجرة المعرفة المغطاة برداء من الوصايا) سوف تتجرد من ملابسها لتظهر التوراة الحقيقية (توراة شجرة الحياة) ، ومن ثم تكون العودة إلى الحالة الفردوسية (قبل السقوط) حين كان آدم وحواء يقفان عاريين دون حاجة إلى ثياب تستر عورتهما، أي أن كل شيء ينتهي في الفردوس ليسود الحلول الإلهي الكامل ويترسخ إلغاء الشريعة والإباحية والترخيصية، ويباح كل شيء.

ومعنى التوراة الخفي، الذي لا يدركه سوى العالمين بأسرار القبَّالاه، مرتبط بفكرة الدوائر الكونية التي تتكون كل واحدة منها من سبعة آلاف عام، وكل واحدة تتكون من وحدات من سبعة أعوام، والتاريخ يتكون من سبع دورات كونية، ويُقال إننا في ثاني هذه الدورات. وفي كل دورة تأخذ التوراة شكلاً محدداً، والتوراة التي بين أيدي اليهود هي مجرد شكل للتوراة في دورتها الحالية، ولكن هذا الشكل ليس الشكل الأوحد أو النهائي لها، فلكل دورة كونية توراتها، ولكل توراة معنى مختلف تماماً.
ويؤكد التراث القبَّالي وجود درجات وطبقات للمفسرين تعبِّر عن درجات القداسة أو الحلول الإلهي، أهمها هو من «يعرف التوراة وجهاً لوجه» . وقد جاء في التوراة أن موسى عرف الإله وجهاً لوجه، أي رآه رؤية العين. ولكن كلمة «عرف» تعني في العهد القديم، «نكح» : «وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين» (تكوين 4/1) . وفي التراث اليهودي الصوفي، يُقال إن موسى عرف الشخيناه، أي الحضرة الإلهية، بمعنى أنه ضاجعها ونكحها. وكذلك تفسير التوراة، فمن يعرفها وجهاً لوجه يكون كمن نكحها. وتصور القبَّالاه مراحل التفسير مستخدمة هذه الصورة المجازية الجنسية، فالعابد يدخل مخدع حبيبته التوراة، فتقف من خلف حجاب كثيف، وكلما تَعمَّق في القراءة وغاص في المعنى كشفت له عن نفسها حتى تتجرد تماماً من ملابسها وتقف عارية أمامه، فيقف هو أمامها وجهاً لوجه فيما يشبه الزواج المقدَّس. وهذا هو أساس جميع التهويمات الفكرية والجنسية (فلنقارن هذا بفكرة لذة النص عند رولاند بارت، ولنتذكر أن الصورة المجازية الجنسية أساسية في النسق الحلولي وفي فلسفة ما بعد الحداثة) .

ومما يجدر ذكره أن كتب القبَّالاه (مثل الباهير والزوهار وكتابات لوريا) ، وكلها كتب تفسير للعهد القديم، حلت بين الجماهير وصغار الحاخامات محل التلمود وأصبحت في واقع الأمر الشريعة الشفوية. وكان هذا هو الوضع السائد حين لاح العصر الحديث في الغرب وقام مندلسون بترجمة العهد القديم وكتب مع بعض زملائه تعليقه الشهير عليه، وهو ما يُعرَف باسم «البيئور» . وقد استفاد مندلسون من التفاسير القديمة، ولكنه وَجَّه الأنظار نحو المعرفة الدنيوية على حساب التقاليد. وبعد ذلك، اتسع نطاق نقد العهد القديم، وظهر ما يُسمَّى «علم اليهودية» والتفسيرات الحديثة المختلفة التي تستفيد من المعارف الدنيوية، مثل علم النفس وعلم الأنثربولوجيا.
ومن أهم الاتجاهات في التفسير ما يمكن تسميته «الاتجاه الوجودي الحلولي» عند مارتن بوبر، وهو اتجاه يرى أن ما يهم ليس النص في حد ذاته وإنما المواجهة بين الإله والإنسان (أو بين الإله واليهودي) ، بمعنى أن النص (كمادة خام له ستمائة ألف معنى) يختفي لتظهر بدلاً منه ذات المفسر، الأمر الذي يعني موت النص ومولد الناقد وهيمنته. وهذا الموقف لا يختلف في أساسياته عن التفسيرات القبَّالية التي تفرض أي معنى باطني على النص، والتي تقتل المؤلف (الإله) وتُعلي إرادة المفسر.
لكل ما تقدَّم، يصبح من المهم جداً، عند قراءة نص توراتي أو تلمودي، أن نحدِّد التفسير المقصود. ولنأخذ، على سبيل المثال، العبارة التي وردت في التلمود حيث يقول الإله: «ياليت الناس يهجرونني ولا يهجرون التوراة» ، فهل المقصود بهذا التوراة الناقصة أم أن المقصود التوراة الكاملة، توراة الخلق أم توراة الفيض، أم أن المقصود أقوال الحاخامات، أي التوراة الشفوية؟ وعلى كلٍّ، فإن معنى كلمة «توراة» (كما بيَّنا) متداخل ومتضارب في المجال الدلالي، ولذا فإن الجملة في حد ذاتها لا تعني شيئاً، والمهم هو تفسير المقصود من كلمة «توراة» .

والشيء نفسه ينطبق على أي اقتباس من التوراة، فعبارة مثل تلك التي ترد في الشماع «الإله واحد» تحمل معاني مختلفة بعضها حلولي مغرق في الحلولية والشرك لا علاقة له بالتوحيد. فحينما يقولها القبَّالي بمفهوم التجليات العشرة النورانية، فإنه يعني شيئاً مختلفاً تماماً عما يقصد إليه الحاخام الإصلاحي أو الأرثوذكسي. وإن اقتبس أحد عبارة من تلك العبارات التي تحضه على الإحسان إلى «أخيك» ، فإن الأخ في كثير من التفسيرات تعني «اليهودي» وحسب. والوصية الخاصة بترك لقاط الحصيد «للمسكين والغريب» (لاويين 19/9، 10) ، تُفسَّر بأن المقصود المسكين اليهودي والغريب اليهودي وحسب. بل أية إشارة إلى الإنسان أو الرجل هي، حسب كثير من التفسيرات، إشارة إلى اليهودي وحده.

ومن أهم التطورات في تاريخ اليهودية ظهور ما يمكن تسميته «حلولية شحوب الإله» وهي مرحلة تالية لمرحلة وحدة الوجود الروحية، فبعد الحلول الكامل يتوحد الإله مع المادة (الأرض المقدَّسة ـ الشعب المقدَّس) فيَضمُر ويشحُب ويصبح لا أهمية له بل يموت داخلها (وهذا يُشكل مرحلة الانتقال من وحدة الوجود الروحية إلى وحدة الوجود المادية وهي حلولية بدون إله) ، وبذا تصبح المادة مصدر القداسة. وقد تبدَّى هذا في الفكر الديني اليهودي حين وصف أحد زعماء جوش إيمونيم الجيش الإسرائيلي بأنه القداسة الكاملة (مادة مقدَّسة دون مرجعية إلهية متجاوزة) . وقد أخذ بن جوريون الخطوة المنطقية وأعلن أن الجيش الإسرائيلي خير مفسر للتوراة، وهذا يفتح الباب على مصراعيه للقداسة الإسرائيلية المسلحة لكي تفرض التفسير الذي تراه. وعلى كلٍّ، فإن هذا أمر مفهوم تماماً إذا كانت الكلمات دالاً بدون مدلول، أو كان مدلولها مرجئاً ومؤجلاً (على حد قول دريدا) ، ذلك لأن ما يحدد المعنى في هذه الحالة هو القوات المسلحة أو المخابرات العسكرية، فهي وحدها القادرة على إغلاق النسق المتبعثر وتزويده بالمركز والمعنى، وهي وحدها القادرة على أن تحوِّل كلمة «فلسطين» إلى «إرتس يسرائيل» بحيث يصبح الدال (فلسطين) يشير إلى مدلولات أخرى يرتضيها صاحب السلاح الأقوى.

ويُلاحَظ أن المدارس المسيحية لتفسير العهد القديم تختلف في منهجها عن المدارس اليهودية، فهي تميل إلى التفسير المجازي، أو تميل إلى التفسير الرمزي الذي يفترض وجود علاقة بين الرمز ومجاله الدلالي، على عكس كثير من المدارس اليهودية التي إما أن ترتبط بالتفسيرالحرفي أو تتركه تماماً وتفصل الدال عن المدلول تماماً. ويُلاحَظ أن كثيراً من مدارس التفسير البروتستانتية (المتطرفة) يأخذ بتفسير حرفي لنصوص العهد القديم ويفرض عليه معنىً صهيونياً. وقد تأثر كثير من النقاد اليهود، من دعاة المدرسة التفكيكية، بالقبَّالاه اللوريانية وبطرق التفسير القبَّالية. ولهارولد بلوم كتاب بعنوان القبَّالاه والنقد.
نقد العهد القديم
‏(Biblical Criticism (of the Old Testament
جاء في التلمود (بابا باترا، 14ب ـ 15أ) أن موسى هو الذي كتب، أي حرَّر ودوَّن التوراة (أسفار موسى الخمسة) ، والجزء الخاص عن بلعام وسفر أيوب، وأن يوشع بن نون هو كاتب السفر المسمَّى باسمه وآخر ثماني مقطوعات في أسفار موسى الخمسة، وأن صموئيل كتب السفر المسمَّى باسمه وسفري القضاة وراعوث، وأن داود هو صاحب المزامير وقد ضمنها كتابات من سبقوه مثل آدم وإبراهيم، وأن إرميا كتب السفر المسمَّى باسمه وكتب الملوك والمراثي، وأن حزقيال كتب سفر أشعياء والأمثال ونشيد الأنشاد وسفر الجامعة، وأن أعضاء المجمع الكبير كتبوا (أي حرروا) سفر حزقيال وأسفار الاثني عشر نبياً وسفر دانيال وسفر إستير، وأن عزرا كتب السفر المسمَّى باسمه.
وقد قسَّم علماء التلمود المتناقضات في العهد القديم إلى ما يلي:
أ) متناقضات تامة، تناقض المقطوعة منها الأخرى تماماً (بالعبرية: هحخحاشوت) .
ب) ما يثير الدهشة (بالعبرية: تموهوت) مثل خلق الطير من الماء.
جـ) المتقدم والمتأخر (بالعبرية: موقدام أو مؤْحَر) ، أي عدم ترتيب المادة التاريخية في العهد القديم.

وفي العصر الحديث، يذهب علماء العهد القديم إلى أن هذا الرأي يتنافى مع القرائن الموجودة داخل النصوص نفسها. فعلى سبيل المثال، يُلاحَظ أنه ورد في نهاية سفر التثنية: «فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب» (34/5) . ثم يستمر السفر، حتى نهايته، في الحديث عن موت موسى. وجاء في سفر التكوين ما يلي: «وهؤلاء هم الملوك الذين ُمِّلكوا في أرض أدوم قبلما مَلَكَ ملكٌ لبني يسرائيل» (تكوين 36/31) ، أي أن كاتب هذه الفقرة عاش بعد أن عرفت جماعة يسرائيل نظام الملكية، ولم يحدث ذلك إلا بعد عدة قرون من موت موسى. كما أن التوراة كُتبت بالعبرية، ولم يكن موسى الذي عاش في مصر يتحدث العبرية، وإنما كان في الأغلب يتحدث لغة المصريين القدامى أو كان يتحدث لغة كنعانية متأثرة بالمصرية القديمة.
لكل هذا، ظهر ما يُسمَّى «نقد العهد القديم» ، وهو العلم الذي يهدف إلى دراسة نصوص العهد القديم باعتبارها نصوصاً تاريخية على الدارس أن يُطبِّق عليها كل المعايير التي يطبقها على أية نصوص تاريخية أخرى. كما يهدف إلى اكتشاف أسباب التناقضات التي قد توجد بين نص وآخر، وعدم الاتساق فيما بينها، ثم محاولة تفسيرها في ضوء المعطيات التاريخية. ويلجأ علم نقد العهد القديم إلى تحليل النصوص المختلفة ليصل إلى عناصرها الأساسية، وإلى الربط بينها لإيضاح تتابعها التاريخي بحيث تلقي الضوء على تطوُّر العبرانيين وعقائدهم منذ مراحلهم البدائية حتى اكتمال النسق الديني اليهودي، أي أن نقد العهد القديم هو العلم الذي يهدف إلى إبراز وتوضيح سائر المشاكل الخاصة بنصوص العهد القديم، وبالتالي وضع أساس للدراسات الأخرى، الاجتماعية والتاريخية والدينية، التي تتناول العصور التي تم فيها وضع العهد القديم وتدوينه.

وقديماً كان يتم التمييز بين الدراسة النقدية أو الأدبية (العليا) والدراسة النقدية (الدنيا) أو الأولية. فبينما كانت الدراسة الأولية تختص بدراسة النص وحسب، فإن الدراسة العليا كانت تركز على تحليل مؤلف النص وظروفه التاريخية والمغزى من مؤلفه. ولكن الجهد يتجه الآن نحو مزج الدراستين، وبالتالي قد تؤدي الدراسة التاريخية أو الأدبية (العليا) لنصٍّ ما إلى إعادة صياغة كلمات النص وطريقة نطقها (الدراسة الأولية) ، والعكس صحيح، بمعنى أن اكتشاف طريقة جديدة لنطق بعض الكلمات قد يلقي ضوءاً على مؤلف النص وتاريخه.
وقد أدرك الحاخامات، منذ البداية، وجود التناقضات وعدم الإتساق داخل النصوص التوراتية، ولكن جل همهم انصرف إلى محاولة تفسيرها. فعلى سبيل المثال، عرف الحاخامات أن الإصحاح رقم 34 في سفر التثنية لا يمكن أن يكون موسى قد كتبه، ففُسِّر على أساس أنه كتبه وهو يموت، وأن الإله أملى عليه هذه الكلمات، وأنها كُتبت بروح النبوة. وقد أدرك الحاخامات كذلك، منذ أيام الترجمة السبعينية، أن عدد السنين التي تفصل بين لاوي وموسى لا تصل إلى 430 سنة (حسبما ورد في سفر الخروج) ففسروها بأن الفترة الزمنية بدأت مع مولد إسحق.

وقد بدأ نقد العهد القديم على يد المؤلف اليهودي القرّائي (حيوي البلخي) الذي عاش في القرن التاسع. وقد ظهرت محاولات متفرقة هنا وهناك، أهمها دراسة إسحق أبرابانيل (1447 ـ 1508) الذي قدَّم أول دراسة علمية لنصوص العهد القديم. كما أن ابن حزم الأندلسي وبعض الدارسين المسلمين القدامى لاحظوا أن ما ينسبه العهد القديم إلى الأنبياء من جرائم، يُعدُّ دخيلاً على النص الأصلي. ولكن العلم نفسه، بالمعنى الحديث، بدأ مع الفيلسوف اليهودي إسبينوزا الذي قال بأن أسفار موسى ليست من تأليف موسى، وأن عزرا مؤلفها الحقيقي. وبعد ذلك، تتالى العلماء الغربيون في دراسة العهد القديم من وجهة نظر نقدية. وكان أول الكتب لجان إستروك الأستاذ في جامعة باريس عام 1753، وتبعه كتاب ج. آيتشورن عام 1779، وهناك آخرون بينوا مصادر العهد القديم المختلفة، ولم يبق سوى تبيان تتاليها التاريخي، وهو ما أنجزه فون جراف عام 1866، وفلهاوزن (1876ـ 1878) ، وكونهيل. ويُلاحَظ أن هؤلاء الثلاثة من أشهر علماء الإسلاميات في الغرب، ولابد أن النقد القرآني للتحريفات التي وردت في التوراة، كان دافعاً لدراستهم النقدية. وقد انضم إليهم آخرون، من بينهم جايجر (أحد مؤسسي اليهودية الإصلاحية) وجراييتس وكاوفمان وكوهلر. وظهر علم اليهودية الذي يحاول اكتشاف الأسس التاريخية للنصوص المقدَّسة.
وقد استخدم نقاد العهد القديم في دراساتهم المعايير التالية:
1 ـ التناقض في الأجزاء التشريعية: وكما هو واضح في الحكمة من فرض شريعة السبت، فقد ورد مرة أنه فُرض "لأن الرب استراح في اليوم السابع بعد أن خلق السماوات والأرض" (خروج 20/11) . أما في سفر التثنية، فلا يوجد ذكر للخلق، وإنما الإشارة إلى الخروج من مصر (تثنية 5/12 ـ 15) .

2 ـ التناقض في القصص: فقد ورد في سفر التثنية (2/4) أن العبرانيين مرُّوا بأرض الأدوميين (بني عيسو) في طريقهم إلى كنعان. أما في سفر العدد (20/21) ، فقد ورد شيء مخالف تماماً.
3 ـ التناقض بين ما جاء في الشرائع وما ورد في القصص: فسفر التثنية (12/5، 6) يصر على ضرورة تقديم القرابين في مذبح مركزي، ومع هذا قدَّم إلياهو قرابين على جبل الكرمل (ملوك أول 18/19 - 37) . وتؤكد أسفار موسى الخمسة أهمية تقديم القرابين خلال سنوات التيه، بينما يؤكد النبي عاموس أن مثل هذه القرابين لم تُقدَّم (عاموس 5/25) . وينكر إرميا أن الإله أمر بمثل هذه القرابين (إرميا 7/22) .
4 ـ تباين الأسلوب الأدبي: وقد توصَّل الباحثون، بعد دراسة الاختلافات الواضحة في مفردات النصوص وأفكارها، إلى أن هذه النصوص تعود إلى فترات زمنية مختلفة. فسفر الخروج يعلن أن الآباء يعرفون الإله باسم «شدَّاي» ، وهو ما يساعد على تحديد هذه النصوص وتحديد تاريخها، وأنها تعود إلى المصدر نفسه. كما أن اختلاف الخلفيات التاريخية في سفر أشعياء والمزامير يُسهِّل عملية معرفة المؤلف وتاريخ التأليف.
5 ـ استخدام ترجمات العهد القديم المختلفة: يجد النقاد أن الترجمات القديمة للعهد القديم تظهر فيها نصوص أو مقطوعات ليست في النص العبري، كما وجدوا أيضاً ما هو مخالف. فالترجمة السبعينية لسفر أيوب (38/2) تضم فقرة لا توجد في النص العبري تُغيِّر تفسير السفر تماماً.
6 ـ الاكتشافات الأثرية: يدرس ناقدو العهد القديم الآثار والمدونات الآشورية والبابلية والمصرية ليحصلوا على المعلومات التي تلقي ضوءاً جديداً على التاريخ. وتتفق هذه المدونات مع الرواية التوراتية أحياناً، وأحياناً تتناقض معها. وقد ألقت عقائد أمم الشرق الأدنى القديم الكثير من الضوء على عقائد العبرانيين القدامى، وعلى تطوُّر العقيدة اليهودية.

وقد اتفق نقاد العهد القديم على أن أسفار موسى الخمسة وسفر يشوع بن نون ترتد إلى مصادر (بالإنجليزية: سورسيز (Sources أربعة أساسية:
1 ـ المصدر اليهوي: مصدر (J) وهذا هو الحرف الأول من كلمة «Jahwist» نسبة إلى «جهوفاه» . ومن الواضح أن هذا المصدر يحمل اسم الإله يهوه، ويرجع إلى القرن التاسع قبل الميلاد، ويُرجعه البعض الآخر إلى القرن العاشر. وقد سُمِّي «مصدر يهوه» لأنه يستخدم هذا الاسم للإشارة إلى الإله، وكان رواته من المملكة الجنوبية. والواقع أن تصوُّر الإله في هذا المصدر قَبَلي ضيق يتداخل فيه المقدَّس والزمني والمطلق والنسبي (فهو حلولي وثني) ، والإله سلطته محدودة بمكان خاص باليهود، وهو يتعصب لليهود ويناصرهم على أعدائهم ويتجلى في تاريخهم، وهو ذو سمات بشرية عديدة. فالإله لا يختلف كثيراً عن مخلوقاته، فهو يغار منهم، ويخشى أن يصبح الإنسان عاقلاً أو قوياً، وهو يصارع يعقوب ولكن يعقوب يهزمه. كما أن قيمه الأخلاقية ليست سامية ولا عالمية، فإبراهيم يكذب على فرعون ليضمن بقاءه، ويجعل زوجته تدَّعي أنها أخته «ليكون لي خير بسببك» (تكوين 12/13) ، فهي امرأة حسنة المنظر. وبالفعل «رآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأُخذت المرأة إلى بيت فرعون. فصنع إلى أبرام خيراً بسببها» و «صار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأُتن وجمال» (تكوين 12/11 ـ 16) . ويعقوب يخدع إسحق وعيسو، ويهودا يضاجع زوجة ابنه، وهكذا.
وقصص هذا المصدر متأثرة بالأدب الشعبي والقصص الديني للشعوب التي عاش العبرانيون بينها، سواء في الفكرة أو الحبكة القصصية. ويؤكد هذا المصدر أهمية سبط يهودا، ويرى أن عصر داود هو العصر الذهبي الذي تحقَّق فيه الثالوث الحلولي، إذ ارتبط الإله بالشعب بالأرض في رباط حلولي عضوي. وهذا المصدر هو الذي يشير إلى أرض كنعان باعتبارها أرض يسرائيل.

2 ـ المصدر الإلوهيمي: مصدر (E) نسبة إلى «إلوهيم Elohim» . ويحمل هذا المصدر اسم «إلوهيم» باعتباره اسم الإله، ويتحاشى اسم «يهوه» ، وقد أُلِّف حوالي 770 ق. م في المملكة الشمالية. وهذا المصدر يتسم بالرؤية التوحيدية أو شبه التوحيدية للإله، فهو يصوِّرالإله في صورة أسمى مما يفعل المصدر اليهوي، فهو الإله الذي يقول «كن فيكون» ويتسامى عن صفات وعواطف البشر. وهو إله شامل قد تكون له علاقة خاصة بشعبه، ولكنها علاقة لا تنتقص من عالميته، كما أن ثمة شعوراً دينياً عميقاً بطاعة الإله والولاء له. ويُلاحَظ على هذا المصدر تأكيد البُعد الأخلاقي بكل وضوح على حساب الجانب الشعائري. كما تسيطر عليه رؤية الأنبياء إذ هناك أحكام مشابهة لأحكام الأنبياء. وهو ينفرد بنسبة النبوة إلى إبراهيم ويوسف وموسى (ولذا، فإن كثيراً من النقاد يعتبرون المصدر الإلوهيمي الإطار النظري لحركة النبوة) . والواقع أن المصدر الإلوهيمي يفتح الباب واسعاً أمام أعضاء جماعة يسرائيل لإعلان توبتهم وندمهم على ما اقترفوه من أخطاء، وعن طريق التوبة والندم يحدث العفو الإلهي. والمصدر الإلوهيمي ينظر إلى المصريين نظرة أكثر تسامحاً. ويُعنى هذا المصدر بسرد التاريخ الديني لجماعة يسرائيل، كما أنه يعكس بيئة المملكة الشمالية. وقد استقى المصدر قصصه من قبيلة أفرايم.

3 ـ مصدر التثنية: مصدر (D) نسبة إلى «ديتيرونومي Deuteronomy» أو تثنية الشريعة. وقد أُدخل هذا المصدر في صميم العهد القديم عام 621ق. م. ويحاول المصدر التوفيق بين المصدرين الإلوهيمي واليهوي، وبين تراث الشمال وتراث الجنوب. وكذلك بين الفكر النبوي والفكر الكهنوتي المتعارضين، فالأول يركز على الجوانب الروحية، والثاني يركز على العبادة القربانية، ولذا فإن هذا المصدر يحتفظ بالاتجاه القومي العنصري (اليهوي) والاتجاه العالمي المثالي (الإلوهيمي) . كما أن هذا المصدر صادر عن وسط مثقف مرتبط بالإصلاح الديني (التثنوي) الذي حدث عام 622 ق. م، حين أرسل الملك يوشيا (641 ـ 611 ق. م) ، أي بعد وفاة موسى بما يقرب من سبعمائة عام، أحد أتباعه إلى الكاهن الأعظم، ليحسب النقود التي دفعها زوار الهيكل. فوجد «توراة موسى» في بيت الإله وندموا على أنهم كانوا قد نسوها. ويبدو أن كاتب هذا السفر هو أحد الكهنة.
والواقع أن النص كان يمثل رد فعل للغزو الثقافي الآشوري الذي اكتسح العبرانيين آنذاك فانصرفوا عن عبادة يهوه، ولذا كان لابد للكهنة والأنبياء أن يوحدوا صفوفهم، وهو ما ينجزه هذا المصدر الذي يشبه أسلوبه أسلوب إرميا الذي عاش في ذلك الوقت. كما أنه يصر على أن التضحية ليهوه لابد أن تتم في مكان واحد يختاره هو، أي الهيكل، وهو الأمر الذي يتفق مع إصلاحات يوشيا ومع أهداف الكهنة، كما يتفق مع محاولة تقوية الدولة من خلال العبادة القربانية المركزية.

4 ـ المصدر الكهنوتي (حواشي الكهنة) : مصدر (P) من كلمة «بريستلي Priestly» ، أي الكهنوتي ويعود تاريخه إلى ما بعد فترة التهجير البابلي. ويضم أساساً قوانين اللاويين والإحصاءات والأرقام التي وردت في أسفار موسى الخمسة، كما يضم بعض الروايات التي وردت في سفر التكوين والخروج والعَدد. ويستخدم هذا المصدر القصص إطاراً للشرائع، بهدف إعطاء القوانين والشرائع صفة القدسية. والإله في هذا المصدر هو خالق كل شيء، كائن وحاضر في كل آن ومكان، وفي كل شيء. ومؤلفو هذا المصدر يتمتعون بثقافة عالية، ولذا فهو يتسم بالصياغات المنطقية. كما أن أسلوبهم دقيق ونمطي وجاف، ويظهر فيه التمييز بين الكهنة واللاويين، ويرد فيه أول ذكر للأعياد ووصف تفصيلي لخيمة الاجتماع.

وقد امتزج المصدران، اليهوي والإلوهيمي، حوالي عام 650 ق. م، ولذا يشار أحياناً إلى المصدر (JE) الواحد، أي المصدر اليهوي الإلوهيمي. كما توجد مصادر سابقة أخرى، مثل مصدر (H) نسبة إلى «هولينيس Holiness» ويُطلَق عليه «مصدر القداسة» . ويُنسَب إلى مجموعة من الكتاب أثناء السبي البابلي، وقد حاولوا أن يعطوا طابعاً شخصياً للإيمان الديني يَبعُد عن الشعائر البرانية الجافة، وقد تبنوا مجموعة من المبادئ الأخلاقية العالية. وأخيراً، فإن هناك مصدر (K) من «كينايت Kenite» ، أي «المصدر القيني» ، ويُقال إنه أقدم المصادر على الإطلاق، ولكن أجزاءً كثيرةً منه فُقدت. وقد استفاد منه كتَّاب المصدرين اليهودي والإلوهيمي وحذفا منه الكثير. ويذكر الدكتور محمد خليفة حسن أحمد في كتابه علاقة الإسلام باليهودية أن ثمة مصادر أخرى للتوراة غير هذه المصادر الأربعة الأساسية، ولكنها تقل عنها كثيراً في الأهمية وفي وجودها داخل النص. وقد اتجه بعض النقاد إلى ضم هذه المصادر. بل مال بعضهم إلى تقسيم المصدر الواحد إلى عدة مصادر داخلية والتمييز بينها بإعطاء رقم معيَّن كأن نقول مثلاً يهوي1، يهوي2، يهوي3 أو إلوهيمي2، إلوهيمي3، وهكذا.

وهناك مصدر مهم لم يتمكن النقاد من ضمه بسهولة إلى مادة المصادر الأربعة الرئيسية. ولهذا، فقد اتجه بعض النقاد، مثل إيسفلت، إلى إعطائه علامة تميِّزه عن غيره. ووقع اختيار إيسفلت على الرمز (L) للدلالة على مادة هذا المصدر. وهذا الرمز اختصار لكلمة «لاي Lay» التي نترجمها هنا إلى كلمة «العامي» أو «غير الكهنوتي» ، وقد اعتبر إيسفلت هذا المصدر أقدم المصادر على الإطلاق لاحتوائه على عناصر تبدو أصلية وبدائية في آن واحد. منها، مثلاً، نظرته إلى الإنسان القديم بوصفه بدوياً، وإلى البشرية آنذاك باعتبارها جماعةً من البدو، وإلى جماعة يسرائيل باعتبارها جماعةً بدويةً، وهي صورة لا نجدها في بقية المصادر. كما أن تصوير هذا المصدر للألوهية تصوير تجسيدي تشبيهي.
ويجب ألا تُفسَّر كلمة «مصدر» بأنها نص كتبه مؤلف واحد، فقد يكون نصاً كتبته مجموعة من المؤلفين في فترة زمنية واحدة. وقد تداخلت المصادر كالطبقات الجيولوجية دون أي تمازج، وهو ما يفسر وجود التناقضات المختلفة، وخصوصاً في مفاهيم محورية مثل مفهوم الخالق، إذ تتفاوت بين الحلولية ذات النزعة الأخلاقية القومية والتوحيدية ذات النزعة الأخلاقية العالمية. ويتضح تعدُّد المصادر وعدم تمازجها بصورة كبيرة في أسفار موسى الخمسة، ثم يطَّرد التناقض في أسفار القضاة والملوك والأيام. ونجد أن أسفار الأنبياء عادةً ما تضم خطبهم ونبوءاتهم وتتسم بكثير من الاتساق ماعدا سفري أشعياء وزكريا. أما كتب الحكم والأمثال، فمصادرها متنوعة وكثيرة ومتناقضة.

وتعبير «تكستوال ويتنسيز textual witnesses» يشير إلى تلك البقايا (الترسبات) التي وردت من عصور مختلفة لتدلنا على فترة (أو فترات) زمنية لم يكن كل مصدر فيها قد تبلور بعده وتُعَدُّ لفيفة المعبد (مجيلات هامقدش) من تلك الشواهد، كما أن مخطوطات قمران والترجمة السبعينية تُعَدُّ هي الأخرى دليلاً على أن هناك حالة من الاضطراب في وضع المصادر سادت بين المحررين للتوصل إلى قدر من المواءمة بين النصوص (بالإنجليزية: هارمونيست تكست harmonist text، أي «نص متوائم» ) . وهذه المصادر هي النص في حالة سديمية. فمخطوطات قمران هي النص في الحالة الجنينية ومرحلة النص الماسوري هي المرحلة الناضجة.
والواقع أن أثر نقد العهد القديم في اليهودية المعاصرة واضح بيِّن، فاليهودية الإصلاحية تنطلق من تَقبُّل نتائجه، فهي تنطلق من دنيوية أو نسبية أو تاريخية أو زمنية التراث الديني اليهودي بأسره، وهذا ما يعني أنه ليس مرسلاً من الإله وإنما نتيجة قريحة عقل الإنسان، وربما بإلهام (وليس بوحي) من الإله. ولا تختلف اليهودية المحافظة أو التجديدية عن اليهودية الإصلاحية في هذه الناحية إلا من ناحية الدرجة.
كما أن الصهيونية وسائر التيارات التي تعرِّف اليهودية بأنها انتماء إثني أو عرْقي، وليس دينياً، تستند إلى معطيات نقد العهد القديم الذي يحوِّل كتب اليهود المقدَّسة إلى شكل من أشكال الفلكلور. واليهودية الأرثوذكسية وحدها هي التي ترفض نقد العهد القديم.

أما الفكر المسيحي، فقد استفاد بنقد العهد القديم في نقده اليهودية، إذ يشير كثير من المفكرين الدينيين المسيحيين إلى أن اليهودية تحوي عناصر وتراكمات وثنية عديدة حاول الأنبياء القضاء عليها وتطهير النسق الديني اليهودي منها، وقد نجحوا في ذلك بعض الوقت. ولكن اليهودية سقطت مرة أخرى في الوثنية والعبادة القربانية، والالتفاف حول الهيكل، والانغماس في النزعة العرْقية. ولذا، فلم يكن بالإمكان إنقاذ الجوهر الديني الحق لليهودية إلا عن طريق المسيحية.
الكتب الخارجية أو الكتب الخفية (أبوكريفا)
‏Apocrypha

«الكتب الخارجية» ، كمصطلح، يقابل كلمة «أبوكريفا» ، وهي كلمة يونانية تعني «الخفي» أو «غير الموثوقة» أو «غير المعترف به» . وقد كان هناك نوعان من المعرفة الدينية عند اليونان: النوع الأول يشمل عقائد وطقوساً عامة، بإمكان جميع طبقات البشر معرفتها وممارستها. أما النوع الثاني، فيشمل حقائق عميقة غامضة لا يمكن أن يفهمها أو يدرك كُنهها إلا قلة من الخاصة، ولذلك بقيت مخفاة عن العامة. ومصطلح «أبوكريفا» يشير إلى النصوص المقدَّسة غير القانونية، التي لم يعترف بها اليهود ضمن أسفار العهد القديم، ولم تُسجَّل باعتبارها أجزاء معتمدة منه، ولا تبلغ نفس درجته من القداسة عندهم. والواقع أن كلمة «أبوكريفا» تسمية مغلوطة، فالكتب التي أوصى الحاخامات بإخفائها، أي «سيفاريم جينوزيم» (دانيال 11/43) الكنوز المخفية عن العامة (على أن يطلع عليها الخاصة وحدهم) لا تتعدى كتاباً واحداً أو اثنين. أما بقية الكتب فهي «أبوكريفا» ، بمعنى أنها استُبعدت من الكتاب المقدَّس المعتمد لدى اليهود لأسباب أخرى فهي تنطوي مثلاً على تناقض مع ما جاء في التوراة، أو كُتبت بعد انتهاء عهد الأنبياء والوحي وبعد أن قام عزرا بتدوين العهد القديم، أو هي مجرد كتب حكمة لا علاقة لها بالدين ودُوِّنت إعجاباً بقيمتها، أو هي كتب لا ترتفع إلى المستوى الروحي الماثل في الأسفار القانونية، ولذلك لا يمكن اعتبارها وحياً. كما استُبعدت بعض النصوص الأسطورية التي تروي قصصاً نشورية تتصل بنهاية العالم. ونظراً لاستبعادها، يسميها بعض الباحثين بالكتابات الخارجية.
وقد كُتبت معظم الكتب الخفية في الفترة بين عامي 200 قبل الميلاد و100 بعده، وهي:

1 ـ أسفار تاريخية ورؤياوية، وتشمل: عزرا الثاني الذي يُقال له أسدراس الأول في الترجمة السبعينية وأسدراس الثالث في الفولجاتا، والمكابيين الأول والثاني، وإضافات إلى سفر دانيال، وهي (أ) نشيد الثلاثة الفتية المقدَّسين (ب) تاريخ سوسنة (جـ) تاريخ انقلاب بيل (بيل والتنين) ، وبقية سفر إستير، وباروخ الأول، ورسالة إرميا (التي تظهر كجزء من باروخ الأول) ، وصلاة منَسَّى.
2 ـ أسفار قصصية تحوي أساطير، وهي سفر باروخ وسفر طوبيت، وسفر يهوديت.
3 ـ سفران تعليميان، هما سفر حكمة سليمان وسفر حكمة يشوع بن سيراخ. لكن كثيراً من هذه الكتب وُضع أصلاً بالآرامية، وفُقد الأصل ولم يبق سوى الترجمة اليونانية المتمثلة في الترجمة السبعينية أو اللاتينية المتمثلة في الفولجاتا.
وتجب التفرقة بين الكتب الخفية والكتب المنحولة أو المنسوبة (سيود إبيجرفا) ، فالأولى ذات توجُّه أخلاقي واجتماعي (ويُقال إن الفريسيين هم واضعوها) والثانية ذات توجُّه أخروي حاد (ويُقال إن الفرق اليهودية المتطرفة مثل الأسينيين هم واضعوها) . والكتب الخفية التي استبعدها علماء اليهود، اعتمدتها الكنيسة الكاثوليكية كجزء معتمد من الكتاب المقدَّس (باستثناء عزرا الثاني) وإن كان أُطلق عليها مصطلح «كتب تثنوية» (أي مجموعة ثانية من الكتب المعتمدة) . وقد حذت حذوها الكنائس الأرثوذكسية: اليونانية والأرمنية والقبطية الإثيوبية. ومن الطريف أن يهود الفلاشاه يحذون حذو الكنائس القبطية. أما الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، فقد اعتمدتها وإن كانت قد أعطتها مكانة أقل من كتب العهدين القديم والجديد. أما الكنيسة القبطية المصرية، فقد استبعدت هذه الكتب ولم تعطها أية قيمة دينية. كما استبعدها البروتستانت وقالوا إن قراءتها أمر مستحسن.

ورغم أن الكتب الخفية والمنسوبة كتبها يهود ليقرأها اليهود، فإن حاخامات العصور الوسطى في الغرب كانوا يجهلون أمرها تماماً، إذ أن الكنيسة هي التي احتفظت بها. ولا توجد أية إشارات لها في التلمود إلا كتاب حكمة بن سيراخ، ولم يَعُد علماء اليهود إلى دراستها مرة أخرى إلا في عصر النهضة. ويطلق الكاثوليك كلمة «أبوكريفا» على الكتب المنسوبة (سيود إبيجرفا) .
الكتب المنسوبة (سيودإبيجرفا)
‏Pseudepigrapha
«الكتب المنسوبة» ، مصطلح يقابل كلمة «سيودإبيجرفا» اليونانية، وتعني «المنسوبة خطأ لغير مؤلفها» أو «الزائفة النسبة» أو «المنحولة» . وتشير هذه الكلمة إلى الكتب التي تُنسَب إلى بعض مشاهير أبطال الكتاب المقدَّس، مثل باروخ وحنوخ، والتي لم تُضَم إلى الترجمة السبعينية اليونانية أو الفولجاتا (الترجمة اللاتينية) . ولذا، فهي ليست من الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) . والكتب المنسوبة أكثر عدداً من الكتب الخفية، ولا يزال بعضها يُكتَشف حتى الوقت الحاضر، ومن أهمها: مزامير سليمان وصعود موسى وصعود أشعياء ووصايا الآباء الاثنتا عشرة، وهو عمل أخلاقي مهم ينصح فيه أبناء يعقوب أولادهم ضد الخطيئة التي ارتكبها كل واحد منهم. وترد في هذا الكتاب فكرة الماشيَّحين: أحدهما من قبيلة يهودا والآخر من قبيلة لاوي. وتختلف الكتب الخارجية أو الخفية عن الكتب المنسوبة في أن الأولى تشبه كتب الحكم والأمثال في الكتاب المقدَّس. أما الكتب المنسوبة، فهي ذات توجه أخروي حاد، ولذا يُقال إنها في أغلب الأمر من وضع الفرق اليهودية المتطرفة مثل الأسينيين الذين أداروا ظهرهم للمجتمع. كما أنها لم تكن موجهة إلى اليهود ككل، وإنما إلى قطاعات منهم وحسب. أما الكتب الخفية، فيُقال إنها من وضع الفريسيين الذين كانوا حريصين على التعامل مع المجتمع كله، ولذا فهي موجهة إلى اليهود بأجمعهم. ولهذا، فإن الفريسيين، مبالغةً في الحرص من جانبهم، فرقوا بين الكتب المعتمدة

(العهد القديم) وأية كتب أخرى سواء كانت من الكتب الخفية أو المنسوبة، وأقاموا سياجاً حول العهد القديم لحمايته. وقد تبنت الكنيسة الكاثوليكية الكتب الخفية لأنها موجهة إلى الشعب ككل، على عكس الكتب المنسوبة ذات الطابع الطائفي. ولذا، أصبحت الأولى جزءاً من كتابها القياسي المعتمد، وأصبحت الكتب المنسوبة هي أبوكريفا الكاثوليكية.
مخطوطات البحر الميت
‏Dead Sea Scrolls
هي لفائف مدوَّنة على الرق والبردي، بالعبرية والآرامية واليونانية، من أسفار أصلية من العهد القديم وكتابات أدبية أخرى وُجدت على هيئة مخطوطات في كهوف ومغاور النهاية الشمالية الغربية للبحر الميت في فلسطين منها: خربة قمران، ووادي المربعات، وخربة المرد (شمال وادي النار) ، وكهف القشخة، وكانت اللفائف الكتابية مُغلقة، وملفوفة، ومحفوظة بعناية في قدور كبيرة من الفخار لصيانتها من الرطوبة أو العبث. وقد كشفت لنا البعثات الأثرية (المُشكَّلة من إرساليات المدارس الإنجليزية والفرنسية، وبعد ذلك الهيئة الأثرية الإسرائيلية) عن أحد عشر كهفاً حتى الآن، ولا تزال الاكتشافات تتوالى في المنطقة وما حولها (وتقوم بها ـ حالياً ـ جمعية دراسة «إرتس يسرائيل» وآثارها وهي تابعة للجامعة العبرية) .
وقد عُثر في المغارة الرابعة منها على الكم الأكبر من هذه المكتبة بعد إعادة التنقيب عنها (على مدى ثلاث بعثات للتنقيب) منها كتب تراتيل وطلاسم سحرية وأدعية وتعاويذ لإبعاد الأرواح الشريرة والشياطين. وعلى ما يبدو، يميل الاتجاه الغالب لدى الباحثين إلى نسبة تلك الكتابات إلى جماعة الأسينيين وافتراض أن أفرادها دأبوا على نسخ تلك المخطوطات التي تتضمن حتى الآن ما يلي:
1 ـ أسفار العهد القديم:

أهم ما وصل إلينا منها كاملاً، سفر أشعياء النبي، وهو من نسختين إحداهما كاملة وتتفق في النص مع السفر المعتمد حالياً وإن اختلفت في بعض الفقرات والقراءات وفي هجاء بعض الكلمات، وأخرى متفقة نصاً مع النص المعتمد (الماسورتي) . وتُعدُّ اللفيفة المدوَّنة في أربعة وخمسين عموداً أقدم نسخة كاملة لسفر من أسفار العهد القديم. وبالإضافة إلى ذلك، عُثر على أجزاء عديدة من أسفار العدد وصموئيل.
وتبدو أهمية هذه الأسفار في أنها تُمثل لنا اتجاهاً مبكراً إلى إيجاد نصوص متوائمة تتلافى التناقضات التي يعثر عليها الباحثون في النص الحالي للعهد القديم، وهو ما يدلنا على انفصال كُتَّابها عن المدرسة الكتابية للعهد القديم. وفي عام 1950، نشرت المدرسة الأمريكية للدراسات الشرقية لأول مرة النص المخطوط من سفر أشعياء، وتابعت المدرسة الفرنسية للدراسات الأثرية نشر ما يُعثر عليه من لفائف العهد القديم.
2 ـ تفاسير على أسفار العهد القديم:
وهي تفاسير متنوعة أهمها تفسير كامل لسفر حبقوق. ونُلاحظ اقتصار الناسخ على إصحاحين فقط، وهو ما يدل على عدم قانونية الإصحاح الثالث (وهو أمر ألمح إليه النقاد الدارسون للعهد القديم) . وأسلوب التفسير الذي تنتهجه طائفة قمران هو الأسلوب الباطني بمعنى العودة بالنص إلى مدلول مختلف وإخراجه من سياقه المباشر أو شبه المباشر. وتُلقي التفاسير الضوء على الفترة التي عاشت فيها الطائفة القمرانية وعلى نظرتها للأحداث مثل دخول بومبي القدس وتناظر بينه وبين أحداث الماضي (دخول سنخريب للقدس) .
3 ـ ميثاق الجماعة (سرَخ هايحاد) :

ويضم ثلاث وثائق منفصلة نصاً ولكنها تتفق مضموناً في تنظيم شئون الجماعة وعلاقتها الحالية والمستقبلية بما حولها. وتدلنا هذه الوثيقة على انتهاج الطائفة أساليب صارمة في التنظيم وفرضها لعقوبات على من يخالف نظامها أو ينشر أسرارها، وهي تشير إلى علاقة الفرد بالآخرين ممن هم خارج جماعته وإلى عدم جواز مخالطتهم أو الإفاضة عليهم مما أفاء الله عليه من علم بالشريعة وأسرارها!
4 ـ لفيفة حرب أبناء النور وأبناء الظلام:
هي خطة حربية محكمة (خيالية) يتوقع أفراد الجماعة أنهم سيخوضونها قريباً، بعد عودتهم من «صحراء الأمم» في دمشق فسيُعينهم الرب بملائكته وجنده ليقضوا على كل الأعداء التقليديين المذكورين في العهد القديم (الفلسطينيين والآشوريين.. إلخ) . وتبدو الإشارات إلى الشعوب المعادية في اللفيفة كإشارات رمزية إلى جماعات عرْقية سكنت فلسطين في الفترة الممتدة من القرن الثاني قبل الميلاد حتى القرن الأول الميلادي.
5 ـ مخطوطة لامك (أبوكريفون جينسيس أو بريشيت أبوكريفون) :
هو سفر غير قانوني يُعتبَر إعادة صياغة لأحداث قصة لامك. والشخصية الأساسية في السفر هي شخصية لامك حفيد حنوخ والد نوح. إلا أن المضمون العام يتضمن تكرار قصة الخلق والآباء مع إضافات عديدة منها ما يشير إلى التشكك في ولادة نوح والتساؤل عن ولادته الإعجازية بتناسل البشر مع أنصاف الملائكة (وهي كائنات سماوية شاع الاعتقاد في وجودها في الفترة من القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي) ، الأمر الذي يوضح صلة طائفة قمران بالمسيحية الناشئة التي تبنَّت مثل هذه الاعتقادات.
6 ـ مزامير التسبيح والشكر (هودايوت) :

هي أكثر من 300 من المزامير الترتيلية تُستهَل بعبارة «أوديخاي أودناي» أي «أشكرك يا ربي» ، وهي تتضمن تصويراً لمعلِّم الجماعة ومعاناته مع مناوئيه، ومحاولتهم إثناءه عن شريعة الرب. ومع أنه لا يذكر اسمه تحديداً، إلا أن الإشارة إلى الأسرار الإلهية التي انكشفت له تعبِّر عن الاتجاه الغنوصي الواضح داخل فكر الجماعة.
7 ـ الوثيقة الدمشقية والأسفار الخارجية:
عُثر من الوثيقة الدمشقية (سفر عهد دمشق) على 12 جزءاً مقتطفاً من سفر عهد دمشق القاهري الذي كان قد عثر عليه سلومو شيختر عام 1890 ونشر نسختيه عام 1910. وكان أول نص عُثر عليه في القاهرة في معبد بن عزرا (بالفسطاط) ، وأُطلق عليه "جذاذات من وثيقة صدوقية". وقد دلتنا الأسفار الخارجية (بالعبرية والآرامية) التي لها صلة وثيقة بمضمون كتابات الطائفة وبلغتها على أنها جميعاً تنتمي إلى التيار الديني نفسه الذي تمثله جماعة قمران المنشقة. وتمثل وثيقة دمشق القاهرية نقداً لاذعاً للفرق الدينية التي انعزلت عنها الجماعة، وتكمل لنا صورة التطور التاريخي للجماعة اليهودية عموماً. وتطلق الجماعة على أفرادها اسم «أبناء العهد الجديد» ، وهو الاسم الذي أدَّى ببعض الباحثين للربط بينها وبين المسيحية.
ودلنا الكشف الأثري على الدأب الذي تميَّز به سكان قمران في استنساخ الأسفار المقدَّسة وكتابات الطائفة، وعلى أنهم خصصوا لهذه الغاية قاعة معيَّنة أقاموا فيها الموائد والمقاعد للكتابة، وأنشأوا مغاسل (قاعات استحمام) للتطهر الطقوسي قبل بداية أداء الشعائر وقسَّموها حسب درجة قدسية كل فرد ينتمي إلى الجماعة.

وقدَّر الباحثون عمر المخطوطات اعتماداً على دراسة اللغة والخطوط والمادة المكتوبة عليها والمادة التي دُوِّنت بها وشكل الأحرف والصياغة والرق والكتان والنحاس والأوعية الفخارية والعملات. ونجح البحث الأثري (باستخدام طريقة الكربون 14 المشع لفحص الكتان الذي لُفت به الوثائق والجرار الفخارية) في إعطائنا معلومات تقديرية عن عمر المخطوطات حيث قُدِّرت بالفترة من 300 قبل الميلاد حتى 70 ميلادية.
لقد كُتب أكثر من ثلاثة آلاف دراسة عن المخطوطات: مضمونها وتفسيرها وشروحها وتأويل ما بها وتقدير الأحداث التي تتناولها بالاستعانة بالبحث التاريخي المقارن. ولا ندري هل ستؤدي هذه الدراسات إلى إجراء تعديلات أو تأويلات مختلفة حول نشوء المسيحية، فهذه مسألة تنتظر إجابات بعد الدراسات النهائية الكاملة المقارنة بالنصوص التاريخية ونصوص العهد القديم المعتمدة والترجمة عنها.
وتثير مخطوطات البحر الميت كثيراً من الإشكاليات. نذكر منها ما يلي:

1 ـ رغم الافتراضات العديدة، لا يستطيع الباحثون إلى الآن الجزم بانتماء هذه المخطوطات إلى فرقة بعينها دون غيرها، والتساؤلات المطروحة في هذه النقطة هي: إلى أي حد تمايزت الفرق اليهودية في بداية نشأتها؟ وما مصداقية ما قاله المؤرخون اليهود وغيرهم مما نقله عنهم بعد ذلك آباء الكنيسة والمؤرخون اليونان والرومان القدامى؟ وما الصلة القائمة بين الفرقة التي دوَّنت المخطوطات (أو نسختها) وغيرها من فرق طريدة سكنت مناطق مجاورة من برية نهر الأردن؟ ولماذا عُثر في قلعة ماسادا على كتابات خاصة بطائفة قمران التي يُظن أنها طائفة من الزهاد؟ ولماذا عُثر بين مخطوطات هذه الفرقة، التي تُنسَب إلى القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي، على مخطوطة (أو أجزاء منها) تنتمي إلى منسوخات القرن العاشر الميلادي في معبد بن عزرا؟ وما مصير الطائفة التي نسخت أو دوَّنت النصوص؟ هل ذابت الطائفة داخل التيار المسيحي الناشئ أم قضى عليها الصراع الطائفي؟ وهل ما زالت لها بقايا أو ذيول في الفكر اليهودي للجماعات المتمردة على اليهودية الرسمية أو ممثليها؟
2 ـ تبلورت في اليهودية اتجاهات عديدة (قبل الفترة اليونانية الرومانية) ، فهل جاء إليها هذا النمط الفكري مع التيار الكاسح من التيارات الثقافية والدينية العديدة التي حملتها الهيلينية؟ وهل صمدت اليهودية أم تطورت داخلياً لتواجهه؟ وهل بدأت شيع منها تذوب في هذا الخضم من الأفكار الشرقية الهيلينية التي اكتسحت الشرق الأدنى القديم؟ وهل الأسينية حركة يهودية؟ وما الصلات القائمة بين الأسينية والمسيحية الناشئة وبين أتباع الجماعات السرية والغنوص الوثني؟

3 ـ تثير المخطوطات قضية علاقة الغنوصية (تلك الحركة التي طاردها بكل عنف آباء الكنيسة الأولون) باليهودية؟ وهل يُخفي العداء الغنوصي للإله اليهودي «يهوه» نقداً يهودياً للإله؟ ثم هل سبقت الجماعات من أشباه الغنوصيين «اليهود» ظهور الغنوصية نفسها أم أنها ظهرت متزامنة مع جماعات ظهرت في كلٍّ من الإسكندرية ومدن يونانية عديدة خلقتها ظروف متشابهة ناتجة عن مزج عقائد الشرق والغرب؟
ثم ما الصلة بين هذه الجماعة وأصول القبَّالاه (وهي التي يطلق عليها جرشوم شوليم «الغنوص اليهودي» ) ؟ وإلى أي حد قد تكشف لنا هذه المخطوطات من الأسرار الخفية التي وردت عنها شذرات في التلمود (حجيجاد 2/12 وغيرها) بشأن البحث في كرسي العرش الإلهي والكروبيم والأسرار المقدَّسة واسم الرب الأعظم (هشيم همفوراش) ؟
4 ـ العثور على أسفار ونسخ من أسفار الأبوكريفا (غير القانونية) لأول مرة بالآرامية وليس بالترجمات اليونانية المعروفة للنصوص التي كانت تُعتبر غير قانونية وهذا ما يثير التساؤل بشأن مصداقية حفاظ زعماء اليهود على معيار ثابت يقدرون به قانونية أو عدم قانونية الأسفار المقدَّسة؛ والتساؤل عن احتفاظ جماعة من الأتقياء بأسفار أفتى الفقهاء بعدم قانونيتها.

5 ـ أما بالنسبة لكتابة المدراش والتفاسير على الأسفار المقدَّسة وهي تفاسير لأسفار الأنبياء الصغار ولأجزاء من سفري صموئيل والتثنية وأشعياء، فقد طُرحت تساؤلات عديدة بشأن بداية مدارس تفسير يهودية قديمة، وأسباب اتجاه بعض التيارات الفقهية المنشقة (مثل القرائين) للأخذ بمثل هذه المناهج التفسيرية، ومدى الصلة بينها وبين مدرسة قمران التفسيرية. وكذلك زعزعت التفاسير الفقهية على النصوص الهالاخية في قمران وجهة النظر القائلة بعدم وجود شرائع شفهية لدى جماعات أخرى في اليهودية (مثل الصدوقيم) إن ثبت انتماء المخطوطات إليهم. ويُطرَح أيضاً التساؤل عن أسباب أخذ بعض الفلاسفة اليهود أمثال فيلون السكندري بالمنهج الرمزي في التفسير ومن بعده آباء الكنيسة أمثال هيرونيموس.
وقد هُرِّبت المخطوطات المكتشفة من بعض البلاد العربية وجرى الاتجار فيها بصورة غير شرعية وحصلت الحكومة الإسرائيلية على بعض المخطوطات المعروضة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 1957، حصلت الحكومة الأردنية على المخطوطات الأثرية المُكتشفَة في منطقة البحر الميت بجميع أنواعها وبكل اللغات المكتوبة بها ثم سمحت بعرض بعضها في المتاحف بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا وإنجلترا.
وقد خالفت إسرائيل اتفاقية لاهاي المبرمة عام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، وذلك عندما نقلت أثناء معركة القدس (يونيه 1967) كميات كبيرة من مخطوطات البحر الميت بدعوى الحفاظ عليها بصفة مؤقتة. وحتى اليوم، لم تتم إعادة مخطوطات البحر الميت إلى مكانها الأصلي في (المتحف الفلسطيني - الأردني) .

وبالمقارنة بين مصير مخطوطات وبرديات نجع حمادي ومخطوطات البحر الميت، نجد أن برديات نجع حمادي الغنوصية (اكتُشفت عام 1947) نُشرت بالكامل بينما لم يتم نشر وتحقيق مخطوطات قمران وهي تحت سيطرة فريق محدد من الباحثين (إلا أن هناك عالمين أمريكيين قاما بتركيب نسخة من خلال معجم كلمات المخطوطات، وقد بدآ في نشر بعض أجزاء منها) .
والسؤال الذي لا يزال مطروحاً هو:
لماذا التأجيل الذي دام عشرات السنين؟ ولماذا يصر الفريق الدولي الباحث على إرجاع المخطوطات إلى ما قبل ظهور المسيح والمسيحية الناشئة وعلى تصوير جماعة قمران على أنها جماعة منعزلة غير مؤثرة بعيدة كل البُعد عن الواقع الديني والاجتماعي والسياسي في ذلك العصر؟
في محاولة للإجابة على هذا التساؤل، يمكن القول بأن ثمة تشابهاً واضحاً، قد يصل إلى درجة التطابق أحياناً بين نصوص من العهد الجديد (الأناجيل) ونصوص وردت إلينا من مخطوطات البحر الميت. ومن ذلك ما ورد في أعمال الحواريين (الرسل) من أن أعضاء الكنيسة الأولى كانوا يشاركون في كل شيء. وثمة نص صريح يتصل بهذه الحياة التعاونية المشاعية في المخطوطة المعروفة باسم «ميثاق الجماعة» ، وكذلك مجموعة نصوص أخرى منظمة لشئون الجماعة.
ووفقاً لنص أعمال الحواريين أيضاً، فإن ثمة قيادة جماعية للكنيسة الأولى تتكون من اثنى عشر حوارياً، وثمة ثلاثة لهم أهمية خاصة (جيمس وبطرس وجون) وهو التقسيم نفسه الذي نجده في فتاوى جماعة قمران دون ذكر أسماء.

كذلك ثمة تشابه شديد في الطقوس على سبيل المثال، فطقس التعميد وهو أحد أهم الطقوس المسيحية له نظيره في نصوص قواعد الجماعة حيث يرد: "إن الماء الطاهر ليُطهِّر الشخص الذي يرتضي لنفسه الخضوع للحق والإيمان بشريعة الرب حقاً، تطهيراً من آثامه ولا يتطهر لو اغتسل بالأنهار والبحار وهو لا يزال على شريعة مخالفة". يرد ذلك تمشياً مع المنهج الأخلاقي لسفر أشعياء: "اختنوا أولاً غرلة قلوبكم قبل ختان غرلة أجسادكم".
كذلك نجد أن هناك توجُّهاً واحداً ذا طابع مشيحاني فيما يخص كلاًّ من الكنيسة الأولى ونصوص قمران. وبالطبع، فإن الماشيَّح المنتظر في الكنيسة الأولى هو «يسوع المخلِّص» ، بينما لا يوجد ذكر اسم محدد في نصوص قمران وإنما ثمة لقب هو «مُعلم الفضيلة» . والشيء المهم هنا أن نصوص قمران لا تتكلم إطلاقاً عن أية طبيعة إلهية لمعلم الفضيلة المذكور، وهنا مربط الفرس، فلو كان ثمة ربط بين جماعة قمران وبين المسيحيين الأوائل لأمكن أن نقول إن مُعلم الفضيلة «موريه هاتسيدق» هو السيد المسيح نفسه. وهكذا، تنتفي الصفة الإلهية التي ينسبها بعض النصارى للسيد المسيح، وبذلك نستطيع أن نفهم سبب الإصرار على إبعاد هذه الجماعة عن التداخل مع الواقع المحيط بها تماماً.

كما أن تأكيد عزلة تلك الجماعة يخدم أيضاً غرضاً آخر، فلو أن هذه الجماعة كانت متداخلة في الحياة والواقع المحيط بها لأمكن القول بأن المسيحية نشأت في إطار دعوة عامة للعودة إلى الحق والشريعة التي انتهكتها جماعة اليهود (في فلسطين) ، وأن ثمة تواصلاً واطراداً تاريخياً بين جماعات متفرقة ومستمرة منذ انهيار حق اليهود في فلسطين وبين المسيحيين الأوائل الذين كانوا يحملون أفكاراً مشابهة ترفض الرؤية الشكلية للديانة والانغماس في الشهوات وما إلى ذلك، أي أن ثمة جماعات يهودية متعددة وليس مجرد شعب يهودي واحد ذي تاريخ واحد وتطلعات واحدة. ومن ثم، إن ثبت أن هذه الجماعة كانت تمثل رأياً مهماً ورمزاً أساسياً في الحياة السياسية والدينية والاجتماعية في وقتها، فإن أسطورة الشعب اليهودي الواحد تتهاوى من الأساس وينهار معها أهم الروافد الأيديولوجية الصهيونية. وحينذاك، نستطيع أن نفهم لماذا يتفق الصهاينة مع المعادين لليهود على طمس وإخفاء هذه الحقائق التاريخية طوال هذه الفترة.

اليهودية المفاهيم والفرق - الفرق الدينية اليهودية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري


الفرق الدينية اليهودية (حتى القرن الأول الميلادى)
الفرق الدينية اليهودية
‏Jewish Religious Sects
توجد في اليهودية فرق كثيرة تختلف الواحدة منها عن الأخرى اختلافات جوهرية وعميقة تمتد إلى العقائد والأصول، فهي في الواقع ليست كالاختلافات التي توجد بين الفرق المختلفة في الديانات التوحيدية الأخرى. ومن ثم، فإن كلمة «فرقة» لا تحمل في اليهودية الدلالة نفسها التي تحملها في سياق ديني آخر. فلا يمكن، على سبيل المثال، تصوُّر مسلم يرفض النطق بالشهادتين ويُعترَف به مسلماً، أو مسيحي يرفض الإيمان بحادثة الصلب والقيام ويُعترَف به مسيحياً. أما داخل اليهودية، فيمكن ألا يؤمن اليهودي بالإله ولا بالغيب ولا باليوم الآخر ويُعتبر مع هذا يهودياً حتى من منظور اليهودية نفسها. وهذا يرجع إلى طبيعة اليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً تراكمياً يضم عناصر عديدة متناقضة متعايشة دون تمازج أو انصهار. ولذا، تجد كل فرقة جديدة داخل هذا التركيب من الآراء والحجج والسوابق ما يضفي شرعية على موقفها مهما يكن تطرفه. وأولى الفرق اليهودية التي أدَّت إلى انقسام اليهودية فرقة السامريين التي ظلت أقلية معزولة بسبب قوة السلطة الدينية المركزية المتمثلة في الهيكل ثم السنهدرين.....

ولكن، مع القرن الثاني قبل الميلاد، خاضت اليهودية أزمتها الحقيقية الأولى بسبب المواجهة مع الحضارة الهيلينية. فظهر الصدوقيون والفريسيون، والغيورون الذين كانوا يُعَدون جناحاً متطرفاً من الفريسيين، ثم الأسينيون. ومما يجدر ذكره أن الصدوقيين كانوا ينكرون البعث واليوم الآخر، ومع هذا كانوا يجلسون في السنهدرين، جنباً إلى جنب مع الفريسيين، ويشكلون قيادة اليهود الكهنوتية. وقد حققت هذه الفرق ذيوعاً، وأدَّت إلى انقسام اليهودية. ولكنها اختفت لسببين: أولهما انتهاء العبادة القربانية بعد هدم الهيكل، ثم ظهور المسيحية التي حلت أزمة اليهودية في مواجهتها مع الهيلينية إذ طرحت رؤية جديدة للعهد يضم اليهود وغير اليهود ويحرر اليهود من نير التحريمات العديدة ومن جفاف العبادة القربانية وشكليتها.
وجابهت اليهودية أزمتها الكبرى الثانية حين تمت المواجهة مع الفكر الديني الإسلامي. فظهرت اليهودية القرائية كنوع من رد الفعل، فرفضت الشريعة الشفوية وطرحت منهجاً للتفسير يعتمد على القياس والعقل، أي أنها انشقت عن اليهودية الحاخامية تماماً. ويمكن أن نضيف إلى الفرق اليهودية يهود الفلاشاه ويهود الهند الذين لا يشكلون فرقاً بالمعنى الدقيق، فهم لم ينشقوا عن اليهودية الحاخامية بقدر ما انعزلوا عنها عبر التاريخ وتطوَّروا بشكل مستقل ومختلف، فهم لا يعرفون التلمود أو العبرية، كما أن كتبهم المقدَّسة مكتوبة باللغات المحلية. وتجدر ملاحظة أن ثمة فرقاً صغيرة، مثل الإبيونيين والمغارية والعيسوية والثيرابيوتاي وغيرها، وهي فرق صغيرة لكل منها تصوُّرها الخاص عن اليهودية. ولكنها، نظراً لعزلتها، لم تؤثر كثيراً في مسار اليهودية وقد اختفى معظمها من الوجود. أما القرّاءون، فإنهم بعد عصرهم الذهبي في القرن العاشر، سقطوا في حرفية التفسير، الأمر الذي قلَّص نفوذهم حتى تحولوا إلى فرقة صغيرة آخذة في الاختفاء.

وقد جابهت اليهودية أزمتها الكبرى الثالثة في العصر الحديث (في الغرب) مع الانقلاب التجاري الرأسمالي الصناعي. وقد ظهرت إرهاصات الأزمة في شكل ثورة شبتاي تسفي على المؤسسة الحاخامية، فهو لم يهاجم التلمود وحسب، وإنما أبطل الشريعة نفسها، وأباح كل شيء لأتباعه، الأمر الذي يدل على أن تراث القبَّالاه الحلولي، الذي يعادل بين الإله والإنسان، كان قد هيمن على الوجدان الديني اليهودي، وقد وصف الحاخامات تصوُّر القبَّاليين للإله بأنه شرك.
وبعد أن أسلم شبتاي تسفي، هو وأتباعه الذين أصبحوا يُعرفون بـ «الدونمه» ، ظهر جيكوب فرانك الذي اعتنق المسيحية (هو وأتباعه) وحاول تطوير اليهودية من خلال أطر مسيحية كاثوليكية. وقد تفاقمت الأزمة واحتدمت مع الثورة الفرنسية، حيث إن الدولة القومية الحديثة في الغرب منحت اليهود حقوقهم السياسية، وطلبت إليهم الانتماء السياسي الكامل، الأمر الذي كان يعني ضرورة تحديث اليهود واليهودية وما تسبب عن ذلك من أزمة أدَّت إلى تصدعات جعلت أتباع اليهودية الحاخامية التقليدية (أي اليهود الأرثوذكس) أقلية صغيرة، إذ ظهرت اليهودية الإصلاحية ثم المحافظة ثم التجديدية، وهي فرق أعادت تفسير الشريعة أو أهملتها تماماً، واعترفت بالتلمود أو وجدت أنه مجرد كتاب مهم دون أن يكون مُلزماً. كما أنها عَدَّلت معظم الشعائر، مثل شعائر السبت والطعام، وأسقطت بعضها، وعَدَّلت أيضاً كتب الصلوات وشكل الصلاة، أي أن فهمها لليهودية وممارستها لها يختلف بشكل جوهري عن اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية. ومن الواضح أن هذه الفرق الجديدة هي الآخذة في الانتشار، في حين أن الأرثوذكس يعانون من الانحسار التدريجي.

ومنذ أيام الفيلسوف إسبينوزا، ظهر نوع جديد من اليهود لا يمكن أن نقول إنه فرقة ولكن لابد من تصنيفه حيث يشكل الأغلبية العظمى من يهود العالم (نحو 50%) . وهذا النوع من اليهود هو الذي يترك عقيدته اليهودية، ولكنه لا يتبنى عقيدة جديدة، وهو لا يؤمن عادةً بإله على الإطلاق، وإن آمن بعقيدة ما فهو يؤمن بشكل من أشكال الدين الطبيعي أو دين العقل أو دين القلب، ولا يمارس أية طقوس. وهؤلاء يُطلَق عليهم الآن اسم «اليهود الإثنيون» ، أي أنهم لا ينتمون إلى أية فرقة دينية تقليدية أو حديثة، ولكنهم مع هذا يسمون أنفسهم يهوداً لأنهم ولدوا لأم يهودية! وتنعكس الخلافات بين الفرق اليهودية المختلفة على الدولة الصهيونية الأمر الذي يزيد صعوبة تعريف الهوية اليهودية.
الخلافات الدينية اليهودية
‏Jewish Religious Controversies
الخلاف الديني هو خلاف غير جوهري لا يمتد إلى العقائد الدينية الأساسية، ويختلف عن الصراع بين الفرق الدينية، وهو ما تناولناه في مدخل آخر. وقد ظهرت عبر تاريخ اليهودية خلافات عديدة، بعضها عميق وبعضها سطحي. وأول هذه الخلافات، ما ورد في سفر العدد، عن قورح بن يصهار وأتباعه، حين اجتمعوا على موسى وهارون، أنهم قالوا لهما: «كفاكما، إن كل الجماعة بأسرها مقدَّسة وفي وسطها الرب. فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب» (عدد 16/2 ـ 3) . وقد انتهى الأمر بأن ابتلعت الأرض قورح وصحبه. ويبدو أن القصة تعبير عن رغبة الملوك في تعزيز نفوذ طبقة الكهنة التي كانت تشاركهم في إدارة دفة الحكم.
ولعل الخلاف الثاني في تاريخ اليهودية هو هجوم الأنبياء على الكهنة، وعلى الجوانب السلبية في مؤسسة الملكية. ومن هنا، كان الأنبياء، أمثال عاموس وإرميا، يُسجَنون ويُعذَّبون بل كانوا يعدمون.

ثم ظهر الخلاف مرة أخرى، في القرن الثاني قبل الميلاد، في شكل صراع بين الفريسيين والصدوقيين، ولكن من الواضح أنه لم يكن خلافاً دينياً وحسب وإنما كان اختلافاً في العقائد يجعل من كل فريق فرقة دينية مستقلة، على عكس الخلاف بين الفريسيين والغيورين، ذلك الاختلاف الذي كان أمراً يتعلق بالتفاصيل والأولويات والأصول. وقد أثارت كتابات موسى بن ميمون الكثير من الخلافات المريرة حتى أنه اتُهم بالهرطقة.
ومن أهم الخلافات، ما يُسمَّى «المناظرة الشبتانية الكبرى» بين يعقوب إمدن وجوناثان إيبشويتس بشأن الأحجبة التي كان يكتبها الأخير. وفي العصر الحديث، ظهر خلاف بين الحسيديين وأعدائهم من المتنجديم (الحاخاميين) انتهى بظهور حركة التنوير.
ولا تزال الخلافات مستمرة في العصر الحديث، فهناك الخلاف بين اليهود الأرثوذكس أتباع أجودات إسرائيل الذين يؤيديون الصهيونية والأرثوذكس الذين يرفضونها تماماً. ويوجد داخل إسرائيل صراع بين اليهود الأرثوذكس الذين يشجعون الاستيطان على أسس دينية وأولئك الذين يعارضونه على أسس دينية أيضاً.
أزمة اليهودية
‏Crisis of Judaism

عاشت اليهودية في كنف عدة حضارات تأثرت بها وشكَّل بعضها تحدياً لها ولقيمها. فقد تحركت اليهودية (أو العبادة اليسرائيلية إن توخينا الدقة) داخل التشكيلات الحضارية المختلفة في الشرق الأدنى القديم وتأثرت بها وتبنَّت رموزها وقيمها. ومن الواضح مثلاً أن العبرانيين استوعبوا فكرة التوحيد من المصريين القدماء. ثم حَدَث التغلغل العبراني في كنعان وحدثت المواجهة الأولى مع الحضارة الكنعانية وحدثت المواجهة الثانية مع الحضارة البابلية. وقد أدَّت هذه المواجهات إلى أن النسق الديني السائد بين العبرانيين قد استوعب الكثير من العناصر الدينية والثقافية من هاتين الحضارتين (ثم من الحضارة الفارسية) وهو ما أدَّى إلى تزايد تركيبها الجيولوجي التراكمي. ولكن المواجهات الثالثة والرابعة والخامسة، مع الحضارة الهيلينية والإسلامية ثم المسيحية على التوالي، كانت أكثر حدة، وأدَّت إلى ما يشبه الأزمة في حالة المواجهة مع الحضارة الهيلينية إذ دخل كثير من الأفكار اليونانية على النسق الديني اليهودي. وتأغرقت النخبة، وأدَّى هذا إلى التمرد الحشموني في نهاية الأمر وإلى انتشار المسيحية وتنصُّر أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات. أما المواجهة مع الإسلام والمسيحية فقد أدَّت إلى تطوير التلمود الذي كان بمنزلة السياج الذي فرضه الحاخامات على أعضاء الجماعات ليحموا هويتهم الدينية والإثنية. وكان الاحتجاج القرائي تعبيراً عن واحدة من أهم أزمات اليهودية الحاخامية.

ولكن مصطلح «أزمة اليهودية» حينما يُستخدَم في هذه الموسوعة، وفي غيرها من الدراسات، فإنه يشير في العادة إلى الأزمة التي دخلتها اليهودية الحاخامية ابتداءً من القرن السابع عشر نتيجة الجمود الذي أصاب المؤسسة الحاخامية، حتى تحولت العقيدة اليهودية إلى مجموعة من الشعائر والعقائد الخارجية. ونتيجةً لذلك، ازدهر التراث القبَّالي، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية، لحل مشكلة المعنى، ولتزويد اليهودي بنسق ديني يستجيب لحاجاته العاطفية والإنسانية. وقد أدَّى هذا الوضع إلى ضرب عزلة على الجماهير اليهودية عما حولها من تحولات، كما زاد من الهوة التي تفصل بينهم وبين المؤسسة الحاخامية. وكانت حركة شبتاي تسفي أول تعبير عن هذه الأزمة من داخل المؤسسة، وفلسفة إسبينوزا من خارجها، وكلاهما طرح حلاًّ حلولياً للأزمة، فرأى الأول الطبيعة في الإله، ورأى الآخر الإله في الطبيعة. وبعد هاتين الهجمتين لم تفق اليهودية الحاخامية وانزوت على نفسها وزاد تغلغل الفكر القبَّالي، وانتشرت الحركات الشبتانية (مثل الفرانكية) ، وانتشرت الحركة الحسيدية بحيث ضمت معظم جماهير يهود اليديشية في شرق أوربا (أي الكتلة البشرية اليهودية الكبرى) . وظل الصراع بين الحسيديين والمتنجديم (ممثلاً بالمؤسسة الحاخامية) قائماً إلى أن أفاق الطرفان ليواجها اندلاع أهم تعبير عن الثورة العلمانية الكبرى والفكر العقلاني، أي الثورة الفرنسية وحركة الإعتاق، وحدثت المواجهة السادسة مع الحضارة العلمانية في الغرب. ومنذ تلك اللحظة التاريخية، اتضحت معالم الأزمة تماماً، إذ انتشر فكر حركة الاستنارة وأخذ اليهود يحاولون إعادة صياغة اليهودية على نمط العالم الغربي المسيحي العلماني، فظهرت حركة التنوير التي وَجَّهت نقداً قاسياً للفقه اليهودي ولما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . وظهرت حركة اليهودية الإصلاحية والمحافظة والحركات الثورية المختلفة، وتصاعدت معدلات التنصر والاندماج والعلمنة

والإلحاد بين اليهود بحيث أصبح اليهود الأرثوذكس (الحاخاميون) ، أي اليهود الذين يمكن اعتبارهم يهوداً بمقاييس دينية يهودية، لا يشكلون سوى نحو 5 ـ10% من يهود العالم. ومما أدى إلى تفاقم الأزمة أن اليهود الذين تركوا العقيدة اليهودية أصروا على الاستمرار في تسمية أنفسهم «يهوداً» .
وقد حاولت الصهيونية حل أزمة اليهودية بالعودة إلى النموذج الحلولي (ولكنها حلولية بدون إله) إذ جعلت الدولة الصهيونية موضع القداسة (بدلاً من الإله) بالنسبة إلى العلمانيين، أو باعتبارها أهم تجلٍّ لهذه القداسة الإلهية بالنسبة إلى المتدينين الذين تمت صهينتهم. ويرى اليهود الأرثوذكس المعادون للصهيونية أن الصهيونية، بهذا المعنى، ليست حلاًّ لأزمة اليهودية وإنما هي تعبير عنها. بل إنها تشكل الآن مصدر الأزمة وأكبر خطر يواجه اليهودية. فالصهيونية قد تبنت المصطلح الديني، وتطرح نفسها بوصفها نظاماً كلياً شاملاً شبه ديني، يحل محل العقيدة اليهودية باعتبارها رؤية للكون ومصدراً للمعنى ومنظماً للسلوك.
السامريون
‏Samaritanss
«السامريون» صيغة جمع عربية، وهي كلمة معربة من كلمة «شوميرونيم» العبرية، أي سكان السامرة. ويُشار إليهم في التلمود بلفظة «كوتيم» وتعني «الغرباء» . لكن هذه التسميات هي تسميات اليهود الحاخاميين لهم. وكان يوسيفوس يسميهم الشكيميين نسبةً إلى «شكيم» (نابلس الحالية) . أما هم فيطلقون على أنفسم «بنو يسرائيل» ، أو «بنو يوسف» ، باعتبار أنهم من نسل يوسف. كما يطلقون على أنفسهم اسم «شومريم» ، أي «حفظة الشريعة» ، باعتبار أنهم انحدروا من صلب يهود السامرة الذين لم يرحلوا عن فلسطين عند تدمير المملكة الشمالية عام 722 ق. م، فاحتفظوا بنقاء الشريعة.

ومهما كانت التسمية، ومهما كان تفسيرها، فمن المعروف تاريخياً أنه، بعد تهجير قطاعات كبيرة من سكان المملكة الشمالية، قام الأشوريون بتوطين قبائل من بلاد عيلام وسوريا وبلاد العرب لتحل محل المهجرين من اليهود، وتسكينهم في السامرة وحولها. وامتزج المستوطنون الجدد مع من تبقَّى من اليهود، واتحدت معتقداتهم الدينية مع عبادة يهوه. وقد نتج عن ذلك اختلاف عن بقية اليهود. ولكن الانشقاق النهائي حدث عام 432 ق. م، بين اليهود والسامريين، بعد عودة عزرا ونحميا من بابل، حيث دافعا عن فكرة النقاء العرقي.
وثمة قصتان لتاريخ الانشقاق، أولاهما ترد في العهد القديم (نحميا 13/23 ـ28) "في تلك الأيام، كان واحد من بني يوياداع بن الياشيب الكاهن العظيم صهراً لسنبلط الحوروني فطردته من عندي". وقد وردت عن يوسيفوس رواية أخرى مفادها أن منَسَّى شقيق الكاهن الأعظم تزوج من ابنة حاكم السامرة سنبلط الثالث (الفارسي) ، فخيَّره الكهنة بين أن يطلق زوجته أو أن يتخلى عن مكانته وسلطاته الكهنوتية. فلجأ منَسَّى لحميه الذي بنى لزوج ابنته هيكلاً على عادة العبرانيين القدامى على جبل جريزيم لينافس هيكل القدس، وأصبح الشاب المطرود كاهن السامريين. وبعد أن أسس الهيكل، انضم إليه عشرات الكهنة الآخرين المتزوجين من أجنبيات وعناصر يهودية أخرى غير راضية عن المؤسسة الدينية في القدس.
ومن الواضح أن ثمة عناصر مشتركة بين القصتين تتمثل في بعض الأسماء والعلاقات الأساسية وفي عملية الطرد. ومع أن هناك قرناً من الزمان يفصل بين القصتين الأولى والثانية، فإن من الواضح أنهما تشيران إلى الواقعة نفسها. ويحل المؤرخون هذه القضية بأن يأخذوا بقصة يوسيفوس ويرجعوا بتاريخها إلى زمن نحميا.

وقد نشبت صراعات بين السامريين وبقية اليهود، لكنهم تعرضوا لكثير من التوترات التي تَعرَّض لها اليهود في علاقتهم بالإمبراطوريات التي حكمت المنطقة. فبعد أن فتح الإسكندر المنطقة عام 323 ق. م، هاجر بعض السامريين إلى مصر وكونوا جماعات فيها. وهذه هي بداية الشتات السامري أو الدياسبورا السامرية التي امتدت وشملت سالونيكا وروما وحلب ودمشق وغزة وعسقلان.
وحينما قرر أنطيوخوس الرابع (175 ـ 164 ق. م) دَمْج يهود فلسطين في إمبراطوريته لتأمين حدوده مع مصر، كان السامريون ضمن الجماعات التي استهدف دمجها وإذابتها رغم أنهم أعلنوا أنهم لا ينتمون إلى الأصل اليهودي. وحينما استولى الحشمونيون على الحكم (164 ق. م) ، واجه السامريون أصعب أزمة في تاريخهم إذ سيطر الحشمونيون على شكيم وجريزيم، واستولوا على مدينة السامرة وحطموها. وقد حطم يوحنا هيركانوس هيكلهم عام 128 ق. م. ومع هذا، فقد استمر السامريون في تقديم قرابينهم على جبل جريزيم. كما أن هَدْم الهيكل لم ينتج عنه انتهاء طبقة الكهنة على عكس اليهود أو اليسرائيليين الذين انتهت عبادتهم القربانية المركزية وطبقة الكهنة التي تقوم بها بهدم هيكل القدس. ويبدو أن السامريين لم يساعدوا اليهود أثناء التمرد اليهودي الأول، ومع هذا نشب تمرُّد مستقل في صفوفهم ضد فسبسيان عام 67 ق. م، وتم قمعه. كما ثار السامريون ضد الرومان عام 79 ـ 81 م، فهُدمت شكيم وبُني مكانها نيابوليس (نابلس) أي «المدينة الجديدة» .
وتمتع السامريون بمرحلة ازدهار فكري في القرن الرابع الميلادي تحت قيادة زعيمهم القومي بابا رابا. ومن أهم مفكريهم الدينيين مرقه الذي عاش في القرن نفسه، وكاتب الأناشيد التي تُسمَّى «إمرالم دارا» .

وقد عانى السامريون من الاضطهاد على يد الإمبراطورية البيزنطية. وفي عام 529 الميلادي، قام جوستينيان بشن هجمة شرسة عليهم لم تقم لهم قائمة بعدها. ويُقال إن الرومان سمحوا للسامريين ببناء هيكلهم الذي دمره الحشمونيون حينما رفضوا الانضمام إلى ثورة بركوخبا. ولكن هذا الهيكل دُمِّر بدوره عام 484م. وقد ساعد السامريون المسلمين إبان الفتح الإسلامي، كما وقفوا مع المسلمين ضد الغزو الصليبي. وقد أفتى فقهاء المسلمين حينذاك بأن من يُقتَل من أهل الذمة في هذه الحرب فهو شهيد.
وثمة نقط اتفاق بين السامريين واليهود الحاخاميين قبل ظهور القبَّالاه وحركات الإصلاح الديني اليهودي، فكلا الفريقين يؤمن بالله الواحد وباليوم الآخر والملائكة. ولكن السامريين احتفظوا بقدر أكبر من الوحدانية التي تراجعت في اليهودية إلى أن اختفت تماماً تقريباً. وقد تبنوا الجزء الأول من الشهادة الإسلامية وهو «لا إله إلا الله» ، وكانوا يشيرون إلى الخالق بلفظة «إل» ، أو «أللا» القريبة من كلمة «الله» ، ولكنهم كانوا أيضاً يسمونه «يهوه» . كما كانوا يؤمنون بأن موسى نبي الله الأوحد وخاتم رسله وبأنه تجسيد للنور الإلهي والصورة الإلهية.
والكتاب المقدَّس عند السامريين هو أسفار موسى الخمسة، ويُضاف إليها أحياناً سفر يشوع بن نون. وهو، في عقيدتهم، منزل من عند الله. وهم لا يعترفون بأنبياء اليهود ولا بكتب العهد القديم. بل إن أسفار موسى الخمسة المتداولة بينهم تختلف عن الأسفار المدونة في نحو ستة آلاف موضع (ويتفق نص التوراة السامرية مع الترجمة السبعينية في ألف وتسعمائة موضع من هذه المواضع، الأمر الذي يدل على أن مترجمي الترجمة السبعينية استخدموا نسخة عبرية تتفق مع النسخة السامرية) .وهم ينكرون الشريعة الشفوية، شأنهم في ذلك شأن الصدوقيين والقرّائين (ومن هنا التشابه بين الفرق الثلاث في بعض الوجوه) .كما أنهم يأخذون بظاهر نصوص التوراة.

ولغة العبادة عند السامريين هي العبرية السامرية، ولكن لغة الحديث ولغة الأدبيات الدينية كانت العربية. وكان كتابهم المقدَّس يُكتَب بحروف عبرية قديمة. ويزعم السامريون أن اللغة والحروف جاءتهم صحيحة من عهد النبي موسى.
ويحتفل السامريون بالأعياد اليهودية، مثل يوم الغفران وعيد الفصح، ولكنهم كانت لهم أعياد مقصورة عليهم وتقويم خاص بهم. والسامريون يؤمنون بعودة الماشيَّح برغم أنه لا توجد في أسفار موسى الخمسة أية إشارة إليه. وهم لا يعترفون بداود أو سليمان ولا يعترفون بقدسية جبل صهيون، فلهم جبلهم المقدَّس جريزيم (الجبل المختار) الذي سيعود إليه الماشيَّح. ويُلاحَظ أن الأفكار الأخروية لم تلعب دوراً مهماً في التفكير الديني لدى السامريين، كما حدث مع اليهودية بعد العودة من بابل. وينفي بعض اليهود عن السامريين صفة الانتساب إلى اليهودية، كما أنهم يعاملونهم معاملة الأغيار في أمور الزواج والموت.
وقد استمر العداء بين السامريين واليهود الحاخاميين، إذ يذهب السامريون إلى أن اليهودية الحاخامية هرطقة وانحراف، وأن قيادة اليهود الدينية أضافت إلى التوراة وأفسدت النص ليتفق مع وجهة نظرها.
ويُعَدُّ السامريون جماعة شبه منقرضة. وهم، في واقع الأمر، أصغر جماعة دينية في العالم، فعددهم لا يتجاوز خمسمائة، يعيش بعضهم في نابلس ويعيش البعض الآخر في حولون (إحدى ضواحي تل أبيب) . وفي بعض طبعات التلمود، تحل كلمة «السامريين» محل كلمة «الأغيار» حتى تبدو عبارات السباب العنصري وكأنها موجهة إلى السامريين وحدهم وليس إلى كل الأغيار.
جريزيم
‏Gerizim
«جريزيم» جبل صخري يطل على الوادي الذي تقع فيه شكيم (نابلس فيما بعد) . ويواجه جبل عيبال على ارتفاع 2849 قدماً فوق سطح البحر، و700 قدم فوق مدينة نابلس. وقد بُني فوق جريزيم أقدم هيكل للعبرانيين، ثم جاء داود فأبطله وعطله بعد أن نقل عاصمته إلى القدس.

وقد جاء في العهد القديم أنه حينما فتح العبرانيون الجزء الأوسط من فلسطين، نفذ يشوع "التوجيه الذي أعطاه إياه موسى" حسب الرواية التوراتية، وأوقف نصف القبائل العبرانية على جبل جريزيم لينطقوا بالبركات، وأوقف النصف الآخر إلى جهة جبل عيبال لينطقوا باللعنات (تثنية 11/29، 27/11 ـ 13، ويشوع 8/33 ـ 35) .
ويرى السامريون أن الموضع الذي وقف فيه إبراهيم بابنه، ليذبحه، كان على هذا الجبل. وجريزيم جبل مقدَّس عند السامريين؛ بنوا فوقه هيكلهم ليحجوا إليه، واستمروا في تقديم القرابين عليه حتى بعد أن هدم يوحنا هيركانوس هيكلهم عام 128 ق. م. وقد أعادوا بناءه إلى أن هدمه الرومان في النهاية عام 67 ق. م.
الفريسيون
‏Pharisees
كلمة «فريسيون» مأخوذة من الكلمة العبرية «بيروشيم» ، أي «المنعزلون» . وكانوا يلقبون أيضاً بلقب «حبيريم» ، أي «الرفاق أو الزملاء» ، وهم أيضاً «الكتبة» ، أو على الأقل قسم منهم، من أتباع شماي الذين يشير إليهم المسيح عليه السلام. والفريسيون فرقة دينية وحزب سياسي ظهر نتيجة الهبوط التدريجي لمكانة الكهنوت اليهودي بتأثير الحضارة الهيلينية التي تُعلي من شأن الحكيم على حساب الكاهن. ويُرجع التراث اليهودي جذورهم إلى القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، بل يُقال إنهم خلفاء الحسيديين (المتقين) ، وهي فرقة اشتركت في التمرد الحشموني. ولكن الفريسيين ظهروا باسمهم الذي يُعرَفون به في عهد يوحنا هيركانوس الأول (135 - 104 ق. م) ، وانقسموا فيما بعد إلى قسمين: بيت شماي وبيت هليل. وقد كان الفريسيون يشكلون أكبر حزب سياسي ديني في ذلك الوقت إذ بلغ عددهم حسب يوسيفوس نحو ستة آلاف، لكن هذا العدد قد يكون مبالغاً فيه نظراً لتحزبه لهم، بل لعله كان من أتباعهم. ويُقال إنهم كانوا يشكلون أغلبية داخل السنهدرين، أو كانوا على الأقل أقلية كبيرة.

ومن المعروف أنه حينما عاد اليهود من بابل، هيمن الكهنة عليهم وعلى مؤسساتهم الدينية والدنيوية، تلك المؤسسات التي عبَّر عن مصالحها فريق الصدوقيين. ولكن اليهودية كان قد دخلتها في بابل أفكار جديدة، كما أن وضع اليهود نفسه كان آخذاً في التغير، إذ أن حلم السيادة القومية لم يَعُد له أي أساس في الواقع، بعد التجارب القومية المتكررة الفاشلة، وبعد ظهور الإمبراطوريات الكبرى، الواحدة تلو الأخرى. وقد زاد عدد اليهود المنتشرين خارج فلسطين، وخصوصاً في بابل (ويقول فلافيوس إن عدد يهود فلسطين آنذاك كان نصف مليون وحسب، وإن كانت التقديرات التخمينية ترى أن عددهم يقع بين المليونين والمليون ونصف المليون، وهم أقلية بالنسبة ليهود العالم آنذاك) . ولكل ذلك، نشأت الحاجة إلى صيغة جديدة تعبِّر عن الوضع الجديد. ومن هنا، ظهر الفريسيون الذين لم يكونوا من عامة الشعب (عم هاآرتس) ، بل كان بعضهم من الأثرياء، وإن كانوا على العموم يتسمون بأنهم يعيشون من عملهم، فكان منهم الحرفيون والتجار، على عكس الصدوقيين الذين كانوا يشكلون طبقة كهنوتية أرستقراطية مرتبطة بالهيكل وتعيش من ريعه. ولذا، فرغم تميز الفريسيين طبقياً، ورغم تعصبهم للشريعة، وربما بسببه، فإنهم كانوا يلقون تأييد الجماهير.

ويُعَدُّ الفكر الفريسي أهم تطوُّر في اليهودية بعد تبنِّي عبادة يهوه. وقد كان جوهر برنامجهم يتلخص في إيمانهم بأنه يمكن عبادة الخالق في أي مكان، وليس بالضرورة في الهيكل في القدس، أي أنهم حاولوا تحرير اليهودية، كنسق أخلاقي ديني، من حلوليتها الوثنية المتمثلة في عبودية المكان والارتباط بالهيكل وعبادته القربانية. ووسعوا نطاقها بحيث أصبحت تغطي كل جوانب الحياة إذ أن واجب اليهودي لا يتحدد في العودة إلى أرض الميعاد وإنما في العيش حسب التوراة، وعلى اليهودي أن ينتظر إلى أن يقرر الخالق العودة. وبهذا، يكون الفريسيون هم الذين توصلوا إلى صيغة اليهودية الحاخامية أو اليهودية المعيارية التي انتصرت على الاتجاهات والمدارس الدينية الأخرى.
وقد دافع الفريسيون عن الهوية اليهودية دون عنف أو تعصُّب. والهوية اليهودية التي دافعوا عنها لم تكن الهوية العبرانية القديمة المرتبطة بالمجتمع القبلي العبراني، ولا حتى المجتمع الزراعي الملكي أو الكهنوتي (فقد كانت تلك الهوية في طريقها إلى الاختفاء النهائي) ، وإنما كانوا يدافعون عن هوية متفتحة استفادت من الفكر البابلي الديني، ثم الفكر الهيليني، وكانت تدرك عبث محاولة الاستقلال القومي. ولذا، أُعيد تعريف الهوية بحيث أصبحت هوية دينية داخلية روحية ذات بُعد إثني ليس قومياً بالضرورة. وقد واكب هذا التعريف الجديد استعداداً للتصالح مع الدولة الحاكمة، أو القوة العظمى في المنطقة آنذاك (روما) ، وعدم اكتراث بنوعيتها ورؤيتها مادامت لا تتدخل في حياة اليهود الدينية، بل إنهم كانوا يفضلون حكومة غير يهودية لا تعطل شعائر اليهودية على حكومة يهودية تعطلها، مثل الحكومة الهيرودية أو حتى الحشمونية.

وانطلاقاً من هذا التعريف الجديد للهوية، أقام الفريسيون نظاماً تعليمياً مجانياً للصغار بين الجماعات اليهودية كافة، حتى يدركوا تراثهم الروحي ويفلتوا من سيطرة الكهنوت المرتبط بالهيكل. ويمكن النظر إلى محاولة إنشاء سياج حول التوراة بهذا المنظور نفسه، أي باعتبارها التعبير عن الهوية الروحية الجديدة. وكذلك كان دفاعهم عن مؤسسة المعبد اليهودي (السيناجوج) الذي يمكن إقامته في أي مكان على عكس هيكل القدس. كما أنهم طالبوا بتطبيق العقل وتفسير التوراة على أن يبتعد التفسير عن الحرفية، وأن يتم التركيز على روح النصوص في مواجهة تفسير الصدوقيين الحرفي. والواقع أن تفسير الشريعة هو شكل من أشكال السلطة السياسية في نهاية الأمر، ولذا فإن التفسير المرن يوسع ولا شك رقعة الأرستقراطية الدينية ويفتح المجال أمام شريحة جديدة تطرح فكراً جديداً. وللسبب نفسه، كان الفريسيون من أنصار الشريعة الشفوية بخلاف الصدوقيين (أنصار الشريعة المكتوبة) الذين كانوا يرون أن الشريعة الشفوية غير ملزمة. ومع هذا، كان الفريسيون لا يدَّعون النبوة، فقد كانوا ينادون بأن مرحلة النبوة وصلت إلى نهايتها وأنهم أقرب إلى حكماء الحضارة الهيلينية.
آمن الفريسيون بوحدانية الخالق، وبالماشيَّح، وبخلود الروح في الحياة الآخرة، وبالبعث والثواب والعقاب والملائكة وحرية الإرادة التي لا تتعارض مع معرفة الخالق المسبقة بأفعال الإنسان، وهي أفكار دينية أنكرها الصدوقيون الذين حافظوا على صياغة حلولية وثنية لليهودية. ولعل من العسير، إلى حد ما، تصوُّر عقيدة دينية دون إيمان بالبعث أو باليوم الآخر. ولذا، فقد يكون من المشروع لنا أن نسأل: كيف تَقبَّل الفريسيون الصدوقيين يهوداً؟ ونعود فنقول: إنها الخاصية الجيولوجية التراكمية لليهودية. والشريعة اليهودية ـ على أية حال ـ تُعرِّف اليهودي بأنه من يؤمن بالعقيدة اليهودية أو يولد لأم يهودية.

وتتلخص رسالة يسرائيل، حسب وجهة نظر الفريسيين، في مساعدة الشعوب الأخرى على معرفة الخالق وعلى الإيمان به، ولذا فإنهم لم يكونوا كالفرق القومية المغلقة، وإنما قاموا بنشاط تبشيري خارج فلسطين، الأمر الذي يفسر زيادة عدد يهود الإمبراطورية الرومانية في القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي. وقد بيَّنت هذه الحركة التبشيرية مدى ابتعاد الفريسيين عن الحلولية الوثنية التي تولِّد نسقاً دينياً قومياً مغلقاً، يتوارثه من هو داخل دائرة القداسة ويستبعد من سواه، لأن الإيمان لا يَصلُح أساساً للانتماء. وثمة نظرية جديدة تقول إن المسيح عليه السلام كان (في الأصل) فريسياً من أتباع مدرسة هليل ذات الاتجاه العالمي التبشيري، والتي كانت ترى أن مهمة اليهود نشر وصايا نوح بين الأغيار، وأنه حينما كان يشير إلى «الكتبة والفريسيين» إشارات سلبية وقدحية فإنما كان يشير إلى أتباع شماي وحسب.
وقد دخل الفريسيون في صراع دائم مع الصدوقيين على النفوذ والمكانة والامتيازات. فكانوا يتصرفون مثل الكهنة كأن يأكلوا كجماعة، ويقيموا شعائر الختان، بل حاولوا فرض نفوذهم على الهيكل نفسه على حساب الصدوقيين، وذلك عن طريق ممارسة بعض الطقوس المقصورة على الهيكل خارجه. وقد قوي نفوذ الفريسيين مع ثراء الدولة الحشمونية والرخاء الذي ساد عصرها بعض الوقت. وبلغوا درجة من القوة حتى إنهم نجحوا في حَمْل الكاهن الأعظم على القَسَم بأنه سيقيم طقوس عيد يوم الغفران حسب تعاليمهم.

وقد أيَّد الفريسيون التمرد الحشموني (168 ق. م) وساندوه، في بادئ الأمر، على مضض. ولكن التناقض بينهم وبين الأسرة الحشمونية ظهر إبان حكم يوحنا هيركانوس الأول، فتحدوا سلطته الكهنوتية وذبح هو آلافاً منهم. وتَحقَّق للصدوقيين بذلك شيء من النصر. ولكن زوجة هيركانوس (سالومي ألكسندرا) التي خلفته في الحكم، تصالحت معهم وأسلمتهم زمام الأمور في الداخل، فاضطهدوا الصدوقيين حتى أن الجو صار مهيئاً لحرب أهلية. والواقع أن الصراع الذي دار بين يوحنا هيركانوس الثاني وأخيه أرسطوبولوس الثاني كان صراعاً بين الصدوقيين والفريسيين. ويبدو أن الفريسيين اصطبغوا بصبغة هيلينية في أواخر الأسرة الحشمونية وعارضوا التمرد اليهودي الأول (66 ـ 70م) . لكن خوفهم من الغيورين كان عميقاً، فأخذوا يسايرونهم، غير أنهم كانوا يستسلمون للقوات الرومانية كلما سنحت لهم الفرصة كما فعل يوسيفوس. وقد كانوا يرون أن الدولة الرومانية أساس للبقاء اليهودي. ويقول أحد الفريسيين: "صلوا من أجل سلام الحكومة الرومانية، فلولا الخوف الذي تبعثه في القلوب لابتلع الواحد منا الآخر " (فصول الآباء 3/2) . وقد قام أحد الفريسيين (يوحنان بن زكاي) بتأسيس حلقة يفنه التلمودية التي طورت اليهودية الحاخامية.
ويُصنَّف «الغيورون» و «عصبة الحناجر» و «الأسينيون» باعتبارهم أجنحة متطرفة من الحزب الفريسي (باعتبارهم ينتمون إلى ما يمكن تسميته «الحزب الشعبي» ) في مواجهة حزب الصدوقيين الكهنوتي الأرستقراطي.
الصدوقيون
‏Saducees

«الصدوقيون» مأخوذة من الكلمة العبرية «صِّدوقيم» ، ويُقال لهم أحياناً «البوئيثيون Boethusian» . وأصل الكلمة غير محدَّد. ومن المحتمل أن يكون أصل الكلمة اسم الكاهن الأعظم «صادوق» (في عهد سليمان) الذي توارث أحفاده مهمته حتى عام 162 ميلادية. و «الصدوقيون» فرقة دينية وحزب سياسي تعود أصوله إلى قرون عدة سابقة على ظهور المسيح عليه السلام. وهم أعضاء القيادة الكهنوتية المرتبطة بالهيكل وشعائره والمدافعون عن الحلولية اليهودية الوثنية.
وكان الصدوقيون، بوصفهم طبقة كهنوتية مرتبطة بالهيكل، يعيشون على النذور التي يقدمها اليهود، وعلى بواكير المحاصيل، وعلى نصف الشيقل الذي كان على كل يهودي أن يرسله إلى الهيكل، الأمر الذي كان يدعم الثيوقراطية الدينية التي تتمثل في الطبقة الحاكمة والجيش والكهنة. وكان الصدوقيون يحصلون على ضرائب الهيكل، كما كانوا يحصلون على ضرائب عينية وهدايا من الجماهير اليهودية. وقد حوَّلهم ذلك إلى أرستقراطية وراثية تؤلِّف كتلة قوية داخل السنهدرين.
ويعود تزايد نفوذ الصدوقيين إلى أيام العودة من بابل بمرسوم قورش (538 ق. م) إذ آثر الفرس التعاون مع العناصر الكهنوتية داخل الجماعة اليهودية لأن بقايا الأسرة المالكة اليهودية من نسل داود قد تشكل خطراً عليهم. واستمر الصدوقيون في الصعود داخل الإمبراطوريات البطلمية والسلوقية والرومانية، واندمجوا مع أثرياء اليهود وتأغرقوا، وكوَّنوا جماعة وظيفية وسيطة تعمل لصالح الإمبراطورية الحاكمة وتساهم في عملية استغلال الجماهير اليهودية، وفي جمع الضرائب.

ولكن، وبالتدريج، ظهرت جماعات من علماء ورجال الدين (أهمهم جماعة الفريسيين) تلقوا العلم بطرق ذاتية، كما كانت شرعيتهم تستند إلى عملهم وتقواهم لا إلى مكانة يتوارثونها. وكانوا يحصلون على دخلهم من عملهم، لا من ضرائب الهيكل. وقد أدَّى ظهور الفريسيين، بصورة أو بأخرى، إلى إضعاف مكانة الصدوقيين. ومما ساعد على الإسراع بهذه العملية، ظهور الشريعة الشفوية حيث كان ذلك يعني أن الكتاب المقدَّس بدأت تزاحمه مجموعة من الكتابات لا تقل عنه قداسة. كما أن الكتب الخفية والمنسوبة وغيرها من الكتابات كانت قد بدأت في الظهور. وقد ساهم الأثر الهيليني في اليهود في إضعاف مكانة الصدوقيين الكهنة، فقد كان اليونانيون القدامى يعتبرون الكهنة من الخدم لا من القادة. وكانت جماعات العلماء الدينيين (الفريسيين) أكثر ارتباطاً بالحضارة السامية وبالجماهير ذات الثقافة الآرامية. لكل هذا، زاد نفوذ الفريسيين داخل السنهدرين وخارجه، حتى أنهم أرغموا الكاهن الأعظم على أن يقوم بشعائر يوم الغفران حسب منهجهم هم. وقد وقف الصدوقيون، على عكس الفريسيين، ضد التمرد الحشموني (168 ق. م) ، ولكنهم عادوا وأيدوا الملوك الحشمونيين باعتبار أن الأسرة الحشمونية أسرة كهنوتية (ابتداءً من 140 ق. م) . ولا يمكن فَهْم الصراعات التي لا تنتهي بين ملوك الحشمونيين إلا في إطار الصراع بين الحزب الشعبي (الفريسي) وحزب الصدوقيين. وقد أيَّد الصدوقيون بعد ذلك الرومان.

وارتباط الصدوقيين بالعناصر الحلولية البدائية في التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي واضح، فهم لا يؤمنون بالعالم الآخر ويرون أنه لا توجد سوى الحياة الدنيا وينكرون مقولات الروح والآخرة والبعث والثواب العقاب. ومن المهم أن نشير إلى أنهم، برغم رؤيتهم المادية الإلحادية، كانوا يُعتبَرون يهوداً، بل كانوا يشكلون أهم شريحة في النخبة الدينية القائدة. وقد اعترف بيهوديتهم الفريسيون، وكذلك الفرق اليهودية الأخرى كافة رغم رفضهم بعض العقائد الأساسية التي تشكل الحد الأدنى بين الديانات التوحيدية. ولعل هذا يعود إلى طبيعة العقيدة اليهودية التي تشبه التركيب الجيولوجي التراكمي، وإلى أن الشريعة اليهودية تُعرِّف اليهودي بأنه من يؤمن باليهودية، أو من وُلد لأم يهودية حتى ولو لم يؤمن بالعقيدة. وحينما كان فيلسوف العلمانية باروخ إسبينوزا يؤسِّس نسقه الفلسفي المادي، أشار إلى الصدوقيين ليبرهن على أن الإيمان بالعالم الآخر ليس أمراً ضرورياً في العقيدة اليهودية، وأنه لا توجد أية إشارة إليه في العهد القديم.

وقد كان الصدوقيون يرون أن الخالق لا يكترث بأعمال البشر، وأن الإنسان هو سبب ما يحل به من خير وشر. ولذا، فقد قالوا بحرية الإرادة الإنسانية الكاملة. وكانوا لا يؤمنون إلا بالشريعة الشفوية، كما كانوا يقدمون تفسيراً حرفياً للعهد القديم، ويحرِّمون على الآخرين تفسيره. وكانوا يدافعون أيضاً عن الشعائر الخاصة بالهيكل والعبادة القربانية، ويرون أن فيها الكفاية، وأنه لا توجد حاجة إلى ديانة أو عقيدة دينية مجردة، ولا حاجة إلى إقامة الصلاة أو دراسة التوراة باعتبار أن ذلك شكل من أشكال العبادة. ويُقال إنه بينما كان الصدوقيون يحاولون (كما هو الحال مع الديانات الوثنية) أن ينزلوا بالخالق إلى مقام الإنسان والمادة، حاول الفريسيون (على طريقة الديانات التوحيدية) الصعود بالإنسان كي يتطلع إلى الخالق ويتفاعل معه. ويُعَدُّ الصدوقيون في طليعة المسئولين عن محاكمة المسيح في السنهدرين. وقد اختفت هذه الفرقة تماماً بهدم الهيكل (70م) نظراً لارتباطها العضوي به.
الغيورون (قنَّائيم)
‏Zealots

كلمة «غيورون» ترجمة للفظة «قنَّائيم» ، وهي من الكلمة العبرية «قانَّا» بمعنى «غيور» أو «صاحب الحمية» . والغيورون فرقة دينية يهودية، ويُقال إنه جناح متطرف من الفريسيين وحزب سياسي وتنظيم عسكري. وقد جاء أول ذكر لهم باعتبارهم أتباعاً ليهودا الجليلي في العام السادس قبل الميلاد. ويبدو أن واحداً من العلماء الفريسيين، ويُدعَى صادوق، قد أيده. ولكن يبدو أن أصولهم أقدم عهداً، إذ أنها تعود إلى التمرد الحشموني (186 ق. م) . ويذكر يوسيفوس شخصاً يُدعَى حزقيا باعتباره رئيس عصابة أعدمه هيرود، وحزقيا هذا هو أبو يهودا الجليلي الذي ترك من بعده شمعون ويعقوب ومناحم (لعله أخوه) . وقد تولَّى مناحم الجليلي، وهو زعيم عصبة الخناجر، قيادة التمرد اليهودي الأول ضد الرومان (66 ـ 70م) ، وذلك بعد أن استولى على ماسادا وذبح حاميتها واستولى على الأسلحة، ثم عاد إلى القدس حيث تولَّى قيادة التمرد هو وعصبته الصغيرة، فأحرقوا مبنى سجلات الديون، وأحرقوا أيضاً قصور الأثرياء وقصر الكاهن الأعظم آنانياس ثم قاموا بقتله، بل يبدو أنهم حاولوا إقامة نظام شيوعي. ويبدو كذلك أن عصابة مناحم كانت متطرفة ومستبدة في تعاملها مع الجماهير اليهودية. وقد كانت لدى مناحم ادعاءات مشيحانية عن نفسه، كما أنه جمع في يديه السلطات الدينية والدنيوية. ولذا، قامت ثورة ضده انتهت بقتله، هو وأعوانه، وهروب البقية إلى ماسادا. وقد استمر نشاط الغيورين حتى سقوط القدس وهدم الهيكل عام 70 ميلادية، ولكن هناك من يرى أنهم اشتركوا أيضاً في التمرد اليهودي الثاني ضد هادريان (132 ـ 135م) .
وكان الغيورون منقسمين فيما بينهم إلى فرق متطاحنة متصارعة. ومن قياداتهم الأخرى، يوحنان بن لاوي وشمعون برجيورا.

ويُعَدُّ ظهور حزب الغيورين تعبيراً عن الانهيار الكامل الذي أصاب الحكومة الدينية وحكم الكهنة. وقد قام الغيورون، تحت زعامة يهودا الجليلي، بحَثّ اليهود على رفض الخضوع لسلطان روما، وخصوصاً أن السلطات الرومانية كانت قد قررت إجراء إحصاء في فلسطين لتقدير الملكية وتحديد الضرائب. وقد تبعت حزب الغيورين، في ثورته، الجماهير اليهودية التي أفقرها حكم أثرياء اليهود بالتعاون مع اليونانيين والرومان. ويتسم فكر الغيورين بأنه فكر شعبي مفعم بالأساطير الشعبية، ولذا نجد أن أسطورة الماشيَّح أساسية في فكرهم، بل إن كثيراً من زعمائهم ادعوا أنهم الماشيَّح المخلص، وقد قدموا رؤية للتاريخ قوامها أن هزيمة روما شرط أساسي للخلاص، وأن ثمة حرباً مستعرة بين جيوش يسرائيل وجيوش يأجوج ومأجوج (روما) ، وأن اليهود مكتوب لهم النصر في الجولة الأخيرة. وعلى هذا، فإن فكرهم يتسم بالنزعة الأخروية التي انتشرت في فلسطين آنذاك، ويُقال إن معظم أدب الرؤى (أبوكاليبس) من أدب الغيورين.
ونظراً لجهل الغيورين بحقائق القوى الدولية وموازينها، وبمدى سلطان روما في ذلك الوقت، قاموا بثورة ضارية ضد الرومان واستولوا على القدس. وقد تعاونوا مع الفريسيين في هذه الثورة، ولكن الفريسيين كانوا مترددين بسبب انتماءاتهم. وحينما بدأت المقاومة المسلحة، استخدم الغيورون أسلوب حرب العصابات ضد روما، كما قاموا بخطف وقتل كل من تعاون مع روما، حتى أن الجماهير اليهودية ثارت ذات مرة ضدهم. وقد قضى الرومان على ثورة الغيورين، واستسلمت القوات اليهودية، وكان آخرها القوات اليهودية في ماسادا بقيادة القائد الغيوري إليعازر بن جاير، وهي القوات التي آثرت الانتحار على الاستسلام نظراً لأنها كانت قد ذبحت الحامية الرومانية بعد استسلامها لهم وخشي قائد الغيورين أن يذبحهم القائد الروماني، على عكس القلاع الأخرى (مثل ماخايروس وهيروديام) التي استسلمت للرومان.
الأسينيون
‏Essenes

«أسينيون» من الكلمة الآرامية «آسيا» ، ومعناها «الطبيب» أو «المداوي» ، وهي من «يؤاسي المريض» . ويُقال إنها من الكلمة السريانية «هاسي» ، كما يُقال إنها تعود إلى كلمة «هوسيوس» اليونانية، أي «المقدَّس» ، ولعلها النطق اليوناني «أسيديم» للكلمة العبرية «حسيديم» ، أي «الأتقياء» ، ولعلها تصحيف للكلمة العبرية «حَاشائيم» ، أي «الساكتين» . والأسينيون فرقة دينية يهودية لم يأت ذكرها في العهد الجديد، وما ذُكر عنها في كتابات فيلون ويوسيفوس متناقض. ولعل هذا يدل على وجود خلافات في صفوف الأسينيين أنفسهم الذين لم يزد عددهم عن أربعة آلاف، وكانوا يمارسون شعائرهم شمال غرب البحر الميت في الفترة ما بين القرنين الثاني قبل الميلاد والأول الميلادي.
والأسينيون (فيما يبدو) جناح متطرف من الفريسيين، وتقترب عقائدهم من عقائد ذلك الفريق، ويظهر هذا في ابتعادهم عن اليهودية كدين قرباني مرتبط بهيكل القدس. آمن الأسينيون بخلود الروح والثواب والعقاب، ووقفوا ضد العبودية والملكية الخاصة، بل ضد التجارة، وانسحبوا تماماً من الحياة العامة (على عكس الفريسيين) . وقد قسَّم الأسينيون الناس إلى فريقين: البقية الصالحة من جماعة يسرائيل، وأبناء الظلام. وترقبوا نزول الماشيَّح لينشئ على الأرض ملكوت السماء ويحقق السلام والعدالة في الأرض. وقد عاش الأسينيون في جماعة مترابطة حياة النساك يلبسون الثياب البيض ويتطهرون ويطبقون شريعة موسى تطبيقاً حرفياً، وكانوا أحياناً يتعبدون في اتجاه الشمس ساعة الشروق.

عاش الأسينيون على عملهم بالزراعة، وكانوا لا يتناولون من الطعام إلا ما أعدوه بأنفسهم، وهو ما زاد ترابط الجماعة (الأمر الذي جعل عقوبة الطرد منها بمنزلة حكم الإعدام) . ويبدو أنه كان لهم تقويمهم الخاص. وقد حرموا الذبائح، ولذلك فقد كانوا يقدمون للهيكل قرابين نباتية وحسب. كما حرموا على أنفسهم، أو على الأقل على الأغلبية العظمى منهم، الزواج. وقد انقرض الأسينيون كلية في أواخر القرن الأول الميلادي.
كان فكر الأسينيين متأثراً بالفكر الهيليني وأفكار فيثاغورث، وبآراء البراهمة والبوذيين، وهو ما كان منتشراً في فلسطين (ملتقى الطرق التجارية العالمية في القرن الأول قبل الميلاد) . ويُقال إن المسيحية الأولى تأثرت بهم، كما يُقال إن يوحنا المعمدان كان قريباً من الأسينيين، وأن المسيح عليه السلام كان عضواً في هذه الفرقة الدينية وأنه تأثر بفكرهم (ومن المعروف أن المسيح طرد التجار والمرابين من الهيكل) . وقد كشفت مخطوطات البحر الميت عن كثير من عقائد الأسنيين. ومن أهم كتبهم كتاب الحرب بين أبناء النور وأبناء الظلام، وهو من كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، وهو ذو طابع أخروي حاد. ويُقال إن الأسينيين آمنوا بيسوع الناصري كواحد من أنبياء يسرائيل المصلحين، ولكنهم رفضوا دعوة بولس إلى العقيدة المسيحية وظلوا متمسكين بالنواميس اليهودية. ويُقال أيضاً إن الأبيونيين هم الأسينيون في مرحلة تاريخية لاحقة.
عصبة حملة الخناجر
‏Sicarii

«عصبة الخناجر» ترجمة لكلمة «سيكاري» المنسوبة إلى كلمة «سيكا» اللاتينية، التي تعني الخنجر. و «سيكاريوس sicarius» كلمة مفردة تعني «حامل الخنجر» وجمعها «سيكاريي sicarii» . وعصبة الخناجر جماعة متطرفة من الغيورين الذين كانوا بدورهم جماعة متطرفة من الفريسيين، وقد كانوا يخبئون خناجرهم تحت عباءاتهم ليباغتوا أعداءهم في الأماكن العامة ويقتلوهم. وأثناء التمرد اليهودي الأول ضد الرومان (66 ـ 70م) ، يُقال إنهم كانوا تحت قيادة مناحم الجليلي، وأنهم هم الذين أحرقوا منزل الكاهن الأعظم أنانياس، وقصري أجريبا الثاني وأخته بيرنيكي عشيقة تيتوس. كما أحرقوا سجلات الديون حتى ينضم الفقراء المدينون إليهم. وقد أدَّى نشاطهم إلى فرار الأرستقراطيين اليهود. ولكن الجماهير، بقيادة الغيوري المعتدل إليعازر بن حنانيا من حزب القدس، تمردت على المتطرفين وقتلت زعيمهم مناحم الجليلي، ففرت فلولهم. ويُقال إن الجماعة التي لجأت إلى ماسادا، وأبادت الجالية الرومانية بعد استسلامها، من أعضاء عصبة الخناجر. وثمة رأي آخر يرى أن جماعة إليعازر بن جاير كانت معادية لهم، ولكنها اختلفت معهم بشكل مؤقت.
ويبدو أنه كان يوجد داخل حركة الغيورين جناحان: جناح متطرف هو عصبة الخناجر، وجناح القدس، ويشار إلى أعضاء هذا الجناح باسم «الغيورين» وحسب. وكان الفارق بين الفريقين كما يلي:
1 ـ لم يرتبط غيورو القدس بأية أسرة محددة، ولم يعلنوا قوادهم ملوكاً.
2 ـ كانت قاعدة الغيورين في القدس، بينما كانت قاعدة العصبة في الجليل.
3 ـ كانت الأبعاد الاجتماعية لعصبة الخناجر أوضح منها في حالة الغيورين، رغم ثورة هؤلاء على الكاهن الأعظم والأقلية الثرية الحاكمة.

والواقع أن عصبة الخناجر هي الجماعة الوحيدة التي استمرت في نشاطها بعد إخماد التمرد، هذا التمرد الذي اتسع نطاقه إلى الإسكندرية وبرقة، حيث قام يهودي من عصبة الخناجر يدعى يوناثان بقيادة أعضاء الجماعة اليهودية في ثورة تم قمعها. وبعد اغتيال بعض القيادات اليهودية هناك، قام أعضاء الجماعة اليهودية بالقبض على أعضاء عصبة الخناجر وتسليمهم إلى القوات الرومانية. وقد كانت عصبة الخناجر، رغم نشاطها وحركتها، تشكل أقلية لا يزيد عددها حسب بعض التقديرات على ألفين.
ويبدو أن فكر عصبة الخناجر كان فكراً شيوعياً بدائياً يعود إلى بعض التيارات الكامنة في العهد القديم. فقد جاء في سفر اللاويين (25/23) : "والأرض لا تُباع بتة. لأن لي الأرض وأنتم غرباء ونزلاء عندي. بل في كل أرض ملككم تجعلون فكاكاً للأرض" وغيرها (25/23، 25/55، وتثنية 15/4 ـ 5، 15/6) . وفي مفهوم السنة السبتية حيث تُلغى ديون الفقراء من اليهود وهو ما يعكس هذه الشيوعية البدائية التي يبدو أنها أثرت في فكر عصبة الخناجر الذين كان شعارهم "لا ملك إلا الرب"، فهو وحده "مالك الأرض".
الفقراء (الإبيونيون)
‏Ebionites

الكلمة العبرية «إبيون» تعني «فقير» ، وهي كلمة ذات مدلول اقتصادي ومنها «الإبيونيون» ، وقد أصبحت هذه الكلمة ذات تضمينات دينية واستخدمها بعض أعضاء الجماعات اليهودية المسيحية في بداية العصر المسيحي للإشارة إلى أنفسهم باعتبار أنهم ورثة مملكة الرب. وقد تبع الإبيونيون الشريعة اليهودية، وأصروا على أن المسيحيين ملزمون بها، كما أنهم راعوا شعائر السبت. وقد رفض معظمهم فكرة ألوهية المسيح وولادته العذرية، ولكنهم آمنوا بأنه الماشيَّح الذي اختاره الإله عند تعميده. ومن هنا كان تعميد المسيح موضوعاً أساسياً في إنجيل الإبيونيين. وقد اعتبر الإبيونيون تعاليم بولس الرسول هرطقة محضة. وذهب فريق من الإبيونيين مذهب الغنوصيين، فقالوا بأن المسيح هو آدم. وقال فريق آخر إنه الروح القدس حل بآدم، ثم بالآباء، وأخيراً حل بعيسى، فلما صُلب عيسى صعد الروح القدس، الذي هو المسيح، إلى السماء. ومع اتساع الهوة بين اليهودية والمسيحية، اختفت هذه الجماعات في نهاية القرن الرابع الميلادي.
المغارية
‏Maghariya
«المغارية» فرقة يهودية ظهرت في القرن الأول الميلادي حسبما جاء في القرقشاني. وهذا الاسم مشتق من كلمة «مغارة» العربية، أي كهف، فالمغارية إذن هم سكان الكهوف أو المغارات، وهذه إشارة إلى أنهم كانوا يخزنون كتبهم في الكهوف للحفاظ عليها، ويبدو أنها فرقة غنوصية، إذ يذهب المغارية إلى أن الإله متسام إلى درجة أنه لا تربطه أية علاقة بالمادة (فهو يشبه الإله الخفي في المنظومة الغنوصية) ، ولهذا فإن الإله لم يخلق العالم، وإنما خلقه ملاك ينوب عن الإله في هذا العالم. وقد كتب أتباع هذه الفرقة تفسيراتهم الخاصة للعهد القديم وذهبوا إلى أن الشريعة والإشارات الإنسانية إلى الإله إنما هي إشارات لهذا الملاك الصانع. وقد قرن بعض العلماء المغارية بالأسينيين والثيرابيوتاي.
المعالجون (ثيرابيوتاي)
‏Therapeutae

«المعالجون» ترجمة لكلمة «ثيرابيوتاي» المأخوذة من الكلمة اليونانية «ثيرابي» أي «العلاج» ، وتعني «المعالجون» . والمعالجون (ثيرابيوتاي) فرقة من الزهاد اليهود تشبه الأسينيين استقرت على شواطئ بحيرة مريوط قرب الإسكندرية في القرن الأول الميلادي، ويشبه أسلوب حياتهم أسلوب الأسينيين وإن كانوا أكثر تشدداً منهم. وقد كانت فرقة المعالجين تضم أشخاصاً من الجنسين، وأورد فيلون في كتابه كل ما يعرفه عنهم، فيذكر إفراطهم في الزهد وفي التأمل وبحثهم الدائب عن المعنى الباطني للنصوص اليهودية المقدَّسة. كما يذكر فيلون أنهم كانوا يهتمون بدراسة الأرقام ومضمونها الرمزي والروحي، كما كانوا يقضون يومهم كله في العبادة والدراسة والتدريب على الشعائر. أما الوفاء بحاجة الجسد، فلم يكن يتم إلا في الظلام (وهو ما قد يوحي بأصول غنوصية) .
المستحمون في الصباح (هيميروبابتست)
‏Hemerobaptists
«المستحمون في الصباح» ترجمة للكلمة اليونانية «طوبلحاشحريت» أو «هيميروبابتست» والمستحمون في الصباح فرقة يهودية أسينية كان طقس التعميد بالنسبة إليها أهم الشعائر. ولذا، فقد كان هذا الطقس يُمارَس بينهم كل يوم بدلاً من مرة واحدة في حياة الإنسان. كما أنهم كانوا يتطهرون قبل النطق باسم الإله. ويبدو أن يوحنا المعمدان كان واحداً منهم. وقد ظلت بقايا من هذه الفرقة حتى القرن الثالث الميلادي.
عبدة الإله الواحد (هبسستريون)
‏Hypsisterion

«عبدة الإله الواحد» ترجمة للكلمة اليونانية «هبسستريون» . وعبدة الإله الواحد هم فرقة شبه يهودية كانت تعبد الإله الواحد الأسمى (والاسم مشتق من كلمة يونانية لها هذا المعنى) . وقد كان أعضاء هذه الفرقة يعيشون على مضيق البسفور في القرن الأول الميلادي وظلت قائمة حتى القرن الرابع. ومن الشعائر اليهودية التي حافظوا عليها شعائر السبت والطعام، وكانت عندهم شعائر وثنية مثل تعظيم النور والأرض والشمس، وخصوصاً النار، ومع هذا يُقال إن الأمر لم يصل بهم قط إلى درجة تقديس النار كما هو الحال مع المجوس.
البناءون (بنائيم)
‏Banaaim
«البناءون» ترجمة لكلمة «بنائيم» . والبناءون فرقة يهودية صغيرة ظهرت في فلسطين في القرن الثاني الميلادي. ومعنى الكلمة غير معروف بصورة محددة، فيذهب بعض العلماء إلى أن الاسم مشتق من كلمة «بنا» بمعنى «يبني» ، وأن أتباع هذه الفرقة علماء يكرسون جلّ وقتهم لدراسة تكوين العالم (كوزمولوجي) . ويذهب آخرون إلى أن (البنائيم) فرع من الأسينيين. ويذهب فريق ثالث إلى أن الاسم مشتق من كلمة يونانية بمعنى «حمام» أو «المستحمون» . ويذهب فريق رابع إلى أنهم أتباع الراهب الأسيني بانوس. ولعل ربط البنائيم بالأسينيين يرجع إلى اهتمامهم البالغ بشعائر الطهارة والحفاظ على نظافة ملابسهم.

اليهودية المفاهيم والفرق - الفرق الدينية اليهودية - اليهودية والإسلام

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

أسلمة اليهودية وتهويد الإسلام
‏Islamization of Judaism and Judaization of Islam
«أسلمة اليهودية» و «تهويد الإسلام» مصطلحان قمنا بسكهما لنصف علاقة التأثير والتأثر بين اليهودية والإسلام. ويُلاحَظ أن مقارنة الأديان ودراسة العلاقة بينهما تنصرف عادةً إلى دراسة الشعائر والمصطلحات ومدى التشابه بينهما، الأمر الذي يؤدي بها إلى السطحية. ففي مجال مقارنة الإسلام باليهودية سيُلاحظ الدارس أن شعيرة الختان وحَظْر أكل لحم الخنزير يوجدان في كل من اليهودية والإسلام (بينما تغيب في المسيحية) . وأن الشهادة في الإسلام تؤكد أن الله واحد، كما أن دعاء الشماع في اليهودية يؤكد أيضاً أن الله واحد، بينما تظهر عقيدة التثليث في المسيحية. ويَخلُص الباحث من ذلك إلى أن الإسلام أقرب إلى اليهودية منه إلى المسيحية.
ولعل الغائب هنا هو أهم شيء وهو النموذج المعرفي الذي يستند إليه النموذج التحليلي والتفسيري والتصنيفي. فهذا النموذج هو الذي يحدد المعنى العميق والكامن (والحقيقي) للشعائر وللدوال سواء كانت كلمات أم صلوات. فالختان داخل إطار حلولي ليس علامة على طاعة الإله وإنما هو علامة على التميز، وقل الشيء نفسه عن قوانين الطعام، بل عن الشهادة والشماع (انظر: «الختان» ـ «الشماع» ) .
وقد قمنا في هذه الموسوعة بمحاولة لمقارنة الأديان من هذا المنظور في مداخل هذا القسم والقسم الذي يليه.
ونحن، في دراستنا، نرى أن ثمة نسقين دينيين أساسييين (بل رؤيتين أساسيتين للكون) ، إحداهما توحيدية ترى أن الله واحد متجاوز للطبيعة والتاريخ والإنسان (ومع هذا فهو يرعاها) ، والأخرى حلولية ترى أن الله يحل في الطبيعة والتاريخ والإنسان فيتوحد الجميع في واحدية مادية كونية يسودها قانون واحد. ونحن نرى أن جوهر النسق الديني الإسلامي هو التوحيدية المتجاوزة، بينما نجد أن النسق الديني اليهودي هو تركيب جيولوجي تراكمي داخله طبقة توحيدية وأخرى حلولية وأن الطبقة الحلولية زادت قوةً وترسخاً واكتسبت مركزية على مرّ الزمن.....

ولذا، فإن أسلمة اليهودية تعني تزايد درجات التوحيد داخل النسق الديني من خلال احتكاك اليهودية بالإسلام، ويتبدَّى هذا في الفكر القرّائي وفكر موسى بن ميمون. ويصل هذا الاتجاه إلى ذروته في محاولة موسى بن ميمون، في مصر، أن يؤسلم بعض الشعائر الدينية اليهودية مثل الصلاة.
وتهويد الإسلام يقف على طرف النقيض من ذلك فهو يعني تسلُّل العناصر الحلولية إلى الإسلام، ويتبدَّى هذا في الإسرائيليات وفي فكر عبد الله بن سبأ وكعب الأحبار. وبإمكان القارئ أن يعود أيضاً إلى المدخلين التاليين: «المواحدانية» و «البروتستانتية والإصلاح الديني» ، ليرى تطبيقاً للنموذج نفسه على العقيدة المسيحية، حيث نجد أن فكرة الإله الواحد، داخل الإطار الحلولي، يمكن أن تكتسب مضموناً جديداً يبعدها تماماً عن التوحيد ويقربها من الواحدية الكونية.
القّراءون: تاريخ
‏Karaites:History
«قرّاءون» مصطلح يقابله في العبرية «قرّائيم» أو «بني مقرّا» ، أو «بعلي هامقرّا» أي «أهل الكتاب» . وقد ُسمِّي القرّاءون بهذا الاسم لأنهم لا يؤمنون بالشريعة الشفوية (السماعية) وإنما يؤمنون بالتوراة (المقرّا) فقط (ولذا يمكن القول بأنهم أتباع اليهودية التوراتية، مقابل اليهودية التلمودية أو الحاخامية) . والقرّاءون فرقة يهودية أسسها عنان بن داود في العراق في القرن الثامن الميلادي وانتشرت أفكارها في كل أنحاء العالم. ولم تُستخدَم كلمة «قرّائين» للإشارة إليهم إلا في القرن التاسع إذ ظل العرب يشيرون إليهم بالعنانية نسبةً إلى مؤسس الفرقة.

ويبدو أن ظهور هذه الفرقة يعود إلى عدة أسباب وعوامل داخل التشكيل الديني اليهودي وخارجه، من أهمها انتشار الإسلام في الشرق الأدنى وطرحه مفاهيم دينية وأطراً فكرية جديدة كانت تشكل تحدياً حقيقياً للفكر الديني اليهودي وبخاصة بعد أن غلبت عليه النزعة الحلولية الموجودة داخله. ويبدو أيضاً أنه كانت هناك، منذ هدم الهيكل عام 70م، عناصر دينية رافضة لليهودية الحاخامية من بين بقايا الصدوقيين والعيسويين أتباع أبي عيسى الأصفهاني (690) ، وأتباع يودغان. وقد أخذ القرّاءون عن الصدوقيين فكرة منع إشعال النار يوم السبت، وأخذوا عن العيسويين إيمانهم بأن عيسى (عليه السلام) ومحمداً (ﷺ) رسولان من عند الله، كما أخذوا الترهب عن أتباع يودغان. وهناك نظرية تذهب إلى أن يهود الجزيرة العربية الذين وُطِّنوا في عهد عمر في البصرة وغيرها من بقاع العالم الإسلامي، ولم يكونوا يعرفون التلمود، كانوا من أهم العناصر التي ساعدت على انتشار المذهب القرّائي.
ومن المعروف أن اليهودية، حتى ذلك الوقت، لم تكن قد صاغت عقائدها الدينية بشكل محدد وواضح، فقد كانت اليهودية لا تزال مجموعة من الممارسات الدينية تشرف الحلقات التلمودية على تنفيذها وعلى إصدار الفتاوى بشأنها حسبما تقتضيه الظروف، وهو ما يعني أن البناء العقائدي كان لا يزال غير متماسك ويسمح بتفسيرات كثيرة. ويضاف إلى كل هذا، الوضع الاقتصادي المتردي لأعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً بين أولئك الذين استوطنوا المناطق الحدودية بعيداً عن سلطة هذه الحلقات. أما القرّاءون أنفسهم فيُرجعون تاريخهم إلى أيام يُربعام الأول، حينما انقسمت المملكة العبرانية المتحدة إلى مملكتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية (928 ق. م) . أما المؤسسة الحاخامية فكانت تشيع أن عنان بن داود أسَّس الفرقة لأسباب شخصية.

وبعد انشقاقهم عن اليهودية الحاخامية، ظل القرّاءون (حتى بداية القرن العاشر) في حالة جمود يختلفون فيما بينهم وينقسمون. ويُقال إن يهود الخزر اعتنقوا يهودية قرّائية، وأنهم انتشروا في شرق أوربا بعد سقوط مملكة الخزر، ولذا نجد أن كثيراً من القرّائين في روسيا وبولندا يذكرون أن لغتهم هي التركية. ومع هذا، دافع القرقساني (أحد مفكريهم) عن هذا الانقسام بقوله: إن القرّائين يصلون إلى آرائهم الدينية عن طريق العقل، ولذا فإن الاختلاف بينهم أمر طبيعي. أما الحاخاميون، فإنهم يدَّعون أن آراءهم، أي الشريعة الشفوية، مصدرها الوحي الإلهي. فإن كان هذا هو الأمر حقاً، فلا مجال للاختلاف في الرأي بينهم. ومن ثم، فإن وجود مثل هذه الاختلافات يدحض ادعاءاتهم التي تنسب الشريعة الشفوية لأصل إلهي.
ويُلاحَظ أثر التفكير الديني الإسلامي على فكر القرّائين، وخصوصاً في عصرهم الذهبي في منتصف القرن التاسع. ويُعَدُّ بنيامين النهاوندي، وهو أول من استخدم مصطلح «قرّائي» ، أهم مفكري القرّائين، كما يُعتبَر ثاني مؤسسي الفرقة حيث عاش في بلاد فارس في أواخر القرن التاسع، ثم تبعه مفكرون آخرون من أهمهم أبو يوسف يعقوب القرقساني الذي عاش في القرن العاشر.
وفي الفترة الممتدة بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر، انتشر المذهب القرّائي بين مختلف أعضاء الجماعات اليهودية، خصوصاً في مصر وفلسطين وإسبانيا الإسلامية حيث عمل اليهود الحاخاميون على طَرْدهم منها، وفي الإمبراطورية البيزنطية قبل الفتح العثماني. ومع حلول القرن السابع عشر، انتقل مركز النشاط القرّائي إلى ليتوانيا وشبه جزيرة القرم التي يعود استيطان القرّائين إياها إلى القرن الثاني عشر.

وابتداءً من القرن التاسع عشر، يبدأ فصل جديد في تاريخ القرّائين بعد ضم كل من ليتوانيا (عام 1793) وشبه جزيرة القرم (عام 1783) إلى روسيا. فحتى ذلك الوقت، كانت المجتمعات التقليدية التي وُجد فيها اليهود تُصنَّف كلاًّ من اليهود الحاخاميين واليهود القرّائين باعتبارهم يهوداً وحسب دون تمييز أو تفرقة. ولكن الدولة الروسية اتبعت سياسة مختلفة إذ بدأت تعامل القرّائين كفرقة تختلف تماماً عن الحاخاميين، فأعفت أعضاء الجماعة القرّائية من كثير من القوانين التي تطبَّق على اليهود، مثل: تحديد الأماكن التي يمكنهم السكنى فيها (منطقة الاستيطان) ، وتحديد عدد المسموح لهم بالزواج والخدمة العسكرية الإجبارية، وعدم امتلاك الأراضي الزراعية في مناطق معيَّنة. وقد حاول القرّاءون قدر استطاعتهم أن يقيموا حاجزاً بينهم وبين الحاخاميين، فقدموا مذكرات للحكومة القيصرية يبينون فيها أنهم ليسوا كسالى أو طفيليين مثل اليهود الحاخاميين، وهي اتهامات كانت شائعة ضد اليهود في ذلك الوقت. كما أن القرّائين كانوا يؤكدون أنهم لا يؤمنون بالتلمود الذي كانت الحكومة الروسية ترى أنه العقبة الكأداء في سبيل تحديث يهود روسيا. وقد قام المؤرخ والعالم القرّائي أبراهام فيركوفيتش بإعداد مذكرة موثقة للحكومة القيصرية تبرهن على أن اليهود هاجروا من فلسطين قبل التهجير البابلي، وبالتالي فإن تطورهم الديني والتاريخي مختلف تماماً عن اليهود الحاخاميين. وقد أُعيد تصنيف اليهود القرّائين بحيث اعتُبروا قرّائين روسيين من أتباع عقيدة العهد القديم. وقد أثَّر هذا في الهيكل الوظيفي للقرّائين، فبينما كان معظم اليهود الحاخاميين (في القرم) من الباعة الجائلين والحرفيين وأعضاء في جماعات وظيفية وسيطة، كان القرّاءون يحصلون على امتيازات استغلال مناجم الفحم، وكانوا من كبار الملاك الزراعيين الذين تخصصوا في زراعة التبغ (وقد احتكروا تجارته في أوديسا) ، كما كانت تربطهم علاقة

جيدة مع السلطات القيصرية.
وبلغ عدد اليهود القرّائين في القرم حين ضمها الروس نحو 2400، ووصل العدد إلى 12.907 عام 1910، وإلى عشرة آلاف عام 1932. ويصل عددهم الآن حوالي 4571. وحينما ضمت القوات الألمانية القرم وأجزاء أخرى من أوربا إبان الحرب العالمية الثانية، قرَّر النازيون أن القرّائين يتمتعون بسيكولوجية عرْقية غير يهودية. ولذا، فلم تُطبق عليهم القوانين التي طُبِّقت على الحاخاميين. وقد جاء في بعض المصادر أن موقف القرّائين من أحداث الحرب العالمية الثانية كان يتراوح بين عدم الاكتراث والتعاون مع النازيين. ويوجد تجمُّع قرّائي آخر في ولاية كاليفورنيا يضم حوالي 1200 يهودي معظمهم من أصل مصري.
وعند إنشاء الدولة الصهيونية، كان القرّاءون معادين لها بطبيعة الحال، ولكن الدعاية الصهيونية والسياسية التي انتهجتها بعض الحكومات العربية والمبنية على عدم إدراك الاختلافات بين الحاخاميين والقرّائين جعلت معظمهم يهاجر من البلاد العربية إلى إسرائيل وغيرها من الدول. ويبلغ عدد القرّائين في إسرائيل نحو عشرين ألفاً، توجد أعداد كبيرة منهم في الرملة، وزعيمهم وحاخامهم الأكبر هو حاييم هاليفي، ويعيش بعضهم في أشدود. وهناك اثنا عشر معبداً قرّائياً ومحكمة شرعية. ويمكن القول بأن معظم القرّائين في إسرائيل من أصل مصري (حيث هاجروا إليها عام 1950) . والواقع أن انتماءهم الديني القرّائي لا يزال قوياً، ولذا فإن ثمة خلافات دائمة بينهم وبين اليهود الحاخامين، الأمر الذي ينعكس على العلاقات فيما بينهم داخل المستوطنات المشتركة.
القّراءون: فكر ديني
‏Karaites: Religious Thought

تأثر القرّاءون بعلم الكلام عند المسلمين، وبالعقلانية الإسلامية بشكل عام. وتأثر مؤسس الفرقة، عنان بن داود، بأصول الفقه على مذهب أبي حنيفة. ويُقال إن اليهود القرّائين يمثلون احتجاج الفرد وضميره الحر ضد عبء السلطة المركزية والتقاليد الجامدة. ومن هنا، فقد وُصفوا بأنهم «بروتستانت اليهودية» . ومن الصعب قياس مدى دقة الوصف، وخصوصاً حين يُستخدَم الإطار المرجعي لدين ما لوصف دين آخر. ولكن، وبغض النظر عن مدى دقة الوصف، فإن من المتفق عليه أن الفرقة القرّائية تمثل أكبر احتجاج على اليهودية الحاخامية حتى العصر الحديث (حين ظهرت الفرق اليهودية الحديثة، وخصوصاً اليهودية الإصلاحية) . وهي تمثل احتجاجاً بلغ من الضخامة حد أن اليهودية الحاخامية اضطرت إلى تحديد عقائدها وأفكارها على يد سعيد بن يوسف الفيومي (سعديا جاءون) . وإذا كان الفيومي قد تأثر بالفكر الديني والفلسفي الإسلامي، فإن الاحتجاج القرّائي كان أكثر استيعاباً لهذا الفكر وأشد تأثراً به. ويتضح هذا التأثر في واقع أن القرّائين قد جعلوا النص المقدَّس المكتوب، أي العهد القديم، المرجع الأول والأخير في الأمور الدينية كافة، والمنبع لكل عقيدة أو قانون. وقد هاجم القرّاءون التلمود، وهدموه، وفندوا تراثه الحاخامي باعتباره تفسيراً من وضع البشر (أي أنهم وضعوا التوراة التي يُقال لها «المقرّا» مقابل المشناه بمعنى «التكرار الشفوي» ) . والواقع أن رفض الشريعة الشفوية هو في جوهره رفض النزعة الحلولية التي ترى أن الإله يحل بشكل دائم في الحاخامات، ومن ثم يتساوى الاجتهاد الإنساني والوحي الإلهي، والتمسك بالنص الإلهي المكتوب.

ومع هذا، كان للقرّائين تراثهم التفسيري الذي يقابل التلمود، ولكنه ظل مجرد اجتهادات خاضعة للنقاش لا تصطبغ بصبغة نهائية أو مقدَّسة. وقد حدد عنان بن داود الأمور بقوله: «ابحث في الكتاب المقدَّس بعناية تامة ولا تعتمد على رأيي» . بل إن بعض القرّائين كانوا يستعينون باجتهادات الشريعة الشفوية، ولكنهم كانوا ينظرون إليها باعتبارها اجتهادات دينية ليست لها قداسة، وبالتالي غير ملزمة دينياً. كما أنهم يرون أنه لا اجتهاد مع النص، بمعنى أنه إذا كان النص واضحاً، فينبغي عدم فرض أية تفسيرات عليه أو استعارة تفسيرات الآخرين، على عكس تفسيرات التراث الحاخامي التي كانت تتعامل مع النص بشكل متعسف لفرض المعنى المطلوب. وقد وضع القرّاءون أصولاً للتفسير يظهر فيها تأثير الفكر الإسلامي، فكان التفسير يستند إلى العناصر التالية بالترتيب:
1 ـ المعنى الحرفي.
2 ـ الإجماع.
3 ـ القياس.
4 ـ العقل.

أما تصوُّرهم للإله، فقد تم تطهيره تماماً من أية بقايا وثنية أو طبائع بشرية، فالإله هو خالق السماوات والأرض من العدم، وهو الخالق الذي لم يخلقه أحد، ولا شكل له ولا مثيل له، إله واحد أرسل نبيه موسى وأوحى إليه التوراة التي تنقل الحق الكامل الذي لا يمكن تغييره أو تعديله، وخصوصاً من خلال العقيدة الشفوية. وعلى المؤمن أن يعرف المعنى الحق للتوراة. وقد أرسل الإله الوحي إلى أنبياء آخرين، ولكن درجة النبوة لديهم أقل منها عند موسى، وسيبعث الإله الموتى، ويحاسبهم يوم القيامة، ويعاقب المذنب ويكافئ المثيب. وكل هذا يعني أن الإله عادل وسيحاسب كل فرد على أفعاله، وأن الإنسان خير، وأن الروح لا تفنى. ويؤمن القرّاءون بأن الإله لا يحتقر هؤلاء الذين يعيشون في المنفى، بل هو على العكس يود أن يطهرهم من خلال عذابهم إلى أن يعود الماشيَّح (لكن عقيدة الماشيَّح قد اختفت في بعض صيغ الفكر القرّائي الأولى) . وغني عن القول إن معظم العقائد السابقة تبين أثر الفكر الإسلامي التوحيدي.

ولا يوجد في الفكر القرّائي هذا العدد الضخم من الأوامر والنواهي التي حددها الفكر الحاخامي. وتختلف صلاة القرّائين عن صلاة الحاخاميين في عدة أوجه، أهمها أن القرّائين يكتفون بصلاتين: واحدة في الصباح، وأخرى في المساء، وتتضمن صلاتهم الشماع، ولكنهم حذفوا الثماني عشرة بركة (شمونه عسريه) . كما أن شكل الصلاة عند القرّائين استقر وأخذ شكلاً نهائياً، على عكس الصلاة عند الحاخاميين. ويرتدي القرّاءون شال الصلاة (طاليت) أثناء أدائها، ولكنهم لا يرتدون تمائم الصلاة (تفيلِّين) ، ولا يضعون تمائم الباب (مزوزوت) على منازلهم لأن الإشارات الواردة بشأن هذه التمائم ذات معنى مجازي على عكس ما يتصور الحاخاميون الذي فسروا الإشارات تفسيراً حرفياً. ولا يحتفل القرّاءون بعيد التدشين لأنه ظهر بعد تدوين التوراة، ولهم تقويم خاص بهم. كما أن قوانين الطعام عند القرّائين تختلف عنها لدى الحاخاميين، وخصوصاً في القواعد الخاصة باللحم واللبن. وتتسم قواعد الزواج عند القرّائين بالتزمت إذ زادوا عدد المحارم زيادة غير عادية. كما أن القرّائين يصومون سبعين يوماً (من 13 نيسان إلى 23 سيفان) على طريقة المسلمين، بل يُحرِّم بعضهم استخدام الأدوية حيث لا شافي إلا الإله.
وقد اشتد الصراع بين القرّائين والحاخاميين إلى حد أن كل طائفة قامت بتكفير الأخرى وإعلان نجاستها وحرمانها من رحمة الإله. وقد اعتبر الحاخاميون طائفة القرّائين من الأغيار في شئون الطعام والشراب والزواج. وفي العصر الحديث، بذل القرّاءون جهوداً كبيرة للاحتفاظ بالمسافة بينهم وبين الحاخاميين.

ومع هذا، لم تنتشر اليهودية القرّائية بين اليهود، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تفسير. ويُقال إن القرّائين كانوا يضمون في صفوفهم كثيراً من التقاة الذين تمسكوا بالتفسير الحرفي للتوراة، وقد أدَّى هذا إلى تَجمُّد فكرهم، وتحوُّلهم إلى حفرية دينية. ولقد وجد كثير من الجماعات القرّائية في تربة إسلامية. ولعلهم وجدوا أن من المنطقي، بعد أن طهروا اليهودية من النزعة الحلولية، وبعد فَرْض الصيغة التوحيدية عليها، أن يعتنقوا الإسلام، وخصوصاً أن ثمة إشارات إلى أن عنان بن داود كان يؤمن، مثله مثل أبى عيسى الأصفهاني، بأن عيسى (عليه السلام) ومحمداً (ﷺ) من الأنبياء.
عنان بن داود (القرن الثامن الميلادي (
‏Anan Ben David
مؤسس مذهب القرّائين، ويُقال إنه كان ابن رأس الجالوت في العراق. وقد درس ابن داود الشريعة، ولكن رؤساء الحلقات التلمودية رفضوا تعيينه مكان أبيه، حسب المصادر اليهودية الحاخامية، فرفض الإذعان لقرارهم ودخل في خلاف حاد معهم عام 762. وحينما أُلقي به في السجن بتهمة التمرد، طالب بالإفراج عنه باعتبار أنه ينتمي إلى جماعة دينية مختلفة عن الجماعة اليهودية، فأُجيب طلبه. وبعد الإفراج عنه، أسس ابن داود الفرقة الجديدة في الفترة 762 ـ 767 والتي كانت تُسمَّى في بادئ الأمر بـ «العنانية» ، ونشر عام 770 كتابه سفر هامتسفوت باللغة الآرامية (كتاب الأوامر والنواهي)
ولم يبق من الكتاب سوى بضعة أجزاء. ولكن لا يمكن تفسير ظهور هذه الفرقة على أساس هذا الحادث الشخصي، فمن الواضح أن اليهودية كانت تواجه تحدياً فكرياً ضخماً بعد انتشار الإسلام، وكان عليها أن تستجيب له. وكان عنان بن داود يمثل أولى هذه الاستجابات، ثم تبعه سعيد بن يوسف الفيومي، المتحدث باسم اليهودية الحاخامية ومحددها.

وحجر الزاوية في فكر عنان بن داود هو العودة إلى النص المقدَّس المكتوب نفسه، أي العهد القديم، مستخدماً طريقة القياس التي استقاها من الفقه الإسلامي، وخصوصاً من فكر الإمام أبي حنيفة. كما أنه رفض الشريعة الشفوية التي تعبِّر عن الحلولية اليهودية. وقد بذل ابن داود جهداً كبيراً في تفسير التناقضات الموجودة في العهد القديم. وكان يفضل التشدد في كثير من الأمور، مثل الزواج وشعائر السبت. ومع هذا، يظل المفتاح الأساسي لفهم فكره الديني هو عبارته: "فلتبحث بعناية فائقة في النص، ولا تعتمد على رأيي".
بنيامين بن موسى النهاوندي (منتصف القرن التاسع الميلادي (
‏Benjamin Ben Moses Nahawandi
عالم قرّائي عاش في فارس والعراق. ويُعَدُّ (مع عنان بن داود)
مؤسس المذهب القرّائي. وهو صاحب مصطلح «قرّائي» . وكان النهاوندي يتسم بعلمه الواسع في العلوم الإسلامية الدينية والدنيوية. كما أنه حدَّد عقائد القرّائين، وبذل جهداً كبيراً في تطهير الفكر الديني من أية اتجاهات لخلع صفات بشرية على الإله. ولذا، فقد أصر على قوله بأن الشريعة لم تُوحَ إلى موسى مباشرة وإنما أُوحيَت إليه من خلال ملاك. وأصر على أن الإله لم يَخلُق العالم مباشرة وإنما خلقه من خلال ملاك أيضاً (وقد رفض القرّاءون رأيه هذا) . ورغم تأكيده أهمية النص المقدَّس، كما هو الحال مع القرّائين، فإنه لم يمانع في الاستفادة من الشريعة الشفوية (أي تفاسير الحاخامات) دون أن يخلع عليها أية قداسة. وقد وضع النهاوندي معظم مؤلفاته بالآرامية، ومن أهمها شروح العهد القديم، إلى جانب بعض الدراسات القانونية الأخرى.
أبو يوسف يعقوب القرقساني (النصف الأول من القرن العاشر الميلادي (
‏Abu Yusuf Yaqub Qirqisani

عالم قرّائي استوعب العلوم الإسلامية الدينية والدنيوية في عصره، وكان على إلمام كبير بالتراث الحاخامي. وأهم كتبه كتاب الأنوار والمراتب (بالعربية)
، وهو مصنف في القوانين القرّائية، أما الكتاب الثاني فهو كتاب الرياض والحدائق، وهو تعليق على الأجزاء التي لا تتناول الشرائع في العهد القديم. وهو، في جميع كتاباته، يُحكِّم عقله ويستند إلى قواعد التفسير التي وضعها العلماء القرّاءون من قبله.
أبراهام فيركوفيتش (1786-1874 (
‏Abraham Firkovich
عَالم قرّائي روسي بولندي المولد، بذل جهوداً كبيرة لفصل اليهود القرّائين عن اليهود الحاخاميين، فهاجم اليهودية الحاخامية والحسيدية هجوماً لاذعاً. وقد قدَّم فيركوفيتش مذكرة عام 1825 إلى الحكومة الروسية القيصرية بيَّن فيها أن القرّائين يتسمون بالنشاط والإنتاجية، على عكس اليهود الحاخاميين الذين يتسمون في رأيه بالكسل والطفيلية. وقد اقترح في المذكرة أن تقوم الحكومة القيصرية بتهجير الحاخاميين من المناطق المتاخمة للحدود الغربية، حتى تُوقفهم عن الاشتراك في عمليات التهريب، وحتى يتم تشجيعهم على الاشتغال بالزراعة (وقد كان القرّاءون في شبه جزيرة القرم يشتغلون بكل المهن، ومنها الزراعة، كما كانوا يمتلكون مزارع تبغ)
. وقد بيَّن فيركوفيتش في دراساته أن القرّائين هاجروا من فلسطين بعد انقسام مملكة سليمان، وأنهم استوطنوا القرم منذ القدم، وأن قبيلة الخزر تهوَّدت على أيديهم. وقد قام بجمع العديد من المخطوطات العبرية في فلسطين (وربما مصر) ، كما استشهد بالاكتشافات الأثرية، وخصوصاً شواهد القبور اليهودية، ليثبت قوله. ونشر فيركوفيتش آراءه عام 1872، وقد تقبَّلها كثير من المؤرخين اليهود في عصره. ولكن بعض العلماء يرون أن فيركوفيتش كان يزيف الشواهد التاريخية لتأييد وجهة نظره، ولا تزال هذه القضية خلافية.

وتُعَدُّ مجموعتا فيركوفيتش بالمكتبة العامة في سانت بطرسبرج أكبر مجموعتي كتب ومخطوطات عبرية في العالم.
الإسرائيليات (تهويد الإسلام (
‏Israeliyat (Judazation of Islam)

«الإسرائيليات» هي مجموعة من القصص والتفسيرات لقصص وأحكام القرآن. ويتناول كثير من هذه الإسرائيليات قصصاً وأساطير أبطالها شخصيات من العهد القديم ورد ذكرهم في القرآن. وتفترض الإسرائيليات أن ثمة استمراراً بين قصص العهد القديم وقصص القرآن، وأن إبراهيم، الذي ذُكر في التوراة هو نفسه سيدنا إبراهيم (عليه السلام) الذي ذُكر في القرآن. ولما كان القرآن لم يذكر قصص الأنبياء كاملة فإن كتاب الإسرائيليات يلجأون، في تفاسيرهم، إلى ملء الثغرات بالعودة إلى كتب اليهود الدينية. وتتناول الإسرائيليات كذلك عقائد، مثل: المسيح المخلِّص (المهدي المنتظر) ، وآخر الأيام، وعذاب القبر، واسم الإله الأعظم. ويتسم معظم الإسرائيليات بطابعه الحلولي المتطرف (الذي يتناقض بشكل حاد مع الفكر التوحيدي) ومن المعروف أن افتراض الاستمرار الكامل، ومحاولة ملء كل الفراغات، هي من سمات الأنساق الحلولية التي لا تقبل جود أية مساحات داخل نسق فضفاض.
ويروي ابن خلدون في مقدمته من أسباب تسرب الإسرائيليات إلى المسلمين وأسباب استكثارهم من روايتها أن العرب لم يكونوا أهل كتاب أو علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء، مما تتشوق إليه النفوس البشرية وأسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، وهم أنفسهم كانوا أهل بادية منهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمْيَر الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم.

وتساهل المفسرون وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم (الحفني) . ومعنى كل هذا أن ثمة رغبة شعبوية بدائية في معرفة أصل الأشياء، ملأها المفسرون من خلال احتكاكهم بيهود الجزيرة العربية الذين كانوا يؤمنون هم أنفسهم بيهودية شعبوية بعيدة عن التوحيد أو تميل إلى الحلولية ولذا تود ملء كل الثغرات.
ويضرب الحفني مثلاً على ذلك: أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، وكلها تفاصيل روائية، لا فائدة من معرفتها، ولكن العقل الشعبي يود دائماً الإحاطة بالتفاصيل المادية إذ يجد صعوبة غير عادية في التجريد وتجاوز المادة. والموقف الإسلامي من هذا واضح فقد ورد في القرآن (كما يُبيِّن الدكتور الحفني) أن ثمة أموراً أبهمها الله، ولا فائدة من تعيينها تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم، وبقي الاختلاف عنهم في ذلك جائزاً ("سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم، رجماً بالغيب، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، قل ربي أعلم بعدتهم، ما يعلمهم إلا قليل، فلا تُمار فيهم إلا مراءً ظاهراً، ولا تستفت فيهم منهم أحدا" [الكهف 22 [) .

دخل الكثير من الإسرائيليات إلى كتب التفسير الإسلامية عن طريق اليهود الذين اعتنقوا الإسلام في مرحلة مبكرة مثل كعب الأحبار. ولكن، بعد فترة، لم يَعُد اليهود الذين أسلموا وحدهم مصدر الإسرائيليات، فكثير من المفسرين المسلمين كانوا يعودون بأنفسهم إلى الكتب الدينية اليهودية، أو الفلكلور اليهودي، لتفسير القصص القرآني. كما أن الوجدان الشعبي نسج وولَّد قصصاً وتفسيرات على منوال الإسرائيليات. ونحن نذهب إلى أن الخطاب الغنوصي ظل سائداً بين العامة ووجد طريقه إلى عمليات التفسير في كل الديانات التوحيدية. ويجب أن نتذكر أن كثيراً من الإسرائيليات هي، في جوهرها، فلكلور يهودي نجح في أن يصبح جزءاً من العقائد الدينية اليهودية الرسمية، والتلمود كتاب فلكلور بقدر ما هو كتاب تفسير. ونحن نذهب إلى أن شخصيات العهد القديم تختلف في سماتها وسلوكها عن مثيلتها التي تحمل الأسماء نفسها في القرآن الكريم. ومن ثم، فإن إبراهيم الذي ورد ذكره في التوراة يتميَّز عن سيدنا إبراهيم (عليه السلام) الذي ترد قصته في القرآن الكريم (ولهذا، فإن اسم الأول خلافاً للثاني يرد هنا مجرداً من لفظ «سيدنا» (.
عبد الله بن سبأ (القرن السابع الميلادي (
‏Abdallah Ibn Saba

ويُسمَّى أيضاً ابن السوداء. وهو عربي يهودي من أهل صنعاء في اليمن. وقد ادَّعى ابن سبأ بعد موت الرسول (ﷺ)
أن الرسول (ﷺ) هو الماشيَّح الذي سيرجع مرة أخرى، فكان يقول: "العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذِّب برجوع محمد". وقد أيَّد رأيه بآية من القرآن: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معاد" (القصص 85) ومن ثم فإن محمداً أحق بالرجوع من عيسى. وقال أيضاً إنّ في التوراة أنّ "لكل نبي وصياً، وإن علياً (زوج ابنة الرسول ﷺ) هو وصيه، ولذا فعليٌّ هو خاتم الأوصياء بعد محمد خاتم النبيين". بل يُقال إنه لما بويع علي قام إليه ابن سبأ فقال له:"أنت خلقت الأرض وبسطت الرزق".

وقد ذهب عبد الله بن سبأ إلى القول بالتناسخ. وبحسب قوله، فإن روح الرسول (ﷺ) لم تمت مع محمد بل استمرت حية تتعاقب في ذريته، فروح الله التي تبعث الحياة في الرسل تنتقل بعد وفاة أحدهم إلى آخر، وأن روح النبوة بصفة خاصة انتقلت إلى عليّ واستمرت في عائلته، ومن ثم فعليّ ليس مجرد خلف شرعي للخلفاء الذين سبقوه، وهو ليس في مستوى واحد مع أبي بكر وعمر اللذين اندسا مغتصبين بينه وبين الرسول (ﷺ) وأخذا الخلافة بغير وجه حق، إنما هي «الروح القدسية» تجسدت فيه وهو وريث الرسالة، ومن ثم فهو بعد وفاة محمد الحاكم الوحيد الممكن للأمة، تلك الأمة التي يجب أن يكون على إمامتها مثل حيّ لله. وقد استطاع ابن سبأ تكوين خلايا سرية في عديد من الأمصار الإسلامية التي مرَّ بها (الحجاز والبصرة والكوفة والشام ومصر) ، وجرت بينه وبين أعضاء هذه الخلايا مكاتبات، وحاك ابن سبأ المؤامرات ووضع مخططات للثورة. وبعد مقتل عليّ رضي الله عنه عام 661، أنكر عبد الله أن علياً قد قُتل، زاعماً أن من قُتل هو في واقع الأمر شيطان يشبه علياً وأن علياً نفسه فيه الجزء الإلهي وأنه هو الذي يجئ في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، ولذا كان أتباعه يقولون عند سماع الرعد: "السلام عليك يا أمير المؤمنين". وأنه لابد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلاً كما مُلئت جوراً.
وقد أسَّس ابن سبأ الطائفة السبئية التي تقول بألوهية عليّ. ويُقال للسبئية «الطيارة» لزعمهم أنهم لا يموتون وإنما موتهم طيران نفوسهم في الغَلَس (قبيل انبلاج النهار) . ويُقال إن عبد الله بن سبأ جاء إلى الإمام عليّ (رضي الله عنه) مع جماعته وقالوا له «أنت الله» فأحرقهم بالنار، فجعلوا يقولون: "الآن صحَّ عندنا أنه الله لأنه لا يعذِّب بالنار إلا رب النار".

وقد انشغل المؤرخون المسلمون (في الماضي والحاضر) بقضية هل كان عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية وُجدت فعلاً أم شخصية مُختَلَقَة، وهي في الواقع قضية قد تكون على قدر من الأهمية ولكنها تترك المسألة الأساسية، أي بنية أفكار ابن سبأ (وهي أفكار كان هناك من يحملها ويروجها بغض النظر عن وجود ابن سبأ نفسه) . ولنضرب مثلاً لنوضح ما نرمي إليه: ينتشر كثير من الأفكار الرومانتيكية وتتبناها جماعات من الناس في أنحاء العالم دون أن يطلعوا بالضرورة على كتابات الشعراء أو الفلاسفة الرومانتيكيين في الغرب، وحتى دون أن يعرفوا بوجود شيء يُسمَّى «الحركة الرومانتيكية» . والواقع أن القضية هي بنية هذه الأفكار ومدى تأثيرها في سلوكهم ومدى تأثيرهم فيمن حولهم بعد حَمْلهم هذه الأفكار، وهكذا. أما قضية الأصول والتأثير والتأثر، وهل اطلع هؤلاء بالفعل على النصوص الأساسية للحركة الرومانتيكية الغربية أم لا، فهي قضية ثانوية رغم أهميتها، وخصوصاً أن كثيراً من الأفكار الإنسانية تتوالد من داخل العقل الإنساني، دون حاجة لتأثير خارجي. والأفكار الحلولية (التي تشكل الإطار الذي تتحرك داخله المنظومة السبئية) أمر كامن في تجارب الإنسان الأولى.
ويمكن القول بأن النسق الفكري الذي يُنسَب إلى اسم بن سبأ نسق حلولي غنوصي كامل يستحق الدراسة من هذا المنظور:

1 ـ فهو نسق يفترض الحلول الدائم للإله في الطبيعة والتاريخ، ولذا فالرعد هو صوت عليّ والبرق سوطه، فالإله يتجسد في الطبيعة. كما أن ثمة إيماناً بأن روح الإله تنتقل من رسول إلى آخر ولابد أن يكون هناك إمام هو مثل حيّ (تَجسُّد ـ حلول) للإله في التاريخ. ويُلاحَظ أنه في الأنساق الحلولية، لابد أن يكون هناك تجسُّد دائم ومستمر للإله في الطبيعة وتناسخ دائم عبر التاريخ، حتى يظل الإله دائماً متجسداً في الزمان والمكان كامناً فيهما لا متجاوزاً أو مفارقاً لهما. والإله، في هذه المنظومة، جزء لا يتجزأ من الطبيعة والتاريخ ويُردُّ إليهما لملء كل الفراغات والمجالات والثغرات بحيث يتصل الزمان بالمكان في وحدة وجود روحية لا تبقى للإله من الألوهية سوى الاسم.
2 ـ ويتضمن النسق الديني الحلولي إلغاء فكرة محمد خاتم المرسلين، وهي الفكرة التي تتضمن أن التاريخ أصبح المجال الذي يتفاعل فيه الإنسان مع الإله وأن التاريخ هو الرقعة التي يختبر الإله فيها الإنسان، وبإمكان الإنسان أن يخطىء ويصيب فيها (فهو حرّ الإرادة) . بدلاً من ذلك يطرح النسق السبئي الحلولي فكرة نهاية التاريخ. كما يتضمن النسق الحلولي إلغاء فكرة الضمير الشخصي ووجود الإنسان الفرد.
3 ـ يمكن أن يتحقق الحلول الإلهي في شخص بدرجة مركزة بحيث يصبح هذا الشخص إلهاً لا يموت، وهذه هي صفات عليّ (رضي الله عنه) في النسق السبئيّ أو صفات محمد (ﷺ) الذي لابد أن يعود أو صفات من يتحقق فيه الحلول الإلهي عبر التاريخ.

4 ـ يُلاحَظ أن الحلول الإلهي مسألة متوارثة في مجموعة من الناس، فكأن الإله بحلوله في عائلة ما يصبح جزءاً عضوياً يجري في عروقها، وكأن الربانية أصبحت صفة بيولوجية وليست صفة تعبر عن نفسها في أعمال أخلاقية تتبدَّى من خلالها التقوى. والنظم الحلولية نظم عضوية، والإنسان الذي يتمتع بالحلول يتجاوز الخير والشر. وهذه صفات موجودة في النسق السبئي. ولم تذكر المصادر التي توافرت لنا شيئاً عن سلوك السبئيين وما إذا كانوا قد انغمسوا في ممارسات جنسية داعرة تعبر عن الحلول الإلهي العضوي في أجسادهم أو تعبِّر عن سقوط القيم الأخلاقية.
5 ـ المنظومة الحلولية تتسم بعدم النضج المعرفي، فهي تنحو نحو اختزال الكون في عناصر سببية بسيطة، فالإمام سيملأ الدنيا عدلاً بعد أن امتلأت جوراً، أي أن كل الثغرات ستُسد ويظهر عالم واضح عضوي مصمت، لا ثغرات فيه، عالم متأيقن تماماً، السبب مرتبط تماماً فيه بالنتيجة. أما من الناحية النفسية فالإنسان الحلولي يرفض الحدود ويفضل البقاء في حالة سيولة كونية رحمية (نسبة إلى الرَحم) ، ومن ثم يرفض أن يكبح جماح غرائزه بل يرفض الموت، الحد الأكبر المفروض على الإنسان والنتيجة الطبيعية لإيمان الإنسان بالإله الواحد. ويتبدَّى هذا أيضاً في المنظومة السبئية حيث تُرفَض فكرة الموت بالنسبة لعليّ (رضي الله عنه) ولمن يرث الروح الإلهية. فكأن النسق الحلولي يعد أتباعه بأنهم سيصيبون الأزلية في الدنيا، أي سيصبحون آلهة. بل يمكن القول بأن تحديد المنظومة السبئية لعليّ (رضي الله عنه) ، كنقطة للحلول الإلهي، هو بحث عن نقطة فردوسية (غنوصية) طاهرة تماماً لا يوجد فيها أي تركيب أو تناقض، نقطة الوحدة الحقّة للوجود.

6 ـ تفترض المنظومة الحلولية تداخل كل الأشياء وترابطها من خلال الحلول الإلهي المستمر. وهذه الرؤية هي التي أدَّت إلى ظهور الإسرائيليات في الإسلام حيث افترض بعض المفسرين وجود استمرار بين التوراة التي بين أيدينا وبين القرآن. وكما أشرنا من قبل، تستند المنظومة السبئية إلى مقدِّمات وردت في التوراة تُستخلَص منها نتائج إسلامية، فكأن ثمة استمراراً بين التوراة والقرآن وبين الإسلام واليهودية.
هذه بعض ملامح المنظومة السبئية الحلولية المتطرفة، وهي منظومة كان لها تابعوها وتأثر بها العديدون. وقد ظهرت هذه المنظومة بأشكال أخرى بين جماعات أخرى لها أسماء أخرى، ومن ثم يكون هذا الانشغال المتطرف بشخصية ابن سبأ انشغالاً شاذاً إلى حدٍّ ما.
ويمكننا الآن أن نسأل: ما مصدر هذه الحلولية؟ وما جذورها التاريخية وربما البيئية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، قد نحتاج إلى بحث مكثف. ويمكن أن نذهب هنا إلى أن المنظومة ذات أصول يمنية، ولعل المؤرخين الذين جعلوا عبد الله بن سبأ يمنياً كانوا يشيرون إلى هذا. وفي هذه الحالة، لابد أن ندرس بتعمق أنماط اليهودية التي كانت منتشرة آنذاك في جنوب الجزيرة العربية، ومدى اختلاطها بعناصر وثنية من العبادات العربية المجاورة، وهو أمر متوقع تماماً لسببين: أولهما أن يهودية الجزيرة العربية كانت منعزلة إلى حدٍّ كبير عن المراكز والحلقات التلمودية سواء في فلسطين أو بابل. كما أن الطبيعة الجبلية لليمن تضمن استمرار كثير من العبادات والعادات ذات الطابع البدائي الجيولوجي المتحجر (وهذه طبيعة المناطق الجبلية كما هو الحال في الشام وبلاد شبه جزيرة القوقاز) . ويُلاحَظ أن الفرس قد احتلوا اليمن لبعض الوقت، والفكر الحلولي سمة أساسية في العبادات الفارسية. ولعلنا لو اكتشفنا قوة الطبقة الحلولية داخل اليهودية الموجودة في اليمن لأمكننا إلقاء مزيد من الضوء على الإسرائيليات وعلى تطوُّر اليهودية نفسها.

والواقع أن التشابه بين المنظومة السبئية والمنظومة الغنوصية تشابه يثير التساؤل ويدعم نظريتنا القائلة بأن الغنوصية ليست مجرد حركة ظهرت في زمان ومكان معينين (الشرق الأدنى في القرن الأول الميلادي) وإنما هي رؤية كامنة في داخل الإنسان وتظهر في كثير من الحضارات وتعبِّر عن فشل الإنسان في تجاوز الوثنية والحواس، كما تعبِّر عن الرغبة في الذوبان في السيولة الكونية الأولية للوصول إلى عالم الواحدية الكونية، حيث لا حدود ولا هوية، ولا أعباء أخلاقية أو نفسية، ولا مسئولية من أي نوع. ولعل هذا الخطاب الغنوصي الكامن هو الذي يفسر التشابه بين حركة مثل السبئية نشأت في القرن السادس الميلادي في الجزيرة العربية وانتشرت في ربوع العالم الإسلامي وحركة مثل البهائية نشأت في إيران في القرن الثامن عشر وانتشرت منها في أنحاء العالم المختلفة.
كعب الأحبار (؟ -647 (
‏Kaab al-Ahbaar
«كعبُ الأحبار» هو أبو إسحق، كعب بن مانع الحمْيري، وأصله من يهود اليمن (حيث كانت اليهودية تنتشر هناك في زمن معاصر للدعوة الإسلامية)
، وقد أدرك الجاهلية وأسلم في فترة الخلافة الراشدة. سُمِّي «كعب الأحبار» من باب التعظيم تقديراً لعلمه بكتب الأنبياء وأخبار الماضين.
ويحتل كعب الأحبار مكانة مهمة بين المفسرين الأوائل بصفته يهودياً. وقد كان يرجع (بعد إسلامه) إلى التوراة والتعاليم الإسرائيلية في دراسته للإسلام، لذلك فإن كثيراً من المصادر الدارسة للتفسير والعلوم الإسلامية تتشكك في مروياته ومقولاته التي جاءت مشَّبعة بالإسرائيليات.

ويُتهم كعب الأحبار بالإطلاع على مكيدة قتل عمر بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين، وصياغته لها في صورة نبوءة إسرائيلية. وترجع بعض الإسرائيليات، وخصوصاً في التفسير وفي مباحث النبوءات وذكر الأنبياء السابقين، إلى محاولة المفكرين الجاهليين الذين أسلمو التوفيق بين الرؤية الدينية التي كانت عندهم والتي كانت تتنبأ ببعثة الرسول (ﷺ) وبين العقائد الإسلامية الخاصة بهذا الموضوع.
صموئيل بن عباس (1125-1175 (
‏Samuel Ibn Abbas
ويُعرف أيضاً باسم «ابن يحيي المغربي» . مؤلف عربي وعَالم رياضيات وطبيعة وُلد في بغداد وعاش في سوريا والعراق وإيران. حقق ذيوعاً كمؤلف يهودي وعالم طبيعة. وفي عام 1163، اعتنق الإسلام في أذربيجان وكتب كتيباً بعنوان إفحام اليهود. وفي عام 1167، أصدر نسخة موسعة من الكتيب وأضاف لها سيرة ذاتية حيث أعلن أن النبي صمويل والرسول محمد (عليه الصلاة والسلام)
جاءاه في المناه وأمراه أن يعتنق الإسلام. ولكنه أضاف أن الرؤية لم تكن السبب الوحيد في تحوُّله إلى الإسلام، فالسبب الحقيقي هو مجموعة من المقدمات العقلانية والنتائج المنطقية توصَّل إليها عقل عالم رياضيات، وأن الرؤية لم تكن سوى العنصر الحاسم الذي حدد زمن التحول إلى الإسلام. وقد حقق الكتيب والسيرة ذيوعاً كبيراً واستخدمه المفكرون الإسلاميون في النقاش الدائر بين المسلمين واليهود.

ويذهب ابن عباس في كتابه إلى أن نسخة العهد القديم التي وصلت إلينا هي تشويه للوحي الأصلي (الذي نزل على موسى عليه السلام) ، فهي من وضع عزرا الذي كان من الكهان الهارونيين (أتباع هارون) المعادين لبيت داود الملكي. ويبيِّن ابن عباس أن هناك قصصاً كثيرة في العهد القديم تشوه سيرة الأنبياء وتسيء إليهم، وإلى أن ثمة نزعة تشبيهية تنسب إلى الإله صفات إنسانية لا تليق به، كأن يُقال إن الإله يندم على أفعاله. كما بيَّن أن هناك من المقطوعات ما يدل على أن القانون الموسوي قد تم نسخه، ومع ذلك يصر اليهود على التمسك به وتطبيقه. ويُهاجم ابن عباس التلمود والشريعة الشفوية ككل ويعطي تاريخاً مبسطاً لظهور التلمود والصلوات في المعبد اليهودي وتفسيرات قانون الطعام المباح شرعاً. كما يُحدِّد ابن عباس عدة مقطوعات في العهد القديم يرى أنها تُبشر بمقدم الرسول محمد (عليه الصلاة والسلام) . وقد تُرجم كتيبه إلى اللاتينية وإلى عدد من اللغات الأوربية.

اليهودية المفاهيم والفرق - الفرق الدينية اليهودية - اليهودية والمسيحية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

تنصير اليهودية
‏Christianization of Judaism
«تنصير اليهودية» مصطلح نحتناه لنصف عملية حدثت للنسق اليهودي وحولته تحويلاً جذرياً، وهي ظاهرة رصدها بشكل جزئي متفرق كثير من دارسي اليهودية من الغربيين ولكنهم لم يعطوها المركزية التفسيرية التي تستحقها. وابتداءً، لابد أن نقرر أن «التنصير» المشار إليه عملية بنيوية مركبة تمت داخل اليهودية بشكل تلقائي طوعي غير واع على مستوى البنية الكامنة وليس من الخارج. ولذا، فهي لا تأخذ شكل اقتراض فكرة هنا أو شعيرة هناك، وإنما تأخذ شكلاً أكثر جذرية. كما أن تنصير اليهودية لا يعني أن اليهودية أصبحت نصرانية، إذ أن اليهودية فقدت كثيراً من سماتها الخاصة واستوعبت بعض السمات البنيوية للمسيحية. ولكن الثمرة النهائية لهذه العملية هو تَشوُّه كلٍّ من اليهودية والسمات المسيحية التي استوعبتها.

وتعود ظاهرة تنصير اليهودية إلى عدة عناصر:
1 ـ تركيب اليهودية الجيولوجي يساعد كثيراً على تَقبُّله سمات وعناصر من الأنساق الدينية الأخرى.
2 ـ أصول المسيحية يهودية، فالسيدة مريم العذراء عاشت وماتت يهودية، والسيد المسيح نفسه والحواريون كانوا في بداية الأمر يهوداً يدورون في إطار الثقافة الآرامية السائدة. وقد بدأت المسيحية باعتبارها دعوة موجهة إلى اليهود أساساً، ثم إلى كل الناس بعد ذلك، والمسيحية لم تَجُبّ اليهودية وإنما أكملتها (على حد قول السيد المسيح (.
3 ـ تَبنَّت المسيحية التوراة (كتاب اليهود المقدَّس) كتاباً مقدَّساً، حتى بعد أن سَمَّته العهد القديم، وأصبح الشعب ضمن أتباع الكنيسة، وأصبحت الكنيسة نفسها تُسمَّى «إسرائيل الحقيقية» (باللاتينية: «إسرائيل فيروس Israel verus» ) ، وأصبحت العودة إلى صهيون والقدس (بالمعنى الروحي) إحدى الركائز الأساسية للتفكير الأخروي المسيحي. وهناك بعض المفاهيم المشتركة بين اليهودية والمسيحية مثل ابن الإله والاختيار.
4 ـ منذ القرن الرابع عشر، عاشت غالبية يهود العالم في العالم الغربي في تربة مسيحية. ولكن يهود المارانو هم أهم العناصر التي ساعدت على تنصير اليهودية حيث أشاعوا القبَّالاه، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية، التي استوعبت كثيراً من الأفكار المسيحية لدرجة أن أتباع المفكر القبَّالي أبو العافية تنصروا لاكتشافهم الشبه بين نسقه الفكري والمسيحية.

ويجب ألا ننسى أن كثيراً من المارانو كانوا مسيحيين صادقين في إيمانهم، وفُرضت عليهم اليهودية فَرْضاً بسبب غباء محاكم التفتيش وعنصريتها. ولذا، فإنهم كانوا يفكرون من خلال إطار مسيحي كاثوليكي. وحتى أولئك اليهود المتخفون الذين احتفظوا بيهوديتهم سراً، أصبح إطارهم المفاهيمي كاثوليكياً. فهم، على سبيل المثال، كانوا يؤمنون بالقديسة «سانت إستير» ، بل إن بعض شعائرهم تأثرت بالشعائر المسيحية وتأثرت رؤيتهم للماشيَّح برؤية المسيحيين للمسيح.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر التأثر بالمسيحية بين يهود اليديشية، وقد كانت مراكز اليهودية الحاخامية في المدن الكبرى، أما أغلبية اليهود فكانوا في الشتتلات يعيشون مع الفلاحين السلاف، جنباً إلى جنب، بعيداً عن قبضة المؤسسة الحاخامية، فاصطبغ فكرهم الديني بصبغة فلكلورية سلافية أرثوذكسية.
ولفهم عملية تنصير اليهودية، لابد أن نتناول قضية معالجة كلٌ من المسيحية واليهودية لقضية الحلول الإلهي أو اللوجوس. فاللوجوس في المسيحية، هو ابن الله الذي ينزل ويتجسد لفترة زمنية محددة ويُصلَب ويقوم ويترك التاريخ، ومن ثم، فإن الحلول شخصي مؤقت ومنته. أما اللوجوس في اليهودية، فهو الشعب اليهودي، مركز التاريخ والطبيعة، ولذا فالحلول جماعي ودائم ومتواصل، وتَجسُّد المطلق في التاريخ مسألة دائمة. وهذا الفارق بين الحلين لمشكلة الحلولية (أو لنقطة تلاقي المطلق والنسبي) هو الذي يشكل مفتاحاً لفهم طبيعة تنصير اليهودية.

ويتبدَّى تداخل عناصر مسيحية والنسق الديني اليهودي في زعم الحاخامات أن المشناه تجسيد للوجوس، تماماً كالمسيح عند المسيحيين. ولعل تفسير راشي للاختيار بأنه سر من الأسرار هو أيضاً تأثر بالمفاهيم المسيحية الخاصة بحادثة الصلب باعتبارها سراً من الأسرار الإلهية التي يؤمن بها الإنسان دون أن يتساءل عنها. لكن مثل هذه الأفكار يمكن أن تُولَد داخل أي نسق ديني إيماني دون تأثر بأنساق دينية أخرى، فتعيين بعض الأفكار التي لا يمكن التساؤل عنها أو عن سببها مسألة أساسية في كل دين (بل في كل العقائد وضمن ذلك العقائد العلمانية) . ولكن يصعب أن نقول الشيء نفسه عن قول الحاخامات إن المشناه هي لوجوس خُلق قبل الخَلق (مع أنها تضم اجتهادات بعض الحاخامات اليهود (.
وإذا كان هناك إبهام ما في حالة اليهودية الحاخامية في بدايات العصور الوسطى، فإن الأمر يختلف تماماً بعد هيمنة القبَّالاه. ويمكننا الآن أن نبيِّن بعض نقط التلاقي بين القبَّالاه وبعض العقائد المسيحية. إن أهم مفاهيم القبَّالاه (التجليات النورانية العشرة) هو صدى لفكرة التثليث المسيحية. وقد قال أحد الحاخامات إنه إذا كان المسيحيون يؤمنون بثلاثة آلهة فالقباليون يؤمنون بعشرة، وإذا كانت المسيحية ترى أن الكنيسة جسد المسيح وأن المسيحي يشكل جزءاً من هذا الجسد فإن القبَّالاه جعلت التجلي العاشر للإله «جماعة يسرائيل» نفسها أو «كنيست يسرائيل» .
وفي هذه التجليات، نجد أن التجلي الثالث هو الأب العلوي أو السماوي (والعلة الذكرية الأولى) . أما التجلي الثاني، فهو الأم العلوية أو السماوية والعلة الأنثوية الأولى، وهما يتزاوجان وينجبان التجلي السادس، وهذا صدى لفكرة ابن الإله وابن الإنسان. والتجلي السادس هو الملك والعريس، وتربطه علاقة بالتجلي العاشر (شخيناه) التعبير الأنثوي عن الإله والملكة والعروس.

وفي القبَّالاه اللوريانية، نجد أن أبا وأما يكوِّنان النمط الأعلى للزواج المقدَّس. ثم نجد بعد ذلك «زعير أنبين» ، أي «ذا الوجه القصير» و «نقيفاه زعير» ، أي «أنثى زعير» (وهي مقابل التجلي العاشر) .
وفي حادث تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) ونفي الشخيناه صدى لحادثة الصلب، كما أن إصلاح الخلل الكوني (تيقون) فيه أيضاً صدى لبعث المسيح بعد الصلب. وهناك من يذهب إلى أن الشخيناه هي أم الشعب اليهودي التي تشفع له عند الإله، وأنها الوسيط بين الإله والكون، فهي إذن تشبه العذراء مريم في اللاهوت الكاثوليكي. كما أن الشخيناه هي أيضاً جماعة يسرائيل وجزء من جسد الإله، وهذا يشبه المفهوم المسيحي (الكاثوليكي) للكنيسة.
وقد انتشرت القبَّالاه بأفكارهاالغنوصية شبه المسيحية، وجعلت التربة خصبة للحركات الشبتانية التي كانت في جوهرها حركات حلولية متطرفة كان قادتها يعلنون أن الإله حلَّ فيهم، أو أنهم هم أنفسهم الإله، كما فعل شبتاي تسفي أو جيكوب فرانك اللذان تألها، وجعلا نفسيهما جزءاً من ثالوث إلهي خاص ابتدعاه.

ويرى بعض الدارسين أن ثمة تأثراً في الفكر الشبتاني بالتراث المسيحي يتبدَّى في مركزية فكرة الماشيَّح الفرد، كما يتبدَّى في فكرة الخلاص الداخلي وفي الحرية الباطنية. ولكن التشابه الأصلي يتبدَّى أساساً في شخصية الماشيَّح. فالمسيح عيسى بن مريم، حسب العقيدة المسيحية، هو تجسد الإله في ابنه الذي يُصلَب، وهي فكرة مبنية على فكرة التناقض (بارادوكسا) وتَقبُّلها، فالإله يصبح بشراً وهذا البشري يُصلَب. والواقع أن ثمة تناقضاً أساسياً في فكرة الماشيَّح عند الشبتانيين، وهو أن الماشيَّح هو ابن الإله البكر الذي ينزل إلى الظلمات والدنس فيرتد عن اليهودية ويعتنق المسيحية أو الإسلام أو يتظاهر بذلك، وارتداده شكل من أشكال الصلب، فكأن الماشيَّح المرتد المدنَّس هو المسيح المصلوب. ولكن ارتداده، مثل الصلب، مسألة غير حقيقية، فالمؤمنون يرون أن هذا هو عالم الظاهر والحس، كل ما فيه زائف، ويظل الباطن (القيام والطهر) هو الحقيقة. والفارق بين الشبتانيين المعتدلين والشبتانيين المتطرفين يتمثل في موقفهم من هذه الفكرة، فالمعتدلون منهم يرون أن عليهم الإيمان حتى يظهر الماشيَّح المرتّد، أما المتطرفون فيرون أن الإيمان لا يكفي وعليهم أن يتشبهوا به وأن يرتدوا هم أيضاً، وبذلك ينزلون إلى عالم الدنس مثل الماشيَّح المرتد المدنَّس. بل يرى بعض الدارسين أن الشبتانية تؤمن بثالوث هو: الإله الخفي (النور غير العاقل) ، وإله جماعة يسرائيل (النور العاقل) والشخيناه (جماعة يسرائيل) أو أيّ تنويع آخر، كما يرون أن هذا التثليث صورة سوقية مشوهة للتثليث عند المسيحيين.
ويظهر الثالوث الشبتاني في ثالوث الفرانكية:
1 ـ الأب الطيب (ويقابل الإين سوف في العقيدة القبَّالية) .
2 ـ الأخ الأعظم أو الأكبر (ويقابل التفئيريت أو الابن) .
3 ـ «الأم علماه» أو «العذراء بتولاه» أو «هي» ، وهي خليط من الشخيناه والعذراء مريم.

والثالوث الفرانكي يضم كثيراً من عناصر الثالوث المسيحي بعد تشويهها تماماً. ويتجلى أثر المسيحية في اليهودية في الحركة الحسيدية التي يعتقد البعض أنها جوهر اليهودية، أو اليهودية الخالصة، بينما هي في واقع الأمر متأثرة تماماً بالمسيحية الأرثوذكسية السلافية، وخصوصاً جماعات المنشقين مثل الدوخوبور (المتصارعين مع الروح) والخليستي (من يضربون أنفسهم بالسياط) . وتُعَدُّ الجماعة الأخيرة أقرب الفرق إلى الحسيدية، فقد كان قادتها يعتقدون أن الروح القدس تحل في قائد الجماعة (تساديك) ، ولذا فهو مسيح قادر على الإتيان بالمعجزات. وكان التساديك يشبه القديس المسيحي في مقدرته على الإتيان بالمعجزات، كما كان نحمان البرتسلافي يستمع إلى اعترافات تابعيه، ويقوم بالإجراءات اللازمة ليحصلوا على المغفرة. وكان بعض التساديك يقبلون من أتباعهم فدية أو خلاص النفس (بالعبرية: فيديون نيفيش) مقابل الخلاص الذي يعطونه لأتباعهم. ولذا، فإن بعض الدارسين يُشبِّهون الفيديون نيفيش بصكوك الغفران. وكل تساديك أصبح مسيحاً، مركزاً للحلول الإلهي، له أرضه المقدَّسة التي لا ينافسه فيها أحد. وقد أخذ هذا الاتحاد شكلاً متطرفاً في حالة نحمان البراتسلافي الذي أعلن أنه الماشيَّح الوحيد (ويبدو أن أتباعه كانوا يعبدونه، ولذا لم يَخلُفه أحد) . بل إن مصطلحاً مثل «الحمل بلا دنس» وهو مصطلح يتضمن مفهوماً مسيحياً بعيداً كل البعد عن روح اليهودية الحاخامية، وجد طريقه إلى الحسيدية من خلال الخليستي. فكان الخليستي يعيشون بعيداً عن زوجاتهم باعتبار أن الإله شاء أن تحمل العذراء فحملت، وكذا الأمر معهم. وهذا ما فعله بعل شيم طوف، فعندما ماتت زوجته وعُرض عليه أن يتزوج من امرأة أخرى احتج ورفض وقال إنه لم يعاشر زوجته قط وأن ابنه هرشل قد وُلد من خلال الكلمة (اللوجوس) . وتظهر الفكرة نفسها في عذراء لادومير، وهي تساديك أنثى امتنعت عن الزواج وكان لها أتباعها، لكنهم

انفضوا عنها بعد زواجها.
وفي العصر الحديث تأثر مارتن بوبر بالفكر الصوفي المسيحي (البروتستانتي) ومسألة تجسُّد الإله بشكل شخصي للمؤمن. ويظهر تَنصُّر الخطاب الديني اليهودي تماماً في خطاب الفيلسوف الصهيوني البرجماتي هوراس كالن الذي يرى أن اليهود أمة روحية، وأن ذكرياتهم وآمالهم ومخاوفهم وعقائدهم ومواثيقهم تضفي على نضالهم القومي وأعمالهم ووسائلهم قداسة خاصة. ويحوّل هذا البُعد الصوفي المقدَّس «المادة الفظّة» التي تتكون منها حياة اليهود اليومية تحويلاً كاملاً، يوافق ما تفعله العقيدة المسيحية الخاصة بالوجود الحق حين تحوَّل العشاء الرباني في فم المؤمن الحقيقي إلى «جسد المسيح» .

ويمكن القول بأن هذا هو تنصير اليهودية في مرحلة حلولية شحوب الإله. أما في مرحلة وحدة الوجود وموت الإله (حلولية بدون إله) ، فإن التنصير يأخذ شكلاً مختلفاً. وقد ظهر مؤخراً ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» أو «ما بعد أوشفيتس» الذي يَصدُر عن القول بأن حادثة الإبادة النازية لليهود حدث مطلق يتجاوز الفهم الإنساني، ولذا فعلى المرء تَقبُّله دون تساؤل باعتباره سراً من الأسرار (بارادوكسا) ، من الواضح أن هذا اللاهوت تعبير عن تزايد معدلات العلمنة والإلحاد داخل العقيدة اليهودية. ولكن يمكننا أن نلاحظ أيضاً أنه تعبير عن تنصير النسق الديني اليهودي. فحادثة الصلب في الرؤية المسيحية هي اللحظة التي ينزل فيها الإله إلى الأرض متجسداً في شكل ابنه فيُصلَب فداءً للبشر، وهي حادثة تتجاوز الفهم الإنساني، وعلى الإنسان تَقبُّلها بكل تناقضاتها دون تساؤل وهي التي تعطي مغزى للتاريخ. وسنجد أن ما حَدَث داخل عقل المفكرين الدينيين اليهود أن الابن أصبح الشعب اليهودي المقدَّس الذي جاء إلى هذا العالم فاضطهده الأغيار إلى أن تمت حادثة الصلب على يد النازيين، فنظروا إلى هذه الحادثة التاريخية باعتبارها الواقعة الأساسية في تاريخ اليهود الحديث، بل في تاريخ اليهود بأسره. ويشكل هذا استمراراً للنمط التنصيري القديم نفسه، وقد أخذ نقطة الحلول (نزول الابن وصلبه وقيامه) وقام بتحويلها إلى شيء مستمر عبر التاريخ. وفي هذه الحالة، يكون ظهور الشعب اليهودي في التاريخ هو النزول، وتكون الكوارث التي لحقت به (ابتداءً بالخروج من مصر وانتهاءً بالإبادة) هي الصلب، أما القيام فهو عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وقيام الدولة الصهيونية.

وإن تحدثنا عن تنصير اليهودية فلابد أيضاً من الحديث عن يهودية الفلاشاه، فهي تحوي عناصر مسيحية كثيرة تجعل من الصعب على بعض الدارسين تسميتها «يهودية» . فالفلاشاه لا يعرفون التلمود أو العبرية ويتعبدون بالجعيزية لغة الكنيسة الإثيوبية المقدَّسة وتضم كتبهم المقدَّسة مقتطفات من العهد الجديد، ولا يوجد عندهم حاخامات وإنما قساوسة ورهبان، وهكذا. ولذا، لا عجب أن مندوب الوكالة اليهودية نصحهم (عام 1973) بأن يتنصروا حلاًّ لمشكلتهم. ومع هذا قبلتهم إسرائيل يهوداً في الثمانينيات مع تزايد حاجتها للمادة البشرية، كما قبلت الفلاشاه مورا من بعدهم. يقابل مصطلح «تنصير اليهودية» مصطلح «تهويد المسيحية» .
ابن الإله
‏Son of God
«ابن الإله» يقابلها «بن إلوهيم» في العبرية، وهي عبارة تشير إلى ما يلي:
1 ـ كل البشر باعتبار أن الإله هو أب لكل الناس (تثنية 3/6، أشعياء 64/7) .
2 ـ أعضاء جماعة يسرائيل الذين يُشار إليهم في سفر الخروج باعتبارهم «إسرائيل ابني البكر» (4/22) ، وفي سفر التثنية باعتبارهم «أولاد للرب إلهكم» (14/1) ، وفي سفر هوشع باعتبارهم «أبناء الرب الحي» (1/10) ، وفي سفر أشعياء (63/16) «فإنك أنت أبونا ... أنت يا رب أبونا» .
3 ـ ملك اليهود (الماشيَّح) الذي يُشار إليه بأنه ابن الإله: "قال لي أنت ابني ... أنا اليوم ولدتك" (مزامير 2/7) وكذلك (أخبار أول 17/13) . ولذا، كان أحد ألقاب شبتاي تسفي «ابن الإله البكر» .
4 ـ الملائكة (تكوين 6/2 وأيوب 1/6، 2/1) .
5 ـ الأتقياء والعادلين (في الترجمة السبعينية فقط) .
6 ـ الماشيَّح، في الترجوم، وفي بعض كتب الأبوكريفا الخفية، وفي التفسيرات.
7 ـ يشير فيلون إلى اللوجوس باعتباره ابن الإله.
8 ـ كان يُشار إلى التوراة باعتبارها ابن الإله.
9 ـ كان يُشار إلى المشناه باعتبارها «اللوجوس» ، أي «الكلمة» التي هي «ابن الإله» في التراث المسيحي.

ومع هذا، يجب التنبيه إلى أن هذه الفكرة رغم انتشارها هي مجرد طبقة جيولوجية واحدة تراكمت مع طبقات أخرى عديدة داخل النسق الديني اليهودي، بل إن كثيراً من اليهود، في العصور الوسطى، فقدوا حياتهم بسبب إنكارهم أن المسيح ابن الإله. وقد جاء في كثير من الردود الحاخامية على المسيحيين، رفض لفكرة ابن الرب. ولذا جاء في مدراش (تفسير) كتبه أحد الحاخامات يقول: «الرب يقول: أنا الأول (أشعياء 44/6) لأنني لا أب لي، وأنا الأخير، لا أخ لي ولا إله غيري، لأنني لا ابن لي» . فالتوحيد واحد من أهم الطبقات الجيولوجية التي تراكمت داخل اليهودية والتي تكتسب مركزية في بعض المداخل وفي كتابات بعض المفكرين اليهود. ولكن العكس صحيح أيضاً، فإذا كانت فكرة «ابن الإله» تعبيراً عن شكل من أشكال الحلول المؤقت الشخصي غير المتكرر في التاريخ (ذلك أن الإله يحل وبشكل مؤقت في الزمان وفي إنسان بعينه فيُصْلَب ويقوم مرة أخرى) فإن الفكر القبَّالي يصل إلى درجة أكثر تطرفاً في الحلول بحيث يصبح الشعب هو الإله ويصل هذا التيار ذروته حين تصبح الدولة الصهيونية ليست ابن الإله، وإنما هي الإله نفسه، العجل الذهبي الجديد.

وقد جاء في سورة التوبة: «وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل» (التوبة ـ 30) ، والمعنى هنا أن بعض اليهود هم الذين يؤمنون بأن عزير ابن الله، ونسب ذلك القول إلى اليهود جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد، فيُقال فلان يركب الخيول وهو لا يركب إلا واحداً منها، وفلان يجالس السلاطين وهو لا يجالس إلا واحداً. ويقول الشهرستاني صاحب الملل والنحل: إن الصدوقيين هم الذين قالوا ذلك من بين سائر اليهود. ولا ندري مدى صحة ذلك، ولكننا نعرف أن الصدوقيين أنكروا القيامة والبعث وخلود الروح. ويقول المقريزي: إن يهود فلسطين زعموا أن عزير ابن الله، وأنكر أكثر اليهود ذلك.
ومنذ ظهور اليهودية الحاخامية لم يَعُد هناك أثر للإيمان بعقيدة ابن الإله، وإن كان يُشار إلى التوراة باعتبارها «ابنة الإله» ، كما أن المشناه كان يُشار إليها باعتبارها «اللوجوس» ، أي «الكلمة» التي هي «ابن الرب» في التراث المسيحي.
المسيح (عيسى بن مريم (
‏Jesus
يُشار إلى المسيح (عيسى بن مريم) بكلمة «يشو» العبرية، ويُشار إليه في التلمود بوصفه «ابن العاهرة» ، كما يُشار إلى أنَّ أباه جنديٌّ رومانيٌّ حملت منه مريم العذراء سفاحاً (أما كلمة «ماشيَّح» ، فإنها تشير إلى المسيح المخلِّص اليهودي الذي سوف يأتي في آخر الأيام) . ويشير التلمود إلى أنَّ صلب المسيح تمَّ بناءً على حكم محكمة حاخامية (السنهدرين) بسبب دعوته اليهود إلى الوثنية، وعدم احترامه لسلطة الحاخامات. وكلُّ المصادر الكلاسيكية اليهودية تتحمَّل المسئولية الكاملة عن ذلك، ولا يُذكَر الرومان بتاتاً في تلك المصادر. وظهرت كتب مثل توليدوت يشو (ميلاد المسيح) وهي أكثر سوءاً من التلمود نفسه وتتهم المسيح بأنَّه ساحر.

واسم المسيح نفسه (يشو) اسم مقيت. ولكن يُفسَّر على أنَّه كلمة مركَّبة من الحروف الأولى لكلمات أخرى (على نظام النوطيرقون) لعبارة معناها «ليفن اسمه ولتفن ذكراه» . وقد أصبحت الكلمة عبارة قدح في العبرية الحديثة، فيُقال «ناصر يشو» ، وهي تساوي «ليفن اسم ناصر، ولتفن ذكراه» وهكذا. ولا تساوي اليهودية الحاخامية المسيحية بالإسلام، فهي تعتبر أن المسيحية شرك ووثنية، ولكنها لا ترى أن الإسلام كذلك.
توليدوت يشُّو
‏Toledot Yeshu
«توليدوت يشُّو» عبارة عبرية تعني «حياة المسيح» وهي عنوان كتاب كان متداولاً بين أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب. ويُقدِّم هذا الكتاب التصور اليهودي لمولد وحياة المسيح. وقد تداخلت عدة عناصر لتكوِّن هذه الصورة من بينها بعض أقسام التلمود (سوطه أو المرأة المشبوهة ـ السنهدرين) وبعض الفتاوى في عصر الفقهاء (جاؤون) ، وبعض العناصر الفلكلورية المنتشرة بين أعضاء الجماعات اليهودية. ويُقدِّم الكتاب أحياناً صورة إيجابية إلى حدٍّ ما للعذراء مريم أم المسيح، فهي من عائلة طيبة وتعود جذورها لبيت داود، أما أبو المسيح فهو رجل شرير قام باغتصابها ثم هرب.
وتُبيِّن القصة أن المسيح شخص يتمتع بذكاء عال ولكنه لا يحترم شيوخ البلد وحكماءها. وهو يتمتع بمقدرات عجائبية لأنه سرق أحد الأسماء السرية للإله من الهيكل، ومع هذا ينجح أحد فقهاء اليهود في إبطال سره، وتوجد تفاصيل أخرى في الكتاب أكثر بشاعة وقبحاً.

ويهدف الكتاب إلى تفريغ قصة المسيح من أي معنى روحي، كما أنها تحاول تفسير المعجزات التي تدور حول المسيح بطريقة تكشفها وتنزع عنها أيَّ سحر أو جلال أو هالات دينية. وهذا الكتاب يُسبِّب كثيراً من الحرج للجماعات اليهودية حينما تكتشف السلطات أمره. ولذا كان بعض الحاخامات يحرصون على تأكيد أن يسوع المشار إليه في الكتاب ليس المسيح وإنما هو شخص يحمل هذا الاسم عاش قرنين قبل الميلاد. وقد أُعيد طبع كتاب توليدوت يشو على نطاق واسع في إسرائيل.
تهويد المسيحية
‏Judaization of Christianty
«تهويد المسيحية» اصطلاح يشير إلى عمليات تحول بنيوية بدأت تدخل المسيحية منذ الإصلاح الديني وتبدَّت في المسيحية البروتستانتية. وجوهر التهود انتقال الحلول الإلهي من الكنيسة إلى الشعب.
وقد نتج عن ذلك زيادة الاهتمام بالعهد القديم وانتشار الحركات الصوفية الحلولية بين المسيحيين والقبَّالاه المسيحية. (انظر أيضاً: «البروتستانتية والإصلاح الديني» ) .
التراث اليهودي المسيحي
‏Judeo-Christian Tradition
«التراث اليهودي المسيحي» مصطلح ازداد شيوعاً في العالم الغربي في الآونة الأخيرة، وهو يعني أن ثمة تراثاً مشتركاً بين اليهودية والمسيحية، وأنهما يكوِّنان كلاًّ واحداً. وهو ادعاء له ما يسانده داخل النسق الديني المسيحي وإن كان لا يعبِّر عن الصورة الكلية إذ أن مصطلح «التراث اليهودي المسيحي» يتجاهل حقائق دينية أساسية:

1 ـ هناك الاختلافات الأساسية الواضحة مثل الإيمان بالتثليث في المسيحية والإيمان بوحدانية الإله في اليهودية. والشيء نفسه ينطبق على موقف كلتا العقيدتين من تجسيم الإله وتصويره وتشبيهه بالبشر، إذ أن العقيدة المسيحية تقبله (وهنا لابد أن نشير إلى طبيعة اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي) . ولذا، فبرغم تأكيد التوحيد وعدم التشبيه والتجسيم على مستوى من المستويات، فإن ثمة سقوطاً في الحلولية المتطرفة التي تؤدي باليهودية إلى الشرك والتجسيم والتشبيه إلى درجات متطرفة لا تعرفها المسيحية نفسها. كما أن موقف اليهودية والمسيحية من الخطيئة مختلف بشكل جوهري، فالمسيحية تؤمن بأن الإنسان ساقط بسبب الخطيئة الأولى. أما اليهودية، فلا تؤمن بالخطيئة الأولى. ولذا، فإن أداء الشعائر، واتباع الأوامر والنواهي، كافيان لخلاص الإنسان.
2 ـ وثمة خلافات بين العقيدتين حول فكرة المسيح، فبينما ترى اليهودية المسيح (أي الماشيَّح) باعتباره شخصية سياسية قومية سيقود شعبه إلى صهيون ويعيد بناء الهيكل ويؤسس المملكة اليهودية مرة أخرى، فإن المسيح في المسيحية إله إنسان مهمته خلاص كل البشرية لا الشعب اليهودي وحسب.

3 ـ تُعدُّ قضية صلب المسيح قضية أساسية ونقطة خلاف رئيسية. فمن المعروف أن كل أمة أو مجموعة عرْقية أو دينية تدَّعي أنها مدينة بوجودها لشكل من أشكال التضحية والفداء الرمزي، أو الفعلي الذي يكتسب مكانة رمزية ويصبح بمنزلة الركيزة النهائية للنسق ولحظة التأسيس. وحادثة الصلب في المسيحية هي هذه اللحظة، حين نزل ابن الإله إلى الأرض وارتضى لنفسه أن يُصلَب، وكان فعله هذا الفداء الأكبر. ولحظة الصلب هذه ليست لحظة زمنية، رغم حدوثها في الزمان، ولا ترتبط بفترة تاريخية معينة رغم وقوعها في التاريخ، فهي كونية، وفي احتفالات الجمعة الحزينة يحاول المسيحي المؤمن أن يستعيد ألم المسيح، هذه الواقعة الكونية التي لا يمكن أن تنافس واقعة أخرى. واليهود عنصر أساسي في حادثة الصلب، فحاخاماتهم هم الذين حاكموا المسيح وهم الذين أصروا على صلبه، فهم قتلة الرب، الذين يقتلونه دائماً، بإنكارهم إياه.
ورغم المحاولات العديدة، المسيحية واليهودية، لتغيير هذه البنية الرمزية للوجدان المسيحي، فإن مثل هذه المحاولات لا تُكلَّل بالنجاح نظراً لأن المجال الرمزي مجال إستراتيجي يتسم بقدر من الثبات. ولذا فكثيراً ما تنشب الصراعات فجأة وبلا مقدمات حين يقوم بعض المسيحيين بتمثيل بعض المسرحيات الدينية التي تبرز الرموز المسيحية وتسقط على اليهودي دور قاتل الرب. وقد نشب صراع حول أوشفيتس كان في جوهره صراعاً حول الرموز ومعناها. فحادثة الإبادة، أصبحت في الوجدان اليهودي لا تختلف عن حادثة الصلب في الوجدان المسيحي. ولذا حين أقامت بعض الراهبات الكرمليات ديراً في هذا المعتقل لإقامة الصلاة على الضحايا من أي عرْق أو دين أو جنسية اعترض ممثلو أعضاء الجماعات اليهودية، لأن هذا يعني فرض لحظة الصلب المسيحية، على لحظة الصلب اليهودية!

4 ـ ثمة رأي داخل المسيحية يقول بأن العهد الجديد لم ينسخ العهد القديم، ولكنه مع هذا حل محله وتجاوزه. ومع أن الكنيسة لم تستبعد العهد القديم (وقد كان مارسيون وبعض الغنوصيين يجاهرون بأن إله العهد القديم إله غيور، على حين أن إله العهد الجديد إله رحيم) ، فإن الإيمان المسيحي يستند إلى أن الشريعة (أو القانون) قد تحققت من خلال المسيح وتم تجاوزها، وأن الرحمة الإلهية والإيمان بالمسيح وسيلة للخلاص حلت محل الشريعة والأوامر والنواهي، ومن ثم كان رفض الشعائر الخاصة بالطعام والختان التي تَمسَّك بها اليهود. وقد ذهب المسيحيون إلى أن اليهودية دين الظاهر والتفسير الحرفي دون إدراك المعنى الداخلي أو الباطن، وأن الكنيسة هي يسرائيل فيروس، أي يسرائيل الحقيقية، وأنها يسرائيل الروحية (حسب الروح) ، أما اليهود فهم يسرائيل الزائفة الجسدية التي لا تدرك مغزى رسالتها. وبالتالي، فَقَد اليهود دورهم، وأصبحت اليهودية ديانة متدنية بالنسبة إلى المسيحيين، ووصف اليهود بأنه شعب يحمل كتباً ذكية ولكنه لا يفقه معنى ما يحمل.
5 ـ لكل هذا، أعادت الكنيسة تفسير العهد القديم بحيث اكتسب مدلولاً جديداً مختلفاً تماماً عن مدلوله عند اليهود الذين استمروا في شرحه وتفسيره على طريقتهم، وفهمه فهماً حرفياً وحلولياً وقومياً. ومن ثم اختلف النسق الديني اليهودي عن النسق الديني المسيحي. ومن أهم أشكال الاختلاف أن المسيحية أصبحت ديناً عالمياً، باب الهداية فيه مفتوح للجميع (وهذا أمر متوقع بعد أن خففت المسيحية من حدة وتطرف الحلولية اليهودية بحصرها الحلول الإلهي في المسيح واعتبار الكنيسة جسد المسيح) ، على عكس اليهودية التي ظلت ديناً حلولياً مغلقاً مقصوراً على شعب أو عرْق بعينه يظل وحده موضع الحلول الإلهي. ثم تَعمَّق الاختلاف بحيث أصبحت للمسيحيين رؤية مختلفة تماماً عن رؤية اليهودية.

6 ـ وقد تبدَّى كل هذا في شكل صراع تاريخي حقيقي، فقد رفض اليهود المسيح (عيسى بن مريم) ولا يزالون يرفضونه. ويلوم الآباء المسيحيون الأوائل اليهود باعتبارهم مسئولين عما حاق بالمسيحيين الأولين من اضطهاد، وأنهم هم الذين كانوا يهيجون الرومان ضد المسيحيين ويلعنون المسيحيين في المعابد اليهودية، وأنهم هم المسئولون في نهاية الأمر عن صلب المسيح. وهم يرون أن هدم الهيكل وتشتيتهم هو العقاب الإلهي الذي حاق بهم على ما اقترفوه من ذنوب (وتشكِّل معاداة اليهود، باعتبارهم قتلة الرب، جزءاً أساسياً وجوهرياً من التراث الفني الديني المسيحي من موسيقى ورسم ومسرحيات) .
وقد استمر الصراع إلى أن تغلبت المسيحية في نهاية الأمر على اليهودية، وانتشرت بين جماهير الإمبراطورية الرومانية. واستمر من تَبقَّى من اليهود في الإيمان باليهودية ويعبِّرون عن رأيهم، في كتب مثل التلمود والقبَّالاه، يتحدثون عن المسيح والمسيحيين بنبرة سلبية وعنصرية للغاية.
وقد تَحدَّد موقف الكنيسة من اليهود في مفهوم الشعب الشاهد، وهو أن اليهود هم الشعب الذي أنكر المسيح الذي أرسل إليهم، وهم لهذا قد تشتتوا عقاباً لهم على ما اقترفوه من ذنوب. ولكن رفض اليهود للمسيح سر من الأسرار. فاليهود في ضعفهم وذلتهم وتشرُّدهم يقفون شاهداً على عظمة الكنيسة، أي أن اليهود بعنادهم تحولوا إلى أداة لنشر المسيحية.

ومن ثم، يمكننا أن نقول إن العلاقة بين اليهودية والمسيحية علاقة عدائية متوترة إلى أقصى حد، ولكن مصطلح «التراث اليهودي المسيحي» يزداد مع هذا شيوعاً، وخصوصاً في الأوساط البروتستانتية واليهودية الإصلاحية وأحياناً المحافظة، أما اليهود الأرثوذكس فيرفضونه. وقد يكون قبول المصطلح من هذه الفرق تعبيراً عن عودة الحلولية داخل هذه الأنساق الدينية. ويمكن العودة إلى مداخل «القبَّالاه» حيث نبيِّن أنه بهيمنة القبَّالاه على اليهودية استولى عليها نسق حلولي كموني، عبَّر عن نفسه في بداية الأمر في هيئة انفجارات مشيحانية (شبتاي تسفي) وفلسفات علمانية حلولية (إسبينوزا) ثم فلسفات حلولية ربوبية (موسى مندلسون) وأخيراً على هيئة «اليهودية الإصلاحية» و «اليهودية المحافظة» و «اليهودية التجديدية» (انظر أيضاً: «الحلولية والتوحيد والعلمنة: حالة اليهودية [أطروحة ماكس فيبر وبيتر برجر] » ) . وبإمكان القارئ أن يعود إلى مدخل «البروتستانتية (القرن السادس عشر والسابع عشر) » ومدخل «عصر النهضة (القرن السادس عشر والسابع عشر) » حيث نبيِّن تصاعد الحلولية داخل النسق الديني المسيحي. فبدلاً من المفهوم الكاثوليكي للحلول (حلول مؤقت في شخص واحد ومنته ترثه الكنيسة كمؤسسة) تظهر فكرة الحلول البروتستانتية حيث ينتقل الحلول من مؤسسة الكنيسة إلى الشعب أو الفرد أو الجميع وهو حلول دائم، وهو في تصوُّرنا شكل من أشكال تهويد المسيحية. وفي الواقع فإن تزايد قبول المصطلح يعبِّر أيضاً عن تزايد علمنة الدين في الغرب (وثمة ترابط بين تزايد معدلات الحلولية ومعدلات العلمنة) بحيث يمكن الوصول إلى صيغ توفيقية تُفقد العقائد كثيراً من أبعادها وخصوصيتها، وهذا هو جوهر التسامح العلماني: أن يتخلى الجميع عن هويتهم ويلتقوا على مستوى علماني ويتوحدوا في هوية علمانية واحدة. وقد وصف أحد الباحثين التراث اليهودي المسيحي بأنه تعبير جديد عن الاتجاهات الربوبية في المجتمع

الغربي التي تؤكد العناصر الأخلاقية المشتركة بين البشر وبعض افتراضاتهم الأخلاقية دون الإيمان بإله شخصي يرسل بالوحي (مع إسقاط أهمية الشعائر بسبب خصوصيتها) . ولعل عملية العلمنة هذه هي نفسها ما يُطلَق عليه «عملية التهويد» (وقد استخدم ماركس كلمة «تهويد» بهذا المعنى حين تَحدَّث عن انتشار الرأسمالية في المجتمع باعتباره عملية «تهويد» ، فجعل كلمة «اليهودية» مرادفة لكلمة «الرأسمالية «) .
وفي الوقت الحاضر تختلف المواقف المسيحية من الصهيونية وإسرائيل وتتباين، وإن كانت كلها تميل الآن نحو قبول الدولة الصهيونية والاعتراف بها. وتوجد نزعة صهيونية /معادية لليهود تسري في عقائد بعض الكنائس البروتستانتية المتطرفة (انظر: «شهود يهوه» ـ «المورمون» ـ «فرسان الهيكل» ) . وحتى عام 1964 كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤكد أن اليهود هم المسئولون عن دم عيسى. وكانت المؤسسة الصهيونية بدورها تتهم الفاتيكان بأنه وقف متفرجاً على مذابح اليهود وإبادتهم على أيدي هتلر. وبالتدريج اختلف موقف الفاتيكان حتى اعترفت بالدولة الصهيونية في ديسمبر 1994، ومع هذا يؤكد المتحدثون باسم الفاتيكان بأن الاعتراف بالدولة الصهيونية لا علاقة له بالعقائد المسيحية.
الارتداد (خصوصاً التنصر (
‏(Apostasy (especially Conversion to Christianty
«الارتداد» بالعبرية «مينوت» من كلمة «مين» التي تعني «كُفْر» و «زندقة» مصطلح يطلقه أتباع أي دين على من يترك هذا الدين. ولا يتحدث العهد القديم قط عن أشخاص ارتدُّوا عن اليهودية (عبادة يسرائيل) ، وإنما يتحدث عن سقوط الشعب، أو قطاعات كبيرة منه، في الوثنية (حادثة العجل الذهبي والحوادث الأخرى المشابهة في تاريخ الملوك العبرانيين) . وقد كان معظم جهد الأنبياء موجهاً للحرب ضد هذا الابتعاد عن التوحيد، أي السقوط في الشرك والوثنية والارتداد عن عبادة يهوه.

ويُلاحَظ أن «الارتداد» هنا كان يحمل أحياناً معنى الخيانة القومية باعتبار أن كل إله كان مقصوراً على شعب واحد بعينه ويحل فيه. ولم يُطبَّق مصطلح «الارتداد» في اليهودية إلا ابتداءً من العصر الهيليني، فقبل ذلك الوقت لم تكن اليهودية قد تحددت معالمها تماماً، ولم يكن الكتاب المقدَّس قد تم تدوينه بأكمله. ومع هذا، يجب أن نشير إلى عدة سمات في اليهودية تجعل لفظ «مرتد» دالاً غير مستقر الدلالة عبر تاريخها الطويل يجعل استخدامه صعباً:
1 ـ اليهودية، كنسق ديني، له طابع جيولوجي تراكمي تتعايش داخله طبقات متباينة. وقد كان الصدوقيون ينكرون البعث حتى آخر العصر الهيليني، وهم القيادة الكهنوتية. وقد ظلت الأفكار اليهودية الأخروية غير مستقرة بصورة غير محدَّدة.
2 ـ لم تُحدِّد اليهودية العقائد الأساسية الملزمة لليهودي، ولم تضع أصولاً للدين. ولعل أول محاولة جادة هي محاولة موسى بن ميمون في القرن الحادي عشر، وهي محاولة تقبَّلتها اليهودية وحوَّلتها إلى طبقة جيولوجية أخرى تراكمت على ما قبلها من طبقات، دون أن تلغي ما قبلها ودون أن تمنع تكوُّن طبقات أخرى بعدها.
3- عرَّفت الشريعة اليهودية اليهودي بأنه «من وُلد لأم يهودية» ، وإن ارتد اليهودي عن دينه فإنه يظل يهودياً.

لذا، ظل اصطلاح «مرتد» غير مستقر. ومع هذا، يُلاحَظ أن المصطلح بدأ يتواتر ابتداءً من العصر الهيليني. ولكنه ظل ذا بُعْد إثني، بمعنى أن المرتد ليس من ترك دينه وإنما من ترك قومه. وهذا أمر مفهوم في الإطار الحلولي، حيث يحل الإله في الشعب تماماً، ويصبح الشعب موضع القداسة ومصدر المطلقية. ولذا، فإننا نجد إشارة إلى اليهود المتأغرقين في أيام أنطيوخوس الرابع (القرن الثاني قبل الميلاد) باعتبارهم «مرتدين» حرضوا على اضطهاد السلوقيين لليهود. وفي الواقع، فإن العبارة تحمل معنى الارتداد عن الدين وتحمل في الوقت نفسه معنى الخيانة القومية (ولعل استخدام لفظ «يورديم» العبري بمعنى «المرتدين» للإشارة للإسرائيليين الذين يهاجرون من أرض الميعاد هو بعث لهذا المعنى) . ومن المعروف أن التمرد الحشموني بدأ حين قام الكاهن ماثياس بذبح «المرتد» . وثمة إشارة أخرى إلى مريم (من بيت بيلجا) التي ارتدت وتزوجت أحد موظفي القصر الملكي، وحينما دخل السلوقيون الهيكل دخلت معهم وخربت المذبح بيدها «لأن الإله هجر شعبه» . ومن الواضح أن موقف مريم من الإله موقف عملي وثني. ومن أشهر المرتدين تايبريوس يوليوس ألكسندر أحد قادة جيش تيتوس حين قام بحصار القدس وهدم الهيكل الثاني. ومن أهم المرتدين العَالم الديني أليشاه بن أبوياه، الذي أصبح، فيما بعد (في كتابات ليلينبلوم وغيره من دعاة التنوير) .
ومع ظهور كلٌّ من المسيحية والإسلام، اختلف الوضع تماماً، إذ لم تَعُد اليهودية ديانة توحيدية في محيط وثني بل أصبحت ديانة توحيدية في محيط توحيدي يرى الخالق باعتباره القوة الكامنة وراء الطبيعة والتاريخ المتجاوزة لهما.

وقد أسلم عدد من يهود الجزيرة العربية، مثل: عبد الله بن سلام، وعبد الله بن سبأ، وكعب الأحبار. ويبدو أن أعداداً كبيرة من اليهود، وخصوصاً في العراق، اعتنقت الإسلام، ويُقال إن كثيراً من الإسرائيليات دخلت الإسلام من خلالهم. وقد حكم علاقة الإسلام باليهود مفهوم أهل الذمة الذي لا يُحرِّم الدعوة إلى الإسلام بينهم، وإن كان يحرم فرض الإسلام عليهم عنوة. وتجب ملاحظة أن انتقال اليهودي من اليهودية إلى الإسلام لم يكن يشكل صعوبة بالغة في الماضي، لأن العنصر التوحيدي في اليهودية كان لا يزال قوياً، ولذلك فإن الرموز الإسلامية لم تكن غريبة عليه، على عكس الرموز المسيحية (الصليب والتثليث) ، وخصوصاً أن لحم الخنزير، رمز الدنس عند اليهود، مُحرَّم في الإسلام. ولا يساوي الشرع اليهودي بين اليهودي الذي يعتنق الإسلام واليهودي الذي يعتنق المسيحية، إذ يضع الأول في منزلة أعلى باعتبار أنه لم يشرك، أما المسيحية فقد وصفها بأنها شكل من أشكال الشرك. ورغم عدم وجود إحصاءات أو دراسات في الموضوع، فإننا نميل إلى القول بأن عدم تزايد عدد يهود العالم الإسلامي يعود إلى أن الكثيرين منهم اعتنقوا الإسلام. كما نعتقد أن الحركة القرّائية لعبت دوراً أساسياً في هذا الاتجاه، إذ صبغت اليهودية ببعض السمات الإسلامية إلى حدٍّ ما، وهو اتجاه تَعمَّق على المستوى الفكري في كتابات موسى بن ميمون حين طرح أصول اليهودية بشكل يجعلها لا تختلف، في كثير من أساسياتها، عن أصول الدين الإسلامي. وقد حاول ابنه من بعده (في القاهرة) أن يصبغ الشعائر اليهودية بالصبغة الإسلامية وأن يُقرِّبها من الشعائر الإسلامية. وفي تاريخ المسلمين، هناك حالات فُرض فيها الإسلام على اليهود عنوة. ولكن تيار التحول إلى الإسلام تراجَع ولا شك مع تراجُع الدولة الإسلامية نفسها ومع انتقال مركز اليهودية إلى أوربا المسيحية.

أما علاقة اليهودية بالمسيحية، فهي علاقة متوترة للغاية، وثمة عناصر مشتركة كثيرة بين الديانتين أشرنا إليها في مدخل «تنصير اليهودية» . وقد ظهرت المسيحية في وقت كانت فيه أعداد كبيرة من اليهود قد تأغرقت وبعُدت عن المركز الديني في القدس بهيكلها، كما أن اليهود المتأغرقين كانوا يعرفون الترجمة السبعينية التي تبنتها الكنيسة ككتاب مقدَّس. وقد أشارت الترجمة السبعينية إلى يهوه باعتباره رب العالمين، أي أنها ترجمة ابتعدت عن الإطار الحلولي. وكان التفكير الديني اليهودي قد بدأ يتخلص من كثير من حدوده الضيقة على يد فيلون الذي كان قد طوَّر مفهوم اللوجوس (الذي تبنته المسيحية فيما بعد وأصبح جزءاً من ثالوثها) .

ويبدو أن الحُمَّى المشيحانية آنذاك كانت قد تصاعدت بين اليهود في فلسطين، وهي الحُمَّى التي اندلعت على هيئة التمرد اليهودي الأول ضد روما وانتهى بتحطيم الهيكل عام 70 ميلادية فكان بمثابة ضربة قاضية لليهودية. ولكل هذه الأسباب، تنصَّر كثير من اليهود. لكن هذه الجماعات كانت جماعات مسيحية يهودية أو يهودية مسيحية، بمعنى أنها كانت جماعات من اليهود تؤمن بالمسيح عيسى بن مريم، مثل الأبيونيين، كما كانت ترى أن المسيح نبي وليس الكريستوس أو الماشيَّح. وكان بعضهم يرى أنه الماشيَّح، ولكنهم رفضوا الاعتراف بألوهيته وبنوته للرب كما أنكروا مفهوم التثليث وأن الشريعة اليهودية قد تم نسخها. وقد ظلت هذه الفرق قائمة إلى أن انفصلت تماماً عن اليهودية، وخصوصاً بعد أن أدخل الحاخامات في الثمانية عشر دعاء (شمونة عسريه - وهي أهم أجزاء الصلاة اليهودية) الدعاء الثاني عشر الذي يشير إلى المينيم (الكفرة) ويلعنهم. وكان الهدف من إدخال هذا الدعاء منع المسيحيين اليهود من المشاركة في الصلاة. والواقع أنه لا يمكن تفسير نقصان عدد اليهود في العالم من سبعة ملايين في القرن الأول الميلادي إلى أقل من مليون في بداية العصور الوسطى (في الغرب) إلا بتنصر أعداد هائلة منهم.

وقد بلورت الكنيسة موقفها في مفهوم الشعب الشاهد الذي يقرر أن التنصر لابد أن يتم بكامل حرية اليهودي. ولذا، فحينما كانت تحدث مذابح تؤدي إلى تنصر بعض اليهود، فإن السلطات كانت تسمح لهم بالعودة إلى دينهم. ومع هذا، كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود تتنصر مع بدايات العصور الوسطى لأسباب عدة: روحية (مثل الإعجاب بالمسيحية) ، ومادية (مثل الرغبة في الثروة أو الحراك الاجتماعي أو الخوف من السلطة) . ولا توجد إحصاءات عن عدد المتنصرين، ولكن يبدو أن أعداد المتنصرين في إسبانيا المسيحية كانت عالية للغاية، خصوصاً بين أعضاء النخبة. والواقع أن يهود إسبانيا تنصروا بكامل حريتهم، نظراً لأنهم كانوا مندمجين أصلاً في المحيط الحضاري الإسباني الكاثوليكي، ونظراً لتآكل اليهودية بين أعضاء النخبة. بل ذهب بعض الحاخامات إلى القول بأن طرد اليهود من إسبانيا هو عقاب لهم على تَرْكهم للدين وعلى ارتداد نخبتهم. وقد ظهرت العقيدة الاسترجاعية في عصر النهضة والإصلاح الديني. وهي عقيدة تذهب إلى أن الخلاص لن يتم إلا بجمع شمل اليهود في فلسطين بعودتهم إليها، ثم تنصيرهم. وأصبحت العودة والتنصير من علامات الساعة. وهذا يفسر إبهام الموقف البروتستانتي من اليهود حيث ينحو منحى صهيونياً ويتخذ موقفاً معادياً لليهود في آن واحد. وقد قام يهود المارانو بدور حاسم في عملية تنصير اليهودية، فقد أشاعوا القبَّالاه (وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية) المتأثرة بالمسيحية لدرجة أن أتباع أبي العافية تنصروا لاكتشافهم الشبه بين نسقه الفكري والمسيحية، كما أن كثيراً منهم كانوا مسيحيين صادقين في إيمانهم، وفُرضت عليهم اليهودية فرضاً بسبب غباء محاكم التفتيش وعنصريتها. ولذا، فإنهم كانوا يفكرون من خلال إطار مسيحي كاثوليكي. وحتى أولئك اليهود المتخفون الذين احتفظوا بيهوديتهم سراً، أصبح إطارهم المفاهيمي كاثوليكياً. فهم، على سبيل المثال، كانوا يؤمنون بالقديسة «سانت إستير» ، بل

إن بعض شعائرهم تأثرت بالشعائر المسيحية. وقد تأثر كثير من يهود اليديشية بالجو المسيحي السلافي الصوفي حولهم، وبخاصة هؤلاء الذين كانوا يعيشون بعيداً عن مراكز الدراسات التلمودية في المدن الكبرى.
وكان كثير من المرتدين عن اليهودية يتحولون إلى أعداء شرسين لدينهم ولبني جلدتهم، فكانوا يحرضون الكنيسة عليهم ويكشفون لهم مواطن التعصب في العقيدة اليهودية التي يحرص اليهود على إخفائها.
هكذا كان وضع اليهودية حتى ظهرت الحركات الشبتانية، وأهمها من منظور هذا المدخل الحركة الفرانكية التي كان لها ثالوثها الواضح وإيمانها بالتجسد. وقد انتهى الأمر بأعضاء هذه الحركة إلى أن تنصروا بشكل جماعي ودخلوا الكنيسة الكاثوليكية.

ومع ظهور حركة الاستنارة والتنوير، تغيَّر الموقف في أوربا، فلم يَعُد هناك ضغط مباشر على اليهود ليتنصروا، ولكن ظهر نوع آخر من الضغط هو التسامح نحوهم. وكانت اليهودية الحاخامية قد دخلت مرحلة أزمتها وتكلست، فلم تَعُد تزود اليهودي بالإجابات عن الأسئلة الكونية التي تواجهه، كما لم يكن بوسعها أن تشفي غليله الديني. كما أن تأكيدها على الشعائر، جعل من الصعب على كثير من اليهود أن يقيموا هذه الشعائر ويحتفظوا بإنسانيتهم في آن واحد. ومن ناحية أخرى، فإن ثراء الحضارة الغربية، قياساً إلى الفقر الحضاري الشديد داخل الجيتو، جعل منها نقطة جذب قوية. وقد بدأت، داخل اليهودية في ألمانيا، حركة إصلاح على نمط حركة الإصلاح الديني البروتستانتي، فعُدِّلت بعض الشعائر، وأُلغي بعضها الآخر. ولكن، حينما أُنجزت هذه العملية، لم يبق سوى هيكل جاف من العقائد العامة لا يختلف في كثير من أساسياته عن العقائد المسيحية الأساسية. ويمكن أن نضيف إلى كل هذا دافع الرغبة في الحراك الاجتماعي، فالتنصر (على حد قول هايني) تذكرة الدخول إلى الحضارة الغربية. ولهذا، فإن كثيراً من أعضاء النخبة والقيادات اليهودية كانوا قد اندمجوا في محيطهم الحضاري الغربي. ولكل هذا، كان من المتوقع أن يتنصر اليهود بأعداد كبيرة. وهذا ما حدث بالفعل، حيث يذكر جرايتز أن نصف يهود برلين قد تنصروا في أواخر القرن الثامن عشر. ونحن نعرف أن أعضاء أسرة موسى مندلسون تنصروا جميعاً، وتنصر كثير من أعضاء أسرة فرايدلندر (الذي اقترح تنصيراً جماعياً لليهود) . وقد بدأ هرتزل أحلامه الصهيونية، في تخليص أوربا من يهودها، باقتراح تنصيرهم كما تنصر معظم أولاده. ومن أهم اليهود الذين تنصروا: هايني، ووالد كارل ماركس، ووالد بنجامين دزرائيلي. كما تنصَّر كثير من يهود روسيا، وخصوصاً هؤلاء الذين تم تجنيدهم في سن مبكرة. وكان من المتوقع أن يزيد عدد المتنصرين، لكن ظهور النظريات العرْقية أوقف

هذه العملية لأن اليهودي الذي يتنصر يمكنه أن يهرب من هويته ويغيرها حسب التعريف الديني، أما النظريات العرْقية فتجعل الانتماء مسألة ميراث عرْقي، وبالتالي تصبح الهوية مسألة بيولوجية ولا يُجدي فيها التنصُّر فتيلاً.
وفيما يلي، إحصاءٌ بعدد المتنصرين في القرن التاسع عشر والبالغ 204.542:
آسيا وأفريقيا / 600
أستراليا / 200
النمسا / المجر / 44.756
فرنسا / 2400
ألمانيا / 22.520
بريطانيا العظمى / 28.830
هولندا / 1.800
إيطاليا 300 /
أمريكا الشمالية / 13.000
السويد والنرويج / 500
رومانيا 1.500 /
روسيا / 48.536
تركيا / 3.300
ويميل كثير من الدارسين إلى القول بأن هذا العدد أقل من العدد الحقيقي بسبب صعوبة جمع الإحصاءات الدقيقة بالنسبة لموضوع مثل هذا. فالمتنصر يفضل ألا يجاهر بموقفه لاعتبارات اجتماعية عديدة. ولعل أصدق مثل على هذا ما حدث للوزير الإسرائيلي موشيه أرينز حينما مات أخوه في ولاية كونتيكت في الولايات المتحدة. فقد ذهب ليحضر جنازته، فإذا به يكتشف أنه كان تنصر. فامتنع أرينز عن حضور جنازته (هذا هو الموقف اليهودي التقليدي. وفي أحيان أخرى، كانت تُقام مراسم الدفن للمتهود فور تهوده) .
وابتداءً من القرن التاسع عشر، كان كثير من اليهود المتنصرين يدخلون في الدين الجديد ولا يشغلون بالهم بالعقيدة القديمة. ولكن البعض الآخر كان يتخذ موقفاً متحيزاً، إما مع دينهم القديم أو ضده. ولكن يبدو أن النمط الأول كان هو الأغلب.

ومن نمط المتحيزين ضد الدين القديم، فلهلم مار الذي قام بسك مصطلح «معاداة السامية» الغربي، أي «معاداة اليهود» . ويُقال إن كثيراً من أعداء اليهود، ومنهم أيخمان وهتلر، تجري في عروقهم دماء يهودية. لكن العداء لا يتخذ بالضرورة مثل هذا الشكل الشرس، فالروائي الروسي بوريس باسترناك رفض اليهودية بسبب فكرة الشعب اليهودي، ودعا اليهود إلى التنصر ليصبحوا أفراداً بدلاً من أن يظلوا شعباً. أما الأخ دانيال (أوزوالد روفايزين) اليهودي الذي تنصر وأصبح راهباً كاثوليكياً، فقد أصر على انتمائه للشعب اليهودي وطلب الجنسية بناء على قانون العودة (لكن طلبه رُفض) . وبطبيعة الحال، فإن المرتدين يثيرون قضية الهوية بكل حدة.
ومع هذا، فإن اليهود المتنصرين والمرتدين قد ينقلون معهم، وبشكل غير واع، أفكارهم اليهودية الحلولية التي تشكل بصورة محددة إطاراً معرفياً كامناً، وهذا ما حدث مع كل من إسبينوزا وكافكا وفرويد. بل حدث الشيء نفسه مع ماركس بنزعته المشيحانية (تماماً كما حدث في صدر الإسلام مع اليهود الذين أسلموا وأدخلوا الإسرائيليات) .

ومع تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي، لم يعد من الضروري اعتناق دين ما، وأصبح بوسع اليهودي أن يرفض يهوديته دون أن يعتنق ديناً آخر، على طريقة إسبينوزا، ومن هنا تأتي زيادة عدد اليهود الإثنيين واليهود الملحدين وتناقص عدد اليهود المتنصرين. وحالياً يتنصر اليهود، في الغالب، بسبب الزواج المختلط. كما أن بعض اليهود، ممن يكابدون عطشاً دينياً ويشعرون بأزمة المعنى، يجدون إجابة عن أسئلتهم في العقيدة المسيحية (كما حدث في حالة سكرتيرة هايدجر التي اعتنقت المسيحية وأصبحت راهبة وأحرقها النازيون بسبب إيمانها الديني) . وقد طرحت الكنائس المسيحية إطاراً جديداً يُسهِّل على اليهود عملية التنصر، فأصبح بإمكان اليهودي أن يتنصر دون الإيمان بألوهية المسيح (فيمكنهم اعتباره الماشيَّح) . ولعل هذا سر نجاح جماعة الموحداينة (بالإنجليزية: يونيتريان Unitarian) ، وهي جماعة مسيحية ربوبية تؤمن بوجود الإله الواحد المتجاوز دون تثليث، ولا تهتم بالشعائر ولا بالوحي. وهناك جماعة تُدعَى «اليهود من أجل المسيح» ، وهي من أنشط الجماعات التبشيرية المسيحية التي تحاول أن تنشر المسيحية بين اليهود بهذه الطريقة.
ويبدو أن هناك بُعْداً مسيحياً قوياً في يهودية الفلاشاه، فهم يتعبدون باللغة الجعزية (لغة الكنيسة القبطية في إثيوبيا) ولديهم رهبان، كما أن حاخاماتهم يسمَّون «قسيم» (صيغة جمع عبرية لكلمة «قسيس» ) ، وكذلك يضم كتابهم المقدَّس أجزاءً من العهد الجديد. ولذا، فقد نصحهم مندوب الوكالة اليهودية عام 1973 بأن يحلوا مسألتهم اليهودية عن طريق التنصر! وقد تنصرت أعداد كبيرة منهم منذ القرن التاسع عشر، ويُسمَّى المتنصرون «الفلاشاه موراه» .
وقد كان التنصر من أكثر أسباب موت الشعب اليهودي في الماضي، وهو لا يزال عنصراً قوياً يساهم في عملية موت الشعب اليهودي في الوقت الحاضر، لكن أهميته قد تناقصت بسبب تزايد معدلات العلمنة.
التنصر

‏Conversion to Christianty
انظر: «التبشير باليهودية والتهود والتهويد» ـ «الارتداد (خصوصاً التنصُّر (» .
نيكولاس دونين) القرن الثالث عشر (
‏Niclolas Donin
عالم وفقيه فرنسي يهودي درس في إحدى الأكاديميات في باريس، ولكن أستاذه طرده بسبب هرطقته القرّائية ورفضه الشريعة الشفوية. تنصر وانضم للرهبان الفرنسيسكان ثم كتب قائمة تضم تسعة وثلاثين اتهاماً ضد التلمود كان من أهمها أن التلموديين يذهبون إلى أن الشريعة الشفوية أكثر أهمية من الشريعة المكتوبة، وإلى أن التلمود يخلع الصفات البشرية على الإله وإلى أنه مليء بالهجوم القبيح على المسيح ومريم (وكلها «اتهامات» حقيقية) . وفي عام 1240،عُقدت إحدى المناظرات الأساسية عن التلمود بإيعاز من دونين حضرها هو نفسه كما حضرها اثنان من أساتذته في الأكاديمية التي طُرد منها، وكانت نتيجة المناظرة أن صدر أمر بحرق التلمود.
ويبدو أن دونين كان عقلانياً غير عنصري في هجومه على اليهودية. ولذا، وانطلاقاً من رؤيته العقلانية هذه، نشر عام 1279، أي بعد تنصره، كتيباً يوجه فيه النقد اللاذع للرهبان الفرنسيسكان.
أبنر من بورجوس (1270-1340 (
‏Abner of Borgos
طبيب يهودي من مدينة بورجوس في إسبانيا. دبت الشكوك في نفسه بعد طول تأمل في عذاب اليهود، وفي حالة المنفى التي يعيشون فيها. ولم يجد إجابة شافية على تساؤلاته لا في الكتب الدينية اليهودية ولا في كتب الفلاسفة المسلمين، فانصرف إلى دراسة العهد الجديد وانتهى به الأمر إلى اعتناق المسيحية وهو في سن الخمسين. كتب عدة كتب يُفصح فيها عن آرائه الجديدة، ويُبيِّن رفضه للتفسيرات العقلانية المختلفة للعهد القديم التي سادت في عصره. وقد طرح أبنر، بدلاً من كل هذا، عقيدة التجسد المسيحية والثالوث. وهاجم أبنر التلمود بشراسة واتهم اليهود بأنهم يأخذون موقفاً معادياً من الأغيار. وقد تُرجمت كتاباته إلى اللغة القشطالية.
بابلو دي سانتا ماريا (1350-1435 (

‏Pablo de Santa Maria
أسقف وعالم لاهوت مسيحي. اسمه الأصلي سولومون. وُلد لأسرة هاليفي اليهودية المعروفة التي جاء منها بعض كبار الممولين وملتزمي الضرائب في مملكة قشطالة.
كان سولومون هاليفي واسع الإلمام بالفقه اليهودي وبالفلسفة الإسلامية وبأعمال الفلاسفة من أعضاء الجماعة اليهودية في شبه جزيرة أيبريا، كما كان مطلعاً على كثير من الأعمال اللاهوتية المسيحية.
دبت الشكوك في نفسه نتيجة اطلاعه على فلسفة ابن رشد التي كانت قد هيمنت على عقول كثير من المثقفين من أعضاء الجماعة اليهودية في عصره، فاعتنق المسيحية وغيَّر اسمه إلى بابلو دي سانتا ماريا. ولعل تنصره احتجاج على مادية الفلسفة الرشدية. وقد تنصر معه أبناؤه الأربعة وابنته وإخوته الثلاثة وزوجته. وقد كتب خطاباً يشرح فيه الأسباب التي أدَّت إلى تنصره بيَّن فيه أنه حينما يتعمق الإنسان في الشريعة الشفوية والعهد القديم سيجد علامات على أن عيسى هو الماشيَّح.
سافر بابلو إلى باريس عام 1394 حيث رُسِّم قسيساً ونال حظوة البابا بنديكت الثامن. ثم بدأ بعد ذلك حملته ضد اليهود فحاول أن يقنع ملك أراجون بأن يصدر قوانين معادية لهم. وقد حقق صعوداً سريعاً في هرم النخبة الحاكمة حتى أصبح أسقف بوروجوس من عام 1415 حتى وفاته.
بول- لوي- برنار دراش (1791-1856)
‏Paul-Louis-Bernard Drach
فقيه فرنسي يهودي وزوج ابنة حاخام فرنسا الأكبر. نشر عدة كتب دينية يهودية، ولكنه تنصر عام 1823 في احتفال مهيب، الأمر الذي سبَّب الكثير من الحزن لأعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا. عمل أستاذاً للعبرية واشترك في ترجمة العهد القديم وكتب عدة قصائد عبرية في مدح البابا والكرادلة. كتب عدة كتب يحاول فيها تفسير الأسباب التي أدَّت إلى اعتناقه المسيحية. وقد نشأ أطفاله مسيحيين بل أصبحوا من رجال الدين المسيحي.
إدوارد جانز (1798-1839 (
‏Edward Gans

مؤرخ وعالم قانون ألماني يهودي. درس القانون في جامعتي برلين وهايدلبرج حيث تأثر بهيجل. عُيِّن محاضراً في جامعة برلين عام 1820 حيث ذاع صيته كمحاضر. طالب بأن تتخلى اليهودية عن نزعتها الاعتزالية وتميُّزها وأن تندمج في الحضارة الأوربية المعاصرة. أسَّس عام 1819 بالاشتراك مع ليوبولد زونز جماعة الثقافة وعلم اليهودية التي كانت مهمتها نشر مُثُل حركة الاستنارة بين الشباب اليهودي وإبعادهم عن التفكير التقليدي. وقد حُلَّت الجمعية عام 1824 وتنصر جانز في العام التالي (وهو ما ألقى بظلال الشك على مُثُل الاستنارة وعلى علم اليهودية) . عُيِّن أستاذاً في جامعة برلين عام 1829 حيث طوَّر الرؤية الهيجلية الخاصة بالسيادة المطلقة للدولة وبمفهوم الحاكم كتجسيد لمفهوم الدولة.
ويذهب جانز إلى أن الحضارة الأوربية مزيج من أحسن العناصر الموجودة في حضارات يسرائيل واليونان وروما والمسيحية. ولجانز دراسات عديدة في القانون، كما أنه حرَّر محاضرات هيجل عن القانون.
لكن تَنصُّر مفكر ديني يهودي وعضو في النخبة الفكرية اليهودية لم يكن حدثاً استثنائياً في القرن التاسع عشر. فكل أولاد مندلسون ـ على سبيل المثال ـ تنصروا. وهذا يعود ولا شك، في بعض جوانبه، إلى الإغراءات المادية المختلفة، من تحقيق حراك اجتماعي إلى الحصول على وظائف مقصورة على المسيحيين. ولكن الإغراءات كانت هناك دائماً عبر التاريخ، ولذا فهي لا تصلح وحدها لتفسير الزيادة المذهلة لعدد المتنصرين بين أعضاء النخبة اليهودية المثقفة. ولعل أزمة اليهودية الحاخامية قد لعبت دوراً أساسياً في ذلك، كما أن هيمنة مُثُل حركة الاستنارة كانت العنصر الحاسم. فحركة الاستنارة تنظر إلى الإنسان باعتباره «الإنسان على وجه العموم» أو «الإنسان الأممي» أو «الإنسان الطبيعي» ، وهو ما يعني ضرورة تصفية كل الخصوصيات.

ومع هذا، فقد صرح هايني بأن الطريق الحقيقي للتحرر والانعتاق والدخول إلى الحضارة الغربية هو التنصر. وقد كان هايني محقاً حين صرح بذلك. لكن ينبغي أن نشير إلى أن المسيحية التي كان على اليهودي المتنصر أن يؤمن بها في القرن التاسع عشر كانت مسيحية وجدانية تمت علمنتها من الداخل، كما أن الإيمان بها كان لا يُلقي على المؤمن بها أية أعباء شعائرية. ولذا، مع نهاية القرن التاسع عشر، تزايدت نسبة المتنصرين الراغبين في دخول الحضارة الغربية. ومع بداية القرن العشرين، أصبحت عملية التنصر غير ذات موضوع، ذلك باعتبار أن الحضارة الغربية نفسها تراجعت فيها المسيحية حتى في صيغتها العلمانية. وأصبحت تأشيرة الدخول إليها هي التخلي عن أية هوية دينية أو إثنية، فيكون اليهودي إنساناً على وجه العموم، الثمرة الحقيقية لعصر الاستنارة ولسنوات عمليات العلمنة والترشيد في إطار الطبيعة/المادة.
سولومون ألكسندر (1799-1845)
‏Solomon Alexander
أول أسقف أنجليكاني في القدس. وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية في ألمانيا، وهاجر إلى إنجلترا حيث عمل بعض الوقت كذابح شرعي (شوحيط) ومرتل (حزان) . ولكنه بعد أن اتصل بالإرساليات المسيحية، تنصر عام 1825 ثم انخرط في سلك الكنيسة عام 1827. قامت جمعية نشر المسيحية بين اليهود بإرساله إلى ألمانيا ثم عُيِّن أستاذاً للغة العبرية من عام 1832 حتى عام 1841 في جامعة لندن.
وبعد القضاء على مشروع محمد علي النهضوي، تَقرَّر إقامة أسقفيتين في فلسطين: واحدة إنجليزية أنجليكانية والأخرى ألمانية لوثرية، نظراً للأهمية الإستراتيجية لفلسطين. وقد عُيِّن ألكسندر أسقفاً للأسقفية الأنجليكانية في القدس حيث بدأ نشاطه التبشيري وتفرَّع منها إلى عدة بلاد من بينها سوريا ومصر (التي مات فيها أثناء إحدى زياراته لها) .
التبشير باليهودية والتهوُّد والتهويد
‏Proselytizing, Conversion to Judasim, and Judaizing

«التهود» هو اعتناق اليهودية بشكل طوعي دون قسر، أما «التهويد» فهو اعتناق اليهودية قسراً نتيجة الضغوط الخارجية. و «التبشير» هو الدعوة إلى عقيدة ما دون اللجوء إلى ضغوط خارجية مثل الإغراءات المالية. ورغم أن اليهودية ديانة توحيدية في أحد جوانبها، فإنها ليست ديانة تبشيرية تحاول أن تكتسب أتباعاً جدداً، نظراً لانغلاق النسق الديني الحلولي اليهودي. ومع هذا، هناك حالات كثيرة في العصور القديمة والحديثة تهودت فيها أعداد كبيرة من الناس نتيجة التبشير باليهودية، أو تم تهويدهم عنوة. والتهويد والتهود هما أكبر دليل على زيف ادعاءات نقاء اليهود عرْقياً.
وقد شهدت فترة القرن الأول قبل الميلاد وبعده، مرحلة تبشيرية، نتيجة جهود الفريسيين الذين أعادوا صياغة اليهودية وحرروها من ارتباطها بالعبادة القربانية وبالهيكل. وقد تهودت أعداد كبيرة في حوض البحر الأبيض المتوسط، كما تهود أعضاء الأسرة الحاكمة في ولاية حدياب الفرثية. وقد كان التهود أحد أهم الأسباب التي أدَّت إلى تزايد عدد أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين حتى أن عدد اليهود المقيمين خارج فلسطين أصبح يفوق عدد المقيمين منهم فيها.
وقد قام هيركانوس وأريسطوبولوس، وهم من ملوك الأسرة الحشمونية، (في 130 ـ 103 ق. م) بفرض اليهودية على الأدوميين وعلى أعداد كبيرة من الإيطوريين. كما تهود بعض المثقفين في روما حينما دخلت الوثنية الرومانية مرحلة أزمتها الأخيرة التي انتهت بظهور المسيحية. وقد استمر التبشير باليهودية في العصور الوسطى المسيحية حتى بعد أن أصدر الإمبراطور قسطنطين قراراً بمنعه عام 315 م. وأكبر دليل على استمراره وجود حالات متفرقة لمسيحيين تهودوا، من بينهم أحد كبار رجال الدين المسيحي في فرنسا وآخر في إنجلترا. كما أن تهود النخبة الحاكمة بين قبائل الخزر وأعداد كبيرة من أتباعهم يُعَدُّ دليلاً آخر.

وقد تهود بعض المارانو بعد خروجهم من إسبانيا، لا لأنهم كانوا يهوداً متخفين وإنما لأن السلطة الحاكمة البروتستانتية كانت تبدي تسامحاً مع اليهود ولا تُبدي مثله تجاه الكاثوليك، الأمر الذي حدا بكثير من المارانو إلى التهود ابتغاء الأمن والحراك الاجتماعي. وفي العصر الحديث، يتهود بعض المسيحيين (أو العلمانيين) في الغرب حين يصر أحد أطراف الزواج المختلط أن يتهود الطرف الآخر (وإن كان الشائع أن يتنصر الطرف اليهودي في الزواج المُختلَط، أي يتبنى دين أعضاء الأغلبية) .
وتبدأ مراسم التهود في العصر الحديث في الأوساط اليهودية الأرثوذكسية بسؤال طالب التهود عن سبب طلبه، فإن أجاب بأن السبب هو الزواج، يُرفَض طلبه لأن هذا لا يُعَدُّ سبباً كافياً. ثم يخبرون طالب التهود بأن الشعب اليهودي شعب بائس مطرود منفي يعاني دائماً، فإن أجاب بأنه يعرف ذلك وأنه لا يزال مُصّراً على التهود، فإنه يُقبَل في الجماعة الدينية اليهودية ويُختن إذا كان ذكراً. وعلى المتهود أو المتهودة أخذ حمام طقوسي (مكفاه) أمام ثلاثة حاخامات، وهو الأمر الذي يسبب الحرج للإناث المتهودات، حيث يتعين علىهن خلع ملابسهن لهذا الغرض. ثم يعلن المتهود أنه يقبل نير المتسفوت (الأوامر والنواهي) ، أي أن يعيش حسب شرائع التوراة. ويَطلُب بعض الحاخامات المتشددين من طالب التهود أن يبصق على صليب أو كنيسة، غير أن مثل هذه العادات ليست جزءاً من الشريعة وهي آخذة في الاختفاء. ولا يلتزم الحاخامات الإصلاحيون والمحافظون بهذه الخطوات إذ يكفي بالنسبة إلىهم أن يستمع طالب التهود إلى محاضرة عما يقال له «التاريخ اليهودي» على سبيل المثال، كما أن الختان ليس محتماً على الذكور بحسب رؤيتهم. ولا يتَّبع المحافظون المراسم التقليدية وإن كانوا يؤكدون ضرورة أن يقرأ المتهود بعض النصوص الدينية المهمة ويدرسها.

وفي محاولة تشجيع التهود يُطلَق على التهود الآن في الولايات المتحدة عبارة «يهودي باختياره» (جو باي تشويس jew by choice) ويوجد في الولايات المتحدة في الوقت الحاضر 185 ألف متهود.
ويحق للمتهود ـ حسب الشريعة اليهودية ـ أن يتزوج من أية يهودية، ولكن لا يُباح لمتهودة أن تتزوج من كاهن مثلاً، كما لا يمكن تعيين المتهود في مناصب عامة مهمة أو أن يعين قاضياً في محكمة جنائية بل في محاكم مدنية أحياناً. وبحسب إحدى الصياغات الدينية المتطرفة تُعَدُّ المرأة المتهودة «زوناه» (أي عاهرة) حتى نهاية حياتها. وهي صيغ متشدّدة لا تتمسك بها اليهودية الإصلاحية أو اليهودية المحافظة.

ويُلاحَظ التزايد النسبي لطالبي التهود بسبب الزواج المختلط. ولكن هؤلاء يتهودون في الغالب على يد حاخامات إصلاحيين أو محافظين لا يعترف الأرثوذكس بواقع أنهم حاخامات، وبالتالي لا يعترفون بيهودية من يتهود على أيديهم. وتتفجر هذه القضية حينما يهاجر بعض هؤلاء المتهودين إلى إسرائيل، إذ تثير المؤسسة الدينية الأرثوذكسية قضية انتمائهم اليهودي. وتطالب المؤسسة الأرثوذكسية بتعديل قانون العودة وبتعريف اليهودي بحيث يصبح اليهودي من وُلد لأم يهودية أو تهود حسب الشريعة، أي على يد حاخام أرثوذكسي. ولكن تبنِّي ذلك التعريف يسقط انتماء آلاف من يهود الولايات المتحدة إلى العقيدة اليهودية، كما أنه يجعل اليهود الإصلاحيين والمحافظين (أي أكثر من نصف يهود أمريكا) ، يهوداً من الدرجة الثانية. ومن هنا، فقد اقترحت وزارة الداخلية الإسرائيلية، الواقعة تحت نفوذ الأحزاب الدينية، أن يُكتَب لفظ «متهودة» في بطاقة تحقيق الشخصية الخاصة بشوشانا ميللر وهي أمريكية متهودة على المذهب الإصلاحي. وقد رفضت المحكمة العلىا الطلب، فرضخت الوزارة في نهاية الأمر وقامت بتسجيلها يهودية. وطُلب من يهود الفلاشاه وبني إسرائيل وكوشين من الهند أن يتهودوا باعتبار أن يهوديتهم ناقصة. وحين احتجوا خُفِّفت مراسم التهود بالنسبة إلىهم. وقد عُرض التهود على بقايا يهود المارانو في البرتغال كشرط لهجرتهم إلى إسرائيل. وقد لوحظ أن كثيراً من المهاجرين السوفييت من مدَّعي اليهودية يقبلون التهود، ومن ذلك الختان، من أجل الحراك الاجتماعي الذي سيحققونه في إسرائيل إن تم اعتبارهم يهوداً.
التهود والتهويد
‏Conversion to Judasim, and Judaizing
انظر: «التبشير باليهودية والتهود والتهويد» .
إليعازر بودو (القرن التاسع الميلادي (
‏Eleazar Bodo

متهود فرنسي. وكان من كبار رجال الدين المسيحي ومن أسرة أرستقراطية. كان يعمل في قصر لويس التقي، ويُقال إنه كان القسيس الذي كان يعترف له الإمبراطور وأسقفاً في الكنيسة الكاثوليكية. وترك بودو القصر عام 838 بزعم أنه ذاهب إلى روما للحج، ولكنه بدلاً من ذلك فرّ إلى إسبانيا هو وابن أخيه وتهود وتختن وأُطلق عليه اسم إليعازر وتزوج فتاةً يهودية في سرقسطة. ثم ذهب بعد ذلك إلى قرطبة حيث حاول أن يقنع أميرها بأن يفرض على رعاياه إما الإسلام أو اليهودية. وقد تبادل بودو الرسائل مع باولو ألفارو ـ أحد كبار رجال الدين المسيحي في إسبانيا ـ وبيَّن في خطابات له أن المسيحية تحتوي على عقائد وممارسات وشعائر كثيرة التضارب، على عكس وحدة العقيدة والشعائر التي تتسم بها اليهودية، كما أشار إلى جشع رجال الدين المسيحيين. وقد كتب مسيحيو إسبانيا إلى تشارلز الأصلع وإلى أساقفة الإمبراطورية الكارولنجية طالبين استدعاء هذا المرتد حتى يخففوا من حدة الضغط الذي يسببه وجوده بينهم.
يوهان سبايت (1642 – 1701)
‏Joahann Spaeth
متهود ألماني وابن صانع أحذية كاثوليكي. وقع تحت تأثير الحركات البروتستانتية بعض الوقت ولكنه عاد مرة أخرى للكاثوليكية. وحيث إنه لم يجد الهدوء الروحي الذي ينشده، بدأ يقرأ في مؤلفات الصوفي جيكوب بومه وكتابات بعض الجماعات المسيحية التي ترفض التثليث (مثل السوسينيانز) ، وقد لاحظ التطابق المدهش بين تعاليم بومه والقبَّالاه اللوريانية. وبعد فترة من التأمل والغوص في الذات، قرَّر أن يتهود ويُسمِّي نفسه «موزيس جيرمانيكوس» ، أي «موسى الألماني» ، وتَختَّن في أمستردام عام 1697 ثم تزوج من امرأة يهودية من فرانكفورت.

دافع سبايت عن تهوده في كتيب دبَّجه خصيصاً لهذا الغرض. وقد ذهب سبايت في كتاباته إلى أن البابوية أساس الفساد، وإلى أن المؤسسة الكهنوتية ليست أصيلة في المسيحية بل تم اختلاقها في أيام قسطنطين الأكبر، وإلى أن الشهداء المسيحيين الأوائل كانوا في واقع الأمر يهوداً يدافعون عن تعاليم المسيح الذي لم يكن سوى معلم من معلمي الشريعة (هالاخاه) . وقد أكد سبايت أن المسيحية ليست سوى شكل مشوه للمبادئ الإسكاتولوجية التي انتشرت في فترة الهيكل الثاني (في القرن الأول الميلادي) . وفي النهاية، بيَّن سبايت أن يسرائيل وليس عيسى، هي خادم الإله المصلوب (الذي يعاني) .
فالنتاين بوتوكي (؟ - 1749 (
‏Valentine Potocki
كونت بولندي من أسرة أرستقراطية عريقة اعتنق اليهودية. وقصة تهوده أقرب إلى الحكاية الشعبية منها إلى الحقيقة التاريخية. كان بوتوكي صديقاً لشاب أرستقراطي آخر يُسمَّى زاريمبا. وبينما كان الشابان في حانة في باريس، لاحظا أن صاحبها اليهودي العجوز يقرأ في التلمود بخشوع شديد. فطلبا منه أن يعلمهما مبادئ اليهودية، وأقسما أنه لو أقنعهما باليهودية لتركا المسيحية. وقد نسى زاريمبا القسم، أما بوتوكي فقد قضى بعض الوقت في روما للدراسة ثم ذهب إلى أمستردام حيث تهود. وحينما سمع زاريمبا بالخبر، تَذكَّر هو الآخر قسمه فأخذ أسرته وتهود ثم استقر في فلسطين. وذات مرة، زجر بوتوكي طفلاً أزعج المصلين من اليهود. فتضايق أبو الطفل وأخبر السلطات أن بوتوكي مرتد، وهو ما أدَّى إلى القبض عليه ومحاكمته وحرقه في عيد الأسابيع عند قلعة فلنا، وقد ظل يردد الشماع اليهودية وأن الإله واحد حتى لفظ آخر أنفاسه. وقام أحد اليهود بجمع رماده وقطعة من أصبعه ودفنها في المدافن اليهودية فنبتت منها شجرة باسقة أصبحت مزاراً يهودياً. ولا توجد أية قرائن تاريخية على صدق هذه الرواية.
ويحتفل يهود فلنا بذكرى موت بوتوكي بقراءة صلاة القاديش وزيارة قبره.

جورج جوردون (1751-1793 (
‏George Gordon
نبيل إنحليزي بروتستانتي. وُلد في لندن وكان والده دوقاً. خدم في الجيش والبحرية البريطانية. وفي عام 1774، دخل البرلمان وكان رئيساً لجماعة «العصبة البروتستانتية الموحَّدة» التي قادت الحملة التي كانت تطالب بإلغاء القانون الذي منح الأهلية للكاثوليك، كما كانت على رأس المظاهرات المناهضة للكاثوليك التي اندلعت عام 1780 والتي راح ضحيتها مئات من القتلى والجرحى. وقد قُدِّم جوردون للمحاكمة بتهمة الخيانة، ولكن تمت تبرئته. واستمر جوردون بعد ذلك في مناصرته للقضايا البروتستانتية وفي مناهضة الكاثوليك، ولكنه اختلف مع الكنيسة البروتستانتية في إنجلترا فحرمته من عضويتها عام 1786.
ورغم أن جوردون كان شديد التعصب للبروتستانتية، إلا أنه بدأ يفكر عام 1786 في اعتناق اليهودية، وأقدم على ذلك بالفعل عام 1787 فتم ختانه وأطال لحيته وارتدى ثياب اليهود الأرثوذكس واتخذ اسم إسرائيل بار أبراهام. والواقع أنه مثلما كان متعصباً في بروتستانتيته، كان كذلك متعصباً في يهوديته حيث كان شديد الحرص على ممارسة الطقوس الدينية اليهودية ومراعاة القوانين الخاصة بالمأكل والملبس والمظهر. كما رفض مخالطة أي يهودي غير ملتزم بقوانين دينه. وفي عام 1788، حُكم على جوردون بالسجن بتهمة القذف بعد أن هاجم كلاًّ من الحكومة البريطانية وملكة فرنسا التي انتقد سلوكها الأخلاقي والسياسي. وفي السجن، استمر جوردون في التزامه الشديد بشرائع اليهودية، وكان يشترك كل سبت (مع مجموعة من اليهود البولنديين) في إقامة الصلاة. وقد اكتسب جوردون شهرة واسعة، وأقدم الكثيرون على زيارته في سجنه من بينهم بعض كبار القوم في عصره فكان يقيم لهم المآدب والحفلات داخل السجن. وقد تُوفي جوردون في السجن ورفضت الجماعة اليهودية في لندن دفنه في مقابرها، فدُفن في مقابر عائلته البروتستانتية.

اليهودية المفاهيم والفرق - الفرق الدينية اليهودية - الحسيدية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

حسيد
‏Hasid
«حسيد» كلمة وردت في العهد القديم وتشير إلى «الرجل التقي الثابت على إخلاصه للإله وإيمانه به» . وقد استُخدمت هذه الكلمة بعد ذلك للإشارة إلى جماعات من مؤيدي التمرد الحشموني كانت تتسم بالحماس الديني والتقوى (القرن الثاني قبل الميلاد) ، ثم استُخدمت للإشارة إلى الحركة الصوفية التي نشأت في ألمانيا في القرن الثاني عشر، ثم أصبحت الكلمة تشير إلى أتباع الحركة الحسيدية التي نشأت في بولندا في القرن الثامن عشر. وهذا هو الاستخدام الشائع في الوقت الحالي.
الحسيدية: تاريخ
‏Hassidism: History

«الحسيدية» بالعبرية «حسيدوت» وهو مصطلح مشتق من الكلمة العبرية «حسيد» ، أي «تقي» . ويُستخدَم المصطلح للإشارة إلى عدة فرق دينية في العصور القديمة والوسطى، ولكنه يُستخدَم في العصر الحديث للدلالة على الحركة الدينية الصوفية الحلولية التي أسسها وتزعمْها بعل شيم طوف. وبدأت الحركة في جنوب بولندا وقرى أوكرانيا في القرن الثامن عشر، وخصوصاً في مقاطعة بودوليا التي ظهرت فيها الحركة الفرانكية كما ظهرت فيها فرق مسيحية حلولية ذات طابع غنوصي متمردة على الكنيسة الأرثوذكسية الروسية (مثل الدوخوبور والخليستي والسكوبستي) . وقد كانت هذه المقاطعة تابعةً لتركيا في نهاية القرن السابع عشر، وانتشرت الحسيدية منها إلى وسط بولندا وليتوانيا وروسيا البيضاء ثم المناطق الشرقية من الإمبراطورية النمساوية المجرية: جاليشيا، وبوكوفينا، وترانسلفانيا، وسلوفاكيا، فالمجر ورومانيا. ولكن أقصى تركيز لها كان في الأراضي البولندية التي ضمتها روسيا إليها. وقد انتشرت الحسيدية في بادئ الأمر في القرى بين أصحاب الحانات والتجار والريفيين والوكلاء الزراعيين، ثم انتشرت في المدن الكبيرة حتى أصبحت عقيدة أغلبية الجماهير اليهودية في شرق أوربا بحلول عام 1815، بل يُقال إنها صارت عقيدة نصف يهود العالم آنذاك، إلى جانب أنها عقيدة أغلبية يهود اليديشية. ويُلاحَظ أن الحركة الحسيدية لم تضم في صفوفها كثيراً من العمال والحرفيين اليهود، لأن الأساس الاقتصادي لوجودهم كان ثابتاً، كما أن أولادهم كانوا لا يدرسون إلا التوراة، بل كانوا يتركون المدارس بسبب فقرهم. ولهذا، فإنهم لم يكونوا يخوضون في دراسة الشريعة الشفوية. وبالتالي، وجدوا أفكار الحسيدية غريبة وغير مفهومة، كما أن الأحزاب الاشتراكية والثورية نجحت في ضمهم إلى صفوفها.

ويرجع نجاح الحسيدية إلى أسباب اجتماعية وتاريخية عدة، فالجماهير اليهودية كانت تعيش في بؤس نفسي وفقر اقتصادي شديد بسبب التدهور التدريجي للاقتصاد البولندي، إذ طُرد كثير من يهود الأرندا، وأصحاب الحانات من القرى الصغيرة، الأمر الذي زاد من عدد المتسولين واللصوص والمتعطلين. ويُقال إن عُشْر أرباب العائلات كانوا بلا عمل. وكانت قيادة الحركة الحسيدية - أساساً - من يهود الأرندا السابقين ومستأجري الحانات وأصحاب المحال الصغيرة. وكانت هذه الجماهير في خوف دائم بعد هجمات شميلنكي، وعصابات الهايدماك من الفلاحين القوزاق. كما كانت تشعر بالإحباط العميق، بعد فشل دعوة شبتاي تسفي وتحوُّله إلى الإسلام. وهي مشاعر زادت من حدتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تخوضها مجتمعات شرق أوربا آنئذ، هذه التحولات التي جعلت من القهال شكلاً إقطاعياً طفيلياً لا مضمون له، يقوم باستغلال اليهود لحساب الحكومة البولندية والنبلاء البولنديين، ولحساب موظفي القهال من اليهود الذين كانوا يشترون المناصب. وقد صاحب هذا الوضع تدنِّي الحياة الثقافية والدينية داخل الجيتو والشتتل إلى درجة كبيرة، وصار اليهود يعيشون في شبه عزلة عن العالم، بل في عزلة عن المراكز التلمودية في المدن الكبرى. وعلى أية حال، كانت اليهودية الحاخامية قد تحولت إلى عقيدة شكلية، تافهة وجافة، خالية من المضمون الروحي والعاطفي، تؤكد الأوامر والنواهي دون اهتمام بالمعنى الروحي لها.

ويُلاحَظ أن القبَّالاه كانت قد أحكمت هيمنتها على الفكر الديني اليهودي بين جماهير اليهود وحتى بين طلاب المدارس التلمودية العليا وأعضاء المؤسسة الحاخامية. والفكر القبَّالي الحلولي قادر على إشباع التطلعات العاطفية لدى الجماهير الساذجة اليائسة. ومن المفارقات أن أعضاء الجماعات اليهودية، بعد أن عاشوا بين فلاحي أوكرانيا وشرق أوربا لمئات السنين، بعيداً عن المؤسسات الحاخامية في المدن الكبرى والمدن الملكية، تأثروا بفولكلور فلاحي شرق أوربا، وبمعتقداتهم الشعبية الدينية، وبوضعهم الحضاري المتدني بشكل عام. ويبدو أن الحسيديين تأثروا بالتراث الديني المسيحي، وخصوصاً تراث جماعات المنشقين (بالروسية: راسكولنيكس Raskolniks من فعل «راسكول raskol» بمعنى «ينشق» ) في روسيا وأوكرانيا. فالقرنان السابع عشر والثامن عشر شهدا ظهور جماعات دينية مسيحية متطرفة، مثل: الدوخوبور (المتصارعون مع الروح، وكان بينهم مدام بلافاتسكي) والخليستي (من يضربون أنفسهم بالسياط) والسترانيكي (الهائمون على وجوههم) (كان راسبوتين عضواً في هاتين الجماعتين) والسكوبتسي (المخصيون) ، والمولوكاني (شاربو اللبن) ، وغيرهم. وكان عدد أعضاء هذه الجمعيات كبيراً إلى درجة غير عادية حيث كان يصل إلى خمس عدد السكان حسب التقديرات الرسمية وإلى نحو نصفهم حسب التقديرات الأخرى. وكان أتباع هذه الفرق يتبعون أشكالاً حلولية متطرفة، فالسكوبتسي (على سبيل المثال) طالبوا بالإحجام عن الجماع الجنسي، ولكنهم كانوا يقومون في الوقت نفسه بتنظيم اجتماعات ذات طابع جنسي جماعي داعر. وقيادات هذه الجماعات كانوا يتسمَّون بأسماء غريبة مثل: «المسيح» أو «النبي» أو «أم الإله» ، فقد كانوا يؤمنون بأن القيادة هي تجسيد للإله، تماماً مثل المسيح.

وأقرب الجماعات المسيحية المنشقة إلى الحسيدية هي جماعات الخليستي. وقد ذهب قادة هذه الجماعة إلى أنه حينما صُلب المسيح، ظل جسده في القبر. أما البعث، فهو هبوط الروح القدس بحيث تحل في مسيح آخر هو قائد الجماعة. ولذا، فإن قادتهم مسحاء قادرون على الاتيان بالمعجزات، يحل فيهم الإله. والواقع أن مفهوم التساديك في الحسيدية قريب جداً من هذا، فالتساديك هو القائد الذي يحل فيه الإله، وعادةً ما يتم توارث الحلول. ولذا، فإننا نجد أن قيادات الخليستي يكونون أسراً حاكمة يتبع كل واحدة منها مجموعة من الأتباع، وهذا ما حدث بين الحسيديين أيضاً. بل إن التماثل في التفاصيل كان يصل إلى درجة مدهشة، فكان الخليستي يعيشون بعيداً عن زوجاتهم باعتبار أن الإله إن شاء أن تحمل العذراء لحملت. وهذا هو موقف بعل شيم طوف، برغم أن فكرة «الحمل بلا دنس» أبعد ما تكون عن اليهودية. فعندما ماتت زوجته وعُرض عليه أن يتزوج من امرأة أخرى، احتج ورفض وقال إنه لم يعاشر زوجته قط، وإن ابنه هرشل قد وُلد من خلال الكلمة (اللوجوس) .
وكان دانيال الكوسترومي (1600 ـ 1700) من أهم زعماء الخليستي. وقد وُلد ابنه (الروحي) بعد أن بلغت أمه من العمر مائة عام. وكذلك بعل شيم طوف، فقد وُلد، حسب الأساطير التي نُسجت حوله، بعد أن بلغت أمه من العمر مائة عام. وكان الخليستي يرتدون ثياباً بيضاء في أعيادهم، وكذلك الحسيديون. وقد كان الخليستي يُعدون أنفسهم، من خلال الغناء والرقص، لحلول روح المسيح فيهم، وهذا قريب من تمارين الحسيديين أيضاً. والمضمون الفكري الاجتماعي لكلٍّ من الخليستي والحسيديين مضمون شعبي يقف ضد التميزات الطبقية بشكل عام.

وفي هذا المناخ، ظهر الدراويش الذين يحملون اسم «بعل شيم» ، أي «سيد الاسم» ، وهم أفراد كانت الجماهير البائسة تتصور أنهم قادرون على معرفة الأسرار الباطنية، وإرادة الإله، وطرد الأرواح الشريرة من أجساد المرضى، كما أنهم كانوا يتسمَّون بالتدفق العاطفي الذي افتقدته الجماهير في الحاخامات. وظهرت الحسيدية بحلوليتها المتطرفة وبريقها الخاص ورموزها الشعبية الثرية التي تروي عطش الجماهير اليهودية الفقيرة التي كان يخيم عليها التخلف.
وقد تبدَّت هذه الأفكار الحلولية المتطرفة في التصادم الحاد بين الحسديين والمؤسسة الحاخامية (متنجديم) ، وهو تصادم كان حتمياً، باعتبار أن الحسيدية تمثل رؤية بعض قطاعات الجماعة اليهودية التي استُبعدت من جانب المؤسسة الحاخامية والقهال. وكانت الحسيدية تحاول أن تحقق لهم قسطاً ولو ضئيلاً من الحرية ومن المشاركة في السلطة. والحسيدية، في جانب من أهم جوانبها، محاولة لكسر احتكار المؤسسة التلمودية للسلطة الدينية، ومحاولة لحل مشكلة المعنى. وقد انعكس هذا التصادم، على المستوى الفكري، حين قام الحسيديون بالتقليل من شأن الدراسة التلمودية أو دراسة التوراة. فإذا كان الهدف من الحياة ليس الدراسة وإنما التأمل في الإله والالتصاق به والتوحد معه وعبادته بكل الطرق، فإن هذه العملية لابد أن تستغرق وقتاً طويلاً، وهو ما لا يترك للإنسان أي وقت لدراسة التوراة على الطريقة الحاخامية القديمة. كما أن التواصل المباشر مع الإله يطرح إمكانيةً أمام اليهود العاديين، ممن لا يتلقون تعليماً تلمودياً، لأن يحققوا الوصول والالتصاق (ديفيقوت) . بل إن الجهل، في إطار التجربة الوجودية المباشرة، يصبح ميزة كبرى.

وهدف التجربة الدينية هو الفرح والنشوة، وهو إعادة تعريف للتجربة الدينية تؤكد العاطفة (الجوانية) كوسيلة للوصول إلى الإله، بدلاً من الشعائر والدراسات التلمودية (البرانية) ، فالإله (حسب تصوُّر بعل شيم طوف) لا يسمع الدعاء ولا يقبل الصلاة إلا إذا نبعت من قلب فَرح. ومن ثَّم، يصبح الإخلاص العاطفي أهم من التعليم العقلي. وقد قلَب الحسيديون الأمور رأساً على عقب، إذ تبنوا الفكرة اللوريانية الخاصة بحاجة الإله إلى الشعب اليهودي ككل، وخصوصاً القادة التساديك. وقد ذهب الحسيديون إلى أنه لا يوجد ملك دون شعب. وبالتالي، فإن ملك اليهود في حاجة إليهم، ومن خلال حاجته إليهم تتضاءل أهمية الأوامر والنواهي.
وقد نجحت الحسيدية في تحقيق قدر من الاستقلال عن المؤسسة الحاخامية، فاتبعت بعض التقاليد السفاردية في الشعائر (ربما تحت تأثير القبَّالاه اللوريانية ذات الأصول السفاردية) ، كما أدخلوا بعض التعديلات على طريقة الذبح الشرعي (وهو ما يعني في واقع الأمر السيطرة على تجارة اللحم) . وأصبح للحسيديين معابدهم الخاصة وطريقة عبادتهم، ولذلك تحوَّلت الحركة من يهودية حسيدية إلى يهودية تساديكية (نسبة إلى التساديك الذي يقوم بالوساطة بين أتباعه والإله) . وقد أصبح هذا مفهوماً محورياً في الفكر الحسيدي. وكان الحسيديون يعمدون إلى إحلال التساديك محل الحاخام (لتقليص سلطان المؤسسة الحاخامية) كلما كان ذلك بوسعهم. والتساديك نوع من القيادة الكاريزمية يحل مشكلة المعنى والانتماء لأتباعه متجاوزاً المؤسسات التلمودية.
وقد تحولت الحسيدية (التساديكية) إلى بيروقراطية دينية لها مصالحها الخاصة، واستولت على القهال في كثير من الأحيان، ولكنها لم تدخل أية إصلاحات اجتماعية. بل كان القهال أحياناً يزيد الضرائب على اليهود بعد استيلاء الحسيديين عليه.

وقد ارتبطت كل جماعة حسيدية بالتساديك الخاص بها. ولذا، فقد انقسمت الحركة إلى فرق متعددة. فبعض هذه الفرق اتجه اتجاهاً صوفياً عاطفياً محضاً، في حين اتجه بعضها الآخر، مثل حركة حبد، اتجاهاً صوفياً ذهنياً يعتمد على دراسة كل من القبَّالاه والتلمود. كما أن وجود هؤلاء الحاخامات داخل دول مختلفة، زاد من هذا الانقسام. وأثناء الحرب النابليونية ضد روسيا، أيَّد بعض الحسيديين الروس روسيا ضد نابليون، ولكن بعض الجماعات أيدته ضد روسيا، بل تجسست لحسابه. وقد حاولت المؤسسة الحاخامية القضاء على الحسيدية، فأصدر معارضو الحسيدية الذين كان يُقال لهم المتنجديم قراراً بطرد اليهود من حظيرة الدين، وحرق كتاباتهم كلها، وعدم التزاوج بهم. وكان من أهم الشخصيات الحاخامية التي قادت الحرب ضدهم الحاخام إلياهو (فقيه فلنا) . ومع هذا، ورغم الانقسامات والخلافات بين الحسيدية واليهودية الحاخامية، فقد وحدوا صفوفهم في النهاية بسبب انتشار العلمانية ومُثُل الاستنارة والتنوير والنزعات الثورية بين اليهود. ولما كان القهال قد تداعى كإطار تنظيمي، فإن الحسيدية استطاعت أن تحل محله كإطار تنظيمي جديد. ولذا، فإن الحسيدية لم تنتشر جغرافياً وحسب، بل انتشرت عبر حدود الطبقات أيضاً.
ويتكون الأدب الحسيدي من الكتب التي تلخص تفاسير الزعماء التساديك للكتاب المقدَّس، وتعاليمهم وأقوالهم، وقصص الأفعال العجائبية التي أتوا بها. ومن أشهر القادة التساديك شيناءور زلمان وليفي إسحق ونحمان البراتسلافي (حفيد بعل شيم طوف) . وكان لكل مجموعة من الحسيديين أغانيها وطرقها في الصلاة، وكذلك عقائدها وقصصها. وكانت لهم شبكة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية خارج القهال.

وقد أتت النازية على المراكز الحسيدية الأساسية في شرق أوربا. وقد انتقلت الحركة الحسيدية إلى الولايات المتحدة، مع انتقال يهود اليديشية إليها، منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، لكن جماعات الحسيديين تفرقت وتبعثرت نظراً لابتعاد زعامتها المتمثلة في التساديك. وقد هاجر بعض القادة التساديك بعد الحرب العالمية الأولى، لكن الحركة الحسيدية لم تبدأ نشاطها الحقيقي إلا بعد الحرب العالمية الثانية. وقد استقر الحسيديون في بروكلين في منطقة وليامزبرج. وأهم الجماعات الحسيدية هي: جماعة لوبافيتش (حبد) ، وجماعة الساتمار، وبراتسلاف وتشرنوبيل، ولا تزال توجد بينهم جيوب قوية معارضة للصهيونية. ويوجد مركزان أساسيان للحسيدية في الوقت الحاضر: أحدهما في الولايات المتحدة والآخر في إسرائيل.
الحسيدية والحلولية
‏Hassidism and Pantheism

الحسيدية تعبير متبلور عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي الذي يمزج بين الشعب والأرض والإله. وكثيراً ما كانت هذه الحلولية تتبدَّى في شكل حركات مشيحانية كان آخرها الحركة الشبتانية. ومع هذا، فإن الحسيدية قد حددت هذه الأفكار وعمقتها بطريقتين: فقد أوصلت كثيراً منها إلى نتائجها المنطقية وأكسبتها أبعاداً جديدة من خلال القبَّالاه اللوريانية التي تشكل الإطار النظري الكامن للحسيدية. فالقبَّالاه اللوريانية لا تركز على حادثة تَهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) وحسب، وإنما تركز أيضاً على تَبعثُّر الشرارات الإلهية (نيتسوتسوت) ، أي وجود الإله في كل مكان. ويظهر هذا في تأكيد بعل شيم طوف وجود الإله، أو الشرارات الإلهية، فعلاً في النبات والحيوانات، وفي أي فعل إنساني، بل في الخير والشر نفسيهما. ويرى الحسيديون أن العالم بمنزلة ثوب الإله، صَدَر عنه ولكنه جزء منه، تماماً مثل محارة الحيوان البحري المعروف بالحلزون، قشرته الخارجية جزء لا يتجزأ منه. والحسيديون يؤمنون بالتالي بأن الإله هو كل شيء وما عدا ذلك وهم وباطل، أي أن الحسيدية تعبير عن الحلولية في مرحلة وحدة الوجود الروحية التي لا تختلف عن وحدة الوجود المادية إلا في تسمية المبدأ الواحد أو القوة الكامنة في المادة الدافعة لها، إذ يسميها دعاة وحدة الوجود الروحية «الإله» ، أما دعاة وحدة الوجود المادية فيسمونها «قوانين المادة والحركة» .

وقد استفادت الحركة الحسيدية كذلك من القبَّالاه اللوريانية في نزعتها الكونية. ولكن إذا كانت القبَّالاه اللوريانية تَحصُر اهتمامها في الكون والاعتبارات الكونية، فإن الحسيدية تربط بين الحقيقة النفسية والحقيقة الكونية، كما أنها حولت التأملات الميتافيزيقية إلى تأملات نفسية، وحولت القبَّالاه نفسها من نظرية عن أصل العالم وطرق إصلاحه (تيقون) إلى طريقة للوصول إلى السعادة الداخلية. ولذا، فإن الحسيدية تطالب اليهودي بالغوص في أعماق ذاته. وفي هذه الأعماق، يستطيع الإنسان أن يرتفع ويتسامى على حدود الكون والطبيعة حتى يصل إلى أن الإله هو الكل في الكل ولا يوجد سواه (الواحدية الكونية) . ولم تَعُد وسيلة الوصول إلى الإله هي التفكير العقلاني الجاف، وإنما الفرح والرقص والنشوة وصفاء الروح والنية الصادقة.
وكان للإيمان بهذه الصيغة المتطرفة من الحلولية، أو وحدة الوجود، نتائج فكرية عديدة، نجملها فيما يلي:
1 ـ يرى الحسيديون أن الهدف من حياة الإنسان ليس فهم أو تغيير الكون وإنما الالتصاق بالإله والتوحد معه وبإرادته المستقلة (ديفيقوت) . وبتأكيد أن الإله هو كل شيء، لا يصبح هناك مجال لممارسة الإرادة الإنسانية ولا مجال للحزن أو المأسأة. ولذا، نجد أن الحسيديين يرفضون ثنائية الموقف الديني التقليدي (وهي مختلفة عن الثنوية) ويحلون محلها واحدية صوفية عمياء. والواقع أن رفضهم هذه الثنائية إنكار ضمني لوجود الإله، هذا الوجود الذي يفترض وجود قطبين متعارضين؛ التاريخ والإله، الإنسان والخالق، الأرض والسماء، وهكذا.

2 ـ ويُلاحَظ أن الحسيدية حاولت أيضاً أن تخفف عن اليهودي إحساسه بوطأة وجوده في المنفى. والمفهوم الحاخامي التقليدي يؤكد أن وجود اليهود في بلاد غير فلسطين هو عقاب لهم على ما اقترفوه من ذنوب. وقد كان هذا الإحساس بالذنب ثقيلاً، فجاءت الحسيدية وأنكرت حقيقة الشر، فالشر إن هو إلا اختفاء الخير وتشويهه، بل إن الشر ليس إلا جسراً للوصول إلى الخير، ويمكن تعديل الشر ليصبح خيراً. وقد ولَّدت هذه الرؤية شكلاً من أشكال القبول لدى اليهود لوضعهم البائس والرضا عنه، وخففت من حدة التطلعات المشيحانية التي تؤدي باليهود إلى الارتطام بالواقع والحكومات، كما خففها أيضاً التركيز على التأمل الباطني بدلاً من التفكير في الكون.
3 ـ نادى الحسيديون بأن عبادة الإله يحب أن تتم بكل الطرق، كما يجب أن نخدمه بكل شكل: بالجسد والروح معاً مادام أنه إله غير مفارق، لا يتجاوز الطبيعة والتاريخ، كامن في كل شيء، حتى في مذاق الطعام وتدخين التبغ وفي العلاقات الجنسية والتجارية. وقد قال أحد زعماء الحسيدية إن على المرء أن يشتهي كل الأشياء المادية، ومنها المرأة، حتى يصل إلى ذروة الروحانية. فالفرح الجسدي عند الحسيديين، يؤدي إلى الفرح الروحي، والحسيدية تؤمن بروحانية المادة لأن الروح ليست إلا شكلاً من أشكال المادة. بل إن العبادة والخلاص بالجسد يصلان إلى حد عبادة الإله من خلال العلاقات الجنسية. ومثل هذا الموقف كامن في أية رؤية حلولية متطرفة، حيث تلتقي وحدة الوجود الروحية بوحدة الوجود المادية.

4 ـ وتنعكس الحلولية في شكلين هما في الواقع شيء واحد: حب عارم لفلسطين أو إرتس يسرائيل، يقابله كره عميق للأغيار. ولذلك، لم يكن مفر من أن يخرج الحسيديون من بين الأغيار المدنَّسين، وبلاد الأغيار المدنسة، ليستقروا في الأرض الطاهرة المقدَّسة التي هي هدف القداسة ومصدرها في وقت واحد. ومما دعَّم هذا الشوق إلى صهيون، تفاقم وضع يهود اليديشية بسبب عمليات التحديث والعلمنة في مجتمعات شرق أوربا.
وتأثير الحركة الشبتانية على الحسيدية واضح، فقد نشأت الحركتان في التربة نفسها وفي المنطقة نفسها. وتتبدَّى نقط التشابه في صدورهما عن القبَّالاه اللوريانية، وفي الدعوة إلى المتعة الجسدية، وفي اعتبار هذه المتعة طريقاً إلى الخير (عفوداه بجشميوت، أي «الخلاص بالجسد» ) ، وفي تسامحهما في تنفيذ الشريعة، وفي مفهومهما المتساهل إزاء الشر، ورؤيتهما لإمكانية إعلاء الشر، بل في وجود عناصر من الخير داخل الأفكار الشريرة، ثم في إمكانية الوصول إلى الخير من خلال الشر. كما يأخذ الحسيديون بالرؤية اللوريانية للخلق والعالم. ولكنهم، بدلاً من التركيز على حادثة تَهشُّم الأوعية وسجن الشرارات، يؤكدون وجود الإله في كل الوجود.

ولكن الحسيدية تختلف عن الشبتانية في أنها ظلت، في نهاية الأمر، داخل إطار من الشريعة يَتقبَّل الأوامر والنواهي. فالحسيديون قللوا، على سبيل المثال، من أهمية دراسة التوراة، ولكنهم لم ينكروا تعاليمها، وقد انسحبوا من المعابد اليهودية القائمة، لكنهم أسسوا معابدهم الخاصة التي كانوا يمارسون فيها صلواتهم. وهاجموا الحاخامات وطردوهم، ولكنهم أحلوا التساديك محل الحاخام. ورفضوا كتاب الصلوات الأشكنازي، ولكنهم تبنوا بدلاً منه كتاب الصلوات السفاردي. ورفضوا طريقة الذبح الشرعي السائدة، ولكنهم أحلوا محلها طريقة أخرى للذبح. والأهم من كل هذا أنهم رفضوا تماماً الفكرة الشبتانية القائلة بأن الماشيَّح قد وصل بالفعل (ومن هنا كان رفض الحسيدية للهجرة الفعلية) . كما أن الممارسات الجنسية ظلت في أضيق الحدود، وأخذت شكل طقوس ورقصات وشطحات، أكثر من كونها ممارسات فعلية.
وقد تكون إحدى نقط الاختلاف الأساسية أن الشبتانية جعلت الفكرة المشيحانية تدور حول شخص الماشيَّح الواحد: شبتاي تسفي أو فرانك. أما الحسيدية، فقد أصبحت مشيحانية بلا ماشيَّح واحد، وأصبح هناك عدد من المشحاء الصغار، يظهرون في شخصية التساديك، وتتوزع عليهم القداسة أو الحلول الإلهي، وهو ما قلل من تركُّزه وقلل بالتالي من تَفجُّر الحسيدية. كما أن النزعة المشيحانية عبرت عن نفسها في النفس الإنسانية لا في الواقع الخارجي. وجعلت النفس البشرية مجال المشيحانية لا مسرح التاريخ. ولذا، كان على الحسيدي أن يغوص في فردوس الذات بدلاً من أن يحاول تحقيق الفردوس الأرضي. وإذا كانت الرؤية المشيحانية التقليدية رؤية أبوكاليبسية تَحدُث بغتة عن طريق تَدخُّل الإله في التاريخ، فالمشيحانية الحسيدية تدرجية، وقد حوَّلت المشيحانية إلى حركة بطيئة متصاعدة يشترك فيها كل جماعة يسرائيل، بقيادة عدد كبير من التساديك، ولا تتوقع أية تحولات فجائية (وقد تأثر الفكر الصهيوني بهذه الفكرة) .

التساديك (الصديق)
‏Tzaddik
«تساديك» كلمة عبرية معناها «الرجل الصالح» أو «الصديق» . وتُعتبر كلمة «ربي» ، اسماً آخر للتساديك ومعناها «السيد» ، كما كان يُدعى أحياناً «أدمور» ، وهي اختصار للكلمات «أدونينو» و «مورينو» و «رابينو» ، أي «سيدنا» و «أستاذنا» و «معلمنا» . ويُعتبر هذا التصور لقائد الجماعة من أهم أشكال التمرد الحسيدي على المؤسسة الدينية، وعلى القيادة الحاخامية التي انعزلت عن الجماهير الفقيرة وارتبطت بالأقلية المالية التي كانت تسيطر على القهال. ومن المعروف أن منصب الحاخام، مع منتصف القرن الثامن عشر، كان يُباع ويُشتَرى، وتتحكم فيه الأقلية الثرية. وقد تَحدَّت الحسيدية المؤسسة الحاخامية، وخلخلت قبضتها على الجماهير في عدة مجالات من بينها وظيفة الحاخام الذي حل التساديك محله.
والتساديك، حسب التصور الحسيدي المتأثر بتصورات القبَّالاه اللوريانية، تعبير متطرف عن الرؤية الحلولية اليهودية. فهو أولاً شخص ذو قداسة خاصة يقف في منزلة لا تتلو إلا منزلة الإله، وهو أحد التجليات النورانية العشرة (سفيروت) ، أي أنه جزء من الإله. بل هو أحد العُمُد التي تستند إليها الدنيا، وهو أساس العالم (يسود) . وأكثر من ذلك، فإن العالم خُلق من أجله. وكما هو الحال دائماً مع الحلولية، ينتهي بها الأمر إلى تعادل بين الإله ومخلوقاته، ثم إلى ترجيح كفة المخلوقات على حساب الإله، فالتساديك شخصية تبلغ حداً من القداسة يجعلها تقترن بكلام الإله وتتوحد معه، ولذا فقد كان الحسيديون يقولون دائماً: «لقد تحدَّث التساديك توراة» ، أي أن كلامه في قداسة التوراة وقداسة الإله، ولذا فإن من يعارضه يجدف في الإله.

ولكن الحسيديين يدينون بالمفهوم اللورياني للشرارات الإلهية (نيتسوتسوت) وضرورة استعادتها بعد تَهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) . والواقع أن مهمة التساديك هي تحرير هذه الشرارات الإلهية المحبوسة، أي تحرير الإله. ومن هنا كانت حاجته إلى التساديك. بل إن الإله يحتاج إليه في أمر آخر، وهو الوصول إلى الناس، فالتساديك هو الوسيلة الوحيدة التي تربط الأرض بالسماء.
ومهمة التساديك هي أن يقوم بقيادة جماعته، وأن يربط بينها وبين السماء، فهو قادر على التأمل الصوفي الذي يقربه من الإله ويوحده معه، وبذا فإنه يصبح حلقة الوصل بين الخالق ومخلوقاته، وهو إن لم يقم بهذه المهمة فلا معنى لوجوده. ولكن إذا كان التساديك حلقة الوصل، فإن الجماهير تحتاج إليه احتياج الإله إليه، فهو الذي يأتي إليها بالشفاعة، ويحضر لها الحياة من السماء، كما أنه يوصل روح الإله إليها، وهو قادر على الالتصاق بالإله (ديفيقوت) ، ومن خلال التصاقه هو بالإله تتمكن الجماهير هي الأخرى من تحقيق الالتصاق بالخالق. وقد تَعمَّق هذا المفهوم حتى أصبح الإيمان بالإله هو الإيمان بقدرات التساديك العجائبية. ويُعَدُّ هذا تطوراً جديداً كل الجدة في اليهودية التي ترفض الوساطة والكهانة، على الأقل من الناحية النظرية. وإذا كانت اليهودية التقليدية تدعو إلى احترام الحاخامات، فاليهودية الحسيدية تدعو إلى تقديس التساديك، فهو يشبه القديسين المسيحيين. وهنا يظهر أثر المعتقدات الدينية الفلاحية السلافية على الحسيديين، وخصوصاً فرقة الخليستي التي كان يرأسها مشحاء، تحل فيهم الروح القدس، فليست تعاليم التساديك هي التي تهم وإنما أفعاله، فكل فعل من أفعاله، مهما كان تافهاً، معبَّأٌ بالمعنى.

لكل هذا، يتمتع التساديك بقدرات خرافية خارقة. وقد جاء في الأدب الحسيدي أنه كان يمكنه شفاء المرضى، وله سلطة على الحياة والموت تفوق قدرة الإله نفسه، إذ يمكنه أن يتدخل لدىه ويجعله يرجئ قراره بشأن موت فرد ما. وقد ورد في أحد الكتب الحسيدية أن مجموعة من الحسيديين كانوا في طريقهم بحراً إلى فلسطين، حين هبت عاصفة هددت السفينة. وحينئذ جمع التساديك كل رعاياه، وأمسك مخطوط التوراة، وقال للإله "إذا كان قد تقرر في محكمة الأعالي أن نقضي نحبنا، فإننا نعلم، باعتبارنا محكمة الجماعة المقدَّسة، أننا لا نوافق على هذا القرار". وقال الجميع «آمين» . فتوقفت العاصفة. وكان بعض القادة التساديك يلومون الإله على أي أذى يحل بهم، ويتناقشون معه بصوت عال. وتعود قدرات التساديك هذه ـ حسب التصور الحسيدي ـ إلى صفاء روحه وشفافيتها التي تمكِّنه من الوصول إلى تلك العوالم (سفيروت) التي لا توجد فيها أية قرارات أو حدود، لأن الرحمة وحدها هي التي تسود فيها.

ولكن لمَ يتمتع التساديك بكل هذه القوى الخارقة وبكل هذه الإعجازية التي لم تُمنَح لعظماء اليهود في الماضي؟ ولمَ يتمتع وحده بهذه الشفافية وهذه المقدرات؟ يقول الحسيديون إن الشعب اليهودي يوجد الآن في المنفى. ولذلك، يحل الإله في أي إنسان متواضع شأنه في هذا شأن الملك المسافر الذي يمكنه أن يحط رحاله في أي منزل مهما بلغ تواضعه. وعلى العكس من هذا، فلو أن الملك كان في عاصمته، فإنه لن ينزل إلا في قصره وحده. وفي الماضي، كان الزعماء والأنبياء اليهود هم وحدهم القادرون على الوصول إلى الروح الإلهية، ولكن الشخيناه الآن في المنفى، ولذلك يحل الإله في أية روح خالية من الذنوب، أي أن التساديك أصبح تجسيد الإله، ومن ثم وسيلة اليهودي المنفي للوصول إلى الإله. إنها إذن الحلولية اليهودية في المنفى. وبدلاً من أن يحل الإله في أرض الميعاد ويتكون الثالوث الحلولي: الإله، الأرض، الشعب، يحل الإله في التساديك، ويظل الثالوث على حاله بعد تعديل طفيف (الإله ـ التساديك ـ الشعب في المنفى) . ويُلاحَظ هنا التشابه القوي بين المسيحية والحسيدية في أن الحلول الإلهي ينتقل من الشعب إلى شخص واحد هو: المسيح في المنظومة المسيحية والتساديك في المنظومة الحسيدية.

ومهما بلغ التساديك من سمو روحي، فليس بإمكانه، ما دام يقوم بأفعاله وحده، تغيير نظام العالم أو الإسراع بالخلاص، فهو، كما تَقدَّم، لم يكن منفصلاً عن جماعته، ولذا فإن سموه الروحي عديم الجدوى بل قد يأتي ذلك بأثر عكسي، فهو حينما يتسامى ولا يلحق به أتباعه (لأنهم لا يمكنهم أن يصلوا إلى الأعالي التي وصلها) ، فإن السماء ستحكم عليهم بقسوة ودون رحمة، ولذا سيلحق بهم الأذى نتيجة تقوى التساديك. ولهذا، فلكي يحقق لشعبه إمكانية الالتصاق بالإله من خلاله دون أن يلحق بهم الأذى، عليه أن ينزل من سموه الروحي حتى يرتفع بالناس، ويقود أتباعه إلى النور المقدَّس، فهو يختلط بالناس في السوق بتواضع، ولكنه في الوقت نفسه ملتصق بالإله في أعاليه. ويمكن القول بأن المفهوم الحسيدي الخاص «يريداه لتسورخ هعالياه» ، أي «الهبوط من أجل الصعود» أو «التسامي عن طريق الغوص في الرذيلة» هو ترجمة حسيدية معتدلة للتصور الشبتاني للماشيَّح الفاسد ظاهراً الطاهر باطناً.

وقد كان يرأس كل جماعة حسيدية تساديك خاص بها، له بلاطه الذي يُعَد مركز القداسة الخاص بها، فهو مركز الحلول الإلهي أو اللوجوس الذي يوحد بينهم. وكان التساديك يعيش قريباً من الجماهير محبوباً منهم يتحدث لغتهم، فكان يُدخل على قلبهم الطمأنينة التي افتقدوها في عالم تَعثُّر التحديث والعلمانية والثورة، على عكس الحاخام البعيد عنهم، المنغلق على دراساته التلمودية، وبهذا صار نوعاً من القيادة الكاريزمية التي تتجاوز المؤسسات. وكان المريدون يسافرون يوم السبت إلى بيت التساديك ليسمعوا مواعظه، وليأتنسوا بمشورته، وأحياناً لم يكونوا يزورنه إلا ثلاث مرات سنوياً. وكان التساديك يعيش على معوناتهم. فمن فرط حبهم له، كانوا يساعدونه مالياً، وهو من فرط حبه لهم كان يعتمد عليهم مالياً، أي أن المساعدة المالية كانت وسيلة للارتباط الروحي والعاطفي، فكان يقف المحصل أو الجابي (بالعبرية: الجَبَّاي) على بابه فيكتب اسم المريد ويدوِّن احتياجاته الروحية والمالية، ويقوم التساديك بإسداء النصح له، ويعطيه السيجيلوت أو الصيغة الصوفية التي تضمن له النجاح. وكان لدى التساديك أحجبة لا حصر لها لكل المناسبات والأمراض (وكما هو واضح، فإن البحث عن الصيغة السحرية للتحكم في العالم سمة أساسية في النظم الحلولية) . وبعد الزيارة، يقوم المريد بإعطاء المحصل بعض المال (بالعبرية: فيديون) ، من أجل الخلاص الروحي وهي اختصار «فيديون نيفيش» ، أي «فدية أو خلاص النفس» . ويرى أحد المؤرخين اليهود أن هذه العادة تشبه من بعض الوجوه صكوك الغفران المسيحية في العصر الوسيط. وكان التساديك يلبس الأبيض مثل قيادات الجماعات المسيحية كالدوخوبور والخليستي وغيرهما. وكان يبدأ في تفسير تعاليمه لمريديه بعد أن يتناول وجبة الطعام، ويترك فضلات الطعام ليتخاطفها المريدون باعتبارها مصدر بركة.

وبعد انتهاء طقس تناول وجبة الطعام، يقوم المريدون بالرقص والغناء، وكان التساديك يشاركهم هذا الطقس أيضاً. وحينما يموت التساديك، كان يُدفَن في ضريح فاخر يحج إليه المريدون. ويُقال إن بعض المريدين كانوا يقومون بالإدلاء باعترافاتهم أمامه على طريقة الكنائس المسيحية.
وكان بعض القادة التساديك يتصف بالتقوى والزهد والتضحية بالنفس، وكانوا يؤكدون زعامتهم على أساس تفوقهم الأخلاقي والروحي. ولكن بعضهم الآخر أثرى ثراءً فاحشاً أدَّى إلى ظهور عوامل الانحلال بينهم في نهاية الأمر، مثال ذلك حفيد بعل شيم طوف الذي كان يعيش مثل النبلاء البولنديين ويمتلك مهرجاً داخل بلاطه، وكان يطارد أي تساديك حسيدي آخر يدخل منطقته. وكان بعض القادة التساديك يتجولون في عربات تجرها عدة أحصنة مثل النبلاء البولنديين (ومثل جيكوب فرانك من قبلهم) . وقد تحوَّل منصب التساديك إلى منصب يتوارثه أعضاء الأسرة. وقد أصبح هذا التوارث القاعدة فيما بعد، الأمر الذي يعكس التأثر بالنظم الإقطاعية البولندية السائدة. وبهذا، أصبحت القداسة، مثل الكهنوت، مسألة داخلية تُورَّث. ولكن الحسيديين يفسرون هذا الفساد باعتباره ضرورياً للوصول (كما هو الحال مرة أخرى مع الماشيَّح) ، ولكن توارث القداسة هو في واقع الأمر سمة أساسية في الأنساق الحلولية.
بعل شيم طوف (1700-1760 (
‏Baal Shem Tov

«بعل شيم طوف» هو التساديك الحسيدي إسرائيل بن إليعارز. وكان يُدعَى أيضاً «بشط» ، وهي الأحرف الأولى من اسمه. و «بعل شيم» عبارة عبرية تعني «سيد الاسم» أو «الذي تملَّك ناصية الاسم» ، والاسم هنا هو اسم الإله (الغنوص) ، فمن امتلك ناصيته (أي نطق به واستخدمه بحيث يمكنه التأثير في الإرادة الإلهية) أصبح قادراً على التحكم في الكون من خلال التحكم في الذات الإلهية. والبعل شيم مجموعة من الدراويش اشتهروا بتملُّك ناصية الاسم، وبالتالي بمقدرتهم على الإتيان بالمعجزات. وكان بعل شيم طوف (مؤسس الحركة الحسيدية) أحد هؤلاء، ومعنى اسمه «ذو السمعة الطيبة» أو «صاحب السيرة العطرة» ، ولكن هذا الاسم كان يحمل أيضاً دلالة الإتيان بالمعجزات فهو يعني «الذي يعرف اسم الإله» .

ويكتنف الغموض حياة بعل شيم طوف، إذ أحاطته الروايات والمأثورات الشعبية بهالة من القداسة، ووُصفَت حياته بأنها سلسلة من الأحداث الخارقة والمعجزات. وكانت روحه تُعَدُّ شرارة الماشيَّح المخلِّص نفسه (الشرارات الإلهية) . وحسبما جاء فيما نشر عنه بعد وفاته، فإنه وُلد لأبوين فقيرين في جنوب بولندا، وقد تيتم في طفولته، وقضى أول مراحل شبابه يعمل في المدارس الدينية. وفي العشرينيات من عمره، ذهب إلي الغابات، واشتغل بالأعمال اليدوية، وبدأ دراسة القبَّالاه. ويُلاحَظ أنه لم يدرس التلمود دراسة كافية. وقد أمضى بعل شيم طوف شطراً من حياته متجولاً في بلدان كثيرة داخل بولندا وأوكرانيا يواسي المحتاجين ويشفي المرضى، شأنه في هذا شأن فئة الدراويش من بعل شيم. ومع أنه لم يتلق التعليم الحاخامي اللازم، فإنه كان يلقي المواعظ الدينية. وكان عدد الوعاظ الشعبيين (مُجِّيديم) قد زاد زيادة كبيرة بسبب ضعف اليهودية الحاخامية. وكان اليهود المعادون له يشيرون إلى كسله وغبائه وفشله في إنجاز أي شيء عهد به إليه، ولذا فقد فُصل من كل الوظائف التي التحق بها. أما المريدون، فكانوا يرددون أن بعل شيم طوف كان يتعمد كثرة النوم لأنه كان ينتظر الوحي الإلهي! وكان سلوكه الجنسي مثار النقاش، فأعداؤه يشيرون إلى كثرة النسوة اللائي كن يصحبنه. ولكن يبدو أن سلوكه الجنسي يشبه، من بعض الوجوه، سلوك شبتاي تسفي الذي كان يتأرجح بين الإباحية والشذوذ أحياناً والامتناع عن الجنس أحياناً أخرى. فقد جاء على سبيل المثال في كتاب مدائح بعل شيم طوف أنه امتنع عن معاشرة زوجته جنسياً مدة أربعة عشر عاماً، وأنها حملت ابنهما هرشل من خلال الكلمة (لوجوس) . وقد تواترت قصة أخرى عنه مفادها أن فتاة حملت من بعل شيم طوف من خلال دعائه. وكل هذه القصص تبين أثر الفكر الديني المسيحي، وخصوصاً جماعة السكوبتسي (المخصيين) التي نادت بالامتناع عن ممارسة الجنس، وقالت إنه لو أراد الإله

أن تحمل عذراء فإن ذلك سيتم من خلال الروح القدس.
ويبدو أنه تأثر ببيئته السلافية أكثر من تأثره بالمعتقدات الدينية اليهودية، فكان محباً للطبيعة والخمر والخيل، كما كان يدخن الغليون طول الوقت (وقد كان أعداؤه يتهمونه بأنه كان يدخن شيئاً غير الطباق) . كما كان يتسم بخشونة الطبع، شأنه في هذا شأن الفلاحين السلاف، وكان يحشو مخه بعدد كبير من الأساطير والقصص الخاصة بالعفاريت والأشباح. كما كان يرتدي ملابس تشبه أردية رجال الحركات الدينية المسيحية المقدَّسين في تلك المنطقة. وقد استقر بعل شيم طوف سنة 1740 في بلدة مودزيبوز حيث أقام مدرسة اجتذبت إليها المريدين والتلاميذ ليحظوا بالراحة النفسية والجسدية. وقد كانت نظرياته مستقاة من مصادر يهودية، وبخاصة القبَّالاه، غير أنه أضاف إليها الكثير من الفلكلور الديني المسيحي بحيث خلق نوعاً جديداً من الفلسفة الصوفية الحلولية. وتتلخص تعاليمه في أن الإنسان يبحث عن وسيلة للالتحام والالتصاق بالإله (ديفيقوت) بل التوحد معه حتى يستطيع التوصل إلى القوة الروحية الموجودة والكامنة في كل شيء. أما وسيلة الإنسان إلى ذلك فهي حب الإله والثقة به والبُعد نهائياً عن الحزن والخوف اللذين يفسدان القلب، وأن يصلي الإنسان بإخلاص وتفان ومرح ونشوة، صلاةً حقيقية تحمي الروح من قيود الجسد وتسمو بها إلى السماء. ويُلاحَظ في كل هذا ابتعاده عن التعاليم الحاخامية الشكلية الجافة التي كانت تؤكد أهمية تنفيذ الأوامر والنواهي بدقة شديدة. وقد كان لتعاليم بعل شيم طوف هذه تأثير قوي، وكانت أقواله تبعث الدفء والمرح في نفوس مريديه من اليهود.

ولم يترك بعل شيم طوف أية كتابات باسمه ما عدا بضعة خطابات. ولكن تعاليمه الشفوية ظهرت مطبوعة بعد عشرين عاماً من موته، في ثمانينيات القرن الثامن عشر، وظهرت القصص التي كانت تُتداوَل عنه عام 1814. ومن أهم الكتب عن أقواله وأفعاله والقصص التي نسجت حوله كتاب مدائح بعل شيم طوف. والجدير بالذكر أن أقواله وتعاليمه قد ساهمت في فصل يهود اليديشية عن واقعهم التاريخي، وهذا ما جعلهم أكثر تَقبُّلاً للأفكار الصهيونية. كما تأثر بأفكاره كثير من المفكرين الصهاينة، وخصوصاً الفيلسوف الوجودي الصهيوني مارتن بوبر.
دوف بير (واعظ ميجيريك) (1704-1772 (
‏Dov Ber (The Maggid) of Mezhirech

ويُعرف أيضاً باسم «هامجيد» ، أي «الواعظ المتجول» ، وهو المؤسس الحقيقي للحركة الحسيدية وخليفة بعل شيم طوف، تلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً في إحدى المدارس التلمودية العليا. ثم بدأ يعمل واعظاً متجولاً إلى أن وصل إلى مدينة ميجيريك في مقاطعة فولونيا التي أصبحت واحداً من أهم مراكز الحركة الحسيدية. ويُقال إنه أصبح من الزهاد الأمر الذي أثر في صحته، وذهب يبحث عن دواء لدائه عند بعل شيم طوف مؤسس الحركة الحسيدية الذي ذاع صيته كأحد الموآسين. وقد قال دوف بير «إن بعل شيم طوف كشف له لغة الطير والأشجار، وأسرار القديسين والتجسدات الربانية، وأنه بيَّن له كتابات الملائكة وشرح له المغزى الكامن في حروف الأبجدية العبرية» . وعندما مات بعل شيم طوف عام 1760، أصبح دوف بير زعيم الحركة عام 1766 رغم معارضة جيكوب جوزيف له، ورغم أنه كان مريضاً قعيداً في الفراش، ورغم أنه لم يكن رجلاً شعبياً مثل بعل شيم طوف. ولعله نجح في أن يصبح زعيم الحركة لأن شخصيته كاريزمية إلى درجة أن أتباعه قاموا بتقديسه، فكان بعضهم يزوره ليرى كيف يلبس حذاءه ويربط رباطه، فكأن كل فعل يقوم به، مهما ضؤلت قيمته، له معناه. وقد نقل دوف بير مركز الحسيدية من بودوليا إلى فولونيا، الأمر الذي سهَّل عملية انتشارها، كما قام بحركة تبشيرية بين طبقات جديدة وفي مناطق جديدة في بولندا بأسرها، ولذا يُعتبر نشاطه البداية الحقيقية للحسيدية كحركة وعقيدة. وتحت قيادته، انتشرت الحسيدية في أوكرانيا وليتوانيا وبوزنان وتَجذَّرت في وسط بولندا، ومن ثم تحولت إلى أهم حركة شعبية بين يهود اليديشية، ويُقال إن سلوكه الشخصي هو الذي أدَّى إلى ظهور مؤسسة التساديك بشكل عملي، رغم أنه لم يكن له إسهامات نظرية في هذا المجال. وقد أصبح أتباعه زعماء الحركة الحسيدية.

ولا شك في أن دراسته للتلمود ساعدته كثيراً على صياغة العقيدة الحسيدية بطريقة تشكل تحدياً للمؤسسة التلمودية. فقد جعل الحسيديين يتبنون الشعائر اللوريانية (السفاردية) ، وغيَّر بعض تفاصيل الذبح الشرعي، وبذلك جعل جماهيره غير خاضعة للقيادات الحاخامية التلمودية التقليدية التي تحكمت في الجماهير من خلال الشعائر، وخصوصاً الذبح الشرعي. وقد شجع دوف بير الشباب على إهمال دراسة التوراة ليعيشوا تجربتهم الدينية بشكل عاطفي ومباشر، مبتعدين بذلك عن الطقوس الجامدة الخالية من الروح التي تفرضها المؤسسة التلمودية. والعبادة عند أتباعه كانت تأخذ شكل رقص وشطحات. وقد اتهمته المؤسسة الحاخامية بالكفر والحلولية، فصدر قرار بطرده من حظيرة الدين في فلنا قلعة الأرثوذكسية.

ونسق دوف بير نسق حلولي غنوصي واحدي وصل إلى مرحلة وحدة الوجود، فالعالم هو الإله «ولا يوجد مكان لا يشغله الإله» . فالتجليات الربانية التي تتبدَّى من خلال كل الكائنات والتي تملأ الفراغات والثغرات تجعل الوصول إلى جذور الوجود من خلال التأمل الداخلي أمراً ممكناً. والتساديك من ثم هو الإنسان الذي يتمتع بعلاقة خاصة مع الإله. والهدف من وجود الإنسان هو أن يلغي الوجود المتعين للواقع الذي يكتسب تعيُّنه من خلال الحدود المفروضة عليه ويعود إلى حالة الآيين (العدم) وهي حالة اللا تحدد التي تسبق الخلق ( «الإله خلق الوجود من العدم وهو يخلق العدم من الوجود» ) . فالعدم (وحالة السيولة الرحميّة الكونية ـ الحالة الروحانية التامة اللا إنسانية) هي نقطة البدء الأولى ونقطة العودة النهائية، فوجود الإنسان في هذا الكون عملية عذاب وسقوط في الحدود (كما هو الحال دائماً في الأنساق الغنوصية) . بل إن الحالة الإنسانية نفسها هي حالة خلل، إذ أنها حالة تُفرض فيها حدود على الإنسان. لكل هذا، تُعتبَر مرحلة الوجود هذه مرحلة مؤقتة تسبق المرحلة النهائية، ومرحلة العدم التي تنتفى فيها الحدود، وهي الحالة التي يسعى إليها كل إنسان، سقط في هذا الكون. وقد نزلت الروح من الأعالي حتى ترتفع بالوجود المادي المحدود من خلال تساميها الروحي الذي لا حدود له، وهي بذلك تستعيد حالة الوحدة التامة (حالة وحدة الوجود) وانتفاء الحدود. عندئذ تصبح الصلاة، بل كل الشعائر (رمز الحدود المفروضة على الإنسان ووسيلته لإظهار طاعته للإله) ، تصبح (داخل الإطار الحلولي) الطريقة التي يفقد بها الإنسان ذاتيته ويتجاوز حدوده فيلتصق بالإله ويصبح جزءاً منه. بل إن كلام مثل هذا الإنسان (الذي ينجح في تجاوز حدوده) يتحول من كونه كلاماً عادياً إلى كلام إلهي مقدَّس. بل إن عملية العبادة بأسرها تفقد حدودها وهويتها، فأي فعل يأتي به الإنسان هو شكل من أشكال العبادة.

وكما هو الحال دائماً مع الأنساق الغنوصية، ليس هناك وجود حقيقي للشر، فالعالم كله سلسلة واحدة متصلة، وما يبدو منها شراً إن هو إلا حلقة في السلسلة. ومن هنا ظهرت فكرة «عفوداه بجاشيموت» ، أي «الخلاص بالجسد» كوسيلة لجمع الشرارات الإلهية (نيتسوتسوت) ، وهي فكرة تعني أن أفعال الإنسان، مهما تدنت وتدنست، هي وسيلة للالتصاق بالإله (ديفيقوت) وعوناً له على استعادة وحدته. ولعل إحساس دوف بير بأن مثل هذه الأفكار قد تفتح الباب على مصراعيه مرة أخرى للعدمية الشبتانية جعله يتراجع قليلاً ويقول إن الالتصاق يجب أن يكون روحياً وحسب، وأن على اليهودي أن يراعي الشعائر بدقة بالغة. وقد ذهب إلى أن القداسة من خلال الجسد (والدنس) أمر صعب على البشر العاديين، ولذا جعله مقصوراً على الرجال المتميزين (فهم وحدهم الذين يمكنهم تجاوز مقولات الخير والشر كأبطال نيتشه (.

وقد أعاد دوف بير تفسير مفهوم الانكماش (تسيم تسوم) ، فتخلى عن المفهوم اللورياني الذي يذهب إلى أنه عملية انكماش في ذات الإله، إذ يذهب بدلاً من ذلك إلى أن التسيم تسوم إنما هو في واقع الأمر زيادة في التجليات. ويختلف معنى التسيم تسوم حسب زاوية الرؤية والإدراك، فزاوية المعطي غير زاوية المُتلقِّي، فهي شكل من أشكال التجلي والمعرفة التي تفرض على الإله أن يتبدَّى حسب قوانين العقل. فانكماش الضوء يشبه تَبدِّي الفكر من خلال الصوت والكلام. وبذا، ينجح دوف بير في أن يبتعد عن فكرة الكارثة الكونية الموجودة في مركز المنظومة اللوريانية، فلا يصبح حادث تَهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) كارثة داخل الذات الإلهية وإنما واقعة تهدف إلى إشاعة النور، تماماً مثل الترزي الذي يقطع ليحيك، ومن ثم يتم تقديم حادثة تَهشُّم الأوعية من خلال مصطلحات نفسية مثل «القلب الكليم» ، وهو أمر لا يحدث في الذات الإلهية وإنما في حياة الإنسان. وحيث إن الكارثة الكونية انتقلت من الإله والكون إلى الإنسان، فإن النسق يتخلص بالتالي من أي نزوع نحو التفجر المشيحاني. فالحياة عملية خلاص روحية مستمرة، ولم تعد حادثة تاريخية قومية واحدة. وعلى كل، فإن مثل هذا الانتقال ليس أمراً صعباً داخل الأنساق الحلولية التي تلغي كل الثنائيات والتعددية، وفي القبَّالاه نجد أن الميكروكوزم (الإنسان) هو الماكروكوزم (الكون) ، ولذا فالانتقال من الخارج إلى الداخل (والعكس) أمر متيسر للغاية وأصبح الصراع بين الخير والشر يتم في المجال الفردي وأصبح إصلاح الخلل الكوني عملية فردية، وتيقون آدم قدمون (إصلاح آدم القديم أو الرمز الكامل للإنسان) مرتبط تماماً بالآدم تحتون (أي آدم السفلي أو التحتي) . ويُعَدُّ هذا من أهم إسهامات الحسيدية التي استوعبت النزعة المشيحانية داخل النفس اليهودية ومنعتها من التفجرات التي تؤدي إلى كوارث، كما حدث في حالة شبتاي تسفي وغيره من المشحَّاء المخلصين

الدجالين. ولكنها، مع هذا، ضمنت لها الاستمرار في حالة كمون، إلى أن حانت اللحظة التاريخية، فظهرت مرة أخرى في إطار الصهيونية.
ولم يترك دوف بير أي كتب، ومع هذا فقد استُخلص نسقه الفكري والعقائدي من تفسيراته للعهد القديم والتلمود. وقد جُمعت بعض أقواله في كتاب بعنوان ليقوطي أماريم (مجموعة الأقوال) ، وماجيد دفاراف ليعقوف (الذي يخبر يعقوب أقواله (.
إليميليك الليجانسكي (1717-1787 (
‏Elimelech of Lyzhansk
تساديك حسيدي، من تلاميذ دوف بير، وأحد مؤسسي الحركة الحسيدية في جاليشيا. تجوَّل هو وأخوه في جاليشيا وغيرها من الأماكن، باعتبار أن تجوالهما هذا تعبير عن تجوال الشخيناه (التجلي الأنثوي للحضرة الإلهية) . وبعد موت دوف بير، استقر إليميليك في ليجانسك في جاليشيا التي أصبحت من ثم مركزاً للحسيدية وأسس بلاطه فيها.
وقد أكد إليميليك أهمية التساديكية في النسق الحسيدي، فهو أهم من الملائكة، بل هو قادر على التأثير في الأعالي، وعلى حد قوله: «التساديك يشاء، والإله ينفذ» . فكل قول من أقوال التساديك يتحول إلى ملاك يؤثر في الأعالي. والتساديك يخوض حرباً تهدف إلى التصاقه هو والجماعة بالإله والصعود إلى المطلق. والتساديك يعيش في الأرض في الظاهر ولكنه في الواقع يعيش في السماء.

ويذهب إليميليك إلى أن ثمة نوعين من أنواع السقوط: السقوط من أجل إصلاح الخلل الكوني (تيقون) والسقوط من أجل الشيطان. والسقوط من أجل إصلاح الخلل الكوني عملية طوعية. فالتساديك يعرف أن عليه أن يصلح من حال جماعته، ولذا فعليه أن يهبط إلى مستواها ليصعد بها. أما السقوط من أجل الشيطان، فهو أمر تلقائي وتعبير عن قوى داخل التساديك وداخل جماعته. ومهما كان الأمر، فعلى التساديك أن يتوحد مع جماعته وبالتالي يتحول المدنَّس إلى مقدَّس. وسقوط التساديك ومقدرته على ارتكاب الخطيئة أمر أساسي لقيادته إذ سيعوقه فشله في السقوط عن السمو بنفسه وبجماعته. وسموه بعد سقوطه سيصل إلى مرتبة أعلى من تلك التي كان يشغلها من قبل، ومن ثم فالشر هو الذي يدعم القداسة. والتغلب على الشر يكون بالاستسلام له، كما أن هزيمة المادة تكون بتقبلها تماماً، أي أن ثنائية الخير والشر يُقضَي عليها بأن يتحول الشر إلى خير، وهو أمر سيعجل بمجيء الماشيَّح، وهي اللحظة التي سيعود فيها الجميع إلى الوحدة الأصلية.
وفكر إليميليك فكر حلولي متطرف يظهر فيه التساديك باعتباره إلهاً في الأرض تتحول كلماته إلى ما يشبه التعويذة السحرية التي تؤثر في الإرادة الإلهية. كما أن أثر الشبتانية واضح للغاية في كتاباته وتأخذ شكل محاولة محو الثنائية الأخلاقية. ويُقال إن حياته الشخصية كانت مليئة بالسقطات الأخلاقية المتعددة. ولكن داخل الإطار الحلولي، لا يمكن تسمية السقطات الأخلاقية «سقطات» ، فما هي إلا آلية من آليات الصعود وجزء لا يتجزأ من الخير النهائي. ومن أهم مؤلفاته نُوعَم إليميليخ (بهجة إليميليك) ، وليقوُّطي شوشانيم (مقتطفات الزهور) .
مناحم البراتسلافي (1772-1811 (
‏Menahem of Bratslav

تساديك حسيدي في بودوليا وأوكرانيا ومؤسس فرقة براتسلاف الحسيدية، وهو حفيد بعل شيم طوف من ناحية الأم، وحفيد أحد القادة الصوفيين (قبل ظهور الحسيدية) من ناحية الأب. وقد كانت أمه معروفة بأنها «ممن تملكتهم الروح المقدَّسة» . تزوج مناحم في سن مبكرة ونشأ في بيت حميه، وكان من يهود الأرندا. ثم انتقل إلى مقاطعة كييف بعد أن تزوج حموه للمرة الثانية. زار فلسطين في بداية حياته وعاد عندما وصلت حملة نابليون على مصر إلى فلسطين. وقد اتُهم منذ مطلع حياته بأن تعاليمه ذات طابع شبتاني فرانكي، بل اتهمه بعض القادة الحسيديين بأن سلوكه إباحي داعر، واتهمهم هو بأنهم من أتباع الشيطان.
كان مناحم البراتسلافي يدَّعي أنه استمرار لسلسلة طويلة من المفكرين اليهود المتصوفين تبدأ بشمعون بريوحاى وتنتهي ببعل شيم طوف مروراً بإسحق لوريا. وهو محقّ تماماً فيما يقول وإن كان قد قام ببلورة بعض الأفكار الحلولية في أنساقهم الفكرية ودفعها إلى نتيجتها المنطقية، وهذا ما أثار ذعر كثير من القيادات الحسيدية. ونسق مناحم حلولي متطرف فالإله هو الإين سوف (اللامتناهي) الذي خلق العالم وحلَّ فيه كله، من ضمنه عالم الشر والمحارة (قليبوت) . ولذا، حينما يغوص الإنسان في حمأة الرذيلة، فإنه حتماً سيجد الإله. وهو يفسر مفهوم الانكماش (تسيم تسوم) تفسيراً يوحِّد بين الشر والخير، فالانكماش يؤدي إلى انسحاب الإله من ذاته بل إلى اختفائه (شحوب الإله وموته) ، ومن ثم يؤدي إلى خلق فراغ. ولكن الفراغ في الأعالي يعني، في واقع الأمر، الامتلاء الأرضي، أي الحلول الإلهي في كل كائنات الكون.

والانكماش يؤدي إلى ظهور الفراغ، والفراغ قد يطرح على الإنسان بعض الأسئلة النهائية ويولد الشك في نفسه. ولكن هناك سؤالاً آخر ينبع من تحطُّم الأوعية (شفيرات هكليم) . وحسب هذه النظرية، فإن الانكماش أدَّى إلى ظهور المحارة، وهذه المحارة هي الدراسات العلمانية، مصدر الشك والهرطقة. فالأسئلة الكبرى تأتي من الفراغ، ثم من خلال الصمت. ولذا، فإن الإجابة عنها لا تكون إلا «بالصمت المقدَّس» (وهي من عبارات جيكوب فرانك الأثيرة) . والصمت المقدَّس هو الإيمان الأعمى، الذي يتجاوز الشك تماماً ويصل إلى الجوهر الإلهي، وهو أمر غير متاح للإنسان إلا بأن يعبد الإله بطريقة مباشرة ساذجة. ولذا، عارض مناحم دراسة الفلسفة. فالإيمان يبتدئ حينما ينتهي العقل. وحالة المنفى مستمرة بسبب ضعف الإيمان، فالخلاص إن هو إلا حسم كل التناقضات والشكوك. ولكن السقوط في الشك ليس أمراً سيئاً تماماً، فالسقوط شرط من شروط الصعود.
وتشكل الأرض عنصراً أساسياً في نسق مناحم الذي يذهب إلى أن الإنسان الذي يعرف كيف يتكيف مع إيقاع الكون يمكنه أن يفقد ذاته من خلاله، ومن ثم يكشف الإله له نفسه من خلال المراحل المختلفة في الطبيعة فيستطيع الإنسان الالتصاق به. وأرض إسرائيل تعطي الإنسان اليهودي الفرصة لهذا الالتصاق بالإله. وكان مناحم يدَّعي أنه أصبح أعظم القادة التساديك لأن جو أرض إسرائيل قد منحه الحكمة.

وحتى الآن، لا يختلف نسق مناحم عن الأنساق الحلولية والقبَّالية المختلفة، ولكن تطرفه الشبتاني يظهر في مفهوم التساديك عنده، وهو مفهوم متأثر بالأجواء المسيحية من حوله. فقد أكد مناحم البرتسلافي دور التساديك باعتباره الماشيَّح، وكان يذهب (على عكس الحسيديين) إلى أنه لا يوجد سوى تساديك واحد وأنه هو، بل كان يذهب إلى أنه هو الماشيَّح ابن داود والماشيَّح ابن يوسف الذي يجسد كل ما يحدث في الأرض والعوالم السماوية، القادر على أن يهدي أتباعه وأن يحول صلواتهم وأدعيتهم حتى تصبح أداة للخلاص، ولذا لابد أن يسافر له أتباعه حتى يستمعوا إلى الكلمة من فمه. ومن المعروف أن أتباع أي تساديك حسيدي كانوا يزورونه بشكل دائم خلال العام (كل يوم سبت عادةً) ، أما أتباع مناحم فكانوا لا يزورونه سوى ثلاث مرات كل عام (رأس السنة، وعيد التدشين، وعيد الأسابيع) ، وكانت أهم المناسبات هي رأس السنة، وهو في هذا يشبه الإله الحالّ (الذي يراه أتباعه) والإله المفارق (فهم لا يرونه إلا ثلاث مرات) . وبالفعل، كان مناحم يعلِّم أتباعه أن التساديك الماشيَّح (مناحم نفسه) يقلد الإله في أفعاله، باعتباره تجسد الكلمة. بل إنه يعلِّم الإله كيف يتعامل مع شعبه، فالتساديك الماشيَّح ليس واسطة بين الشعب والإله بل هو أيضاً واسطة بين الإله والشعب، فكأنه هو (وليس الإله أو الشعب) مركز الكون، ولذا فالتواصل معه يساعد على الإسراع بعملية إصلاح الخلل الكوني (تيِّقون) التي يقوم بها اليهود.
وكان أتباع مناحم يقومون بالاعتراف بين يديه (على عادة المسيحيين) وبهذا كانوا يطرحون عليه ذنوبهم باعتباره التساديك (الماشيَّح) الذي كان يصف الطرق المناسبة للندم، أي أنه كما تَقدَّم قادر على غفران الذنوب، ولكن الخير والشر هنا جزء من منظومة حلولية سحرية تتجاوز الخير والشر.

والتساديك يرى أتباعه كما لو كان إلهاً، وهو يصوِّر لهم أنه سوف يعيش إلى الأبد، سواء كان يعيش على الأرض أو في مقبرته. ولذا، أوصى مناحم أتباعه ألا يختاروا خليفة له من بعده «لأنني أود أن أكون معكم دائماً وستأتون لزيارتي وأنا في قبري» . وهذه أقوال تشبه أقوال المسيح لحوارييه. ولعل هذا الجانب من فكره هو الذي أفزع المؤسسة الحسيدية، إذ أن التساديك قد تحوَّل حرفياً إلى إله (بل تذهب بعض المراجع إلى أن أتباعه كانوا يعبدونه بالفعل (.
وقد كانت حياة مناحم مليئة بالمآسي إذ مات ابنه (الذي كان يتصور أنه سيخلفه في المشيحانية) ثم ماتت زوجته، وأصيب هو بالسل، بل إن مدينة براتسلاف نفسها احترقت وفيها منزله، فاضطر إلى الانتقال إلى مدينة أخرى ومنزل آخر. وقد فسر فشله هذا بأن جيله غير ملائم لتحقيق رؤيته المشيحانية.
ويمكن القول بأن مناحم هو النقطة التي تظهر فيها العلاقة البنيوية الوثيقة بين الشبتانية من جهة والحسيدية من جهة أخرى، وأنهما مجرد تجليين مختلفين لنفس الحلولية في مرحلة وحدة الوجود. وإن كان يمكن القول بأن فكر مناحم يبين أثر التربة المسيحية السلافية القوي إذ يتركز الحلول في شخص واحد، ماشيَّح ينزل كإله للبشر ويأخذ خطاياهم ثم يقوم، أي أنه حلول شخص مؤقت منته على الطريقة المسيحية، وليس حلولاً جماعياً مستمراً دائماً على الطريقة اليهودية.
وقد قام نيثان سترنهارتز، تلميذ مناحم وسكرتيره وتلميذه، بجَمْع تعاليم مناحم والأقاصيص التي تُروَى عنه. ومن بين هذه الكتب حايبي موران (1826) (حياة موران ـ معلمنا الراب مناحم) . كما توجد عدة كتب خفية كتبها نحمان من بينها سيفر هانسراف (الكتاب المحروق) حيث طلب مناحم نفسه أن يُحرَق، وسيفر هاجانوز (الكتاب المخفي) وهو كتاب لن يفسره إلا الماشيَّح، وهناك كذلك مجيلات هايسترايم الذي يلعب فيه مناحم دور المسيح بن يوسف والمسيح بن داود.

ولم يحقق اتجاه مناحم الحسيدي شيوعاً كبيراً إبان حياته، فلم تكن حركته تضم سوى بعض الفقراء وصغار التجار. وبعد موته، قام تلميذه نيثان بتنظيم الحركة ثم قام الحسيد مناحم (من تولكين) بقيادة الحركة بعد موت نيثان، وبدأت الفرقة في الانتشار والشيوع واستمرت في الوجود إلى ما بعد اندلاع الثورة البلشفية. ويوجد الآن فرع للحركة في إسرائيل.
جيكوب جوزيف تسفي هاكوهين (؟ -1810 (
‏Jacob Joseph Zevi Hakohen
أحد قادة الحركة الحسيدية وأحد مُنظِّريها الأوائل، وقع تحت تأثير بعل شيم طوف عام 1741، ولكنه لم يخلفه بعد موته. يُعَد مؤلفه سيفر لتوليدوت يعقوب يوسف (كتاب تاريخ يعقوب يوسف) (1780) الذي يحوي بعض مواعظ وأقوال بعل شيم طوف أول كتاب نظري عن الحسيدية: سواء في محاولته تعريف فلسفة الحسيدية أو في هجومه على المؤسسة الحاخامية وممثليها.
وتعاليم جيكوب جوزيف حلولية وصلت مرحلة وحدة الوجود، فالإله موجود في كل شيء، ولا يمكن تجاوز الشر إلا بالقول بأن الخير والشر ممتزجان تماماً، وهدف الإنسان في الوجود الالتصاق بالإله وهو أمر لا يمكن أن يحققه إلا عن طريق الفرح. وصلاة المرء يجب أن تكون ممتزجة بالفرح، ولكنها في حد ذاتها لا تجدي فتيلاً إذ أن التساديك هو وحده القادر على أن يغير الإرادة الإلهية.

والجماعة تشبه الكيان العضوي، فهناك العامة من جهة وهناك العَالم أو التساديك من جهة أخرى. فالعامة هم القدم أما التساديك فهو الرأس والعيون، والعامة هم الجسد أما التساديك فهو الحياة والروح. ولذا، فإن عملية الالتصاق بالإله والتوحد معه لابد أن تتم بشكل عضوي جماعي. ولكن التساديك هو المسئول عن أن يبذل جهده للسيطرة على الجسد، وعليه أن ينزل من عليائه ليؤثر في العامة، ولكن لا يمكنه التأثير فيهم وتوحيدهم كجماعة عضوية إلا بأن يصبح مثلهم فيرتكب الرذائل من أجل تنفيذ مهمته. وحيث إن الإنسان اليهودي العادي لا يمكنه قراءة التوراة بسبب جهله، وهو ليس مسئولاً عن هذا الأمر، فإن الإله سيغفر له ذنوبه شريطة أن يتحد والإله من خلال التساديك. فالتساديك وسيلته الوحيدة للخلاص، وهو الذي يعرف التوراة الظاهرة (توراة الخلق) والتوراة الباطنة (توراة الفيض والتجليات) . ولذا، فإن على اليهودي أن يؤمن بالتساديك إيماناً أعمى، دون تفكير أو شك في أسلوب التساديك في الحياة، حتى لو كان فاسداً أو فاسقاً، لأن كل أفعاله تتم من أجل السماء!
ورجل المادة (اليهودي العادي) عليه أن يعول التساديك مالياً حتى يتسنى له أن يكرس كل وقته لدراسة التوراة والصلاة. وقد هاجم جيكوب جوزيف الحاخامات الذين أكدوا أهمية دراسة التوراة وأهملوا الجوانب الأخرى من الحياة الدينية (مثل محاولة الالتصاق بالإله) ، فبيَّن أنهم مرتزقة متعجرفون قصيرو النظر غارقون في الجدل المجدب، بل صفهم بأنهم» شياطين يهودية مساوية للشيطان، تنزع نحو الشر، دراستهم للتوراة تهدف إلى تضخيم الذات وتعظيمها. «
ومن أعمال جيكوب جوزيف الأخرى بن بورات يوسف (يوسف كرمة مثمرة) (1781) وهو شرح قبَّالي لسفر التكوين. وله أيضاً تعليقات على سفر اللاويين والأعداد، وقد نشر ابنه أعماله.
ليفي إسحق بن مائير البيردشيفي (1740-1810 (
‏Levi Isaac Ben Meir of Berdichev

تساديك حسيدي من أهم شخصيات الجيل الثالث من القيادات الحسيدية، تَعرَّف إلى بعل شيم طوف وتتلمذ على يد دوف بير وأصبح من أهم تلاميذه، عمل حاخاماً بعض الوقت ثم أصبح بعد ذلك تساديك، وقد أخذ موقفاً متشدداً للغاية من المتنجديم، ولكنهم طاردوه من مكان لآخر فاضطر إلى أن يترك وظيفته كحاخام في زيلخوف ثم في منسك.
وفكر ليفي فكر حلولي متطرف يدور داخل نطاق الدائرة الحلولية المغلقة الثلاثية (الإله - الشعب - الأرض) في مرحلة وحدة الوجود. فالإله داخل هذا الإطار جزء لا يتجزأ من الشعب اليهودي، منفي معه ويتجول معه. والعالم بأسره (الأرض والسماء) لم يخلقه الإله إلا من أجل هذا الشعب اليهودي. بل إن الإله يأخذ في الشحوب وتحل محله إرادة الإنسان (اليهودي) ، وخصوصاً التساديك، فهو القناة الموصلة بين الإله والشعب ومركز الكون.
وداخل هذا الإطار، اشتهر ليفي إسحق بأنه من أكثر المدافعين عن الشعب اليهودي ضد الإله. فقد ورد عنه أنه قال: "اسمع يا إلهنا، إن أصدرت يوماً ما قراراً قاسياً ضد اليهود، فنحن القادة التساديك لن ننفذ أوامرك! ". وفي مرة أخرى، قال موجهاً كلامه للإله: "إن الشعب يصلي لك ويخدمك وأنت تجرؤ على أن تشكو من جماعة يسرائيل". ومن أشهر القصص عنه أنه استدعى الإله مرة في محكمة دينية ليفسر هذا العذاب الذي يُلحقه بشعبه المختار ولماذا يطلب من شعبه الكثير دائماً.
وليفي إسحق دفع الأطروحات الحلولية إلى نهايتها المنطقية (الكوميدية) وهي تحوُّل التساديك إلى ما يشبه الإله، وهو ما يبين الجذور الشبتانية والفرانكية للحسيدية.
عذراء لادومير (1815-1905 (
‏Virgin of Ludomir

«عذراء لادومير» هي فتاة تُدعَى حنه بربر ماخر. كانت على إلمام كامل بالتراث التلمودي، كثيرة الصلاة، فانتشرت عنها الشائعات بأنها شخصية مقدَّسة، وأنها تساديك. وكانت مخطوبة لرجل تحبه، ولكنها بعد وفاة أمها، ألم بها المرض وقيل إن روحها صعدت إلى السماء، حيث تلقت روحاً جديدة أكثر سمواً. وبعد ذلك فسخت خطبتها، وبدأت تعيش حياة الرجال وتقيم الشعائر التي لا يُسمَح إلا للذكور بإقامتها، ومنها ارتداء شال الصلاة وتمائمها. وبنت بيتاً للعبادة، وكانت تقدِّم المواعظ للناس من غرفة مجاورة. وذاعت شهرتها، وبدأ يحج إليها الآلاف بسبب معجزاتها. وتجمَّع حولها مجموعة من الحسيديين، كانوا يُعرَفون باسم «حسيديو عذراء لادومير» . وقد كانت عذراء لادومير ترفض الزواج، ولكنها في نهاية الأمر تزوجت مرتين (اسمياً) ثم طُلقت، ففقدت شعبيتها وهاجرت إلى فلسطين.
ومن الواضح أن حادثة عذراء لادومير تعبِّر عن تغلغل الرموز المسيحية في اليهودية. ففكرة العذراء التي تقوم بدور قيادي ليست فكرة يهودية. كما يُلاحَظ أثر جماعة الخليستي المسيحية الصوفية التي كانت تؤمن بالحمل بلا دنس. ولكن الواقعة تعبِّر أيضاً عن تزايد معدلات العلمنة، وأثر فكر الاستنارة وتحرير المرأة أو ربما التمركز حول الأنثى.
أسر وجماعات وحركات حسيدية
‏Hassidic Dynasties, Groups, and Movements

بعد أن مرت الحركة الحسيدية بمرحلتها الأولى الشعبوية (والتي كانت تتميَّز بوجود قيادات كاريزمية قوية) بدأت تتحول إلى مؤسسات روتينية. وبما أن القداسة في المنظومات الحلولية يتم توارثها، فقد تم توارث القداسة المتركزة في التساديك باعتباره موضع الحلول والكمون من خلال أحد أبنائه، وتكوَّنت الأسر الحاكمة الحسيدية. ومن أهم الأسر الحاكمة أسرة جيدا خوف وأسرة شنيرسون. كما ظهرت جماعات حسيدية مختلفة هي أقرب إلى الأسر في ترابطها منها إلى شيء آخر، وينتمي أعضاء الجماعة إلى مدينة أو منطقة واحدة وبين هذه الجماعات جماعة جور وسبنكا وفيشنيتس وروزين. أما الحركات الحسيدية فمن أهمها حركة حبد وحركة الموسار.
جيدا خوف (أسرة (
‏Zhidachov Dynasty
أسرة حسيدية مؤسسها تسفي هيرش أيختشتاين (1785 ـ 1831) الذي درس القبَّالاه في شبابه وتأثر ببعض القادة التساديك الحسيديين، كما حاول أن يعمق من التيار اللورياني في الحسيدية ذاهباً إلى أن الحسيدية لا يمكن فهمها دون دراسة القبَّالاه اللوريانية. وقد اتسم تلاميذه بولائهم الكامل والواضح للقبَّالاه اللوريانية. وكان بين أتباعه إيزاك أيزيك (1804 ـ 1872) الذي كتب بعض الأعمال الحسيدية التي تستند إلى أسس قبَّالية وتشكل حلقة وصل بين القبَّالاه والحسيدية.
حبد (حركة (
‏Habad

«حبد» اختصار للكلمات العبرية الثلاث: «حوخماه» و «بيناه» و «دعت» ، أي «الحكمة» و «الفهم» و «المعرفة» . وهي أعلى درجات التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . وحبد حركة حسيدية أسسها شنياءور زلمان في روسيا البيضاء في قرية لوبافيتش (ولذا يشار إليها أحياناً على أنها «حركة لوبافيتش» ويُشار إلى قائد الحركة على أنه «اللوبافيتشر ربي» أي «حاخام لوبافيتش» ) . ويكمن الاختلاف بينها وبين الحركة الحسيدية الشعبية المعروفة في أنها أقل عاطفية وأكثر فكرية رغم صوفيتها وحلوليتها، فالتجليات العاطفية جاءت بعد التجليات الفكرية. كما أنها تبتعد عن بعض المفاهيم الحسيدية المتطرفة مثل "التسامي عن طريق الغوص في الرذيلة". والنسق الفكري عند حبد نسق حلولي قبَّالي.

وقد طوَّر شنياءور زلمان فكرة الانكماش (تسيم تسوم) فذهب إلى أن الإله لا ينكمش داخل نفسه، وإنما يتوارى وحسب، حتى يبدو العالم وكأنه منفصل عنه، ولكن الأمر ليس كذلك. ومن خلال التأمل لكل سلسلة المخلوقات، كما وردت في القبَّالاه، يستعيد الإنسان في عقله كل شيء حتى يصل إلى الإين سوف. ومن ثم، فهو يقوم بعملية التوحيد من أسفل، أي أنه ينجز الإصلاح الكوني من خلال عقله. فالذات الإلهية في تَوحُّدها ليس لها وجود خارج حالة الإنسان العقلية. ويُقال إن شيناءور زلمان قد قال وهو على فراش الموت إنه لم يَعُد يرى غرفة أو أثاثاً، وإنما الطاقة الإلهية وحسب، وهي الحقيقة الحقة. وقال أيضاً: "من الإله؟ إنه ما ندركه. وما الدنيا؟ هي المكان الذي يتم فيه الإدراك. وما الروح؟ هي أداة الإدراك". ويتردد في كتابات حبد عبارة حسيدية هي «بيطول هاييش» أي «نفي الوجود» ، وهي تعني أن العالم المادي ليس له وجود حقيقي، وأن هذا العالم هو الإله، وأن الحضور الإلهي يحل في مادته، كما تعني أيضاً أن على الإنسان أن يفني ذاته في الذات الإلهية تماماً. ولكن حبد تذهب أيضاً إلى أن كل يهودي يوجد داخله جزء من الإين سوف. ووفقاً لنسق حبد، فإن الإنسان له روحان: إحداهما الروح الإلهية (نيفيش إلوهيت) ، والثانية الروح الحيوانية أو البهيمية (نيفيش ها بيهيميت) . والإنسان هو ميكروكوزم، أي نموذج مصغر للعالم، وهو أيضاً حلبة صراع لقوى الخير والشر التي تتصارع في الكون (ولكن الشر هو السترا أحرا أو الجانب الآخر للإله، حسبما جاء في القبَّالاه) . ويوجد طريق وسط يجمع بين الشيئين، وهو المحارة التي التصقت بها الشرارات الإلهية حسب العقيدة القبَّالية. وتنقسم أرواح البشر، وفقاً لدرجة تجلِّي القوى الإلهية (سفيروت) فيها، فالأرواح العليا تجسِّد القيم الثلاث العليا، أي: الحكمة والفهم والمعرفة، كما أنها تتصف بشدة القوى العاطفية. أما الأرواح البهيمية، فتتبع الشهوات.

واليهودي العادي حلبة صراع بين العواطف والشهوات من جهة، والقوى العقلية من جهة أخرى. وبمقدوره أن يسيطر على رغباته الشريرة من خلال الحكمة والفهم والمعرفة، وبإمكان الإنسان أن يصل إلى خشية الإله من خلال التأمل في صفاته، الأمر الذي يقوده إلى حبه والالتصاق به والتوحد معه (ديفيقوت) . وقد ركزت حركة حبد على التوراة والتأمل العقلي، ولهذا فإن أول مدرسة تلمودية (يشيفا) حسيدية كانت تابعة لهذه الحركة. وقد أكدت حبد أهمية الأوامر والنواهي، ولكنها عارضت التطرف في تطبيقها.
وإذا كان هذا هو الأمر بالنسبة إلى اليهودي العادي، فإنه ليس كذلك بالنسبة إلى التساديك، إذ أن الصراع داخل ذاته لا يتسم بهذه القوة، ولهذا يكون بوسعه تجاوز الشهوات وبسرعة، إلا أنه لا يتسم بصفات خارقة، ولا يمنح البركة مثلما هو الحال في بقية المدارس الحسيدية، فهو مُعلِّم في المقام الأول. وإذا كان مريدوه يريدون النجاح في الحياة الدنيا، فعليهم (على عكس ما يحدث في المدارس الحسيدية الأخرى) أن يطلبوا العون من الإله لا من التساديك. ولهذا، فقد أسقط أتباع مدرسة حبد استخدام كلمة «تساديك» وعادوا إلى استخدام كلمة «حاخام» .
ويذهب شيناءور زلمان في كتاب هاتانيا (دستور حركة حبد) إلى أن الأغيار مخلوقات بهيمية شيطانية تماماً وخالية من الخير وأن ثمة اختلافاً جوهرياً بين اليهودي وغير اليهودي. ولهذا يختلف الجنين اليهودي عن الجنين غير اليهودي. ووجود الأغيار في العالم أمر عارض، فقد خُلقوا من أجل خدمة اليهود، وهذا متسق تماماً مع القبَّالاه التي جعلت اليهودي ركيزة للكون.

وقد انتقلت قيادة حبد إلى الولايات المتحدة حيث يترأسها في الوقت الحالي الحاخام لوبافيتش في نيويورك (في كراون هايتس في بروكلين) . وحبد منظمة ثرية للغاية إذ تبلغ ميزانيتها نحو مائة مليون دولار (ويقدرها البعض بثمانمائة مليون دولار) ويبلغ أتباعها 130 ألف (30 ألف في بروكلين و100 ألف في أنحاء العالم) . ويُقال إن عدد مؤيديها وأتباعها يصل إلى ما يزيد عن مليونين، وهو رقم مُبالَغ فيه. وتتبع حركة حبد دار للنشر طبعت ملايين الكتب بعدة لغات ولها مكتبة وأرشيف يضم مجموعة فريدة من الكتب والمنشورات والوثائق اليهودية. كما تمتلك الحركة صحيفة خاصة بها. وقد بدأت الحركة تمارس نشاطها مؤخراً في روسيا وأوكرانيا. ويتبعها آلاف الذين يعملون في كثير من دول العالم التي توجد فيها جماعات يهودية.
ولحبد فرع في إسرائيل، ويتبعها بعض المستوطنات الزراعية. ويُلاحَظ انتشار أفكارها العنصرية في الآونة الأخيرة. وقد قالت شالوميت ألوني عضو الكنيست إن الجماعة صعَّدت دعايتها العنصرية قبل غزو لبنان، وطلبت إلى الأطباء والممرضات ألا يعالجوا جرحى الأغيار، أي العرب.
ومن أهم أتباع حبد اثنان من رؤساء دولة إسرائيل السابقين هما زلمان شازار وأفرايم كاتزير. كما أن عدداً كبيراً من أعضاء جماعة جوش إيمونيم من أتباع حبد. ويبدو أن حزب أجودات إسرائيل يمثل حبد ضد أعدائهم من المتنجديم الليتوانيين (الليتفاك) اللذين يمثلهم حزب ديجيل هاتوراه. وقد سئل الحاخام إليعازر شاخ، الأب الروحي لهذا الحزب، عن أقرب عقيدة لليهودية، فقال: «حبد» ، أي أنها لا تنتمي إلى اليهودية أساساً من وجهة نظره، وقال إن أتباع حبد قوم لا يختلفون عن آكلي لحم الخنزير. ويرى شاخ أن زعيم حبد (شنيرسون) عنده تطلعات مشيحانية مهرطقة.

وموقف حبد من الصهيونية هو موقف دُعاة الصهيونية الإثنية الدينية (انظر الباب المعنون «الصهيونية الإثنية الدينية» ) . وهو موقف يتسم بالرفض المبدئي في البداية باعتبار أن الصهيونية هي تعجيل بالنهاية، ورفض لمشيئة الإله. ثم تدريجياً بدأ يتغيَّر الموقف بحيث يتم تأييد الدولة من خلال ديباجات دينية خاصة. وقد أصبحت حركة حبد من أكثر الحركات تطرفاً في التوسعية والعنصرية الصهيونية (على عكس حركة ناطوري كارتا) .
زلمان شنياءور (1747-1813 (
‏Zalman Sheneur
مؤسس حركة حبد المتفرعة من الحسيدية وتلميذ دوف بير. انضم إلى الحركة الحسيدية، وهو في سن العشرين، وأصبح منظرها الأساسي، واشترك في المناقشة المريرة مع المتنجديم. وقد قبضت عليه السلطات الروسية، بعد أن اتهمه أعداؤه من اليهود الحاخاميين بأنه يتآمر ضد الدولة، ولكن أُفرج عنه حينما ثبت أن التهم الموجهة ضده باطلة. وقد هرب زلمان شيناءور زلمان حينما قامت القوات الفرنسية تحت قيادة نابليون بغزو روسيا. ومن أهم كتبه كتاب هاتانيا، وهو كتاب حركة حبد الأساسي، ويضم تفسيرات للقبَّالاه. وقد صدر الكتاب في طبعته الأولى باسم ليقُّوطِّي إماريم (مقتطفات من الحكم) (1796) ، ولكن وُضعت على الغلاف كلمة «تانيا» وهي الكلمة الأولى في النص، وهي كلمة آرامية تعني «مُعلِّم» ، وعُرف الكتاب بهذا الاسم. وقد حاول شنياءور زلمان أن يخفف من حدة الحلولية اللوريانية بعض الشيء بإدخال عنصر عقلي. ولكن رؤيته تظل، مع هذا، حلولية انعزالية متعالية.
لوبافيتش
‏Lubavitch
قرية روسية بالقرب من موهيليف في روسيا، وهي المركز السابق لحركة حبد. ولا يزال رئيس جماعة حبد، الموجود الآن في نيويورك، يُدعَى حاخام لوبافيتش (باليديشية: لوبافيتشر ربي (
مناحم مندل اللوبافيتشي (1789 – 1866 (
‏Menahem Mendel of Lubavitch (Schneersohn Dynasty)

حاخام حسيدي، وقائد جماعة حبد قضى طفولته في منزل مؤسس الحركة شنياءور زلمان وبدأ في دراسة القبَّالاه في سن الثالثة عشرة. خلف ابن شنياءور زلمان في رئاسة الحركة وأعلن أنه تلقَّى تعاليم زلمان في أحد أحلامه بعد موته ودوَّنها هي وبعض أفكاره في كتاب يُسمَّى ليقُّوطِّي توراة. وقد أصبحت أسرة شنيرسون الأسرة الحاكمة لحركة حبد.
شنيرسون) أسرة (
‏Schneersohn Family
أسرة حسيدية شهيرة، ترأس أعضاؤها جماعة حبد، وهم من نسل الحاخام مناحم مندل لوبافيتش الذي تَزعَّم الحركة بعد وفاة زلمان شنياءور، مؤسس الحركة.
مناحم مندل شنيرسون (1902-1994 (
‏Menahem Mendel Schneersohn
حاخام حسيدي، وزعيم حركة حبد لوبافيتش، وشخصية أساسية في المؤسسة الحسيدية والدراسات القبَّالية، وهو من نسل شنياءور زلمان مؤسس حركة حبد، ومن أسرتها الحاكمة. درس الفرنسية والروسية والعلوم الطبيعية والفيزياء وتلقى تعليماً دينياً في مرحلة متأخرة من حياته، ثم تزوج من ابنة يوسف إسحق شنيرسون (زعيم حركة حبد) ، وصار من المعروف أنه سيخلف حماه في رئاسة الحركة. وبالفعل قام حموه بتعليمه وإعداده للاضطلاع بدوره القيادي وأطلعه على المخطوطات التي كتبها قواد حبد السابقون والتي لم تُكشَف لأتباع الحركة (كما جاء في الموسوعة اليهودية) . وقد درس شنيرسون الفلسفة في السوربون، كما درس الهندسة الكهربائية، وعُيِّن مهندساً في البحرية الأمريكية بعد هجرته إلى الولايات المتحدة. وفي عام 1950، خلف مناحم شنيرسون حماه في قيادة الحركة، وهو من موقعه هذا يتحكم في مئات المعاهد التربوية في أنحاء العالم، كما يأتي لمكتبه المئات يبحثون عن حل إما لمشاكلهم الشخصية أو للمشاكل العامة التي تواجه الجماعات اليهودية في العالم أو في دولة إسرائيل.

وموقف شنيرسون من إسرائيل يتسم بالجذرية، فهو يؤيد حق إسرائيل في كل إرتس يسرائيل ويعارض أي تنازل عن الأرض، ولكنه يتوجه بالنقد لإسرائيل بسبب تزايد معدلات العلمنة فيها، وخصوصاً في القطاع التعليمي، بل إنه ليصنف دولة إسرائيل باعتبارها جزءاً من المنفى. كما أنه يثير قضية الهوية اليهودية من آونة لأخرى، ومن وجهة نظره أن اليهودي هو من تَهوَّد حسب الشريعة، أي على يد حاخام أرثوذكسي. وتقوم حركة لوبافيتش تحت قيادته بحملة منظمة لنشر فكر حركة حبد التي يتبعها أسطول يُسمَّى «مدرعات المتسفاه» أو «مدرعات الأوامر والنواهي» . ويوجد دعاة للحركة في كل بقعة من الولايات المتحدة بين اليهود وحسب، لأنهم لا يقومون بالتبشير بين الأغيار، فهذا مناف للعقيدة اليهودية كما يرون. وتقوم الحركة بنشر عشرات الكتب والمؤلفات، ولم يقم شنيرسون بزيارة أي مكان في العالم، ومنه إسرائيل. وهو يرفض أي حوار مع الأديان الأخرى. وقد بدأ أتباعه يرون فيه أنه الماشيَّح. فقد أعطى إشارة البدء لبناء منزل له في كفر حباد (قرب تل أبيب) . وقد رأى الجميع في هذا أنه المخلِّص، فهو قد صرح بأنه لن يذهب إلى إسرائيل إلا لحظة الخلاص. ولذا، بدأ أتباعه يرددون: «نريد الماشيَّح الآن» ثم يضيفون كلمة «ممش» العبرية والتي تعني «واقعياً» ولكنها تضم أيضاً الحروف الأولى من اسم مناحم مندل شنيرسون. كما بدأ بعض أتباعه في إعداد حفل تتويج له باعتباره الماشيَّح. وقد صرح الحاخام إليعازر شاخ، الزعيم الروحي لحزب ديجيل هاتوراه (المناوئ للحسيديين) بأن شنيرسون مجنون وغير طبيعي وأنه المسيح الدجال، وهدد بطرده من حظيرة الدين (حيريم) . وقد مات شنيرسون دون أن يصل العصر المشيحاني.
لم يُخلِّف شنيرسون مؤلفات عديدة، ومن أهم مؤلفاته تعليق على هجاداه (عيد الفصح) . ولكن كثيراً من خطبه باليديشية تُرجمت إلى العبرية وظهرت في حوالي 30 مجلداً، كما نُشر 13 مجلداً من خطاباته.
حركة الموسار

‏Musar Movement
«حركة الموسار» حركة دينية ظهرت بين يهود ليتوانيا الأرثوذكس لتشجيع اليهود على دراسة الأدب الأخلاقي التقليدي (موسار) ولتهذيب الذات. وقد أسسها إسرائيل سالانتر. وتُعَد الحركة جزءاً من البعث الرومانسي في الغرب، فقد أكدت الجوانب العاطفية والروحية في الدراسة الدينية (مقابل الدراسة العقلية) . ونادى مؤسس المدرسة بأن دراسة التلمود لا تعصم الإنسان من الشرور، ولذا يجب إكمال الدراسة بالتأمل في أدب الموسار. وقد عُدِّلت مناهج المدارس التلمودية العليا (يشيفا) بحيث أصبحت تضم نصف ساعة مخصَّصاً لقراءة أدب الموسار. ويجب ألا يُفهم من هذا أن حركة الموسار كانت حركة تجديد وإصلاح بل هي بالأحرى حركة استمرار للترات الحاخامي مع محاولة إدخال عناصر حيوية عليه. وكان إسرائيل سالانتر (مؤسس الحركة) من غلاة المحافظين.
المعارضون (متنجِّديم9
‏Mitnaggedim
«متنجديم» كلمة عبرية معناها «المعارضون» ، أطلقها الحسيديون على أعضاء المؤسسة الحاخامية الذين تصدوا لحركتهم. أما مؤسسة الحاخامات، فقد عارضت الحسيدية لعد أسباب أهمها:
1 ـ وجود اتجاهات حلولية متطرفة شديدة الوضوح داخل الحسيدية، ولذلك فقد رأي المتنجديم أن المفهوم الحسيدي للإله ينفي عنه أي تسام أو تجاوز.
2 ـ موقف الحسيدية من الشر، وقد قال الحسيديون إن الشر غير موجود، فالشر نفسه قد التصقت به الشرارات الإلهية، وهي رؤية حلولية تتنافى تماماً مع التمييز بين الخير والشر.
3 ـ ويرتبط بهذا اعتراض المتنجديم على دور التساديك في الشفاعة عند الإله وفي الوساطة بينه وبين المخلوقات، وفي تمتعه بقوى خارقة. ومثل هذه الأفكار متسقة مع الفكر الحلولي.

4 ـ وقد اعترض المتنجديم أيضاً على أن الحسيديين أهملوا دراسة التوراة (والتلمود) التي هي الهدف الأساسي من وجود اليهود، وأنهم يكرسون وقتاً طويلاً في الاعداد العاطفي والنفسي للعبادة، بل يهملون العبادة نفسها، وأنهم يهملون مضمون الصلوات ويحولونها إلى تكأة أو وسيلة لتوليد حالة من الشطحة الصوفية. ويذهب المتنجديم إلى أن الأغاني التي يغنيها الحسيديون، والرقصات التي يؤدونها، أمر غير لائق تماماً.
5 ـ اعترض المتنجديم أيضاً على التعديلات الشعائرية المختلفة التي كان الحسيديون يحاولون عن طريقها تحقيق قدر من الاستقلال عن المؤسسة الحاخامية. ومن هذه التعديلات تَبنِّي فصل القبَّالاه السفاردي الذي كان يؤكد تَرقُّب الماشيَّح، والتعديل الذي أُدخل على الذبح الشرعي. وبطبيعة الحال، فقد وجد الحاخامات أن قيام الحسيديين بتأسيس معابد يهودية خاصة بهم يدعم شكوكهم. ولعل الحركة الفرانكية هي ما كان في ذهن الحاخامات حينما تصدوا للحسيدية. وفي الواقع، فإن ربطهم بين الفرانكية والحسيدية أمر منطقي للغاية، فكلتاهما تنبعان من القبَّالاه اللوريانية، وكلتاهما تدوران حول الموضوعات المشيحانية نفسها.

وقد تصاعد الصراع بين الفريقين بشدة عام 1772، حينما أصدرت المحكمة الشرعية الحاخامية التابعة لقهال فلنا، وبموافقة الحاخام إلياهو زلمان (فقيه فلنا) ، قراراً بطرد الحسيديين من حظيرة الدين (حيريم) . وأُرسلت نسخة منه إلى الجماعات اليهودية في بولندا وجاليشيا الشرقية، طالبةً من كل الحاخامات أن يتخذوا خطوات مماثلة. ورداً على هذا، قام أعضاء القيادة الحسيدية بالهجوم الشديد على علْم الحاخامات الزائف ومعرفتهم الجافة؛ ووصفوهم بأنهم حولوا التوراة إلى مجرد معول، وأداة يحصلون عن طريقها على المكانة الاجتماعية والربح المادي، وانعزلوا عن الجماهير وانشغلوا بالتفسيرات التي تتبع نمط البيلبول الذي لا فائدة تُرجى من ورائه. فنشر الحاخامات حظراً آخر يمنعون فيه أعضاء الجماعة اليهودية من التعامل مع الحسيديين، أو الزواج من أبنائهم وبناتهم، أو حتى دَفْن موتاهم. وكان فقيه فلنا قائد هذه الحملة. وحينما حاول زلمان شنياءور مقابلته، قوبلت محاولته بالرفض. وحينما ظهر كتاب شنياءور زلمان هاتانيا (1796) ، هاجمه الحاخام إلياهو باعتباره كتاباً يَصدُر عن رؤية حلولية. وحينما مات الحاخام إلياهو بعد ذلك بعام احتفل بعض الحسيديين سراً بالمناسبة، فقررت قيادة الجماعة اليهودية الانتقام منهم. وفي اجتماع سري، قرروا أن يدعوا الدولة الروسية، التي كانت قد ضمت ليتوانيا لتوها، للتدخل في معركتهم، واتهموا شنياءور زلمان بالقيام بأعمال تخريبية وجمع الأموال لأهداف مشبوهة. فقُبض عليه، وأُرسل مكبلاً بالأغلال إلى سانت بطرسبرج حيث سجن عدة أشهر، ثم أُفرج عنه بعد أن ثبتت براءته، ولكنه وُضع تحت المراقبة. وقد قام الحسيديون برد الصاع صاعين بعد عام واحد، وأدَّت وشايتهم لدى الدولة إلى القبض على بعض القيادات الحاخامية. وقد جاء دور المتنجديم مرة أخرى عام 1800، واتهموا الحسيديين بأنهم جماعة «لا تخاف إلا الإله ولا تخاف الإنسان» ، أي أنهم لا يخافون من

السلطة الروسية، فأُعيد القبض على شنياءور زلمان، وأُحضر إلى العاصمة حيث سُجن مدة أخرى وأُفرج عنه. ولم يتوقف الصراع المرير إلا بعد تَدخُّل الحكومة القيصرية التي أعطت الحسيديين الحق (عام 1804) في أن يقوموا بنشاطهم دون تَدخُّل من المؤسسة الحاخامية. وقد ساعد على فض الاشتباك تقسيم بولندا لأن المقاطعات الحسيدية ضُمَّت إلى النمسا في حين ضمت روسيا مقاطعات قيادتها أساساً من المتنجديم.
ومع هذا، فلا يزال الصراع دائراً حتى الآن، وله أصداؤه في الكيان الصهيوني. ويبدو أن حزب ديجيل هاتوراه يمثل المتنجديم والنخبة الليتوانية (الليتفاك) في مواجهة حبد والحسيديين الذين يمثلهم حزب أجودات إسرائيل. وقد سُئل الحاخام شاخ، الزعيم الروحي لديجيل هاتوراه، عن أقرب الديانات إلى اليهودية، فقال: حبد. وهي إجابة ساخرة تعني أنه لا يعتبر الحسيديين يهوداً.
أثر الحسيدية في الوجدان اليهودي المعاصر
‏Impact of Hassidism on the Contemporary Jewish Imagination
أثَّرت الحسيدية (بحلوليتها المتطرفة) في الوجدان اليهودي المعاصر تأثيراً قوياً، ففرويد العَالم النفساني النمساوي اليهودي، كان مهتماً بالحسيدية القبَّالية، ومن هنا كانت نظرياته في الجنس، وفي علاقة الذات بالكون. كما أن أدب كافكا متأثر بالحسيدية أيضاً. ويظهر تأثيرها واضحاً تماماً في أعمال مارتن بوبر وفلسفته التي تُوصَف بأنها «حسيدية جديدة» لأن الإله حسب هذه الفلسفة لا يحل في مخلوقاته ويؤثر فيها وحسب، بل إن مخلوقاته تؤثر فيه بدورها، ولذا يكتسب كلُّ فعل، مهما تدنَّى، دلالة كونية. كما أن بوبر كان يقدس الحسيديين بوصفهم جماعة عضوية مترابطة، أو شعباً عضوياً (فولك) ، فهذا هو نموذجه للشعب اليهودي. والتساديك بالنسبة له هو القيادة الكاريزمية للشعب العضوي.

ومع هذا، يمكننا الحديث عن جو نيتشوي عام في أوربا يتصاعد مع تصاعُد معدلات العلمنة وتآكل المنظومات الدينية المختلفة (مسيحية كانت أم يهودية) الأمر الذي يؤدي إلى تصاعُد معدلات الحلولية إلى أن نصل إلى نقطة وحدة الوجود الروحية والمادية والواحدية الكونية حيث تَمَّحي ثنائيات الخير والشر ويظهر التساديك الحسيدي أو سوبرمان نيتشه؛ قيادات كاريزمية تجسِّد الإرادة الكونية، وتقف وراء الخير والشر، تعيش في بساطة وتلقائية ونشوة، فكل ما تقوم به مقدَّس.
الحسيدية والصهيونية
‏Hassidism and Zionism
من المعروف أن معظم المفكرين والزعماء الصهاينة إما نشأوا في بيئة حسيدية، أو تعرَّفوا إلى فكرها الحلولي بشكل واع أو غير واع. بل إن الصهيونية ضرب من «الحسيدية اللادينية» أو الحسيدية داخل إطار حلولية بدون إله ووحدة الوجود المادية. والدارس المدقق يكتشف أن ثمة تشابهاً بين الحسيدية والصهيونية، فالجماهير التي اتبعت كلاًّ من الصهيونية والحسيدية كانت في وضع طبقي متشابه؛ أي جماهير توجد خارج التشكيلات الرأسمالية القومية بسبب الوظائف المالية والتجارية التي اضطلعت بها مثل نظام الأرندا. لذلك، نجد أن جماهير الحسيدية، شأنها شأن جماهير الصهيونية، تتفق على حب صهيون؛ الأرض التي ستشكل الميراث الذي سيمارسون فيه شيئاً من السلطة. كما قامت الحسيدية بإضعاف انتماء يهود اليديشية الحضاري والنفسي إلى بلادهم، وهذه نتيجة طبيعية لأية تطلعات مشيحانية الأمر الذي جعل اليهود مرتعاً خصباً للعقيدة الصهيونية. كما أن الحسيدية والصهيونية تؤمنان بحلولية متطرفة تضفي قداسة على كل الأشياء اليهودية وتفصلها عن بقية العالم. وفي الحقيقة، فقد كانت الهجرة الحسيدية التي تعبِّر عن النزعة القومية الدينية فاتحةً وتمهيداً للهجرة الصهيونية.

والصهيونية، مثل الحسيدية، حركة مشيحانية تهرب من حدود الواقع التاريخي المركب إلى حالة من النشوة الصوفية، تأخذ شكل أوهام عقائدية عن أرض الميعاد التي تنتظر اليهود. ويعتقد المفكر النيتشوي الصهيوني بوبر أنه لا يمكن بعث اليهودية دون الحماس الحسيدي، بل يرى أن الرواد الصهاينة قد بعثوا هذا الحماس.
ولكن الحسيدية تظل، في نهاية الأمر، حركة صوفية حلولية واعية بأنها حركة صوفية، ولذا فإن غيبيتها منطقية داخل إطارها، ولا تتجاوز أفعالها، النابعة من المشيحانية الباطنية، نطاق الفرد المؤمن بها وأفعاله الخاصة، أما سلوكه العام فقد ظل خاضعاً إلى حدٍّ كبير لمقاييس المجتمع. ولذا، ظل حب صهيون بالنسبة إلى هذه الجماهير حباً لمكان مقدَّس لا يتطلب الهجرة الفعلية. أما الصهيونية، فهي حركة علمانية، ذات طابع عملي حرفي. كما أن الفكرة الصهيونية لا تنصرف إلى السلوك الشخصي لليهودي وإنما إلى سلوكه السياسي. ولكي تتحقق الصهيونية، لابد أن تتجاوز حدودها الذاتية لتبتلع فلسطين، وتطرد الفلسطينيين بحيث يتحول حب صهيون إلى استعمار استيطاني. ومما لا شك فيه أن الحسيدية قد ساهمت في إعداد بعض قطاعات جماهير شرق أوربا لتتقبل الأفكار الصهيونية العلمانية الغيبية، عن طريق عزلها عن الحضارات التي كانت تعيش فيها، وإشاعة الأفكار الصوفية الحلولية شبه الوثنية التي لا تتطلب أيَّ قدر من إعمال العقل أو الفهم أو الممارسة. ولكن هذا لا يعني أن الحسيدية مسئولة عن ظهور الصهيونية، فكل ما هناك أنها خلقت مناخاً فكرياً ودينياً مواتياً لظهورها.

ومما يجدر ذكره أن بعض الحسيديين عارضوا فكرة الدولة الصهيونية وأسسوا حزب أجودات إسرائيل. ولكن بعد إنشاء الدولة، بل قبل ذلك، أخذوا يساندون النشاط الصهيوني، وهم الآن من غلاة المتشددين في المطالبة بالحفاظ على الحدود الآمنة و «الحدود المقدَّسة» و «الحدود التاريخية لإرتس يسرائيل» . ولكن هناك فرقاً حسيدية قليلة لا تزال تعارض الصهيونية ودولة إسرائيل بعداوة، من بينها جماعة ساتمار (ناطوري كارتا) . (انظر الباب المعنون «الصهيونية الإثنية الدينية» ) .

اليهودية المفاهيم والفرق - الفرق الدينية اليهودية - اليهودية الإصلاحية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

اليهودية الإصلاحية: تاريخ
‏Reform Judaism:History
«اليهودية الإصلاحية» فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر في ألمانيا، وانتشرت منها إلى بقية أنحاء العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة. وهي تُسمَّى أيضاً «اليهودية الليبرالية» و «اليهودية التقدمية» . وهذه المصطلحات ليست مترادفة تماماً، إذ يُستخدَم أحياناً مصطلح «اليهودية الليبرالية» للإشارة إلى اليهودية الإصلاحية التي حاولت أن تحتفظ بشيء من التراث. كما استُخدم المصطلح نفسه للإشارة إلى حركة دينية أسسها كلود مونتفيوري في إنجلترا عام 1901، وكانت متطرفة في محاولاتها الإصلاحية. أما مصطلح «اليهودية التقدمية» فهو مصطلح عام يشير إلى التيارات الإصلاحية كافة.

وظهور الحركات الإصلاحية في اليهودية يعود إلى أزمة اليهودية الحاخامية أو التلمودية التي ارتبطت بوضع اليهود في أوربا قبل الثورة الصناعية. فقد فشلت اليهودية كنسق ديني في التكيف مع الأوضاع الجديدة التي نشأت في المجتمع الغربي ابتداءً من الثورة التجارية واستمرت حتى الثورة الصناعية وبعدها، ثم واجهت أزمة حادة مع تصاعد معدلات العلمنة. وقد أدَّى سقوط الجيتو، ثم حركة الإعتاق السياسي إلى تصعيد حدة هذه الأزمة، إذ عرضت الدولة القومية الحديثة الإعتاق السياسي على اليهود شريطة أن يكون انتماؤهم الكامل لها وحدها، وأن يندمجوا في المجتمع سياسياً واقتصادياً وثقافياً ولغوياً، وهو ما كان يتعارض وبشكل حاد مع اليهودية الحاخامية التي عرَّفت الهوية اليهودية تعريفاً دينياً إثنياً، وأحياناً عرْقياً، وجعلت الانتماء اليهودي ذا طابع قومي. وقد استجاب اليهود إلى نداء الدولة القومية الحديثة، وظهرت بينهم حركة التنوير اليهودية، والدعوة للاندماج، واليهودية الإصلاحية جزء من هذه الاستجابة. وقد استفاد اليهود الإصلاحيون من فكر موسى مندلسون، ولكنهم استفادوا بدرجة أكبر من الأفكار والممارسات الدينية المسيحية البروتستانتية في ألمانيا (مهد كل من الإصلاح الديني المسيحي والإصلاح الديني اليهودي) .

وقد بدأ الإصلاح حين لاحَظ كثير من قيادات اليهود انصراف الشباب تدريجياً عن المعبد وعن الشعائر اليهودية بسبب جمودها وأشكالها التي اعتبروها بدائية متخلفة، فأخذوا في إدخال بعض التعديلات ذات الطابع الجمالي، من بينها تحويل المعبد من مكان يلتقي فيه اليهود للحديث والشجار إلى مكان للتعبد يتطلب التقوى والورع. وبدأت المواعظ الدينية تُلقَى بلغة الوطن الأم، وتغيَّر موضوعها، فبدلاً من أن تدور حول تفسير دقائق الشريعة، أصبحت تهدف إلى إنارة المصلين على المستوى الروحي. واختُزلت الصلاة نفسها عن طريق حذف قصائد البيوط وغير ذلك من الابتهالات والأدعية، واستُخدم الأرغُن والجوقة. وقد قام إسرائيل جيكوبسون بأول محاولة للإصلاح في المعبد الملحق بمدرسته عام 1810، ثم في بيته عام 1815، ثم افتتح أول معبد إصلاحي في هامبورج عام 1818.

وقد كانت كل هذه الإصلاحات ذات طابع شكلي وجمالي وقام بها أعضاء ليسوا جزءاً من المؤسسة الدينية. ولذا، لم تثُر ردة فعل حادة عند التقليديين برغم اعتراضهم على كثير منها، ولكن التغيرات بدأت تكتسب طابعاً عقائدياً واتجهت نحو إصلاح العقيدة نفسها، ومن ثم تغيَّرت طبيعة رد الفعل، وهو ما أدَّى في نهاية الأمر إلى انقسام اليهودية المعاصرة إلى فرق متعددة لا يعترف الأرثوذكس فيها بيهودية الآخرين. وقد اكتسبت حركة الإصلاح الديني دفعة قوية في ثلاثينيات القرن الماضي حين ظهر لفيف من الحاخامات الشباب الذين كانوا قد تلقوا تعليماً دينياً تقليدياً، وتعليماً دنيوياً في الوقت نفسه. وكانت هذه ظاهرة جديدة كل الجدة على اليهودية إذ كانت مقررات الدراسة في المدارس التلمودية العليا، حتى ذلك الوقت، تقتصر على الدراسات الدينية فحسب. ولكن، مع نهاية القرن الثامن عشر، فتحت حكومات فرنسا والنمسا وروسيا مدارس ذات مناهج مختلطة دينية ودنيوية. وقد التف هؤلاء الشبان حول المفكرين الدينيين الداعين إلى الإصلاح، مثل: أبراهام جايجر، وصمويل هولدهايم وكاوفمان كولر، الذين يرجع إليهم الفضل في وضع أسس اليهودية الإصلاحية. وتحولت مسألة تحديث الدين اليهودي أو إصلاحه إلى قضية أساسية في الأوساط اليهودية، ثم تبلورت الأمور كثيراً حين دعت أبرشية برسلاو المفكر اليهودي الإصلاحي جايجر ليكون حاخاماً لها (1839) . وحينما نُشرت الطبعة الثانية من كتاب صلوات اليهودية الإصلاحية عام 1841، رأى الأرثوذكس أن الوضع أصبح لا يحتمل الانتظار، وخصوصاً أن جايجر كان من كبار دعاة مدرسة نقد العهد القديم ومن مؤسسي علْم اليهودية. ورغم أن حركة النقد هذه تهدم العقيدة من أساسها وتفترض أن التوراة نتاج تاريخي من صُنْع الإنسان، فإن اليهودية الإصلاحية ارتبطت بها منذ البداية لتؤكد نسبية وتاريخانية الأفكار الدينية ظناً منها أن ذلك يسبغ شرعية على المشروع الإصلاحي.

وحتى يتمكن الإصلاحيون من طرح سائر القضايا وبلورة مواقف بشأنها، عقدوا عدة مؤتمرات إصلاحية في ألمانيا (ثم بعد ذلك في الولايات المتحدة) توصلت إلى صياغات محددة (وقد خرج زكريا فرانكل محتجاً من أحد هذه المؤتمرات وأنشأ التيار المحافظ) . وقد توقفت اليهودية الإصلاحية عن التطور الفكري في ألمانيا نفسها، ولكنها تحوَّلت إلى تيار قوي ورئيسي بين اليهود في الولايات المتحدة حين تَقبَّلها المهاجرون الألمان الذين اندمجوا في المجتمع الأمريكي، وكانوا يبحثون عن صيغة دينية جديدة تلائم وضعهم الجديد. وقد وجد هؤلاء المهاجرون في اليهودية الإصلاحية ضالتهم. وتبعتهم أعداد متزايدة من اليهود الأمريكيين حتى صارت، مع حلول عام 1888، كل المعابد اليهودية في الولايات المتحدة (والبالغ عددها 200) إصلاحية، باستثناء12معبداً.
ومن أهم مفكري اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة ديفيد أينهورن. ولكن أكبر المفكرين هو إسحق ماير وايز الذي أسس اتحاد الأبرشيات العبرية الأمريكية عام 1873، وكلية الاتحاد العبري عام 1875، والمؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين عام 1889. ويُعَدُّ مؤتمر بتسبرج الإصلاحي، الذي عُقد عام 1885، أهم نقطة في تاريخ اليهودية الإصلاحية إذ أصدر قراراته الشهيرة التي عبَّرت عن الإجماع الإصلاحي، وبلورت منطلقات الحركة. وقد انتقلت اليهودية الإصلاحية إلى المجر حيث يُطلَق عليها مصطلح «نيولوج» .

وتوجد معابد إصلاحية في حوالي 29 دولة تابعة للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية، ويبلغ عدد أتباع الحركة حوالي 1.25 مليون. لكن الولايات المتحدة لا تزال المركز الأساسي الذي يضم معظم أعضاء هذه الفرقة. وتوجد 848 إبراشية يهود إصلاحية في الولايات المتحدة، ويشكل الإصلاحيون 30% من كل يهود أمريكا المنتمين إلى إحدى الفرق اليهودية (مقابل 33% محافظين و9% و26% لا علاقة بهم أى فرقة دينية أرثوذكس) ومع هذا تذكر أحد المراجع أن عدد اليهود الإصلاحيين مليون و300 ألف. ويُلاحَظ ارتفاع نسبة الزواج المُختلَط بينهم أكثر من ارتفاعها بين أعضاء الفرق الأخرى، وإن كانت النسبة بين اليهود غير المنتمين دينياً أعلى كثيراً. ويُعَدُّ اليهود الإصلاحيون أكثر قطاعات اليهود تأمركاً. ويُلاحَظ أنه في الآونة الأخيرة، مع ازدياد تشدد اليهودية الإصلاحية وازدياد التساهل من جانب اليهودية المحافظة، تناقصت المسافة بينهما وبدأت الأبرشيات المحافظة والإصلاحية في الاندماج، وهذا الاندماج توافق عليه قيادات الفريقين ولا تُمانع فيه. ويقابل هذا تَباعُد مستمر عن اليهودية الأرثوذكسية. وقد صرح الحاخام ملتون بولين رئيس المجلس الحاخامي في أمريكا بأن التباعد بين الأرثوذكس من جهة والمحافظين والإصلاحيين من جهة أخرى آخذ في التزايد حتى أنه هو نفسه تحدَّث عن وجود يهوديتين مستقلتين.
ومن التنظيمات اليهودية الإصلاحية: المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين الذي يضم كل الحاخامات الإصلاحيين، واتحاد الأبرشيات العبرانية الأمريكية الذي يضم المعابد الإصلاحية وكلية الاتحاد العبري (المعهد اليهودي للدين) وهو معهد إصلاحي لتخريج الحاخامات، كما أن هناك اتحاداً عالمياً لليهودية الإصلاحية هو الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية.

وقد اعترفت روسيا باليهودية الإصلاحية باعتبارها مذهباً يهودياً. وبالفعل، توجد جماعة يهودية إصلاحية الآن لها مقر في موسكو. ويمكن أن نتوقع انتشار اليهودية الإصلاحية لأنها صيغة مخففة سهلة من العقيدة اليهودية تناسب تماماً يهود روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء ممن يودون التمسك بيهوديتهم وإظهارها والإعلان عنها حتى يتسنى لهم الهجرة إلى إسرائيل. ولكنهم، كباحثين عن اللذة، لا يريدون في الوقت نفسه أن يدفعوا أي ثمن عن طريق إرجاء المتعة أو كبح ذواتهم أو إقامة الشعائر. واليهودية الإصلاحية تحقق لهم كل هذا، فهي تتكيف بسرعة مع روح العصر، وكل عصر.
اليهودية الإصلاحية: الفكر الديني
‏Reform Judaism:Religious Thought

تشترك كل من الحركة اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة في أنهما تحاولان حل إشكالية الحلول الإلهي في الشعب اليهودي وفي مؤسساته القومية. فمثل هذا الحلول يجعل منهم شعباً مقدَّساً ملتفاً حول نفسه، يشير إلى ذاته دون الإشارة إلى شيء خارجه، وهذا أمر مقبول داخل إطار المجتمع التقليدي، المبني على الإرادة الذاتية للأقليات. وهو أمر مفهوم حينما كان اليهود يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية التي تعزل نفسها عن المجتمع لتلعب دورها المحايد. ولكن، مع ظهور الدولة القومية التي ترى نفسها مطلقاً فهي مرجعية ذاتها لا تقبل مرجعية متجاوزة لها أصبح من الصعب أن تتعايش نقطتان مطلقتان داخل المجتمع الواحد. ولذا، كان على أعضاء الجماعات اليهودية أن يتعاملوا بشكل أو بآخر مع الحلولية اليهودية التقليدية، وكان عليهم التوصل إلى صيغة حديثة لليهودية يمكنها التعايش مع الدولة القومية الحديثة المطلقة مع إصرارها على أن يعيد اليهودي صياغة ذاته ورؤيته حتى يدين لها وحدها بالولاء. وقد حاولت اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة حل إشكالية الشعب المقدَّس عن طريق تَبنِّي الحل الغربي للمشكلة وهو أن يكون الحلول الإلهي في نقطة ما في الطبيعة أو في الإنسان أو في التاريخ، بحيث يشكل المطلق ركيزة نهائية كامنة في هذه النقطة وغير متجاوزة لها. وقد ظهر العديد من هذه المطلقات الدنيوية أو الغيبيات العلمانية. ولكن الذي يهمنا هو المطلق الدنيوي الذي يُسمَّى «الروح» (جايست) في أدبيات القرن التاسع عشر في أوربا ( «روح المكان» أو «روح العصر» أو «روح الشعب» أو «روح الأمة» ) الذي حل محل الإله. وبينما آمن الإصلاحيون بروح العصر (بالألمانية: تسايت جايست Zeitgeist) ، آمن المحافظون بروح الشعب العضوي (فولك) .

وهذه الصياغة من الحلولية تلغي الإله كنقطة متجاوزة، فمصدر القداسة كامن في المادة. وبالنسبة لليهودية الإصلاحية، فهي توسع نطاق نقطة الحلول بحيث يصبح المطلق (روح العصر) إطاراً يضم كلاًّ من اليهود والأغيار. وبذلك تكون اليهودية الإصلاحية قد وصلت إلى صيغة معاصرة لليهودية تلائم العصر، وتتخلص من آثار الحلولية الحادة والجامدة التي كانت تدور في فلكها اليهودية الحاخامية والتي عزلت اليهود عن مجتمعاتهم وجعلت معتقداتهم الدينية عبئاً ينوءون بحمله، وجعلت تعايشهم مع المطلق الجديد (الدولة العلمانية الحديثة) مستحيلاً. ويمكن القول بأن جوهر مشروع اليهودية الإصلاحية هو محاولة نَزع القداسة عن كثير من المعتقدات الدينية اليهودية ووضعها في إطار تاريخي، وذلك حتى يتسنى التمييز بين ما هو مطلق ومتحرر من الزمان والمكان وبين ما هو نسبي ومرتبط بهما. وهي عملية نجم عنها تضييق نطاق المطلق والمقدَّس وتوسيع نطاق النسبي حيث يتمكن أعضاء الجماعات اليهودية المشاركة في الإيمان بالمطلقات القومية والصناعية والمادية في مجتمعاتهم الحديثة. ولذا، عدَّل الإصلاحيون فكرة التوراة، ـ بالنسبة لهم ـ مجرد نصوص أوحى الإله بها للعبرانيين الأولين، ولذا يجب احترامها كرؤى عميقة، ولكنها يجب أن تتكيف مع العصور المختلفة. فثمة فرق بين الوحي والإلهام، إذ أن الإلهام ليس خالصاً أو صافياً، فالبشر يصبغونه بعاداتهم ولغتهم فيختلط بعناصر تاريخية دنيوية. لكل هذا، يجب على اليهودي أن يحاول فهم وتفسير هذا الوحي، أو الإلهام من آونة إلى أخرى، وأن يُنفِّذ منه ما هو ممكن في لحظته التاريخية. وبهذا، يصبح للقانون الإلهي (الشريعة) السلطة والحق، طالما كانت أوضاع الحياة التي جاء لمعالجتها مستمرة. وعندما تتغيَّر الأوضاع، يجب أن يُنسَخ القانون، حتى وإن كان الإله صاحبه ومُشرِّعه، أي أن الشريعة فقدت سلطتها الإلزامية المطلقة وأصبحت روح العصر النقطة المرجعية

والركيزة النهائية. وللعهد القديم، على سبيل المثال، جانبان: أحدهما مقدَّس والآخر دنيوي. وقد سقطت فاعلية الجانب الثاني بهدم الهيكل، وسقط مع هذه العملية كل ما له علاقة بالهيكل أو الدولة، وبقي الجزء المقدَّس أو المطلق وحده. وبطبيعة الحال، لا يعترف اليهود الإصلاحيون بالشريعة الشفوية (التعبير المستمر عن الحلول الإلهي) . وحاول الإصلاحيون كذلك تأكيد الجانب العقائدي والأخلاقي على حساب الجانب الشعائري أو القرباني، فهم يرون أن اليهودية الحاخامية تدور في إطار الشعائر المرتبطة بالدولة اليهودية والهيكل، والتي لم تَعُد لها أية فعالية أو شرعية. كما تم استبعاد العناصر القومية الموجودة في الدين اليهودي والتي تؤكد قداسة اليهود وانعزالهم عن الأمم الأخرى (ولا تزال هذه العقلانية النسبية أو التاريخانية، التي تحاول تقييم التراث في ضوء المُعطَى التاريخي وترفض الانعزالية القومية والحلولية التقليدية، السمة الأساسية للتيارات الليبرالية والثورية في الفكر الديني اليهودي) .

ومع هذا، فإن اليهودية الإصلاحية، في محاولتها تطوير اليهودية، انتهى بها الأمر إلى أن خلعت النسبية على كل العقائد ونزعت القداسة عن كل شيء، أي أنها في محاولتها إدخال عنصر النسبية الإنسانية والتهرب من الحلولية، سقطت في نسبية تاريخية كاملة بحيث أسقطت كل الشعائر وكل العقائد تقريباً، أي أنها هربت من وحدة الوجود الروحية إلى وحدة الوجود المادية. وقد شبَّه بعض المؤرخين اليهودية الإصلاحية بحركة شبتاي تسفي، ويرون أنها الوريث العلماني المعاصر له. وهو تشبيه مهم وعميق ولكنه يعاني من بعض نقط القصور لأنه يُفسِّر نقط التشابه ولا يُفسِّر نقط الاختلاف. ونحن نرى أن الحلولية، حينما تصل إلى مرحلة وحدة الوجود الروحية، تتحول عادةً إلى حلولية بدون إله أو وحدة وجود مادية. ولعل شيئاً من هذا القبيل قد حدث داخل اليهودية، وحركة شبتاي تسفي هي مرحلة وحدة الوجود الروحية حيث يحل الإله في العالم (الإنسان والطبيعة) ويصبح لا وجود له خارجها، ومع هذا يظل يحمل اسم الإله، ويصبح كل ما في العالم تجلياً للإله. وتعقب هذه المرحلة مرحلة تغيير التسمية إذ يسقط اسم الإله ويُسمَّى بعد ذلك «قوانين الحركة» أو «روح العصر» وخلافه، وهذه هي مرحلة موت الإله. ولعل اليهودية الإصلاحية تعبير عن مرحلة انتقالية بين الشبتانية ووحدة الوجود الروحية ولاهوت موت الإله في الستينيات ومرحلة وحدة الوجود المادية، هذه المرحلة الانتقالية نسميها مرحلة شحوب الإله، فهو موجود اسماً ولكنه يتبدَّى من خلال عدد كبير من المطلقات الدنيوية (مثل روح العصر) . ولذا، نجد أن اليهودية الإصلاحية قد تحولت إلى ما يشبه دين العقل الطبيعي (الربوبية) ، فهي تؤمن بوجود قوة عظمى تعبر عن شيء باهت شاحب غير شخصي تطلق عليه كلمة «الرب» ، كما أنها تنكر سلطة التلمود، بل والتوراة نفسها، وتقرر الشعائر والعبادات بمجموعة من المؤتمرات والبيانات التي تتم الموافقة عليها بالتصويت والانتخابات

بالطرق الديموقراطية.
وفي ضوء منطلقات الفكر اليهودي الإصلاحي، يمكننا أن ننظر إلى التعديلات التي أدخلها زعماء الحركة الإصلاحية، على العبادة اليهودية وبعض المفاهيم الدينية، ومن أهمهم أبراهام جايجر (زعيم الجناح المعتدل) الذي يُشار إليه عادةً بلفظة «التقدمي» وديفيد فرايد لندر (زعيم الجناح الثوري) الذي يُشار إليه أحياناً بصفة «الليبرالي» . وقام الإصلاحيون بإلغاء الصلوات ذات الطابع القومي اليهودي، وجعلوا لغة الصلاة الألمانية (ثم الإنجليزية والولايات المتحدة) لا العبرية (ليتمشوا مع روح العصر والمكان) ، وأبطلوا كل الفوارق بين الكهنة واللاويين وبقية اليهود، وأدخلوا الموسيقى والأناشيد الجماعية، كما سمحوا باختلاط الجنسين في الصلوات، ومنعوا تغطية الرأس أثناء الصلاة أو استخدام تمائم الصلاة (تفيلين) ، ولقد تأثروا في ذلك بالصلوات البروتستانتية، وقام بعض الإصلاحيين ببناء بيت للعبادة أطلقوا عليه اسم «الهيكل» ، وكانت تلك أول مرة يُستخدَم فيها هذا المصطلح لأنه لم يكن يُطلَق إلا على الهيكل الموجود في القدس. ومعنى ذلك أن الإصلاحيين بتسميتهم معبدهم هذه التسمية الجديدة، كانوا يحاولون تعميق ولاء اليهودي إلى الوطن الذي يعيش فيه ويحاولون نقل الحلول الإلهي من مكان سيعودون إليه في آخر الأيام إلى مكان يرتادونه هذه الأيام. وعلى المستوى الفكري، أعاد الإصلاحيون تفسير اليهودية على أساس عقلي، وأعادوا دراسة العهد القديم على أُسُس علمية (فالعقل أو العلم هو موضع الحلول الإلهي أو المطلق في المنظومات الربوبية) ، ونادوا بأن الدين اليهودي أو العقيدة الموسوية (وهي التسمية الأثيرة لديهم) تستند إلى قيم أخلاقية تشبه قيم الأديان الأخرى. كما ركَّز الإصلاحيون على الجوهر الأخلاقي للتوراة، وكذلك الجوهر الأخلاقي لبعض جوانب التلمود، مهملين التحريمات المختلفة التي ينص عليها القانون اليهودي، وخصوصاً القوانين المتعلقة بالطعام

والكهانة، وقد سمحوا (مؤخراً) بترسيم حاخامات إناث. وأنكروا فكرة البعث والجنة والنار، وأحلوا محلها فكرة خلود الروح. وقد أسقطوا معظم شعائر السبت، وهم لا يحتفلون به في الوقت الحاضر في يوم السبت نفسه وإنما يختار أعضاء الأبرشية أي يوم في الأسبوع للاجتماع. وتأخذ الشعائر في هذه الحالة شكل صلاة قصيرة وقراءة بعض الفقرات من أي كتاب، بل حل بعض الكلمات المتقاطعة. ولعل هذا هو الانتصار النهائي لروح العصر. ويقوم أحد المتحدثين بإلقاء محاضرة في أي موضوع وينشدون النشيد الوطني لإسرائيل (هاتيكفاه) . وقد ازداد التكيف مع روح العصر تطرفاً، ولذا نجد أن اليهودية الإصلاحية قَبلت الشواذ جنسياً كيهود ثم رسَّمت بعض الشواذ جنسياً حاخامات، وأسَّست للشواذ جنسياً معابد إصلاحية معترفاً بها من قبَل المؤسسة الإصلاحية. ولعل هذا تعبير عن حلولية موت الإله أو حلولية بدون إله، وحلولية ما بعد الحداثة حيث تتساوى كل الأمور وتصبح نسبية. ونحن هنا لا نتحدث عن يهود أو أغيار وإنما نتحدث عن مجتمع أخذ الإنسان فيه يختفي تدريجياً بعد شحوب الإله وموته.
وقد عَدَّل الإصلاحيون بعض الأفكار الأساسية في الديانة اليهودية، فمثلاً نادى جايجر بحذف جميع الإشارات إلى خصوصية الشعب اليهودي من كل طقوس الدين وعقيدته وأخلاقه وأدبه، مطالباً بالتخلي عن الفكرة الحلولية الخاصة بالشعب المختار كلية. وقد حاولوا الإبقاء على هذه الفكرة، مع إعطائها دلالة أخلاقية عالمية جديدة، فجعلوا الشعب اليهودي شعباً يحمل رسالته الأخلاقية لينشرها في العالم حتى يستطيع من يشاء أن يؤمن بها. كما يؤكد الإصلاحيون أيضاً أن اليهود شُتتوا في أطراف الأرض ليحققوا رسالتهم بين البشر، وأن النفي وسيلة لتقريبهم من الآخرين وليس لعزلهم عنهم.

وأضفى الإصلاحيون على فكرة العودة والماشيَّح طابعاً إنسانياً إذ رَفَض ممثلوهم، في مؤتمر بتسبرج، فكرة العودة الشخصية للماشيَّح المخلِّص، وأحلوا محلها فكرة العصر المشيحاني، وهي فكرة تربط بين العقيدة المشيحانية وروح العصر. فالعصر المشيحاني هو العصر الذي سيحل فيه السلام والكمال ويأتي الخلاص إلى كل الجنس البشري وينتشر العمران والإصلاح ويتم كل هذا من خلال التقدم العلمي والحضاري. فالفكرة المشيحانية هنا فُصلَت تماماً عن الشعب اليهودي وعن شخص الماشيَّح وارتبطت بكل البشر وبالعلم الحديث.
اليهودية التقدمية
‏Progressive Judaism
«اليهودية التقدمية» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى كل الاتجاهات اليهودية الإصلاحية. وعادةً ما يُستخدَم مصطلح «تقدمي» بديلاً لمصطلح «إصلاحي» خارج الولايات المتحدة.
اليهودية الليبرالية
‏Liberal Judaism
بدأت الحركة اليهودية الليبرالية في إنجلترا في السنوات الأولى من القرن العشرين نتيجة الجهود المشتركة لليلي مونتاجو (1873 ـ 1963) وكلود مونتيفيوري (1851 ـ 1938) حين أسسا الاتحاد الديني اليهودي (1902) . وتنطلق اليهودية الليبرالية من أن اليهودية الإصلاحية لم تصل بالإصلاح إلى نتيجته المنطقية ولم تواجه القضايا الحقيقية، وأن اليهودية لابد أن يدخل عليها المزيد من الإصلاحات حتى لا تظل عبئاً على اليهود.

ونقطة الانطلاق بالنسبة لليهودية الليبرالية هي الإنسان (واحتياجاته النفسية) لا العقيدة الدينية (فالعهد القديم في تصوُّرها اجتهاد بشري وليس وحياً إلهياً) ولذا طرحت الليبرالية مفهوم الضمير الشخصي و «الوعي المستنير» ، وجعلت من حق كل يهودي أن يدرس العقائد والممارسات اليهودية، ثم يختار ما يحلو له منها، إذ أن من حق كل يهودي أن يقرر شكل اليهودية التي يؤمن بها، ويحدد مكوناتها (ولابد أن الإله سيسدد خطاه بطريقة ما) ، أي أنها عملية علمنة من الداخل. ولذا يذهب الفكر الديني الليبرالي إلى أن الأوامر والنواهي (متسفوت) مسألة اختيارية، قد يحتاج لها بعض الناس ليحققوا تطورهم الأخلاقي، ولكن الآخرين قد لا يحتاجون لها على الإطلاق. فالطعام المباح شرعاً يعتبر شكلاً من أشكال الانضباط الأخلاقي بالنسبة لمن يرون ذلك، أما من يودون تحقيق هذا الانضباط بطريقة أخرى، فهم في حلٍّ من أمرهم. وكلاهما له شرعيته من وجهة النظر الليبرالية.
ورغم هذا الانفتاح الكامل (الذي يقترب باليهودية الليبرالية من يهودية عصر ما بعد الحداثة) إلا أن ثمة طقوساً معينة فرضت نفسها على اتباع هذه الفرقة. فالصلاة في المعبد الليبرالي تشبه الصلوات في المعابد الإصلاحية فيجلس الرجال والنساء سوياً، ويجلس الرجال دون غطاء للرأس إن أرادوا. كما أبقى الليبراليون بعض الطقوس مثل النفخ في البوق (شوفار) في رأس السنة والصيام في يوم الغفران (يوم كيبور) وأكل خبز الماتساه غير المخمر في عيد الفصح. ويُلاحَظ أن الشعائر التي اختارها اليهود الليبراليون ذات طابع احتفالي، ولا تتطلب مشقة كبيرة، كما يمكن تطويعها لتتفق مع إيقاع العصر. فبالنسبة لشعائر السبت لا يمتنع اليهودي الليبرالي عن العمل ولكنه قد يوقد الشموع. ولكن حتى هذه الشموع يمكنه أن يوقدها بعد غروب الشمس، وليس قبله كما تنص الشريعة، إن وجد أن الالتزام بالشريعة سيسبب له ضيقاً.

وقد أسقط الليبراليون صوم التاسع من آب وغيره من أيام الصوم وهم لا يعتبرون عيد الأسابيع (شفوعوت) عيداً حيث إنهم لا يؤمنون بأن التوراة قد نزلت على موسى في سيناء. وتذهب اليهودية الليبرالية إلى أن اليهودي من وُلد لأم يهودية أو لأب يهودي أو رُبِّي تربية يهودية.
النيولوج
‏Neologue
«نيولوج» هو الاسم العرفي (غير الرسمي) الذي كان يُطلَق على أعضاء الجماعة اليهودية في المجر والمنتمين إلى اليهودية الإصلاحية. وقد ظهرت الاتجاهات الإصلاحية بين الجماعات اليهودية في المجر في أوائل القرن التاسع عشر والتي واجهت مساعيها وأنشطتها التنظيمية معارضة المؤسسة الأرثوذكسية. وبعد أن مُنح يهود المجر حقوقهم المدنية كاملة عام 1867، قدَّم زعماء طائفة النيولوج في مدينة بست، التي كانت تُعَدُّ مركز أقوى تجمُّع نيولوجي في المجر، مذكرة إلى وزير التعليم والشئون الدينية المجري بشأن الهيكل التنظيمي للجماعة اليهودية المجرية مقترحين عقد مؤتمر لممثلي يهود المجر دون إشراك الحاخامات، وذلك تفادياً لتَفجُّر الجدل حول المسائل العقائدية، وكذلك منعاً لتَدخُّلهم في الشئون التي تتعدى وظائفهم ومهامهم. وقد أصبح هذه الاتجاه، وهو اتجاه عارضه الأرثوذكس وكذلك بعض النيولوجيين، إحدى الركائز الأساسية في تنظيم الطائفة النيولوجية وتجمعاتها. وقد سُمح للحاخامات فيما بعد بحضور المؤتمر. وفي الانتخابات التي جرت داخل الجماعة، حقق النيولوجيون أغلبية في الأصوات إذ حصلوا على 57.5% مقابل 42.5% للأرثوذكس. وفي نهاية عام 1868، تم افتتاح المؤتمر اليهودي العام الذي كانت قضيته الأساسية مناقشة الهيكل التنظيمي للجماعة. وقد سادت المؤتمر خلافات حادة وجدل عنيف، وخصوصاً حول تحديد طبيعة أو ماهية الجماعة اليهودية في المجر، إذ أن النيولوجيين قد اعتبروا الجماعة «جماعة تعمل على تلبية الاحتياجات الدينية» في حين أصر الأرثوذكس على اعتبارها "جماعة من أتباع العقيدة

الموسوية الحاخامية والأوامر التي تم وضعها وتصنيفها في الشولحان عاروخ". ومن القضايا الأخرى التي أثارت الخلاف، المدرسة اللاهوتية للحاخامات التي كان من المزمع إقامتها بتمويل صندوق المدارس الذي أسسه الإمبراطور فرانسيس جوزيف الثاني من أموال الغرامة التي فُرضت على يهود المجر في أعقاب ثورة 1848. وفي النهاية، انسحب ثمانية وأربعون مندوباً أرثوذكسياً من المؤتمر، وتم التصديق على قرارات المؤتمر. وقد نجح الأرثوذكس فيما بعد في تنظيم إطار خاص بهم، وذلك بعد حصولهم على تصريح بذلك من الإمبراطور.

وقد سعى النيولوجيون إلى توحيد الطائفتين النيولوجية والأرثوذكسية ولكن دون جدوى. ومع ذلك، كان لسعيهم في هذا الاتجاه أثر في عدم تطبيقهم أية إصلاحات راديكالية في الطقوس الدينية وتَبنِّيهم توجهاً محافظاً. وإلى جانب ذلك، ظل هناك خلاف داخل المعسكر النيولوجي نفسه، فمنذ عام 1848 سعى بعض أعضاء الطائفة إلى تأسيس معبد إصلاحي، ولكن المخاوف داخل الطائفة من أن تتسبب هذه الخطوة في إحداث انشقاق نهائي بين الجماعة اليهودية، أدَّت إلى حصولها على أمر من السلطات بتصفية هذه المنظمة الإصلاحية الصغيرة عام 1852. وفي عام 1884، حاولت مجموعة أخرى تأسيس جماعة إصلاحية ولكن المكتب القومي للنيولوجيين تَدخَّل مرة أخرى لمنعهم. أما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد شكلت الطائفة النيولوجية نقطة جذب ليهود المجر الذين تباعدوا تماماً عن العقيدة اليهودية ولكنهم لم يجدوا قبولاً بعد داخل المجتمع المجري المحيط. وخلال الفترة التي عاش فيها يهود المجر في عزلة اجتماعية واقتصادية (1938 ـ 1944) ، نشطت الطائفة النيولوجية، وخصوصاً في المجالات التعليمية والخيرية، كما انضمت إليهم بعض العناصر الصهيونية بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن هذا التطور لم يستمر حيث تم مَنْع النشاط الصهيوني عام 1949. وفي عام 1950، تم توحيد الطائفتين النيولوجية والأرثوذكسية بقرار من النظام الشيوعي.
المؤتمرات الحاخامية
‏Rabbinical Conferences
«المؤتمرات الحاخامية» هي مجموعة من المؤتمرات التي عُقدت في ألمانيا، في منتصف القرن التاسع عشر، لمحاولة التصدي للمشاكل الناجمة عن التحديث وإعتاق اليهود وتَساقُط الجيتو وتَصاعُد معدلات العلمنة، وكلها أمور أدَّت إلى تفاقم أزمة اليهودية. وقد عقد أبراهام جايجر مؤتمراً عام 1837 في وايسبادن لمناقشة آرائه في الإصلاح الديني، ولكنه لم يتوصل إلى أية نتائج عملية. وعُقدت بعد ذلك المؤتمرات التي صاغت منطلقات اليهودية الإصلاحية:

1 ـ مؤتمر برونزويك (12 ـ 19 يونيه عام 1844) . وقد حضره 24 حاخاماً معظمهم من الإصلاحيين، من بينهم جايجر وهولدهايم. وكان ضمن قراراته إلغاء صلاة كل النذور، وتأكيد أن اليهود يعتبرون البلاد التي يعيشون فيها أوطانهم وبلاد آبائهم. ووافق المؤتمر على الزواج المختلط شريطة أن يكون النسل يهودياً.
2 ـ مؤتمر فرانكفورت (16 ـ 28 يوليه عام 1845) . وقد حضره 38 حاخاماً يمثلون أفكاراً إصلاحية ومحافظة. وقد بدأت الاختلافات بين التقليديين والإصلاحيين تظهر ثم تتضح، فتم الاتفاق على ضرورة الاحتفاظ بالعبرية في الصلاة، ولكن الفريقين اختلفا حول حجم الجزء العبري. وقد نجح الفريق الإصلاحي في فرض موقفه، كما نجح في اتخاذ قرار بشأن إلغاء الأدعية الخاصة باستعادة العبادة القربانية، الأمر الذي أدَّى إلى انسحاب زكريا فرانكل وأتباعه. وقد وافق المؤتمر على إدخال الأرغُن في المعبد اليهودي.
3 ـ مؤتمر برسلاو (13 ـ 24 يوليه عام 1846) . وقد حضره 22 حاخاماً، كلهم إصلاحيون تقريباً. وقد عدَّل المؤتمر قوانين السبت وخفَّف من حدتها، بالذات بالنسبة إلى الجنود والموظفين العموميين، وأُلغى اليوم الثاني في الأعياد. وحاول المؤتمر أن يُعدل طريقة الختان بحيث تتفق وقواعد الصحة الحديثة، وأُبطلت بعض عادات عند اليهود، مثل تمزيق الملابس، والجلوس على الأرض إعلاناً للحداد، وإطلاق اللحية. وقد زادت قرارات المؤتمر من حدة الخلاف، إذ أن التقليديين اعتبروها قرارات متطرفة في حين اعتبرها الإصلاحيون الثوريون محافظة أكثر من اللازم. وقد توقفت المؤتمرات بعد ذلك في ألمانيا، ولكنها استمرت في الولايات المتحدة التي أصبحت أهم مركز لليهودية الإصلاحية.

4 ـ مؤتمر فيلادلفيا (3 ـ 6 نوفمبر عام 1869) . وقد حضره 12 حاخاماً إصلاحياً، واتُخذت قرارات بضرورة إنهاء بقايا التفرقة بين الكهنة واليهود العاديين، وتأكيد رسالة إسرائيل للعالم، وقبول الشتات، أي انتشار الجماعات اليهودية في العالم، لا باعتباره عقاباً وإنما كوسيلة لإنجاز هذه الرسالة، وإنكار فكرة البعث والإصرار على أن تكون الصلاة بلغة الوطن.
5 ـ مؤتمر بتسبرج (16ـ 18 نوفمبر عام 1885) . وقد حضره 18 حاخاماً إصلاحياً. وهو المؤتمر الذي أصدر قرارات بتسبرج الشهيرة التي أصبحت تشكل إطار اليهودية الإصلاحية. وقد رفضت القرارات الشعائر الاحتفالية التي لم يَعُد لها معنى أخلاقي، وكذلك فكرة عودة اليهود إلى فلسطين واستعادة العبادة القربانية، وأكدت القرارات الإيمان بخلود الروح (مقابل فكرة البعث) والدعوة إلى حل القضايا الاجتماعية على أساس من العدل والتقوى. وقد أشارت القرارات إلى أنه لا يوجد أي شيء في روح اليهودية أو قوانينها يمنع من أن تتم احتفالات نهاية الأسبوع يوم الأحد بدلاً من السبت (إذا رأت الجماعة ذلك) .
وقد تم تأسيس أول تنظيم للحاخامات الإصلاحيين بعد مرور أربعة أعوام من مؤتمر بتسبرج، وهو المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين، والذي يعقد اجتماعاته سنوياً. كما تم تأسيس تنظيمات لحاخامات الفرق الأخرى، وهي تعقد اجتماعات سنوية تناقش كل ما قد يظهر من أسئلة وقضايا دينية.
المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين
‏Central Conference of American Rabbis

منظمة تضم الحاخامات الإصلاحيين في الولايات المتحدة وكندا أسسها إسحق ماير وايز عام 1889. وقد ساهمت هذه المنظمة في إعداد كُتب صلوات للجماعات اليهودية التي تتبع اليهودية الإصلاحية، وهي كتب تتَّسم باختفاء النزعة القومية والبُعد عن استخدام اللغة العبرية. وكان المؤتمر في بادئ الأمر محايداً بل معادياً للصهيونية. وفي الثلاثينيات، بدأ المؤتمر يغيِّر اتجاهه، ويتخذ موقفاً أكثر تفهماً وتعاطفاً مع الحركة الصهيونية، حتى أعلن برنامج كولومبوس عام 1947 الذي أكد أن من واجب كل يهودي أن يساهم في تعمير فلسطين، لا كملجأ للمحتاجين وحسب بل كمركز لليهودية في العالم. وقد انعكس هذا الاتجاه الفكري الجديد على التعديلات القومية التي أُدخلت على كتب الصلوات التي أصدرها المؤتمر مؤخراً. ولا يزال المؤتمر يطالب بفصل الدين عن الدولة في الولايات المتحدة وإسرائيل. والمؤتمر يعقد اجتماعاً سنوياً.
اتحاد الأبرشيات العبرية الأمريكية
‏Union of American Hebrew Congregations
أسسه إسحق ماير وايز في مدينة سنسناتي بولاية أوهايو الأمريكية عام 1873، وهو هيئة يهودية إصلاحية. وقد كان هذا الاتحاد يضم عند تأسيسه 28 معبداً يهودياً. وفي عام 1967، كان يضم 650 فرعاً، بعضوية تزيد على المليون عضو، ووصل عددهم في 1980 إلى نحو 730 فرعاً. وقد انتقل المقر الرئيسي إلى نيويورك عام 1951. وتم تأسيس كلية الاتحاد اليهودي عام 1875 تحت إشراف الاتحاد.

والأقسام الأساسية للاتحاد، والتي تم تنظيمها بالاشتراك مع المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين، هي: قسم التربية، وقسم الوسائل السمعية والبصرية، وقسم إدارة المعابد اليهودية، وقسم الأبرشيات الجديدة، وقسم الإعلان، وقسم خدمات المعابد، وقسم العلاقات مع الأديان الأخرى. وقد قسم الاتحاد إلى 16 منطقة لكل منها مدير ومجلس إقليمي. ويدير الاتحاد المجلس التمثيلي الذي ينعقد على شكل مؤتمر كل سنتين، وهناك مجلس قومي للأوصياء. والاتحاد جزء من الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية، ويُصدر الاتحاد منشورات من بينها مجلة اليهودية الأمريكية ومجلة المعلم اليهودي.
كلية الاتحاد العبري ـ المعهد اليهودي للدين
‏Hebrew Union College-Jewish Institute of Religion

معهد ديني يهودي أسسه إسحق ماير وايز عام 1875 في سنسناتي بولاية أوهايو الأمريكية لدعم اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة، ودفعها إلى الأمام. وقد أسس ستيفن وايز المعهد اليهودي للدين في نيويورك عام 1922 لتحقيق الأهداف نفسها. واتحدت المدرستان عام 1950 تحت اسم كلية الاتحاد العبري ـ المعهد اليهودي للدين. وكان من بين رؤسائها: ستيفن وايز، وإسحق وايز، وكولر كوفمان. ويتخرج في هذه المدرسة الموحدة نحو 30 حاخاماً في السنة بعد خمس سنوات دراسية. وقد خرَّجت مدرسة سنسناتي ما يربو على ستمائة حاخام. وقد خرجت مدرسة نيويورك أكثر من مائتين وخمسين حاخاماً. وتغطي مدرسة سنسناتي مساحة تساوي 18 هكتاراً تقريباً، وتحتوي مكتبتها على 140.000 كتاب، و3.000 مخطوط، و3.000 مخطوط للموسيقى. وهي تنشر كتاباً سنوياً ودراسات في الببليوجرافيا وأخبار الكتب. وفي سنة 1947، أسست المدرسة الأرشيف اليهودي الأمريكي، الذي يهدف إلى تطوير دراسة تاريخ اليهود في الولايات المتحدة. ويتبع المعهد كذلك متحف لبعض المقتنيات المهمة من وجهة النظر اليهودية. وتشمل المدرسة التي مقرها نيويورك مدرسة الاتحاد اليهودي للتربية لإعداد مديري المدارس والمدرسين للعمل بالتعليم الديني اليهودي، كما تضم مدرسة الاتحاد اليهودي للموسيقى الدينية التي تدرِّب المرتلين بعد أربع سنوات من الدراسة. وتضم مكتبتها ما يزيد على 50.000 كتاب. ولكلية الاتحاد اليهودي مركز فرعي في القدس.
الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية
‏World Union for Progressive Judaism

منظمة أُسِّست في لندن عام 1926 للتنسيق بين مجموعات اليهود الإصلاحيين ولتأسيس مراكز جديدة لليهودية الإصلاحية. ويعقد الاتحاد مؤتمراً عالمياً لمناقشة موضوع بعينه. وقد أسس الاتحاد في سنة 1955 مركزاً عالمياً للدراسات الدينية والتدريب في باريس للحاخامات التقدميين الإصلاحيين. وتتبع الاتحاد مؤسسات في 18 بلداً، كما يتبعه نحو مليوني عضو. ولقد تم الاعتراف بالاتحاد كمنظمة استشارية غير حكومية في الأمم المتحدة واليونسكو.
ديفيد فرايدلاندر (1750-1834 (
‏David Freidlander
زعيم يهودي إصلاحي، وُلد في ألمانيا حيث أسس مصنعاً للحرير. وهو أحد مؤسسي مدرسة برلين الحرة (عام 1778) التي أصبحت نموذجاً للمدارس العلمانية اليهودية. حارب فرايدلاندر ليحصل أعضاء الجماعات اليهودية على حقوقهم المدنية في بروسيا. وبعد موت صديقه الحميم مندلسون، تولى زعامة حركة التنوير اليهودية، وكان أول يهودي يُنتخَب لمجلس مدينة برلين عام 1809. وقد كان فرايدلاندر يهدف إلى اندماج اليهود بشكل كامل في الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، ولذلك فإنه كان يطالب اليهود بالتخلي عن التلمود وبعض الشعائر اليهودية التي تعوق هذا الاندماج، كما طالبهم باتخاذ الألمانية، لا العبرية ولا اليديشية، لغة لهم. بل إنه كان أحد المفكرين اليهود القلائل الذين نادوا بالتخلي عن عقيدة الماشيَّح التي تسببت في عزل اليهود عن العالم غير اليهودي. وكان فرايدلاندر يرى أن المسألة اليهودية في شرق أوربا لا يمكن حلها إلا عن طريق الإصلاحات التي تؤدي إلى الاندماج. كما أعرب فرايدلاندر في خطاب له عن استعداد عدد كبير من يهود برلين لأن يتقبلوا المسيحية إذا لم يُطلَب منهم الإيمان بعقائد تتنافى مع العقل (مثل عقيدة الابن) .
إسرائيل جيكوبسون (1768-1828 (
‏Israel Jacobson

رائد اليهودية الإصلاحية. كان جيكوبسون رئيس المجلس اليهودي في مملكة وستفاليا النابليونية، كما كان من كبار المموِّلين. عمل من أجل إصلاح التعليم اليهودي وطقوس المعبد اليهودي. أسس في زيزن (في مقاطعة برونزويك) مدرسة جيكوبسون للطلبة اليهود والمسيحيين عام 1801. وفي عام 1810، هيأ بيته ليكون معبداً يهودياً إصلاحياً على غرار الكنائس البروتستانتية، فزوده بالأرغن. وكانت تُلقَى فيه العظات بالألمانية. وبنى أول معبد إصلاحي في هامبورج عام 1818، كما نشر كتاباً جديداً للصلوات.
ليوبولد زونز (1794-1886 (
‏Leopold Zunz
عالم ألماني. مؤسس علْم اليهودية، وأول من استخدم المناهج الأدبية والتاريخية الحديثة في دراسة الكتابات اليهودية. وكان زونز يؤمن بأن إصلاح اليهودية يجب أن يحتفظ بما يُسمَّى «الهوية اليهودية التاريخية الأساسية» ، وهي هوية لا تتخذ شكلاً جامداً، وإنما هي قوة حيوية متطورة. وفي كتابه احاديث اليهود الدينية، حاول أن يبرهن على هذه النظرية، فبيَّن أن اليهودية تواءمت دائماً مع متطلبات الزمان والمكان، ولكن التغيير الذي كان يطرأ عليها لم يغيِّر جوهرها نفسه. والواقع أن موقفه لا يختلف في أساسياته عن موقف اليهودية المحافظة. وبالفعل، نجده يقف موقفاً وسطياً معتدلاً في المعركة الدائرة بين اليهودية الإصلاحية واليهودية الأرثوذكسية.
صمويل هولدهايم (1806-1860 (
‏Samuel Holdheim

زعيم اليهودية الإصلاحية. تلقَّى تعليماً تقليدياً، وترأس منذ عام 1847 الجماعة الإصلاحية في برلين. ويُعَدُّ هولدهايم من أشد الإصلاحيين تطرفاً وثورية، فقد كان يؤمن إيماناً عميقاً بفكرة التقدم، ولذا فقد طالب بأن تتكيف اليهودية مع الأوضاع الجديدة في المجتمعات الغربية الحديثة بإدخال تغييرات أساسية تنادي بالاحتفال بيوم السبت في يوم الأحد، كما طالب بالسماح لبعض الفئات بالعمل فيه، وإلغاء اليوم الثاني من الأعياد، وعدم التمسك بالختان، وذلك على اعتبار أن الجوانب الشعائرية انتهت بسقوط الهيكل والكومنولث اليهودي. ولذا، ينبغي التخلي عن كل ما له علاقة بالهيكل أو بالدولة اليهودية القديمة.
سولومون فورمستشر (1808 - 1889)
‏Solomon Formstecher
حاخام ومفكر ديني ألماني يهودي، وأحد قادة حركة اليهودية الإصلاحية. اشترك في المؤتمرات الحاخامية المختلفة التي تناولت قضية اليهودية في العصر الحديث، وكتب عدة دراسات عن فلسفة الدين، ويُعَدُّ مؤلفه ديانة الفكر (1841) أهم مؤلفاته التي يصف فيها اليهودية بأنها ليست ديانة طبيعية (أي متمركزة حول الطبيعة) وإنما ديانة فكر عالمية ترى أن الإله يتجاوز الطبيعة، وأنه الحقيقة المطلقة ومصدر القيم. ويقصد فورمستشر بالفكر التحقق التاريخي الواعي للمطلق. وإذا كانت الديانة عموماً هي طموح الإنسان لأن يكون له عالمه الخاص من القيم، فإن ديانة الفكر هي طموحه لتجسيد المثال الأخلاقي المطلق. والأمة اليهودية هي التي تقوم بهذه العملية، فهي تجسيد للمطلق في التاريخ. فهي التي بدأت بالتوحيد. بل إنه يرى أن المسيحية والإسلام إن هما إلا أداتان للأمة اليهودية تستخدمهما للقضاء على ديانات الطبيعة الوثنية التي تؤمن بالخالق لا كمبدأ مطلق متجاوز للطبيعة وإنما كمبدأ طبيعيّ.

ويذهب فورمستشر إلى أن التوحيد في الإسلام والمسيحية ليس كاملاً كما هو الحال مع اليهودية، وإنما هو توحيد مختلط تمتزج فيه العناصر الوثنية بالعناصر التوحيدية، وبذا تظل الأمة اليهودية التعبير الوحيد الصافي عن المطلق.
والمصطلح الذي يستخدمه فورمستشر هو الخطاب الألماني الرومانتيكي. وقد وظِّف للتعبير عن بعض الموضوعات الأساسية في التراث القبَّالي الحلولي الذي جعل الأمة اليهودية جزءاً من الإله يوجد في العالم ويتركز فيه الغرض الإلهي. ولذا، فإن حديث فورمستشر عن التوحيد يتنافى تماماً، لا مع التراث الديني اليهودي الذي تسري فيه الحلولية، وإنما مع خطابه الحلولي المتطرف نفسه.
ديفيد آينهورن (1809-1879 (
‏David Einhorn
حاخام يهودي إصلاحي من أصل ألماني. عُرف بآرائه الثورية، فطالب بإدخال اللغة الألمانية في الصلاة، وأنكر أية سلطة مقدَّسة للتلمود. هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1855، وهو العام الذي عقد فيه إسحق وايز مؤتمر الحاخامات في كليفلاند، والذي اتخذ قرارات إصلاحية معتدلة تهدف إلى خلق نوع من الوحدة بين الاتجاهات الإصلاحية المختلفة. وقد اعتبر أينهورن هذا خيانة للاتجاه الإصلاحي، فهاجم قرارات المؤتمر، وبذا بدأت العداوة المريرة بينه وبين وايز. وقد شرح أينهورن أفكاره في مجلته التي كانت تَصدُر بالألمانية (1856 ـ 1862) ، وفي كتاب الصلوات الذي ألفه (وكان يُعَدُّ كتاباً جديداً تماماً لا علاقة له بكتب الصلوات المعروفة) .

هاجم أينهورن مؤسسة العبودية في الولايات المتحدة ودعاة الحفاظ عليها، فاضطر إلى الفرار عام 1861 من بلتيمور، ومنها إلى نيويورك حيث أصبح حاخام معبد بيت إيل الشهير. وقد كان له تأثير واضح على مقررات مؤتمر فيلادلفيا الحاخامي عام 1869، كما أن أفكاره تركت أثراً عميقاً في اليهودية الإصلاحية من خلال زوج ابنته كاوفمان كولر، واضع مقررات مؤتمر بتسبرج. كما أن كتاب الصلوات الذي وضعه ترك أثراً واضحاً في كتاب الصلوات الذي تبنته الحركة الإصلاحية في الولايات المتحدة.
أبراهام جايجر (1810-1874 (
‏Abraham Geiger
عالم يهودي ألماني، تَزعَّم الحركة اليهودية الإصلاحية في ألمانيا. حاول أن يدخل على اليهودية مفاهيم معاصرة أقل قَبَلية وأكثر عالمية من المفاهيم السائدة في عصره، ودعا إلى عقد أول مؤتمر للحاخامات الإصلاحيين عام 1837، وأسس في برلين مدرسة لدراسة علم اليهودية، واستمر في التدريس فيها حتى وفاته.
وقد ذهب جايجر إلى أن اليهودية دين له رسالة عالمية شاملة وليست مقصورة على شعب من الشعوب. ولذلك، فقد ركز هجومه على فكرة الختان، وقوانين الطعام، وعلى عقيدة الشعب المختار، وعلى تصوُّر أن اليهود يكوِّنون شعباً عالمياً، وعلى استخدام العبرية في المعبد اليهودي. كما هاجم كل المفاهيم ذات النزعة الدينية الخصوصية. ومع هذا، كان جايجر يحاول قدر استطاعته، على عكس هولدهايم، أن تكون التغييرات إصلاحية وليست ثورية، وأن تكون لها سوابق تاريخية، وأن تكون ذات جذور في التراث (ومن هنا كان اهتمامه بالدراسة التاريخية النقدية اليهودية) . وتظهر روحه الإصلاحية في كتاب الصلوات الذي نشره عام 1854 حيث اختفت كل الإشارات إلى العودة لأرض الميعاد وفكرة الاختيار. ومن أهم أعماله، بعض الدراسات التاريخية الخاصة بتطوراليهودية والعهد القديم وترجماته، كما كتب دراسة في أعمال موسى بن ميمون ويهودا اللاوي.
إسحق ماير وايز (1819-1900 (
‏Isaac Mayer Wise

زعيم اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة، وأهم مؤسسيها. وُلد في بوهيميا بتشيكوسلوفاكيا، وتأثر بأفكار حركة الاستنارة الفرنسية. هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1846، وعند وصوله أصبح حاخاماً في مدينة أولباني في ولاية نيويورك حيث أدخل كثيراً من الإصلاحات على الصلاة اليهودية، مثل السماح بالاختلاط بين الجنسين، كما أدخل أغاني الجوقة. ثم قبل وايز منصب حاخام في سنسناتي في ولاية أوهايو الأمريكية عام 1854 وبقي فيها بقية حياته. وبعد وصوله مباشرة، بدأ في نشر مجلة الإسرائيلي التي عُرفت فيما بعد باسم الإسرائيلي الأمريكي، وكانت تُصدر ملحقاً بالألمانية.
وفي عام 1855، نجح في عقد مؤتمر لزعماء اليهودية الأمريكية، ومن بينهم الأرثوذكس، بهدف إقامة سلطة دينية، أو مجلس ديني موحَّد. ولكن المحاولة فشلت لأن الأرثوذكس لم يثقوا في نواياه، أما الإصلاحيون فهاجموه بسبب عدم وضوحه. وقد حاول وايز مرة أخرى أن يحتفظ بالوحدة في صفوف يهود أمريكا فنشر عام 1856 كتاب صلاة بعنوان منهاج أمريكي، ولكنه رُفض أيضاً من الطرفين. وأثناء الحرب الأهلية، أخذ وايز موقفاً ممالئاً لدعاة الحفاظ على مؤسسة العبودية. وقد ساهم في إقامة مؤسسات اليهودية الإصلاحية، وخصوصاً كلية الاتحاد العبري (1875) التي عُيِّن رئيساً لها حتى وفاته.
ومع هذا، يبدو أن جذور اليهودية الإصلاحية في أمريكا تعود إلى عدوه أينهورن، فمقررات مؤتمر بتسبرج كانت من صُنع كاوفمان كولر زوج ابنة أينهورن، كما أن كتاب الصلوات الإصلاحي يستند إلى كتاب الصلوات الذي وضعه أينهورن لا إلى كتاب وايز.
صمويل هيرش (1815-1889 (
‏Samuel Hirsch

حاخام ومؤلف ألماني يهودي، وأحد أعلام حركة اليهودية الإصلاحية. تَلقَّى تعليمه في ألمانيا حيث عمل فيها حاخاماً عام 1841، ولكنه اضطر إلى الاستقالة بعد عامين بسبب أفكاره الإصلاحية المتطرفة. وقد عينه ملك هولندا حاخاماً أكبر لدوقية لوكسمبورج، فاستمر في عمله لمدة عشرين عاماً (وقد انتهز هيرش هذه الفرصة وكتب عدة دراسات علمية واشترك في عديد من المؤتمرات الحاخامية حيث دافع عن الإصلاح الديني) . وفي عام 1886، انتقل هيرش إلى الولايات المتحدة ليعمل حاخاماً لأبرشية اليهود الإصلاحيين في فلادلفيا وترأس المؤتمر الحاخامي الذي عُقد في هذه المدينة عام 1869، والذي وضع مبادئ اليهودية الإصلاحية. كما أسس أول فرع لجماعة الأليانس في الولايات المتحدة. وكتابه فلسفة دين اليهود (حسبما جاء في الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية) يظهر فيه بشكل ظاهر منهج هيجل وغايته من التفلسف حيث يقول إن قوام فلسفة الدين تحويل الوعي الديني إلى حقيقة فلسفية. لكن هيرش يختلف مع هيجل في تقديمه للحقيقة الدينية حيث يجعلها صنواً للحقيقة الفلسفية.

ويرى هيرش أن الإنسان لا يعي نفسه كذات إلا عندما يعي حريته، وتظل هذه الحرية تصوراً لا يتحقق إلا في حالة الإيمان بالإله من خلال ديانة منزلة. فإذا عَقَد لواء السيادة لطبيعته وحواسه على تفكيره وقلبه، فإنه يفقد حريته ويجعلها لاحقة وخاضعة لطبيعته. وهذا ما حدث في الديانات الوثنية التي جعلت الطبيعة المطلقة مبدأ، بعكس الديانات المنزلة التي أضفت كرامة على الإنسان وجعلته مسئولاً ومن ثم حراً، وليس الإله فيها إلا واهب ومريد هذه الحرية، فهو يريد للإنسان أن يكون حراً لأنه يريده أن يكون مسئولاً. وكلما نزَّهت الديانة الإله، جعلت صورته أكثر كمالاً باعتباره واهب هذه الحرية وباعتباره مريداً لها. ولذلك، كانت المسيحية، حسب رأي هيرش، ديانة متوسطة بين اليهودية والوثنية لأن المسيحية والوثنية لا تجعلان الإله مبدأ للحرية (وإن كانت المسيحية تقول ذلك بدرجة أقل من الوثنية) . وقد كانت المسيحية في بداية ظهور المسيح نسخة من اليهودية، أو كانت اليهودية نفسها. ولكن تعاليم بولس الرسول، وما أدخله من أفكار غريبة على هذه الديانة، هي التي باعدت بين الديانتين، ومن ثم فلو استُبعد ما أقحمه بولس الرسول على المسيحية لعادت المسيحية ديانة توحيدية ورافداً من روافد اليهودية. وليس أَدلُّ على صدق اليهودية من استمرار شعبها في الوجود حتى الآن، فاستمرار هذا الشعب معجزة إلهية. وقد كان الإله يُظهر نفسه لشعبه من خلال أنبيائه ومعجزاته بهم ولهم، وهو الآن يُظهر نفسه من خلال معجزة واحدة هي مشيئته التي تحققت بأن جعل الشعب اليهودي يستمر رغم كل شيء. ورغم أن هيرش أحد دعاة الإصلاح الديني والاندماج، إلا أن مقولاته التحليلية الأساسية (تفوُّق النسق الديني اليهودي - استمرار الشعب اليهودي كمعجزة إلهية) مقولات صهيونية تماماً بل إنها مقولات حلولية أبعد ما تكون عن التوحيد. ولعل هذه المقولات الكامنة هي التي تفسر صهينة اليهودية الإصلاحية نفسها فيما

بعد حتى أصبح لها ممثلون في الحركة الصهيونية وإسرائيل.
كوفمان كولر (1843-1926 (
‏Kaufmann Kohler
أحد زعماء اليهودية الإصلاحية. وُلد وتلقَّى دراسته في ألمانيا، ثم استقر في الولايات المتحدة عام 1869. وعمل حاخاماً للجماعة الإصلاحية في شيكاغو ونيويورك إلى أن عُيِّن رئيساً لكلية الاتحاد العبري عام 1903، وظل في هذا المنصب ثمانية عشر عاماً. وكان كولر الشخصية الأساسية في مؤتمر بتسبرج الإصلاحي حيث تم تَبنِّي قراراته الإصلاحية الشهيرة. كان كولر كاتباً كثير الإنتاج في حقلي الفلسفة واللاهوت، وكان معارضاً قوياً للصهيونية. وقد أسهم في تطور اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة، وكان يُعَد العالم الإصلاحي الأساسي. اشترك في تحرير الترجمة اليهودية الأمريكية للعهد القديم، وفي الموسوعة اليهودية (القديمة التي صدرت في أوائل هذا القرن) . وله دراسة منهجية تاريخية للاهوت اليهودي تُعَدُّ من أهم أعماله.
كلود مونتفيوري (1858-19389
‏Claude Montefiore
عالم دين يهودي وحفيد السير مونتفيوري وإسحق ليون جولد سميد. تلقى تعليمه في أكسفورد (حيث تأثر بتعاليم المفكر الليبرالي المسيحي بنيامين جوديت) ، ثم في مدرسة علْم اليهودية في برلين، حتى يصبح حاخاماً إصلاحياً. إلا أنه وجد نفسه غير متعاطف مع اليهودية الإصلاحية، فلم يتقبل المنصب وتعرَّف إلى إسرائيل إبرامز وسولومون شختر وأسس مع الأول جويش كوارترلي ريفيو عام 1888 وقد ألقى مجموعة محاضرات عن عقيدة العبرانيين القدامي، ونُشرت هذه المحاضرات في العام نفسه تحت عنوان محاضرات عن أصل الدين وتطوره كما تتبدَّى في عقيدة إسرائيل القديمة.

ويُعتبَر مونتفيوري مؤسس اليهودية الليبرالية (وهي الصياغة المتطرفة لليهودية الإصلاحية) ، وأسَّس مع ليلي مونتاجو الاتحاد الديني اليهودي (1902) الذي تطوَّر ليصبح الاتحاد الليبرالي اليهودي. وكان مونتفيوري رئيس المعبد اليهودي الليبرالي في لندن (1911) ، وانتُخب رئيساً للاتحاد الدولي لليهودية التقدمية (1926) . وظل في هذا المنصب حتى وفاته. كما أسَّس مونتفيوري مع العَالم الكاثوليكي البارون فون هيوجل جماعة لندن لدراسة الدين، وهي جماعة من العلماء كانوا يجتمعون بشكل دوري لمناقشة أبحاثهم في الدين. وقد توجَّه مونتفيوري للقضايا التي يثيرها نقد العهد القديم، فذهب إلى أن الدراسات الحديثة أثبتت بما لا يقبل الشك أن أسفار موسى الخمسة لا تعود إلى أيام موسى أي أنها ليست موحى بها، ولكن هذا لا يعني التخلي عن الشريعة وعن فكرة القانون لأن الإنسان يكتشف القانون داخله، والوحي يكشف له ما بداخله، أي أن الفرد يصبح المرجعية والمنطلق. وبالفعل نجد أن اليهودية الليبرالية تحاول تكييف العقيدة اليهودية وتطويعها لتناسب احتياجات اليهودي النفسية والأخلاقية. ولذا حاول مونتفيوري أن يطوِّر اليهودية حتى تظهر "يهودية جديدة تتخلص من عقائد الماضي، ومع هذا تتمسك بالأخلاق النبيلة". وكان مونتفيوري يرى أن اليهودية الليبرالية تهدف إلى الوصول إلى العالمية وإلى أن تقلل من أهمية العناصر العرْقية والقومية في اليهودية. ويَصدُر مونتفيوري عن إيمان بالإله الواحد، ويرى أن المفهوم اليهودي للإله وعلاقته بالإنسان وعلاقة الدين بالأخلاق قريب للغاية من المفهوم المسيحي، قريب ولكنه ليس مترادفاً معه. ويتحدد تميُّز اليهودية في أن الإله كامن في الطبيعة والتاريخ ومنزه عنهما في آن واحد. ومع هذا كان مونتفيوري يميل كثيراً إلى العقيدة المسيحية. وكانت دراساته في مجملها تهدف إلى تعميق فهم المسيحيين للتراث اليهودي وتعميق فهم اليهود لتعاليم المسيح. بل يبدو

أنه كان يتطلع إلى اليوم الذي تظهر فيه عقيدة جديدة تضم الجوانب الإيجابية في كل من المسيحية واليهودية والديانات الأخرى. بل إن مونتفيوري كان يرى أن ثمة جوانب إيجابية في الأخلاقيات المسيحية غير موجودة في الأخلاقيات اليهودية وأن ثمة عنصراً صوفياً يوجد في الأناجيل لا يوجد في العهد القديم. وقد كان المسيح معلماً عظيماً ولكنه لم يكن مقدَّساً. ولذا، عارض مونتفيوري أية محاولة لوضع العهد الجديد على قدم المساواة مع العهد القديم أو قراءة أجزاء من العهد الجديد في الصلوات اليهودية. وقد هاجمه آحاد هعام بعنف بسبب أفكاره هذه، لأن الأخلاقيات اليهودية التي تَصدُر عن العدل (في رأي آحاد هعام) تتناقض تماماً مع الأخلاقيات المسيحية المبنية على المحبة، ومن المستحيل أن يعتنق الشخص الواحد الرأيين ويؤمن بالنسقين.

أما فيما يتصل بموقفه من الصهيونية، فإن كلود مونتفيوري يذهب إلى أن اليهودية هي أساساً انتماء ديني وليست انتماءً قومياً سياسياً. فالدين، في تصوَّره، أمر في غاية الخطورة والأهمية، حيث إنه يملأ حياة المشتغلين به فلا يترك لهم أي وقت للاشتغال بأي شيء آخر، سياسياً كان أو قومياً، وبذا أصبح اليهود "مملكة من الكهنة". وهذا الاصطلاح الأخير له معنى روحي ديني وحسب، فلو لم يكن الأمر كذلك لأصبح الاصطلاح متناقضاً لأقصى حد. وعلاوة على هذا، يرى مونتفيوري أن رؤية اليهودية العالمية الشاملة جعلت من الصعب عليها أن تظل عقيدة قومية يحتكرها عنصرٌ أو جنسٌ لنفسه، ولذا فقدت الأمة التي تؤمن بها هويتها كأمة (بالمعنى السياسي) وتحولت إلى جماعة دينية. وقد دعَّم هذا الاتجاه إيمان اليهود بأن الإله واحد وأنه رب للعالمين لا يتحيز لشعب على حساب الآخر. لكل هذا، عارض مونتفيوري بشدة كلاًّ من الصهيونية ووعد بلفور. ولمونتفيوري مؤلفات عدة من أهمها الخطوط الأساسية لليهودية الليبرالية (1920) ، والعهد القديم وما بعده (1923) ، ومختارات حاخامية (1938 (
إيوجين بورويتز (1924-)
‏Eugene Borowitz
حاخام ومفكر ديني إصلاحي. وُلد في نيويورك، وكان ابناً لموظف في أحد مصانع الملابس. درس في جامعة أوهايو وكلية الاتحاد العبري، وحصل على الدكتوراه في التربية من جامعة كولومبيا.

عمل بورويتز حاخاماً في عدد من المدن الأمريكية من بينها نيويورك، كما عمل حاخاماً في البحرية الأمريكية. من أهم مؤلفاته لاهوت يهودي جديد يُولَد (1968) حيث يلخص المواقف اللاهوتية اليهودية الأساسية في العصر الحديث. أما كتابه القناع الذي يلبسه اليهود (1973) ، فهو يتناول ما يتصور بورويتز أنه الأقنعة التي يرتديها يهود أمريكا. ويتناول الكتاب قضايا، مثل: الاندماج، وكُره اليهودي لنفسه، ومفهوم الشعب اليهودي، وعلاقة يهود الولايات المتحدة بالتقاليد الدينية اليهودية. ويتكون كتابه اليهودية الإصلاحية اليوم (1978) من ثلاثة أجزاء، وهو يتناول الأفكار والممارسات الأساسية لليهودية الإصلاحية، ويؤيد بورويتز في هذا الكتاب الاتجاه المتصاعد في صفوف اليهودية الإصلاحية نحو تَبنِّي الصهيونية والعودة إلى ممارسة بعض الشعائر اليهودية باعتبارها سبيلاً لتقوية الهوية. ويقوم بورويتز بتحرير مجلة شماع التي تعبِّر عن أفكار اليهودية الإصلاحية.
وينزع بورويتز نزوعاً حلولياً متطرفاً (داخل إطار الحلولية بدون إله) . فهو يرى أن ثمة توحداً ما بين الإله والدولة الصهيونية. ومن هنا، فقد صرح بأن حرب عام 1967 كانت حرباً لا تتهدد الدولة الصهيونية وحسب وإنما كانت تتهدد الإله نفسه.
ألكسندر شندلر (1925-)
‏Alexander Schindler
زعيم اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة. وُلد في ميونخ، وهاجر من ألمانيا عام 1932 إلى الولايات المتحدة. خدم مع القوات الأمريكية في أوربا أثناء الحرب العالمية الثانية، واستمر في دراسته الجامعية بعدها، ثم درس في كلية الاتحاد العبري ورُسِّم حاخاماً عام 1953. وقد عُيِّن حاخاماً لمعبد إيمانويل في نيويورك، وشغل عدة مناصب قيادية في المؤسسات اليهودية والصهيونية. ويحاول شندلر أن يسترجع لليهودية الإصلاحية بعض الشعائر، وشيئاً من الحس الديني الذي استبعده مؤسسو الحركة بتأثير الفلسفة العقلانية.

اُنتخب شندلر رئيساً لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى عام 1976. وهو بهذا، يُعتبَر أول يهودي إصلاحي يشغل هذا المنصب. وقد بقي شندلر في هذا المنصب حتى عام 1978. وإبان فترة رئاسته، تعاون مع بيجين وقدم له المشورة أثناء مباحثات كامب ديفيد. وموقف شندلر هو موقف الصهاينة الذين يؤيدون إسرائيل التوطينيين، ويضغطون من أجلها، ولا يهاجرون إليها قط. وهو موقف يتسم أيضاً بالتأييد الكامل للدولة الصهيونية، ورفض النقد العلني لها. ومع هذا، فإن الصهاينة التوطينيين يتوقعون من إسرائيل باستمرار أن تسلُك سلوكاً لا يسبب لهم حرجاً في أوطانهم. ولذا، فحينما اتضح دور إسرائيل في مذابح صابرا وشاتيلا، حاول شندلر أن يعبِّر عن القلق المتزايد بين يهود أمريكا بسبب سلوكها. ولكن بيجين أخبره بأن اليهودي الحق يؤيد إسرائيل دون أي تردُّد أو تساؤل، فيتخذ منها موقف المؤمن. ولعل هذا ما جعل شندلر يصرح بأن اليهود الأمريكيين «أصبحوا، إلى حدٍّ كبير، جماعة تسيطر عليها قضية واحدة هي إسرائيل، والدولة أصبحت معبدهم، ورئيس وزرائها حاخامهم، وأصبحت القضايا الداخلية والدولية تقاس بمقياس مدى نفعها أو ضررها لإسرائيل» . وقد انضم شندلر إلى حلقة دراسية تضم الحاخام جرشون كوهين (زعيم اليهودية المحافظة) وترى أن يهود أمريكا ككل يمكنهم الاحتفاظ باهتمامهم بإسرائيل، وأن يصوغوا في الوقت نفسه مصيرهم المستقل دون أن يتقبلوا بالضرورة مفهوم مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا (الجماعات اليهودية خارج إسرائيل) . وبعد الانتفاضة، تَشجَّع شندلر وعبَّر عن حرج يهود الولايات المتحدة الشديد إزاء سلوك إسرائيل، وطالبها بالتفاهم مع الفلسطينيين.
اليهودية الإصلاحية والصهيونية
‏Reform Judaism and Zionism

كان من المنطقي أن تعادي اليهودية الإصلاحية (بنزعتها الاندماجية) الحركة الصهيونية (في نزعتها القومية المشيحانية، وفي تمجيدها للجيتو والتلمود، وفي حفاظها على النطاق الضيق للحلولية اليهودية التقليدية) . وقد عَقَد الإصلاحيون عدداً من المؤتمرات للتعبير عن رفضهم للصهيونية. كما أنهم رفضوا وعد بلفور وكل المحاولات السياسية التي تنطلق من فكرة الشعب اليهودي أو التي كانت تخاطب اليهود كما لو كانوا كتلة بشرية متجانسة لها مصالح مستقلة عن مصلحة الوطن الذي ينتمون إليه.

وقد ظلت هذه العداوة قائمة زمناً طويلاً في الولايات المتحدة. ولكن اليهود في الغرب جزء لا يتجزأ من المصالح الاقتصادية والسياسية لبلادهم، ومن محيطها التاريخي والحضاري، وهذه البلاد في مجموعها تشجع المشروع الصهيوني. ولذا، لم يكن من الممكن أن تستمر الفكرة أو العقيدة الإصلاحية في مقاومة الواقع الإمبريالي الغربي الممالئ للصهيونية. وعلى كلٍّ، فإن اليهودية الإصلاحية جعلت روح العصر النقطة المرجعية والركيزة النهائية، والإمبريالية جزء أساسي من روح العصر في الغرب. ولكل هذا، نجد أن اليهودية الإصلاحية تخلت بالتدريج عن رؤيتها الليبرالية، وأخذت في تعديل رؤيتها بشكل يتواءم مع الرؤية الصهيونية. وبالفعل، بدأ الإصلاحيون في العودة إلى فكرة القومية اليهودية الصهيونية، وإلى فكرة الأرض المقدَّسة، فجاء في قرار مؤتمر كولومبوس عام 1937 أن فلسطين «أرض مقدَّسة بذكرياتنا وآمالنا» إلا أن مصدر قداستها ليس العهد بين الشعب والإله، وإنما الشعب اليهودي نفسه (وفي هذا اقتراب كبير من اليهودية المحافظة) . وقد حاول الإصلاحيون تبرير هذا التحول بالعودة إلى التراث اليهودي فبيَّنوا أن الأنبياء كانوا يؤيدون الاتجاه القومي الديني دون أن يتخلوا عن الدفاع عن الأخلاقيات الإنسانية العالمية، ودون أن يجدوا أيَّ تناقض بين الموقفين، أي أن الإصلاحيين تقبَّلوا الموقفين: الانعزالي والعالمي دون تساؤل، وهم في هذا يقتربون من الصهيونية الثقافية، ومن صهيونية الجماعات اليهودية (أي الصهيونية التوطينية) في استخدامها مقياسين مختلفين: أحدهما يجعل اليهودية قومية بالنسبة للمستوطنين الصهاينة والإسرائيليين، والآخر يجعلها ديناً وتراثاً روحياً بالنسبة للمنفيين الذين لا يريدون مغادرة المنفى بسبب سعادتهم البالغة به!

وقد تزايد النفوذ الصهيوني داخل معسكر اليهودية الإصلاحية إلى درجة أن الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية (أي الإصلاحية) عقد مؤتمره السنوي الخامس عشر في مدينة القدس للمرة الأولى عام 1968، وذلك عقب عدوان 1967 وفي غمرة الحماس القومي الذي اكتسح يهود العالم نتيجة للانتصار الإسرائيلي. وقد تزايدت أيضاً العناصر القومية في الشعائر الإصلاحية (حيث تُتلى الآن بعض الصلوات بالعبرية) ، كما أن الإصلاحيين ينفخون في البوق (شوفار) في المعبد في عيد رأس السنة وأدخلوا بعض العناصر التراثية على الصلوات الأخرى. وبدأت اليهودية الإصلاحية، ابتداءً من منتصف السبعينيات، تساهم بشكل واضح في الحركة الصهيونية، حيث أصبحت ممثلةً فيها من خلال جمعية أراز (جمعية الصهاينة الإصلاحيين في أمريكا) . وقد انضم الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية إلى المنظمة الصهيونية العالمية عام 1976. وانضمت أرتسينو (الرابطة الدولية للصهاينة الإصلاحيين) باعتبارها حزباً صهيونياً إلى المنظمة. فأصبح لليهودية الإصلاحية كيبوتسات ومؤسسات تربوية في إسرائيل وتنظيمات لجمع الأموال لها. وفي عام 1976، عُقد آخر المؤتمرات الإصلاحية التي أعادت صياغة العقيدة اليهودية في سان فرانسيسكو، ويُلاحَظ في قراراته أنها تحثُّ على استمرار الاتجاه نحو تعميق البُعد القومي. فالحقيقة الأساسية في حياة اليهود، حسب قرارات المؤتمر، هي الإبادة النازية، الأمر الذي يدل على الاتجاه نحو تَقبُّل لاهوت موت الإله ولاهوت ما بعد أوشفيتس. وقد بدأت اليهودية الإصلاحية تتجه نحو محاولة الالتزام ببعض الشعائر اليهودية بقدر الإمكان. ومع هذا أُعيد تعريف اليهودي بحيث يصبح "من وُلد لأب يهودي أو أم يهودية"، وأُبيح الزواج المُختلَط شرط أن يكون الأبناء يهوداً. وقد أُدخلت كل هذه التعديلات بسبب الرغبة في البقاء (أي التزاماً بلاهوت البقاء) . وقد صدر، في عام 1975، كتاب إصلاحي جديد للصلوات يُسمَّى بوابات

الصلاة، وهو كتاب تتبدَّى فيه الاتجاهات الصهيونية السابقة وقد صدر ليحل محل الكتاب الذي صدر في عام 1941.
وفي عام 1988 أصدرت أرتسينو بياناً يحدد موقفها من الصهيونية فأكدت أهمية إسرائيل بالنسبة ليهود العالم ولكنها أكدت أيضاً التعددية في حياة اليهود، وهي تعددية لا تستبعد العلمانية، ولذا فهي تؤيد كلاً من الدياسبورا والهجرة الاستيطانية، وطالب البيان حكومة إسرائيل بأن تبتعد عن القمع الديني والعنف السياسي، ودافع عن حقوق العرب ودعا إلى حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي، مبني على الضمانات والتنازلات المتبادلة.
وقد أُسِّست أولى الأبرشيات الإصلاحية في فلسطين عام 1936 في حيفا وتل أبيب والقدس. وفي عام 1939، أُسِّست مدرسة ليو بابك في حيفا، وهي أول مدرسة دينية غير أرثوذكسية في فلسطين (إسرائيل) . ويُعَدُّ معبد ها إيل الذي أُسِّس عام 1958 أقدم المعابد الإصلاحية (التقدمية) في إسرائيل. وفي عام 1963أسست كلية الاتحاد العبري فرعاً لها في القدس. وقد تم توسيعها عام 1987، ثم أصبحت المقر الرئيسي للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية، ويوجد قسم بالكلية لإعداد الإسرائيليين ليصبحوا حاخامات إصلاحيين، وقد تم ترسيم أول حاخام إصلاحي متخرج في المدرسة عام 1980، وبلغ عددهم 20 عام 1996. وكل حاخامات إسرائيل الإصلاحيين (التقدميين) أعضاء في مجلس الحاخامات التقدميين. ولا يقبل حاخامات إسرائيل الإصلاحيون تعريف اليهودي الذي يقبله حاخامات الولايات المتحدة الإصلاحيون. ويوجد فرع لكلية الاتحاد العبرية في إسرائيل، وقد انتقل المقر الرئيسي للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية إلى القدس عام 1972. وفي عام 1980، تم تأسيس حركة الشباب الدولية الإصلاحية الصهيونية في القدس وتتبعها عشرة فروع. وتتبع الفرع الإسرائيلي حركة الكشافة الإسرائيلية. ولا يزيد عدد اليهود الإصلاحيين في إسرائيل عن عشرين ألف.

ولا تعترف المؤسسة الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل باليهودية الإصلاحية، ولا بحاخاماتها، ولا بالزيجات التي يعقدونها، ولا بمراسم التهود التي يقومون بها، فهم يجعلونها سهلة يسيرة على عكس طقوس التهود الأرثوذكسية. وتثار هذه القضية من آونة إلى أخرى، حينما يطرح قانون العودة للنقاش، فهو القانون الذي يتضمن محاولة تعريف الهوية اليهودية إذ تحاول المؤسسة الأرثوذكسية أن تضيف تعديلاً يستبعد اليهود الذين تهودوا على يد الحاخامات الإصلاحيين. ويدعو زعماء اليهودية الإصلاحية إلى أن تكون المساعدات التي تُخصَّص للمؤسسات الإصلاحية في إسرائيل متناسبة مع حجم تبرعات اليهود الإصلاحيين، إذ أن معظم التبرعات يدفعها يهود غير أرثوذكس، ومع هذا يصب معظمها في المؤسسات الأرثوذكسية. وقد بدأ بعض زعماء اليهودية الإصلاحية، مثل ألكسندر شندلر، في محاولة الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الدولة الصهيونية، وخصوصاً بعد حادثة بولارد وبعد الانتفاضة. وهم يؤكدون مركزية الدياسبورا (الجماعات اليهودية خارج فلسطين) مقابل مركزية إسرائيل، كما يحاولون تغليب الجانب الديني على الجانب القومي.

اليهودية المفاهيم والفرق - الفرق الدينية اليهودية - اليهودية الأرثوذكسية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

اليهودية الأرثوذكسية: تاريخ
‏Orthodox Judaism:History
«اليهودية الأرثوذكسية» ويشار إليها باعتبارها «الأصولية اليهودية» حينما تطبق داخل الدولة الصهيونية واليهودية الأرثوذكسية فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر، وجاءت كرد فعل للتيارت التنويرية والإصلاحية بين اليهود. وتُعتبر الأرثوذكسية الامتداد الحديث لليهودية الحاخامية التلمودية. ومصطلح «أرثوذكس» مصطلح مسيحي يعني «الاعتقاد الصحيح» . وقد استُخدم لأول مرة في إحدى المجلات الألمانية عام 1795، للإشارة إلى اليهود المتمسكين بالشريعة. وقد تزعَّم الحركة اليهودية الحاخام سمسون هيرش.

وثمة اختلاف بين الأرثوذكس في شرق أوربا، والأرثوذكس في ألمانيا وغرب أوربا، إذ يعارض الفريق الأول كل البدع والتجديدات، سواء في الزي أو في النظام التعليمي، في حين تَبنَّى الفريق الثاني سياسة الحفاظ على نمط الحياة التقليدية، ولكنه يقبل مع هذا الزي الحديث والتعليم العلماني العام، ولذا يُشار إليهم بـ «الأرثوذكس الجدد» . ويُعَدُّ الحسيديون من اليهود الأرثوذكس المتطرفين، كما أن فكرهم يعبِّر عن الحلولية اليهودية بشكل متبلور.
وقد هاجرت اليهودية الأرثوذكسية مع المهاجرين من يهود اليديشية من شرق أوربا (من شتتلات روسيا وبولندا) الذين كانوا لا يتحدثون إلا اليديشية، والذين لم يكونوا قد تعرفوا إلى أفكار حركة التنوير والاستنارة.
وحينما حضر هؤلاء إلى أمريكا، وجدوا أن اليهودية السائدة فيها هي اليهودية الإصلاحية نتاج حركة الاستنارة، والتي يسيطر عليها العنصر الألماني المندمج الثري الذي كان يكن الاحتقار ليهود اليديشية، فأسس الأرثوذكس اتحاد الأبرشيات في أمريكا عام 1898،وأهم مؤسساتها العلمية جامعة يشيفاه. وقد كانت تتبع الحركة الأرثوذكسية شبكة كبيرة من المدارس، إذ أن اليهودية الأرثوذكسية تولي اهتماماً خاصاً للتعليم يفوق اهتمام الفرق الأخرى.
وتوجد اختلافات داخل الحركة الأرثوذكسية، فهناك اتحاد للحاخامات المغالين في الحفاظ على التقاليد، وهو اتحاد الحاخامات الأرثوذكس في أمريكا وكندا (1902) . أما الحاخامات الذين درسوا في أمريكا، فقد أسسوا مجلس أمريكا الحاخامي عام 1923. ويحتفظ الحسيديون بقسط كبير من الاستقلال بعد أن أصبحوا من أهم أجنحة الأرثوذكسية، بعد الحرب العالمية الثانية. وهناك أيضاً اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية في أمريكا، ويضم كل المعابد الأرثوذكسية.

ورغم التماسك العقائدي والعائلي للأرثوذكس، ورغم عزلة أعداد كبيرة منهم داخل جيتواتهم الاختيارية، فإنهم يواجهون كثيراً من المشاكل التي يواجهها أعضاء المجتمع الاستهلاكي من انصراف عن القيم الأخلاقية وانتشار ما يُسمَّى الجنس العرضي أو السريع، أي الذي لا يستند إلى حب، ولا ينبع من علاقة دائمة ولا يتبدَّى في شكل علاقة إنسانية تتسم بشيء من الاستمرار والثبات، فضلاً عن تعاطي المخدرات وزيادة نسبة الأطفال غير الشرعيين.
ويُلاحَظ أن عدد اليهود الأرثوذكس في الولايات المتحدة ضئيل للغاية، إذ لا يزيد على 9% من يهود أمريكا (مقابل 65% إصلاحيون ومحافظون وتجديديون، و26% لا علاقة لهم بأية فرقة يهودية) حسب ما جاء في الكتاب اليهودي الأمريكي السنوي لعام 1992. ومع هذا أوردت إحدى المراجع غير اليهودية أن عددهم هو مليون، وهو رقم مُبالَغ فيه. ويبلغ عدد الأبراشيات اليهودية الأرثوذكسية 1200 أبراشية.
والأرثوذكس لا يؤمنون بالتبشير بين الأغيار. ولكن عددهم، مع هذا، لا يتناقص (على خلاف الإصلاحيين والمحافظين) بسبب خصوبتهم المرتفعة، وبسبب انخفاض معدلات الزواج المُختلَط بينهم وإقبالهم على الزواج في سن مبكرة.
اليهودية الأرثوذكسية: الفكر الديني
‏Orthodox Judaism:Religious Thought
ينطلق هيرش والأرثوذكس من نقطة ثبات ميتافيزيقية تقع خارج نطاق الطبيعة، وهي أن الإله أوحى إلى موسى التوراة فوق جبل سيناء، وتمثل هذه النقطة بالنسبة إليهم حقيقة لا يمكن مناقشتها أو الجدال فيها، وهي مسألة ثابتة ذات معنى عميق وثابت يلغي أي معنى آخر يختلف عنها، فهي ركيزة النسق الأساسية ومرجعيته المتجاوزة.

والتوراة، حسب تصوُّر الأرثوذكس، كلام الإله كتبها حرفاً حرفاً وأوحى بها إلى موسى، وهذه حقيقة يؤمن بها المؤمن إيمانه بأن الله خلق العالم من العدم، والمؤمن لا يعرف كيف خلق الله العالم ولا كيف كتب التوراة وأوحاها، أما كيف تم الوحي فمسألة مبهمة. وهناك في صفوف الأرثوذكس من يعطي دوراً للعنصر الذاتي في التجربة الدينية ولكنهم جميعاً يؤمنون بعقيدة الوحي الإلهي وأن التوراة منزَّلة من الإله، ولذا فهي وحدها مصدر الشريعة، قيمها خالدة أزلية تنطبق على كل العصور. ولولا التوراة لما تحقَّق وجود جماعة يسرائيل، وعلى الشعب اليهودي اتّباع هذا الكتاب المقدَّس إلى أن يأتي وحي جديد. وقد نادى الأرثوذكس بعدم التغيير أو التبديل أو التطوير، لأن عقل الإنسان ضعيف لا يمكنه أن يعلو على ما أرسله الإله، ولأن التطور سيودي حتماً باليهودية.
ولكنهم مع هذا يختلفون حول تحديد أي أجزاء من التوراة هي التي أوحي بها الإله مباشرةً. وثمة إجماع على أن أسفار موسى الخمسة مرسلة من الإله، وبعضهم يوسع نطاق القداسة لتشمل كتباً أخرى من العهد القديم وهناك من يوسع نطاق القداسة ليشمل كل كتب الشريعة الشفوية.
وهناك من الأرثوذكس من يميل نحو تفسير التوراة تفسيراً حرفياً، ومن يؤمن بأن التاريخ الذي ورد فيها تاريخ حقيقي بالمفهوم المادي، ولكن هناك من يرى أن ما ورد في التوراة ليس حقائق تاريخية، وإنما فلسفة تاريخ (ولذا نجد أن هناك من الأرثوذكس من يصر على أن عمر الأرض هو كما ورد في العهد القديم الحاخام مناحم شنيرسون) . ولكن هناك من لا يجد أية صعوبة في قبول الحقائق العلمية (الحاخام مناحم منديل كاشير) .
أما فيما يتصل بالأجزاء القانونية (التشريعية) فهناك من الأرثوذكس من يرى أنها تشريعات أزلية ثابتة، ولكن هناك فريق يشير إلى أن التوراة الشفوية نفسها دليل على أن بعض القوانين الدينية ليس أزلياً.

ولكن الأرثوذكس لا يؤمنون بالتوراة وحدها باعتبارها مستودع الكشف الإلهي، وإنما يؤمنون أيضاً بالتوراة (أو الشريعة) الشفوية. وبكل كتب اليهودية الحاخامية، مثل التلمود والشولحان عاروخ بل وكتب القبَّالاه، أو على الأقل التفسيرات القبَّالية، وهي التفسيرات التي همَّشت النص التوراتي باعتبار أن الشريعة الشفوية تجعل الاجتهاد البشري (الحاخامي) أكثر أهمية وإلزاماً من النص الإلهي.
ويعتقد الأرثوذكس اعتقاداً حرفياً بصحة العقائد اليهودية الحلولية، مثل: الإيمان بالعودة الشخصية للماشيَّح، وبالعودة إلى فلسطين، وبأن اليهود هم الشعب المختار الذي يجب أن يعيش منعزلاً عن الناس لتحقيق رسالته. وبسبب قداسة هذا الشعب، نجد أن الأرثوذكس يعارضون أية أنشطة تبشيرية، فالاختيار هو نتيجة للحلول الإلهي، ومن ثم فهو أمر يُتوارث. ومن هنا، تتمسك اليهودية الأرثوذكسية بالتعريف الحاخامي لليهودي باعتبار أنه من وُلد لأم يهودية أو تهوَّد حسب الشريعة أي على يد حاخام أرثوذكسي. وتعبِّر الحلولية عن نفسها دائماً من خلال تَزايُد مفرط في الشعائر التي تفصل الشعب المقدَّس عن الأغيار. واليهودية الأرثوذكسية تؤمن بأن الأوامر والنواهي مُلزمة لليهودي الذي يجب أن يعيد صياغة حياته بحيث تُجسِّد هذه الأوامر والنواهي، وهي في إيمانها هذا لا تقبل أيَّ تمييز بين الشرائع الخاصة بالعقائد وتلك الخاصة بالشعائر. ومن هنا التزامها الكامل في التمسك بالشعائر، فبعض الأرثوذكس يطالبون بعدم تغيير الطريقة التي يرتدي بها اليهود ملابسهم أو يقصون شعرهم. ولا تزال النساء في بعض الفرق الأرثوذكسية يحلقن شعورهن تماماً عند الزواج ويلبسن شعراً مستعاراً بدلاً منه. وهناك من يستخدمون العبرية في صلواتهم، ولا يسمحون باختلاط الجنسين في العبادات.

ويحاول الأرثوذكس (كمجموعة دينية) الانفصال عن بقية الفرق اليهودية الأخرى حتى يمكنهم الحفاظ على جوهر اليهودية الحقيقي دون أن تشوبه شوائب. ولكن هذا الموقف يتفاوت فهناك من يبغض غير الأرثوذكس ولكن هناك من يطالب بحبهم والدفاع عنهم. ولكن ثمة نقاط التقاء كثيرة بين اليهودية الأرثوذكسية واليهودية المحافظة. فكلتاهما تضفي هالة من القداسة على حياة اليهود وتاريخهم، وإن كانوا يختلفون في مصدر هذه القداسة، ويعود هذا إلى أن كلتيهما تَصدُران عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي، وهي طبقة تعادل بين الإله والشعب. ومع هذا، يمكن التمييز بين اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة من جهة واليهودية الأرثوذكسية من جهة أخرى، باعتبارهما تعبِّران الروحية (الإله ـ الأرض ـ الشعب) بحيث نجد أن الإله يكون في المركز أحياناً وفي الهامش أحياناً أخرى، نجد أن اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة تعبِّران عن مرحلة بداية شحوب الإله ثم موته. ففي إطار اليهودية المحافظة، نجد أن الإله قد شحب أو تلاشى تماماً وأصبح لا وجود له خارج التاريخ اليهودي، أما اليهودية الإصلاحية فترى أن الإله قد ذاب في التاريخ الإنساني وفي فكرة التقدم. ومن هنا نجد أن الموقف مختلف من التوراة والشريعة الشفوية والشعائر. ومع شحوب الإله واختفائه، يصبح التمسك بالشعائر أمراً لا ضرورة له على الإطلاق أو تكون له قيمة رمزية شكلية محضة.
الأرثوذكسية الجديدة
‏Neo-Orthodoxy
«الأرثوذكسية الجديدة» مصطلح يُطلَق على الفرق اليهودية الأرثوذكسية المعتدلة، والتي تقبل مقولات اليهودية الأرثوذكسية الدينية والأخلاقية، ولكنها تأخذ موقفاً وسطاً في بعض المسائل التفصيلية مثل ارتداء الأزياء الحديثة وحلاقة الذقن وقص السوالف.
حريديم
‏Heredim

«حريديم» أصبحت من الكلمات المألوفة في الخطاب اليومي في إسرائيل وهي عادةً تعني ببساطة «يهودي أرثوذكسي» أو «يهودي متزمت دينياً» . وكثيراً ما تُستخدَم الكلمة في الصحافة الإسرائيلية والغربية بهذا المعنى. ومع هذا تشير الكلمة (بمعناها المحدد) إلى اليهود المتدينين من شرق أوربا الذين يرتدون أزياء يهود شرق أوربا (المعطف الطويل الأسود والقبعة السوداء ويضيفون له الطاليت) ويرسلون ذقونهم إلى صدورهم وتتدلى على آذانهم خصلات من الشعر المقصوع. وهم لا يتحدثون العبرية على قدر استطاعتهم (باعتبارها لغة مقدَّسة) ويفضلون التحدث باليديشية. وتتميَّز عائلات الحريديم بزيادة عددها لأنهم لا يمارسون تحديد النسل، ولذا فأعدادهم تتزايد بالنسبة للعلمانيين الذين يحجمون عن الزواج والانجاب.
اتحاد الحاخامات الأرثوذكس في أمريكا وكندا
‏Union of Orthodox Rabbis of U.S.A. and Canada
منظمة تضم معظم الحاخامات الأرثوذكس، وتدافع عن قيم اليهودية الأرثوذكسية. أُسِّست عام 1902، ومقرها الأساسي نيويورك. وهي تضم أساساً الحاخامات المغالين في التقليدية، على عكس تنظيم المجلس الحاخامي في أمريكا.
المجلس الحاخامي في أمريكا
‏Rabbinical Council of America
منظمة تأسست عام 1923، تضم الحاخامات الأرثوذكس الذين تلقَّوا تعليمهم في الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن أعضاءها يتسمون بأنهم أكثر تحرُّراً من أعضاء اتحاد الحاخامات الأرثوذكس في الولايات المتحدة وكندا.
اتحاد الأبرشيات اليهودية الأرثوذكسية في أمريكا
‏Union of Orthodox Jewish Congregations of America
هيئة تضم كل المعابد اليهودية الأرثوذكسية، تم تأسيسها عام 1898. وينشر الاتحاد عدة مجلات ونشرات، ويتبعه قسم خاص لإصدار شهادات الكاشروت، أي الطعام المباح شرعياً، وهي شهادات للمطاعم ومحلات الطعام المختلفة التي تتبع الشريعة.
سمسون هيرش (1808-1888 (
‏Samson Hirsch

حاخام ألماني، وقائد الحركة اليهودية الأرثوذكسية. تَلقَّى تعليماً دينياً كاملاً ودرس التلمود مع والده، وكان من أوائل الثائرين ضد اليهودية الإصلاحية. أصبح عام 1851 حاخام الجماعة الأرثوذكسية في فرانكفورت التي عزلت نفسها عن الجماعة الإصلاحية لأنه كان يرى أنها ستؤدي إلى انحلال اليهودية، وإلى إفراغها من محتواها، وطرح بدلاً من ذلك شعار «التوراة والمعرفة العلمانية» .
وقد كان هيرش يرى أن اليهود شعب، ولكن قوميتهم مختلفة عن القوميات الأخرى، فقوميتهم دينية، وعليهم انتظار الماشيَّح الذي سيحوِّلهم إلى شعب كامل. وفي انتظار مقدم الماشيَّح، عليهم إقامة كل الشعائر الدينية المنصوص عليها في التوراة، وذلك حتى يعجلوا بخلاص أنفسهم وخلاص العالم وتَوحُّد الذات الإلهية، حسبما جاء في كتب القبَّالاه. وقد طالب هيرش اليهود الأرثوذكس بأن ينظموا أنفسهم في جماعة مستقلة ومنفصلة، وأن يرفضوا التحالف مع الجماعات اليهودية الأخرى، أو الاختلاط بها، إذا هي رفضت مُثلهم وعقائدهم. وقد ضَمَّن هيرش كتابه تسعة عشر خطاباً عن اليهودية معظم أفكاره. والكتاب دفاع عن اليهودية ضد الهجمات التي يوجهها ضدها دعاة الإصلاح والتحديث. وحسب تصور هيرش، فإن اليهود هم الشعب الوحيد الذي يدل أسلوب حياته نفسه على أنه خُلْق ليخدم الإله، وأنه لا يجد سعادته إلا في تحقيق ذلك الهدف. ومن هنا، فإنه يرى أن مشكلة الإصلاح الديني اليهودي تتمثل في أن دعاته يقللون من واجبات اليهودية وأعبائها من أجل راحة اليهودي، بدلاً من رفع اليهودي إلى مرتبة اليهودية. فالمطلوب إصلاح اليهود وليس اليهودية.

ويُلاحَظ أن مقولات هيرش تحمل تعريضاً بالصهيونية. فإذا كان على اليهودي أن ينتظر في صبر وأناة مقدم الماشيَّح، وألا يسقط في خطيئة التعجيل بالنهاية، فإن هذا يعني أنه لا يملك أن يقرر العودة إلى أرض الميعاد متى شاء ذلك، كما أنه إذا كان الإطار المرجعي هو اليهودية، بأعبائها الأخلاقية، وليس راحة اليهود أو سعادتهم، فعلى اليهودي أن يقبل المنفى باعتباره تكليفاً إلهياً، وعليه ألا يحاول تطبيع نفسه وتطبيع اليهودية ليحقق السعادة لنفسه ولمن حوله. وبالفعل، يُلاحَظ أن الفكر الأرثوذكسي كان في البداية معادياً للصهيونية وبكل شراسة، ولكن هذا الموقف أخذ في التراجع حتى انتهى الأمر إلى صهينة اليهودية بكل مدارسها، ولم يبق سوى قلة أرثوذكسية مثل الناطوري كارتا، محتفظة بموقفها المعادي للصهيونية. وعلى كلٍّ، فهذا أمر متوقع تماماً بسبب الإطار الحلولي الذي يخلع القداسة على الشعب اليهودي وعلى مؤسساته القومية. والدولة الصهيونية ـ حسب هذه الرؤية ـ هي أهم هذه المؤسسات.
إسرائيل هيلدشايمر (1820-1899 (
‏Israel Hildesheimer
عالم يهودي ألماني. عمل حاخاماً من 1851 حتى وفاته، وكان من أشد معارضي اليهودية الإصلاحية. ولهذا السبب، أسس عام 1873 الكلية اللاهوتية الحاخامية في برلين التي قام بإدارتها. وهو يُعَدُّ من مؤسسي اليهودية الأرثوذكسية في شكها المعتدل الذي يُطلَق عليه «الأرثوذكسية الجديدة» .
برنارد ريفيل (1885-1940 (
‏Bernard Revel

عالم يهودي وُلد في ليتوانيا ودرس فيها، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1906 حيث استكمل دراسته وأسس أول مدرسة ثانوية تجمع بين الدراسات الدنيوية والدراسات التلمودية. وأسس كلية يشيفا التي كانت أيضاً أول كلية جامعية تجمع الدراستين، وكان أول رئيس لها. وقد اختير ريفيل رئيساً شرفياً لاتحاد الحاخامات الأرثوذكس في الولايات المتحدة وكندا. وتناولت دراساته الفرقة القرّائية، ويوسيفوس، وتطوُّر الشريعة. ويُعَدُّ ريفيل من أهم مؤسسي المذهب الأرثوذكسي في الولايات المتحدة.
جوزيف سولوفايتشيك (1903-)

‏Joseph Soloveitchik
قائد اليهودية الأرثوذكسية في الولايات المتحدة، وأهم مفكريها. وُلد في بولندا، وقضى طفولته في روسيا البيضاء مع أبيه، ودرس التلمود والشريعة، ثم دخل جامعة برلين، حيث حصل منها على درجة الدكتوراه عام 1931، وكتب رسالة عن نظريات هرمان كوهين في المعرفة والميتافيزيقا. هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1932، وأصبح حاخاماً للأبرشية الأرثوذكسية في بوسطن، ثم أصبح أستاذاً للدرسات التلمودية في جامعة يشيفاه، ثم ترأس لجنة الشريعة التابعة للمجلس الحاخامي في أمريكا. وبسبب منصبه هذا، أصبح سولوفايتشيك من أهم الشخصيات في المؤسسة الأرثوذكسية في الولايات المتحدة. ومن الناحية السياسية، ينتمي سولوفايتشيك إلى حركة المزراحي، وكان رئيساً فخرياً لها عام 1946. وفي عام 1959، عرضت عليه الدولة الصهيونية أن يشغل منصب الحاخام الإشكنازي الأكبر ولكنه رفض العرض.
ويُعَدُّ سولوفايتشيك قائد الجناح المعتدل داخل اليهودية الأرثوذكسية بلا منازع. وقد ترك أثره العميق من خلال محاضراته. ويُقال إن المحاضرات السنوية التي كان يلقيها في جامعة يشيفاه كان يحضرها الآلاف، وكانت تُعَدُّ أهم المناسبات الأكاديمية بالنسبة إلى اليهود الأرثوذكس.

وسولوفايتشيك مُقلٌ في النشر، وأهم مؤلفاته هو إيشي هالاخاه (أي رجال الهالاخاه) ، الذي حدد فيه موقفه اللاهوتي، وعبر فيه عن آرائه الأرثوذكسية الحلولية التي تجعل الإنسان اليهودي موضع القداسة. فاليهودي حين يعيش حسب الشريعة، يصبح سيد نفسه، وسيد التيارات التي تسري في حياته، وتصبح حياته مقدَّسة، ويدخل الإله واليهودي في علاقة تعاقدية (ميثاقية) . هذه العلاقة تربط الإله بشكل وثيق (شخصي) يشبه علاقة شخص بشخص آخر.

ومع هذا يُلاحَظ أن سولوفايتشيك يحاول محاصرة الحلولية إلى حدٍّ ما والتقليل من حدتها وهو ينطلق من المقولة الأرثوذكسية القائلة بأن التوراة موحى بها كلها من الإله ولذا فكل ما فيها له معنى. وهو يقارن بين التوراة وعالم المُثُل والأفكار الأفلاطونية حيث أُرسلت التوراة (المثالية) للناس كي يطبقوها على حياتهم، برغم أنها متجاوزة لهذه الحياة. ويُشبِّه سولوفايتشيك الشريعة بالصيغ الرياضية، فكما أن العالم الرياضي يحاول أن يطوِّر نظرية متماسكة لها منطقها الداخلي المتماسك، يفسر من خلالها معطيات الواقع المادية المتناثرة ويربطها بعضها ببعض، فإن "رجل الشريعة" عنده هو التوراة التي تضفي القداسة على كل الحياة الإنسانية وتعطيها معنى واتجاهاً. وسولوفايتشيك لا يسقط تماماً في الحلولية التي تخلع القداسة على كل شيء. بل إنه يذهب إلى أن الشريعة لا ترى شيئاً مقدَّساً في حد ذاته، فإيمان اليهودي هو الذي يخلع على الأشياء القداسة. والواقع أن لفائف التوراة ليست مقدَّسة في حد ذاتها، وإنما هي كذلك حين يباركها الخطاط الكاتب، كما أن الهيكل بكل ملحقاته، يظل غير مقدَّس إلى أن يكرسه اليهود. ويضرب سولوفايتشيك مثلاً آخر، فيقول إن الإله نزل إلى موسى في سيناء، ومع هذا فلا يوجد فيها أثر للقداسة، في حين نجد أن ما يُسمَّى «جبل الهيكل» الذي كرسه إبراهيم بصعوده عليه للإله أصبح مقدَّساً واختير ليكون موقع الهيكل وظل مقدَّساً مدى الزمان.

ويذهب سولوفايتشيك إلى أن الشريعة تشير إلى المثل الأعلى ومع هذا فهي تؤثر في كل أوجه الحياة. واستجابة الإنسان لتحدي الشريعة الإلهية لا تتمثل في إيمانه الأعمى وتَقبُّله للأوامر الإلهية وحسب وإنما في محاولته أن يُدخل مضموناً متجاوزاً في حياته ورؤاه، وهو مضمون يصله من خلال كلمة الإله الموحى بها. ونتيجة كل هذا ازدواجية لا يمكن أن تزول، فالتجربة الدينية الحقة تتمثل في تَقبُّل مجموعة من المتناقضات لا يمكن التوفيق بينها: تأكيد الذات وإنكارها، والوعي المتزامن بالزمني والأزلي، والتصادم بين الجبر والحرية، وحب الإله وخشيته في آن واحد، والإيمان بتجاوزه وكمونه!
أما فيما يتصل بالأفكار الأخروية والنشورية فيذهب سولوفايتشيك إلى أن الإنسان لا يمكنه أن يسبر غور الغيب أو يتخيل الآخرة أو البعث، ولكن يمكن أن نؤسس إيماننا بهما انطلاقاً من إيماننا بأن الله عادل ورحيم، وأنه يثيب ويعاقب ويشمل برحمته هؤلاء الذين يحتاجون لرحمته من الموتى.
وقد كتب سولوفايتشيك دراسات أخرى تناول فيها بعض المشاكل الناجمة عن ظهور دولة إسرائيل بالنسبة إلى اليهود الأرثوذكس.
وقد عارض سولوفايتشيك الحوار الذي اقترحته الكنيسة الكاثوليكية للتقريب بين الأديان. وتَقبَّلت اليهودية الأرثوذكسية موقفه، حتى أصبح موقفها الرسمي.
اليهودية الأرثوذكسية والصهيونية
‏Orthodox Judaism and Zionism

يمكن تفسير الفكر اليهودي الأرثوذكسي تفسيراً معادياً تماماً للصهيونية. فالإيمان بالعودة الشخصية للماشيَّح يعني الانتظار في صبر وأناة إلى أن يأذن الإله بالعودة. وعلى المؤمن الحق أن يقبل المنفى، إما عقاباً على ذنوب يسرائيل أو كجزء من التكليف الإلهي، وعليه ألا يحاول التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتس) . وقد كانت الفرق الأرثوذكسية معادية للصهيونية في بادئ الأمر. ولكن هذه الأرثوذكسية تمت صهينتها على يد بعض الحاخامات الأرثوذكس، وخصوصاً الحاخام كوك (ومن قبله كاليشر والقالي) . وكانت متتالية الخلاص في الماضي تأخذ الشكل التالي:
نفي ـ انتظار ـ عودة الشعب
أما الآن، فإن المتتالية الجديدة المقترحة هي: نفي ـ عودة أعداد من اليهود للتمهيد لوصول الماشيَّح ـ عودة الماشيَّح مع بقية الشعب.
ومن هنا، تمت صهينة الأرثوذكسية، ولم يبق سوى فريق الناطوري كارتا الذي يدافع عن الرؤية الأرثوذكسية التقليدية قبل صهينتها. وعملية الصهينة هذه ليست أمراً غريباً، فالرؤية الحلولية، في إحدى مراحلها، تخلع القداسة على الشعب وإرادته. ولذا تبهت الإرادة الإلهية وتتراجع ويصبح من حق اليهود أن يعجلوا بالنهاية. وعلى كلٍّ، فإن المنظومة القبَّالية التي يؤمن بها الأرثوذكس تجعل تَوحُّد الذات الإلهية واكتمالها مرهوناً بأفعال اليهود ومدى إقامتهم الشعائر!

وتستمدُّ اليهودية الأرثوذكسية قوتها من قوة اليهودية الأرثوذكسية في إسرائيل ومؤسساتها، فهم الفريق الوحيد المُعترَف به في الدولة الصهيونية. ومعظم اليهود الأرثوذكس أعضاء في جمعية أجودات إسرائيل، أو في حركة مزراحي. والأولى لا تؤيد الصهيونية وغير مُمثَّلة في المنظمة الصهيونية العالمية، ومع هذا فلها أحزابها في إسرائيل، وممثلوها في الكنيست. أما حركة المزراحي، فقد ساهمت منذ البداية في النشاط الصهيوني. وقد كُشف النقاب مؤخراً عن أن هرتزل (اللاديني) كان وراء تأسيس حركة المزراحي، وأنه دفع نفقات مؤتمر المزراحي الأول من جيبه. ومن أهم الشخصيات اليهودية الأرثوذكسية، سولوفايتشيك رئيس شرف حركة مزراحي، وإليعازر بركوفيتس الذي يرى أن إنشاء دولة إسرائيل له دلالات أخروية عميقة.
وتسيطر اليهودية الأرثوذكسية على الحياة الدينية في إسرائيل، فهي تسيطر على دار الحاخامية الرئيسية، وعلى وزارة الشئون الدينية، وعلى الأحزاب الدينية، مثل: مزراحي، وعمال مزراحي، وأجودات إسرائيل، وعمال أجودات إسرائيل، وساش. وهي أحزاب تمارس سلطة لا تتناسب بأية حال مع أحجامها الحقيقية، وذلك لأن الحزب الحاكم يدخلها الائتلافات الوزارية التي تمكِّنه من البقاء في الحكم. وهو يقدم لها، نظير ذلك، كثيراً من التنازلات التي تطالب بها. ومن أهم هذه التنازلات، عدم اعتراف الدولة حتى الآن بالزيجات المُختلَطة، أو الزيجات التي لم يشرف على عقدها حاخامات أرثوذكس.

اليهودية المفاهيم والفرق - الفرق الدينية اليهودية - اليهودية المحافظة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

اليهودية المحافظة: تاريخ
‏Conservative Judaism:History
«اليهودية المحافظة» فرقة دينية يهودية حديثة نشأت في الولايات المتحدة، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كمحاولة من جانب اليهودية للاستجابة لوضع اليهود في العصر الحديث في العالم الجديد وهي أهم وأكبر حركة دينية يهودية في العالم، وأهم مفكريها سولومون شختر. ولكن جذور الحركة تعود، مع هذا، إلى ما يُسمَّى «علم اليهودية» وأقطابها هم: نحمان كروكمال، وزكريا فرانكل، وهنريش جرايتس، وسولومون رابوبورت، وكلهم من المفكرين اليهود الأوربيين في القرن التاسع عشر. واليهودية المحافظة جزء من الفكر الرومانسي الغربي، وخصوصاً الألماني. وهي ليست مدرسة فكرية ولا حتى فرقة دينية محددة المعالم بقدر ما هي اتجاه ديني عام وإطار تنظيمي يضم أبرشيات وحاخامات، يسمون أنفسهم «محافظين» ، ويسميهم الآخرون كذلك. فالمفكرون المحافظون يختلفون فيما بينهم حول أمور مبدئية مثل الوحي وفكرة الإله، كما يختلفون بشأن الأمور الشعائرية، ولم ينجحوا في التوصل إلى برنامج محدَّد موحَّد. وهم يرفضون ذلك بحجة أنهم ورثة اليهودية الحاخامية ككل، وبالتالي فلابد أن تُترَك الأمور لتتطور بشكل عضوي طبيعي. وفكرة التطور العضوي من الداخل إحدى الأفكار الرومانسية الأساسية.
ومع هذا، فإن ثمة أفكاراً أساسية تربط أعضاء هذه الفرقة التي تُشكِّل، على مستوى من المستويات، رد فعل لليهودية الإصلاحية أكثر من كونها رد فعل لليهودية الأرثوذكسية. فقد اكتسحت اليهودية الإصلاحية يهود الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع حتى أنه، مع حلول عام 1881، كانت كل المعابد اليهودية (البالغ عددها مائتي معبد) معابد إصلاحية باستثناء اثنى عشر معبداً. وقد اتخذ مؤتمر بتسبرج عام 1885 قراراته الإصلاحية الشاملة التي أعلن فيها أن كثيراً من الطقوس، ومن ذلك الطقوس الخاصة بالطعام، مسائل نسبية يمكن الاستغناء عنها.....

وكان هناك شخصيات كثيرة معارضة للاتجاه الإصلاحي، وخصوصاً في صيغته المتطرفة، بينهم إسحق ليزر وألكسندر كوهوت. وقد أعلن الأخير معارضته لقرارات مؤتمر بتسبرج، وهاجم المفكر الإصلاحي كاوفمان كولر، وطالب بإنشاء مدرسة حاخامية لدراسة الممارسات التاريخية لليهودية. وقد قام ساباتو موريه بتأسيس كلية اللاهوت اليهودية (عام 1887) التي أصبحت المنبر الأساسي للفكر المحافظ، ويُعَدُّ هذا التاريخ تاريخ ميلاد اليهودية المحافظة، خصوصاً وقد أعاد شختر تنظيمها عام 1902. ثم تم تأسيس جمعية الحاخامات الأمريكية التي ضمت خريجي المدرسة. وتشكِّل هذه الجمعية، مع معبد أمريكا الموحَّد عام 1913، وكلية اللاهوت اليهودية، أهم عناصر الهيكل التنظيمي لليهودية المحافظة. وقد أُضيف إلى كل ذلك كلية اليهودية في لوس أنجلوس. ومن أهم مؤسسات اليهودية المحافظة الأخرى لجنة الشريعة والمعايير التي يدل اسمها على وظيفتها، فهي التي تحدِّد المعايير لأتباع اليهودية المحافظة وتفسِّر لهم الشريعة، وهي عملية مستمرة لا تتوقف من منظور اليهودية المحافظة.

وترى اليهودية المحافظة أن هدفها الأساسي هو الحفاظ على استمرارية التراث اليهودي، باعتباره الجوهر، أما ما عدا ذلك من العبادات والعقائد فهو يظهر بشكل عضوي وتلقائي متجدد. ومن هنا، فقد ظهرت اليهودية التجديدية من صلب اليهودية المحافظة، فهي ترى أن اليهودية حضارة يُشكِّل الدين جزءاً منها وحسب. ويبدو أن حاييم كابلان، مؤسس المدرسة التجديدية، يمارس في الوقت الحاضر تأثيراً عميقاً في اليهودية المحافظة. ففي عام 1948، أُعيد تنظيم لجنة القانون اليهودي، كما أُعيد تحديد معايير المجلس الحاخامي وبدأ تَبنِّي معايير تختلف كثيراً عن معايير شختر مؤسِّس اليهودية المحافظة، حتى أنه يمكن القول بأن توجُّه اليهودية المحافظة في الوقت الحالي يختلف عن التوجه الذي حدده لها مؤسسوها إذ بدأت اليهودية المحافظة تتخذ كثيراً من المواقف التي لا تختلف كثيراً عن مواقف اليهودية الإصلاحية التي تقترب في الوقت نفسه من اليهودية التجديدية. ولكن احتجاجاً على هذه الاتجاهات المتطرفة ظهرت فرقة جديدة تُسمَّى اتحاد اليهودية التقليدية (1984) تحاول قَدْر استطاعتها أن تحتفظ ببعض الأشكال التقليدية وألا تنجذب نحو اليهودية التجديدية والإصلاحية وأصبح لها مدرستها اللاهوتية الخاصة لتخريج الحاخامات عام 1990. وقد صدر عام 1988 كتاب بعنوان إيميت فأموناه (الحقيقة والاعتقاد) : مبادئ اليهودية المحافظة وهو كتاب من 40 صفحة أصدره مؤتمر من مفكري اليهودية المحافظة حاولوا فيه تلخيص مبادئ اليهودية المحافظة ومن أهمها الاعتراف بالغيب (ما وراء الطبيعة) ورفض النسبية، وهو مجرد قول، لأن تطوُّر اليهودية المحافظة يبيِّن مدى محاولة تكيفها المستمر مع ما حولها وخضوعها المستمر له. كما أكدت الوثيقة أهمية إسرائيل في حياة الدياسبورا ولكنها أتبعت ذلك بتأكيد تعددية المراكز، أي أهمية الدياسبورا في ذاتها.

وقد تزايد عدد اليهود المحافظين في أنحاء العالم، وخصوصاً في أمريكا اللاتينية. ولكنها، مع هذا، تظل أساساً حركة أمريكية، ويبلغ عددهم الآن 33% من كل يهود الولايات المتحدة (مقابل 30% إصلاحيون و9% أرثوذكس و26% لا علاقة لهم بأية فرقة دينية) ومع هذا تذهب إحدى المراجع إلى أن العدد هو 2 مليون ويبلغ عدد الأبراشيات المحافظة 800 أبراشية. ومعظم اليهود المحافظين يأتون من بين صفوف اليهود الأمريكيين الذين أتوا من خلفيات دينية أرثوذكسية، ولذلك يجدون أن اليهودية الإصلاحية متطرفة. وبهذا المعنى، فإن اليهودية المحافظة قد تكون محطة على طريق الانتقال من اليهودية الأرثوذكسية إلى اليهودية الإصلاحية أو العلمانية أو حتى الإلحادية. وهناك عدد كبير من المحافظين من أصل ألماني، ولكن توجد في صفوفهم أعداد كبيرة أيضاً من شرق أوربا. ويمكن القول بأن اليهود المحافظين هم يهود ابتعدوا عن أصولهم الإثنية الأوربية وأصبحوا أمريكيين، ولكنهم مع هذا يودون الاحتفاظ بهوية إثنية يهودية (وهذا اتجاه عام في المجتمع الأمريكي) على الأقل لبعض الوقت. وتقوم اليهودية المحافظة بسد هذه الحاجة. وحسب تعبير أحد الدارسين فإن المسافة الزمنية بين اليهودية المحافظة واليهودية الإصلاحية عشرة أعوام، ثم تلحق الأولى بالثانية. وقد أخذ الإصلاحيون، في الآونة الأخيرة، في التشدد بشأن بعض الشعائر الدينية في حين أخذ المحافظون في التساهل في كثير منها، فقد عينوا مؤخراً امرأة في وظيفة حاخام. ولذا، فقد بدأت المسافة بين الفريقين في التناقص، واندمج كثير من الأبرشيات المحافظة والإصلاحية. وقد لاحَظ الحاخام ملتون بولين (رئيس المجلس الحاخامي في أمريكا) أن ثمة فجوة، بين الأرثوذكس من جهة والمحافظين والإصلاحيين من جهة أخرى، وأنها آخذة في التزايد حتى أنهم أصبحوا يشكلون يهوديتين مختلفتين.

ومن أهم مفكري اليهودية المحافظة في الولايات المتحدة: لويس جنزبرج، ولويس فنكلشتاين، وشاؤول لايبرمان، وجيكوب آجوس، وجرسون كوهين.
اليهودية المحافظة: الفكر الديني
‏Conservative Judaism:Religious Thought
رغم أن اليهودية المحافظة رد فعل لليهودية الإصلاحية، فإن ثمة عنصراً مشتركاً أساسياً بينهما، فهما يهدفان إلى حل إشكالية الحلول الإلهي في الشعب اليهودي ومؤسساته القومية. والصيغة الحلولية التقليدية تجعل الشعب اليهودي مقدَّساً ومطلقاً يشير إلى ذاته، وهو أمر لا يمكن أن تقبله الدولة القومية الحديثة التي تجعل نفسها موضع الإطلاق والقداسة ولا العصر الحديث الذي جعل العلم موضع الإطلاق. وتحاول كلٌّ من اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة أن تصل إلى صياغة حديثة لليهودية عن طريق تَبنِّي مُطلَق دنيوي يُسمَّى «الروح» (بالألمانية: جايست) فيضاف اسم لكلمة «روح» ، فيُقال في الفكر الأوربي الرومانسي مثلاً: «روح العصر» أو «روح المكان» أو «روح الشعب» أو «روح الأمة» والناتج شيء يعبِّر عن الإله أو يحل محله. وقد آمن الإصلاحيون بروح العصر (تسايت جايست) ، وآمن المحافظون بروح الشعب العضوي (فولك) ، وهي روح تجلت عبر التاريخ في أشكال مختلفة (وهذا الطرح لا يتعارض كثيراً مع العقد الاجتماعي الأمريكي الذي يسمح للأقليات المهاجرة بالاحتفاظ بشيء من هويتها ما دام هذا لا يتعارض مع المطلق الأكبر، مصلحة الولايات المتحدة ومنفعتها) . ولكن الاختلاف الآنف الذكر، بين اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة، يتبدَّى في الطريقة التي اتبعها كل منهما لتحديث اليهودية. فبينما قام الإصلاحيون باتباع النموذج الاندماجي، قام المحافظون بتحديث اليهودية عن طريق تَبنِّي النموذج الشعبي، أي تقديس الفولك وتاريخه وتراثه وأرضه (وهذا هو النموذج النازي) .

المحافظون إذن يودون إحداث تغيير دون الإخلال بروح الفولك اليهودي، فهذا هو الجوهر اليهودي أو المطلق موضع الحلول الذي ينبغي الحفاظ عليه. وهذه الرغبة في التغيير مع الميل إلى المحافظة تسمان كل أفكارهم. فهم يؤمنون على اختلاف اتجاهاتهم بأن الشعب اليهودي قد تطوَّر عبر تاريخه، وبأن اليهودية لم تتجمد أبداً، وأنها كانت قادرة على التكيف مع اللحظة التاريخية ومع روح العصر، ولهذا فهي ليست مجموعة ثابتة من العقائد وإنما هي تراث آخذ في التطور التاريخي الدائم، ومن هنا كان إطلاق اسم «اليهودية التاريخية» على هذه المدرسة وخصوصاً في أوربا. ويرى المحافظون أن دراسة اليهودية بشكل تاريخي ونقدي (علم اليهودية) هو تطوُّر إيجابي يساعد اليهود على فهم أنفسهم، كما يساهم في جعل اليهودية نسقاً دينياً خلاقاً كما كان الحال في الماضي. ومع هذا، فقد وقفت اليهودية المحافظة ضد التيار اليهودي الإصلاحي، فنادى زكريا فرانكل، شأنه في هذا شأن هيرش الأرثوذكسي وشأن الصهاينة، بأن يكون أي تغيير أو تطوير لليهودية نابعاً لا من خارج الروح اليهودية وإنما من أعماقها، أي من روح الشعب العضوي (المطلق الجديد) . ورغم أن فرانكل والمحافظين كانوا من المؤمنين بأن التوراة أو الشريعة الشفوية خرافة ابتدعها الحاخامات لكي يضفوا مسحة من الشرعية على ما أقره الإجماع الشعبي، ورغم أنهم رأوا أيضاً أن التراث الديني اليهودي ليس مرسلاً من الإله، فإنهم لم يتخذوا موقفاً نقدياً من التوراة أو التراث اليهودي كما فعل الإصلاحيون، لأنهما كلاهما تعبير عن الشعب اليهودي وعبقريته. وقد اقترح المحافظون، وبالذات الحاخام الصهيوني شختر عدم ترك الأمور في أيدي قلة من رجال الدين يقومون بتفسير الشريعة كيفما شاءوا، ودعا إلى وجوب أن يقوم متكلمون يمثلون الشعب اليهودي وينطقون باسم الجماعة. وتحاول هذه الجماعة التي تمثل كل أو عموم إسرائيل (بالعبرية: كلال يسرائيل) أن تكتشف

اليهودية بدراسة التراث والتقاليد والأدب اليهودي.
وتطبيقاً لهذا الموقف الوسط بين اليهودية الإصلاحية والأرثوذكسية، يؤمن المحافظون بأن الأمل في العودة إلى صهيون فكرة أثيرة لدى اليهودي لابد من المحافظة عليها. ومع هذا، لا يتنافى هذا الأمل، بأية حال، مع الولاء للوطن الذي يعيش فيه اليهودي. وهم لا يؤمنون بالعودة الفعلية والشخصية للماشيَّح، ويطرحون بدلاً منها فكر العصر المشيحاني الذي سيتحقق بالتدريج. ويصبح تأسيس الدولة اليهودية، داخل هذا الإطار، خطوةً أولى نحو تحقيق هذا العصر. ويرى المحافظون أن تكون الصلوات اليهودية بالعبرية، وإن كانوا لا يمانعون في أن تُتلى باللغة المحلية إذا لزم الأمر. ويؤكد المحافظون أن الشريعة ملزمة لليهودي، وبالتالي ضرورية للحفاظ على شعائر اليهودية، فمُثُل اليهودية العليا يتم تفسيرها من خلال الشريعة. كما أن اليهودية تدور حول الأوامر والنواهي التي تغطي السلوك الإنساني وتحكم العلاقة بين اليهود من جهة، وبينهم وبين الإله من جهة أخرى. ولكن، مع هذا، لابد أن تظل الشريعة مرنة مرونة كافية بحيث تترك مجالاً للتغيير والتعددية الفكرية التي تجعلها قادرة على مواكبة العصر الحديث، وعلى سد حاجة الإنسان اليهودي الحديث. ولذا، لابد أن تتسم عملية تفسير الشريعة بقدر عال من الإبداع. ويتضح هذا الموقف في أنهم لا يمانعون في إدخال بعض التعديلات على الشعائر الدينية (فيقيمون بعض طقوس السبت) ، ولكنهم يسمحون باختلاط الجنسين (وأصبحت النساء جزءاً من النصاب [منيان] المطلوب لإقامة صلاة الجماعة) ، بل يسمحون بأن تكون هناك من الإناث حاخامات ومنشدات (حزان) . وقد أبقوا على الختان وقوانين الطعام، وإن كانوا قد أدخلوا بعض التعديلات عليها. وهم يقيمون الصلوات بشال الصلاة (طاليت) وتمائم الصلاة (تفيلِّين) .

ورغم تماثُل الجذور الفكرية لليهودية الإصلاحية والمحافظة، فإن تشابه اليهودية المحافظة بنيوياً مع اليهودية الأرثوذكسية واضح وقوي. بل إن الفروق بينهما طفيفة وغير جوهرية، فكلتاهما تدور في إطار الحلولية التقليدية دون أن توسع نطاقها لتضم غير اليهود (كما فعلت اليهودية الإصلاحية) . ولذا، نجد أن كلاًّ من اليهودية المحافظة واليهودية الأرثوذكسية تؤمنان بالثالوث الحلولي: الإله (أو التوراة) ، والشعب، والأرض. وعلى حين يؤكد الأرثوذكس أهمية الإله والوحي والتوراة، نجد المحافظين يبرزون أهمية الشعب وتراثه وتاريخه، أي أن الاختلاف ينصرف إلى تأكيد أحد عناصر الثالوث الحلولي على حساب عنصر آخر. ويُضفي كلا الفريقين هالة من القداسة على حياة اليهود وتاريخهم، وهي قداسة يُرجعها الأرثوذكس إلى أصول إلهية ويرجعها المحافظون إلى أصول قومية أو إلى روح الشعب (وكلال يسرائيل هي في الواقع الفولك التي يتحدث عنها الفكر الرومانسي الألماني) ، ويصبح الدين اليهودي فلكلور الشعب اليهودي المعبِّر عن هويته الإثنية وسر بقائه، كما أنه يكتسب أهميته بمقدار مساهمته في الحفاظ على هذا الشعب المقدَّس.
وقد عادت اليهودية المحافظة، بتحويلها الشعب إلى مصدر للإطلاق وموضع للقداسة، إلى واحدة من أهم الطبقات في التركيب الجيولوجي اليهودي، وهي الطبقة الحلولية التي أدَّت إلى واقع أن الإله لم يتمتع قط بالمركزية التي يتمتع بها داخل الأنساق الدينية التوحيدية، فهو يمتزج بالشعب والأرض ويتساوى معهما. وتميل الكفة داخل النسق الحلولي بالتدريج لصالح الشعب على حساب الإله حتى يصبح الشعب وتراثه (لا الإله) مصدر القداسة، وبالتالي يصبح جوهر اليهودية بقاء اليهود، ويظهر داخل اليهودية لاهوت البقاء أو لاهوت ما بعد أوشفيتس.

وقد عَرَّفت اليهودية المحافظة أهدافها بأنها الإصرار على وحدة إسرائيل «الكاثوليكية» العالمية، والإصرار على الحفاظ على استمرار التراث اليهودي والاهتمام بالدراسات اليهودية. فهذا هو الجوهر، أما ما عدا ذلك من عبادات وعقائد، فإنه يظهر بشكل عضوي وتلقائي متجدد.
اليهودية التاريخية
‏Historical Judaism
«اليهودية التاريخية» مصطلح مرادف لمصطلح «اليهودية المحافظة» أدخله زكريا فرانكل حين دعا إلى ثوابت " اليهودية التاريخية " قاصداً بذلك العناصر الثابتة التي ينبغي على الإصلاح الديني أن يقبلها ولا يحاول تعديلها لأنها تعبير عن جوهر الروح اليهودية، وهو جوهر أزلي لا لأن الإله خلقه بل لأنه تجاوز الزمان من خلال ممارسات اليهود عبر التاريخ.
اتحاد اليهودية التقليدية
‏Union of Traditional Judaism
فرقة يهودية جديدة خرجت على اليهودية المحافظة عام 1984 بعد أن صُرِّح للنساء بالانضمام لكلية اللاهوت اليهودية، ومن ثم أصبح من الممكن ترسيمهم حاخامات عند تَخرُّجهن. وقد احتفظت الفرقة بانتمائها لليهودية المحافظة بعض الوقت وسمَّت نفسها اتحاد اليهودية المحافظة التقليدية ثم شكلت لجنة البحث في الشريعة التي تُعَدُّ تحدياً مباشراً للجنة الشريعة والمعايير التابعة لليهودية المحافظة. وبعد قليل، استقلت الفرقة عن اليهودية المحافظة وأسست كلية خاصة بها لتخريج الحاخامات وسمَّت نفسها باسمها الحالي. وقد جاء هذا في أعقاب قيام اليهودية التجديدية بتأسيس كلية لتخريج الحاخامات التجديديين. وهذا يعني أن هناك تساقطاً في صفوف اليهودية المحافظة لصالح كلٌّ من اليسار (التجديدي) واليمين (التقليدي) .
ماسورتي
‏Masorti

«ماسورتي» كلمة عبرية تعني «محافظ» أو «تقليدي» (من كلمة «موسار» أي «تقاليد» ) وتُستخدَم للإشارة إلى اليهود المحافظين، وخصوصاً داخل إسرائيل. وتُترجم الكلمة إلى العربية بكلمة «محافظ» أو «تقليدي» . ولذا، فحين ترد هذه الكلمة في أحد النصوص العربية، يظن القارئ العربي أن هذا اليهودي الذي يقال له «تقليدي» يتمسك بالشعائر وبأهداف دينه، ولكنه في الواقع يهودي إثني يتمسك ببعض الشعائر لأنها جزء من ميراث الأجداد ولأنها تعبِّر عن الذات القومية وروح الشعب (فولك) . وهو في هذا مختلف عن اليهود العلمانيين الذي يرفضون كل التقاليد ويرون أنها تعوقهم عن التقدم واللحاق بركاب الحضارة الحديثة. ولكنه رغم اختلافه عن اليهود العلمانيين إلا أن هذا لا يجعله محافظاً أو تقليدياً من المنظور الديني، فالشعائر بالنسبة له ليست جزءاً من نسق ديني أخلاقي يتمسك به مهما كان الثمن، وإنما هي فلكلور يمتع به نفسه. ولهذا، فرغم أن المعنى المعجمي للفظ «ماسورتي» هو «محافظ» أو «تقليدي» ، فإن مجاله الدلالي مختلف تماماً عن كلمة «محافظ» أو «تقليدي» في أية لغة أخرى أو أي سياق حضاري أو ديني آخر.
معبد أمريكا الموحَّد
‏United Synagogue of America
تنظيم يضم الأبرشيات اليهودية المحافظة، أسسه سولومون شختر عام 1913، ويتبعه نحو 830 معبداً في كل من الولايات المتحدة وكندا. ويوجه التنظيم الأبرشيات التابعة له وفروعها. ولتحقيق هذا الغرض، أقام المعهد قسماً للتربية اليهودية وقسماً لأنشطة الشباب ومعهداً قومياً للدراسات اليهودية للكبار، كما أقام لجنة للعمل الاجتماعي وقسماً للموسيقى ولجنة للطعام الشرعي. ويرتبط هذا التنظيم بكلٍّ من جمعية الحاخامات وجمعية المرتلين وجمعية المربين والجمعية القومية لأمناء المعابد، ومن ضمن ذلك الرابطة القومية النسائية التابعة لها، وغيرها من الروابط.
كلية اللاهوت اليهودية
‏Jewish Theological Seminary

معهد ديني عال تم تأسيسه عام 1886 في نيويورك لإعداد الحاخامات. وقد ترأسه عام 1902 سولومون شختر الذي بلور اتجاهه العقائدي بحيث أصبح العصب الأساسي لليهودية المحافظة، وهو لا يزال كذلك حتى الوقت الحالي. وبعد وفاة شختر تبعه في رئاسة الكلية كلٌّ من سيروس أدلر ولويس فنكلشتاين على التوالي. ويتبع الكلية معهد لتدريب المنشدين الدينيين ومركز طلابي في القدس. وتشرف الكلية على المتحف اليهودي في نيويورك، ولها مكتبة تحوي 200 ألف كتاب وعشرة آلاف مخطوط.
الجمعية الأمريكية للحاخامات
‏Rabbinical Assembly of America
تَجمُّع يضم ما يربو على 600 حاخام محافظ في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا 80% منهم من خريجي كلية اللاهوت اليهودية. وقد نُظِّمت الجمعية سنة 1900 لتكون جمعية لخريجي هذه الكلية، ولكن أُعيد تنظيمها عام 1940 باسم «جمعية الحاخامات» . وفي سنة 1946، نشرت الجمعية بالتعاون مع معبد أمريكا الموحَّد كتاب صلوات السبت والأعياد. وتنشر الجمعية مجلة ربع سنوية هي اليهودية المحافظة، وكتاباً سنوياً يضم تفاصيل مؤتمرها. أما اللجنة التابعة للجمعية، والخاصة بالشريعة اليهودية والمعايير الدينية، فقد أصدرت عدداً من الفتاوى.
سولومون رابوبورت (1790-1867 (
‏Solomon Rapoport
أحد رواد علم اليهودية واليهودية المحافظة. وُلد في جاليشيا ودرس العلوم الدينية والدنيوية في عصره. وقد استفاد رابوبورت بمعرفته التقليدية والدنيوية في دراساته التاريخية فتَخصَّص في فترة الفقهاء (جاءونيم) ، وكان صديقاً لنحمان كروكمال وحاييم لوتساتو وليوبولد زونز. عمل رابوبورت حاخاماً في جاليشيا وبراغ حيث هاجمه الحسيديون والأرثوذكس بسبب دراساته وموقفه النقدي من اليهودية.

وقد عارض رابوبورت اليهودية الإصلاحية لتجاهلها التراث اليهودي متمثلاً في التلمود. كما عارض قرارات المؤتمرات الحاخامية الإصلاحية، وكتب يبين أنها ستؤدي إلى انقسام اليهودية، وأن أي إصلاح لابد أن يتم لا بيد الإنسان وإنما بمرور الزمن، فهو وحده الذي اكتسح كثيراً من العادات البالية وسيفعل ذلك مرة أخرى. ووضَّح رابوبورت أن الحاخامات كانوا يُدخلون عبر التاريخ تعديلات على قوانين الزواج والطلاق والطعام، وأنهم كانوا يقومون بذلك لعلمهم التام بأن الشعب اليهودي بأسره سيأخذ بهذه التعديلات، كما كانوا يعلمون أن وحدة اليهود لا يتهددها الخطر من قريب أو بعيد بسبب هذه التعديلات. والواقع أن رابوبورت يشبه فرانكل في هذا المضمار، فكلاهما يضع الإجماع الشعبي (كلال يسرائيل أو روح الشعب) مقياساً للإصلاح الديني، ومقياساً لقبول أو رفض العقائد أو العادات الدينية. فالثوابت أو المطلقات، أي العناصر التي خلع عليها الشعب القداسة، لا يمكن تعديلها.
وقد بدأ رابوبورت في نشر موسوعة عن التلمود ولكنه لم يكملها، وترجم بعض الأشعار عن اللغات الأوربية إلى العبرية.
زكريا فرانكل (1801-1875 (
‏Zacharias Frankel
عالم ديني يهودي. وقد كان أول حاخام من بوهيميا تَلقَّى تعليماً علمانياً لأن التعليم اليهودي كان تعليماً دينياً صرفاً. أصبح حاخاماً أكبر في درسدن عام 1836، ورئيس كلية لاهوتية في برسلاو عام 1854. حاول أن يمزج القيم اليهودية التقليدية بالمعرفة الغربية، وأن يطوِّر اليهودية دون إخلال بما تصوَّر أنه جوهرها التقليدي وروحها الأساسية كما عبَّرت عن نفسها عبر التاريخ. وقد انسحب من حركة اليهودية الإصلاحية بعد خلافه مع جايجر، وكان السبب المباشر لانسحابه هو عدم موافقته على حذف الإشارات إلى صهيون، وتغيير لغة الصلاة من العبرية إلى لغة الوطن الذي يُعاش في كنفه (الألمانية في حالته (.

وقد انطلق فرانكل في قراره هذا مما أسماه «ثوابت اليهودية التاريخية» . ووصف العبرية بأنها التربة التي نشأت فيها اليهودية وترعرعت، وهي التربة الوحيدة التي يمكن أن تستمر وتزدهر فيها في المستقبل. ويعترف فرانكل بأن العبرية ليست مكوِّناً أصلياً في اليهودية فهما قد ارتبطتا أثناء ممارسة اليهودية في التاريخ. ولكنه يرى أن هذا الارتباط، برغم أنه تم في الزمان، فإنه قد تجاوزه بحيث أصبح مطلقاً لا زمانياً. وهكذا، فإن العبرية التي كانت مجرد أداة عبَّرت اليهودية عن نفسها من خلالها أصبحت جوهراً، أي واحداً من الثوابت الراسخة في الوجدان اليهودي ينبغي التمسك به. والواقع أن الثوابت عند فرانكل هي المطلقات الدينية التي تستمد مطلقيتها وقداستها من ممارسة اليهود التاريخية، ويصبح معيار تَقبُّل أحد جوانب اليهودية أو رفضه ليس الشريعة الثابتة وإنما مدى الأهمية التي خلعها الوجدان اليهودي على هذا الجانب أو ذاك من العقيدة اليهودية. فالعبرية تكتسب قدسيتها وأهميتها وتتحول إلى أحد الثوابت من هذا المنظور. وهذه الرؤية تعبير عن الطبقة الحلولية في التركيب الجيولوجي اليهودي وعن تحوُّل الشعب اليهودي إلى نقطة الحلول التي يكمُن فيها الإله والتي تحل محل الإله كمصدر للقداسة.
وتعود رؤية فرانكل الحلولية العضوية بجذورها إلى الحلولية اليهودية، ولكنها تشبه أيضاً رؤية المفكرين الرومانتيكيين الألمان الذين خلعوا القداسة على الشعب العضوي (فولك) ، ونظروا إلى حضارة كل شعب على أنه كيان عضوي مقدَّس يعبِّر عن روح الشعب، وهذه هي المفاهيم التي تبنتها الحركة النازية فيما بعد.
وقد تأثر أعلام الفكر اليهودي المحافظ، مثل سولومون شختر ولويس جنزبرج، بأفكار فرانكل. ومن أهم مؤلفاته طريق المشناه (1859) ، وبعض الأبحاث القصيرة عن الترجوم، والترجمة السبعينية، والتلمود.
إسحق ليزر (1806-1868 (
‏Isaac Leeser

حاخام محافظ من أصل ألماني، تلقى تعليماً حاخامياً وتعليماً دنيوياً قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1824. عمل منشداً (حزان) من عام 1829 في فيلادلفيا، وقام بترجمة العهد القديم إلى الإنجليزية، وأعد كتب الصلوات. وهو يُعَدُّ الأب الروحي لليهودية المحافظة. وقد أسس أول جريدة تهتم بالشئون اليهودية عام 1843، كما أسس أول دار نشر للكتب اليهودية، وكتب أول كتاب لتعليم العبرية للأطفال، ألحق به نصوصاً، كما أسس أول مدرسة ثانوية لتعليم العبرية عام 1849، وأسس أيضاً أول منظمة دفاع يهودية تمثل اليهود (هيئة المندوبين الإسرائيليين الأمريكيين) ، وأول كلية لإعداد الحاخامات عام 1867 (وقد تخرَّج فيها أول أربعة حاخامات أمريكيين تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة (.
ساباتو موريه (1823-1897 (
‏Sabato Morais
حاخام أمريكي. وُلد في إيطاليا وتعلَّم فيها، ثم هاجر إلى إنجلترا ومنها إلى الولايات المتحدة (1851) حيث عمل منشداً (حزان) في فيلادلفيا محل إسحق ليزر.
ولا يتسم موريه بأي عمق أو أصالة في التفكير، ولكن أهميته تعود إلى حشده القوات المحافظة بين يهود أمريكا ضد الاتجاه الإصلاحي. وقد تعاون ساباتو مع الحاخام إسحق وايز، ولكن قرارات مؤتمر بتسبرج عام 1885 أقنعته بضرورة تأسيس تيار وسط بين الأرثوذكسية والإصلاحية وضرورة تأسيس معهد لتخريج الحاخامات المحافظين، فأسس كلية اللاهوت اليهودية عام 1887، وقد ظل رئيساً لهذه الكلية حتى موته. ويُعَدُّ هذا التاريخ تاريخ ميلاد اليهودية المحافظة.
ألكسندر كوهوت (1842-1894 (
‏Alexander Kohut

حاخام محافظ. وُلد في المجر، ودرس في جامعة ليبزج، وأصبح حاخاماً في ألمانيا عام 1867. كان سكرتيراً لمؤتمر الوجهاء اليهود الذي عُقد في بودابست عام 1868، وناقش القضايا الأساسية التي كانت تواجه يهود اليديشية في شرق أوربا آنذاك. وعُيِّن في البرلمان المجري ممثلاً لليهود في أوائل الثمانينيات، ولكنه هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1885 حيث أصبح حاخاماً في نيويورك. وقد أصبح كوهوت من أكبر مهاجمي لحركة اليهودية الإصلاحية، وخصوصاً مقررات مؤتمر بتسبرج. ولعب كوهوت دوراً مهماً في تأسيس كلية اللاهوت اليهودية. وأهم مؤلفاته أخلاق الآباء (1885) ، ومعجم من ثمانية أجزاء للمصطلحات التلمودية.
سولومون شختر (1847-1915 (
‏Solomon Schechter
حاخام صهيوني من مفكري اليهودية المحافظة. وُلد في رومانيا حيث تلقَّى العلوم اليهودية التقليدية، وواصل دراسته في فيينا فتعمق في الدراسات اليهودية، ثم انتقل إلى إنجلترا عام 1890، حيث عُيِّن محاضراً للدراسات التلمودية في جامعة كامبردج. وسافر إلى القاهرة عام 1896 ورجع منها بعد عام حاملاً عديداً من المخطوطات اليهودية التي عثر عليها في جنيزاه المعبد اليهودي القديم في الفسطاط، ثم انتقل إلى أمريكا ليرأس الكلية اللاهوتية اليهودية.

وبرغم أن شختر كان يؤمن بأن اليهودية دين وقومية معاً، فإنه لم ينضم إلى الحركة الصهيونية بسبب ما تصوَّره من علمانية قادة الحركة من أشباه اليهود، على حد تعبيره. وكان تصوُّره للوطن القومي اليهودي أقرب إلى صيغة آحاد هعام منه إلى صيغة هرتزل، وقد قابل آحاد هعام، وأصبح صديقاً شخصياً له. ولكنه اضطر في النهاية (عام 1905) إلى الانضمام إلى الحركة الصهيونية لأن الصهيونية على حد قوله تمثل سداً عميقاً ضد الانصهار والاندماج، كما أنها تعبير صادق عن أعماق الوعي اليهودي إلى درجة لم يتنبه إليها الصهاينة اللادينيون أنفسهم. ويُعَدُّ شختر مسئولاً أكثر من أي شخص آخر عن إدخال الأفكار الصهيونية على اليهودية المحافظة في الولايات المتحدة. وقد عارض شختر مشروع شرق أفريقيا، وكان يرى أن أية دولة صهيونية خارج الأرض المقدَّسة لا معنى لها، وقد ساهم في تأسيس معهد التخنيون في حيفا. وبعد الحرب العالمية الأولى عبَّر عن أمله في أن ينتصر الحلفاء على الأتراك ليستولوا على فلسطين، لأنه كان يؤمن بأن إنجلترا "الوطن الإنجيلي المفعم بالإيمان والروح العملية" ستفهم أماني الشعب اليهودي.

ومن الملاحَظ أن ثمة تقارباً شديداً بين رؤية شختر لكلٍّ من التاريخ والوحي ورؤية مارتن بوبر لهما (وذلك رغم اختلاف مصطلحهما الديني والفلسفي) . ويعود هذا، في الواقع، إلى الإطار الحلولي المشترك. فشختر يرى أن الوحي الإلهي (أو ما يقابل الأنت الأزلية عند بوبر) قد عبَّر عن نفسه من خلال التراث، وأن العهد القديم ليس كتاباً مقدَّساً فحسب بل هو كتاب تاريخ يهودي (أو هو سجل الحوار على حد قول بوبر) ، وهو ليس أكثر الأشياء أهمية في حياة اليهود وإنما هو واحد من تعبيرات الذات والعبقرية اليهودية عن نفسها، ولهذا يتحول مركز السلطة أو الحلول الإلهي من العهد القديم (كلمة الإله) نفسه إلى كيان حي آخر (تاريخ الشعب اليهودي) أو حتى الشعب اليهودي نفسه، ففي تاريخ هذا الشعب يمكننا أن نعثر على المادة الخام لأي لاهوت يهودي. وترجيح كفة المخلوق على كفة الخالق نمط كامن في الفلسفات الحلولية.
وهذه الفلسفة الحوارية التي تتخذ شكل ما يعرف باليهودية التاريخية، تُرجع كل شيء إلى الشعب اليهودي نفسه مصدر القيم التي يحكم بها على نفسه. وفي هذا الإطار، تنتفي فكرة الحكم على الذات، ويحل محلها نوع من تقديس الذات أو عبادتها، وهي عبادة بالمعنى الحرفي للكلمة، لأن الروح المقدَّسة قد حلت في التاريخ بحيث أصبح التاريخ (امتداد الذات القومية في الماضي) مقدَّساً لا يقبل النقاش. وبذا، يصبح حق اليهود في أرض الميعاد حقاً مطلقاً وتصبح الأحكام الصهيونية لا رجعة فيها.
وللحاخام شختر مؤلفات عدة، من بينها كتاب بعض نواحي اللاهوت الحاخامي، ومجموعة مقالات في ثلاثة مجلدات نُشرت بعنوان دراسات في اليهودية، كما حقَّق شختر العديد من النصوص الدينية التي عثر عليها في الفسطاط وإليها ترجع شهرته وتُسمَّى المجموعة باسمه «مجموعة مخطوطات شختر» .
سيروس أدلر (1863-1940 (
‏Cyrus Adier

مفكر يهودي أمريكي من أصل ألماني. نشأ في جو ديني ذي توجه تقليدي، ثم تَخصَّص في الدراسات السامية وأصبح أستاذاً لهذه المادة في جامعة فيلادلفيا.
ساهم في تأسيس الجماعة اليهودية للنشر في أمريكا (1888) ، كما أسس الجمعية التاريخية اليهودية الأمريكية (1892) ، وأصبح رئيساً لها مدة عشرين سنة. قام بتحرير الكتاب السنوي ليهود أمريكا (الأجزاء السبعة الأولى ـ من عام 1899 حتى عام 1905) ، وكان أحد محرري الموسوعة اليهودية (القديمة) (1901 ـ 1906) . وقد لعب أدلر دوراً مهماً في تأسيس كلية اللاهوت اليهودية تحت رئاسة شختر، وأصبح رئيساً لها بعد موت شختر منذ عام 1924. وكان أحد مؤسسي المعبد الأمريكي الموحَّد، ورئيساً له. كما كان أحد مؤسسي اللجنة اليهودية الأمريكية، ثم رئيساً لها منذ عام 1929. وبرغم معارضته للصهيونية، فإنه اشترك في الوكالة اليهودية.
ويتضح توجُّهه اليهودي المحافظ في كل أنشطته التي ترى اليهودية تراثاً تاريخياً متطوراً، وكذلك في علاقته بكلية اللاهوت اليهودية وفي معارضته الصهيونية وتعاونه معها في آن واحد.
لويس جنزبرج (1873-1953 (
‏Louis Ginzburg
عالم تلمودي، وأحد قادة اليهودية المحافظة. وُلد في ليتوانيا من أسرة فقيه فلنا الذي أثَّر في تفكيره، وأكمل دراسته الجامعية في ألمانيا والنمسا عام 1898. هاجر إلى الولايات المتحدة ليقوم بالتدريس في كلية الاتحاد العبري، ثم انضم إلى هيئة محرري الموسوعة اليهودية (القديمة) . وتُعَدُّ المقالات التي كتبها لهذه الموسوعة من أهم الدراسات في مجالها. انضم عام 1903 إلى كلية اللاهوت اليهودية، وظل في منصبه هذا حتى وفاته.

وتنطلق معظم دراسات جنزبرج من القول بأن التاريخ اليهودي والحضارة اليهودية لا يمكن فهمهما دون معرفة كاملة بالشريعة، أي أنه يرى أن هناك تداخلاً بين الشريعة وروح الشعب اليهودي، وهذا هو الموضوع الأساسي في اليهودية المحافظة. من أهم دراساته أساطير اليهود (في سبعة أجزاء) حيث جمع كثيراً من الأساطير والقصص (أجاداه) وصاغ منها تاريخاً متواصلاً يستند إلى حياة الآباء وأبطال اليهود وأنبيائهم، كما كتب دراسات عن مرحلة الفقهاء (جاءونيم) وعن التلمود البابلي.
لويس فنكلشتاين (1895-1991 (
‏Louis Finkelstein
حاخام أمريكي، وأحد قادة حركة اليهودية المحافظة. حصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا عام 1918، ورُسِّم حاخاماً في كلية اللاهوت اليهودية عام 1919، ثم عُيِّن حاخاماً في إحدى الأبرشيات في نيويورك، وكان في الوقت نفسه يُدرِّس التلمود. وفي عام 1924، بدأ يدرس اللاهوت حتى أصبح أستاذاً لهذه المادة منذ عام 1931. وعُيِّن رئيساً لكلية اللاهوت منذ عام 1940.
ويُعَدُّ فنكلشتاين ممثلاً للتيار المحافظ داخل اليهودية المحافظة. ومن أهم كتبه اليهود: تاريخهم وحضارتهم ودينهم (1949) وهو في ثلاثة أجزاء، وكتابه عن الفريسيين (1938) وهو من جزأين.
شاؤول ليبرمان (1898-1983 (
‏Saul Lieberman
عَالم تلمودي، وأحد أقطاب اليهودية المحافظة. وُلد في روسيا، ودرس فيها قبل الثورة في معاهدها الدينية وفي جامعة كييف بعدها. استوطن فلسطين عام 1948، ودرَّس التلمود في الجامعة العبرية وفي معاهد تعليمية أخرى، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة ليُدرِّس في معهد الدراسات اللاهوتية. وله دراسات عديدة بالعبرية في التلمود، كما أن له مؤلفين بالإنجليزية عن الحضارة اليونانية في فلسطين في العصر الهيليني.
أبراهام هيشيل (1907-1972 (
‏Abraham Heschel

فيلسوف ديني يهودي. وُلد في بولندا لأسرة حسيدية، وتلقَّى تعليماً تقليدياً في التلمود والقبَّالاه، ثم انتقل إلى ألمانيا والتحق بجامعة برلين حيث حصل على الدكتوراه، وتعرَّف أثناء هذه الفترة إلى مارتن بوبر. قام النازيون بترحيله في أكتوبر 1938، مع غيره من يهود شرق أوربا الذين كانوا قد نزحوا إلى ألمانيا، فقام بالتدريس بعض الوقت في بولندا، ثم هاجر إلى إنجلترا ومنها إلى الولايات المتحدة حيث قام بالتدريس عام 1940 في كلية اللاهوت اليهودية. وقد تأثر هيشيل بفلسفة هوسرل الظاهراتية، فحاول في مؤلفاته أن يُقدِّم لاهوتاً يهودياً ينطلق من الاعتماد على المصادر التقليدية للإجابة عن الأسئلة الحديثة. ويرى هيشيل أن الليبرالية والفكر الديني الحق لا يتفقان، فالليبرالية تُخضع كل شيء للنقد، وترى أن الإنسان قادر من تلقاء نفسه على أن يصل إلى الخلاص (وهذه مقولات كابلان واليهودية الإصلاحية إلى حدٍّ ما) . أما هيشيل، فيرى ضرورة أن يعتمد الإنسان على قوة خارجية. فالعقل الإنساني يعجز عن الإحاطة بالتجربة الدينية تماماً، والمقدَّس لا يمكن أن يُرَدَّ بشكل كامل إلى مقولات فكرية أو تحليلية إنسانية. ولكن كيف يتأتى للإنسان أن يصل إلى هذه القداسة ويدركها؟ يرى هيشيل أن ثمة عناصر في الواقع الإنساني كامنة فيه ويمكنها أن تقود الإنسان إلى الإله من بينها الإحساس بالدهشة والسمو، ولكنه يصر على أن الإله ليس مجرد حالة شعورية وإنما هو سر يتجاوز الواقع (وهو في هذا يختلف بشكل جوهري عن الحلولية اليهودية التي تسري في الفكر الديني اليهودي بشكل عام) .

وانطلاقاً من تعاريفه هذه، يرى هيشيل أن الشريعة ملزمة لليهودي، وأن الأعمال الخيرة مشاركة في القداسة الإلهية. ويظهر إصرار هيشيل على أن التجربة الدينية ذاتية وموضوعية في تعريفه للأوامر والنواهي، فهي بالنسبة إليه دعاء أو صلاة على شكل فعل. ويُصر هيشيل على فكرة الاختيار، ولكنه يرى أن الاختيار مسئولية ملقاة على عاتق اليهود، وليست علامة من علامات التفوق. والاختيار لا يشير إلى خاصية موجودة في الشعب وإنما إلى نوع العلاقة مع الإله، فالاختيار علاقة مع الحقيقة النهائية، وعلى اليهود أن يتساموا على أنفسهم دائماً كي يصبحوا جديرين بهذا الاختيار.
ومع هذا، تبدت الطبقة الحلولية (داخل التركيب الجيولوجي اليهودي) في إصرار هيشيل على أن ثمة تميزاً خاصًا لليهودي، فهو إنسان عليه أن يكون أكثر من إنسان، وكي يصبح اليهود شعباً عليهم أن يصبحوا أكثر من شعب، بل إنه يرى أن العهد بين الشعب والإله يتضمن استجابة متبادلة بينهما ومتوازية لأن الإله يحتاج إلى الإنسان كي يحقق أهدافه في هذا العالم. وهذه إحدى المقولات الأساسية للقبَّالاه التي درسها هيشيل. وقد وُصفت فلسفته بأنها حسيدية جديدة. وقد كتب هيشيل عدة مؤلفات، من أهمها الأنبياء (1962) ، والإنسان من هو؟ (1965) ، وإسرائيل: صدى الأزلية (1969) .
وقد كان لهيشيل دور سياسي ملحوظ في حركة الحقوق المدنية في الستينيات، أصبح خلاله بطلاً من أبطال اليسار اليهودي الأمريكي. وهو رغم ارتباطه باليهودية المحافظة، لا تشغل الدولة الصهيونية حيزاً من تفكيره الديني أو السياسي، ولعل هذا يفسر عدم اشتراكه في النشاط الصهيوني، وهو أمر يتسق على كل حال مع معظم أطروحاته، وخصوصاً إصراره على الجانب الذاتي للتجربة الدينية ومحاولته في الوقت نفسه ألا يسقط في الحلولية.
جيكوب أجوس (1911-1986)
‏Jacob Agus

حاخام يهودي محافظ. وُلد في بولندا وتَعلَّم فيها، كما تعلَّم في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة. وبعد أن عمل حاخاماً لبعض الوقت، عُيِّن أيضاً أستاذاً في جامعة تمبل والكلية التجديدية للحاخامات. وهو يمثل التيار الليبرالي داخل اليهودية المحافظة. من أهم أعماله، معنى التاريخ اليهودي (1936) وهو من جزءين، والحوار والموروث (1969) .
جرسون كوهين (1924-1991 (
‏Gerson Cohen
أحد زعماء اليهودية المحافظة. وهو مؤرخ يهودي وُلد في نيويورك وتخرَّج في كلية اللاهوت اليهودية، حيث تَخصَّص في التاريخ اليهودي. وعمل أميناً لمكتبة الكلية بعد تخرُّجه، ودرس التاريخ والتلمود، وأصبح أستاذاً لمادة التاريخ، وترك المدرسة عام 1967 ليخلف سالو بارون أستاذاً للتاريخ اليهودي في جامعة كولومبيا، ثم عاد إلى كلية اللاهوت بعد عامين. وفي عام 1972، عُيِّن مديراً للكلية. وقد صرح للنساء بالانضمام للكلية، وهو ما أدَّى إلى حدوث انقسام في صفوف اليهودية المحافظة. ومن بين أهم أعماله تحقيقه لكتاب ابن داود سيفر هقبَّالاه (1967) . وآخر أعماله هي دراسات في تنوع الثقافات الحاخامية (1993) .
وقد بدأ جرسون، في الآونة الأخيرة، يشعر بأن الفكر الديني اليهودي يؤكد مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا (الجماعات اليهودية في العالم) ويُقلل من أهمية هذه الجماعات. ولذا، فقد شكل حلقة درابسية هو والحاخام ألكسندر شندلر (زعيم اليهودية الإصلاحية) تنطلق من الإيمان بأن يهود أمريكا ككل يمكنهم المحافظة على اهتمامهم بإسرائيل وصياغة مصيرهم المستقل في آن واحد دون أن يمنحوا إسرائيل مركزية في حياتهم.
اليهودية المحافظة والصهيونية
‏Conservative Judaism and Zionism

لابد أن نذكر ابتداءً أن المذهب المسيطر على الحياة الدينية في إسرائيل هو اليهودية الأرثوذكسية. ولكننا، رغم ذلك، نرى أن الفكر الصهيوني يشبه في كثير من الوجوه فكر اليهودية المحافظة، فكلاهما يتبنى مقولات اليهودية الأرثوذكسية الحلولية بعد أن علمنها كلٌّ منهما على طريقته. فبينما يؤكد الأرثوذكس الأصول المقدَّسة الربانية للتراث اليهودي، يرى المحافظون أنه تراث مقدَّس، ولا يعنون كثيراً بمصدر القداسة. وعلى حين يلغي الأرثوذكس التاريخ الزمني كليةً ولا يدورون إلا داخل إطار التاريخ المقدَّس، نجد أن المحافظين يتحدثون عن تاريخ يهودي لا يختلف كثيراً عن التاريخ المقدَّس. وبينما يصر الأرثوذكس على مقولة أن الدين اليهودي هو القومية اليهودية وعلى أن القومية هي الدين، يحاول المحافظون تمويه هذه الحقيقة والتخفيف من حدتها بعض الشيء بالحديث عن الروح المقدَّسة للشعب، وجعلها مصدر القداسة بدلاً من الإله، وكذلك بالحديث عن اليهودية كخليط من العقيدة الدينية والهوية الإثنية، وهو خليط أخذ يتطور منذ القدم حتى الوقت الحاضر. وهكذا، فإننا نجد أن اليهودية المحافظة هي الحلولية اليهودية التقليدية، بعد أن تم ترجيح كفة الجانب البشري على الجانب الإلهي، وهذا هو جوهر الصهيونية أيضاً.

وقد ارتبطت اليهودية المحافظة بالصهيونية منذ البداية، ويمكننا أن نعد الصهيونية الثقافية، التي كان يدعو لها آحادهعام، ضرباً من ضروب اليهودية المحافظة (وكذا تجديدية كابلان وحوارية بوبر) . وبالفعل، تبنت اليهودية المحافظة رؤية آحاد هعام للجماعات اليهودية في العالم (الدياسبورا) ورفضت المفهوم الصهيوني الخاص بضرورة نفي الدياسبورا (أي محوها أو استغلالها) ، وطالبت باحترامها واحترام تراثها التاريخي. وكل ما يجمع هؤلاء المفكرين هو إيمانهم باختلاف التاريخ اليهودي عن تاريخ بقية الشعوب، فهو تاريخ مقدَّس يتضمن عناصر دينية، فهو موضع الحلول الإلهي، كما أن الدين اليهودي دين تاريخي يتضمن عناصر دنيوية (والواقع أن تداخل المقدَّس والدنيوي هو أساس بنية الفكر الصهيوني) .

ولعل ذلك التقابل الواضح بين اليهودية المحافظة والصهيونية واضح تماماً في موقف زكريا فرانكل وبن جوريون مما يُسمَّى «التراث اليهودي» . ففرانكل يرى أن الدين اليهودي هو التعبير الديني عن روح الأمة اليهودية، وهو بمنزلة إجماعها الشعبي العام. ولذا، يجب ألا تثار مسألة ما إذا كان القانون من أصل سماوي أو أرضي، فمادام القانون يعبِّر عن هذا الإجماع الشعبي العام فيجب أن يبقى ساري المفعول. ويشبه هذا الموقف، في كثير من الوجوه، موقف بن جوريون من أسطورة العهد الذي قطعه الإله على نفسه بمنح اليهود أرض كنعان، فبالنسبة لبن جوريون لا يهم إن كانت هذه الواقعة حقيقةً إلهية أم لا، فالمهم هو أن تظل هذه الأسطورة مغروسةً في الوجدان اليهودي، ولذا يجب أن تبقى سارية المفعول حتى بعد أن ثبت أن الوعد المقطوع مجرد أسطورة شعبية ليس لها أي مصدر إلهي. وقد بدأت اليهودية المحافظة تلعب دوراً تنظيمياً نشيطاً داخل الحركة الصهيونية، وتأسست منظمة محافظة صهيونية هي منظمة مركاز (اختصار عبارة «موفمنت تو ري أفيرم كونسرفاتيف زايونيزم Movement to Reaffirm Conservative Zionism، أي «حركة إعادة تأكيد الصهيونية المحافظة» ) .

وقد أصدرت الجمعية الأمريكية للحاخامات قراراً للمعابد اليهودية المحافظة بالانضمام إلى المنظمة الصهيونية العالمية بشكل جماعي، ويُلاحَظ أن اليهودية المحافظة بدأت تحقق نجاحاً ملحوظاً في إسرائيل في الوقت الحاضر. وقد أُسِّست أول أبرشية محافظة في فلسطين عام 1936. ولكن حتى أوائل السبعينيات، لم يكن في إسرائيل سوى عدة معابد يهودية محافظة، ومركز للطلبة اليهود الأمريكيين، نيفيه شختر، وهو يُعَد الفرع الصيفي لكلية اللاهوت اليهودية. ولكن، بعد ذلك التاريخ، بدأت محاولات جادة لتوسيع نطاق الحركة ليشمل التجمع الصهيوني كله. وباءت المحاولات بالفشل حتى أوائل الثمانينيات، حين ظهرت حركة ماسورتي (أي التقليدية) التي أسَّست عام 1984 معاهدها الأساسية ومنها المعهد العالي للدراسات اليهودية الذي يُعد الدارسين الإسرائيليين ليعملوا حاخامات محافظين، وحركة نوام الشبابية ومعسكرات صيفية ومدارس وكيبوتس وموشاف وفرق نحال. ويتكون هيكل حركة ماسورتي التنظيمي من معبد إسرائيل المتحدة ويضم قيادات الأبرشيات، ومجمع إسرائيل الحاخامي ويضم حوالي 100 حاخامي ماسورتي. ويبلغ عدد أعضاء الحركة حوالي عشرة آلاف. ويوجد الآن نحو أربعين أبرشية محافظة. كما نجحت الحركة في تأسيس مدارس تالي، وهي مدارس تعكس أيديولوجيا الحركة. ولا تتلقى هذه المدارس أي عون من الحكومة الإسرائيلية بسبب عدم اعتراف المؤسسة الأرثوذكسية بها.
وقد أصدرت حركة ماسورتي بياناً رسمياً عام 1986 يحدد موقفها. وبعد عامين، أصدر المجلس الحاخامي بياناً أكثر شمولاً يعكس اهتمامات الحركة في الولايات المتحدة. وقد لوحظ وجود اختلافات مهمة بين ما جاء في هذا البيان وموقف حركة الماسورتي، وخصوصاً فيما يتعلق بدور إسرائيل بين يهود العالم.

ولا تعترف المؤسسة الأرثوذكسية المهيمنة في إسرائيل بالحاخامات المحافظين، كما لا تعترف بالزيجات التي يعقدونها أو مراسم الطلاق التي يقيمونها. وعلاوة على ذلك، تحاول المؤسسة الأرثوذكسية أن تعدل قانون العودة فتضيف عبارة «من تهوَّد حسب الشريعة» ، أي على يد حاخام أرثوذكسي، وهو ما يعني استبعاد الحاخامات المحافظين. وتوزع دار الحاخامية منشورات تحذر الناس من أن أداء الصلوات في المعابد التابعة لحركة ماسورتي محرم.
اليهودية التجديدية
‏Reconstructionism

«اليهودية التجديدية» مذهب ديني يهودي حديث يشبه في كثير من الوجوه اليهودية المحافظة، أسسها الحاخام مردخاي كابلان عام 1922 في الولايات المتحدة عند تأسيس جمعية تطوير اليهودية. وقد اكتسبت اليهودية التجديدية معالمها التنظيمية بشكل أكثر تحديداً عام 1934، حين نشر كابلان مجلة التجديدي التي التفت حولها مجموعة من المفكرين اليهود، منهم: ملتون ستاينبرج، وإيوجين كون، وزوج ابنته إيرا إيزنشتاين. ورغم أن اليهودية التجديدية حاولت أن تظل، من ناحية الأساس، اتجاهاً دينياً وحسب، فإنها تحولت تدريجياً إلى فرقة دينية، فنشر كابلان الهاجاداه الجديدة عام 1941، كما نشر دليلاً للشعائر اليهودية في العام نفسه. وقد أصبح إيرا إيزنشتاين قائداً للحركة عام 1959، كما أصبحت الحركة فرقة دينية بمعنى الكلمة عام 1968، حينما تم تأسيس الكلية الحاخامية التجديدية في فيلادلفيا لتخريج حاخامات تابعين للحركة. ويوجد داخل الحركة التجديدية إطاران تنظيميان: المؤسسة التجديدية نفسها، وتضم اليهود التجديديين، ثم هناك اتحاد الأبرشيات التجديدية والجماعات الصغيرة (حفروت) ، وهي كلمة عبرية معناها الحرفي «ارتباط» ، وتضم اليهود التجديديين ومجموعات صغيرة من اليهود تقبل الإطار الفكري العام لليهودية التجديدية دون أن يصبحوا بالضرورة تجديديين. ويجتمع أعضاء هذه الجماعات مرة كل أسبوع، أو مرة كل أسبوعين للتعبد ولتبادل الأفكار.

وتحاول اليهودية التجديدية الوصول إلى صيغة للدين اليهودي تلائم أوضاع الأمريكيين الذين يعيشون داخل حضارة علمانية برجماتية، وقد تأثر مؤسسها بأفكار الفيلسوف الأمريكي جون ديوي. وتَصدُر اليهودية التجديدية عن الإيمان بأن إعتاق اليهود وضع فريد تماماً في تجربتهم التاريخية، عليهم التكيف معه، وعلى اليهودية أن تُعدِّل هويتها بشكل يتفق مع المعطيات الجديدة. ولم تكن مهمة كابلان عسيرة كما قد يبدو لأول وهلة، ذلك لأن اليهودية باعتبارها تركيباً جيولوجياً تحوي داخلها من الطبقات المختلفة المتناقضة، والمتعايشة جنباً إلى جنب، ما يسبغ شرعية على أي اتجاه ديني مهما تكن صيغته ومهما كان تطرفه وتفرُّده. والواقع أن كابلان، شأنه شأن كثير من المفكرين الدينيين اليهود، وخصوصاً مارتن بوبر وسولومون شختر، ينطلق من الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي، لذا فهو يؤمن بإله لا يسمو لا على المادة ولا على التاريخ ولا على العلم الوضعي، وإنما هو كامن فيها كلها.

ويُلاحَظ أن الإله عادةً ما يلتحم بمخلوقاته في النسق الحلولي ويتوحد معها ويذوب فيها، فيشحب ثم يختفي تماماً إلا اسماً، ويظهر الإنسان متميِّزاً إلى أن يحل محل الإله تماماً، وهكذا تتحول الحلولية من مرحلة وحدة الوجود الروحية إلى مرحلة وحدة الوجود المادية أو حلولية بدون إله، وهي مرحلة العلمانية. وهذا هو ما يحدث في فلسفة كابلان، فهو يرى أن الدنيا مكتفية بذاتها، إذ أن الإنسان يتضمن من القدرات ما يؤهله للوصول إلى الخلاص بمفرده دون عون خارجي، كما أن الطبيعة المادية يوجد فيها من المصادر ما يجعل هذه العملية ممكنة. والإله داخل هذا الإطار المنغلق على نفسه ليس كائناً أسمى خلق العالم وتَحكَّم فيه، وإنما هو مجرد عملية كونية تقترن في الواقع بذلك الجانب الذي يزيد قيمة الفرد والوحدة الاجتماعية، وهو القوة التي تدفع نحو الخلاص، وهو التقدم العلمي. ولذا، فرغم أن كابلان يحتفظ بفكرة الإله في صيغة شاحبة باهتة، فإن ما بقي منه هو في واقع الأمر الاسم وحسب. ولذا، فليس من المستغرب أن ينكر تماماً فكرة الوحي الرباني وفكرة البعث والآخرة في صياغتهما اليهودية. والواقع أن فكرة الرب التي يطرحها كابلان لا تدع مجالاً لأية علاقة شخصية عاطفية بين الإله ومخلوقاته، فهو بهذا كيان مجرد يشبه النظريات الهندسية أو المعادلات الرياضية (ولا يختلف كثيراً لا عن إله إسبينوزا الذي يتوحد تماماً مع الطبيعة وقوانينها، ولا عن إله الربوبيين الذي يذوب تماماً في العقل المادي وقوانين التطور) .

وبشحوب فكرة الإله ثم اختفائها، تظهر فكرة الشعب عنصراً أكثر أهمية من الإله في النسق الديني. وإذا كانت هذه الفكرة جنينية في فكر اليهودية المحافظة، فهي هنا تصبح واضحة صريحة. فأكثر الأشياء قداسة في نسق كابلان هو اليهود وتراثهم وليس دينهم. فالدين اختراع إنساني وتعبير حضاري عن روح الشعب العضوي (فولك) ، يشبه في هذا المجال اللغة والفلكلور، ولا يوجد فارق كبير بين التوراة والكتب الأخرى للشعب، فكلها منتجات حضارية يلتحم فيها الدين بالموروث الحضاري. واليهودية نفسها عبادة شعبية أو قومية، أعيادها تشبه عيد الاستقلال عند الأمريكيين أو الأعياد الشعبية المختلفة. وهكذا يشحب الدين مثلما شحب الإله من قبل، وهكذا يختفي الدين مثلما اختفى الإله من قبل حتى يبرز عنصر واحد هو الشعب اليهودي وروحه المطلقة الأزلية.
ويرى كابلان أن وجود اليهود يسبق ماهيتهم. ولذا، فإن اليهود (هذا الوجود التاريخي المتطور) أهم من اليهودية (هذا النسق الديني الذي يتسم بشيء من الثبات) . واليهودية إنما وجدت من أجل اليهود ولم يوجد اليهود من أجل اليهودية، وهذا على خلاف الرؤية الأرثوذكسية التي ترى أن اليهودي قد اختير ليضطلع بوظيفة مقدَّسة تجعل وجوده الدنيوي أمراً ثانوياً. والقاسم المشترك الأعظم بين اليهود ليس عقائدهم، ولا ممارساتهم الدينية، ولا حتى أهدافهم الخلقية، وإنما حضارتهم الشعبية الدينية، وهي حضارة يدفعها الإله بالتدريج نحو العُلا والسمو.

ولكن العُلا والسمو هنا لا يكتسبان مفهوماً أخلاقياً ولا يرتبطان بعالم آخر أو قيم سامية إذ لا يشعر بهما اليهودي إلا الآن وهنا، وهما يعبِّران عن نفسيهما في رغبة اليهودي في البقاء، أي أن القيمة المطلقة في حضارة هذا الشعب ليست قيمة أخلاقية أو إنسانية وإنما قيمة البقاء، وهي قيمة طبيعية يشترك فيها الإنسان مع الحيوان (فكأن يهودية كابلان التجديدية كانت تحوي داخلها لاهوت موت الإله ولاهوت البقاء الذي ظهر في الستينيات) . ويرى كابلان أن الصفة المشتركة بين اليهود ليست صفة أخلاقية وإنما هي صفة الاستمرار والبقاء، وهذه مصطلحات تتواتر في اليهودية المحافظة وفي الأدبيات الصهيونية سواء بسواء. من كل هذا، يمكن القول بأن محور الحياة اليهودية هو الشعب اليهودي، ويصبح معيار الإيمان باليهودية ليس الإيمان بهذه العقيدة أو تلك، أو ممارسة هذه الشعائر أو تلك، وإنما مدى التزام اليهودي ببقاء شعبه. ويصبح من غير المهم الإيمان أو عدم الإيمان بالدين، أي أن الإيمان لا يصبح ذا علاقة بفكرة الخير أو الالتزام المبدئي بمجموعة من القيم، وإنما هو إيمان ببقاء الشعب وتراثه القومي. وفي هذا الإطار، عَرَّف كابلان الشعائر والطقوس بأنها ليست قانوناً أو شريعة وإنما مجرد وسيلة لبقاء الجماعة وتطوُّر الفرد، فاليهودية في خدمة اليهود وكل فرد يقرر لنفسه ما سيمارسه من طقوس. ولكنه، نظراً لإيمانه الشديد بروح الشعب وأهمية الفلكلور، أوحى بضرورة الحفاظ على نوع من أنواع الاتزان.
وما يفعله كابلان هو أنه يستخدم الخطاب الديني ليعبِّر عن رؤية حلولية علمانية تنكر الحياة الآخرة وتمجِّد الذات الإثنية، وتخلع على الأشياء اليهودية قداسة يخلعها الفكر التوحيدي على الإله وحده وعلى كلمته، ويخلعها الفكر النازي (مثلاً) على الشعب الألماني وأرضه، ويخلعها الفكر الماركسي على الطبقة العاملة أو الحتمية التاريخية أو القوانين المادية.

وتجديدية كابلان تشبه من جوانب عدة اليهودية المحافظة أو التاريخية في تأكيدها أهمية التراث اليهودي الديني، وفي تقديسها له دون أن تشغل نفسها بمصدر القداسة سواء كان روحياً ربانياً أو كان روح الشعب. وعلى أية حال، فإن كابلان، مثل بوبر ومثل كثير من المفكرين الدينيين اليهود، يرى أن ثمة توازناً وتعادلاً وامتزاجاً وحواراً بين الإله والشعب ومن ثم لا يهم مصدر القداسة. ومع هذا، فإن اليهودية التجديدية صياغة متطرفة لليهودية المحافظة، فهي قد تخلصت من كل الترسبات الدينية العالقة بالنسق الديني المحافظ، وغلّبت العنصر الدنيوي تماماً، بحيث لم تعد فكرة التقدم معادلاً للإله، بل أصبحت هي نفسها الإله!
وفكرة المطلق الدنيوي (الروح واسم مضاف لها) فكرة أساسية في اليهودية الإصلاحية التي تحاول أن تعكس «روح العصر» ، وفي اليهودية المحافظة التي تعكس «روح الشعب اليهودي» ، وهي كذلك في اليهودية التجديدية، إلا أن روح الشعب هنا يُلاحَظ أنها تصبح روح الشعب اليهودي في الولايات المتحدة، أي روح الشعب اليهودي الأمريكي. ويبدو أن إله كابلان يعبِّر عن مشيئته ويفقد نفسه في المجتمع الأمريكي بالذات أكثر من أي مجتمع آخر. وليس من قبيل المصادفة بالطبع أن هذا المجتمع يضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم. ولأن المجتمع الديموقراطي هو المجتمع المثالي، فإن اليهودي الأمريكي يمكنه أن يرتبط بمجتمعه الديموقراطي الجديد فخوراً بارتباطه لأنه يعيش في حضارتين منسجمتين.

ويمكن التعبير عن كل هذا بالقول بأن كابلان قد وسَّع نطاق المطلق ونقطة الحلول بحيث لم تَعُد مقصورة على الشعب اليهودي وتراثه وحسب وإنما اتسعت لتشمل الشعب الأمريكي وتراثه الديموقراطي أيضاً، وبذا فإن قداسة الأمريكيين اليهود جزء من قداسة الشعب الأمريكي بعامة. ولذا، نجد أن كابلان يعتبر وثائق التاريخ الأمريكي كتباً دينية مقدَّسة، تماماً كما أن العهد القديم كتاب تاريخ يهودي مقدَّس. وانطلاقاً من هذا الإيمان بقداسة الولايات المتحدة، يرفض كابلان فكرة الاختيار التقليدية التي تُميِّز بين الشعب اليهودي المقدَّس والشعوب الأخرى (كالشعب الأمريكي) التي يعيش بين ظهرانيها. ويمكن القول بأن اليهودية التجديدية هي النقطة التي نجد أن اليهودية تتحول فيها من عقيدة دينية شبه علمانية إلى عقيدة علمانية شبه دينية أو عقيدة ذات ديباجات دينية. واليهودية التجديدية تشبه في كثير من النواحي العقيدة الموحدانية (المسيحية) .

ويرى كابلان أن العهد الذي وَحَّد بين اليهود في الماضي يجب أن يُوحِّد في الوقت الحاضر بين إسرائيل ويهود العالم. كما يرى كابلان أن اليهودية هي حضارة الشعب ولا يمكنها أن تستمر دون أن تكون لها دولة فيها أغلبية يهودية تمثل المركز لكل الجماعات اليهودية في العالم، ولذلك فقد نادى بتعمير أرض إسرائيل باعتبارها الوطن القومي للحضارة اليهودية. وهو يتفق في نهاية الأمر مع الصهاينة في إنكار أن الإله هو مصدر القداسة، فمصدرها الحقيقي بالنسبة له هو التاريخ اليهودي والأمة اليهودية، وهو ما يؤدي إلى تَداخُل وتمَازُج الدنيوي والمقدَّس، والقومي والديني. وإذا كان كابلان صهيونياً، فهو صهيوني خارجي توطيني يقبل الصهيونية إطاراً ورؤية ولكنه يرفض الاستيطان في فلسطين هدفاً نهائياً لكل اليهود، وإن كان لا يُمانع في المساهمة في توطين الآخرين وفي التحدث عن إسرائيل في حياة اليهود. ويرى كابلان أهمية الجماعات (الدياسبورا) ومركزيتها وضرورة الحفاظ على استقلالها واستمرارها، أي أنه يفترض نقطتين للحلول أي مطلقين: إسرائيل والشعب اليهودي خارجها. ولأن أي نسق فلسفي لا يمكنه أن يتعايش بسهولة مع مطلقين ومركزين، فقد اقترح أن تُعبِّر الحياة اليهودية عن نفسها (خارج إسرائيل) من خلال حياة يهودية عضوية، الوحدة الأساسية فيها مكوَّنة من المؤسسات التعليمية والمعهد اليهودي، والمنظمة الصهيونية، وتنتخب كل جماعة صغيرة القيادة التي ستدير شئونها والتي تقوم بعملية ربط الجماعات اليهودية في العالم بالدولة الصهيونية. ولن يصبح المعبد اليهودي، من هذا المنظور، معبداً للصلاة وحسب وإنما مركز اجتماعي يعبِّر عن كل جوانب حياة اليهود. كما طالب كابلان الأمم المتحدة بأن تعترف باليهود كشعب عالمي له وضع قانوني خاص.

ويضم كتاب كابلان اليهودية كمدنية (1934) الأفكار الأساسية لليهودية التجديدية التي تضم نحو 75 ألف عضو في 156 أبرشية. لكن مجلس معابد أمريكا الذي يضم ممثلين عن كل الفرق الدينية الأخرى رفض السماح لليهودية التجديدية بالانضمام إلى عضويته، أي أنه لا يعترف بها كفرقة دينية. وهذا يعود إلى معارضة اليهود الأرثوذكس ممن لهم حق الاعتراض (الفيتو) داخل المجلس. وقد صرح الحاخام إيزيدور إينشتاين بأن اليهودية التجديدية يتبعها معابد يهودية لها حاخامات، ولكنها ليست ديناً على الإطلاق (وهذا هو نفسه ما يقوله الأرثوذكس عن المحافظين والإصلاحيين) .
ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن أثر كابلان في الحياة اليهودية في الولايات المتحدة عميق إلى أبعد حد، ويُعَدُّ فكره من أهم المؤثرات في اليهودية المحافظة التي تضم أغلبية يهود الولايات المتحدة الذين يعرِّفون انتماءهم تعريفاً دينياً. كما ترك كابلان أثراً عميقاً في الفكر التربوي اليهودي. وقد تحققت رؤية كابلان إلى حدٍّ بعيد، فاليهودية آخذة في الاختفاء باعتبارها ديناً، وبدأت تحل محلها الإثنية اليهودية، أي أن اليهود حلوا محل اليهودية. ويجأر حاخامات الولايات المتحدة بالشكوى من أن المعبد اليهودي قد تحوَّل إلى مركز اجتماعي، وإلى فرع للمنظمة الصهيونية العالمية، كما أنهم يرون أن اليهود يؤمنون بالدولة الصهيونية أولاً وقبل كل شيء، أي أن اليهودية تحولت إلى ممارسة إثنية لا يربطها رابط بالعقائد الدينية.

وقد حدث تطوُّر كبير في اليهودية التجديدية بظهور كتاب رئيس كلية الحاخامات التجديديين الحاخام أرمز جرين فلتبحث عن وجهي، ولتتفوَّه باسمي (1992) ويُعدُّ الكتاب محاولة لتجاوز العقلانية المادية الباردة التي تسم كتابات كابلان واليهودية التجديدية بعامة ويذهب الحاخام جرين إلى أن الأحداث التي وردت في العهد القديم صور مجازية للتعبير عن الحقيقة، تضرب بجذورها بعيداً عن السطح وطالب برؤية غير ازدواجية (واحدية) تمحو التمييز التقليدي بين المادي والإلهي. فالإله والعالم صيغتان مختلفتان تعبِّران عن كائن واحد. وأنكر أن الإله عنده أي مخطط أو هدف أو غاية للعالم أو أن الإله يعبِّر عن نفسه في التاريخ. فالإله شيء نشعر به نحن من خلال تجربة شخصية أو من خلال عنايتنا بالبيئة، والوحي لا يأتي من عل، وإنما هو يشبه الإلهام الفني الذي ينبع من الروح الإنسانية. ويؤكد جرين أنه لا يوجد إله يطلب من عابديه أن يتبعوا سلوكاً محدداً وأشكالاً محددة من العبادة. أما الماشيَّح فهو الذات الإنسانية المنفتحة على الواحد وهكذا اكتمل الحلول تماماً وأصبحت الذات الإنسانية هي الذات الإلهية وأصبح العالم هو الإله.
ويبلغ عدد اليهود التجديديين 2% من يهود أمريكا.
مردخاي كابلان (1881-1983 (
‏Mordecai Kaplan

حاخام وفيلسوف ديني، وقائد صهيوني أمريكي. وُلد في ليتوانيا، وتلقَّى تعليماً أرثوذكسياً في الولايات المتحدة، ولكنه انصرف عن الأرثوذكسية، وانجذب نحو أفكار أكثر تحرراً. عيَّنه سولومون شختر عميداً لمعهد التربية التابع لكلية اللاهوت اليهودية، فظل يُدرِّس فيها من عام 1909 حتى عام 1963. وأسس كابلان عام 1933 جماعة تطوير اليهودية التي كانت تعبِّر عن أفكاره الفلسفية، وانصرف منذ الثلاثينيات إلى تطوير فلسفته اليهودية الخاصة التي تُعرَف باسم المدرسة التجديدية الدينية اليهودية، أو اليهودية التجديدية، منطلقاً في ذلك من خليط من البرجماتية وعلم النفس الاجتماعي والمثالية الفلسفية وضرب من ضروب الطبيعية الدينية (إن صح التعبير) والصهيونية الثقافية (على عكس أبراهام هيشيل الذي ينطلق من أطروحات صوفية حسيدية أو وجودية) . ويرى كابلان ضرورة الاستفادة من الدراسات التاريخية لليهودية التي كشفت لليهود عن أشكال التطور المختلفة وحركياتها وقوانينها الأمر الذي يجعل من الممكن استخدام هذه القوانين في عملية التغيير بشكل أكثر نشاطاً ووعياً حتى يتسنى تعديل الشريعة نفسها والممارسات بل حتى مقاييس العقيدة نفسها، وذلك لتتلاءم مع قانون تطوُّر اليهودية.
ومن أهم أعمال كابلان ترجمته لبعض أعمال حاييم لوتساتو، ودراسته في فكر هرمان كوهين، وكتاب اليهودية كمدنية (1934) ، ومعنى الإله في الدين اليهودي الحديث، والمستقبل اليهودي الأمريكي. وقد ترك كابلان أثراً عميقاً في اليهودية المحافظة، وفي الفكر التربوي اليهودي بشكل عام.
مجلس المعابد في أمريكا
‏Synagogue Council of America

مجلس المعابد في أمريكا هيئة أُسِّست عام 1926 يُمثَّل فيها مختلف الفرق اليهودية في الولايات المتحدة) الأرثوذكس والمحافظين والإصلاحيين ـ ولكنها تستبعد التجديديين) . وهي هيئة تنظم التعاون بين الفرق الثلاث، كما تحاول التصدي للأنشطة التبشيرية المسيحية بين اليهود والتحيز الديني ضدهم.

اليهودية المفاهيم والفرق - الفرق الدينية اليهودية - تجديد اليهودية وعلمنتها

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

علمنة اليهودية
‏Secularization of Judaism
«علمنة اليهودية» مصطلح نستخدمه لنصف إعادة صياغة النسق الديني اليهودي من الداخل على يد بعض المفكرين اليهود العلمانيين وشبه العلمانيين، حتى تتكيف اليهودية تماماً مع العلمانية (بعقلانيتها أو لا عقلانيتها المادية) ، وتصبح كل منطلقات اليهودية الدينية والفلسفية ذات طابع نسبي تاريخاني.
ولكي ندرس العلاقة بين العلمانية والصهيونية، لابد أن ندرس العلاقة بين الحلولية والعلمانية. والحلولية هي تداخل عناصر الثالوث الحلولي (الإله ـ الإنسان ـ الطبيعة) ،إذ يحل الإله تدريجياً في الإنسان والطبيعة حتى يلتصق بهما ويتوحَّد معهما ولا يبقى منه سوى الاسم (مرحلة وحدة الوجود الروحية وشحوب الإله) .ثم يسقط الاسم نفسه (مرحلة وحدة الوجود المادية والواحدية المادية الكونية وموت الإله) .ومرحلة الواحدية الكونية هي المرحلة التي تختفي فيها تماماً المساحة بين الخالق والمخلوق وبين المطلق والنسبي وبين الإنساني والطبيعي وتَمَّحي كل الثنائيات والخصوصيات، وتصبح كل الأمور مقدَّسة متساوية ومن ثم نسبية، ويصبح كل شيء مرجعاً لذاته وتسقط المرجعية المتجاوزة.

وعلمنة العقيدة اليهودية هي عملية تحويرها (وإفسادها) ، عن وعي أو عن غير وعي، على يد المفكرين الدينيين اليهود الذين أسقطوا كثيراً من المعتقدات الدينية اليهودية المحورية الأساسية التي تؤكد ثنائية الواقع ووجود المطلقات المتجاوزة لتحل محلها عقائد حلولية جديدة تنكر الثنائية والتجاوز وتؤكد الواحدية الكونية (الصلبة أو السائلة) بحيث لا تختلف اليهودية في بنيتها عن أية عقيدة علمانية. ولنا أن نلاحظ أن من المألوف أنْ يستخدم المفكرون الذين يقومون بعملية العلمنة المصطلحات والمفردات الدينية نفسها التي استخدمها المفكرون الدينيون التقليديون.
ويمكن القول بأن اليهودية، كنسق ديني، كانت مرشحة للعلمنة من الداخل لعدة أسباب من أهمها:
1 ـ طبيعة اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي يحوي داخله العديد من التناقضات.
2 ـ الطبقة الحلولية القوية داخل هذا التركيب، والتي كانت قد اكتسحت معظم يهود اليديشية في العالم.
3 ـ اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية، وأعضاء هذه الجماعات عادةً من حملة الفكر العلماني.
4 ـ أزمة اليهودية الحاخامية ابتداءً من القرن التاسع عشر وتَجمُّدها وتصلُّبها الأمر الذي جعلها غير قادرة على الاستجابة لتحديات الثورة العلمانية الشاملة.
وتاريخ الفكر الديني اليهودي منذ عصر النهضة في الغرب هو أيضاً تاريخ علمنة النسق الديني اليهودي. ويمكن العودة للباب المعنون «إشكالية علاقة اليهودية بالصهيونية» ولباب «إشكالية الحلولية اليهودية» . كما يمكن العودة للمداخل التالية:
1 ـ «إسبينوزا، باروخ» ، وهو الفيلسوف الذي تتحول على يديه الحلولية الدينية إلى الطبيعية المادية دون إسقاط الديباجات الدينية (الإله هو الطبيعة) .
2 ـ «اليهودية الإصلاحية» ، وهي الفرقة التي قامت بإعادة صياغة اليهودية لتتفق مع روح العصر (باعتبار أن العصر الحديث موضع الحلول) .

3 ـ «اليهودية المحافظة» ، وهي الفرقة الدينية التي ترى أن اليهودية تعبير عن روح الشعب اليهودي وعن تاريخه.
وستتناول بقية مداخل هذا القسم بعض المفكرين الدينيين اليهود الذين ساهموا في عملية العلمنة. وكلهم فلاسفة يؤكدون العلاقة الحوارية (الحلولية/ العضوية) بين الشعب اليهودي والخالق، أي حلول الإله في الشعب والأرض. وفي آخر هذا القسم سنتناول اليهودية الليبرالية واليهودية التجديدية باعتبارهما حركتين تدَّعيان أنهما «دينيتان» ولكنهما في واقع الأمر علمانيتان بشكل واضح. فالديباجة الدينية شاحبة، وفكرة الإله تتأرجح بين مرحلة شحوب الإله وموته الكلي بل اختفاء ظلاله الباقية في مرحلة ما بعد الحداثة) . فكلاهما مرجعيته النهائية هي الدنيا أو التاريخ أو الطبيعة، ولذا فهما يحاولان تكييف العقيدة لتتفق مع الدنيا (والدنيا في حالة اليهودية التجديدية هي الولايات المتحدة) ، ولذا فهي تقوم بإعادة صياغة اليهودية لتتفق مع عقيدة التقدم، ومع وضع يهود أمريكا باعتبارهم جزءاً عضوياً من المجتمع الأمريكي.
وقد أدَّى تصاعُد معدلات علمنة النسق الديني من الداخل إلى أن الجو أصبح مهيأً تماماً لاستيلاء العقيدة الصهيونية على العقيدة اليهودية الى أن حلت محلها من خلال عملية الصهينة من الداخل، حتى أصبحت الصهيونية مرادفة لليهودية وظهرت أشكال من اليهودية مثل «اليهودية العلمانية» و «اليهودية الإثنية» و «اليهودية الإلحادية» و «لاهوت موت الإله» (انظر المداخل الخاصة بكل موضوع) ، وما شابه ذلك من عقائد علمانية تماماً تستخدم مفردات واصطلاحات وديباجات دينية.
ليو بايك (1873-1956 (
‏Leo Baeck

مؤرخ وحاخام ليبرالي ألماني الأصل. درس في ألمانيا، ونُصِّب حاخاماً هناك، وعمل حاخاماً في برلين منذ عام 1912. واشتغل بالتدريس في المدارس الدينية، كما عمل حاخاماً في الجيش الألماني أثناء الحرب العالمية الأولى. وانتُخب رئيساً للهيئة التي تمثل كل يهود ألمانيا مع وصول النازي إلى الحكم. ورفض أن يغادر ألمانيا، فأُودع أحد معسكرات الاعتقال.
يرى بايك في كتابه جوهر اليهودية (1905) أن اليهودية أسمى تعبير عن الأخلاق، فهي ديانة من النمط الكلاسيكي تتَّسم بالواقعية والتفاؤل الخلقي والالتزام العميق بحرية الإنسان، ولذا فهو يرى أنها ديانة العقل الكلاسيكية، وذلك على خلاف المسيحية، فهي ديانة العواطف الرومانتيكية التي تحوي داخلها ميلاً (بدءاً ببولس) نحو تأكيد عنصر الرحمة الإلهية، والاتحاد الصوفي بالإله، وكذلك تأكيد أهمية الإيمان على حساب الأفعال، الأمر الذي أدَّى إلى عدم الاكتراث للكفاح ضد الشر (أي أنه يصنف المسيحية باعتبارها عقيدة صوفية تدور في إطار حلولي) . ويذهب بايك، أيضاً إلى أن اليهودية ديانة عالمية وشاملة في محتواها ودروسها الأخلاقية. ولم يقرن بايك اليهودية بالعنصر الأخلاقي وحسب، وإنما ذهب إلى أن الواجب اللامتناهي لتحقيق الخير ينبع من السر الذي هو الإله. والإنسان، بإدراكه السر الإلهي، يدرك أنه خُلق لهدف وغرض ولم يُوجَد صدفة، وكل هذا يدل على أن بايك يحاول أن يفسر اليهودية بأنها ديانة توحيدية تعادي الحلولية. ولكنه، مع هذا، يضيف أن اليهودية رغم عالميتها ديانة خاصة ومرتبطة بأمة بعينها في تعبيرها التاريخي عن نفسها، أي أنه تَراجَع عن العالمية الأخلاقية وسقط في الخصوصية العرْقية أو العنصرية. ويظهر التراجع عن التوحيد في تصوُّر بايك في واقع أن إدراك الإنسان للوصية الإلهية يؤدي به إلى إدراك أن الإله يُتوقَّع منه أن يقوم هو نفسه بالخلق، أي أن يصبح المخلوق خالقاً. كما أنه، مع إدراك الوصية الإلهية،

يدرك أنه يُتوقَّع منه أن يقوم هو نفسه بالخلق.
وفي آخر كتبه هذا الشعب إسرائيل: معني الوجود اليهودي، ينتقل من تعريف جوهر اليهودية إلى محاولة تحديد المعنى الداخلي للدين اليهودي، فيجد أنها عملية بعث مستمرة تقوم يسرائيل خلالها بإعادة صياغة وتطبيق أوامر الإله على حاضر دائم التغير.
ويظهر في كتابات بايك الكثير من الموضوعات الحلولية الصهيونية مثل: رسالة يسرائيل الخاصة، ومركزية يسرائيل في عملية البعث التاريخي. ومع هذا، فإن من غير المعروف عنه أنه اتخذ موقفاً صهيونياً صريحاً، بل له مواقف تناقض العقيدة الصهيونية صراحةً. والبُعْد اليهودي في فكر بايك واضح تماماً، فهو مفكر ديني كان يعمل حاخاماً. ومع هذا، فثمة تَشابُه عميق بين فكره والفكر الألماني الرومانسي الذي يشكل الأرضية التي نبت فيها والإطار الذي يتحرك داخله.
مارتن بوبر (1878-1965 (
‏Martin Buber
مفكر ألماني يهودي حلولي، متطرف في حلوليته وجودي النزعة، كان لا يؤمن باليهودية الحاخامية أو بضرورة تطبيق الشريعة، ولم يقرأ التلمود على الإطلاق. ومع هذا، فإنه يُعَدُّ من أهم المفكرين الدينيين اليهود في القرن العشرين. وهو من دعاة التصوف اليهودي. ويُعتبر بوبر أحد كبار مفسري العهد القديم، وأحد أهم مفكري الصهيونية ذات الديباجات الثقافية.

وُلد في فيينا، وأمضى صباه في جاليشيا عند جده حيث اتصل بالحركة الحسيدية التي لعبت دوراً حاسماً في تطوره الديني (الصوفي) والفلسفي والسياسي. وانتقل إلى فيينا عام 1896 لمتابعة دراسته في جامعتها، وتزوج بولا ونكلر (وهي فتاة ألمانية غير يهودية من ميونيخ) . انضم بوبر إلى جماعة قديما الصهيونية في فيينا، ثم انضم إلى المنظمة الصهيونية عند تأسيسها عام 1898 وعمل رئيساً لتحرير جريدة دي فيلت الناطقة بلسان الحركة الصهوينة. وبعد فترة قصيرة من التعاون مع هرتزل، اختلف الاثنان بسبب اختلاف منطلقاتهما الفلسفية. واشترك في تأسيس ما يُسمَّى «العصبة الديموقراطية» مع وايزمان الذي عارض هرتزل خلال المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) . ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أسس بوبر اللجنة القومية اليهودية التي تعاونت مع قوات الاحتلال الألمانية في بولندا، وقامت بالدعاية بين يهود اليديشية لضمهم للجانب الألماني ولتجنيدهم لحسابه. وفي عام 1916، أسس مجلة اليهودي التي كانت تُعَدُّ من أهم المجلات الفكرية اليهودية، والتي شرح بوبر على صفحاتها فلسفة الحوار الحلولية الوجودية وموقفه الصهيوني. وقد اشترك بوبر مع الفيلسوف اليهودي فرانز روزنزفايج في ترجمة التوراة إلى الألمانية في العشرينيات (ولكنه لم يَفرُغ منها إلا عام 1964) وهي ترجمة ذات طابع وجودي. وقد نشر خلال هذه الفترة بضعة كتب عن الحسيدية.

شغل بوبر منصب أستاذ فلسفة الدين اليهودي والأخلاق في جامعة فرانكفورت في الفترة 24 ـ 1933، وأسس معهد الدراسات اليهودية فيها. وقد صَدَر له عام 1923 أهم كتبه أنا وأنت الذي يحوي جوهر فلسفته الحوارية. وفي عام 1933، استولى النازيون على الحكم وصاغوا مفهوم الشعب العضوي (فولك) ، ذلك المفهوم الذي يشكل حجر الزاوية في الفكر النازي والصهيوني، وهو ما كان يعني تأسيس نظام تعليمي لليهود مستقل عن النظام التعليمي الألماني. وقد عُيِّن بوبر مديراً للمكتب المركزي لتعليم الكبار. أما هجرته إلى فلسطين، فقد كانت عام 1938 حيث جرت محاولة لتعيينه أستاذاً للدراسات الدينية. ولكن المؤسسة الأرثوذكسية عارضت ذلك بشدة لأن بوبر، حسب تعريفها، لا يؤمن باليهودية، ومن ثم تم تعيينه أستاذاً للدراسات الاجتماعية في الجامعة حيث شغل المنصب حتى عام 1951. صدر أول كتب بوبر بالعبرية، وهو العقيدة النبوية، عام 1942، وقد طرح بوبر في هذا الكتاب أن وجود الإرادة الإلهية حقيقي تماماً مثل وجود يسرائيل، وهو ما يعني المساواة بين الخالق (الإله) والمخلوق (الشعب) . كما صدر له كتاب موسى عام 1941. أما عام 1949، فقد شهد نشر كتابه طرق اليوتوبيا، وهو كتاب عن تطوُّر الاشتراكية الطوباوية. وتبع ذلك نشر كتابيه نوعان من الإيمان (1951) ، وخوف الإله (1953) ، ويقارن الكتاب الأول بين الإيمان اليهودي والإيمان المسيحي. أما الثاني، وهو آخر أعمال بوبر المهمة، فيذهب فيه إلى أن الإله لم يمت أو أنه احتجب وحسب!
أسَّس بوبر كلية لتعليم الكبار لإعداد المعلمين من بين المهاجرين، وهي جزء من محاولة المُستوطَن الصهيوني دمج المهاجرين الجدد، وخصوصاً من البلاد الإسلامية، في نسيج المستوطن الصهيوني. وكان بوبر أول رئيس لأكاديمية العلوم الطبيعية والإنسانية في إسرائيل.

وقد أسس بوبر مع يهودا ماجنيس جماعة إيحود التي كانت تطالب بإقامة دولة صهيونية مزدوجة القومية. لكنه تعرَّض لانتقاد شديد في بعض الأوساط اليهودية لقبوله تسلم جائزة جوته من مدينة هامبورج ولاستئناف علاقته بالحياة الفكرية والثقافية الألمانية (مع العلم أن هذا الموقف لا يتناقض البتة مع منطلقاته الفكرية) . وقد منحه مجلس ناشري الكتب في ألمانيا جائزة السلام عام 1953 واستقبله رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية باعتباره واحداً من مفكري ألمانيا وفلاسفتها العائدين إلى وطنهم!
ومصادر الفكر الديني والفلسفي السياسي عند بوبر ألمانية (مسيحية علمانية) . فقد تأثر بالمتصوفين المسيحيين الألمان مايستر إيكهارت وجيكوب بيمه Jacob Boehme، كما تأثر برؤية وحدة الوجود التي طرحاها وبإيمانهما الكامل بأن الإنسان يمكنه أن يعود إلى التوازن من خلال الحدس والاستماع لصوت التجربة الداخلية والتوحد بالخالق. وقد تأثر كذلك بالفكر الرومانسي الألماني، وخصوصاً فكر فخته الذي أكد الحدس على حساب التأمل وميَّز بين الجماعة المترابطة بشكل عضوي (جماينشافت) والجماعة المترابطة بشكل آلي (جيسيلشافت) ، وأعلى من أهمية الشعب العضوي (فولك) . ويُعَدُّ نيتشه من أهم المفكرين الألمان الذين أثروا في بوبر، شأنه في هذا شأن معظم المفكرين اليهود والصهاينة في ذلك الوقت، فتعلَّم من نيتشه فكرة الإرادة المستقلة عن أي حدود وظروف، والإيمان بأهمية الفعل الغريزي المباشر مقابل التأمل والتدبير، والالتزام بالمتعيِّن والمحسوس على حساب المجرد، وتأكيد الحياة والغريزة في مواجهة القيم التقليدية والمثاليات المجردة التي تخنق الحياة والغريزة.

وقد عمَّق جوستاف لانداور (1869 ـ 1919) تأثير فخته وفكرة الشعب العضوي والجماعة العضوية وربطهما بالفكر الاشتراكي أو الجماعية بل بالاتجاهات الصوفية الحلولية، وبهذا يكون لانداور قد ربط بين كل المكونات في النسق الفكري عند بوبر. وإلى جانب المصادر الألمانية، تأثَّر بوبر، شأنه شأن كثير من المفكرين الغربيين الوجوديين، بدوستويفسكي، وخصوصاً في إحساسه بغربة الإنسان في عالم خال من المعنى. كما تأثَّر بكيركجارد، الأب الروحي للوجودية الحديثة، الذي أكد أن العلاقة الحقة بين الإله والإنسان لابد أن تكون مباشرة ودون وسطاء، وطالب الإنسان بأن يصبح شخصاً واحداً كلياً فريداً.
ويُلاحَظ أن المصادر الفكرية (الدينية والفلسفية) عند بوبر معظمها غير يهودية. لقد ظل بوبر، طيلة حياته، يجد الدراسات التلمودية جافة وعقيمة. وقد اكتشف الحسيدية باعتبارها تجربة صوفية وتعبيراً عن الصوت الداخلي من خلال مصادره الألمانية المسيحية الصوفية. وفكر بوبر الديني والسياسي فكر حلولي متطرف تتلاقى فيه وحدة الوجود الروحية بوحدة الوجود المادية، فيصبح الإله والإنسان والطبيعة كلاًّ عضوياً واحداً. وتتجلى هذه الرؤية الحلولية في فلسفة الحوار التي تشكل أساس الفكرة الدينية في فكرة الشعب العضوي (فولك) التي تشمل أساس فكره السياسي والاجتماعي، ففكره السياسي هو نفسه فكره الديني، وفكره الديني هو نفسه فكره السياسي، وهذا أمر متوقع داخل منظومة فكرية لا تفرق بين الإله والإنسان، أو بين الإنسان والطبيعة، أو بين هذا العالم والعالم الآخر، أو بين التاريخ والوحي، أو بين القومية والدين.

تَصدُر فلسفة الأنا والأنت الحوارية عن رؤية حلولية تتساوى فيها كل العناصر الإنسانية ثم الإلهية، فالإله هنا ليس له وجود حقيقي مستقل متجاوز للطبيعة والتاريخ وإنما هو قوة كامنة في الأشياء ودافعة لها (ومن هنا أهمية الحوار الشفوي، وتفضيله على النص المكتوب. فالحوار الشفوي، مثل الشريعة الشفوية في اليهودية، تفتح المجال على مصراعيه لعمليات التأويل الباطنية حيث يفرض المُفسِّر المعنى الذي يروق له. أما النص المكتوب فهو لا يعطي كلمة وحسب وإنما يعطي سياقاً وكلاًّ دلالياً يحدد المعنى) . والإنسان بدوره شريك للإله في عملية خلاص الكون. وحسب هذه الفلسفة، تأخذ العلاقة السوية بين الإنسان وأخيه الإنسان شكل حوار، وهو حوار حقيقي إن كانت أطراف الحوار متساوية بحيث يجد كل طرف نفسه في الآخر، وهذا الحوار حوار حقيقي إن كان بين الأنا والأنت أو بين ذاتين لهما أهمية واحدة. ولكن الحوار يصبح زائفاً حينما يصبح أحد طرفيه أقوى من الآخر، فيحوِّل محاوره إلى موضوع أو أداة أو مجرد شيء يستخدمه ويستغله ويحوسله لينفذ به أغراضه، وفي هذه الحالة يتحول الحوار إلى علاقة بين الأنا والأنت والهو (أو بين الذات والموضوع) ، وهي علاقة قد تثمر معرفة علمية موضوعية قد تكون مفيدة في حد ذاتها ولكنها ليست كافية ولا تغنينا بأية حال عن علاقة أنا/أنت الأساسية (ومع هذا يرى بوبر أن ثمة صلة جدلية بين العلاقتين أنا/أنت وأنا/هو) .

وتتَّسم علاقتنا بالإله بالحلولية الحوارية نفسها، فالإله هو ما يسميه بوبر «الأنت الأزلي» ، وهو كيان لا يمكننا أن نصل إليه من خلال التأمل الميتافيزيقي المجرد (أنا/هو) ، وإنما من خلال علاقة حية تشبه علاقة أنا/أنت، ولذا فيجب أن أتحاور مع الإله بكل كياني ويجب أن أصغي إلى الإله، وأن أعرف ماذا يريد مني. وحيث إن كل حوار لابد أن يؤدي إلى فعل، فالإله سيكشف لي أمره في لحظة الفعل، وسيكشفه لي أنا وحدي. و «الأنت الأزلي» لا يوجد خارج الإنسان وإنما يوجد في كل «أنت إنساني» ، وهو مصدر تَعيُّنه. ولذا يكون لزاماً على الإنسان أن يدخل في حوار دائم مع الإله ليحتفظ بتَعيُّنه وهويته المتميزة عن طريق ما يوحى إليه به. والوحي عند بوبر ليس شيئاً حدث في الزمان الغابر والماضي السحيق، وإنما هو شيء متكرر يحدث دائماً و «الآن» و «هنا» . فيحل الإله في التاريخ حلولاً دائماً، وتصبح الأحداث التاريخية النسبية أحداثاً مقدَّسة.

يستخدم بوبر في هذا الجزء من فلسفته خطاباً حلولياً عاماً ينطبق على الوضع الإنساني بأسره. ولكنه، حين يتجه إلى الموضوع اليهودي، يُضيِّق نطاق الحلولية تماماً. فبرغم المساواة الحلولية المبدئية التي انطلق منها، فإن القداسة لا تعبِّر عن نفسها في جميع الأحوال بدرجة واحدة. ولذا، فقد يتم الحوار بين الإله والفرد في حالة البشر العاديين، أما في حالة الشعب اليهودي فإن الحوار يتم بين الشعب ككل والإله من الجهة الأخرى. كما أن الحوار الخاص الدائر بين إسرائيل والإله يأخذ شكل العهد، فالإله (الأنت الأزلي) يطلب من الأمة اليهودية (الأنا الأزلي) أن تصبح أمة مقدَّسة؛ مملكة من الكهنة الإله هو ملكها الوحيد. والمجتمع الديني اليهودي، حسب تصوُّر بوبر، لا يمكنه العيش بدون قومية، ولكن القومية اليهودية ليست قومية عادية (على عكس القوميات الأخرى) ، ولذا فإنها لا تستطيع العيش بدون دين، فالدين والقومية في حالة اليهود متزاوجان ملتحمان (كما هو الحال دائماً في المنظومة الحلولية) . وإذا كان هناك (بالنسبة للأغيار) فارق بين التاريخ النسبي والوحي المطلق (بمعنى أن القداسة الإلهية تظل بمعزل عن تاريخ الأغيار) ، فإن الوضع مختلف تماماً في حالة التاريخ اليهودي إذ يحل الإله فيه، ومن ثم يصبح التداخل بين المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس والأزلي والزمني كاملاً. ومن خلال هذه الصيغة تمت صهينة الدين اليهودي وعلمنته، كما تمت صهينة وضع الجماعات اليهودية ليصبح بذلك شكلاً من أشكال التعبير عن القومية العضوية، أي أن الدين يصبح فولكلور الشعب العضوي (فولك) ، ويصبح اليهود لا مجرد أعضاء أقليات ينتمون إلى الأوطان التي يوجدون فيها وإنما يصبحون شعباً عضوياً مقدَّساً منفصلاً. وهنا يجب أن نتذكر أن بوبر كان يؤيد رأي فخته في أن التجربة القومية في العصر الحديث تنجز ما كانت تنجزه التجربة الدينية في الماضي، فهي تجعل العنصر الإلهي يسري في الحياة

اليومية.
وعند هذه النقطة التي يتحول فيها الدين إلى فلكلور، والجماعات اليهودية إلى شعب مقدَّس، يمكننا أن نتناول الفكر السياسي القومي عند بوبر ورؤيته الصهيونية. ويُلاحَظ أن المراجع الصهيونية الغربية عموماً تحرص على إخفاء هذا الجانب من منظومته المعرفية لأسباب مفهومة، وإن أشارت لها فهي تعرض لها من خلال ديباجات صوفية لا تكشف عن التضمينات الوثنية والنازية والعنصرية الكامنة في فكره. وقد لاحظنا أن القداسة تحل في الشعب وتاريخه. ولكن، كما هو الحال مع المنظومات الحلولية، لابد أن تشمل القداسة الأرض أيضاً (أو الطبيعة) حتى يتحقق الثالوث ويحل الإله أو القداسة في الشعب اليهودي وفي أرضه اليهودية المقدَّسة بحيث يرتبط الإله بالشعب بالأرض ارتباطاً حلولياً عضوياً. ولكن فكرة الإله تَضمُر وتتراجع بحيث يتحول الإله إلى الرابطة العضوية المقدَّسة بين الشعب (الدم) والأرض (التربة) . عند هذه النقطة نكون قد وصلنا في واقع الأمر إلى وحدة الوجود المادية وعالم الحلولية بدون إله؛ عالم النازية ومعسكرات الإبادة والدولة الحديثة التي تدَّعي المطلقية لنفسها فتضم الأراضي وتقضي على الملايين. إن مفهوم بوبر لوضع اليهود واليهودية لا ينبع من أي فكر ديني وإنما من مفهوم الشعب العضوي (الوثني) . وقد بيَّن بوبر في محاضراته عن اليهودية التي ألقاها في الفترة 1909 ـ 1918، والتي تركت أعمق الأثر في الشباب اليهودي في وسط أوربا، أن ثمة عنصرين ماديين هما أهم مكونات القومية اليهودية، أولهما الدم (أي العرْق والخصائص البيولوجية المتوارثة) الذي صنفه باعتباره أعمق مستويات الوجود الإنساني، وثانيهما البنية أو الطبيعة أو التربة، وهو أهم عنصر في تشكيل الذات القومية، وهما معاً يشكلان الوعي القومي اليهودي (ومن ثم الحس الديني) أو الإحساس الغريزي المباشر لدى اليهود، والذي يتجاوز العناصر الاجتماعية والسياسية كافة، والذي لا علاقة له بأي إله متجاوز.

ويجب أن نتذكر أن هذا الخطاب العرْقي النيتشوي كان الخطاب السائد في أوربا قبل الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في ألمانيا التي نشأ فيها بوبر وتَشَّرب ثقافتها، فهو ابن عصره وبلده. وقد كانت الدراسات الألمانية التي تَصدُر عن مفهوم الشعب العضوي تؤكد عدم تَجذُّر اليهود في وطن قومي، وأنهم بدو رُحَّل في صحراء جرداء، ومن ثم فهم شعب مجدب على عكس الألمان المتجذرين في أرضهم ومن ثم يتمتعون بالصحة النفسية والجسمانية وتعبِّر شخصياتهم المبدعة عن الغابات الألمانية المورقة الخضراء التي يلفها الغموض.

لم يرفض بوبر هذه المفاهيم الوثنية الحلولية الحيوية أو العضوية بل دافع عن الشعب العضوي اليهودي انطلاقاً منها. ولذا، فإنه يؤكد أن اليهود لم يكونوا دائماً بدواً رحلاً لا أرض لهم بل كانوا في المراحل الأولى من تاريخهم شعباً زراعياً ملتصقين بالطبيعة ومرتبطين بأرضهم لا يختلفون عن الشعب العضوي الألماني، ولذا فإن بوسعهم أن يصبحوا مرة أخرى في خصوبة وإبداع الشعب الألماني. ويعترف بوبر بأن التماسك الداخلي للروح اليهودية (أي الغريزة الطبيعية) قد ضعف بسبب البعد عن الأرض، وهم يعيشون تحت سماء ليست سماءهم وعلى أرض ليست أرضهم. بل إن بوبر يجعل مسألة الارتباط بالتربة النموذج التفسيري الأكبر في نسقه الفكري وفي قراءته لتاريخ اليهودية. وعلى هذا، فإن اليهود بسبب بعدهم عن أرضهم أجدبوا دينياً، وبدلاً من الوحدة الصوفية العضوية (أي الحلولية) ، وبدلاً من التجذر في الأرض، ضربوا بجذورهم في الشريعة والشعائر والعقائد، ومن ثم تجمدت عقيدتهم الدينية أي أن البُعد عن الأرض (لا الشريعة) هو السبب في أزمة اليهودي، والتمسك بالشريعة هو تعبير عن هذه الأزمة. ولكن، رغم هذا، ظلت شخصية اليهود كما هي شخصية شرقية آسيوية برانية تفضل الفعل والحركة على التوجه إلى داخل الذات والتأمل والانشغال بالإدراك. بل إن النزعة المشيحانية إن هي إلا تعبير عن هذه العبقرية الآسيوية وعن النزوع نحو الحركة. وشغف اليهود بالموسيقى إن هو إلا تعبير عن الخصائص البيولوجية نفسها، فالعنصر الأساسي في الموسيقى هو الزمن، والزمن يفترض الحركة (على عكس المكان الذي يفترض الثبات وعدم التحول) .

ولنُلاحظ أن بوبر حوَّل اليهودية من نسق عقيدي ومجموعة من القيم إلى مجموعة من الخصائص البيولوجية، فاليهود لا يؤمنون بعقيدة وإنما هم جماعة يرتبطون برباط الدم. والواقع أن هذا التعريف لا يختلف من قريب أو بعيد عن التعريفات العرْقية المعادية لليهود والتي تفترض ثبات شخصيتهم رغم تَغيُّر الزمان والمكان (كما أنه لا يختلف في بعض جوانبه عن تعريف الشريعة لليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية) . وسنلاحظ كذلك أن فكر بوبر إن هو إلا تطبيق لفكره الغربي العرْقي على يهود اليديشية. فالشرق إن هو إلا شرق أوربا (وآسيا هي بولندا) ، ومن المعروف أن التعبير الفني الأساسي عند يهود اليديشية كان الغناء والرقص.
ماذا سيفعل هذا الشعب الآسيوي في أوربا؟ عند هذه النقطة نجد أن ملامح الحل الصهيوني النازي العضوي الحلولي قد اكتملت، إذ يكتشف بوبر أن ثمة علاقة وثيقة بين الشعبين العضويين الألماني واليهودي. فالألمان هم الشعب العضوي الذي سيقود العالم ويسد الفجوة بين الشرق والغرب لأنه أقرب الشعوب الغربية إلى الشرق (ولا يبيِّن بوبر قط الأسباب التي قادته إلى استخلاص هذه النتيجة) . إن الألمان عندهم مهارات الغرب ولكنهم لم ينسوا قط حكمة الشرق. كما أن الألمان أكثر الشعوب تأثيراً في اليهود (وبوبر نفسه شاهد على ذلك، كما أن اللغة اليديشية لغة معظم يهود العالم آنذاك شاهد قوي آخر) . بل يذهب بوبر إلى أن الألمان أكثر الشعوب تأثراً باليهودية من خلال العهد القديم (الذي ترجمه لوثر ترجمة ممتازة وحوَّله إلى أهم عمل كلاسيكي في اللغة الألمانية) ومن خلال مجموعة من العبقريات اليهودية مثل إسبينوزا ولاسال وماركس.

وبعد تأكيد هذه العلاقة بين الألمان اليهود، يتحول بوبر نحو اليهود ليكتشف الحسيدية باعتبارها أهم تجسيد للشخصية اليهودية الآسيوية أو الجماعة العضوية المترابطة (جماينشافت) التي تنظم حياتها ووجودها حول أسطورة مقدَّسة لا يشاركها فيها أحد. ومن ثم، فإن الحسيدية، حسب تصوُّر بوبر، استمرار لتقاليد الثورة في اليهودية: تقاليد الأسينيين والأنبياء التي ترفض الالتزام بالقانون والشريعة وتُعلي من شأن الفعل المباشر والغريزي. والحسيدية حركة متصوفة لا تبتعد عن الدنيا، وإنما تقترب منها، ولذا فهي تصوُّف يترجم نفسه إلى فعل، أي أنها ترجمة لتلاقي وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية. وقد تَغنَّى بوبر بالقائد المحرر والقائد الفنان الذي سيعلم الفولك، ووجد ضالته في التساديك الحسيدي فهو قيادة كاريزمية يدين له أتباعه بالولاء بدون نقاش، تماماً مثلما كان النازيون يدينون للفوهرر، قيادتهم الكاريزمية (ولنُلاحظ أن الأنا والأنت التي كانت تستند إلى علاقة حب، أصبحت هنا تستند إلى علاقة القوة؛ العلاقة الوحيدة الممكنة في المنظومة النيتشوية) .

عند هذه الصورة يمكن القول بأن ملامح المجتمع الصهيوني قد اكتملت: جماعة عضوية تجسد القداسة تعيش بطريقة جماعية، ولكن جماعيتها لا تنبع من الفكر الاشتراكي السياسي وإنما من التماسك العضوي الحلولي. ويذهب بوبر إلى ضرورة عودة اليهود إلى صهيون ليؤسسوا مجتمعاً مثالياً مقدَّساً تتداخل فيه القومية والدين، والدين والقومية، والأزلية والزمن، والزمن والأزلية. وتمازُج الديني والقومي والمطلق والنسبي هو أساس نقده لكل من هرتزل والحسيدية، فهرتزل كان ينوي تأسيس مجتمع صهيوني سياسي لحل المسألة اليهودية في وجهيها السياسي والاقتصادي دون أن يتوجه إلى العناصر الأزلية في القومية اليهودية. أما الحسيدية، فرغم رؤيتها الحلولية التي تؤكد قداسة اليهود إلا أن العنصر القومي لم يكن واضحاً في الفكر الحسيدي، بل كانت علاقة الحسيديين بفلسطين علاقة عارضة، ولم تعبِّر عن نفسها في شكل رغبة في التحرر القومي، كما لم تترجم نفسها إلى تَطلُّع إلى أن يقرر الشعب اليهودي إرادته ومصيره في أرضه داخل جماعة مقدَّسة وقومية. وقد كان الحسيديون من دعاة (الروحية) ، وكان هرتزل من دعاة (المادية) ، على حين أن الوحدة المثلى من منظور إسبينوزا هي وحدة وجود واحدة (روحية مادية) تتجسد في المجتمع الصهيوني العضوي.

ويرى بوبر أن هذا المجتمع لو تحقق، فسيصبح اليهود مرة أخرى أمة مقدَّسة تلعب دوراً أساسياً في الحضارة العالمية بسبب تاريخهم الفريد وشخصيتهم الفذة، إذ سيلتحم الوحي المقدَّس بالتاريخ مرة أخرى. والواقع أن أمة الكهنة والقديسين (العضوية الحلولية) التي تعمل على هدي الرؤى المشيحانية تزداد أهمية في القرن العشرين لأن الحضارة اليهودية حضارة غربية/شرقية. ولهذا، فبإمكانها أن تكون بمنزلة الجسر بين الحضارات والشعوب كافة. وفي كل هذا، يعود بوبر للرؤية اليهودية الحلولية القديمة الخاصة بمركزية اليهود في العالم والتاريخ (وهي مركزية عرْقية أضفتها الشعوب والديانات القديمة كافة على نفسها) .
ودعنا نُلاحظ هنا أن فكرة الشعب العضوي فكرة حوارية في جوهرها، إذ أن الأنا اليهودي يتجاوز الأنت الإلهي، أو يمتزجان معاً. وبدلاً من أن يطيع الإنسان الإله ويمتثل لإرادته، يمتزج الإنسان بالإله بحيث يُطوِّع أحدهما الآخر وتصبح أفعال الشعب اليهودي تعبيراً عن وحي دائم، ويصبح صوت الشعب الصوت الداخلي الذي هو صوت الإله.
لكن هذه الحوارية الدائرية العضوية الحلولية هي في جوهرها منطق استبعادي، فهي تعطي حقوقاً مطلقة لمن يوجد داخل دائرة القداسة وتهدر حقوق من يقع خارجها. وهي تستبعد، على سبيل المثال، الجماعات اليهودية خارج فلسطين حيث وصفهم بوبر، على طريقة بنسكر والنازيين، بأنهم مجموعة من الأشباح المشئومة الذين لا وطن لهم، ولذا فلا مكان لهم داخل المجتمع العضوي الجديد (وهذا يعني أنهم، باعتبارهم أشباحاً، محكوم عليهم بالموت، الأمر الذي تكفلت به النازية فيما بعد) . أما المجموعة الثانية التي تستبعدها القومية العضوية فهي العرب.

وهنا نجد أن الموقف متناقض أكثر من كونه مركباً. وعلى سبيل المثال، فإن بوبر يرى، كما أسلفنا، أن التجربة الدينية الحقة تأخذ شكل حوار بين طرفين متعادلين، وهو تَعادُل ممكن بسبب حلول الخالق في المخلوق، واختلاط الوحي بالتاريخ، وهو ما يعني خَلْع القداسة على أفعال اليهود التاريخية، وخصوصاً أن تجربتهم الدينية جماعية (بينما نجد أن المسئولية الأخلاقية هي، في نهاية الأمر، مسئولية فردية) . وإذا أضفنا إلى هذا تلك الأفكار النيتشوية الخاصة بإعلاء الإرادة، والرابطة المطلقة بين الدم اليهودي والتربة الفلسطينية، فإن مصير العرب قد أصبح واضحاً وهو الطرد أو الإبادة. وهذا هو منطق الرؤية الحلولية. ولكن ثمة تياراً آخر في فلسفة بوبر، هو ما يمكن تسميته بالتيار الأخلاقي، لا ينبع من المنظومة الفكرية نفسها وإنما يضاف إليها بشكل آلي براني. ويحاول بوبر أن يربط عضوياً بين هذا التيار الأخلاقي ومنظومته الفكرية فينتقد المحاولات الصهيونية الرامية إلى تحويل اليهود إلى أمة مثل الأمم كافة تهدف إلى البقاء وحسب وتتسم بالأنانية والاعتداد الأجوف بالذات، مقابل ما يسميه «الإنسانية العبرية» : وهي التمسك بالقيم الأخلاقية اليهودية والإيمان بوحدة واحدة تفصل الصواب عن الخطأ والحقيقة عن الكذب فصلاً حاسماً، أي بضرورة الحكم على الحياة والسلوك السياسي من منظور أخلاقي.

والواقع أن هذين التيارين المتناقضين (اللذين يسودان أيضاً في كتابات آحاد هعام) هما سر تَخبُّط بوبر في موقفه من العرب، فهو يكتب إلى غاندي مدافعاً عن الاستيلاء الصهيوني على الأرض الفلسطينية مستخدماً أسلوبه الحلولي الصوفي، إذ يبيِّن لغاندي أن حق العرب في الأرض ليس مطلقاً، فالأرض هي للإله يعيرها للفاتح الذي أقام عليها، ولكن الإله بانتظار ما سيفعل بها، فإن لم يفلحها هذا الفاتح فإن هذا ولا شك سيفتح المجال أمام المستوطنين الصهاينة في القرن العشرين. ولكل هذا نادى بوبر بالدولة اليهودية. ولكنه بعد عام 1948، بعد طَرْد العرب وتشريدهم، صرح بأنه لا يوجد أي شيء مشترك بينه وبين هؤلاء اليهود الذين يدافعون عما سماه «القومية اليهودية الأنانية» ، كما لم يتوقف عن الدفاع عن حقوق العرب والمطالبة بإنشاء دولة مزدوجة القومية تسمح للعرب والإسرائيليين بتحقيق ذاتيهما القوميتين. ولعل التناقض العميق في موقف بوبر يتضح بكل جلاء في أنه كان يدافع طول حياته عن حقوق العرب ويعيش في الوقت نفسه في بيت عربي جميل في القدس رفض أن يعيده لأصحابه.
ولم تترك أفكار بوبر تأثيراً عميقاً في يهود شرق أوربا، كما لم تساهم في تحديد السياسات الصهيونية في الخارج أو في فلسطين قبل أو بعد إعلان الدولة. وقد تركت كتاباته أثراً عميقاً في اللاهوت المسيحي البروتستانتي.
فرانز روزنزفايج (1886-1929 (
‏Franz Rosenzweig
فيلسوف ألماني يهودي وُلد لأسرة يهودية مندمجة مُعلمَنة ولم يتلق أي تعليم ديني. كان على وشك أن يتنصر عام 1913، ولكنه غيَّر رأيه في آخر لحظة، ووجد أن بإمكانه التعبير عن تطلعاته الدينية من خلال اليهودية، فبقي في برلين حيث نشأت علاقة حميمة بينه وبين هرمان كوهين.

قضى روزنزفايج معظم سنوات الحرب الأولى في الجيش الألماني حيث بدأ أهم أعماله التي تتناول الفكر الديني، وهو كتاب نجمة الخلاص الذي نُشر عام 1921. وقد ازداد اهتمام روزنزفايج بالتعليم اليهودي، فأسس مدرسة في فرانكفورت تهدف إلى تعليم اليهود المندمجين الهامشيين الباحثين عن جذورهم الدينية. وقد جذبت المدرسة مجموعة من الشبان الذين أصبحوا من كبار المفكرين اليهود فيما بعد، مثل: جيرشوم شوليم، وليو ستراوس، وإريك فروم. وقد أصيب روزنزفايج بشلل في أواخر حياته، ولكنه استمر مع هذا في التأليف، فكتب مجموعة من المقالات المهمة وترجم قصائد يهودا اللاوي وعلَّق عليها، وبدأ مع مارتن بوبر في إعداد ترجمة جديدة للكتاب المقدَّس بالألمانية.

وإذا كان هرمان كوهين يشبه موسى بن ميمون، فإن روزنزفايج يشبه يهودا اللاوي. فكتابه نجمة الخلاص ليس مجرد كتاب في الفلسفة، وإنما هو رحلة روحية من الفلسفة إلى اللاهوت. ويتوجه روزنزفايج بالنقد إلى الفلسفة لمحاولتها رد العالم إلى جوهر واحد مثل الوعي على وجه العموم، فهذا يتنافى مع التجربة المتعينة للإنسان، وكل ما تستطيع الفلسفة أن تنجزه هو إدراك ثلاثة جواهر مستقلة منفصلة: العالم والإنسان والخالق، لكلٍّ طبيعته الخاصة. وكل جوهر عقلاني يشكل جزءاً ومعطى لا يمكن رده إلى شيء خارجه. هذه الجواهر هي «ما قبل العالم» ، ولابد أن تنشأ علاقة فيما بينها استناداً إلى مفاهيم تُستجلَب من خارج عالم التأمل العقلاني. وهذا ما يقوم به اللاهوت الذي يكمل الفلسفة، فهو الذي يُوجد الصلة بين أجزاء العالم والإنسان والخالق المختلفة من خلال الوقائع المعجزة العجائبية الثلاث: الخلق، والوحي، والخلاص. ويرى روزنزفايج أن العلاقة بين الخالق والعالم (الخلق) ، وبين الخالق والإنسان (الوحي) ، وبين الإنسان والعالم (الخلاص) هي إمكانات موجودة دائماً. وأهم أبعاد الوجود أو عناصره هو الوحي، فمن خلاله يخاطب الخالق الإنسان في لحظات الحب، فيهدم الحواجز التي تسبب عزلة الإنسان ووحدته. وكل ما يعطيه الخالق للإنسان هو الحضور، ولكن تجربة الحب الإلهي تأخذ شكل أمر بأن يحبه الإنسان في المقابل. والعنصر الثاني (الخلق) يعني اعتماد كل الكائنات في هذا العالم على القوة الحية للخالق. أما العنصر الثالث (الخلاص) فيعني أن يتوجه من يشعر بالوحي نحو الآخر، ومن خلال الخلاص تتبدد العزلة التي تفرق بين البشر، فمن حب الخالق للإنسان يظهر حب الإنسان لأخيه الإنسان لأن الإنسان من خَلْق الإله. ومسار التاريخ تعبير عن أن الخلاص يتخلل العالم من خلال أفعال الحب حتى تشيع الروح في الدنيا ويتم توحيد العالم والإنسان والخالق.

ويُلاحَظ أن روزنزفايج يقترب هنا من القبَّالاه اللوريانية بحلوليتها التي من خلالها تصبح عملية الخلاص عملية كونية تشمل العالم والإنسان، وهي هنا تأخذ شكل نجمة داود (نجمة الخلاص (.
وقد قيل عن رؤية روزنزفايج إنها رؤية وجودية، لأنها تؤكد أهمية التجربة المتعينة التي لا يمكن أن تُرد إلى أي شيء خارجها وترى أن الفلسفة لابد أن تبدأ في تجربة بشرية فردية محدَّدة؛ في الوجود لا الماهية. ويؤكد روزنزفايج أيضاً أن التجربة متجذِّرة في موقف المفكر الفردي المتعيِّن، وأن ما يُهم الإنسان ليس الأفكار الفلسفية المجردة وإنما القناعات التي لا يمكن البرهنة عليها إلا من خلال الحياة الحقيقية. وقد انعكس هذا الموقف الوجودي على رؤيته للشعائر اليهودية، فإذا كان أساس الوحي هو حب الإله للإنسان فإن مضمونه هو الوصايا، ولابد أن يبادل الإنسان الإله المحبة بأن يعمل بوصاياه. والوصايا ليست قوانين، لأن القوانين (الشريعة) أساسها القسر، فهي ليست مجرد مبادئ فلسفية، وقد عاشت الوصايا في ضمير الإنسان تجربة خاصة تَواصَل من خلالها الإنسان والخالق. ومن هنا، فقد أصر روزنزفايج على ضرورة أن يشعر الإنسان بالقانون داخله بحيث يتحول القانون إلى وصية.

ووفقاً لروزنزفايج، فإن اليهودية والمسيحية) كلتيهما) جماعتان دينيتان لكل أصالتها، وهما تشكلان قناتين تصب من خلالهما الأزلية في مجرى الزمان. لكن اليهودية هي الحياة الأزلية والمسيحية هي الطريق الأزلي. وفي التقويم اليهودي الديني، وكذلك صلوات اليهود، يُحَتفى بإيقاع الخلق - الوحي - الخلاص، وهو ما يؤدي إلى وضع اليهود خارج التاريخ. فثمة قناة توصل بين اليهود والإله مباشرةً، ولذا فإن الوجود اليهودي يُبشر بخلاص الجميع (وهنا نشعر مرة أخرى بأثر القبَّالاه اللوريانية) . كما أن الأرض اليهودية المقدَّسة، واللغة اليهودية المقدَّسة، والتوراة المقدَّسة، منفصلة عن تتالي الزمان. وكذلك، فإن اليهودي يدخل الميثاق مع الرب بالمولد، ولذا فإن استمرار اليهودية لا يتوقف على تَهوُّد الأغيار، فمهمة اليهود أن «يكونوا يهوداً» لا أن يبشروا باليهودية. فكأن اليهودية خاصية أنطولوجية لصيقة بالجوهر اليهودي، وهذا أمر مستحيل إلا في إطار حلولي. أما المسيحية فتقف على طرف النقيض من ذلك، فهي دائماً «في الطريق» المؤدي من مجيء المسيح في المرة الأولى إلى مجيئه مرة ثانية. وهي ذات طبيعة مختلفة ودور تاريخي مختلف. فكل مسيحي ينتقل من حالة الطبيعة والوثنية إلى المسيحية من خلال الإيمان الديني والتعميد (لا المولد) ، ومن ثم فإن التبشير مسألة أساسية بالنسبة للمسيحية (وهي مسألة مستحيلة داخل الإطار الحلولي اليهودي) . وكما يُلاحظ روزنزفايج أيضاً، فإن المسيحي يحتاج إلى وسيط ليدخل في علاقة مع الإله أما اليهودي فلا يحتاج إلى مثل هذه الوساطة. وإذا أردنا تفسير هذه الفكرة باستخدام نموذج الحلولية، فيمكننا أن نقول إن الشعب اليهودي جزء من الإله بسبب الحلول الإلهي فيه، ولذا فهو شعب مقدَّس بطبيعته، لا يحتاج إلى وسيط. أما المسيحي فهو من البشر العاديين، خال من القداسة ويتطلع إليها، ولذا فهو يحتاج إلى كهنوت تتركز فيه القداسة ليكون بمنزلة الطريق بين

الخالق والمخلوق.
ومما يجدر ذكره، أن روزنزفايج يختلف هنا عن كثير من المفكرين الدينيين اليهود مثل: هرمان كوهين، وليوبايك اللذين كانا يعقدان المقارنة بين الديانتين ليبيِّنا مدى التقارب بينهما. أما روزنزفايج، فيعنى بإبراز أوجه الخلافات العقائدية والوجودية بينهما. وتأكيد تفرُّد اليهودي في علاقته مع الخالق، ووجود اليهود خارج التاريخ، وهي أبعاد أساسية في بنية الفكر الحلولي والصهيوني. ومع هذا، رفض روزنزفايج الصهيونية لأنها تقوض دعائم الطبيعة الروحية غير السياسية للشعب اليهودي، أي أنها تقوض تفرُّده، كما أنها تجعل الخلاص مسألة سياسية لا قضية أخروية. وعلى عكس الصهاينة، يؤمن روزنزفايج بأن شتات اليهود أمر ضروري لتطور الشعب اليهودي في المستقبل. وقد وقف روزنزفايج موقف المعارض من كل من اليهودية الأرثوذكسية واليهودية الإصلاحية، فالأولى حَوَّلت العقيدة اليهودية إلى قشرة شعائرية خارجية خالية من المعنى، أما الثانية فأسقطت كثيراً من الجوانب الأساسية في العقيدة اليهودية حتى تقربها من المسيحية البروتستانتية، ومن ثم أفقدت اليهودية ما يميِّزها.
إيمانويل لفيناس (1905-1996 (
‏Emanuelle Levinas
فيلسوف فرنسي يهودي. وُلد في ليتوانيا ودرس الروسية والعبرية في ليتوانيا ثم درس في جامعة ستراسبورج التي كان يُعلِّم فيها كلٌّ من هوسرل ومارتن هايدجر. درَّس في دار المعلمين اليهودية الشرقية في باريس ثم في جامعات فرنسية أخرى. ومصادر فكر لفيناس عديدة، فقد تأثر بأعمال أفلاطون وكانط وبرجسون.

وقد ترك الأدباء الروس مثل بوشكين وجوجول أثراً عميقاً فيه. ولكنه كان يرى أن أعمقهم أثراً فيه دوستويفسكي، وخصوصاً رؤيته للمسئولية نحو الآخر. ولكن المصدر الأساسي لفكره أعمال هوسرل الفلسفية، وقد كتب رسالته للدكتوراه عن نظريته في الحدس (صدرت في كتاب عام 1930) ، وكان من أوائل المفكرين الذين عرَّفوا القُراء الفرنسيين بهايدجر. ولا شك في أن دراسته للتلمود ولأعمال بوبر وروزنزفايج ساهمت في صياغة وجدانه.
ينتمي لفيناس إلى هذا الجيل من الفلاسفة الذين يمكن أن يُطلَق عليهم اسم «الفلاسفة غير الفلسفيين» . وهم مجموعة من الفلاسفة الذين يرفضون الميتافيزيقا بمعناها التقليدي ويثيرون الأسئلة التي يتصورون أن الفلسفة الغربية التقليدية استبعدتها. ويقف هؤلاء الفلاسفة ضد المشروع الفلسفي الغربي برمته «من طاليس لهيجل» ، وهو مشروع يهدف (حسب تصورهم) إلى معرفة كل شيء وإدخال كل الظواهر في حلقة المعرفة والسببية. وهذا المشروع يودي بالذات الإنسانية الفردية من خلال هيمنة الموضوع المادي المجرد (الأشياء والحقائق المادية والموضوعية) أو هيمنة الموضوع الروحي المجرد (حتمية التاريخ وعالم الماهيات والجواهر والروح المطلقة) . ويصل هذا المشروع إلى ذروته في المنظومة الهيجلية بشموليتها الصارمة، حيث يترادف الفكر مع الطبيعة مع التاريخ، وحيث لا يفلت شيء من نطاقها. كما ترجم هذا المشروع نفسه إلى مدارس فلسفية مختلفة، مثل الوضعية والبنيوية، تبدو كما لو كانت متناقضة ولكنها في واقع الأمر تتسم جميعاً بالنزوع نحو الكلية والشمول والرغبة في إدخال كل الظواهر داخل نطاق السببية. وقد هاجم لفيناس هذه الهيجلية في سياق هجومه على البنيوية التي وصفها بأنها «انتصار العقل النظري» ، ولذا فهي تتسم بعدم الاكتراث والحياد والهجوم على الذات الإنسانية.

ويمكن القول بأن هذا هو الموضوع الأساسي في فلسفة لفيناس: كيف يمكن أن ندرك الجزء المتعيِّن (الموجود) وندرك الكل المجرد (الوجود) دون أن يُستوعَب الجزء في الكل ودون أن تذوب الموجودات المختلفة في الوجود. ويرى لفيناس أن هذه هي المشكلة الأساسية عند هايدجر، فقد أعطى أولوية للوجود على الموجودات، وهو ما يعني أن الوجود أكثر جوهرية من الموجودات، بل يعني أيضاً أن الموجود لا تتحدد علاقته بالآخر إلا من خلال فكرة الوجود المجردة اللاشخصية. ونَقْد لفيناس لهايدجر لا يختلف كثيراً عن قول الوجوديين بأن الوجود يسبق الماهية، فالوجود في الخطاب الوجودي هو الموجود المتعيِّن، والماهية هي الوجود المجرد.
وحتى نفهم فلسفة لفيناس، قد يكون من المفيد أن نعرض لتعريفه لمصطلحي «أنطولوجيا» و «ميتافيزيقا» . فالأنطولوجيا في تصوُّره هيجلية بطبيعتها، تَردُ الإنسان والموجودات المتعيِّنة والمتنوعة إلى الوجود المجرد أو إلى الكليات المتجاوزة للموجودات. ويضع لفيناس، مقابل هذا، الميتافيزيقا (حسب تعريفه) وهي ما لا يمكن التفكير فيه من خلال الأنطولوجيا. وهو تعريف سلبي غامض، ولكن لفيناس يوضحه حين يقول إن الميتافيزيقا هي التطلع نحو اللانهائي الذي لا يمكن أن يُرد إلى ما هو غيره والذي لا يذوب في أية كلية تاريخية كانت أم إلهية. والرغبة الميتافيزيقية الحقة والأصيلة هي رغبة في هذا الذي يفيض ولا يمكن أن يحيط به العقل، والذي يفلت من نطاق المنطق لأنه خارج نطاق الفكر. والفكر هنا يعني ما يلي: التوازن والتوازي بين الفكرة والشيء، وبين العقل والوجود ـ ما يمكن تمثيله وإلقاء الضوء عليه ـ ما يمكن معرفته.

إن الميتافيزيقا في داخل هذا الإطار هي تَطلُّع نحو المطلق الحق، «ما ليس بوجود» (يسميه لفيناس «أذر ذان بيينج other than being» أو «أذروايز ذان بيينج otherwise than being» ) . وهو لهذا السبب لا يمكن استيعابه فيما هو غيره، أي أنه وحدة نهائية لا يمكن أن تُردُّ إلى وحدة أخرى سواء أكانت أعلى أم أدنى مرتبة منها. ويبيِّن لفيناس أن الميتافيزيقا (بالمعنى التقليدي) قد تقيم تمييزاً واضحاً بين الإنسان الفرد المتعيِّن (الموجود) والآخر (الفريد ـ المتعيِّن ـ الموجود أيضاً) ، ولكن التمييز مرحلي ومؤقت لأن الأنا والآخر في الإطار التقليدي ينحلان في نهاية الأمر في كيان واحد، ومن ثم فإن التحدد أو التعين الخارجي (بالإنجليزية: إكستيريوريتي exteriority) الذي يسم الآخرية الحقيقية يضيع ويختفي ويتم استيعاب الآخر في الكل المجرد. ولذا نجد، في الإطار التقليدي، أن الأنطولوجيا تسبق الميتافيزيقا، تماماً كما يسبق الكل المجرد الجزء المتعيِّن، وكما يسبق الوجود الموجودات.
إن الميتافيزيقي الحقيقي (اللانهائي ـ ما ليس بوجود) يتحقق لا في الذات ولا في الموضوع. وهنا نود أن نشير إلى أن كثيراً من الفلسفات الغربية بعد نيتشه (الذي نسف تماماً ثنائية الذات والموضوع وتأكيد الذات على حساب الموضوع) تحاول أن تجد الحل لا في الذاتي ولا في الموضوعي، وإنما في نقطة تقع بينهما. هذه النقطة يمكن تسميتها بفلسفات «تيار الحياة» وهو مصطلح مشتق من ديموقريطوس ( «إرادة القوة» عند نيتشه ـ «وثبة الحياة» عند برجسون ـ «عالم الحياة» [ليبنزفلت] عند هوسرل وهابرماس) . والعبارات كلها تعني العالم المعاش والواقع الموضوعي كما تجربه الذات. وهو عادةً يشير إلى تلك النقطة التي تلتقي فيها الذات بالموضوع أو تذوب فيها الذات في الموضوع، ومن ثم فلا يوجد فيها لا ذات ولا موضوع، فهي نقطة صيرورة كمونية كاملة تفلت من قبضة الكل الشامل.

تنتمي محاولة لفيناس لهذا التيار، وإن كان يحاول قدر استطاعته ألا يسقط في لحظة الذوبان هذه ويحتفظ بقدر معقول من التماسك والصلابة. ويتصور لفيناس أنه وجد ضالته في مفهوم الآخر والعلاقة معه. فالإنسان كموجود متعين يمكنه أن يتجاوز الوجود الكلي المجرد من خلال علاقة فريدة تجعله يخرج من ذاتيته الضيقة دون أن يفقدها ويدرك ذاتية الآخر باعتبارها ذاتية وموجوداً متعيِّناً لا يمكن أن يُرد إلى الوجود المجرد، فهي ذاتية موجودة فيما وراء الكل، ولذا ليس بإمكان الفكر (بالمعنى الذي حددناه من قبل) الإحاطة بها.
وآخرية الآخر تتبدَّى بشكل خاص في وجهه، فالوجه هو التعبير عن التفرد وعن جوهر الآخر الإنساني الفردي، الكامن المتبدي. ومن ثم يضع لفيناس الوجه [الأصيل] ضد الواجهة [الزائفة] ، كما يضع الوجه الخاص مقابل نور الاستنارة العام. إن الإنسان حينما يدخل في علاقة ميتافيزيقية حقيقية مع الآخر فإنه سيكتشف أن هذا الوجه هو اللامتناهي وأنه سر، بل تجلٍّ إلهي، لا يستطيع الكل ابتلاعه. والآخر بهذا المعنى، يشبه الإله في كثير من صفاته. ويمكن القول بأن لفيناس، بمعنى من المعاني، ينتمي إلى ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» الذي يتلخص في البحث عن منظومات معرفية وأخلاقية في عالم لا إله فيه، وإن كان لفيناس يؤكد أن غياب الإله لا يعني بالضرورة أنه غير موجود.
ولأن الآخر هو اللامتناهي وهو الزمان اللامتعاقب الذي يقع خارج نطاق الوجود، فإن العلاقة مع الآخر تصبح هي الإسكاتولوجي (آخر الأيام) الذي يشكل انقطاعاً كاملاً وتحطيماً لأية كليات مجردة متجاوزة. ولكنه إسكاتولوجي لا علاقة له بالأديان السماوية، فلاهوت هذه الديانات خاضع للأنطولوجيا، وهو إن لم يؤد إلى الشمولية الكلية التاريخية (على الطريقة الهيجلية) فإنه يؤدي إلى الكلية الإلهية.

والعلاقة مع الآخر، والوصول إلى آخريته الحقة، ليست التحاماً عاطفياً وإنما علاقة عادلة تؤدي إلى الإحساس بالالتزام والمسئولية، أي أن لفيناس قد ولَّد من مفهوم الآخر باعتباره اللامتناهي منظومة أخلاقية كاملة. والرغبة الميتافيزيقية الحقة نحو الآخر هي رغبة لا تتشوق للعودة، هذا يعني من منظور لفيناس أن هذه الرغبة الحقة تفترض أن على الإنسان أن يستبعد أن يكون معاصراً لإنجازاته، فعليه أن يعمل دون أن يدخل بالضرورة «أرض الميعاد» ، أي أن لفيناس، بضربة واحدة، يحل مشكلة الأخلاقيات في مجتمع علماني، فبدلاً من الأنانية والدفاع عن المصلحة الشخصية والرؤية الهوبزية الداروينية حيث يصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، يطرح لفيناس المواجهة مع الآخر وإدراكه بشكل ميتافيزيقي (غير أنطولوجي) باعتباره الحل الحقيقي للمشكلة الأخلاقية. فمن خلال مثل هذه المواجهة يمارس الإنسان إحساساً عميقاً بالمسئولية تجاه الآخر، أي من خلال إدراكه له ككيان متعيِّن متفرد له وجه فريد (ولا ندري كيف يمكن القفز بهذه البساطة من المنظومة المعرفية إلى المنظومة الأخلاقية ومن الإدراك إلى القيم) . ولتوضيح وجهة نظره، يقارن لفيناس بين إبراهيم ويوليسيس، فإبراهيم يغادر وطنه ويتجه نحو أرض مجهولة ولا ينوي العودة، أما يوليسيس فهو يتحرك دائماً نحو نقطة محددة. فإبراهيم مسافر دائم لا يهمه إن كان معاصراً لإنجازاته أم لا، أما يوليسيس فهو عائد دائم يصر على إنجاز السعادة في حياته! (ولكن هل يمكن تَصوُّر إبراهيم ـ المسافر الدائم هذا ــ بدون إله؟ إن لم يكن هناك إله وأمر إلهي فالسفر الدائم حماقة دائمة وحركة بلا معنى في المكان) . ويبدو أن الميتافيزيقا الحقة (حسب تعريف لفيناس) لا تولِّد أخلاقاً وحسب، وإنما هي نفسها الأخلاق. فلفيناس يُعرِّف الأخلاق بأنها سابقة على الأنطولوجيا (شأنها في هذا شأن الميتافيزيقا) وبأنها ليست مجرد قواعد وإنما هي العلاقة مع الأصل، بل هي

نفسها الأصل الذي يسبق كل الأصول وهي القَبَلى والأولي a priori، هي «الميتا» في الميتافيزيقا، فهي الماوراء الحقيقي.
وتُصنِّف الموسوعة اليهودية (الجودايكا) لفيناس باعتباره يهودياً بالمعنى الديني، بل تذهب إلى أنه يهودي أرثوذكسي. وهو أمر يصعب تفسيره إلا داخل إطار حلولي كموني، فالميتافيزيقا عند لفيناس تنبع من تأمل وجه الآخر اللانهائي الذي يتحدى الكل، أي أن البشري يقوم مقام الإلهي في هذه المنظومة. وكما هو الحال دائماً مع المنظومات الحلولية، تتساقط كل التمييزات وتضيق البانوراما لتتحول إلى وثنية شوفينية، الأمر الذي يتضح في خطاب لفيناس اليهودي، وهو خطاب يعطي لكل المصطلحات بُعداً يهودياً تماماً (شأنه في هذا شأن بوبر الذي يتكلم عن الأنا والأنت في الفلسفة الحوارية، ثم نكتشف أن اليهودي والشعب اليهودي [الأنا الأزلية!] يوجد في المركز ويدخل الإله في علاقة خاصة مع اليهود الذين يتحول تاريخهم إلى وحي، ويصبح الوحي بالنسبة لهم عقيدة9.

يحاول لفيناس في فلسفته الدينية أن يميِّز بين العنصر الهيليني (يوليسيس) والعنصر اليهودي (العبري) (إبراهيم) . وهو يرى أن الخطاب الهيليني يميل دائماً نحو التجسد، والإيمان داخل الإطار الهيليني يأخذ شكل محاولة التواصل مع المتجسد (وهي محاولة جنونية في تَصوُّره) . أما الخطاب اليهودي (العبري) ، فهو شكل من أشكال الإيمان الناضج الذي يأخذ شكل علاقة بين أرواح من خلال وساطة الكتاب المقدَّس الذي يؤكد لنا وجود الإله بيننا دون تجسُّد. فالروحي الحقيقي نشعر به لا من خلال تجسده وإنما من خلال غيابه. ويقتبس لفيناس عبارة وردت في التلمود وهي «أن يحب اليهودي التوراة (الشريعة ـ القانون) أكثر من الإله» ، وهي عبارة تصدم الآذان التي تدور في إطار توحيدي ولكنها مفهومة تماماً داخل إطار حلولي. ورغم رفض لفيناس للتجسد، إلا أن الكتاب نفسه يكتسب أبعاداً تجسدية (تماماً كما أن العلاقة مع الآخر تكتسب كل أبعاد الإله) . وكما أن الآخر يحل محل الإله، في سياق فلسفة لفيناس العامة، فإن التوراة تحل محله في سياق فلسفته الدينية اليهودية.
ويذهب لفيناس إلى أن الكتاب المقدَّس هدية وليس رسالة؛ هو دعوة للحوار وليس مجرد أطروحات. والهدية تتطلب من الآخر استجابة، أما الرسالة فهي غير شخصية (تشبه فكرة الكل المجرد) . والتوراة ليست هدية وحسب وإنما نص مفتوح يمكن تفسيره. وكما هو الحال في المنظومات الحلولية، يتراجع النص ليظهر المفسر الذي يفرض المعنى عليه. ولفيناس، بهذا، متسق تماماً مع تقاليد الشريعة الشفوية، أي التفسير الذي يُفترض أنه أُعطي لموسى عند سيناء مع الشريعة المكتوبة (التوراة) والذي توارثه الحاخامات المفسرون عبر التاريخ حتى أصبح تفسيرهم (التلمود) أكثر أهمية من التوراة وأكثر أهمية من الإله. وهكذا ترجح كفة الحاخامات على كفة الإله من خلال فكرة النص المفتوح.

وماذا عن الشعب اليهودي؟ يشير لفيناس إلى قصة وردت في التلمود عن شخص طلب المغفرة من آخر ولكن هذا الأخير رفض طلبه لمدة ثلاثة عشر عاماً. يقول لفيناس في مجال شرح هذه الأمثولة: بإمكان اليهود أن يعفوا عن بعض الألمان ولكن هناك ألماناً من الصعب العفو عنهم (أي أن خطيئتهم مطلقة) . فمثلاً يصعب العفو عن هايدجر لأنه قَبل أن يعمل في وظيفة في الجامعات الألمانية أثناء حكم النازي ولم يُقر بذنبه، أي أن هناك آخرين: آخر يُقبَل وآخر يُرفَض. وقد بيَّن لفيناس أن الإحساس بالآخر لابد أن يترجم نفسه إلى إحساس عميق بالمسئولية تجاهه. ولكنه، مع هذا، يتحفظ على هذا بقوله إن الإنسان لابد أن يفضل الآخر القريب (الزوجة والابن) على الآخر الغريب، أي أن يفضل الآخر اليهودي على الآخر غير اليهودي (يتلاعب لفيناس بالكلمات العبرية: «أح» أي «أخ» و «آحر» أي «آخر» و «أحريوت» أي «المسئولية» - فكأن الآخر هو الأخ الذي يشعر الإنسان نحوه بالآخرية أي بالمسئولية) . وهذه طريقة مصقولة للغاية وحداثية (حيث إنها تتضمن لعباً بالألفاظ وبعلاقة الدال بالمدلول) للتعبير عن ثنائية اليهود أو الشعب المختار مقابل الآخر الآخر، أي الأغيار. وبالفعل، نجد أن الشعب اليهودي له مكانة خاصة في الكون، فهو شعب مختار. واختياره قد يعني مزيداً من المسئولية، ولكنه يحمل أيضاً معنى الانفصال والتميز (وهذا لا يختلف كثيراً عن الرؤية اليهودية الحلولية القديمة) . والواقع أن رؤية لفيناس حلولية، رغم كل حديثه عن الآخر. فالمواجهة بين الإله والإنسان (حسب قوله) مسألة مسيحية، أما بالنسبة لليهود فالمسألة لعب بين ثلاثة: أنا وأنت وطرف ثالث، هذا الطرف الثالث هو الإله المساوي للإنسان (اليهودي!) .

داخل هذا الإطار، يبدأ لفيناس في اكتشاف خصوصية اليهودية وتميُّزها، فالإنسان الغربي يبحث عن الحرية حتى أصبح العصر الحديث عالماً لا قانون له، معادياً للإنسان، خالياً تماماً من المسئولية (أحريوت) . أما اليهودية، فهي على النقيض من ذلك، فالحرية فيها هي حرية صعبة المنال، فاليهودي يكتسب حريته بأن يعيش تحت نير الشريعة الذي يتطلب منه الإحساس بالمسئولية الأخلاقية والاجتماعية. واليهودية ـ حسب تصوُّره ـ تستند إلى استحالة رد الإنسان إلى ما هو دونه وتصر على تَفوُّق الإنسان على الكون (فاليهودية بهذا المعنى ديانة لا أنطولوجية، ديانة ميتافيزيقية أخلاقية حسب معجم لفيناس) . والإنسان اليهودي يكتشف الإنسان قبل الطبيعة، ويصل إلى فكرة الوجود حينما يرى وجه الإنسان العاري. ومن ثم، فإن اليهودية هي الإنسانية، والحرية التي تنادي بها هي حرية تستند إلى الإحساس بالمسئولية.

ومرة أخرى، قد نتصور لوهلة أن الحديث هنا عن إنسانية رحبة، ولكن لفيناس يقول: إن اليهودية، هذه الأيديولوجيا المترادفة مع الإنسانية، لا تعني إنسانية روحية عامة وإنما هي إنسانية محددة تأخذ شكل أمة، واليهودية ليست أيديولوجيا مثالية تعيش بدون خطر وإنما هي مثالية تأخذ شكل دولة تجسِّد القيم الأخلاقية للأنبياء، فهي قدر ومسئولية الشعب اليهودي المختار، الذي يتبدَّى في الدولة الصهيونية التي تستند إلى الرغبة العارمة في البقاء وفي البدء من جديد بعد أن يسقط كل شيء. هذه الدولة تقف شاهداً على إرادة اليهود وعلى رغبتهم في أن يُعرِّضوا أنفسهم للخطر وأن يضحوا بأنفسهم ليضطلعوا بمسئوليتهم، أي أن الدولة الصهيونية تجسيد للحرية التي تستند إلى المسئولية. والحلم الصهيوني يَصدُر عن تَطلُّع مؤمن متجذر ثابت غير مُحتمَل يعود إلى مصادر الوحي نفسها، وهو صدى لأعلى التوقعات. وهكذا نعود للوثنية الحلولية القديمة، حيث تصبح الدولة (التي تقتل الأطفال ولا تكترث بالآخر الآخر) موضع الحلول الإلهي، بل تعود جذورها إلى الوحي الإلهي!
وقد عرَّف لفيناس مهمته الفلسفية بأنها تعريف العصر الحديث بالتلمود، وأن هذا أيضاً هو جوهر الصهيونية، فهي الدولة التي تضطلع بهذه المهمة بشكل متعيِّن.
ومن أهم مؤلفات لفيناس من الوجود إلى الموجود (1947) ، والزمان والآخر (1948) ، وفي اكتشاف الوجود مع هوسرل وهايدجر (1949) ، والكلي واللامتناهي (1961) ، وحرية صعبة (1963) ، وأربع محاضرات تلمودية (1968) ، والإنسانية والإنسان الآخر (1972) ، وما وراء الآية (1982) .
شمويل تريجانو (1948 (–
‏Shmouel Trigano

عالم اجتماع ومفكر فرنسي يهودي، وُلد في الجزائر. وهو يحاضر في علم الاجتماع في جامعة مونبييه ورئيس مركز الدراسات اليهودية التابعة للأليانس، ويقوم بتحرير مجلة بارديس. ويُعَدُّ من أهم المفكرين الدينيين اليهود الجدد في فرنسا، وهو يرى أن ثمة إمكانية للعثور على حلول لمشاكل الصهيونية والجماعات اليهودية بالعودة لروح اليهودية السفاردية، وله دراسات عديدة من أهمها المسألة اليهودية الجديدة (1979) والجمهورية واليهود (1982) .

اليهودية المفاهيم والفرق - الفرق الدينية اليهودية - اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة
‏Judaism, Members of Jewish Communities, and Post-Modernismلوحظ أن كثيراً من دعاة ما بعد الحداثة إما يهود أو من أصل يهودي (جاك دريدا ـ إدمون جابيس ـ هارولد بلوم ... إلخ) . وقد أثرت ما بعد الحداثة في العقيدة اليهودية، وفي كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية.
وسنتناول في مداخل هذا الباب جذور ما بعد الحداثة في العقيدة اليهودية، وفي وضع اليهود في الحضارة الغربية، وفكر بعض دعاة ما بعد الحداثة من اليهود. أما أثر ما بعد الحداثة في العقيدة اليهودية فسندرسه في القسم المعنون «لاهوت موت الإله» .....

ونحن نذهب إلى أن العلمانية الشاملة تؤدي في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلى فصل كل مجالات النشاط الإنساني عن الإنسان ليشير كل مجال إلى نفسه ويستمد معياريته من ذاته وهذا ما يُسمَّى «التحييد» الذي يتصاعد إلى أن يصبح العالم بأسره مجالات محايدة لا يربطها رابط فيتفكك وتختفي أية معيارية إنسانية عامة. وتتآكل القيم والمفاهيم الكلية وتسود النسبية التي تنكر على الإنسان المقدرة على تجاوز صيرورة عالم الطبيعة المادة والحركة فيسقط في قبضتها تماماً وتسقط فكرة الحقيقة والحق والخير والجمال والكل، ثم تسقط فكرة الطبيعة نفسها (البشرية والمادية) في قبضة الصيرورة، أي تسقط كل المنظومات المعرفية والأخلاقية والجمالية، فهي عملية تفكيك كاملة. وهذا الانتقال من عالم متماسك فيه مرجعية ومعيارية (حتى لو كانت مادية) إلى عالم متفكك بلا مرجعية أو معيارية، هو الانتقال من عصر التحديث والحداثة (الصلب) إلى عصر ما بعد الحداثة (السائل) .
والعلمانية الشاملة شكل من أشكال الحلولية الكمونية. ونذهب إلى القول بأن المتتالية النماذجية العلمانية تبدأ بحلول مركز الكون في الكون نفسه. ورغم حلوله في الكون إلا أنه يظل مصدر تماسك الكون ويمكن أن يتم التجاوز باسمه، وفي هذا الإطار يحاول الإنسان أن يستمد معياريته من الطبيعة، وهذه هي مرحلة التحديث البطولية والثنائية الصلبة. ولكن درجات الحلول تزداد تدريجياً ويتوزع المركز الكامن في أكثر من عنصر واحد حتى تصبح كل عناصر الواقع موضع الحلول والكمون فتصبح كل الأشياء مقدَّسة، ويتساوى المقدَّس والمدنَّس، والمطلق والنسبي، ويختفي المركز وتصبح كل الأمور نسبية، وهذه مرحلة وحدة الوجود المادية الكاملة وما بعد الحداثة.

ويمكننا أن نصف ما بعد الحداثة بأنها حالة من التعددية المفرطة التي تؤدي إلى اختفاء المركز وتساوي كل الأشياء وسقوطها في قبضة الصيرورة بحيث لا يبقى شيء متجاوز لقانون الحركة (المادية أو التاريخية) ، فتصبح كل الأمور نسبية وتغيب المرجعية والمعيارية، بل ويختفي مفهوم الإنسانية المشتركة (باعتباره معيارية أخيرة ونهائية) . فتَفْسُد اللغة كأداة للتواصل بين البشر وينفصل الدال عن المدلول وتطفو الدوال وتتراقص دون منطق واضح فيما يُطلَق عليه «رقص الدوال» ، وتختفي فكرة الكل تماماً. وما بعد الحداثة تعبير عن انتقال الفكر الغربي من مرحلة الثنائية الصلبة إلى مرحلة الحلولية الكمونية الكاملة والسيولة حيث يختفي المركز تماماً.
التبادل الاختياري بين اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة
‏Elective Affinity between Judaism and Members of Jewish Communities and Post-Modernism
يرى بعض دعاة ما بعد الحداثة (من أعضاء الجماعات اليهودية ومن غير اليهود) أن ثمة عناصر في اليهودية وفي وضع أعضاء الجماعات اليهودية تجعلهم يتجهون نحو ما بعد الحداثة فيتأثرون بها ويساهمون في فكرها بشكل ملحوظ. وفي بقية هذا المدخل سنورد بعض آرائهم ونعبِّر عنها بمصطلحاتهم، ولكننا نستخدم أحياناً مصطلحنا لفك شفرة مصطلحاتهم ولتوضيح أبعادها الفلسفية الكامنة.
ولنبدأ بالعناصر الموجودة داخل التراث اليهودي:

1 ـ نحن نذهب إلى أن العقيدة اليهودية تضم عدداً من العقائد غير المتجانسة والمتناقضة بشكل عميق (ومن هنا إمكانية الحديث عن «يهودي ملحد» داخل إطار العقيدة اليهودية) . ولذا فنحن نستخدم عبارة «اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي» لنصف هذا الوضع. فالتركيب الجيولوجي يتسم بأنه يتكون من طبقات جامدة مستقلة، تراكمت الواحدة فوق الأخرى، ولم تلغ أية طبقة جديدة ما قبلها، ولذا تتجاور الطبقات وتتزامن وتتواجد مع بعضها البعض، ولكنها لا تتمازج ولا تتفاعل ولا تلغي الواحدة الأخرى. وقد أشار الفيلسوف إسبينوزا، حين طُرد من حظيرة الدين اليهودي، إلى أن مجلس السنهدرين، أعلى سلطة دينية يهودية في عصر المسيح وهو الذي قام بمحاكمته، كان يسيطر عليه فريقان دينيان: الصدوقيون والفريسيون. وبينما كان الفريق الأول لا يؤمن بالبعث أو اليوم الآخر كان الفريق الثاني يؤمن بهما. ومع هذا تعايشا وتقاسما السلطة الدينية. فكأن اليهودية تفتقر إلى معيارية حقيقية واحدة محددة، ولذا فمن الممكن أن يشير الدال الواحد إلى مدلولين متناقضين.
2 ـ تذهب العقيدة اليهودية (في شكلها الحاخامي) إلى أن التوراة هي الشريعة المكتوبة، ولكنها ليست الشريعة الوحيدة، إذ يؤمن اليهود بأن هناك ما يُسمَّى «الشريعة الشفوية» وأن الإله أعطى كلا من الشريعتين، المكتوبة والشفهية، لموسى في جبل سيناء. وقد توارث كل اليهود الأولى، أما الثانية فقد توارثها الحاخامات، والتفسيرات الحاخامية التي دُوِّنت في التلمود هي هذه الشريعة الشفوية. وتذهب العقيدة اليهودية (في شكلها الحاخامي) إلى أن الشريعتين متساويتان في الأهمية، بل إن الشريعة الشفوية أكثر أهمية من الشريعة المكتوبة وتجُبّها. كل هذا يعني أن الثابت هو المتغير وأن اللامعيارية هي المعيارية، كما تعني أن الدال الإلهي الوارد في العهد القديم لا يتحدد مدلوله إلا من خلال تفسيرات الحاخامات، وهي تفسيرات متغيرة.

3 ـ سيطرة النسق القبَّالي الحلولي على الفكر الديني اليهودي حتى وصل إلى مرحلة وحدة الوجود المادية، وهو ما يعني أن كل الكلمات تصبح إما مقدَّسة ومتأيقنة تماماً أو عاجزة تماماً عن الإفصاح بسبب امتلاء القداسة وهيمنة النسبية، فالتجربة الحلولية الكاملة تعبِّر عن نفسها بالصمت كما أن الحلول الكامل هو أيضاً مرحلة سقوط المعيارية.
4 ـ انتشار الأسلوب الماراني في التفكير بين بعض قطاعات الجماعات اليهودية في الغرب ابتداءً من القرن الثامن عشر. والمارانو هم يهود شبه جزيرة أيبريا الذين أبطنوا اليهودية وادعو الكاثوليكية وأظهروها. وجوهر المارانية أن يقول الإنسان شيئاً وهو يعني عكسه تماماً. ومما له دلالته أن إسبينوزا ودريدا وجابيس كلهم ينتمون للتراث السفاردي الذي دخل فيه مكون ماراني قوي.
5 ـ توجد مدارس يهودية في التفسير تفترض أن المعنى الباطني غير المنظور للعهد القديم أكثر دلالة من المعنى الظاهري. وحيث إن المعنى الباطني في بطن المفسر، فإن هذا يفتح الباب على مصراعيه لنسبية لا نهاية لها ولا معيارية كاملة.
6 ـ توجد مدارس للتفسير ترى أن فَهْم التوراة يشبه الجماع مع أنثى عارية، ولعل هذا يشبه من بعض الوجوه الحديث عن لذة النص وعن أن اللغة الحقيقية هي الصيحات الجنسية أو صيحات الألم ذات المقطع الواحد، إذ أن الدال يلتصق بالمدلول ويصبح الدال مدلولاً.
7 ـ ثمة مفاهيم دينية يهودية عديدة في تراث القبَّالاه الصوفي الحلولي قريبة في بنيتها من مفاهيم ما بعد الحداثة مثل مفهوم شفيرات هكليم والتسيم تسوم والتيقون، وهي مفاهيم ترى أن الإله لم يكمل عملية الخلق بعد. بل إن الذات الإلهية لم تكتمل بعد، وهو ما يعني أن العالم في حالة صيرورة دائمة.

8 ـ زادت الخاصية الجيولوجية في اليهودية، وزادت من ثم اللامعيارية في العصر الحديث بظهور بعض المذاهب الدينية مثل اليهودية الإصلاحية والمحافظة، وهي مذاهب علاقتها باليهودية الحاخامية واهية للغاية وتُسمِّي نفسها (مع هذا) يهودية. بل إن أتباع هذه المذاهب يشكلون الأغلبية الساحقة بين يهود العالم، الأمر الذي يعني استحالة التمييز بين الإيمان والهرطقة.
أما بالنسبة لوضع اليهود (أو الجماعات اليهودية) في العالم (أي في الحضارة الغربية) ، وهو الوضع الذي أدَّى إلى زيادة وجود استعداد اختياري عندهم لتبنِّي فكر ما بعد الحداثة وإلى إسهامهم فيه، فقد أورد بعض مؤرخي ما بعد الحداثة بشأنه العناصر التالية:
1 ـ النفي هو التجربة التاريخية الأساسية لليهود، والنفي هو تجربة اقتلاع ثم إحلال (بالإنجليزية: ديسبليسمنت displacement) . فقد أُقتلع اليهود من وطنهم الأصلي وتم إحلال شعب آخر محلهم، كما تم توطينهم في بلاد غريبة عنهم. واليهودي يعيش في بلاد الأغيار وكأنه مواطن فيها مندمج في أهلها مع أنه في واقع الأمر ليس كذلك. فهو فيها وليس منها. فهو الغريب المقيم أو المقيم الغريب؛ الحاضر الغائب. وهو كذلك المتجول الدائم يحلم دائماً بأرض الميعاد، وعلى وشك العودة دائماً، ولكنه لا يعود، فهو يعيش في المنفى الدائم ولكن المنفى ليس بمنفى لأنه من اختيار الإنسان، فهو في حالة صيرورة ولا معيارية، الدال المنفصل عن المدلول أو الدال الذي له مدلولات متعددة بشكل مفرط.

2 ـ اليهود في العالم المسيحي هم قتلة المسيح، ولذا فهم شعب منبوذ، ولكن اليهود في الوقت نفسه شعب شاهد على عظمة الكنيسة ولذا لابد من حمايته. وهو يعيش في المجتمع المسيحي الذي يحميه ولكنه يرفض التجسد فهو لا يزال في انتظار الماشيَّح رغم أن المسيح من وجهة نظر المسيحيين قد جاء وصُلب ثم قام. وهو شعب مختار كما يقول كتابه المقدَّس ولكنه في واقع الأمر شعب منبوذ. وهو شعب ينسب له الأغيار والمعادون لليهود قوى عجائبية (الشر ـ السحر) ولكنه في واقع الأمر لا سلطة له. وكل هذا يجعل من الصعب على أعضاء هذا الشعب تبنِّي مرجعية ثابتة أو معيارية واحدة. واليهود بهذا يصبحون دالاً بدون مدلول.
3 ـ يُشار إلى اليهودي باعتباره صاحب هوية واضحة، ولكنه في واقع الأمر مفتقد تماماً للهوية، فهو يزداد اندماجاً في الحضارة الغربية رغم كل محاولات الإفلات من قبضتها. ومن المفارقات أن إسرائيل قامت للدفاع عن الهوية اليهودية ولكنها أصبحت الآلية الكبرى لطمس معالم هذه الهوية. ومن ثم، فإن العودة التي كان المفترض فيها أن تكون نقطة التحقق والحضور الكامل، أصبحت لحظة الغياب الكامل، وهو ما يعني اختلاط المدلولات وتعددها.
4 ـ ومما زاد من زعزعة ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» تزايد تعريفات اليهودي، فهو يمكن أن يكون إصلاحياً أو محافظاً أو تجديدياً. وهناك اليهودي الملحد واليهودي غير اليهودي واليهودي المتهود واليهودي بالاختيار. وقد عُرِّف اليهودي بأنه «من يصفه الناس بأنه كذلك» . وهو في تعريف آخر «من يشعر في قرارة نفسه أنه كذلك» . ولعل سؤال «من اليهودي؟» المطروح بحدة في الدولة اليهودية، هو تعبير عن هذا الفصل الحاد بين الدال والمدلول واستحالة التعريف بسبب سقوط الدال في قبضة الصيرورة.
الهرمنيوطيقا المهرطقة أو التفكيكية اليهودية
‏Heretical Hermeneutics or Jewish Deconstruction

«الهرمنيوطيقا المهرطقة» يمكن أن نسميها «التفكيكية اليهودية» أو «التقويضية اليهودية» . و «الهرمنيوطيقا» فرع من فروع اللاهوت يختص بتفسير النصوص الدينية تفسيراً رمزياً متعمقاً يركز على الجانب الروحي. وقد استُعير المصطلح للعلوم الإنسانية وأصبح يعني علْم تفسير النصوص والظواهر الإنسانية الذي يركز على تميُّز الإنسان عن الظواهر الطبيعية. و «الهرمنيوطيقا المهرطقة» عبارة تتواتر في عدة أعمال حداثية، وخصوصاً كتابات سوزان هاندلمان (الكاتبة الأمريكية اليهودية المتخصصة في فكر أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب) . وتُستخدَم العبارة للإشارة لمحاولة بعض المهرطقين (من المثقفين اليهود) تحطيم النص المقدَّس وتفكيكه (لا تفسيره) . ورغم أنها محاولة تقويضية إلا أنها تتلبس لباس الهرمنيوطيقا التقليدية وتستخدم آلياتها.
ولفهم العبارة، لابد أن نَعرف علاقة النص المقدَّس بالتفسير (الحاخامي) داخل إطار العقيدة اليهودية. وهي علاقة تختلف في كثير من جوانبها عن علاقة النص المقدَّس بالتفسير في الديانات التوحيدية الأخرى. وتلخص سوزان هاندلمان آراء بعض دارسي ظاهرة الهرمنيوطيقا المهرطقة فتبيِّن أنهم يذهبون إلى أن الحضارة اليونانية حضارة مكانية ولذا فهي حضارة رؤية: الصورة أساسية فيها. ولذا، فهي حضارة تحترم الأيقونات بكل ما تتسم به من تَحدُّد وثبات ووضوح. وهي حضارة أفلاطونية في جوهرها تحترم الثبات وتسعى له وتنظر للعالم في إطار ثنائية أساسية: عالم المُثُل (المجردة الثابتة المتجاوزة لعالم الحركة) مقابل عالم المادة (المتغير المحسوس) وهذه هي ثنائية المعقول والمحسوس.

والمسيحية الغربية استمرار للتقاليد اليونانية في الإدراك ورؤية الكون والثنائية. فهي حضارة متمركزة حول اللوجوس/الكلمة التي تتجاوز عالم المادة المحسوس والتي تشكل نقطة ثبات مطلقة في التاريخ النسبي المتغير. واللوجوس هو المدلول المتجاوز الذي يزوِّد العالم بالمركز وينقذه من السقوط في قبضة العبثية واللامعنى. فهو يعطي الصيرورة حدوداً واتجاهاً فيصبح للتاريخ معنى، وتكتسب اللغة فعاليتها كأداة تفاهم وتواصل بين البشر. واللوجوس، رغم أنه متجاوز للتاريخ، إلا أنه يتجسد فيه للحظات فيصبح الدال مدلولاً، وهذه هي لحظة الحضور الكامل بلا غياب. وحياة المسيحي بأسرها، من هذا المنظور، هي بحث عن هذه اللحظة ومحاولة للوصول إليها للاتحاد بالخالق المطلق. ولذا، تصبح الكلمات (التاريخية ـ النسبية ـ الزمانية) شكلاً من أشكال النفي من الحضور الإلهي واغتراباً عن الجوهر الإلهي وعن الحضور المطلق، وتصبح التعددية اللغوية إحدى علامات السقوط. ولذا، فإن الكتاب المقدَّس يشغل مكانة ثانوية بالنسبة للوجوس في المسيحية الكاثوليكية، بل إن المجاز نفسه (الذي يعني انفصال الدال عن المدلول نسبياً) يصبح شكلاً من أشكال النفي، وتصبح كل النصوص البشرية حديثاً عن هذا الغياب الذي يشير إلى الحضور بلا غياب!

لكل هذا، تحاول التفسيرات المسيحية الوصول إلى معنى ثابت، فهناك التفسير الكاثوليكي وهو تفسير رمزي يتم من خلال وسائط رمزية ولكنه يحاول أن يصل إلى معنى محدد ثابت (يستند إلى لحظة التجسد) وراء الدوال. وقد يبدو أن نظرية التفسير البروتستانتية مختلفة، فهي ترفض التفسير الرمزي وتطالب بالعودة إلى النص؛ إلى كلمة الإله التي تتجاوز التفسير؛ إلى الكلمة المطلقة بقدر الإمكان، وذلك بهدف الوصول إلى المعنى المحدد الثابت الأصلي الذي يستند إلى لحظة التجسد! فالتفسيران يختلفان في الآلية ولكنهما يتفقان في النهاية. فكل الكلمات يتحدد معناها من خلال اللوجوس، أي الدال/المدلول المتجاوز الذي يوقف لعب الدوال ويعطي معنى واحداً نهائياً للنص. وثمة عودة، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، إلى المعنى الثابت. وهكذا، رغم أهمية التفسير، يظل النص المقدَّس (الوحي الإلهي) أكثر أهمية من تفسيره (الإنساني) كما هو الحال في كل العقائد التوحيدية.

تقف اليهودية (من منظور آراء المفكرين اليهود وغير اليهود من دعاة ما بعد الحداثة) على النقيض من كل هذا. فالحضارة العبرية ليست حضارة مكانية وإنما حضارة زمانية، فالارتباط بالمكان (الأرض) مستحيل بالنسبة لليهودي، فالمكان ليس مكانه حيث يعيش في الزمان متجولاً. والزمان نفسه يتم إلغاؤه تقريباً، فالزمان ليس زمانه لأن اليهودي يعيش في بداية الزمان وفي نهايته دون أن يعرف أصله بوضوح ودون أن يصل إلى النهاية. ومع هذا، يظل الزمن العنصر الأساسي والحاسم بالنسبة لليهودية. ولا تشغل الصورة حيزاً أساسياً في الوجدان اليهودي ولا تحظى الأيقونة بكثير من الاحترام، بل إن اليهودية بأسرها تعبير عن رفض للحظة التجسد والثبات هذه (أفلاطونية كانت أم مسيحية) . ولذا، فإن اليهودي يعيش في عالم الإشارات الزمانية التاريخانية المختلطة، لا يحاول تجاوزها ويصبح هو حامل لوائها. ولأن النفي بالنسبة لليهودي ليس حالة مؤقتة يتغلب عليها المرء وإنما حالة دائمة بل نهائية، ولأن اليهودي يرحل من مكان لآخر دون حلم بالعودة، أي دون حنين للمعنى والحقيقة والبنية الميتافيزيقية الثابتة التي تمنح الاطمئنان، لكل هذا يصبح الانقطاع المستمر جوهر حياته والاقتلاع سمتها. ولذا، فهو يقبل النفى والانقطاع ولا يحاول الاتحاد بنقطة الأصل الثابتة لتجاوز اغترابه، كما أنه لا يحاول تَجاوُز عالم الصيرورة، أي أنه يصل إلى حالة الكمون الكاملة حيث تصبح الصيرورة هي البداية والنهاية، وحيث لا يوجد فارق كبير بين الحضور والغياب، وتصبح التعددية اللغوية أمراً مقبولاً تماماً فتفسد اللغة وينطلق لعب الدوال خارج أية حدود أو قيود أو سدود. وكما قالت سوزان هاندلمان، فإن تَقبُّل التعددية اللغوية هو محاولة لفرض الشرك (أي تعدُّد الآلهة) بدلاً من التوحيد.
آليات الهرمنيوطيقا المهرطقة
‏Mechanisms of Heretical Hermeneutics

يتحقق الإطار العام لظهور الهرمنيوطيقا المهرطقة أو التفكيكية اليهودية من خلال خطوتين أساسيتين:
1 ـ رؤية يهودية محددة للنص حيث يفقد النص المقدَّس حدوده ويتداخل والنصوص الأخرى ويصبح من الممكن تحميله بأي معنى يشاء المفسر، ومن ثم فهو يصبح نصاً مفتوحاً.
2 ـ عند هذه اللحظة يمكن تحميل النص المفتوح بالهرطقة باعتبارها المعنى الحقيقي.
1 ـ عملية فتح النص:
يمكن وصف عملية فتح النص من خلال النقاط التالية:
أ) بالنسبة لليهودي، لا يأخذ الحضور الإلهي في التاريخ شكل تجسد مباشر في لحظة، فهو يوجد في نص مقدَّس موحى به من الإله. والنص، اللوجوس، وهو تَركُّز القوة الإلهية، يحتوي على كل شيء. ولذا، جاء في التراث الديني اليهودي أن خلق التوراة يسبق خلق العالم، بل إن الإله استخدمها في خلق العالم.
ب) ولكن هذا لا يعني أن التوراة تصبح، بذلك، نقطة الثبات والحضور الكامل (المطلق) في التاريخ الذي ينقذ التاريخ من قبضة الصيرورة واللامعنى إذ أن الصيرورة تبتلع النص المقدَّس نفسه، فهو ليس كتاباً نهائياً، كما يتضح من «مصادره» المتعددة. وهناك كذلك مشكلة الأصول، فالتراث اليهودي لم يحسم قط مسألة هل التوراة بأسرها كلمات الإله الموحى بها أم أجزاء منها وحسب؟ وهل أُعطيت هذه الكلمات لموسى مباشرة ثم كتبها هو، أم أن الإله خطها بنفسه، أم أعطاها لموسى في حضور الشعب؟ لكل هذا، نجد أن الحضور الإلهي في النص اليهودي المقدَّس ليس حضوراً مطلقاً ثابتاً كاملاً وإنما مجرد أثر أو صدى.

جـ) والتوراة، علاوة على هذا، كتاب مُشفَّر لا يمكن فهمه بشكل مباشر. ولذا، حينما أُعطيت التوراة لموسى، أُعطيت له معها آليات التفسير التي استخدمها الحاخامات لتوليد تفسيراتهم المتعددة. والتفسير الحاخامي ليس مجرد مقدمة ضعيفة للمعنى الحقيقي للنص المقدَّس، كما هو الحال في التفسيرات المسيحية، وإنما هو جزء مكمل للوحي الإلهي الأصلي وبالتالي يتداخل النص المقدَّس والتفسير الإنساني وتظهر حالة من التناصّ والسيولة.
د) والعلاقة بين النص المقدَّس (الثابت) والتفسيرات (المتغيِّرة) علاقة كناية (بالإنجليزية: ميتونومي metonomy) وهي في اللغات الغربية صورة بلاغية تتلخص في استعمال اسم شيء بدلاً من شيء آخر متصل به اتصالاً معيَّناً، كما تقول «جهزوا الأشرعة» أي «جهزوا السفن» فتحل كلمة «الشراع» محل كلمة «السفينة» وهذا ما يحدث في اليهودية إذ نجد أن التفسير متصل بالنص المقدَّس ويحل محله.
هـ) والتفسيرات الحاخامية هي نفسها متشابكة، فكل تفسير يشير إلى التفسير الذي يسبقه والذي يليه إلى ما لا نهاية (حالة الاخترجلاف) . فإن كان ثمة تناص بين النص المقدَّس والتفسير فهو حالة تناص بين كل التفسيرات. وهكذا، يظهر التلمود كتاباً للتفسير الذي يصبح كتاباً مقدَّساً يفوق في قداسته الكتاب المقدَّس، ولكن هذا الكتاب الأكثر قداسة مكتوب بيد إنسانية؛ فهو مطلق غير مطلق، ثابت متغيِّر، إنه الحضور بلا حضور والغياب بلا غياب.

و) وهكذا تدخل جرثومة الصيرورة كل شيء حتى في داخل اللوجوس نفسه. ولذا، فإننا نجد جاك دريدا يسخر من المفسرين الذين يحاولون الوصول إلى معنى محدد ونهائي (أو إلى أي معنى على الإطلاق) ، فهم مسيحيون بالمعنى النماذجي وغير قادرين على أن يعيشوا التوتر الناجم عن الغياب داخل الحضور والحضور داخل الغياب. وقد شبَّه أحد دعاة ما بعد الحداثة من اليهود التفسير الحاخامي بأنه مثل الأنثى المعوجة اللينة التي تُغوي الحقيقة المستقيمة الصلبة الثابتة فتضيع الحقيقة (المجردة المعقولة) وتظهر الحقائق المتعددة المتغيرة المحسوسة.
ز) وتتعمق الصيرورة، ففي داخل هذا الإطار يصبح المفسر (أي من يفك شفرة النص المقدَّس) أهم من النص نفسه، ولذا فإن عبارة «لا يوجد شيء خارج النص» تعني في واقع الأمر لا يوجد شيء خارج المفسِّر/الحاخام، هذا القارئ السوبرمان، وهو ما يعني موت الإله وموت النص ومولد الحاخام. ولكن الحاخام قد ينطق عن الهوى وقد يناقض نفسه، كما أنه لا يوجد حاخام واحد وإنما عدة حاخامات، وهكذا تهيمن التعددية المفرطة.

والقصة التالية التي وردت في التلمود توضح كل النقاط السابقة. جاء في التلمود أن الحاخام أليعازر كان يتجادل مع بعض الحاخامات بشأن قضية فقهية ويحاول أن يبيِّن لهم أن الشريعة المكتوبة تتفق مع رأيه، بل أتى ببعض المعجزات ليبيِّن أنه مؤيَّد من الإله. فعلى سبيل المثال قال الحاخام أليعازر: «إن كانت الشريعة تتفق معي، فليبرهن النهر على ذلك» . وبالفعل، جرى النهر في عكس اتجاهه. وبعد مجموعة من المعجزات، سئم الحاخام أليعازر من الجدل مع الحاخامات وقال «إن كانت الشريعة تتفق معي، فليأت البرهان من السماء» . وهنا سمع الحاخامات صوتاً من السماء يقول: «لماذا تحاجون الحاخام أليعازر بعد أن برهن على أن الشريعة تتفق معه في كل الأمور؟» . فرد أحد الحاخامات «إنها [أي المعنى أو التفسير] ليست في السماء» . وأكد الحاخام للإله أن التوراة قد أُعطيت لموسى في سيناء وانتهى الأمر، ومن ثم فإن الحاخامات لا يعيرون الصوت الإلهي أي انتباه. ثم اقتبس الحاخام من التوراة ما يؤيد قوله، وهنا ضحك الإله وقال: «لقد هزمني أبنائي، لقد هزمني أبنائي» (بابا ميتسا 59 أو59 ب) .
إن أساس الهرمنيوطيقا اليهودية (حسب تصوُّر دعاة ما بعد الحداثة من أعضاء الجماعات اليهودية وغيرهم) ليس شيئاً في النص وإنما في العقل الحاخامي وهو قلب كامل للأوضاع.
2 ـ تحميل النص المقدَّس بالهرطقة:
ولكن ثمة خطوة أخرى أكثر عمقاً وراديكالية من الخطوة السابقة التي تحوِّل الهرمنيوطيقا اليهودية إلى هرمنيوطيقا مهرطقة وهي إعطاء النص المقدَّس مضموناً مهرطقاً بعد فتحه. وهي عملية تتم أيضاً على عدة خطوات:
أ) لم يهاجم المفسر اليهودي النص المقدَّس بوضوح وبشكل مباشر كما يفعل المهرطقون عادةً، وإنما لجأ إلى حيلة بارعة تأخذ شكل الالتفاف. فأعلن أن النص المقدَّس مصدر الشرعية؛ بل أعلن إيمانه الكامل به وأنه يتحرك داخل إطار التقاليد الأرثوذكسية اليهودية.

ب) اكتسب المفسر بذلك شرعية وقداسة، أي باعتباره مفسر النص صاحب الشرعية والقداسة.
جـ) بدأ المفسر يأتي بتفسيرات حاخامية يفرضها على النص فرضاً.
د) تحولت هذه التفسيرات تدريجياً إلى تفسيرات باطنية غنوصية قبَّالية مهرطقة.
هـ) كانت هذه التفسيرات هامشية ثم أخذت تتحرك تدريجياً نحو المركز.
و) استولى التفسير المهرطق على النص تماماً وأصبحت الهرطقة هي الجوهر، أي أصبحت الهرطقة هي الشريعة، والكفر هو الإيمان، والغنوص هو التوحيد، واللامعنى هو المعنى.
وقد وردت هذه القصة في أحد أعمال كافكا موضحةً جوهر الهرمنيوطيقا المهرطقة ومتتاليتها. تدخل الفهود (المدنَّسة) المعبد وتشرب الماء المقدَّس من الكئوس المقدَّسة. يحدث هذا مرة بعد أخرى. ولذا، وبعد مرور فترة من الوقت، يتوقع الناس وصول الفهود إلى أن تصبح الفهود (المدنَّسة) جزءاً لا يتجزأ من الطقوس (المقدَّسة) .
ترى سوزان هاندلمان أن هذا وصف دقيق لما قام به المثقفون اليهود من دعاة الهرمنيوطيقا المهرطقة. فبعد تحطيم الهيكل، حلت دراسة التوراة ودراسة شعائر الهيكل محل تقديم القرابين. ولكن اليهود، بسبب غربتهم ونفيهم وشعائرهم، يقومون بالهجوم على النص لفتحه فيقوم الفهود (الحاخامات) بدخول المعبد (النص) فيشربون الماء المقدَّس من الكئوس المقدَّسة (النص) ، وبالتدريج يصبح الفهود (الحاخامات وأصحاب التفسيرات المهرطقة الذين كانوا مغتصبين للمعبد) جزءاً من شعائره، أي أن التفسير المهرطق يصبح هو الشريعة، وهكذا يتم الاستيلاء على الكتاب المقدَّس بدعوى تفسيره.

ويرى الأديب الفرنسي اليهودي ما بعد الحداثي إدموند جابيس أن أهم نقطة في اليهودية هي اللحظة التي تقع بين تحطيم موسى الوصايا العشر بسبب غضبه من عبادة الشعب للعجل الذهبي وبين تلقىه الوصايا العشر الجديدة. وهذه اللحظة هي لحظة حضور/غياب، شريعة غائبة/موجودة. ويرى جابيس أن الشريعة الشفوية، أي التفسيرات الحاخامية، نشأت في الشقوق التي نجمت عن تحطيم الوصايا العشر كالأعشاب والطحالب التي تقتل النباتات المزروعة التي تأتي بالثمر. بذلك، فقد تحوَّلت يسرائيل بأسرها إلى تساؤل مستمر بلا نهاية، وأصبح واجبها هو التفكيك، أي الهرمنيوطيقا المهرطقة؛ وأصبح اليهودي، المتجول المنبوذ، ممثل الأعشاب التي ظهرت في الشقوق، هو عنصر الظلام والشقوق التحتية المظلمة. (وهل يختلف هذا الوصف كثيراً عن وصف أعداء اليهود لدور اليهودي في المجتمعات المختلفة؟ (.
الهرمنيوطيقا المهرطقة والمثقفون اليهود
‏Heretical Hermeneutics and Jewish Intellectuals

الهرمنيوطيقا المهرطقة (حسب تصوُّر دعاة ما بعد الحداثة من أعضاء الجماعات اليهودية وغيرهم) تعبير عن رغبة اليهود في الانتقام لأنفسهم بسب ما حاق بهم من كوارث تاريخية وبسبب حالة النفي والتبعثر التي يعيشونها وعملية الإحلال التي فُرضت عليهم. إنها محاولة اليهودي الانتقام من العالم اليوناني المسيحي الذي يزعم أن العالم يدور حول اللوجوس وحول نقطة ثبات نهائية، ولكن هذا العالم الذي يبحث عن الثبات قام باقتلاع اليهود وفَرَض عليهم النفي والتحول والصيرورة. ولذا، فهم رداً على ذلك، يفرضون على النص المقدَّس «التفسير» و «سوء القراءة» المتعمد، الذي هو في واقع الأمر تفكيك وتقويض له وفرض الصيرورة عليه. ولكن التفسير المهرطق، رغم هرطقته، يدَّعي أنه هو نفسه النص المقدَّس حتى يتسنى له أن يحل محله، أي أنها مؤامرة تتم من الداخل باسم التفسير، وهي في واقع الأمر تقويض: إنها فرض اللامعنى باعتباره المعنى، وفرض الظلام باعتباره النور، وفرض الهرطقة باعتبارها الشريعة؛ إنها عملية قلب كامل للمعنى تتم بهدوء ومن خلال الخديعة.
ولكن الهرمنيوطيقا المهرطقة لم تكن مقصورة على الكتاب المقدَّس المسيحي/اليهودي إذ قام اليهود بتوجيه الهرمنيوطيقا المهرطقة إلى عالم الأغيار الدنيوي أيضاً واستخدموا الخديعة نفسها على الطريقة المارانية التي تجعل اليهودي يظهر غير ما يبطن. وهذا ما يفعله اليهود، فهم في محاولة ضرب أعدائهم ادعوا أنهم يقومون بعملية تفسير للتراث الإنساني، لا أكثر ولا أقل. ولكنهم في واقع الأمر يقومون بعملية تقويض جذرية، الهدف منها البقاء الفكري لليهود وتحقيق شيء من الهيمنة.

والمثقفون اليهود المحدثون - حسب هذه الرؤية - ينتمون إلى تقاليد الهرمنيوطيقا المهرطقة، فهم يقعون خارج التراث الغربي (المتمركز حول اللوجوس) يحاولون تحطيمه (ماركس والمجتمع - فرويد والذات البشرية - دريدا والفلسفة - بلوم والأدب) ، فهم أيضاً يغوصون في ظلمات النفس البشرية ويصلون إلى عناصر الهرطقة المكبوتة التي تتحدى المعيارية القائمة، فيقومون باكتشافها وبلورتها ودفعها نحو المركز. وكما أن العالم قام بنفي اليهود وإحلال شعب آخر محلهم، فإنهم يقومون بإحلال النص المهرطق محل النص المقدَّس، وهم بذلك يحوِّلون الخارجي إلى داخلي والعكس بالعكس. فيقوم فرويد بتعرية الرغبات المهرطقة في الذات الإنسانية، ويقوم دريدا، سيد التقويضيين، بتحطيم ركائز الفلسفة الغربية، ويقوم بلوم بتحطيم تقاليد الأدب الغربي الذي يرتكز على المسيحية ويبيِّن الحرب الأزلية الدائرة بين الشعراء. وما يفعله هؤلاء المهرطقون هو أنهم يقضون على النصوص الأصلية (المقدَّسة ـ الأبوية ـ السلطوية ـ الثابتة) ، ومن خلال تفسيرها، يقومون بتفكيكها وتوضيح الظلمات داخلها وإطلاقها من إسارها. وهم يدينون بالولاء للتقاليد الخفية التي يجعلونها التقاليد الحقيقية، ويصبح التفسير المظلم هو الوحي ويصبح اللاوعي هو الوعي الحقيقي.
وترى سوزان هاندلمان أن تقاليد الهرمنيوطيقا المهرطقة لم تَعُد مقصورة على المثقفين اليهود، فهناك في كل أنحاء العالم «مثقفون يهود» بالمعنى المجازي جعلوا همهم فَتْح النصوص المقدَّسة عن طريق إعلان أن النص المقدَّس صامت يمكن أن يحمل أيَّ معنى يشاء المفسر، ثم قاموا بإعادة تفسيرها وتحميلها معنى مهرطقاً حتى يسود الظلام وتهيمن العدمية (ومما يجدر التنبيه إليه أن كلمات مثل «فوضى» و «ظلام» و «انقطاع» و «عدمية» لا تحمل أيَّ معنى سلبي أو قدحي في معجم سوزان هاندلمان) .

وهذه الرؤية للمثقفين اليهود تُشيِّئهم تماماً وتجعلهم قوة فريدة من قوى الظلام. ولعل المدافعين عن مثل هذه الرؤية لو دققوا قليلاً لوجدوا أن هؤلاء المثقفين لا ينتمون إلى تقاليد يهودية وإنما إلى تقاليد غربية علمانية. ونحن نذهب إلى أن الحضارة الغربية العلمانية الحديثة هي في جوهرها حضارة تفكيكية. فحين أعلنت هذه الحضارة إلغاء فكرة الإله أو تهميشها، لم يكن هناك بُد من تفسير الإنسان في إطار طبيعي/مادي، فأصبح جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة/المادة يُردُّ في كليته إليها، فيتحول من كائن إنساني متجاوز للطبيعة/المادة إلى كائن مادي يمكن تفكيكه إلى عناصره المادية الأولية. وهذا هو ما فعله توماس هوبز غير اليهودي الذي أعلن أن الإنسان (الذي يعيش في عالم الطبيعة/المادة وحسب) إن هو إلا ذئب لأخيه الإنسان. وجاليلو، ومن بعده نيوتن، كانا «مسيحيين» ، وأنكرا على الإنسان أية مركزية، وجاء داروين غير اليهودي، قَبْل فرويد «اليهودي» ، واكتشف الظلمات في الطبيعة وفي النفس البشرية. وجاء بعد فرويد عشرات المحللين النفسيين من غير اليهود ممن تبنوا الرؤية الفرويدية بحماس بالغ، وقاموا لا بتطبيقها وحسب وإنما بتعميقها كذلك (هذا مقابل عشرات المثقفين من أعضاء الجماعات اليهودية ممن رفضوا هذه الرؤية التفكيكية العدمية مثل إريك فروم) . وهكذا فإن تقاليد التفكيك التقويضي المهرطق، هي تقاليد راسخة في الحضارة العلمانية الغربية.

يُسقط دعاة ما بعد الحداثة من أعضاء الجماعات اليهودية كل هذه الاعتبارات ويجعلون الهرمنيوطيقا المهرطقة ظاهرة يهودية، وهم في هذا لا يختلفون كثيراً عن رؤية بروتوكولات حكماء صهيون التي تجعل اليهود قوة من قوى الظلام والدمار. ومما يجدر ذكره أن مسألة الاختلاف الجذري بين العقل الهيليني والعقل العبراني هي أحد أسس التفكير العنصري الغربي. ولكن رغم عنصرية سوزان هاندلمان وغيرها من دارسي ظاهرة ما بعد الحداثة بين المفكرين، فإنهم قد وضحوا إحدى السمات الأساسية للإنجازات الفكرية للمثقفين اليهود من دعاة ما بعد الحداثة.
بعض مصطلحات ما بعد الحداثة وعلاقتها باليهودية وبأعضاء الجماعات اليهودية
‏Some Post-Modernist Terms and Their Relation to Judaism and Members of Jewish Communities
تتسم المصطلحات التي يستخدمها دعاة ما بعد الحداثة بالصعوبة البالغة، ولكنها صعوبة ناجمة عن التضخيم الذي لا مبرر له، أي أنها حالة تورُّم لا تركيب. ويتضح مدى بساطة هذه المصطلحات حينما يدرك المرء أساسها الفلسفي. ومعرفة أصولها في العقيدة اليهودية تساهم في عملية التبسيط والتوضيح هذه. وسنتناول في بقية هذه المداخل بعض المصطلحات الأساسية التي يستخدمها دعاة ما بعد الحداثة. ومعظم هذه المصطلحات تدور حول فكرة النص والقراءة.
الدال المتجاوز والمدلول المتجاوز
‏Transcendental Signifier and Signified
«المدلول المتجاوز» هو الركيزة الأساسية لكل الدوال ويقف خارج لعب الدوال، فهو «غير ملوث» بهذا اللعب، وهو ليس جزءاً من اللغة التي تحاول أن تُوقف لعب الدوال وانزلاقيتها وانفصالها عن المدلولات.

ويُشار إلى «المدلول المتجاوز» أحياناً بأنه «الإله» و «روح العالم» و «المادة» و «الحضور المطلق» و «اللوجوس» . ووجود مدلول متجاوز (مفارق) هو الطريقة الوحيدة لكي نخرج من عالم الحس والكمون والصيرورة ونوقف لعب الدوال إلى ما لا نهاية، ونحرز التجاوز والثبات ونؤسس منظومات فلسفية؛ معرفية وأخلاقية. وكل النظم المتمركزة حول اللوجوس لابد أن تتضمن مدلولاً متجاوزاً لعالم الدلالات: هو الإله في المنظومات الدينية، وهو الكل المادي الثابت المتجاوز في المنظومات المادية، ونشير إليه أيضاً بأنه «المطلق العلماني» . وهو الذي يضمن علاقة الدال بالمدلول. وتتسم العقلانية المادية بوجود مركز فيها، مركز مادي (الإنسان الطبيعي ـ الطبيعة/المادة) ولكنه مركز (مبدأ واحد) يعطي النسق صلابة.
وقد بيَّن نيتشه الميتافيزيقا الكامنة في فكرة المركز والكل والمعنى المتجاوز للصيرورة، وبيَّن أنه رغم موت الإله فإن ظلاله لا تزال جاثمة، وتتبدَّى في مثل هذه الأفكار. ولذا طالب بمحو ظلال الإله من خلال ضَرْب هذه الأفكار وتقويضها عن طريق ضَرْب الدال المتجاوز (المركز ـ الكل) بحيث لا يبقى سوى لعب الدوال بلا مركز ولا كليات ولا معنى. وهذا ما ترمي ما بعد الحداثة إلى إنجازه، فهي تحاول أن تضرب العلاقة بين الدال والمدلول حتى يتحرر الدال تماماً من المدلول. وكما يقول دريدا فإن الدال هو المحسوس والمدلول هو المعقول. وإن ظلت ثنائية الدال والمدلول قائمة فإن هذا يعني أن هناك عالم الدال المحسوس غائص في عالم الصيرورة ولكن يقف إلى جواره عالم آخر، معقول وغير محسوس، عالم المدلول الذي سيفلت بذلك من قبضة الصيرورة. وقد عبَّر دريدا عن هذه الثنائية بقوله إن المدلول المعقول يتجه بوجهه نحو الله، أي إلى عالم الثبات والميتافيزيقا. وما بعد الحداثة تحاول أن توقف هذه السلسلة التي تبدأ بالثنائية وتنتهي عند الله.

وقد حاول الحاخامات إنجاز شيء من هذا القبيل في اليهودية، فالحاخام المفسر جزء من صيرورة التاريخ والزمان ولكن تفسيراته التي لم تفلت من قبضة الصيرورة مساوية لكلمات الإله (المدلول المتجاوز) . ثم تتجاوز كلمات الحاخامات النسبية المبعثرة كلمة الإله الثابتة وتصبح بديلاً لها، وبذلك يسقط كل شيء في قبضة الصيرورة ويصبح العالم بلا مدلول متجاوز، وتتساوى كل الأمور وتصبح نسبية لا معنى لها.
الحضور
‏Presence
«الحضور» من الكلمة الفرنسية «بريزانس presence» ، وهو مصطلح استخدمه هايدجر وأشاعه دريدا. و «الحضور» هو ما لا يستند وجوده (حضوره) إلى شيء إلا نفسه. والحقيقة هي التمييز بين الحضور والغياب. ورغم جدة المصطلح، فهو مرادف لكلمات أخرى في الفلسفة الغربية مثل «اللوجوس» (اللوجوس في القبَّالاه اسم الإله الأعظم - أكبر تركيز للحضور الإلهي) ، و «الأصل» و «الأساس النهائي» و «الركيزة النهائية» و «المبدأ الواحد، الكلي والنهائي، الروحي أو المادي» و «المركز» و «الأساس القَبَلي» و «الأوَّلي» و «الميتافيزيقا» و «المطلق» و «عالم المثل» و «الكليات الثابتة المتجاوزة» و «المدلول المتجاوز» . وقد ذكر دريدا نفسه بعض المرادفات الأخرى، مثل: «الجوهر» و «الحقيقة» و «الوجود» و «الغرض» ، وعرَّفه بأنه الأساس الصلب الثابت لأي نسق فلسفي.

و «الحضور» مقولة أولية قَبَلية توجد في البدء قبل تفاعل الذات مع الموضوع، وهو مكتف بذاته ومصدر للوحدة والتناسق والمعنى في الظواهر، وهو يتجاوز الإنسان وواقعه المحسوس، ويتجاوز التفاصيل الحسية ويهرب من قبضة الصيرورة، أي أن الحضور يؤدي إلى ظهور ثنائية الحاضر/الغائب أو ثنائية المتجاوز/الكامن التي هي تعبير عن ثنائية أولية (ثنائية الخالق/المخلوق) . وتنتج عن هذه الثنائية ثنائيات أخرى، مثل: الذكر/الأنثى ـ الإنسان/الطبيعة ـ المقدَّس/المدنَّس ـ الثابت/المتحول. ومن خلال «الحضور» ، يمكن تنظيم أجزاء الواقع بشكل هرمي والحكم عليها وتقرير ما هو كلي وجزئي، وما هو مركزي وهامشي.
ويرى دريدا أن النظام الدلالي مبني على الاختلاف والإرجاء (الاخترجلاف) الذي يؤدي إلى عدم تَحدُّد أي معنى وإلى لعب لا متناه للدوال والنصوص، فالمعنى دائماً حاضر/غائب (تحت الممحاة) ، وهو ما ينجم عنه انفصال الدال عن المدلول. ولا يمكن أن يتوقف لعب الدوال ويتم التواصل بين البشر إلا من خلال وجود المدلول المتجاوز (الحضور) ، وهو النقطة المرجعية النهائية التي توجد خارج الأنساق الدلالية وعالم الصيرورة. وهي نقطة يدركها الوعي مباشرةً، ذلك لأنه مُعطَى مباشر للذات بلا وسيط دلالي. ولأنه أساس مطلق، خارج النظام اللغوي والدلالي، فهو لا يشكل جزءاً منه ولا يستند إلى سلسلة الدوال، بل إن النسق اللغوى هو الذي يستند إليه، أي أن وجوده يسبق وجود اللغة. وبهذا المعنى، فإن أية لغة إنسانية (من منظور دريدا) هي لغة أفلاطونية تفترض وجود عالم ثابت يسبق عالم الصيرورة (المدلول المتجاوز/الإله) يضمن الثبات والمعنى. وهذا يعني أن النظام الدلالي ثانوي بالنسبة للمدلول (بسبب أسبقية المدلول المتجاوز على كل الظواهر) ويمكن الاستغناء عنه، فهو يساعد على التذكر أو على التعبير الموجز عن الأفكار، ولكنه في واقع الأمر يقف عائقاً بين الذات والموضوع.

والمشروع ما بعد الحداثي هو مشروع الحلولية والكمونية الكاملة ومحاولة تأسيس وعي إنساني كامل دون أساس إلهي أو حتى إنساني أو مادي؛ عالم من الصيرورة الكاملة لا حضور فيه ولا مطلقات ولا أي مدلول متجاوز. وهذا يعني ضرورة موت الإله والمطلقات حتى يصبح اللعب الحر للدوال ممكناً وحتى تنتهي النزعة الدينية (مركزية الإنسان التي تستند إلى وجود الإله) والنزعة الإنسانية (مركزية الإنسان التي تستند إلى أسبقية الذات الإنسانية على الطبيعة) . وبذا، نصل إلى النهاية الحقيقية لكل أنواع الميتافيزيقا سواء أكانت ميتافيزيقا دينية أم ميتافيزيقا مادية، ولأي نظام فلسفي يعتمد على أساس أو مبدأ أول أو أرضية يؤسس عليها التراتب الهرمي. ومن ثم، لابد من فك المبدأ الأول والأساس الثابت للوجود الإنساني، ولابد من محو الأصول تماماً، للوصول إلى نقطة بلا أصل، نقطة حلولية، أصولها كامنة فيها تماماً بحيث لا يفلت أيُّ شيء من قبضة الصيرورة، وهي نهاية يرى دريدا أنها لن توصل إلى العدم ولا إلى الغياب (عكس الحضور) ، فوجود الغياب شكل من أشكال الوجود يستدعي الحضور، ولذا لابد من الوصول إلى نقطة ليس فيها حضور أو غياب، نقطة بينية مثل الاخترجلاف وهو ليس حضوراً ولا غياباً.
ونقطة اللاحضور واللاغياب (نقطة الصيرورة الكاملة) مفهوم أساسي في اليهودية. فالإله في اليهودية ليس بشراً ولكنه ذو سمات بشرية، وهو مطلق يتجاوز الطبيعة والتاريخ ولكنه نسبي لأنه مقصور على اليهود، دائم التدخل في الطبيعة والتاريخ، بل يحل في الشعب اليهودي والتاريخ اليهودي. وفي القبَّالاه التراث الصوفي الحلولي اليهودي، هو الأين سوف (الذي لا مثيل له) ولكنه هو أيضاً الآيين (اللاشيء) . والكلمتان، كما يشير القبَّاليون، مكونتان من الحروف والأصوات نفسها تقريباً، فكأن الإله لا هو هذا ولا ذاك ولا هو بالغياب ولا هو بالحضور.

وقصة الخلق في القبَّالاه قد وُلِّدت منها كثير من مفاهيم ما بعد الحداثة وبخاصة مفهوم الحضور/الغياب هذا. ويبدأ خلق العالم في القبَّالاه بالتسيم تسوم، أي الانكماش، وهي تعني أن الإله خَلَق العالم بأن انكمش في ذاته وانسحب من المادة الأصلية. وبعد ذلك بدأ يوزع الإله ذاته النورانية في أوعية، ولكنها ناءت بحملها فتهشمت في حادثة يُطلَق عليها تَهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) . وقد نتج عن هذا تَبعثُر الشرارات الإلهية واختلاطها بالمادة الكونية الرديئة. وقد شُبِّهت هذه الحادثة بهَدْم هيكل القدس ونفي اليهود وتَبعثُرهم في بقاع الأرض وإحلال شعب آخر محلهم. وبعد تَهشُّم الأوعية تأتي عملية التيقون، أي الإصلاح الكوني إذ يبدأ الإله في جمع شتات ذاته إلى أن تكتمل. ولكنه لن يصل الإله إلى مرحلة الوحدة والتكامل هذه إلا بمساعدة اليهود. فالإله هنا حاضر/غائب، ومطلق/نسبي، وثابت/متغير، ومتجاوز/ حال، وكل غير متكامل.
والنمط نفسه يوجد في مفهوم الشريعة الشفوية، أي التفسير الحاخامي، ذلك أن قواعد التفسير يُفتَرض أنها أُعطيت لموسى على جبل سيناء مع الشريعة المكتوبة. فالثابت، أي الشريعة المكتوبة، لا يمكن أن يكتمل وجوده دون المتغير، أي التفسير الحاخامي المستمر عبر التاريخ. ولذا، فهي أيضاً حالة حضور وغياب. ويشير جابيس إلى حادثة تحطيم لوحي الوصايا العشر على يد موسى نتيجة غضبه من الشعب لعبادته العجل الذهبي. وما بين لحظة تحطيم الوصايا العشر وإعطاء موسى النسخة الثانية، ثمة حالة من الحضور والغياب، فالشريعة غائبة/حاضرة وحاضرة/غائبة. والوصايا العشر عدة نسخ كلها مختلفة، فهي من ثم حاضرة/غائبة أيضاً.

بل إن اليهودي نفسه تجسيد لهذا الحضور/الغياب، فهو منفيٌّ أزلي ولكنه منفيٌّ أزليّ يرفض العودة إلى الدولة اليهودية، وهو صاحب أصول راسخة ولكنه متجول لا حدود له، وهو يبحث دائماً عن جذوره ويعلم مسبقاً أنه لن يجدها، ويُقال إنه صاحب هوية ولكنه في واقع الأمر صاحب هويات لا هوية واحدة، فهو أيضاً المطلق/النسبي، الحاضر/الغائب.
الثنائية
‏Dualism
يرى أنصار ما بعد الحداثة أن كل النظم المعرفية مبنية على أصل ثابت (الحضور) تنتُج عنه ثنائيات متعارضة، مثل: الفكر/الواقع والمكتوب/المنطوق والحقيقي/الزائف والإنسان/الطبيعة، وتعطي أسبقية للعنصر الأول على الثاني. فالثنائيات المتعارضة هي الطريقة التي تقدم بها أية أيديولوجيا رؤيتها للواقع. فكل رؤية ترسم حدوداً واضحة بين ما هو مقبول وما هو مفروض، وبين المركز والهامش، وبين الذات والموضوع، وبين الداخل والخارج، وبين الصواب والخطأ، وبين المعنى واللامعنى، وبين العقل والجنون، وبين السطح والعمق، وبين الحلال والحرام، وبين المقدَّس والمدنَّس، وبين الأزلي والزمني وبين الدال والمدلول. ويمكن أن يستمر النظام في العمل ما دامت هذه الثنائية قائمة، ولا يمكن أن تقوم للثنائية قائمة بدون الحضور (اللوجوس ـ الأصل ـ لحظة البدء ـ المدلول المتجاوز) ، فهو ليس جزءاً من أية ثنائية داخل النظام ويتجاوزها ويتجاوز النظام نفسه فتتوقف عنده سلسلة المعنى المنزلق ولعب الدوال، ويمكن فرض التراتب الهرمي على الواقع من خلاله (ونحن نرى أن النظم التوحيدية تؤدي إلى ظهور مثل هذه الثنائية ولكنها ثنائية فضفاضة تكاملية) .

ومن أهم الثنائيات داخل أي نسق فلسفي ثنائية الإنسان/الطبيعة التي تجعل الإنسان يدرك أنه مختلف عن الطبيعة متميِّز عنها وأنه ليس له ما يماثله في عالم الطبيعة، فهي ثنائية راديكالية. ومن ثم، فإن الإنسان يكتشف أن الحالة الإنسانية حالة متمردة على النظام الطبيعي/المادي، فيشعر الإنسان بكينونته وهويته وحدوده ومقدرته على التجاوز، فيبدأ بالتفكير في أصوله الربانية. وهذا التفكير، إن لم يواكبه إيمان حقيقي بالإله، يؤدي إلى العدمية، إذ أن ذكرى الأصل الرباني تُعذب الإنسان. ومن هنا، يرى أنصار ما بعد الحداثة ضرورة إلغاء الثنائية، فإلغاؤها إلغاء للأصل، وإن أُلغي الأصل وأُلغيت الثنائيات تَساقَط النظام تماماً وسادت الواحدية السائلة وتداخلت الحدود والهويات والأشياء (أي تظهر الحالة الرحمية التي لا حدود لها) . ولذا، يجعل النقد التفكيكي همه هَدْم الثنائيات وتوضيح انفصالها الكامل أو التحامها الكامل، وذلك بهدف هَدْم الأساس والمبدأ الأول والثابت لتسود حالة الواحدية السائلة والرحمية. وإن ظلت هناك ثنائيات فهي ثنائيات متداخلة يتساوى فيها القطبان ولا تمنع قط لعب الدوال ورقص القلم.
وما ذكرناه عن الحضو والغياب ينطبق أيضاً على الثنائية، فالتراث الديني اليهودي، بتأكيده حالة الحضور/الغياب هذه، يمحو الثنائيات تماماً. وكل أنواع الحلولية تمحو أية ثنائيات حينما تصل إلى مرحلة وحدة الوجود، حيث لا يبقى إلا جوهر واحد.
التمركز حول اللوجوس
‏Logocentrism
«التمركز حول اللوجوس» ترجمة لكلمة «لوجوسنتريك logocentric» المكونة من كلمتي «لوجوس logos» بمعنى «كلمة» أو «حضور» أو «عقل» أو «تجلِّي الإله» أو «المبدأ الثابت الواحد» وكلمة «سنتر centre» بمعنى «مركز» .

ويرى دريدا أن الفكر الغربي فكر متمركز حول اللوجوس (ففي البدء كانت «الكلمة» ) ، فاللوجوس هي الأصل وكل شيء يستند إليها، ولا يستطيع أحد أن يخرج من نطاق اللوجوس. واللغات الأوربية نفسها متمركزة حول اللوجوس، وبداية الإنسان الغربي متمركزة حول اللوجوس. والأنساق المتمركزة حول اللوجوس تدَّعي لنفسها العالمية والشمول وتدعي أن نقطة مرجعيتها موجودة خارجها، وأنها تستمد معقوليتها ومعياريتها من هذه النقطة. كما أن مفهوم الغائية والعلية يستند إلى هذا الأصل الثابت، والتراتب الهرمي والمنظومات الأخلاقية والثنائيات الأنطولوجية والمعرفية والأخلاقية (معقول/غير معقول ـ خيِّر/شرير) كلها تستند إليه. ولكن، بمعنى من المعاني، يرى أنصار ما بعد الحداثة أن الفكر الإنساني كله متمركز حول لوجوس ما (بمعنى العقل والمركز والمبدأ الأساسي الثابت) ، فلا يوجد فكر إنساني بدون أساس ثابت خارج عنه، ولذلك فإن كل الفكر الإنساني (ربانياً كان أم إلحادياً) ميتافيزيقي (ملوث بالميتافيزيقا) لا يتعامل مع الصيرورة الحسية المباشرة.
ويهاجم أنصار ما بعد الحداثة التمركز حول اللوجوس، فيطرح دريدا مفهوم الاخترجلاف والتناص والكتابة الأصلية والأثر والهوة (أبوريا) ورقص الدوال والتمركز حول المنطوق والنص المفتوح، وكلها تحاول مهاجمة فكرة الأصل الثابت من خلال محو الثنائيات والحدود حيث يسقط كل شيء في الصيرورة وتسود الانزلاقية.

والتمركز حول اللوجوس، في التراث اليهودي، حالة مستحيلة توجد في الماضي السحيق حينما كان يهوه يحل في الشعب ويقوده في البادية ويدخل معه في علاقة حوارية مباشرة. كما يوجد التمركز حول اللوجوس في نهاية التاريخ في اللحظة المشيحانية حين يجمع الإله شعبه المبعثر ويحل فيه ويقوده مرة أخرى إلى أرض الميعاد ليسود العالم. أما ما بين اللحظتين، وهو التاريخ بأسره، فإن الإله غائب واللوجوس غير موجود لا يمكن التمركز حوله (على عكس ما يتصوره المسيحيون) ، فهي حالة تبعثر وتشتت وصيرورة عبثية كاملة، وهذا هو المجال البحثي لأنصار ما بعد الحداثة. وقد تطوَّر اللاهوت اليهودي تدريجياً ليصبح لاهوتاً بلا مركز ولا لوجوس، وهو ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» .
القصص الصغرى والقصة الكبرى
‏Small Narratives and Grand Narrative
» القصص الصغرى» و «القصة الكبرى» مصطلحان من فلسفة ما بعد الحداثة. وهي، كالمعتاد، لا تقول شيئاً جديداً وإنما تقول القضايا القديمة بطريقة متضخمة متورمة تخبئ أكثر مما تكشف. وما بعد الحداثة ليست معادية للمنظومات الدينية وحسب وإنما معادية للمنظومات الإنسانية الإلحادية أيضاً. ويتضح هذا في استخدامهم كلمة «قصة» ، فكلمة «قصة» بديل لكلمة «رؤية» أو «نظرية» أو «نموذج» ، وعلاقة القصة الصغرى بالقصة الكبرى هي علاقة الخاص بالعام والحالة بالنظرية والفرد بالمجتمع ... إلخ.

ودعاة ما بعد الحداثة يعادون القصص الكبرى (النظريات الكبرى والرؤى العامة والنماذج) ويرون أنه، منذ عصر النهضة والاستنارة، تحاول المنظومة المعرفية الغربية الحديثة التوصل إلى نظرية (قصة عظمى) تضم كل النظريات (القصص) الصغرى وتتجاوزها. ووصفهم هذا وصف للفلسفات المادية التي تطرح رؤية مادية للكون ترتكز إلى مطلق كامن في المادة (العقل ـ الروح المطلقة ـ البروليتاريا) وتفسر كل شيء بدون ثغرات وبدون أية مسافة بين الكل والجزء، وهو وصف جيد لفلسفة التاريخ المادية بكل حتمياتها وإيمانها بأنها تفسر كل شيء وتَرُدُّ كل الأبنية الفوقية إلى بناء تحتي واحد يُردّ بدوره إلى عنصر مادي واحد، فتسقط في الواحدية السببية.
ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا، فقد وُصفت ما بعد الحداثة بطريقة متورمة بأنها فلسفة ضد القصص ذات النزعة الكلية الترانسندنتالية (المتجاوزة) المتمركزة حول اللوجوس (بالإنجليزية: أجينست لوجوسنتريك توتاليزنج ترانسندتال ميتاناراتيفز against logocentric totalising transcendental metanarratives) ، أي أنها فلسفة معادية للقصص الكلية التي تستند إلى لوجوس (مركز) متجاوز للصيرورة المادية، أي أنها ببساطة شديدة ضد أية نظرية كلية تشير إلى عالم متجاوز لعالم الجزئيات المحسوسة المباشرة.

ويستخدم دعاة ما بعد الحداثة كلمة «قصة» بدلاً من كلمة «رؤية» أو «نظرية» لأن الرؤية والنظرية إذا كانت مجرد قصة، فهي إذن نسبية ولا تشير إلى ما هو خارجها (تماماً مثل النظام اللغوي) . ولا شك في أن محاولة تأسيس نظرية (عامة) على أساس القصة (الخاصة) هو من قبيل العبث، إذ لا يمكن التعميم من الخاص. فكل النظريات قصص، ومن ثم فالحقيقة الدينية بل الإنسانية غير ممكنة، والمعرفة أمر غير وارد، ولا يوجد أساس لكتابة تاريخ عام، ولا توجد نظرية للكون، ولا توجد حدود إنسانية شاملة ومشتركة؛ ولكن توجد جزر من الحتمية والحرية، والمعرفة كلها مرتبطة بمواقع محلية مختلفة داخل إطار لغوي وتفسيري خاص، ولا يبقى أمامنا سوى القصص الصغرى التي لا تتجاوز شرعيتها ذاتها. فهي (كالنظام اللغوي) مغلقة على نفسها تماماً وتمنح صاحبها يقيناً خاصاً عالياً ولكنها لا تجيب عن أية أسئلة كبرى نهائية أو كلية. وهي قصة لا تتطلب أية شرعية من قصة كبرى فمطلقها (مركزها) كامن فيها، مرتبط بالآن الخاص والهنا الخاصة، مرتبط بالموقف المادي المباشر (الزماني المكاني) الذي لا علاقة له بالتاريخ الأكبر أو المطلقات العالمية أو الإنسانية المشتركة. وتفترض القصة العظمى وجود الكليات المتجاوزة للسياق الحسي المباشر مثل الإنسانية المشتركة ووحدة الحق ووحدة الحقيقة ولا تتغير بتغير السياق. أما القصة الصغرى، فهي مرتبطة تمام الارتباط بسياقها، فتفترض المطلق الخاص الذي يذكِّرنا بالحلوليات الكمونية الوثنية والوثنيات القديمة، التي لم تكن تؤمن برؤية عالمية ولا أخلاقيات عالمية ولا إنسانية مشتركة، والتي تذكِّرنا كذلك بالقوميات العضوية، وبالحركة النازية والصهيونية وجوش إيمونيم، فهي جميعاً تدور في إطار قصص صغرى يؤمن بها أصحابها ويستمدون قداستهم منها، ويستبعدون الآخر بالضرورة إذ لا توجد قصة إنسانية عظمى تضم الجميع ويمكن الاحتكام لها. ومن ثم، يمكن القول بأن القصة الصغرى

قصة علمانية تماماً، فهي تنكر أي تجاوز أو أي ثبات أو أية كليات توجد وراء التجربة الحسية المباشرة أو تقف خلف دوامة الصيرورة.
والقصة الصغرى قصة الشعب المختار الذي يؤمن بأن الإله غير مفارق له، يسكن في وسطه، ويتحد به، وهم يعاملونه معاملة الند لنده، فيدخلون معه في علاقة حوارية، ويعصون أوامره ببساطة شديدة وفي نهاية الأمر يتحدث الحاخامات بدلاً منه. ولكنهم لا يأتون بقصة كبرى، وإنما بقصص حاخامية متعددة مختلفة، إلى أن نصل إلى اليهودية المحافظة التي تُعلي الذات اليهودية وتجعلها المركز الحقيقي للمنظومة اليهودية، ثم تجعلها مصدر المعيارية. وفي نهاية الأمر ظهرت اليهودية الإنسانية فاليهودية الإلحادية فلاهوت موت الإله.
الاختلاف
‏La Differance
» الاخترجلاف» كلمة قمنا بنحتها من كلمتي «اختلاف» و «إرجاء» ، على غرار كلمة «لا ديفيرانس la differance» التي نحتها دريدا من الكلمة الفرنسية «differer» بمعنى «أخَّر» أو «أرجأ» و «difference» بمعنى «اختلاف «.
ويُلاحَظ أن الفرق بين «ديفرانس la differance» (الكلمة التي نحتها دريدا) وكلمة «difference» بمعنى «الاختلاف» ليس في النطق وإنما في الكتابة، ففارق النطق بين «ence» و «ance» ضعيف للغاية ويكاد لا يبين للسمع. وتحتوي الكلمة على معنى الاختلاف (في المكان) ومعنى الإرجاء (في الزمان (.

ويرى التفكيكيون أن المعنى يتولَّد من خلال اختلاف دال عن آخر، فكل دال متميِّز عن الدوال الأخرى. ومع هذا، فثمة ترابط واتصال بين الدوال، فكل دال يتحدد معناه داخل شبكة العلاقات مع الدوال الأخرى، لكن معنى كل دال لا يوجد بشكل كامل في أية لحظة (فهو دائماً غائب رغم حضوره) إذ أن كل دال مرتبط بمعنى الدال الذي جاء قبله والذي جاء بعده، ووجوده نفسه يستند إلى اختلافه. ويضرب دعاة ما بعد الحداثة مثلاً بالبحث عن معنى كلمة في القاموس فإن أردت أن تعرف معنى كلمة «قطة» فسيتحدد معناها من خلال اختلافها مع كلمتي «نطة» و «بطة» . كما أن القاموس سيخبرنا أن «القطة حيوان» فسنذهب لكلمة «حيوان» لنعرف معناها، وهناك سنعرف أنه «كائن ذو أربعة أرجل» فسننظر لمعنى كلمتي «كائن» و «أرجل» إلى ما لا نهاية، أي أن دائرة الهرمنيوطيقا هنا دائرة مفرغة لا تؤدي إلى نهاية أو معنى فكل تفسير يؤدي إلى تفسير آخر. وهذا يعني أن مدلول أي دال مُعلَّق ومؤجل إلى ما لا نهاية، وهو ما يؤدي إلى لعب الدوال اللامتناهي (ولا يمكن أن يوقف هذه العملية سوى المدلول المتجاوز، أي الإله الذي يقف خارج شبكة لعب الدوال) .
والاخترجلاف ليس هوية أو أساساً أو جوهراً أو أصلاً وإنما هو قوة كامنة وحالة في اللغة نفسها يحركها من داخلها فيفصل الدال عن المدلول، ولذا يصبح عالم الدوال مستقلاً عن عالم المدلولات ويخلق الهوة (أبوريا) ، ومن ثم تصبح اللغة قوة لا يمكن التحكم فيها. ولأن الاخترجلاف كامن في اللغة، فليس بإمكان أي شيء أن يهرب منه، فهو ممثل الصيرورة داخل النسق اللغوي، وسيلة الإنسان الوحيدة للتعامل مع الواقع والتواصل مع بقية البشر.

والاخترجلاف يحل محل مفهوم البنية عند البنيويين، ولكنها البنية بعد أن وقعت في دوامة الصيرورة، فالاخترجلاف لا يعرف الثنائية ولا التجاوز ولا الغائية، فهو مجرد منها جميعاً. فالحضور الوحيد بالنسبة له هو عملية لا متناهية في الزمان والمكان ولا يعرف الزمان أو المكان. والاخترجلاف - كما أسلفنا - يتم على أساس الاختلاف في المكان والإرجاء في الزمان، فهو لا يستقر فيهما أبداً ولا يمكن أن يصبح هو هو. والاخترجلاف، على خلاف البنية، لا يعرف أي مركز، ومن ثم لا يوجد أي تراتب هرمي من أي نوع.
والاخترجلاف لا يشاكل العقل الإنساني بل يتجاوزه ويستوعبه. وهو على عكس البنية ليس مفهوماً، فهو شيء لا يفكر فيه المرء وإنما يحدث له، أو يحدث للنص (ولذا فإن النص يكشف لنا شيئاً عن طبيعة المعنى/اللامعنى التي لا يمكن صياغتها على هيئة أطروحة) .
الاخترجلاف، إذن، عكس الحضور والغياب، بل يسبقهما (ولذا سمي أنطولوجيا الحضور والغياب الذي لا يمكن معرفته) ، وهو لا وعي اللغة والأصل الذي لا يمكن معرفته أو إدراك كنهه، وهو آلية تقويض المعنى والحقيقة والأصل الثابت المتجاوز للغة والإنسان، وهو تأكيد أولوية اللغة على الإنسان.
الاخترجلاف، إذن، هو استيعاب المطلق في الصيرورة، فهو المطلق/النسبي. وهو المبدأ المادي الواحد الذي يسري في الكون، وهو القوة الدافعة له الكامنة فيه والتي تتخلل ثناياه وتضبط وجوده وتوحده، وهو النظام الضروري والكلي للأشياء، نظام ليس فقط فوق الطبيعة ولكنه نظام فوق الإنسان أيضاً، إنه مطلق علماني جديد في عصر المادية الجديدة أو اللاعقلانية المادية حيث تغوص كل الأشياء في دوامة الصيرورة.

ومفهوم الاخترجلاف فيه آثار كثيرة من المفاهيم القبَّالية مثل «إين سوف» ، أي «الذي لا نظير له» ، ومفهوم «شفيرات هكليم» ، أي «تَهشُّم الأوعية» ، وعملية «تيقون» ، أي «إصلاح» ، وكلها عمليات مستمرة بلا نهاية في عالمنا هذا ولا تتوقف إلا في نهاية التاريخ. وثمة صدى من مفهوم الشريعة الشفوية التي تفرض نفسها على الشريعة المكتوبة الموحى بها من الإله، والشريعة الشفوية عملية اخترجلافية لا تنتهي، ولذا يسخر دريدا من المفسرين الذين يودون الوصول إلى معنى نهائي (فهم مسيحيون بالمعنى النماذجي) غير قادرين على أن يعيشوا في التوتر الناجم عن الغياب داخل الحضور وعن الحضور داخل الغياب. ويرى أن اليهودية والقراءة هما شيء واحد، هما الانتظار الإرجاء نفسه؛ الاخترجلاف نفسه؛ التوقع نفسه والأمل نفسه الذي لا يتحقق أبداً.
الأثر
‏Trace

«الأثر» ترجمة لكلمة «تريس trace» الإنجليزية، وهو من المفاهيم الأساسية في فكر دريدا والمرتبط تمام الارتباط بمفهوم الاخترجلاف. والاخترجلاف هو القوة الكامنة في اللغة الدافعة لها والمقوضة للدلالة. ويبيِّن دريدا أن معنى الكلمة (دلالتها) ليس كامناً فيها، فهي لا جوهر لها، وإنما يتحدد من خلال الاخترجلاف. أي أن مدلول كل كلمة يتحدد من خلال غياب المدلولات الأخرى، فحضور الدال وارتباطه بمدلوله هو غياب الدوال والمدلولات الأخرى. ولكن، رغم غياب الدوال الأخرى، فإن الدال الحاضر يستدعيها عن غير وعي. ولذا، فإنني حينما أفكر في الدال الماثل أمامي وأركز عليه، أفكر عن غير وعي في الدوال الأخرى. وكل دال يحتوي على أثر من الدوال التي يختلف عنها سواء وردت قبله أم وردت بعده. ومعنى الدال غائب عنه دائماً وليس له حضور كامل قط، فهو جزء من شبكة العلاقات الدلالية (غائب/حاضر) . ومن خلال عملية الاخترجلاف عبر السنين، يحدث تراكُم للآثار. ويبدو هذا التراكم وكأنه المعنى الثابت والمستقر للكلمات، ولكنه في واقع الأمر ليس كذلك، فهو مجرد وهم ـ أثر. وتعني عبارة «سو راتير sous rature» الفرنسية (بالإنجليزية: أندر إريشر under erasure) «تحت الممحاة» أن الكلمة التي نظن أنها مُحيت وزالت تترك وراءها أثراً لا يزول ويمارس وظيفته أو آثاراً من وظيفته.

والنتيجة أن اللغة ليست طاهرة تماماً، ذلك لأن كل كلمة تحتوي أثراً من الكلمات السابقة وتترك أثراً في الكلمات اللاحقة، ولذا يفيض المعنى عن إرادة الكاتب وعن حدود النص، وبذا يحل الأثر محل الحضور ويمَّحي الأصل تماماً إذ لا يبقى من الأصل سوى الأثر، فالأثر هو الأصل الذي لم يبدأ شيئاً، فهو أصل بلا أصل، ومن ثم فإن الإنسان يجد نفسه بلا أصل رباني أو إنساني ولا يبقى أمامه سوى الصيرورة الثابتة (التي تشبه النفي الأزلي لليهودي) . ولذا، فإن القارئ لن يجد أساساً قوياً يستند إليه وينزلق لذلك في دوامة الصيرورة. وإذا كانت الحقيقة هي المقدرة على التمييز بين الحضور والغياب، فإن الحقيقة (بذلك) تغيب، والأثر يلقي بظلاله على كل شيء، وهذا يعني استحالة الوصول إلى الحضور الكامل والمدلول المتجاوز الذي يقع خارج نطاق الحسية المباشرة والنص، كما يعني استحالة الوصول إلى أي معنى، فالمعنى متناقض غير محدد ولا يمكن التوصل إليه. وهذا لا يختلف كثيراً عن مفهوم الشريعة الشفوية حيث حل التفسير محل الأصل والنص المقدَّس ولم يبق منه سوى أثر. كما أن التفسيرات نفسها تتلاحق بحيث يجُبُّ بعضها البعض ولا يبقى سوى صدى، أثر لعملية التفسير نفسها والتي أُعطيت آلياتها لموسى مع الشريعة المكتوبة (التوراة) ، أي أن التوراة من البداية جاءت ومعها التفسير الذي لا يقل عنها قداسة. وبرغم كل هذا، فنحن لا نملك سوى تكرار استخدام الكلمات. ولذا، فإن التكرار هو الذي يعطيها هويتها (الآثار المتراكمة) وهو الذي يهدمها. والتكرار من ثم هو فقدان دائم للبراءة والطهر. ولكن ليس أمامنا سوى التكرار، ولا يوجد أمامنا سوى أن نعني (نقول) شيئاً (بالفعل ـ دائماً ـ كذلك) مختلفاً عما نود أن نوصله (نعنيه ـ نقوله) ونفهم شيئاً ثالثاً، وما نصل إليه من معنى هو نتاج لعب لامتناه للدوال. ولأن الكلمات ليست بريئة، ولأن المعنى وقع في قبضة لعب الدوال ورقص القيم، قرَّر دريدا

(مقتفياً أثر هايدجر) أنه لابد أن يخلق لغته الخاصة، زاعماً أنه كلما نحت كلمات جديدة فإن الميتافيزيقا تستوعبها ويصبح لها معنى ثابت.
تناثر المعنى
‏Dissemination
عبارة «تناثر المعنى» هي ترجمتنا لكلمة «ديسمينيشن dissemination» التي يستخدمها دريدا في مقام كلمة «دلالة» . والكلمة من فعل «ديسمينيت disseminate» بمعنى «يبث» أو «ينثر الحبوب» . والمعروف أن أحد مقاطع الكلمة «سيمين semen» تعني «بذر» أو «سائل المني» . والمعنى المباشر للكلمة عند دريدا هو «ينثر المعنى» . ومع هذا، فإن للكلمة عدة مستويات:
1 ـ معنى النص منتشر ومبعثر فيه كبذور تُنثَر في كل الاتجاهات، ومن ثم لا يمكن الإمساك به؛ تشتيت المعنى؛ لعب حرّ لامتناه لأكبر عدد ممكن من المعاني.
2 ـ تأخذ الكلمة معنى «وكأن لها دلالة دون أن تكون لها دلالة» ، أي أنها تُحدث أثر الدلالة وحسب.
3 ـ نفي المعنى.
وهذا المفهوم لا يختلف عن المفاهيم الأخرى مثل «الأثر» و «النسخة» و «الاخترجلاف» ، وكلها محاولات تهدف إلى أن يغوص كل شيء في دوامة الصيرورة، حتى يفقد كل شيء هويته وحدوده. وتناثُر المعنى مفهوم يشبه تَهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) في التراث القبَّالي. وهو مرتبط بمفهوم الشعب اليهودي المشتت في عالم بدون مركز، فتناثُر المعنى هو تشتيته في كل النص بلا مركز، فكأن المعنى المتناثر هو الشعب المنفي. واجتماع الشعب مرة أخرى من خلال عملية الإصلاح (تيقون) هو عملية الحضور (الإلهي) الكامل والعودة لحالة البليروما (حالة الامتلاء الأولى) .
الهوة (أبوريا)
‏Aporia

«أبوريا» كلمة يونانية تعني «الهوة التي لا قرار لها» . والهوة (أبوريا) عكس الحضور الكامل أو الأساس الذي نطمئن إليه، أو على وجه الدقة هي ما يتجاوز ثنائية الحضور والغياب. وإذا كان الحضور هو الحقيقة والثبات والتجاوز والعلاقة بين الدال والمدلول والتحامهما، فالهوة هي الصيرورة الكاملة التي لا يفلت من قبضتها شيء، فهي دليل على أن الواقع متغيِّر بشكل دائم. ولا هرب من التغير، فحتى التغير نفسه (شكله ـ طريقته ـ نمطه) متغير. والهوة دليل على أن اللغة قوة لا يمكن التحكم فيها.
إن الهوة هي أحد أسماء المطلق/النسبي ما بعد الحداثي. وقد وصفها دريدا بأنها المحدد غير المحدد، والتناهي غير المتناهي، والحضور/كغياب. وفي لغة أكثر صوفية وإشراقية وبلاهة، وصفها في كتابه علم الكتابة (الجراماتولوجي) بأنها "طريقة التفكير في عالم المستقبل الذي لا مفر منه، والذي يعلن عن نفسه في الوقت الحاضر متجاوزاً انغلاق المعرفة ... إنها هي التي ستفصم الوعي تماماً عن المعيارية السائدة ... ولا يمكن الإعلان عنها وتقديمها إلا باعتبارها شكلاً من أشكال الوحشية". أما في الكتابة والاختلاف فإنه يشير إليها باعتبارها "الشيء الذي لا يمكن تسميته، النوع الذي لا نوع له.. الشكل الذي لا شكل له.. رؤية الوحشية المخيفة". وهذا خليط من أسماء الإله (شيم هامفوراش ـ إين سوف ـ آيين) والمفاهيم القبَّالية (شخيناه السوداء) .

والهوة (أبوريا) مرتبطة تماماً بالنزعة الرحمية وفقدان الحدود والمسئولية والهوية، فهي تشير إلى عالم لا يوجد فيه أي ثبات ولا يوجد فيه أي توق لثبات. ولن تكون هناك عودة للميتافيزيقا والتمركز حول اللوجوس ولا حتى ما هو خلف الميتافيزيقا (ميتا ميتافيزيقا) . فهو دائماً بقاء في براءة الصيرورة، في عالم من الإشارات بلا خطأ، ولا يمكنها أن تخطئ لأنها لا تشير إلى أية حقيقة. فالإشارات بلا أصل (وهذا يعني في الخطاب ما بعد الحداثي، أن أصلها مادي في عالم الصيرورة، وأن الإنسان إنسان طبيعي/مادي) ، فهو عالم "تصاحبه ضحكة ما" و"رقصة ما" ... تأكيد فرح للعب العالم ونسيان نشيط للوجود (نيتشه في أصل الأخلاق) ، فهو لعب بلا أمن، لعبة الصدفة المطلقة حيث يستسلم الإنسان إلى اللامحدود، فالمستقبل غير مغلق وهو خطر كامل.

والهوة هي النقطة التي تنفصل فيها سلسلة الدلالات عن سلسلة المدلولات، ويبدأ انزلاق الدوال وتبدأ عملية الاخترجلاف وتناثُر المعنى. والدلالات هي التي تبيِّن الهوة ولكنها هي أيضاً التي تخبئها. وسبب الاخترجلاف هو الهوة (أبوريا) ، فوجودها يمنع أن يتطابق الدال وأي مدلول ويظل المعنى مختلفاً ومُرْجَئاً دائماً. وكل النصوص تحوي داخلها هذه الهوة أو نقطة الفراغ أو تحوي عنصراً غير منطقي لا يستطيع النص أن يستوعبه، فهو تناقض داخل النص غير متسق معه. ومهمة الناقد التفكيكي هي أن يبحث عن هذه الهوة ويمسك بها، وقد شبهها أحد الدارسين بأنها مثل الخيط الذي إن أمسك به الناقد وجذبه انهدم البناء تماماً أو هي حجر الأساس داخل جدار ما (حجر مُفكَّك) إن جذبه الناقد تهدَّم البناء بأسره ويُلاحَظ أن المسألة ليست «تفكيكاً» (ديكُنستراكشن deconstruction) كما يدَّعون وإنما هو «تقويض» (ديستراكشن destraction) . ومع هذا، يقول التفكيكيون إنهم لم يهدموا البناء وإنما يبينون أنه مفكك وحسب، وأن البنية المتماسكة التي تظهر لعيوننا ليست سوى وهم إذ أنها لا أساس لها. فالتفكيكيون لا يفككون لأن كل شيء مُفكَّك متفكك من تلقاء نفسه، أو على الأقل عنده قابلية كامنة للتفكك!
الكتابة/ القراءة
‏Writing/ Reading

«الكتابة/القراءة» هي إحدى الثنائيات المتعارضة التي روج لها البنيويون. وقد تطوَّر المفهوم على يد أنصار ما بعد الحداثة (أنصار ما بعد البنيوية) . والقراءة في هذا السياق هي النص المغلق الذي ينطوي على معنى ثابت ولا يدعو لمشاركة القارئ في عملية إنتاج المعنى، فهو متمركز حول فكرة (صدى للوجوس، أي الكلمة المطلقة، فالقراءة صدى للتمركز حول اللوجوس) ، أي أن النص هنا قد أفلت من قبضة الصيرورة. هذا على عكس الكتابة، فهي منظومة من القوائم التي تنطوي عليها تفاعلات نصية منفتحة دائماً على التفسير، فهي حمَّالة لمعان لا تكف عن التولد، وعلى نحو يؤكد إسهام القارئ في إنتاج الدلالة، فالنص المكتوب نص يدخل عالم التناص والصيرورة.
وقد قال إدمون جابيس إن الشاعر هو رجل الكلمة والكتابة تماماً، مثل اليهودي، فكلاهما يحلم حلماً منفصلاً عن الواقع، حلم العودة إلى صهيون وحلم كتابة أجمل قصيدة، فالحلم المنفصل عن الواقع يشبه لعب الدوال حين لا تشير الدوال إلى شيء خارجها. وكل من الشاعر واليهودي لا يضرب بجذوره في أي موقف ثابت أو أرض محددة أو وطن دائم، فهم دائماً ليسوا هنا وإنما هناك، على وشك التحقق ولا يتحققون. ووطن الشاعر واليهودي ليس الأرض وإنما الكلمة (ديوان الشاعر وكتاب اليهودي المقدَّس) . لكن النصوص التي ينتجها اليهودي والشاعر هي نصوص مفتوحة، شكل من أشكال الكلام المنفيّ، كلام ليس له معنى نهائي، فالقصيدة تقع في قبضة الاخترجلاف الدائم والنص المقدَّس يقع في قبضة التفسيرات التي لا تنتهي. وكما أن الشاعر يخلق وطنه من خلال الكتابة، فإن اليهودي يفعل الشيء نفسه، فهو يفرض على النص المقدَّس تفسيرات مستمرة هي وطنه. والكلمات هي التي تختار الشاعر ولكنه هو الذي يلدها، والإله هو الذي اختار اليهود ولكنه لا يكتمل ولا يجمع شتات ذاته إلا من خلال اليهود. فصعوبة أن يكون الإنسان يهودياً هي نفسها صعوبة الكتابة (على حد قول دريدا) .

الكتابة الكبرى أو الأصلية
‏Archi-Ecriture; Proto-Writing
«الكتابة الكبرى» أو «الكتابة الأصلية» أو «الكتابة بشكل عام» ترجمة لمصطلح ابتكره دريدا، وهو «آرشي إكرتيير archi-ecriture» ، وهي كلمة فرنسية مركبة تُرجمت إلى الإنجليزية بلفظة «بروتو رايتنج proto writing» بمعنى «الكتابة الأصلية أو الأولية» ، و «أوريجينال تكست original text» بمعنى «النص الأصلي» . كما أن كلمة «ecriture» الفرنسية تعني أحياناً «سكريبتشر scripture» أي «النص المقدَّس» . وكل هذا الإسهال اللفظي مرتبط بإحدى الثنائيات التي يود دريدا محوها، وهي ثنائية المنطوق المكتوب وأسبقية الأول على الثاني، أي أسبقية الفكر على اللغة ومن ثم إفلاته من قبضة الصيرورة والاخترجلاف. ولكن لابد من أن تُقلَب الأمور رأساً على عقب حتى يمكن «إثبات» أسبقية اللغة على الفكر، وحتى يقع كل شيء في قبضة الاخترجلاف والصيرورة والحركة الدائمة. ولذا، يقرِّر دريدا أن الكلام المنطوق إن هو إلا صدى لنص أصلي أو أولي يوجد في عقل الإنسان قبل تقسيم الكلمة إلى دال ومدلول ويتجاوز القسمة المبتذلة إلى كلام وكتابة. وبذا، فإن الكلمة المنطوقة التي يتفوه بها الإنسان هي في واقع الأمر صدى لنص مكتوب أولي في عقله.
ولا يوجد أي دليل أو سند تاريخي لإثبات هذه النظرية، ولكن هناك رغبة أيديولوجية عند دريدا لإثباتها. وهذا يعود إلى أنه يحاول أن يزيح المتكلم الذي ينطق بالكلام، فهو عنصر إنساني واضح متعين له بنية وقصد ووعي، وهو يشير إلى واقع موضوعي يتحدث عنه. فالمتحدث كيان يصعب تفكيكه، فهو ذات تشير إلى موضوع، توجد فكرة في عقله ومن ثم فإن وجوده تأكيد للحضور والتمركز حول اللوجوس. أما مفهوم الكتابة الأصلية الموجودة في عقل الجميع، فهو يزيح المتحدث تماماً ومن ثم يُنهي وهم الحضور.

ولا شك في أن أسطورة الكتابة الكبرى أو الأصلية هي محاولة من قبَل دريدا لأن يرفض الرؤية التوحيدية للخلق، أي أن الله خلق آدم وعَلَّمه الأسماء كلها (المعرفة ـ العقل ـ اللوجوس) ، وبث النور في صدره، نوراً معقولاً وليس محسوساً، وانطلاقاً من هذا نطق آدم وسمَّى الحيوانات والنباتات، فهي رؤية متمركزة حول اللوجوس. أما دريدا فيرى ضرورة أن يدفع بكل شيء في دوامة الصيرورة، فكل نص يحيلك إلى نص آخر وكل النصوص صدى لهذا النص الأصلي الذي لم ولن يقرأه أحد (يُذكِّرنا بتوراة الفيض الإشراقية الخفية في القبَّالاه اللوريانية المكتوبة بحبر أبيض لا يراه أحد سوى أصحاب الغنوص والعرفان) .
التمركز حول المنطوق
‏Phonocentric
«التمركز حول المنطوق» ترجمة لكلمة «فونوسنتريك phonocentric» من كلمة «فونو phono» بمعنى «صوت» و «سنتر centre» بمعنى «مركز» . وهي إحدى الإشكاليات الفلسفية التي يطرحها دريدا وهي مرتبطة تمام الارتباط بهجومه على الأفكار الكلية، وبفكرة الحقيقة والحضور، بمحاولة دفع كل شيء في قبضة الصيرورة.
ويرى دريدا أن الحضارة الغربية (بل الفكر الإنساني) متمركزة حول اللوجوس (مطلق ما متجاوز للتفاصيل الحسية المباشرة يقع خارج شبكة لعب الدوال) يمكن ترتيب الواقع في إطاره. يأخذ هذا الترتيب شكلاً هرمياً داخله ثنائيات متعارضة، وداخل الثنائية نفسها ثمة أسبقية أو أفضلية لأحد طرفيها. ويرى دريدا أن تراث الحضارة الغربية الفكري يقوم على ثنائية المنطوق/المكتوب، وأن المنطوق له أولوية وأسبقية على المكتوب، أي أن اللغة المنطوقة في مرتبة أعلى من اللغة المكتوبة بحيث يمكن اعتبار اللغة المكتوبة تابعة للغة المنطوقة.

وقد تبدو هذه الإشكالية وكأنها إشكالية أكاديمية خاصة بعلماء اللغة يمكنهم وحدهم النقاش بشأنها. ولكننا سنجد أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك، فهو مرتبط تمام الارتباط برغبة دريدا في إنكار أية أصول متجاوزة وأي ثبات وأية كليات وذلك حتى تسود الصيرورة الكاملة والحسية والجزئية. فالكلام المنطوق يَصدُر عن جسد حي وعقل مفكر بشكل مباشر وذات مستقلة حرة وشخص ممسك بدلالة الكلمات يتحدث إليك مباشرةً، فإن لم تفهم ما يقوله فأنت تطلب منه إيضاحاً فيجيبك، وبوسعه أن يُعدِّل ما يقول أو يتحفظ عليه، فهناك معنى داخله لم يتم الإفصاح عنه. والكلام المنطوق يفترض أن فحوى الكلمات موجود بشكل مباشر في وعي الناطق، وهو ما يعني أن كلماته (دواله) تربطها علاقة مباشرة وذات مغزى بالمدلول. هذا يعني أن المعنى له أسبقية على الكلام، وأنه منفصل عن النظام الدلالي، وأنه قد هرب من الصيرورة المتمثلة في رقص الدوال، واللغة إن هي إلا أداة (المعنى في بطن الشاعر قبل أن يتحول إلى قصيدة) . والشخص الحي الناطق بالكلمات هنا هو الوسيط بين المعنى الذي في عقله واللغة التي ينطقها.
إن الكلام المنطوق تنطق به ذات إنسانية متماسكة تتحدث عن أفكار مستقرة في الذهن، فكأن هناك ذاتاً مستقرة وموضوعاً مستقراً. والمنطوق، بذلك، يشير إلى الأصل (الحضور واللوجوس) بشكل مباشر وبدون وساطة، فهو أقرب إليه وهو أكثر قرباً من نقطة الحضور من المكتوب وأكثر شفافية.

هذا على عكس الكلام المكتوب، فكاتبه غائب بعيد لا يتفاعل مع المتلقين بشكل مباشر، والنص المكتوب يُفترض فيه أنه تعبير غير مباشر يصل إلى المتلقي من خلال القلم والمطبعة والأوراق. فإذا لم يفهم المتلقي ما جاء فيه، فلا يمكنه الاستفسار عن معناه من الكاتب، فالنص المكتوب منفصل عن كاتبه، كُتب على الورق وأصبح نصاً يمكن تداوله وإعادة طبعه وتفسيره، ويمكن استخدامه بطرق لا يمكن أن تطرأ للإنسان الذي كتبه على بال. وبهذا، فإن المكتوب لا يشير إلى الحضور وإنما يعبر عنه وحسب، فهو منفصل عنه. الكتابة، بهذا، تسرق من الإنسان وجوده، فهي طريقة ثانوية للاتصال أكثر بعداً عن اللوجوس، ولذا فإن التراث الغربي (وأي نظام متمركز حول اللوجوس) يفضل المنطوق على المكتوب. وأي تفضيل للمنطوق على المكتوب هو تعبير عن التمركز حول اللوجوس وعن الميتافيزيقا المتعالية المرتبطة بذلك.
وليس هناك أدلة تاريخية تؤيد ادعاء دريدا عن تمركُز الحضارة الغربية حول المنطوق، فهي شأنها شأن معظم الحضارات الأخرى تُعطي مكانة أعلى لما يُسمَّى في علم الأنثروبولوجيا «التراث السامي» أو «التراث الراقي» أو «التراث الأعلى» (بالإنجليزية: هاي تراديشان high tradition) وهو التراث المكتوب للأرستقراطية، مقابل «التراث الأدنى» أو «التراث الشعبي» (بالإنجليزية: لوتراديشن low tradition) وهو التراث الشعبي الشفهي. كما أن معظم الحضارات الكبرى تدور حول نصوص مقدسة مكتوبة، يحاول البشر توليد معان منها يمكنهم من خلالها ضبط ممارساتهم اليومية وتقييمها. والحضارة الغربية أصبحت تدور، بعد سقوط الوثنية الرومانية على وجه خاص، حول العهدين القديم والجديد (الكتاب المقدَّس) . فهم أهل كتاب (حسب التعبير الإسلامي) .

ولذا، فيجب أن نرى هجوم دريدا على المنطوق وتأكيد أسبقية المكتوب باعتباره جزءاً من ترسانته الفكرية التي يطوِّرها للهجوم على اللوجوس باعتباره أساساً فلسفياً وباعتباره مركزاً ومصدراً للمعقولية والمعيارية والثبات، هو هجوم على ما يسميه «المدلول المتجاوز» (الإله ـ الكل المتجاوز) الذي يمكن أن يوقف لعب الدوال والذي يدركه الإنسان مباشرةً من خلال تجربته الإنسانية المباشرة.
إن المنطوق هو صدى كلمة الإله المعقولة التي يدركها ويعقلها المرء مباشرةً من خلال تجربته الإنسانية المباشرة، واستناداً لإنسانيته المشتركة مع الآخرين، وهي ليست تجربة مادية محسوسة. والمنطوق من ثم هو صدى الحضور الإلهي أو الكلي في فؤاد الإنسان، فهو يشير إلى أصول الإنسان الربانية. وما يحل محل المنطوق ليس المكتوب، كما يدَّعي دريدا، فنحن نعرف أن المكتوب والمدوَّن أكثر ثباتاً وتركيباً من المنطوق. والحضارات المركبة - كما أسلفنا - تعتمد دائماً على نص مقدَّس مكتوب يتجاوز ذاكرة الأفراد وصيرورة حياتهم الفردية المتغيرة. وما يحل محل المنطوق هو ما يسميه دريدا «النص» ، والنص هو نص مكتوب فَقَد علاقته بكاتبه. ولذا فإنه، رغم ثباته، مجرد كلمات مثبتة على ورق (حبر على ورق) ومؤلفه قد «مات» وانفصل عن النص وأصبح مجرد علامات محسوسة على الصفحة يمكن أن يفعل بها الناقد ما يريد لأنها دخلت شبكة الدوال والصيرورة، فكل كلمة تشير إلى كلمة أخرى، وكل نص يشير إلى نص آخر، وهي عملية تستمر إلى ما لا نهاية إن لم يوقفها مدلول متجاوز. والهجوم هنا هو هجوم على عالم ما قبل اللغة، عالم الإيمان الذي يحتوي على المفاهيم الكلية، وهو هجوم على أي نص (مكتوباً كان أم منطوقاً) ما دام متمركزاً حول اللوجوس والأصل والمبدأ، وعلى ما يقترن به من مفهوم الغائية والعلم. ويمكن هنا، أن نتحدث عن موت النص أو تقسيمه أو فقدانه حدوده وهويته. وهنا يصبح الثابت متحولاً والكل جزئياً والمطلق

نسبياً. وبدلاً من المؤلف يظهر صاحب الإرادة، وبدلاً من النص الذي ينقل للقارئ معنى كامناً في عقل المؤلف يظهر المفسر الذي يستولي على النص ليولد منه ما يشاء من معان.
وهذا، في واقع الأمر، صدى لثنائية الشريعة المكتوبة والشريعة الشفهية في العقيدة اليهودية. فالشريعة المكتوبة هي التوراة التي أرسلها الإله، كلامها واضح وبإمكان من يود أن يفهمها أن يفعل، وأن يفسرها دون أن يخل بمعناها، ويمكن الاحتكام لها. ومن هنا، طوَّر الحاخامات فكرة الشريعة الشفوية ومفادها أنه حينما أعطى الإله الشريعة المكتوبة لموسى فوق سيناء، أعطاه أيضاً الشريعة الشفهية (المنطوقة) التي يتوارثها الحاخامات، وتفسيرات الحاخامات هي هذه الشريعة الشفهية. وهي تفسيرات لا تنتهي عبر الأجيال، فهي حالة صيرورة تستبعد الإله وتميت النص فيفرض الحاخام/المفسر إرادته على النص، حتى أن التفسير (التلمود) أصبح يَجُّب الأصل (التوراة) وحلت إرادة المفسر (الحاخام) محل إرادة المؤلف (الإله) . وقد تدهور الأمر مع التراث القبَّالي (الذي تأثر به كثير من أنصار ما بعد الحداثة) إذ أصبح هناك التصور القائل بأن التوراة المكتوبة المتداولة غير التوراة الباطنية التي لا يراها إلا المفسر القبَّالي، ومن هنا يكون الفرق بين توارة الخلق وتوراة الفيض. ورغم أن التفسيرات الحاخامية يُطلَق عليها تعبير «شريعة شفهية» ، إلا أنها تعادل في واقع الأمر ما يسميه دريدا «النص» (المكتوب) ، أي الكلام الذي دخل عالم الصيرورة ولعب الدوال وانفصل عن مؤلفه وتعدَّى حدوده وأصبح خاضعاً لإرادة الحاخام/المفسِّر. أما التوراة المكتوبة فهي المنطوق المتمركز حول اللوجوس، وهي ما يُشار إليه بكلمة «العمل» الذي له حدود واضحة.

القضية، إذن، ليست قضية المنطوق مقابل المكتوب، بل هي قضية المرجعية واللامرجعية، والمكتوب هنا تعني ما لا حدود ولا مرجعية له! كما تعني تأكيد أن الإشارة تسبق المعنى وأن اللغة تسبق الواقع (وأن المادة تسبق الوعي وأن القوة تسبق الحقيقة وأن الحاخام والشعب اليهودي يسبقان الإله، وأن المسألة مسألة إرادة القوة والمفسر/الحاخام) وأن كل شيء في قبضة صيرورة عمياء.
العمل والنص
‏Work and Text
يطلق أنصار ما بعد الحداثة على النص الذي له حدود ومعنى ومركز كلمة «عمل» (بالإنجليزية: ويرك work) ، مقابل النص الذي لا حدود له ولا مركز. والعمل، في تصوُّرهم، يتسم بأنه متماسك ويشير إلى صانعه الأول وينطوي على معنى الغائية، وهو بهذا قد أفلت من قبضة الصيرورة وحقَّق ثباتاً وتماسكاً ومن ثم تجاوزاً.
وقد تصاعدت النسبية المعرفية، فازداد إحساس الفنان بتفرده وغربته وبعدم اكتراث المتلقين وبَذَل جهوداً غير عادية لكي يخلق مسافة بين العمل الفني والواقع المتشيئ، ولذا يبدأ النص في الاستقلال عن الواقع ويزداد الكاتب إحساساً بذاتيته. ولذا، نجد أن معاني النصوص تختلط بل يرسل كل نص أكثر من رسالة، كما أن كل نص يحاول أن يرسل رسالة فريدة فيتخذ أشكالاً فريدة ويتزايد التجريب. ورغم كل هذا، فإن ثمة محاولة مأساوية ملهاوية عبثية لإرسال رسالة ذات معنى.
والناقد، هو الآخر، يزداد انغلاقاً على نفسه فينظر إلى النص مباشرةً ويعزله عن الواقع وعن المؤلف ويلتهمه، ولذا فإنه لا تهمه الخلفية التاريخية أو النفسية ولا يهمه قصد المؤلف أو وعيه. ومع هذا، تستمر محاولة الناقد في التفسير والاجتهاد والوصول إلى الأبعاد الإنسانية الكامنة في العمل الفني التي قد تساعد الإنسان على تجاوز واقعه رغم استحالة التجاوز.

وفي عصر ما بعد الحداثة (وما بعد البنيوية) تتغيَّر الصورة تماماً إذ تَسقُط الكليات والثوابت، وكل شيء، وضمن ذلك النص، في عالم الصيرورة الذي لا مركز له، والنص نفسه يشبه دوامة الصيرورة. فالنص متعدد المعاني بشكل مطلق لأنه يستحيل الاتفاق على معنى أو معيار متجاوز. ولذا، فإن هناك معاني بعدد القراء، فهي مجرد مجال عشوائي للعب الدوال ورقصها والشفرات المتداخلة، فهي معان لا يربطها مركز واحد وليست مستقرة، إلى أن يتبدَّد المعنى ويصبح البحث عنه نوعاً من العبث النقدي. ويؤدي هذا إلى حالة من السيولة وإلى اختفاء الحقيقة وتَعدُّد المعاني.
وتذهب سوزان هاندلمان إلى أن التعددية عند دريدا هي محاولة لنقل الشرك إلى عالم الكتابة، وإنكار إمكانية التجاوز. بحيث يحل تعدد المعنى محل تعدد الآلهة، وتصبح تعددية المعنى إنكاراً للمعنى وإنكاراً للتواصل بين البشر، أي أن تعددية المعنى هي في واقع الأمر إنكار لمقدرة الإنسان على التجاوز وإنكار لظاهرة الإنسان نفسها.
وكلما ازدادت تعددية النص، تعذَّر بل استحال الوصول إلى «أصل» ، سواء أكان صوت المؤلف أم مضموناً يحاكي الواقع أم حقيقة فلسفية. وإن كانت هناك حقيقة ما، فهي في داخل النص وليست خارجه، ولا يوجد شيء خارج النص. ولكن، إذا كان لا يوجد خارج للنص فلا داخل له أيضاً، فليس هناك مضمون محدد (وهذا تعبير عن محاولة أنصار ما بعد الحداثة لإلغاء الثنائية: ثنائية الداخل والخارج) . والنص، في هذا، مثل المجتمع الاستهلاكي، فنحن ننتج لنستهلك ونستهلك لننتج، ولا يوجد شيء خارج حلقة الإنتاج والاستهلاك ولا يوجد شيء داخلها أيضاً، فهي لا تؤدي إلى تَحقُّق إمكانيات الإنسان وإنما تؤدي إلى مزيد من الاستهلاك.

لا يوجد شيء أكيد في النص سوى الحيز والفراغات بين الحروف المكتوبة بالحبر، فالنص أسود على أبيض (بالإنجليزية: بلاك أون بلانك black on blank) ؛ مجرد حبر على ورق؛ شيء محسوس مادي؛ علامات بين إشارات صماء بينها فراغات صماء لا تشير إلى شيء خارج نفسها ولكنها لا حدود لها. فلعب الدلالات لا نهاية له ولا يتوقف إلا بشكل عشوائي وعرضي، عند هامش الصفحة وفي نهايتها مثلاً.
وعبارة «حبر على ورق» تحمل كل تضمينات السطحية كما هو في العبارة العربية، مع فارق أن ما بعد الحداثي يقبل هذا كحقيقة إيجابية إذ يرى فيها حرية وأيما حرية.
والاخترجلاف هو العنصر الأساسي داخل النص، أما التناص فهو العنصر الأساسي خارجه، فالمعنى داخل النص يَسقُط في شبكة الصيرورة من خلال الاخترجلاف، ويسقط النص ككل في الصيرورة من خلال التناص. فالتناص هو الاخترجلاف على مستوى النصوص. فكل نص يقف بين نصين، واحد قبله وواحد بعده، وهو يفقد حدوده في ما قبله وفي ما بعده، وفي كل النصوص الأخرى التي تركت آثارها على النصوص التي تسبقها وعلى النصوص التي تأتي بعدها، فكل نص هو أثر أو صدى لكل النصوص الأخرى حتى يفقد النص هويته ويصبح مجرد وقع. والنص يفيض ويلتحم بالنصوص الأخرى (تماماً كما تفيض اللغة داخل النص بفائض في المعنى لا يُستوعَب داخل حدود النص نفسه، تماماً مثل الذات التي تفقد تماسكها فتلتحم بالذوات الأخرى) . كل هذا يعني أن النص يوجد في كل النصوص الأخرى من خلال آثاره التي يتركها ولكنه لا يوجد بشكل كامل في أي مكان، فهو حاضر غائب دائماً، إن حالة التناص هذه حالة سيولة رحمية.

والتناص يعني تضاؤل قيمة النص المعرفية أو الأخلاقية. وإذا كان المجاز لا يشير إلى الحقيقة وإنما يخبئها، وإذا كانت الصورة المجازية لا تتسم بالشفافية مثلما أن اللغة ليست وسيلة أو شكلاً وإنما غاية ومضمون، فهذا يعني أن الصور المجازية تصبح مفاهيم والمفاهيم تصبح صوراً مجازية وتصبح النصوص مجموعة من الحيل البلاغية، وبذا تتحول كل النصوص (فلسفية أو إخبارية) إلى نصوص أدبية، أي أن التناص لا يؤدي إلى تداخل كل النصوص الأدبية وحسب وإنما إلى تداخل كل النصوص من كل الأنواع.
ومع اختفاء حدود النص وتعدديته، ومع تزايد انفتاحه، زادت إمكانية التفسيرات. وقد عُرِّف النص ما بعد الحداثي بأنه «آلة لتوليد التفسيرات» أي «تكأة» أو «مناسبة» أو «حيز» يمارس فيه الناقد إرادته. والناقد هو القارئ القوي الذي يعيد إنتاج النص ويعمل على تخليقه حسب المواصفات التي يراها.
والقراءة هي أحد الجيوب الأخيرة التي لم تحتلها الحضارة الاستهلاكية بعد. ومن هنا الإصرار على الحرية الكاملة في القراءة وعلى لذة القراءة باعتبارها لذة جنسية؛ ممارسة كاملة للصيرورة دون وسائط ودون قيود، وإحساساً كاملاً بالإرادة (فالناقد هو سوبرمان نيتشه) . فهو الذي يفرض المعنى، ولذا فهو حر تماماً، حتى في أن ينحت لغة خاصة به. وما يسيطر هنا هو نموذج صراعي، فاللغة تصارع ضد من يستخدمها وتهزمه، وبدلاً من أن تكون أداة للتعبير تصبح عائقاً. والناقد يضطر إلى قتل الأديب والنص ليفرض معناه. والناقد هنا يشبه تماماً الحاخام المفسر في المنظومة القبَّالية الذي يفرض أي معنى يشاء على التوراة، وذلك من خلال الجماتريا وأشكال التفسير الأخرى. وإرادة الحاخام هي أثر يجري فرضه على التوراة، والتفسير الذي يطرحه هو قراءة تَجبُّ النص الإلهي وتحل محله، ومن ثم حلَّ التلمود (وهو كتاب تفسير التوراة) محل التوراة نفسها.

والنص، كما أسلفنا، مجرد فراغ تلعب داخله الدلالات، ويمكن للناقد أن ينزلق فيه كما يشاء، ويمارس أقصى حرية يمكن أن يتمتع بها الإنسان في عصر ما بعد الحداثة، وهي لذة التفكيك التي يبيِّن من خلالها أن النص يقول ما لا يعني، ويعني ما لا يقول، حتى نصل إلى الهوة (أبوريا) : الطريق المسدود والتناقضات التي لا يمكن أن تُحسَم. والأبوريا هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن الوصول إليها. ولكن إذا كانت الحقيقة الوحيدة هي الهاوية، فإن مهمة الناقد هي أن يفتح النص المنغلق على الهوة، وهو انغلاق وهمي على أية حال، وهي هوة للمعاني المختلفة المرجأة التي تقودنا إلى نقطة تليها تحتوي على معان أخرى مختلفة مرجأة أيضاً، وهكذا نظن أننا سنصل إليها ولكننا لا نصل إليها أبداً.
ولكن حتى الناقد نفسه أسير النص اللغوي وشبكة الدلالات، ولذا فهو حينما يتحدث فإنه يتحدث لنفسه عن نفسه، ذلك لأن الكلمات لا تقول ما يعنيه هو وإنما ما تعنيه هي، فكلماته واقعة في شبكة الصيرورة ولعب الدلالات، ولذا فكل قراءة هي إساءة قراءة (بالإنجليزية: ميس ريدنج misreading) . وهذه هي القراءة الوحيدة الممكنة. فاللغة لا توصِّل، وكلنا واقعون في شبكة الصيرورة، لا نملك التواصل ولا نستطيع إلا اللعب وإساءة القراءة وسوء التفسير.

وأفضل النصوص هي النصوص المكتوبة (لا المنطوقة) ، فالنص المكتوب ينفصل عن مبدعه ولذا لا يمكن إغلاقه، ويستطيع الناقد أن يتلقاه ويفرض إرادته عليه ويقوم بربط بعض أجزائه التي لم يقم المؤلف نفسه بالربط بينها (أي أن القارئ يصبح هو الكاتب) . وهو يرى علامات غير مقصودة وأصداء وآثاراً للنصوص الأخرى. فالقراءة تعكس ذات القارئ وتستبعد ذات الكاتب (مرة أخرى، الصراع بين الإله/الكاتب والحاخام/القارئ المفسر) . ومن هنا تفضيلهم المكتوب على المنطوق، والنصوص ذات الخصائص الكتابية (الحركية المنفتحة التي ترقص فيها الدوال والتي لا مركز لها ولا أساس) على النصوص ذات الخصائص القرائية (الساكنة الجامدة ذات الهيكل الثابت من القيم التي تخطاها الزمن، أي التي أفلتت من قبضة الصيرورة والتي يرتبط فيها الدال بالمدلول) .
كل هذا يعني، في واقع الأمر، موت المؤلف ثم موت القارئ، وأخيراً موت النص ليقع جثة هامدة أو حيواناً أعجم أو امرأة لعوباً في يد الناقد. وكل هذا يعني أن هذه المرأة اللعوب ستقود الناقد (آخر ممثلي الوعي الإنساني واحتمال التفسير) في هوة الصيرورة!

ولقد أعطانا دريدا مثلاً للنص ما بعد الحداثي المثالي، وهو عبارة كتبها نيتشه مكوَّنة من كلمتين «نسيت مظلتي» . هذا نص منفتح تماماً، فليس له سياق تاريخي، فقد فُقد مثل هذا السياق للأبد ولا نعرف قصد المؤلف، ولا يمكن تحديد استجابة القارئ له. ولأن المؤلف نفسه قد مات، فإنه لن يشرح لنا المناسبة ولا القصد، ولذا فإن النص متحرِّر من القصد ومن الكلام الشفوي، فهو نص مكتوب. ويرفض دريدا كذلك أن تُقرَأ العبارة قراءة فرويدية (فالمظلة وهي مغلقة يمكن أن تكون القضيب وإن فتحت يمكن أن تكون عضو التأنيث، والنسيان هو عملية الإخصاء، وفتح المظلة هو عملية الاقتحام الجنسي ... إلخ) . ولكن دريدا يرفض التفسير الفرويدي لا لأنه تَعسُّف وتأويل مُبتسَر، بل لأن هذا يعني فرض معنى ما على النص؛ فهذا النص بالنسبة له نص بريء تماماً لا حدود له؛ إشارة بلا شيء يُشار إليه؛ دال بلا مدلول؛ كلمات بلا قصد؛ جُمَل بلا وعي؛ ظاهر أو باطن بلا أصل (رباني) . هذا هو لعب الدلالات الحقيقي فهي دلالات تستعصي على كل تفسير، ولذا ستظل بلا معنى تستفز المفسر وتثير أعصابه.
وقد يمكن أن نقول إن العبارة لا يزيد معناها ولا ينقص عن أية جملة أخرى، ولكن العبارة لا يمكن أن تتركنا وشأننا، فلعب الدوال سيغوينا لنقوم بعملية التفسير، ونحن لا نملك أي تفسير، أي أننا نحن أنفسنا نسقط في الهوة، وهي المنطقة بين الذات والموضوع التي لا هي بالذات ولا بالموضوع ولا هي بالحقيقي ولا بالزائف؛ عالم صيرورة حيث لا حدود ولا هوية وإنما سيولة نصوصية مريحة تشبه الرحم قبل الميلاد والنضج وتشبه آدم وهو بعد طين لم ينفخ الله فيه من روحه ولم يعلمه الأسماء كلها.

وثمة تَبادُل اختياري بين اليهودية الحاخامية ووضع اليهود من جهة وفكرة النص ما بعد الحداثي من جهة أخرى. فاليهودية الحاخامية تفرض تفسيراً على النص المقدَّس فيتناصّ النص المقدَّس مع النصوص التفسيرية، ثم تتناصّ التفسيرات نفسها ولا تنتهي هذه العملية. واليهودي المتجول المغترب ليس له مضمون محدد، فهناك اليهودي الأرثوذكسي واليهودي الملحد. وقد عُرِّف اليهودي بأنه «من يراه الآخرون كذلك» كما عُرِّف بأنه «من يشعر في قرارة نفسه بذلك» . فتعددية التعريفات تعني أنه لا يوجد يهودي، فاليهودي مثل النص ما بعد الحداثي، ولذا يُسأل في الدولة اليهودية: من اليهودي؟ هو كل شيء ولا شيء، بسبب التعددية المفرطة.
ويرى جابيس أن أهم نقطة في اليهودية هي النقطة التي حطم فيها موسى الوصايا العشر ولم يكن قد تَلقَّى النسخة الجديدة بعد. هذه اللحظة أهم اللحظات، فهي لحظة حضور/غياب، شريعة غائبة/ موجودة. ويرى جابيس أن النص اليهودي (التفسيرات الحاخامية) نشأ في الشقوق التي نتجت عن تحطيم الوصايا العشر، فهو كالأعشاب والطحالب التي تقتل النباتات.
جيرشوم شوليم (1897 – 1982 (
‏Jershom Scholem

مؤرخ يهودي صهيوني من أصل ألماني، تَخصَّص في دراسة القبَّالاه وفك رموزها حتى ارتبط اسمه بها تماماً. وُلد شوليم في ألمانيا لأسرة يهودية مندمجة وقد تمرَّد على هذه الثقافة الاندماجية واتجه نحو حركات الشباب الصهيونية تحت تأثير مارتن بوبر. ولكنه اختلف معه أثناء الحرب العالمية الأولى إذ يبدو أن بوبر أيَّد الحرب، ولكن شوليم تبنَّى موقف جماعة داعية للسلام رافضة للحرب برئاسة جوستاف لانداور. ولكن موقف شوليم كان لا ينبع من أي حب للسلام أو أي عداء للحرب وإنما من موقف انعزالي يرى أن اليهود أمة عضوية لا علاقة لها بأوربا أو بحروبها وأن عليهم أن يهاجروا إلى فلسطين لتأسيس دولة صهيونية، أي أن الخلاف بينه وبين بوبر لم يكن جوهرياً إذ أن بوبر كان هو الآخر من دعاة القومية اليهودية العضوية (أي الصهيونية (.
وقد درس شوليم الفلسفة والرياضيات في بادئ الأمر. ولكنه قرَّر أن يتخصص في القبَّالاه فتَعلَّم قراءة النصوص العبرية وكتب رسالة عن كتاب الباهير نال عنها درجة الدكتوراه من جامعة ميونيخ عام 1922. وفي العام التالي، هاجر شوليم إلى فلسطين حيث عُيِّن في الجامعة العبرية محاضراً في التصوف اليهودي ثم أستاذاً وظل فيها إلى أن تقاعد عام 1965 بعد أن جعل القبَّالاه موضوعاً أساسياً للدراسة ومكوناً أساسياً في تفكير كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية (مثل وولتر بنجامين وهارولد بلوم (.

كان كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية، انطلاقاً من مُثُل عصر الاستنارة، يذهبون إلى أن اليهودية عقيدة عقلانية تزود الإنسان بقوانين عامة لا علاقة لها بالعواطف المشبوبة أو الشطحات الصوفية. ولكن شوليم وقف على الطرف النقيض منهم (فهو من دعاة العداء للاستنارة) إذ ذهب إلى أن الغنوصية هي الجوهر الحقيقي لليهودية وأن الصوفية (القبَّالاه) هي القوة الحيوية الحقيقية في تاريخ اليهودية واليهود وأنه لولاها لتجمدت الفلسفة اليهودية وتيبست الشريعة.
ويذهب شوليم (متبعاً الإيقاع الثلاثي الهيجلي) إلى أن كل الأديان تمر بثلاث مراحل تاريخية: المرحلة الأسطورية حيث يكون الإنسان في علاقة مباشرة مع الإله (مرحلة الواحدية الكونية الوثنية في مصطلحنا) ، ثم المرحلة الفلسفية والقانونية حيث يتم إعطاء الوحي إطاراً مؤسسياً دينياً ويتم تفسير النص المقدَّس وأداء الشعائر من خلال المؤسسات الدينية. ثم تظهر أخيراً المرحلة التصوفية حيث يحاول الإنسان المؤمن أن يستعيد العلاقة المباشرة التي تسم علاقة الخالق بالمخلوق في المرحلة الأولى، بعد أن تجمدت وتيبست نتيجة المرحلة الثانية.
ومن الواضح أن شوليم يرى أن جوهر التاريخ هو الأسطورة، فهو يبدأ بالأسطورة ثم يعطيها إطاراً مؤسسياً ثم يحاول العودة إليها (أي أن تاريخ الدين هو تاريخ الحلولية الواحدية الكونية ومحاولة العودة إليها (.
ويذهب جيرشوم شوليم إلى أن القبَّالاه إن هي إلا نظام فكري غنوصي وتعبير عن القوى المظلمة الخفية، وأن المتصوفة اليهود توصلوا إلى شكل من أشكال الغنوص متلبساً لباساً توحيدياً، وأن هذه الطبقة الغنوصية ظلت قائمة في أطراف التراث وانتقلت من بابل إلى جنوب فرنسا (عبر إيطاليا وألمانيا) حيث ظهرت بشكل مبدئي في كتاب الباهير ثم بدأت الموضوعات الغنوصية في التبلور وعبَّرت عن نفسها في القبَّالاه والحركات الشبتانية ثم هيمنت تماماً على اليهودية.

ولكن كيف تمكنت القوى الغنوصية المظلمة الخفية من إنجاز ذلك؟ يرى شوليم أن الشبتانية كانت هناك دائماً داخل المنظومة الحاخامية، لكن المنظومة الحاخامية كانت تنطلق منذ البداية من الإيمان بالشريعة الشفوية التي تذهب إلى أنه لا يوجد نص ثابت وأن الوحي يضم النص وتفسيره وأن التفسير جزء من النص المقدَّس ويحل محله (ومن ثم بدأ يظهر نص مفتوح لا حدود له) ، فالتفسيرات متغيرة لا حدود لها وفَتْح النص هو فَتْح الباب على مصراعيه للنسبية والعدمية. وبدأت الهرطقات تدخل عالم التفسير، كما بدأت المراكز تتعدد داخل المنظومة الحاخامية. وبالتدريج، تزايدت الهرطقات وأخذت شكل القبَّالاه. ولكن القبَّالاه لم تكن غريبة تماماً عن التراث، فالقبَّالاه تعني التقاليد (رغم أنها تقاليد مضادة) . وهكذا هيمنت القبَّالاه على اليهودية وأصبحت الهرطقة هي المعيار وأصبح الغنوص هو التوحيد!
ويذهب شوليم إلى أن هذه الحركات هي التي هزت اليهودية الحاخامية من جذورها وأنها بذلك هي الحدود الفارقة بين العصور الوسطى والعصر الحديث وأنها إرهاص لظهور العلمانية. ولم يكن فكر حركة الاستنارة والحسيدية سوى ردود أفعال للحركة الشبتانية ومن ثم فإن ظهور اليهودية الحديثة كان نتيجة حدوث كارثة داخل التقاليد اليهودية الدينية ولم يكن مجرد نتيجة لقوى خارجية.
ويرى شوليم أن الدوافع الأسطورية والصوفية في القبَّالاه هي القوى الخفية لليهودية في القرن العشرين وأن الصهيونية أخذت طاقتها من هذه القوى الخفية ولكنها قد تنتهي بكارثة مثل الحركات الشبتانية إن فشلت في تحييد القوى العدمية. وفي محاولته وضع موقفه موضع التنفيذ، انضم شوليم لجماعة بريت شالوم كما هاجم شبتانية جماعة جوش إيمونيم، فكأن شوليم يُظهر حماسه للشبتانية في الماضي كقوة بعْث وحياة ولكنه يرفض القوى نفسها في الواقع التاريخي المعاصر.

ويرى البعض أن حماس شوليم للحركة الصهيونية تعبير عن أزمة بعض المثقفين العلمانيين من أصل يهودي الذين نشأوا في بيئة اندماجية وفقدوا الإيمان الديني ولكنهم مع هذا يرفضون فكرة الاندماج وفقدان الهوية ومن ثم يحاولون الاستيلاء على اليهودية ورموزها، فهي شخصيات علمانية فقدت انتماءها الديني اليهودي وتحن له في الوقت نفسه فتظهر اليهودية الإلحادية أو الإثنية التي ليس لها مضمون ديني توحيدي. وهذا ما فعله شوليم مع الغنوص اليهودي، فقد بيَّن أن الغنوص (التاريخ المضاد المظلم) هو التاريخ العقلي وجوهر اليهودية وبذلك تتحول الهرطقة إلى الشريعة.
والصهيونية هي في جوهرها المحاولة نفسها. فالصهاينة يودون الانسلاخ من يهودية المنفى ولكنهم يودون الحفاظ على هوية قومية عضوية (على الطريقة الغربية الألمانية) فنظروا للتاريخ اليهودي وقرروا عدم قبوله في كليته، وبدلاً من ذلك عادوا للمرحلة العبرانية، أي قبل ظهور الأنبياء وظهور اليهودية حيث كان اليهود لا يزالون عبرانيين وشعباً وثنياً لم تُضعف القيم الأخلاقية التوحيدية إرادته بعد. ونادى الصهاينة بأن هذا هو التاريخ اليهودي الحقيقي وأن وثنية مرحلة ما قبل الأنبياء هي اليهودية الحقيقية، وأسست الحركة الصهيونية دولة تبعث هذا التاريخ المضاد. وهكذا تتحول الهرطقة إلى الشريعة في شكل دولة تزعم أنها ليست دولة بعض اليهود وحسب أو حتى كل اليهود وإنما دولة يهودية!
من أهم مؤلفات شوليم الاتجاهات الأساسية في التصوف اليهودي (1961) حيث يبيِّن أن كتاب الزوهار لم يُكتَب في العصور القديمة (كما كان هو نفسه يظن) وإنما كُتب في القرن الثالث عشر. ومن مؤلفاته الأخرى الفكرة المشيحانية في اليهودية ومقالات أخرى (1971) . كما كتب شوليم سيرته الذاتية بعنوان من برلين إلى القدس (1981 (.
جاك دريدا (1930 (-
‏Jacques Derrida

فيلسوف فرنسي، يهودي من أصل سفاردي، تُعَدُّ منظومته الفلسفية (إن صحت تسميتها كذلك) قمة (أو هوة) السيولة الشاملة والمادية الجديدة واللاعقلانية المادية. وهو أهم فلاسفة التفكيكية وما بعد الحداثة. وُلد باسم جاكي في بلدة البيار (قرب الجزائر العاصمة) ، وترك الجزائر عام 1949 لأداء الخدمة العسكرية ولم يَعُد لها قط بعد ذلك (وهو يدَّعي في تصريحاته الصحفية أنه ترك الجزائر لأنه كان قد سئم الحياة في الجيب الاستيطاني) . كان دريدا قد عقد العزم أن يصبح لاعباً محترفاً في كرة القدم، لكنه لم يكمل مشروعه هذا. وكتب شيئاً من الشعر في صباه. ومع أنه فشل في امتحان البكالوريا في صيف 1947، إلا أنه أكمل دراسته الجامعية في السوربون وهارفارد. وقد اشترك في مظاهرات الطلبة عام 1967 ضد ديجول. وصدر كتابه الأول أصل الهندسة (عام 1962) وهو عن هوسرل، ولكن أول كتبه المهمة هو الكتابة والاختلاف (1967) . ويُقسِّم دريدا وقته بين باريس حيث يُدرِّس في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (E. H. E. S. S.) والولايات المتحدة حيث يُدرِّس في جامعة ييل.
خرج دريدا من تحت عباءة نيتشه (الذي مات بمرض سري) ، وتأثر في الخمسينيات بوجودية سارتر وهايدجر (وتفكيكيته) ، وببنيوية ليفي شتراوس في الستينيات. كما تأثر بهيجلية جان هيبوليت، وبفرويدية جاك لاكان، وبالمفكر الديني اليهودي الفرنسي إيمانويل ليفيناس.

تعرَّف دريدا إلى مُستوطن فرنسي آخر في الجزائر هو لويس ألتوسير (في دار المعلمين العليا) الذي كان له أكبر الأثر في دريدا. وألتوسير هو الفيلسوف الذي حاول أن «يُطهِّر» المنظومة الماركسية من أية آثار إنسانية غير مادية لتصبح علماً كاملاً يُسقط الذات الإنسانية وكل بقايا الميتافيزيقا (وقد قتل ألتوسير زوجته عام 1980 بأن خنقها ووُضع في مستشفى للأمراض العقلية للمجانين الخطرين) . كما تَعرَّف دريدا كذلك إلى ميشيل فوكوه، أهم استمرار لفلسفة القوة النيتشوية وأحد كبار فلاسفة التفكيك وما بعد الحداثة (وفوكوه شاذ جنسياً، سادي مازوكي، حاول الانتحار عدة مرات ومات بالأيدز عام 1981 (.
قامت أخت دريدا (حسب روايته) بحبسه وهو صبي في صندوق خشبي كبير على سطح المنزل حيث مكث هناك (حسب قوله) «الدهر كله» . وأثناء ذلك، تصوَّر أنه مات وذهب إلى عالم آخر. ثم أحس بأنه تم خصيه وأنه الإله أوزوريس الذي كان يُقتَل ويُمزَّق إرباً ثم يُعاد جَمْع أعضاء من جسمه (باستثناء قضيبه) (التبعثر والتشتت ومفردات الحلولية الواحدية اليهودية (.
ومن الواضح أن دريدا مهتم، منذ أن بدأ ينشر أعماله، بمشاكل الأصل والبنية والثنائيات وكيف تُختَم الأعمال وعلاقة كل هذه الأمور بالتاريخ والحقيقة والموضوعية العلمية والمعنى. وكان اهتمامه الأكبر هو نفي الميتافيزيقا باعتبارها شكلاً من أشكال الثبات لأن مثل هذا الثبات (من ثم) يشير إلى مفهوم الطبيعة البشرية، وهذا بدوره يشير إلى أصل الإنسان غير المادي (أي أصله الإلهي) الأمر الذي يؤدي إلى التجاوز وظهور المعنى (تيلوس) وأخيراً المطلق (لوجوس) . وكان دريدا يرى أن الحل الوحيد لهذا الوضع هو أن يسقط كل شيء في قبضة الصيرورة، بحيث لا يبقى أي أثر لأي ثبات أو تجاوز أو معنى ويهتز كل شيء ومن ضمن ذلك الإحساس بالعدم نفسه.

ألقى دريدا بحثاً في مؤتمر عُقد في جامعة جونز هوبكنز عام 1966 لتوضيح الفلسفة البنيوية للجمهور الأمريكي. والمؤتمر هو نقطة ميلاد التفكيكية وما بعد الحداثة (وقد ظهر في العام نفسه كتاب سوران سونتاج ضد التفسير، أي أن التفكيك قد بدأ يتحول إلى ظاهرة عامة في الفكر الفلسفي الغربي) . وقد بيَّن دريدا أن البنيوية إن هي إلا حلقة في سلسلة طويلة من بنيويات مختلفة مستعدة لأن ترد ذاتها إلى نقطة حضور واحدة أو مركز أو أصل ثابت، لكن هدف هذا المركز ليس تحديد اتجاه البنية أو توازنها أو تنظيمها وإنما الهدف منه وضع حدود للعب البنية. فمركز البنية «يسمح بلعب عناصرها الأساسية، ولكن داخل الشكل الكلي الثابت الذي له مركز وله معنى، فهو لعب يصل إلى نقطة نهائية عند مدلول متجاوز» . ويقول دريدا: «وحتى اليوم، يُلاحَظ أن مفهوم بنية ليس لها أي مركز (أو أصل) هو أمر لا يمكن حتى التفكير فيه» . ودريدا كعادته لا يقول الصدق، فما يفعله هو أنه يأخذ جزءاً من الحقيقة ثم يضخمه ويجعل من هذا الجزء الحقيقة كلها. والحقيقة أن عالم السفسطائيين (الذين سبقوا دريدا بأكثر من ألفي سنة) هو عالم بلا مركز، عالم من الصيرورة الكاملة وعدم التواصل، وكذلك عالم القبَّالاه اللوريانية. وكثير من الحركات المشيحانية الشيوعية الحلولية فهي الأخرى تدور جميعاً في إطار عالم سائل تماماً لا مركز له. كما أن الإنجاز الفلسفي الأساسي لنيتشه هو أنه نبَّه الإنسان الغربي إلى أن اختفاء المركز حتمية فلسفية بعد موت الإله (أي في إطار الفلسفة المادية) . ومع هذا، يمكن القول بأن دريدا أول من جعل برنامجه الفلسفي يدور حول هذه الفكرة بشكل منهجي صارم.

يرى دريدا أن ثمة بحثاً دائباً عند الإنسان عن أرض ثابتة يقف عليها خارج لعب الدوال الذي لا يمكن أن يتوقف إلا من خلال المدلول المتجاوز الرباني (الذي هو أيضاً «ميتافيزيقا الحضور» و «اللوجوس» و «الأصل» ) . وتاريخ الفلسفة الغربية هو البحث عن الأصل، سواء أكان دينياً أم مادياً، لنصل إلى قصة كبرى متمركزة حول اللوجوس وحول المنطوق، أي أن الفلسفة الغربية تتعامل دائماً مع الواقع من خلال نسق مغلق. بل إنه يرى أنه، في أكثر الفلسفات الغربية مادية ونسبية، يظل هناك إيمان ما بالكل المادي المتجاوز ذي المعنى (الحضور) ، واستناداً إلى هذا الحضور يتم تأسيس منظومات معرفية وأخلاقية وجمالية تتسم بشيء من الثبات وتفلت من قبضة الصيرورة، أي أن الخطاب الفلسفي الغربي ظل ملوثاً بالميتافيزيقا ما دام يصر على البحث عن المعنى وعن الثبات. وقد قرَّر دريدا أن «يفكر في الأمر الذي لا يمكن التفكير فيه» وهو أن ينطلق، كفيلسوف، من الإيمان بعدم وجود أصل من أي نوع، ومن ثم يسقط كل شيء بشكل كامل في هوة الصيرورة (أبوريا) وتتم التسوية بين كل الأشياء من خلال مفاهيم مثل الاخترجلاف (الاختلاف/الإرجاء (.
وسيُلاحظ القارئ أن دريدا (ودعاة ما بعد الحداثة) يستخدمون مصطلحات كثيرة تبدو جديدة. فهناك مصطلح مثل «القصة الكبرى» (أي النظرية العامة) و «القصص الصغرى» و «التمركز حول اللوجوس» و «التمركز حول المنطوق» و «الأبوريا» و «الاخترجلاف» . وهي مصطلحات تدَّعي أنها جديدة وهي أبعد ما تكون عن الجدة، فهي تعبِّر عن أفكار ومفاهيم عدمية. فقد يكون المنطوق نفسه جديداً، ولكن المفهوم وراء المصطلح قديم قدم الفلسفة اليونانية القديمة والكتب العدمية مثل سفر الجامعة في العهد القديم (انظر المداخل الخاصة بكل مصطلح في هذا القسم) .

ويمكن القول بأن مشروع دريدا الفلسفي هو محاولة هدم الأنطولوجيا الغربية اللاهوتية (بالإنجليزية: أونطوثيولوجي ontotheology) بأسرها والوصول إلى عالم من صيرورة كاملة عديم الأساس لا يوجد فيه لوجوس ولا مدلول متجاوز، ولذا فهو عالم بلا أصل رباني، بل بلا أصل على الإطلاق، ولذا لا توجد فيه ثنائيات من أي نوع؛ الدوال ملتحمة فيه تماماً بالمدلول، ولذا لا توجد لغة، وإن وجدت لغة فهي الجسد باعتبار أن الجسد يجسد المعنى فلا ينفصل الدال عن المدلول. والنصوص تتداخل بعضها مع بعض، ولا يمكن الحديث عن نص مقابل نص آخر ولا عن نص في مقابل الواقع، كذلك لا يمكن الحديث عن نص مقابل معنى النص، إذ لا يوجد شيء خارج النص ولا يوجد أصل للأشياء، فكل نص يحيل إلى آخر إلى ما لا نهاية، وبذا يكون قد تم إنهاء الميتافيزيقا. وتصبح هذه الرؤية العدمية الفلسفية هي التفكيكية حينما تصبح منهجاً لقراءة النصوص. ولإنجاز هدفه العدمي، يتجه دريدا نحو أحد المفاهيم الأساسية في الفكر البنيوي، أي علاقة الدال بالمدلول، ويبين أنه لا علاقة بين الواحد والآخر، أو أن العلاقة بينهما واهية للغاية. وحيث إنه لا يمكن الاحتفاظ بالعلاقة بين الدال والمدلول إلا من خلال ما يُسمَّى «المدلول المتجاوز» (بالمعنى الديني أو الفلسفي) ، فإنه يتجه نحو إسقاط هذا المدلول المتجاوز وإثبات تناقضه وكذلك إثبات وجود الصيرورة داخله. وتفكيك النصوص في واقع الأمر إن هو إلا بحث عن المدلول المتجاوز وعن المركز في النصوص، وتوضيح أن ثمة تناقضاً أساسياً فيها لا يمكن حَسْمه. وأن تماسُك النص واتساقه أمر زائف فهو عادةً تعبير عن إرادة القوة لدى صاحب النص، وليس له أي أساس عقلاني عام. ومع هذا، يرى دريدا أن التناقض يظل قائماً فعالاً، ولذا فعادةً ما يؤدي بالمؤلف إلى إضافة عناصر هي عكس المعنى المقصود تماماً، وهو ما يجعل النص (أدبياً كان أم فلسفياً) يتجاوز حدود المعنى التي يضعها لنفسه

والاتساق الذي يفترضه وتظهر فيه الثغرات والتشققات ويقع في التناقض الذي لا يمكن حسمه.
وبهذه الطريقة، يحلل دريدا كل كلاسيكيات الفلسفة الغربية من أفلاطون إلى هيجل، كما يحلل بعض النصوص الفلسفية المعاصرة من ليفي شتراوس إلى لاكان ويقوم بتفكيكها، وهو بهذا يحاول تفكيك الحضارة الغربية نفسها.
والمشروع الفلسفي عند دريدا مُوجَّه ضد الإنسانية وضد علاقة الدال بالمدلول، ولذا فهو يبحث عن لغة بلا أصل وبلا حدود نظامها الإشاري لا يشير إلى شيء، لغة متأيقنة تماماً لا يوجد فيها أثر للإله أو المعنى أو أية مرجعية، وقد وجد ضالته فيما أسماه أنطوان أرتو (1895 ـ 1946) «الشعر اللفظي» وهو شعر مبني على مجاورة أصوات لا دلالة لها إلا أن تركيباتها النبرية تصنع حالات شعرية أو هكذا كان الظن. وفيما يلي مَثَلٌ من هذا الشعر اللفظي الأيقوني: «أوبيدانا/ ناكوميف/ تاوديدانا/تاوكوميف ـ ناسيدانو/ناكوميف/ تاركوميف/ناكومي» ، وتنتهي القصيدة بأصوات أخرى! (ومن الأمور التي قد يكون لها بعض الدلالة أن أنطوان أرتو قد أُودع مصحة عقلية في مقتبل حياته) .

وأسلوب دريدا أمر جديد كل الجدة في الخطاب الفلسفي الغربي، يتسم بكونه طنيناً وجعجة بلا طحن، وإن أخرج طنيناً فهو تقليد مألوف لا يختلف عما قاله السوفسطائيون من قديم الأزل ولا يخرج عن كونه تعبيراً طفولياً غير أنيق عن العدمية. وحتى نعطي القارئ فكرة عن هذا الطنين سنقتبس بعض ما قاله دريدا عن شعر أرتو اللفظي. ينوه دريدا بهذا «الشعر الرائع» لأنه «لا يمثل لغة محاكاتية ولا خلق أسماء. بل يقودنا إلى حواف اللحظة التي لم تُولَد فيها الكلمة بعد والتي لم يَعُد فيها التمفصل [الكلامي] هو الصرخة، ولا يشكل الخطاب بعد، اللحظة التي يكون فيها التكرار أو الترديد، ومعه اللغة بعامة، مستحيلاً تقريباً: انفصال المفهوم والصوت، المدلول والدال، النقش والكتاب، حرية الترجمة والذات، حركة التأويل، اختلاف الروح والجسد، السيد والعبد، الإله والإنسان، المؤلف والممثل. إنه العشية السابقة لأصل اللغات» . وكل هذا الصخب يعني أنها لغة آدم قبل أن يتعلم الأسماء كلها، أي لغة آدم قبل أن ينفخ فيه الإله من روحه، أي لغة آدم حين كان كائناً طبيعياً بلا أصل إلهي غير قادر على الحديث (فوعيه لم يظهر بعد) ولكنه قادر على الصراخ كالحيوان وإصدار أصوات أخرى مرتبطة بالاستجابات الحسية المختلفة.

ويمكن أن نشير مرة أخرى إلى أنطوان أرتو ولكن باعتباره مؤسس «مسرح القسوة» . وقد كتب دريدا دراسة عنه في الكتابة والاختلاف، كما حرَّر بالاشتراك (مع آخر) كتاباً عن رسوم أرتو (1986) وكتب مقدمته. ومسرح القسوة هو مسرح يحاول أن يقلد المسرح البدائي، سواء في الرؤية التي ينبع منها أو في شكله الفني، ويرى أرتو أن المسرح الحديث يتوجه إلى عقل الإنسان وإلى سمعه وبصره وحسب، وأنه يوجد فاصل حاد بين الفن والواقع وبين الممثلين والجمهور ويأخذ النص المسرحي شكل نص محدَّد له مؤلف محدَّد. بدلاً من ذلك، يرى أرتو ضرورة قيام مسرح يمكن أن نسميه (تبعاً لمصطلحنا) «متأيقن» ، وهو مسرح يتوجه إلى كيان الإنسان كله. ولذا، لا توجد فيه فواصل بين الدال والمدلول والمسرح والواقع، وبإمكان الجمهور أن يشارك في المسرحية التي تتكون من ملابس ورقص وموسيقى ولا تشغل الكلمات فيها إلا حيزاً محدوداً، ويضرب أرتو مثلاً على ذلك بمسرح جزيرة بالي.

يجد دريدا أن هذا سياق مناسب ليعبِّر عن إشكالية الأصول والمدلول المتجاوز فيقرر أن: «مسرح القسوة يطرد الإله من المسرح، فالمشهد المسرحي يظل لاهوتياً ما دام أنه هيمن عليه الكلام أو إرادة الكلام وما دام أنه هيمن عليه مخطط (لوجوس) لا يقيم في الموضع المسرحي إلا أنه يوجهه ويحكمه من بعيد. يظل المسرح لاهوتياً ما بقيت بنيته تحمل، بمقتضى التراث بأسره، العناصر التالية: مؤلف ـ خالق ـ غائب ـ بعيد ـ مسلح بنص ـ يراقب ويوحِّد ويقود زمن العرض (أو معناه) تاركاً إياه يمثله عبر ما يُدعَى محتوى أفكاره ومقاصده. يمثله عن طريق نواب، مخرجين وممثلين مفردين مُستبعَدين يمثلون شخصيات هي نفسها لا تقوم سوى بتمثيل فكرة الخالق.. عبيد يؤدون (ينفذون بوفاء) مخططات «السيد» الإلهية. ولذا، كي يتحرر المسرح، عليه أن ينفصل عن النص وعن الكلام الخالص وعن الأدب. وبتحرُّره من النص ومن الإله/المؤلف، يُعاد الإخراج المسرحي إلى حريته الخلاقة والمؤسسة» .

وما يفعله دريدا هنا هو أنه يغمر القارئ بفيض من الكلمات ليخلق حالة من السيولة، يمرر معها بعض الافتراضات التي لا يمكن قبولها إلا إذا كان القارئ في حالة غيبوبة نابعة من السيولة والتدفق. فدريدا يقول مثلاً: «إن المسرح يهيمن عليه الكلام» ، وهذا طبعاً غير دقيق، فأي طالب يدرس فن المسرح يعرف أن النص المسرحي المكتوب غير الأداء الذي يتضمن عناصر أخرى غير النص المكتوب. كما أن المؤلف قد يكون مجازياً في علاقته بالنص مثل الإله في علاقته بالعالم، ولكن الصورة المجازية لها حدود لأن الممثلين حينما يمثلون النص يعرفون أنه مجرد تمثيل، فالواقع يوجد خارجهم، وهم ليسوا عبيداً يؤدون مخططات «السيد» الإلهية. وإن تحرَّر المسرح من النص تماماً، فلن تعود للإخراج المسرحي حركته، إذ أنه (كما يقول دريدا) لن تكون هناك حاجة إلى إخراج مسرحي، أي أن مشروع أرتو يؤدي إلى نفي المسرح (وبالفعل، عبَّر هو عن نفسه عدة مرات عن كراهيته للمسرح وللتمثيل) ، فكأن ما يسعى إليه هو إسقاط الحدود، أي حدود، وهو يعلم تماماً أن إسقاط الحدود، هو ذوبان الهوية وهو السيولة الرحمية. وفي الواقع، إذا كان هناك إله/مؤلف في نصٍّ ما، فهو نص مسرحية جزر بالي هذه، فالمسرح هناك جزء من الشعائر الدينية التي تُؤدَّى، ولذا لا توجد مسرحيات وإنما مسرحية/صلاة، وهي إن كانت لا تحتاج إلى مخرج فلأن الجميع يعرف دوره في هذه المسرحية الدينية. إن كل ما يفعله دريدا هو أن يحوِّل أرتو إلى تكأة يُصدِّر من خلالها ماديته السائلة الجديدة. يقول دريدا: «الجسد بالنسبة لأرتو قد سُرق منه، سرقه الآخر: النص الواحد العظيم المتسلل، واسمه «الإله» ، مكانه هو فتحة صغيرة ـ فتحة الميلاد والتبرز ـ وهي الفتحة التي تشير إليها كل الفتحات الأخرى، وكأنها تشير إلى أصلها» . وفي لغة غنوصية واضحة يقول: «إن تاريخ الإله الصانع هو تاريخ الجسد الذي طارد جسدي الذي وُلد وأسقط نفسه على جسدي ووُلد من خلال

تمزيق جسدي واحتفظ بقطعة منه حتى يتظاهر أنه أنا. فالإله هو، إذن، عَلَم على ما يحرمنا من طبيعتنا، من ميلادنا، ولذا فهو (دائماً) يكون قد تحدَّث قبلنا بمكر» .
وعلى أية حال، فإن الإله الصانع لا يخلق، فهو ليس الحياة وإنما هو صانع الأعمال (بالفرنسية: أوفر oeuvres) والمناورات (بالفرنسية: مان أوفر manouvres) ، فهو اللص المحتال المزيف الزائف المغتصب بخلاف الفنان المبدع، وهو الكائن الصانع، وهو كيان الصانع الشيطان، «أنا الإله والإله هو الشيطان» .. ويربط دريدا الكينونة بالبراز (كما فعل نيتشه من قبل) لأنه يجب أن يكون للإنسان عقل كي يتبرز، فالجسد المحض لا يمكن أن يتبرز. وقد شبَّه نفسه بالبراز، كما شبه كتابته بأنها براز على الصفحة.

ثمة شيء طفولي سخيف في كتابات وفكر دريدا لخصه هو نفسه في واحدة من أسخف عباراته وأكثرها طفولية «ما ليس بالتفكيكية؟ كل شيء بطبيعة الحال. ما التفكيكية؟ لا شيء بطبيعة الحال» "What deconstruction is not ? Everything of course! What is deconstruction ? Nothing of course". ومعنى هذه العبارات الفارغة، هو أن التفكيكية أمر فارغ، لا شيء! وهي عبارة تشبه أحجيات الأطفال، التي كنا نتفنن فيها في طفولتنا. ولكن اللعب الطفولي مقبول حينما نكون أطفالاً، أما حينما نكون فلاسفة، رجالاً ناضجين غادورا الرحم، وابتعدوا عن ثدي الأم ودفء غرفة الحضانة ووقعت عليهم مسئولية التفكير بوعي، فإن الأمر جدُّ مختلف. وسخافة دريدا تظهر بوضوح في تعليقه على اسمه إذ يقول إنه وُلد باسم جاكي وغيَّره إلى جاك، أي أنه غيره دون أن يتخلص منه تماماً، فاسمه الثاني الجديد يحمل «أثر» اسمه الأول، فالأول هو الثاني، تماماً كما أن الثاني هو الأول. وكيف كان ذلك؟ يجيب دريدا على ذلك بقوله: «الاسم أشبه بعلامة الختان، إشارة متأتية من الآخرين ننصاع لها بسلبية كاملة، ولا يمكنها أن تفارق الجسد» . ولكن الاسم قد يكون مثل الختان في بعض الأوجه، ولكنه ليس مثله في كل الأوجه، ولذا فإن المجاز لا يمكن أن يُدفع إلى نهايته المنطقية المتوحشة. ولكن دريدا يفعل ذلك لإفساد اللغة.

ودريدا، المولع بالسيولة، مولع باللعب بالألفاظ بلا هوادة ودائماً. فبطبيعة الحال، يوجد اصطلاح «الاخترجلاف» (بالفرنسية: لاديفرانس la differance) ، وهو من كلمتي «الاختلاف» و «الإرجاء» ، وهناك كلمة أخرى هي «سيركومفشن circumfession» وهي من كلمتي «سيركموسيشن circumcision» أي «الختان» و «كونفشن confession» أي «الاعتراف» ، ونترجمها بكلمة «الختانعراف» . وهو يتلاعب بكلمات مثل «ايمين hymen» بمعنى «بكارة/جماع» و «هيمن hymne» بمعنى «نشيد» . وكلمة «مارج marge» بمعنى «هامش» تتداخل مع كلمة «مارك marque» أي «علامة» ، وتتداخل كلتاهما مع كلمة «مارش marche» أي «سير» . ومن هذا يستنتج أو يخبرنا أن الهامش علامة فهو يساهم في مسيرة النص. ويتلاعب باسم الفيلسوف هيجل، فهو «إيجيل» بالفرنسية، ولكن الكلمة «إيجل» تعني «نسر» ، وقد وجد اللاعب الأعظم ذلك فرصة فريدة للتهكم فيقول: «إن هيجل يستمد قوته الإمبراطورية والتاريخية من اسمه» . والمعرفة المطلقة (بالفرنسية: سافوار أبسولو savoir absolu) تصبح «سا sa» التي توحي بأنها الإيدid وهي كذلك الكلمة الألمانية «شتورم أبتايلونجين Sturmabteilungen» أي «قوات العاصفة النازية» . ولا شك في أن هذا جزء من لعب الدوال الذي يتحدث عنه دريدا، ولكن إذا كان هيجل إمبراطورياً، فهو على الأقل يقدم لنا أعماله فنقرؤها، أما دريدا فهو ينصب شباكه حولنا لننزلق، أو هكذا يظن، إذ أن هناك دائماً من يبحث عن المعنى ويرى أن النكتة قد تكون مقبولة بعض الوقت ولكنها لا يمكن أن تحل محل الحقيقة، ولذا فهي ليست مقبولة طيلة الوقت، ونحن نضحك على النكتة ما دامت في الهامش وليست أساساً للرؤية، وخصوصاً إن كانت النكتة ثقيلة الظل مثل كلمات دريدا.

ويُصنِّف دريدا نفسه أحياناً كيهودي، بل يوقِّع بعض مقالات بكلمة «رب ريدا Reb Rida» أي «الحاخام رضا» ، أو «رب دريسا Reb Derissa» أي «الحاخام دريسا» . وهو يرى أن وظيفته كيهودي في الحضارة الغربية المسيحية أن يفكك الأنوطوثيولوجي (لاهوت الأنطولوجيا) أي الأنطولوجيا التي تستند إلى الأصل الإلهي، فهو يرى أن ثنائية الإنسان والطبيعة (وأية ثنائيات أخرى) تفترض وجود عالم متراتب هرمياً يستند إلى لوجوس/مركز يشير إلى إله متجاوز. ويرى دريدا أنه، بكونه يهودياً، مرشح أكثر من غيره لأن يقوم بهذه المهمة العدمية التفكيكية فتجربة الشتات اليهودي والرحيل الدائم نحو مكان آخر دون حلم بالعودة (أي دون حنين للمعنى والحقيقة) هو رفض عميق للثبات والميتافيزيقا ولأي شكل من أشكال الطمأنينة. ولكي ينجز هدفه، قرَّر دريدا أن يهاجم الكتابة المتمركزة حول اللوجوس التي ورثتها الحضارة الغربية المسيحية من الآباء المسيحيين، وقد قرَّر أن يواجه هذا بمفهوم آخر للكتابة يتفق مع المفهوم اليهودي للكتابة الذي يتلخص في أن الكتاب المقدَّس ليس هو الحيز الذي تحل فيه الكلمة. وهو يشير إلى فيلسوف يهودي آخر، معلمه إيمانويل ليفناس الذي أكد ضرورة البحث عن العناصر التي تسبب عدم الاتساق في الميتافيزيقا الغربية. ويذهب دريدا إلى أن الميتافيزيقا الغربية تعتمد على تهديد خارجي لتحتفظ بتماسكها، وهذا التهديد هو اليهودي، ولذا فإن القضاء على معاداة اليهود يتطلب القضاء على الميتافيزيقا الغربية. وفي كتابه جرس الموت Glas الذي كُتب على هيئة عمودين: العمود الأول في اليسار عن هيجل والعمود الثاني عن جان جينيه ويعارض الواحد منهما الآخر؛ فبينما يؤكد هيجل أهمية الأسرة باعتبارها وحدة تستند إلى العلاقة الجنسية السوية بين ذكر وأنثى، يؤكد جينيه الشذوذ الجنسي. أما المؤلف (أي دريدا نفسه) ، فهو اليهودي الذي يقف بين شكلين من أشكال معاداة اليهود (الألماني والفرنسي) . وهو،

في كتاباته الأخرى، يتحدث عن الهولوكوست وعن كتاب إستير وعن العلاقة بين اللغة والدياسبورا ويعطي محاضرات عن إسبينوزا وهرمان كوهين.
وفي مقال له عن إدمون جابيس، يتحدث دريدا عن صعوبة أن تكون يهودياً، تلك الصعوبة التي تشبه صعوبة الكتابة "فاليهودية والكتابة هما الشيء نفسه، الانتظار نفسه، الأمل نفسه، عملية إفراغ الشخصية نفسها (بالإنجليزية: ديبليشن depletion) ". ولكن اليهودية لم تكن إفراغاً للشخصية وليست تحديداً للهوية؟ للإجابة عن هذا السؤال يحتاج الأمر إلى تفسير جاد لا إلى نكتة. إن دريدا عضو في جماعة وظيفية استيطانية هي جماعة المستوطنين الفرنسيين البيض الذين كانوا مرتبطين عضوياً (مادياً وحضارياً) بالوطن الأم فرنسا، والجماعة اليهودية في الجزائر كانت جزءاً لا يتجزأ من الجماعة الاستيطانية الفرنسية، وقد مُنح يهود الجزائر جميعاً الجنسية الفرنسية عام 1830؛ وبهذا يكون اليهودي الجزائري الذي أصبح جزءاً من الجماعة الاستيطانية شخصاً يمارس الاقتلاع والهامشية مرتين؛ مرة لكونه مستوطناً فرنسياً اغتصب الأرض من أصحابها ويعيش عليها في وسط عربي، ومرة أخرى باعتباره يهودياً نشأ في بلد عربي. ولكنه، ومع هذا، حوَّل ولاءه إلى مغتصبي البلد الذي وُلد ونشأ فيه. ولا شك في أن سفارديته ساهمت في عملية تهميشه، فاليهود السفارد كانوا يتمتعون بمركزية ثقافية بين أعضاء الجماعات اليهودية، وكانوا أرستقراطيتها الثقافية، ولكن عملية الطرد والنفي والتشتيت (بالإنجليزية: ديسبرشن dispersion) والتناثر والتبعثر التي تُذكِّرنا بتناثر المعنى وبعثرته في النص أثرت فيهم بشكل عميق، وكانت لهذا آثاره في القبَّالاه اللوريانية (التي وضع أسسها يهودي سفاردي آخر هو إسحق لوريا) . كما يُلاحَظ أن التجربة الأساسية في تاريخ اليهود السفارد هي تجربة المارانو (من كلمة «مرائي» ، وهم يهود شبه جزيرة أيبريا الذين أبطنوا اليهودية وأظهروا الكاثوليكية) الذين

تآكلت يهوديتهم المستبطنة واختفت، ولذا كان اليهودي السفاردي إنساناً هامشياً تماماً في مختلف التقاليد الدينية والثقافية التي يتحرك فيها، فهو لا يؤمن بالكاثوليكية ولا يعرف اليهودية (يهودي غير يهودي على حد قوله) ، وهو لا يعرف لا الختان ولا الاعتراف وإنما يعرف شيئاً «تناصياً» يُسمَّى «الختانعراف» ، فلا هو كاثوليكي ولا يهودي ولكنه يُفقد الكاثوليكية حدودها وهويتها ويُفقد اليهودية حدودها ومضمونها وهويتها. إن هامشية دريدا جعلته مرشحاً لأن يكون فيلسوف التفكيك الأول، فهو نفسه إنسان مفكك تماماً: فهو فرنسي ولكنه من أصل جزائري، وهو جزائري ولكنه عضو في جماعة استيطانية فرنسية، وهو يهودي سفاردي لا ينتمي إلى التيار الأساسي لليهودية، وهو لا يؤمن بهذه اليهودية ولا يكن لها الاحترام ولكنه مع هذا يشير إليها دائماً. وإن كان هناك دال بدون مدلول، فإن جاك دريدا الفيلسوف الفرنسي الجزائري اليهودي السفاردي هو هذه الحالة، فهو ليس فرنسياً ولا جزائرياً ولا يهودياً ولا سفاردياً، كما أن مشروعه الفلسفي هو إنهاء الفلسفة.
وغني عن القول أن دريدا لا يقدم فلسفة يهودية، ولا يمكن فهم فلسفته إلا في سياق تاريخ الفلسفة الغربية. ورغم وجود أفكار تفكيكية وما بعد حداثية في مدارس التفسير اليهودية (التي اطلع عليها دريدا وتأثر بها فهو تلميذ ليفناس) ، إلا أنه يظل مفكراً غربياً بالدرجة الأولى، ولا تشكل يهوديته سوى عنصر مساعد في تصعيد تفكيكيته. ولدريدا العديد من المؤلفات والكتب، أهمها: الصور والظواهر (1970) ، وتناثر المعنى (1972) ، وفي علم الكتابة (جراماتولوجي) (1972) ، وهوامش الفلسفة (1972) ، وجرس الموت Glas (1974) ، وعن النبرة والرؤية (الأبوكاليبسية) التي تم تبنيها في الفلسفة (1982) ، وجرامافون أوليس (1987) . وقد صَدَر له مؤخراً كتاب أطياف ماركس (1995) .
هارولد بلوم (1930 (–
‏Harold Bloom

ناقد أدبي أمريكي يهودي وُلد في نيويورك. يُدرِّس الأدب الإنجليزي في جامعة ييل منذ عام 1955. وهو حلولي ذو رؤية غنوصية قبَّالية واعية تماماً بغنوصيتها وعدميتها. نشر في الستينيات ثلاث دراسات تدور حول الشعر الرومانتيكي الإنجليزي، هي شيللي وصياغة الأسطورة (1959) ، والجماعة الرؤياوية (1961) ، ورؤى (أبوكاليبس) بليك (1963) .
وقد استخدم بلوم في هذه الدراسات مقولات تحليلية مستقاة إما من القبَّالاه أو من فلسفة بوبر (الحلولية الحسيدية الجديدة) . ويذهب بلوم إلى أن الشعراء الرومانسيين الإنجليز كانوا يرمون إلى تحويل الطبيعة من موضوع إلى ذات من خلال رؤية أسطورية للواقع فيدخلون في علاقة حب مع الطبيعة، وهي ليست علاقة آلية (الأنا مع الهو) وإنما علاقة متعيِّنة مباشرة (الأنا مع الأنت) حيث يصبح الآخر (أي الطبيعة) كياناً حياً مفعماً بالحياة، تماماً مثل الإنسان، فهي لذلك علاقة حوارية يتساوى فيها الإنسان مع الطبيعة ويظهر الإنسان الطبيعي (أو الإنسان/الطبيعة) وتتضخم الأنا الإنسانية لتسم الطبيعة بميسمها، ولكنها في الوقت نفسه تذوب في الطبيعة حيث يصبح هناك كيان واحد تسري فيه الروح المقدَّسة، ومعنى ذلك أن الثالوث الحلولي يكتمل تماماً في شعر كبار الشعراء الرومانتيكيين. وأهم الشعراء على الإطلاق هو شيللي، فصوته ـ في تصوُّر بلوم ـ مثل صوت أنبياء العهد القديم بعد أن يتخلوا عن الرؤية التوحيدية التي تفترض انفصال الإنسان عن الطبيعة، وتفترض وجود مساحة بين الخالق والمخلوق، ليصبحوا أنبياء حلوليين لا يتلقون الكلمة الإلهية لإبلاغها وإنما يتوحدون بها ثم يصبحون تجسيداً لها: صوتهم هو صوت الإله (والطبيعة) . وقد قدَّم بلوم تحليلاً كاملاً لنسق بليك باعتباره نسقاً غنوصياً. وفي السبعينيات، صَدَر لبلوم عدة دراسات، هي ييتس (1970) ، وقلق التأثر (1973) ، وخريطة إساءة القراءة (1975) ، والقبَّالاه والنقد (1975) ، ولشعر والكبت (1976) .

كما نشر رواية بعنوان هرب لوسيفر: فانتازيا غنوصية (1979 (.
ولفهم نقد بلوم، لابد أن نفهم منظومته الغنوصية الصراعية التي تضرب بجذورها في كل من الغنوص اليهودي القديم والغنوص العلماني الحديث. وتعود هذه الرؤية الصراعية إلى عالم الجسيلشافت التعاقدي حيث يتشيأ كل من الإنسان والطبيعة وحيث يصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان. ولكن هذه الرؤية تعبِّر عن نفسها في ديباجات غنوصية مثل أصحاب الغنوص الروحانيين (النيوما) الذين يعيشون مغتربين عن أصلهم النوراني. وحتى يتغلب الغنوصي على غربته، فإنه يؤكد اتصاله بالجوهر الإلهي. بل إنه يبيِّن أحياناً أنه هو نفسه الإله، فهو خالق وليس مخلوقاً. وهذا هو ما يفعله بلوم الذي يشير إلى قول نيتشه: «إن كان هناك إله، فماذا أكون أنا إذن؟» فالإنسان حين يكتشف أنه مخلوق وليس خالقاً، أنه إنسان وليس إلهاً، أنه لم يخلق نفسه بنفسه وأن له أصلاً ربانياً فإنه يشعر بالاغتراب، وخصوصاً أنه قُذف به في عالم ليس من صنعه. ولذا، لابد أن يثور الإنسان فينكر أصله الرباني ويمحوه تماماً ليصبح هو نفسه مرجعية ذاته وليكون العبد والمعبود والمعبد، وليس أمامه سوى أن يعيد خلق العالم في صورته. وبذلك يصبح العالم المخلوق من خلقه هو، ويصبح الإنسان خالقاً لنفسه ولعالمه. وإحدى الحيل الأساسية في هذا المضمار هي تأكيد أن العالم صيرورة كاملة ونسبية كاملة بحيث تتساوى كل الأمور ويختفي السبب والنتيجة والخالق والمخلوق وكل ثنائية تدل على وجود أصل يسبق النسخة، فالصيرورة هنا هي الآلية الأساسية حيث لا توجد أية معيارية يمكن الإهابة بها ولذا لا يبقى إلا الصراع اللانهائي في إطار الصيرورة الأزلية.

هذه المنظومة الغنوصية تكتسب أبعاداً يهودية في كتابات بلوم، فتجربة اليهود الأساسية هي كارثة المنفى حين ينفصل اليهود عن أصلهم النوراني فيتم نفيهم من صهيون ويُقذَف بهم في عالم الأغيار. وكارثة النفي هي كارثة «إحلال» (بالإنجليزية: ديسبليسمنت displacement، من كلمة «ديسبليس displace» الإنجليزية التي تعني «يُشرِّد» و «يزيح» و «يحل محل» ) إذ تم تشريد اليهود وإزاحتهم من مكانهم وإحلال شعب آخر محلهم. ولم يبق أمام اليهود سوى البكاء أمام حائط المبكى. واليهود، هؤلاء المنفيون الأزليون، هم رمز التجوال الأزلي والصيرورة الأزلية (على عكس المسيحيين الذين أصبحوا إسرائيل الحقيقية الثابتة المستقرة المؤسسية التي فسرت العهد القديم تفسيراً رمزياً مستقراً) . وفي مقابل الكنيسة بأيقوناتها المفعمة بالدلالة، يوجد حائط المبكى (بقية الهيكل) ، أي أنه مجرد شظايا؛ بقايا معنى؛ دال دون مدلول، أو دال ابتعد مدلوله حتى أمّحي.
وقد تَعمَّق انفصال الدال عن المدلول عند الشعب اليهودي؛ فهذا الشعب المختار أصبح الشعب المنبوذ، وهذا الشعب صاحب الهوية أصبح بلا هوية، وهذا الشعب الذي كان يحلم بسيادة العالم أصبح مسلوب الإرادة والسلطة. وبدلاً من أرض الميعاد النهائية، توجد أرض المنفى والتجوال الأزلية؛ وبدلاً من دال له مدلول واضح، أصبحت هناك رموز شظايا ليس لها معنى (على عكس التجسد المسيحي حيث يلتصق الدال بالمدلول ويصبح الدال مدلولاً ويصبح تجسُّد المسيح ابن الإله هو ما يعطي معنى لفوضى التاريخ) .

ولهذا السبب، أصبح اليهود قوى الظلام والإحلال والتقويض في العالم. وقد لجأوا لاستراتيجية الهرمنيوطيقا المهرطقة التي تتلخص ببساطة في أن الهرطقات الإلحادية دخلت التراث الديني من خلال التفسيرات الحاخامية الغنوصية التي اكتسبت مركزية في حالة القبَّالاه. ثم تدريجياً أصبحت التفسيرات الغنوصية هي نفسها التراث وحلت محل الكتاب المقدَّس وتداخل المقدَّس والمدنَّس تماماً. إن الهرمنيوطيقا المهرطقة تعبير عن الصراع الماكر بين اليهود والقوى التي نفتهم وشردتهم وأحلت شعباً محلهم، وتعبير عن انتقامهم من عدوهم الهيليني المسيحي الذي يزعم أن العالم يدور حول اللوجوس، ولذا فقد جعلوا همهم ضرب اللوجوس عن طريق تَبنِّي اللامعنى والتغير وانفصال الدال عن المدلول.
وعلى هذا فإن الناقدة الأمريكية اليهودية سوزان هاندلمان شبَّهت هارولد بلوم بيهوذا الإسقريوطي حواريّ المسيح الذي باعه للرومان بحفنة فضة (ومع هذا لم تهدأ روحه فرفضه الرومان) . كما شبَّهته بيهودا الحشموني (المكابي) الذي دخل معبد النقد الأدبي ليطهره من المسيحية ومن رغبتها المحمومة في الاتحاد بالخالق وفي الثبات.
تقارن هاندلمان بين بلوم ونقاد (مسيحيين) مثل إليوت وفراي يؤمنون بالتجسد حيث يظهر المسيح في التاريخ فيُنهى التاريخ اليهودي. ولكن تجسد المسيح هو لا تاريخ، هو ثبات وتَوقُّف، هو اللوجوس الذي أدَّى إلى ظهور الفكر الغربي الأونطوثيولوجي، وهو الحضور في التاريخ ونقطة الثبات التي تفلت من قبضة الصيرورة. وانطلاقاً من أرضيتهما المسيحية، يرى إليوت وفراي أن الهرب من الذات (النسبية ـ المتغيرة ـ الضيقة) يتم عن طريقه فهم التقاليد والانتماء إليها أو عن طريق ما سماه فراي «النمط الأوليّ» (وهو شكل من أشكال التجسد) . أما بالنسبة لليهودي بلوم، فإن الهرب من الذات يتم عن طريق فتح النص.

كتب بلوم دراسة بعنوان أجون (الصراع) وهي محاولة من جانبه لمراجعة النظرية النقدية الغربية. ويذهب بلوم في هذه الدراسة إلى أن النص الأدبي حلبة صراع بين الشعراء فيما بينهم، وبين الشعراء والنقاد، وبين النص والمفسر، حيث يحاول كل متصارع أن يؤكد إرادته ويمليها على الآخر (يمحو الآخر) . والقراءة النقدية شكل من أشكال الصراع المستمر (تماماً مثل قوانين الحركة المادية، فالعالم صيرورة مطلقة وكل شيء يسقط فيها) . أما النص نفسه فليس له معنى محدد، فهو صامت (كما يقول الباطنيون) ومن ثم لا توجد قراءة دقيقة وقراءة غير دقيقة. فالقراءة أمر مستحيل لأن القراءة تفسير، والتفسير يفترض وجود مركز ومعنى محدد ومعيارية لم تسقط في قبضة الصيرورة ونص ثابت مستقر وأصل ثابت للنص. ولكن، في واقع الأمر، لا يوجد نص في ذاته ولا توجد قصيدة في ذاتها، ولا يوجد سوى نصوص متداخلة (بالإنجليزية: إنترتكست intertext) ، ولا يوجد ما هو داخل النص وما هو خارجه، ولا يوجد سوى مفسر تفسيره هو رؤيته للنص، ولذا فإن ما يوجد هو عبارة عن سوء قراءة ليس إلا. ومعنى القصيدة لا يوجد في بطن القصيدة ولا في بطن الشاعر وإنما في بطن الناقد أو في إرادته إن أردنا توخِّي الدقة، والفعل النقدي فعل نيتشوي صراعي يتضمن فرض الإرادة. ومعنى القصيدة، بهذا المعنى، هو قصيدة أخرى، فلا مفر من الذاتية الكاملة ولا مفر من إساءة القراءة. ولهذا، ركَّز بلوم على الناقد صاحب الإرادة النيتشوية (الذي يشبه الحاخام ممثل الشريعة الشفوية التي تحل محل الشريعة المكتوبة) . وما يوجد هو، إذن، إساءة قراءة، قد تكون قوية أو ضعيفة، ولكنها قوية كانت أم ضعيفة إساءة قراءة ليس إلا.

وتمتد الرؤية الصراعية لتتجاوز الصراع بين الناقد والنص لتصبح صراعاً بين الشاعر والشاعر. فكل نص قديم يُشكل أصلاً يترك أثره فيما بعده، فهو حاضر/غائب، ومهمة الشاعر المبدع أن يحاول أن التحرر من أي أصل ثابت، وتتحدد درجة الإبداع بمدى الإفلات من أثر الأسلاف بل من أي أثر لأي أصول، أي أن الإبداع هو إنكار الأصول الربانية أو الإنسانية، هو عملية تأله، فالإله وحده هو الذي لا أصل له. وثمة صور صراعية عديدة في كتابات بلوم فهو يشير إلى واقعة صراع يعقوب مع الإله (في صورة ملاك) فصرع يعقوب الإله/الملاك، ولذا فإنه سُمِّي «يسرائيل» (وهي كلمة معناها «يصارع الإله» أو «صرع الإله» ) .
كما يمجد بلوم شيطان جون ملتون (في ملحمة الفردوس المفقود) لأن الشيطان في حالة غيرة من الإله (الأصول) بسبب مقدرة الإله على الخلق وعجزه هو. فالشيطان هو الغنوصي الحقيقي الذي يصر على أنه قديم وليس مخلوقاً، تماماً مثل الإله نفسه وقادر على الخلق مثله. والشيطان يرفض تجسُّد المسيح (لحظة التجسد تشكل لحظة ثبات في الصيرورة التاريخية) . ولأن الشيطان يود تأكيد مقدرته على الخلق، فإنه يتزوج من الرذيلة متحدياً الإله فتلد له الرذيلة ابناً يُسمَّى «الموت» ، هو القصيدة الوحيدة التي يسمح له الإله بنظمها. فالشيطان هو مثال الشاعر القوي الذي يصارع الإله ويأتي بوحي بديل لوحي الإله والذي يود أن يزيل أثر الإله تماماً.

وتُشبِّه هاندلمان اليهودي بشيطان الشاعر جون ملتون في ملحمته الفردوس المفقود، فهو أيضاً يرفض التجسد. وعلاقة القبَّالاه بالتوراة تشبه علاقة الشيطان بالإله، فالقبَّالاه تمحو المعنى الإلهي وتأتي بالمعنى الغنوصي البديل. وكما يرفض الشيطان اللوجوس (رمز الثبات ومصدر اليقين) ، يرفض اليهودي المسيح (اللوجوس) ، فهو يعيش في المنفى الدائم في حالة الإرجاء والاختلاف (الاخترجلاف) وفي حالة تفسير مستمرة لا تنتهي للنص المقدَّس وبذلك يصبح اليهودي عدو التجسد وعدو أي يقين معرفي. والتفسير المستمر للنص هو إستراتيجية اليهودي للتغلب على غربته وهي إستراتيجيته التقويضية لينتقم من الأغيار فيأخذ نصوصهم المقدَّسة أو المركزية ويحل محل معناها الأصلي معنى غنوصياً مظلماً فكأنه انتقم مما حلَّ به من إحلال.
والصراع مع الأصل يأخذ شكل الصراع مع الأب، فالأب هو الذي يمنحنا الحياة، فإن قتلنا الأب محونا الأصل ووصلنا إلى عالم بلا أصل ولا ثبات، بلا مركز ولا مطلقات.

وهنا يشير بلوم إلى أسطورة أوديب (في المصطلح الفرويدي) حيث يدخل الشاعر في صراع مع من سبقه من شعراء (آبائه) فإما أن يصرعهم وإما أن يصرعوه. ويؤكد بلوم دائماً (مثله مثل كثير من دعاة ما بعد الحداثة) أن الرغبة تسبق الفعل أو أن الرغبة هي المحرك، فالرغبة تتجاوز الحدود وتتجاوز التاريخ والزمان والمكان، هي الذاتية الكاملة والنسبية والصيرورة. لكل هذا، نجد أن الموضوعات الأساسية في كتابات بلوم هي التقويض والمراجعة والانقطاع والتفسيرات التفكيكية والإحلال. ويرى بلوم أن آليات الدفاع عن الذات هي أشكال بلاغية سماها في البداية بأسماء يونانية، فهناك: كلينامن Clinamen، أي الإنحراف، وتيسيرا Tesera، أي الاكتمال والتناقض، وكينوسيس Kenosis، أي السعي إلى الانقطاع عن الشاعر السابق، والديمنة Daemonization (من «ديمون demon» ، أي «الشيطان» ) ، وهي الشيطنة، ولكنه في دراسة لاحقة أسقط هذه المصطلحات وأحل محلها مصطلحات من القبَّالاه مثل تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) والانكماش (تسيم تسوم) والإصلاح) تيقون) .
ويثير مفهوم التسيم تسوم على وجه الخصوص اهتمام بلوم. فالخلق، حسب الأسطورة اللوريانية، تم من خلال عملية انكماش أي غياب، ولكن هذا الغياب الإلهي ضروري للحضور الإلهي، فكأن الغياب والحضور يتداخلان. والحضور الإلهي ليس كاملاً فهو عملية مستمرة عبر التاريخ، هو نقطة غياب وحضور. وبهذا، يكون التسيم تسوم تعبيراً عن المفارقة (أيروني irony) . كما يربط بلوم بين حادثة تهشُّم الأوعية ونفي اليهود فتهشُّم الأوعية أدَّى إلى تناثُر الأشعة الإلهية واختلاطها بمادة الكون الرديئة. وهذا هو نفسه نفي اليهود وتناثرهم في بقاع الأرض واختلاطهم بالأغيار، كما أن اليهود بعد نفيهم تم إحلال شعب آخر محلهم. ثم يربط بلوم بين هذا كله والكناية حيث يحل الكل محل الجزء.

وبجسارة غير عادية، ورغم عدم معرفته اللغات القديمة، كتب بلوم مقالاً عن المصدر اليهوي للعهد القديم بيَّن فيه أن يهوه الذي يُشار إليه في هذا المصدر ليس له أدنى علاقة بإله العهد القديم ككل، وأن مؤلف هذا النص ليس رجلاً بل امرأة وأنها امرأة متقدمة في السن تنظر إلى يهوه باعتبارها أماً تنظر إلى ابنها الذي بدأ يشب عن الطوق ويزداد قوة ولكنه ابن سريع الغضب بشكل شاذ. ومن الواضح أن بلوم هنا يغازل حركة التمركز حول الأنثى التي تحاول أن ترد كل شيء إلى الأنثى وتبين أن أصول الإنسان ليست إلهية وإنما أنثوية، فهو حلول أنثوي.

ولا يركز نقد بلوم الأدبي على النص وإنما يركز على أهم قارئ للنص وهو قارئ يتسم بالقوة: أي الناقد، فكأن النص يموت وكاتب النص يموت وينتصر الناقد الذي يفرض إرادته النيتشوية على الكلمات التي أمامه، ومن ثم يذوب النص المكتوب في صوت الناقد (الذي يصبح اللوجوس في العملية الأدبية) . ولذا، يصبح النقد الأدبي مناسبة أو تكأة للناقد لأن يطلق صوته وكأنه كاهن حلولي يتصور أن الإله قد تلبَّسه وأن اللوجوس حل فيه فأصبح هو نفسه اللوجوس. ويُلاحَظ أن السيولة الحلولية هنا تؤدي إلى انثيال المصطلحات وتَغيُّرها من عمل إلى عمل، فالمصطلحات البوبرية التي استُخدمت في المرحلة الأولى أُسقطَت في المرحلة الثانية حيث حلت محلها مصطلحات من القبَّالاه اللوريانية ثم من الفكر الغنوصي وأخيراً من فكر التمركز حول الأنثى، ولكن الثابت في كل هذا هو الصيرورة. وعلى كلٍّ، فإن هذه صفة أساسية في النقد الأدبي الحديث لعصر ما بعد الحداثة في الغرب حيث يتسم كل شيء بالسيولة بعد غياب اليقين المعرفي والأخلاقي. ومن ثم، فلا يمكن الحديث عن بلوم باعتباره ناقداً يهودياً، فهو ناقد علماني غربي من نقاد عصر ما بعد الحداثة وقد أصبحت القبَّالاه نفسها جزءاً من التراث الفكري الغربي بحيث لا يوجد فارق كبير بين القبَّالاه المسيحية والقبَّالاه اليهودية.

وقد صَدَر لبلوم مؤخراً كتاب العقيدة الأمريكية: ظهور الأمة ما بعد المسيحية (1992) يذهب فيه إلى أن الأمريكيين يؤمنون بعقيدة واحدة ذات بنية غنوصية تؤله الذات الأمريكية وترى أنها قديمة وليست مخلوقة. والحرية في هذا الإطار هي الخلاص الغنوصي، أي الاتصال الأبدي بالخالق والعودة إلى حالة الامتلاء الأولى (بليروما) . ويرى بلوم أن المسيحية الأمريكية لم تَعُد مسيحية رغم استخدامها المصطلحات المسيحية. وأهم تجليات هذه العقيدة شبه المسيحية هي المورمونية وشهود يهوه. ويرى بلوم أن الطوائف المسيحية كلها وجميع الطوائف الدينية الأخرى تتبع هذا الإطار الغنوصي الأمريكي.
الصهيونية وما بعد الحداثة
‏Zionism and Post-Modernism
حاولنا في المداخل السابقة أن نكتشف الصلة بين ما بعد الحداثة من جهة، واليهودية واليهود من جهة أخرى، من خلال محاولة الوصول إلى البُعد المعرفي للظاهرة «المعرفي» ( «الكلي والنهائي» ) ومن ثم طوَّرنا مقولات مثل الحلول مقابل التجاوز، والصيرورة مقابل الثبات، والتبعثر مقابل الكلية والتكامل.
ويمكن أن نطبق المنهج نفسه على علاقة الصهيونية (باعتبارها وريثة بعض جوانب التراث اليهودي الحاخامي) وما بعد الحداثة.
والصهيونية، في جوهرها، حركة فكرية وسياسية غربية، أي أنها إفراز من إفرازات النموذج الغربي العلماني الشامل، ولذا فثمة علاقة بنيوية وثيقة بينها وبين ما بعد الحداثة، شأنها في هذا شأن معظم الحركات الفكرية السايسية الغربية. بل إنه يمكننا القول بأن كثيراً من مقولات ما بعد الحداثة، كحركة فلسفية متبلورة، كانت قد تبدت في الفكر الصهيوني قبل ظهور ما بعد الحداثة. ويمكن أن نوجز هذه المقولات فيما يلي:

1 ـ تقوم الصهيونية بتفكيك كل من اليهودي والعربي، فكلاهما لا يتمتع بأية مطلقية، وكلاهما ليس له قيمة تذكر في حد ذاته: فاليهودي، شأنه شأن العربي، شخص لا جذور له، ومن ثم يمكن نقله ببساطة من مكان لآخر، ويمكن أن تُفرض عليه هوية جديدة، فيصبح اليهودي المستوطن الصهيوني ويصبح العربي اللاجئ الفلسطيني، وتصبح فلسطين إسرائيل بل ويصبح الوطن العربي السوق الشرق أوسطية! فكأن علاقة الدال بالمدلول في الخطاب الصهيوني مسألة هشة عرضية، قابلة للتغير، أي أن المدلول هنا سقط تماماً في قبضة الصيرورة. وينطبق الشيء نفسه على المشروع الصهيوني، فهو يدَّعي أنه مشروع يهودي ولكنه يهدف إلى مَحْو يهودية المنفى (أي اليهودية عبر تاريخها) وإلى محو اليهود عن طريق تطبيعهم ودمجهم في مجتمع الأغيار، فهو دال دون مدلول أو دال مدلوله عكسه. ولا يختلف الأمر كثيراً على مستوى التطبيق، فالدولة التي أسستها الصهيونية هي دولة تزعم أنها يهودية ولكن، مع هذا، ليس لها مضمون يهودي، وهي تُعَدُّ من أكثر الدول علمنة في العالم وتتهدد الهويات اليهودية الدينية والإثنية.
2 ـ الصهيونية، مثل ما بعد الحداثة، نسبية تماماً تؤمن بالصيرورة الكاملة. وانطلاقاً من هذه الصيرورة، وإنكار الكليات والحق والحقيقة، يُستخدَم العنف لتغيير الوضع القائم لصالح صاحب السلاح القوي.
3 ـ يتبدَّى هذا الإيمان بالصيرورة في برجماتية الصهيونية (وما بعد الحداثة) . فالصهيونية تملك مقدرة هائلة على التحرك دون مطلقات، وقد أسست دولة وظيفية في العالم العربي تغيَّر دورها من مرحلة لأخرى حتى يتسنى لها خدمة المصالح الغربية بكفاءة عالية.

4 ـ انطلاقاً من هذا الإيمان بالصيرورة، تذهب ما بعد الحداثة إلى أنه لا توجد نظرية (قصة) كبرى تنبع من إنسانيتنا المشتركة، ولذا لا يبقى سوى قصص صغرى ليس بإمكان البشر جميعاً أن يشاركوا فيها. كما أن الصهيونية هي أيديولوجية القصص الصغرى التي لا تؤمن بقصة إنسانية كبرى، فالصهيوني يؤسس نظريته في الحقوق اليهودية في فلسطين انطلاقاً من «شعوره الأزلي بالنفي وحنينه إلى صهيون» ، أي أنه يدور في نطاق قصته الصغرى. وحيث إن ارتباط العرب بفلسطين ووجودهم فيها يقع خارج نطاق هذه القصة، فلا شرعية لها بل لا وجود.
5 ـ يُلاحَظ أن كلاًّ من الصهيونية وما بعد الحداثة يتسمان بالثنائيات المتعارضة المتطرفة التي تؤدي إلى العدمية. فما بعد الحداثة تطرح تصوراً للحقيقة باعتبارها حضوراً كاملاً مطلقاً. وحيث إن مثل هذا الحضور مستحيل، فهي تعلن أنه لا توجد حقيقة على الإطلاق. وهذا لا يختلف كثيراً عن طرح الصهاينة لفكرة اليهودي الخالص (المطلقة) كمعيار وحيد للهوية اليهودية. وحيث إن مثل هذا اليهودي غير موجود في عالم المنفى، فإن عالم المنفى والأغيار يُرفَض بأسره حتى يتم تأسيس الدولة اليهودية الخالصة. ثم تزول الثنائية تماماً حين نكتشف أن الدولة اليهودية الخالصة ستُعيد صياغة اليهودي ليصبح مثل الأغيار وتسود الواحدية، أي أنه تم الانتقال من التعارض الكامل إلى التماثل الكامل وإلى الواحدية التي تمحو الثنائية.

اليهودية المفاهيم والفرق - الفرق الدينية اليهودية - اليهودية بين لاهوت موت الإله ولاهوت التحرير

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

اليهودية في عصر ما بعد الحداثة
‏Judaism in the Age of Post- Modernism
بإمكان القارئ أن يعود للباب المعنون «الحلولية والعلمانية» ليجد تعريفنا للحداثة، أي باعتبارها إنكاراً لأي يقين معرفي أو أخلاقي وتعبيراً عن تصاعد معدلات العلمنة بل عن اكتمال المنظومة العلمانية التحديثية التنويرية. و «لاهوت موت الإله» هو لاهوت يهودية عصر ما بعد الحداثة.
لاهوت موت الإله

‏Death of God Theology
كلمة «لاهوت» تشير إلى التأمل المنهجي في العقائد الدينية. وعلى هذا، فإن الحديث عن «لاهوت موت الإله» ينطوي على تناقض أساسي. ومع هذا، شاعت العبارة في الخطاب الديني الغربي، وخصوصاً في عقد الستينيات. وعبارة «موت الإله» في حد ذاتها مأخوذة من فيلسوف العدمية والعلمانية الأكبر فردريك نيتشه. ويحاول لاهوت موت الإله تأسيس عقيدة تَصدُر عن افتراض أن الإله لا وجود له وأن موته هو إدراك غيابه.
والحديث عن موت الإله أمر غير مفهوم في إطار إسلامي، فالله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وفي المسيحية (ورغم حادثة الصلب) فإن الإله موجود من الأزل إلى الأبد. والشيء نفسه يُقال عن الطبقة التوحيدية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي. ولكن، في إطار حلولي، يصبح الحديث عن موت الإله أمراً منطقياً، فالحلول الإلهي يأخذ درجات منتهاها وحدة الوجود حيث يتجسد (يحل) الإله تماماً في الطبيعة وفي أحداث التاريخ ويتوحد مع الإنسان ومع مخلوقاته ويصبح كامناً فيهما. ولكن لحظة وحدة الوجود هي نفسها اللحظة التي يصبح الإله فيها غير متجاوز للمادة، ويتوحد الجوهر الرباني مع الجوهر المادي ويصبح هناك جوهر واحد، ومن ثم يفقد الإله سمته الأساسية (تجاوزه للطبيعة والتاريخ وتنزهه عنهما) ويشحب ثم يموت، ويصبح لا وجود له خارج الجوهر المادي. ولاهوت موت الإله هو فكر ديني مسيحي ويهودي ظهر في عقد الستينيات في العالم الغربي، وما يهمنا هنا في هذه الدراسة هو التيار اليهودي داخله.

ويمكن القول بأن لاهوت موت الإله هو حلولية كمونية مادية، حلولية يموت فيها الإله تماماً (وحدة وجود مادية) وتحل مطلقات دنيوية أخرى كامنة في المادة والتاريخ محله. وينطلق لاهوت موت الإله عند اليهود من فكرة قداسة التاريخ اليهودي النابعة من قداسة الشعب اليهودي ومن مركزيته الكونية، وهي قداسة تشمل ما يقوم به هذا الشعب من أفعال، وما يقع له من أحداث. وأهم الأحداث التي وقعت له في الماضي هي العبودية في مصر والخروج منها، والسبي البابلي والعودة منه، ثم سقوط الهيكل والشتات. ولكن أهم ما وقع لليهود على الإطلاق هو الإبادة النازية ليهود أوربا. وهذه الإبادة ليست فعلاً ارتكبته الحضارة الغربية ضد ملايين البشر (من يهود وبولنديين وغجر ومعوقين وعجائز) ، وإنما هي جريمة ارتُكبت ضد اليهود وحسب. وهكذا يُنظر إلى الإبادة باعتبارها حادثة تاريخية تجسد الشر المطلق، وهي رهيبة لدرجة أنها تنفي وجود الخير والعقل واليقين والأمل، وهي أخيراً تنفي وجود الإله. وحتى إن كان الإله موجوداً فيجب ألا نثق فيه لأنه تخلَّى عن الشعب اليهودي. بل إن هذه الحادثة تكاد تكون حدثاً يقف خارج التاريخ، فهي عدم تام. وهي مدلول متجاوز لا يمكن أن يدل عليه دال؛ فهو مرجعية ذاته ولا يمكن فهمه إلا بالعودة إليه خارج أي سياق. ويمكن القول بأن كلمة «هولوكوست» أصبحت دالاً ومدلولاً في آن واحد، فهي تشبه الأيقونة. ولذا، فالفهم غير ممكن ولا يمكن سوى التذكر.

وكما جاء خروج اليهود بعد العبودية في مصر، والعودة بعد السبي في بابل، جاءت وقفة الشعب اليهودي ومقاومته لما يتهدد بقاءه في أعقاب حادثة سقوط الهيكل والشتات ثم الإبادة. ولنا أن نلاحظ الثنائية الصلبة التي تسم لاهوت موت الإله: عبودية/خروج ـ سبي/عودة ـ شتات/استقلال إسرائيل ـ إبادة/بقاء الشعب، وهي ثنائية صلبة تأخذ شكل حركة دائرية متكررة (ويتسم التفكير الحلولي بالدائرية إذ يختفي التاريخ ويتداخل القومي والديني والإنسان والإله) . ولكن هذه الوثنية الحلولية الجديدة هي وثنية بدون إله، إذ تحل الذات القومية محل الإله تماماً، أي أن الشعب اليهودي استوعب في ذاته كل المطلقية والقداسة الممكنة وأصبح مركز الكون والكلمة المقدَّسة (لوجوس) والغرض الإلهي (تيلوس) معاً وفي آن واحد. ولذا، تُعَدُّ مقاومة الشعب اليهودي للإبادة بمنزلة تنفيذ الأوامر والنواهي (متسفوت) في التراث القبَّالي؛ فهذه المقاومة هي التي تقوم بعملية إصلاح الخلل الكوني (تيقون) . وهي عملية يقوم الإله من خلالها باستعادة وحدته التي فقدها أثناء عملية تَهشُّم الأوعية (شفيرات هكيليم) . وكلما قاوم اليهودي، زادت عملية الإصلاح تسارعاً واكتملت استعادة الإله لوحدته. ومن ثم، فإن الشعب اليهودي يوجد خارج التاريخ ككيان لا يخضع لقوانينه العبثية، ويؤكد المعنى من خلال مقاومته، أو هو بمنزلة الجسر الذي يصل بين الإله والتاريخ (على حد قول آرثر كوهين) . وكل هذا يتضمن فكرة حلولية كمونية متطرفة وهي أن الشعب هو الإله وأن هذا الإله لا يتجاوز تاريخ هذا الشعب وإنما يتجلى ويحل ويذوب فيه تماماً ويختفي!

وإذا كانت الجريمة الكبرى هي الفناء، فالفضيلة الكبرى هي المقاومة والبقاء، وكل هذا يجسده ظهور دولة إسرائيل كدولة ذات سيادة تعبِّر عن إرادة الشعب اليهودي ورغبته في البقاء، وتثبت أن الشعب اليهودي يرفض أن يلعب دور الشعب الشاهد كما ترى المسيحية، ولا أن يكون شعباً شهيداً كما تتصور اليهودية الحاخامية التي ترى أن اليهود تم اختيارهم ليكونوا شعباً من الشهداء والقديسين والأنبياء والكهنة لا سيادة له، عاجز لا يشارك في السلطة (وهو الدور الذي يرى دعاة لاهوت موت الإله أنه أدَّى باليهود إلى الاستسلام للإرهاب النازي، وعبَّر عن نفسه في اشتراك القيادات اليهودية في المجالس اليهودية التي أسسها النازيون والتي قامت بتسليم اليهود إلى قاتليهم) . لكن الدولة الصهيونية تقف على الطرف النقيض من هذا كله، فهي تحل مشكلة العجز اليهودي الناجم عن انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة، فإسرائيل دولة ذات سيادة ولها سلطة وجيش قوي ومؤسسات عسكرية تدافع عن الإرادة اليهودية المستقلة، وإسرائيل هي الشيء الإيجابي الذي ظهر من رماد أوشفيتس، وهي (باعتبارها رمز بقاء الشعب) تشكل هزيمة للعدم ولهتلر (ولذا، يُشار إلى لاهوت موت الإله بأنه «لاهوت البقاء» و «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ) . بل إن إسرائيل هي حقاً الوسيلة الكبرى لعملية الإصلاح الكوني (تيقون) . فمن خلال هذه الدولة يعلن المطلق عن نفسه ويُستعاد الحضور الإلهي داخل التاريخ (على حد قول الحاخام إليعازر بركوفتس) . فبقاء الشعب والدولة هو بقاء الإله، واستمرار الشعب والدولة هو استمرار الإله. ولذا، فإن من يقف ضد الدولة ولا يقبلها فهو كمن ينكر وجود الإله، ومن يقبلها بلا شرط فهو وحده المؤمن (على حد قول آرثر روبنشتاين) . وقد صرَّح الحاخام إيوجين بورويتز أحد مفكري لاهوت موت الإله بأن الدولة الصهيونية إبان حرب 1967 لم تكن وحدها المهددة بالخطر، بل كان هذا الخطر محدقاً بالإله نفسه.

ويمكننا الآن أن ننتقل من عالم المعرفة والتاريخ إلى عالم الشعائر والأخلاق. فالقيمة الأخلاقية المطلقة هي بقاء الشعب اليهودي، وهذا البقاء هو نهاية في ذاته، والحفاظ على الدولة وبقائها وبأي ثمن هو أيضاً مطلق أخلاقي (أو ليس دفاع اليهود عن أنفسهم دفاعاً عن الإله؟) ، ومن ثم نجد أن لاهوت موت الإله يؤدي إلى ظهور أخلاقيات داروينية، أي أخلاقيات هي في جوهرها لا أخلاقيات، إذ أنها لا تحاكم إسرائيل بأية مقاييس أخلاقية، وإنما تبرر كل أفعالها وتقبلها تماماً. بل إن الشغل الشاغل للشعب اليهودي هو: تَذكُّر الإبادة وما حلَّ بهم، ثم الالتزام ببقاء إسرائيل وحماية سيادتها وصون بقاء الشعب اليهودي، بأية طريقة ودون الالتزام بأية قيم.
أما الشعائر، فهي تكتسب أبعاداً جديدة تماماً. فإن كان تَذكُّر الذات (اليهودية) واجباً أخلاقياً، فإن كتابات اليهود من أمثال إيلي فيزيل عن الإبادة تصبح هي الكتب المقدَّسة، ويُعتبَر متحف مثل متحف بيت هاتيفوتسوت (متحف الدياسبورا في إسرائيل) مستودعاً للذاكرة وتصبح زيارته شعيرة دينية مقدَّسة، والأوامر والنواهي تضاف إليها أوامر ونواه تضفي الطابع الديني على الدولة والمؤسسات الصهيونية والإسرائيلية مثل مؤسسة الجباية اليهودية والكنيست وجيش إسرائيل. وقد نجح اليهود، في حوارهم مع المسيحيين، في أن يجعلوا من الإيمان بالدولة الصهيونية أحد المطلقات التي لا يجوز في شأنها حوار، كما لا يمكن مناقشة أفعالها.

وقد يكون من المفيد أن نشير هنا إلى أن إدراك يهود أوربا للإبادة النازية على هذا النحو هو إدراك حلولي كموني متأثر بحادثة الصلب المسيحية (وتشويه له في الوقت نفسه) ، فالمسيح هو اللوجوس ابن الإله الذي ينزل فيُصلَب ثم يقوم ويعود إلى أبيه (وهذا هو الحلول المؤقت الشخصي المنتهي) . أما في اليهودية، فالشعب هو اللوجوس الذي يعيش بين الأمم ويتعرض للشتات والعذاب وأخيراً الصلب في حالة الإبادة النازية. وكما أن حادثة الصلب لابد أن تُقبل كما هي في الوجدان المسيحي، فإن لاهوت موت الإله اليهودي يتطلب من اليهود والأغيار قبول حادثة الإبادة باعتبارها سراً من الأسرار. وكما أن المسيح يقوم بعد الصلب، فإن الشعب يبقى بعد الإبادة ثم يقوم على هيئة الدولة الصهيونية! أي أن الحلول المسيحي الشخصي المنتهي يتحول إلى حلول قومي دائم ومستمر.
ولا شك في أن هذا الخطاب لا علاقة له بأي دين، سواء أكان الإسلام أم المسيحية أم حتى اليهودية الحاخامية. وهو بالفعل يصدم أسماع كثير من الحاخامات الذين قاموا بتكفير أصحابه. ولكن التركيب الجيولوجي للعقيدة اليهودية يجعل وجود سوابق لمثل هذه الأفكار أمراً ممكناً. ففكرة الإصلاح (تيقون) في القبَّالاه اللوريانية تمنح اليهود مركزية كونية وتجعل وجود الإله أو وحدته مرهوناً بوجودهم. والقبَّالاه لم تكن هرطقات ثانوية هامشية وإنما كانت العمود الفقري لليهودية الحاخامية أو لتيار مهم داخلها.
ويمكننا ببساطة القول بأن لاهوت موت الإله (وحدة الوجود المادية) هو اللحظة التي تتم فيها صهينة اللاهوت اليهودي تماماً، إذ يختفي الإله تماماً ويموت وتموت معه شعائره وكتبه المقدَّسة ليحل محله إله جديد هو الدولة الصهيونية، وتظهر شعائر جديدة هي الدفاع عن الدولة وتَذكُّر الشعب اليهودي، أما الكتب المقدَّسة فهي سجلات هذه الذاكرة.

وكثير من الحركات الصوفية الحلولية تترجم نفسها إلى أساطير من هذا النوع، ويخلع الأتباع القداسة على أنفسهم. ويُلاحَظ كذلك أن الحركات الفاشية تخلع القداسة على نفسها وعلى تاريخها وتعلن نهاية التاريخ. ومع هذا، فإنها تتحرك داخل التاريخ لاغتيال الأطفال والاستيلاء على الأرض. هذا ما فعله النازيون، وهذا ما يفعله الصهاينة. ولاهوت موت الإله ينجز ذلك أيضاً، لكنه يحتوي داخله على تناقض أساسي، فهو يصر على أن يخلع المطلقية على اليهود ومؤسساتهم وتاريخهم (فالإبادة لا يمكن النقاش في معناها، والدولة الصهيونية لا يمكن نقدها أو الحوار بشأنها، وهكذا) ، ولكنه في الوقت نفسه يرفض دور الشاهد على التاريخ ويصر على المشاركة في السلطة، مع أن من يتصف بالمطلقية يقف خارج التاريخ، أما من يشارك في السلطة ويستخدمها فهو يقف داخله. ولكن هذا التناقض العميق تتصف به كل النماذج الحلولية الكمونية حينما تتحول إلى نظام حكم.
ولاهوت موت الإله تعبير عن العلمنة الشاملة الكاملة للنسق الديني اليهودي، فهو شكل حاد من حالات تَوثُّن الذات القومية التي تتحول إلى مطلق يعبِّر عن نفسه من خلال مطلق آخر: الدولة. وهي مطلقات مادية لها كل صفات الغيب والميتافيزيقا دون أن تُحمِّل من يؤمن بها أية أعباء أخلاقية، بل تعطيه العديد من المزايا، والتزامه الوحيد هو البقاء. ولكن البقاء بأي شرط ليس عبئاً وإنما هو حالة تتسم بها كل المخلوقات البيولوجية، لا فرق في ذلك بين الإنسان والحيوان الأعجم والنبات الذي لا يتحرك، فهذه هي أخلاقيات النظام المادي الواحدي الذي ينتظم كلاًّ من الإنسان والمادة، وهذا هو ميراث عصر الاستنارة.

ولعل إدراكنا منطلقات لاهوت موت الإله بمطلقيته وتاريخيته، وكذلك إدراكنا لنتائجه المعرفية والأخلاقية، يفسر لنا شيئاً من الموقف الصهيوني والإسرائيلي تجاه العرب، فإذا كانت الذات القومية مطلقة فلا مجال للحوار مع الآخر ولا حقوق له فهو يقع خارج الدائرة المقدَّسة. ويمكننا أن نقول إن لاهوت موت الإله هو النسق الكامن وراء الخطاب السياسي الإسرائيلي بكل علمانيته وبريقه وعنفه وقوته.
إن لاهوت موت الإله تعبير عن النسق المعرفي الجديد الذي يسيطر في الوقت الحالي على الحضارة الغربية، أي نسق ما بعد الحداثة (التي يشار إليها أيضاً بالتفكيكية أو ما بعد البنيوية) وهو شكل من أشكال العدمية الكاملة التي لا تنكر وجود الإله وحسب، وإنما تنكر أية مركزية للإنسان، بل تنكر فكرة الطبيعة البشرية نفسها. وهي لا تنكر الحقيقة الدينية وحسب وإنما الحقيقة في أساسها، ولا تتمرد على فكرة القيمة الدينية أو الأخلاقية، وإنما على فكرة القيمة نفسها، أي أنها تنكر قيمة القيمة.
ومن أهم مفكري لاهوت موت الإله إرفنج جرينبرج وريتشارد روبنشتاين وإميل لودفيج فاكنهايم.
لاهوت ما بعد أوشفيتس
‏Post-Auschwitz Theology
عبارة «لاهوت ما بعد أوشفيتس» تُستخدَم للإشارة إلى التفكير الديني اليهودي الذي ظهر منذ أوائل الستينيات، والذي يتوقف عند حادثة الإبادة النازية ليهود أوربا ويضفي عليها المركزية. وعادةً ما يتم الربط بين ظهور دولة إسرائيل وحادثة الإبادة حيث تظهر الإبادة باعتبارها العنصر السلبي على حين أن إعلان استقلال إسرائيل هو العنصر الإيجابي في هذه الدراما الكونية. ولاهوت ما بعد أوشفيتس هو مسمى آخر للاهوت موت الإله. (انظر: «لاهوت موت الإله» ) .
لاهوت البقاء
‏Survial Theology
«لاهوت البقاء» عبارة تُطلَق على لاهوت موت الإله والذي يُسمَّى أيضاً «لاهوت ما بعد أوشفيتس» .
إتي هلسوم (1914-1943 (
‏Etty Hillesum

مفكرة دينية هولندية يهودية. حصلت على الدكتوراه في القانون من جامعة أمستردام، وبدأت في دراسة اللغات السلافية حتى غزا النازيون هولندا. وُلدت إتي لأسرة يهودية مندمجة مع أن أمها كانت من يهود اليديشية. نشطت لفترة في القضايا السياسية، ولكنها تركتها وركزت على العمل الأدبي. وقد تأثرت هلسوم بأعمال دوستويفسكي وريلكه والكتاب المقدَّس (العهد القديم والعهد الجديد) . وقد عَملت بعض الوقت في أحد المجالس اليهودية التي أسسها النازيون لإدارة شئون الجماعات اليهودية ولترحيل اليهود إلى معسكرات الاعتقال والإبادة. وقد نُقلت هلسوم إلى أحد المعسكرات حيث كان يتم فرز اليهود لتقرير من سيُرحَّل إلى معسكرات الاعتقال، وقد رفضت أن تتخلى عن عملها حتى حينما سنحت لها الفرصة. وقد رُحِّلت إلى أوشفيتس حيث قُتلت عام 1943.

ينطلق فكر هلسوم من حادثة الإبادة النازية ليهود أوربا وغياب الإله أو موته وعجزه، بل إنها تسأل: إذا كان الإله عاجزاً ولا يستطيع مساعدة شعبه اليهودي، هل يستطيع هذا الشعب مساعدته؟ وهذا هو بالضبط مفهوم الإصلاح الكوني (تيُّقون) القبَّالي. والواقع أن يومياتها مليئة بالإشارات إلى ضرورة أن يضحي الإنسان بنفسه دون انتظار أية عدالة ودون أن يكن أي كره لقاتله، وقد وُصف فكرها الديني بأنه مسيحي متأثر لا بحادثة الخروج اليهودية وإنما بحادثة الصَلْب المسيحية. وبالفعل، نجد أن كتاباتها مليئة بإشارات إلى العهد الجديد. بل يبدو أن رؤيتها لأوشفيتس هي رؤية مسيحية، فالشعب اليهودي هو الذي يتم صلبه وكأنه حَمَل الإله الوديع ودمه النازف شهادة على وجود الإله أو دعوة للشعوب ألا تنغمس في العنف مرة أخرى. ولذا، فإننا نجد أنها لا تهتم كثيراً بإشكالية عجز الشعب اليهودي بسبب عدم مشاركته في السلطة، وهي الإشكالية التي يهتم بها دعاة لاهوت موت الإله وبقاء الشعب اليهودي. وبقاء الشعب ليس المطلق أو حجر الزاوية المقدَّسة بالنسبة إليها، فالموضوع الأساسي في كتاباتها هو اليهود كشاهد وليس اليهود كشعب له سيادة. وقد ظهرت طبعة لأعمالها الكاملة بالهولندية عام 1986. والواقع أن كتابات هلسوم، شأنها شأن كتابات شيستوف وأعمال شاجال، تثير قضية الهوية اليهودية، فإذا كانت النقطة المرجعية لهلسوم هي المسيحية، وإذا كان خطابها الديني مسيحياً، فبأي معنى من المعاني يمكن الحديث عن يهوديتها.
إرفنج جرينبرج (1933-)
‏Irving Greenberg
حاخام أمريكي يوصف بأنه أرثوذكسي وبأنه مفكر تربوي أمريكي يهودي. وُلد في بروكلين، وعمل في جامعة براندَيز كمدير لجماعة هليل الطلابية وكمحاضر، ثم عمل أستاذاً للتاريخ في جامعة يشيفا.

وينطلق فكر جرينبرج من نقد جذري عميق لكل من الدين والحداثة من خلال واقعة الإبادة. فاليهودية والمسيحية في رأيه مسئولتان عن الإبادة لأنهما أدتا إلى عجز اليهود: المسيحية بقيامها بتجريد اليهود من السلطة وتحويلهم إلى شعب شاهد وبتوليدها كُرهاً عميقاً تجاه اليهود لدى المسيحيين، واليهودية الحاخامية بتقبلها العجز بسبب عدم المشاركة في السلطة واعتباره حالة نهائية لن تنتهي إلا بمقدم الماشيح. فاليهود، حسب تصوُّر اليهودية الحاخامية، شعب مختار من الكهنة والأنبياء والشهداء.
ولكن الحل لا يكمن في الاتجاه إلى العلم، فالحضارة الحديثة التي نقلت الولاء من إله التاريخ والوحي إلى إله العلم والإنسان لم تؤد إلى سعادة الإنسان وإنما إلى الإبادة، والمجتمع الحديث بكل آلياته وإمكاناته هو الذي جعل الإبادة أمراً ممكنا. بل إن كلاًّ من المؤسسات الدينية والحديثة مرت على الإبادة مروراً عابراً وتقاعست عن واجب تحديها بالخروج عن الصمت، أي أن جرينبرج يرفض أن ينسب أية مطلقية للعقيدة الدينية أو للمجتمع العلماني.

وحلاًّ لهذه المشكلة، يقترح جرينبرج أمراً جديداً تماماً فبدلاً من الحديث عن الإيمان والإلحاد، علينا أن نتحدث عن لحظات من الإيمان ولحظات من الإلحاد، وعلينا أن نتقبل كلاًّ من لحظات الإيمان ولحظات الإلحاد، وبذا نتخلص من الثنائية التقليدية التي تضع الإيمان مقابل الإلحاد، وفي هذا تَقبُّل للتعددية الحقة حيث لا يوجد مركز دائم وإنما هناك مراكز متعددة متنقلة متغيرة تماماً كعلاقة الدال بالمدلول في الفكر التفكيكي وفكر ما بعد الحداثة (فهي علاقة مؤقتة غير نهائية) . وحياة الشعب اليهودي بأسره جدل مستمر بين لحظات الإيمان ولحظات الإلحاد، وهو ما يسميه جرينبرج «جدلية القدس» أو «جدلية أوشفيتس» . فالقدس ترمز إلى لحظة الإيمان بالإله والشعب وتبعث على الأمل، أما أوشفيتس فترمز إلى الاغتراب عن الإله والناس وتبعث على القنوط. ورغم إصرار جرينبرج على عدم تفضيل الإيمان على الإلحاد، ورغم سعيه إلى نفي فكرة المركز، إلا أنه يرى أن المؤمن هو من يمارس عدداً من لحظات الإيمان والأمل يفوق عدد لحظات الإلحاد واليأس.
ويقدم جرينبرج تاريخاً لليهودية هو تطبيق لنظرية اختفاء المركز هذه، فتاريخ اليهودية يعبِّر عن ظاهرة اختفاء الإله تدريجياً. ولإثبات نظريته هذه، يُقسَّم تاريخ اليهودية إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى، مرحلة العهد القديم: وهي المرحلة التي بدأت بالحديث المباشر بين الإله وموسى ثم حديث الإله للشعب من خلال الكهنة والأنبياء. والشعب في هذه المرحلة كل لا يتجزأ، وتأخذ الشعائر شكل العبادة القربانية في الهيكل التي كان يشرف عليها الكهنة. والخطايا في هذه المرحلة جماعية، كما أن التوبة والندم جماعيان.

المرحلة الثانية، مرحلة التلمود واليهودية الحاخامية أو التلمودية: وهي المرحلة التي لا يتحدث فيها الإله مباشرة للشعب، وإنما يتم الحوار من خلال الحاخامات الذين يدرسون كتاب الإله من خلال التفسيرات التي وضعها المفسرون الأوائل، أي يدرسون التلمود. وتأخذ الشعائر هنا شكل التعبد في المعبد اليهودي تحت قيادة الحاخام، وتصبح الخطيئة فردية، وكذلك التوبة. ويُلاحَظ في هذه المرحلة بداية التراجع النسبي للإله (قياساً إلى المرحلة السابقة) .
المرحلة الثالثة، مرحلة الإبادة وأوشفيتس ودولة إسرائيل: وهي المرحلة التي يختفي فيها الإله تماماً وتصبح الدولة الصهيونية هي المطلق، إذ كان الإله في المعسكرات يقول للبشر أوقفوا المذبحة ولكنها لم تتوقف، ولم يستجب أحد. ومع هذا جاءت الاستجابة في شكل دولة إسرائيل. فكأن الإله قد حلَّ تماماً في التاريخ و «صعد» مع الشعب إلى إسرائيل، ومن ثم فإن هذه المرحلة تتسم بغياب الإله وحضور إسرائيل.

والتحول الذي حَدَث هو تحوُّل من العجز بسبب عدم المشاركة في السلطة إلى تأكيد السيادة والاستيلاء على السلطة، وهو أمر لا يتم بالنسبة للمستوطنين في إسرائيل وحدهم، وإنما يحدث لجميع يهود العالم الذين يشكلون أداة ضغط متمثلة في اللوبي الصهيوني والمؤسسات الصهيونية الأخرى، فكأن حالة النفي تنتهي فعلياً ومادياً بالنسبة إلى المستوطنين وتنتهي نفسياً بالنسبة إلى يهود العالم. كما أن بقاء الشعب اليهودي متمثلاً في الدولة الصهيونية في فلسطين والجماعات اليهودية في العالم، وتأكيد سيادة اليهود سواء في إسرائيل أو في خارجها، أمر مطلق لا يجوز الحوار بشأنه. فمن يقف ضد تعبير إسرائيل عن سيادتها يكون مثل من ينكر واقعة الخروج من مصر، ومن ثم فإنه يكون كمن ارتكب خطيئة دينية قاطعة تؤدى إلى الطرد من حظيرة الدين. ولا يمكن الحكم على إسرائيل بالمقاييس العادية، فبقاؤها مطلق، وهو ما يعطيها الحق في أن تستخدم أحياناً أساليب غير أخلاقية لضمان البقاء. وعلى سبيل المثال، يمكن الحديث عن حق العرب في تقرير المصير شريطة ألا يؤدي هذا إلى تهديد وجود إسرائيل وبقائها. فكأن جرينبرج يدعو إلى تَمحوُّر حلولي وثني حول الذات.

والشيء نفسه ينطبق على الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة التي يجب أن تتحول هي الأخرى إلى جماعة عضوية متماسكة (التمحور الوثني حول الذات مرة أخرى) ذات إرادة مستقلة، تتطهر رؤيتها تماماً من كلٍّ من الليبرالية والعالمية، بحيث يركز اليهود لا على الأصدقاء الدائمين وإنما على المصالح الدائمة، ويصبحون ملمين تماماً بموازين القوى وكيفية توظيفها لصالح اليهود وحدهم ولصالح الدولة الصهيونية أيضاً. وبدلاً من أن يضغط اليهود على أمريكا لخفض أسلحتها أو للانسحاب من مناطق مثل فيتنام مثلاً، انطلاقاً من قيم أخلاقية مطلقة، لابد أن يدرك اليهود أن قوة إسرائيل تستند إلى قوة الولايات المتحدة، كما أن إدراك العرب واليهود لهذا الوضع يشكل مفتاح السلام في الشرق الأوسط.
ولكن إذا كان العهد القديم كتاب المرحلة الأولى وإذا كان التلمود كتاب المرحلة الثانية، فما كتب هذه المرحلة المقدَّسة؟ إنها النصوص التي تُذكِّر الشعب اليهودي بالإبادة وبضرورة البقاء (ومن هنا نجد أن جرينبرج يعتبر كتابات إيلي فيزيل، على سبيل المثال، كتابات مقدَّسة إذ يدور معظمها حول الإبادة) . وإذا كان الهيكل هو المؤسسة الأساسية في المرحلة الأولى، والمعبد اليهودي مؤسسة المرحلة الثانية، فما مؤسسات المرحلة الثالثة؟ المؤسسات الجديدة ليست الهيكل أو المعبد، وإنما هي المؤسسات الصهيونية: الكنيست، وجيش الدفاع الإسرائيلي، والكيبوتس، والجماعات الإسرائيلية، ومؤسسات الجباية اليهودية، والنصب التذكاري الإسرائيلي (ياد فاشيم) ، بل إن بيت هاتيفوتسوت (متحف الدياسبورا) في إسرائيل ليس مجرد متحف وإنما هو تكرار طقوسي لقصة الدياسبورا وإعادة قصها في أسلوب علماني تعددي في الظاهر، ديني خفي في الباطن، فهو مخزون الذاكرة. كما أن إيباك (اللوبي الصهيوني) ، وجماعات الجباية، تعبير عن تأكيد أن الدياسبورا تقف إلى جانب الظاهرة المقدَّسة (إسرائيل) بدعمها سياسياً ومالياً.

وإذا كان الكاهن هو الذي يشرف على إقامة شعائر المرحلة الأولى، والحاخام هو الذي يشرف في المرحلة الثانية، فلابد أن تكون النخبة الصهيونية القائدة (السياسية والعسكرية) هي المشرف على إقامة شعائر المرحلة الثالثة. وبالفعل، لاحَظ جرسون كوهين أن كثيراً من اليهود يعتقدون أن إسرائيل هي معبدهم اليهودي، وأن رئيس وزرائها هو الحاخام الأكبر أو الكاهن الأعظم.
ويضيف جرينبرج أشياء كثيرة عن القيم الأخلاقية، فيصرح بأن الإبادة ينبغي ألا تصبح مبرراً لليهود لأن ينسبوا للآخرين كل الشرور وأن يتجاهلوا عمليات الإبادة التي لحقت بالآخرين. ولكن، رغم هذه الديباجات الأخلاقية، فإن موقف جرينبرج يظل برجماتياً عملياً، فهو لا يتحدث عن التزام الدولة الصهيونية بالقيم المطلقة وإنما يتحدث عن تحالفاتها العملية لتأكيد السيادة اليهودية. ويُلاحَظ أن فكر جرينبرج ينبع من نمط ما بعد الحداثة، فثمة إنكار لأية مطلقات أو مركز، وإيمان باستحالة تجاوز حدود التاريخ وتصوُّر لتطور التاريخ باعتباره تعبيراً عن الاختفاء التدريجي للإله المتجاوز حتى يصبح التاريخ مسطحاً تماماً، دالاً بلا مدلول أو إجراءات بلا معنى، أو معنى بلا إجراءات، صيرورة كاملة يفرض جرينبرج داخلها مطلقاته المكتفية بذاتها كالسيادة اليهودية التي لا تقبل الحوار، فهي دال بلا مدلول أو دال يتجاوز كل الدوال.
ريتشارد روبنشتاين (1924-)
‏Richard Rubinstien

أحد مفكري لاهوت موت الإله. كان يدرس في كلية الاتحاد العبراني ليصبح حاخاماً إصلاحياً، ولكنه حينما سمع عن الإبادة النازية ضد يهود أوربا وجد أن موقف اليهودية الإصلاحية المعادي للصهيونية موقف خاطئ تماماً، فرُسِّم حاخاماً محافظاً عام 1952 في كلية اللاهوت اليهودية. وحصل روبنشتاين على الدكتوراه عام 1960 حيث كانت رسالته عن الوجدان الديني تحليلاً نفسياً للأجاداه يوضح فيها مخاوف حاخامات اليهود من إشكالية العجز اليهودي بسبب انعدام السلطة والسيادة بعد هدم الهيكل.
صاغ روبنشتاين مساهمته في لاهوت موت الإله في كتابه أوشفيتس (1966) الذي يطرح فيه السؤال التالي: إذا كان إله التاريخ موجوداً، فكيف يستطيع المرء إذن أن يفسر إبادة ستة ملايين من شعبه المختار؟ ويرفض روبنشتاين الفكرة التي يذهب إليها بعض اليهود الأرثوذكس القائلة بأن الشعب هو أداة الإله، ومن ثم فإن إبادته ذات مغزى إلهي، كما أنها قد تكون عقاباً للشعب على انحرافه عن الشريعة والوصايا والنواهي.

ولتفسير واقعة الإبادة، يستخدم روبنشتاين نموذجين تفسيريين: أحدهما يَغلب عليه الطابع الديني الحلولي، والآخر علمي تاريخي بوجه عام. ولنبدأ بالنموذج الديني الحلولي. يرى روبنشتاين أن الإله أوهم الشعب اليهودي أنه شعب مختار، وهو ما ساهم في استسلام اليهود للأحداث من حولهم، وولَّد في نفوسهم اليقين بأن الإله سيحفظهم وسط الدمار. بل إن العذاب والشتات، حسب هذا التصور، هي علامات الاختيار، الأمر الذي زاد سلبية اليهود فنسوا المقاومة. إذ كانت آخر مرة قاوم فيها اليهود هي فترة التمرد الحشموني. وقد هُزم اليهود وأصبح الفريسيون (الذين اختارهم الرومان) قادة اليهود رغم أنهم من دعاة الاستسلام، وأصبح العجز وعدم المشاركة في السلطة سمة أساسية لليهودية الحاخامية. لقد بدأت حالة الدياسبورا (أي وجود اليهود في المنفى) بالهزيمة العسكرية واستمرت لأن اليهود طوروا ثقافة الاستسلام والخضوع واستوعبوها وعاشوا داخل نطاقها، أي أن سر استمرارهم يكمن في خضوعهم وخنوعهم. وظهرت شخصية الوسيط (شتدلان) الذي يقوم بالتوسط لدى الحاكم باسم اليهود ويقدم له الالتماسات ويطلب منه استخدام الشفقة مع اليهود ويعطيه الرشاوى نيابة عن اليهود ويقوم بجمع الضرائب نيابة عنه. واستمرت هذه التقاليد حتى العصر الحديث في المجالس اليهودية في أوربا التي كانت تقوم بدور الوسيط بين الجماعات اليهودية والسلطات النازية إبان الحرب العالمية الثانية. وقد تعاونت هذه المجالس مع النازيين ونفذت أوامرهم وتولت قيادة الجماعات اليهودية بما يكفل تعاونها مع الجلادين، ومن ذلك إخلاء اليهود وترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال. وكان تنظيم اليهود عنصراً أساسياً في مَنْع المقاومة المسلحة، وكل ما فعله النازيون هو استخدام القيادة الموجودة بالفعل. وكان خضوع اليهود رد فعل آلياً، فيما عدا حوادث مقاومة متفرقة أهمها انتفاضة جيتو وارسو عام 1943، ولكن هذه الحوادث تمثل الاستثناء، إذ لم يقاوم

معظم اليهود الذين اعتادوا الخضوع.
هذا هو التفسير الديني عند روبنشتاين. أما التفسير التاريخي الزمني، فيذهب إلي أن الإله خلق آدم ليحكم الطبيعة، ولكن التاريخ الإنساني الذي بدأ بآدم تزايد فيه الترشيد البيروقراطي، وهو اتجاه يصل إلى ذروته مع انتصار التكنولوجيا النازية التي تنزع السحر عن الطبيعة، ومع هيمنة البيروقراطية النازية التي تحيِّد العواطف الإنسانية، أي أن الطبيعة والإنسان يصبحان مادة محضة وهو ما يعني موت الإله الذي يحرك الطبيعة والتاريخ يمنحهما المعنى. ويتم هذا في وقت توجد فيه قطاعات كبيرة من السكان لا فائدة من وجودها. ومن ثم، فإن النازية تُعدُّ مَعْلَماً أساسياً في الحضارة الغربية، إذ يصبح بمقدور الدولة إبادة الملايين بشكل منظم. ومن هذا العرض لفكر روبنشتاين، نجد أن ما سقط ليس الفكر الديني وحسب وإنما الفكر العلماني أيضاً، ولذا لا يوجد سوى فراغ وعدم، وعالم لا دلالة له ولا معنى ولا مركز، كله غياب بلا حضور، كله سطح بلا تجاوز أو مُثُل.
ويطرح روبنشتاين فكرة الإله باعتبار أنه العدم المقدَّس؛ الأم آكلة لحم البشر التي تلد البشر لتلتهمهم. والتاريخ الإنساني دورات متكررة، لا بَعْث فيه ولا آخرة، فالحياة تقع بين قوسي النسيان، وما الماشيَّح سوى الموت، وذروة التاريخ الإنساني العبثي هي انتصار التكنولوجيا والبيروقراطية النازية.
وفي قمة عجزه وإحساسه بغياب الإله يعود روبنشتاين للعقيدة الإلهية، لا باعتبارها عقيدة دينية وإنما باعتبارها الطريقة الخاصة التي يواجه بها اليهود الأسئلة النهائية للحياة بكل أزماتها. فاليهودية هنا ليست نسقاً دينياً، وإنما هي تركيبة فكرية (أسطورية) ذات فاعلية نفسية تُمكِّن اليهود من عملية المواجهة هذه.

وتشكل اليهودية الجديدة عودة للطبيعة وللإيقاعات الكونية للوجود الطبيعي. ولذا يدعو روبنشتاين اليهودي أن يعود إلى أولويات الطبيعة. ومن ثم يصبح معنى المشيحانية الحقيقي هو «إعلان نهاية التاريخ والعودة للطبيعة ولدورات الطبيعة المتكررة» . والخلاص النهائي لا يكون بغزو الطبيعة من خلال التاريخ وإنما غزو التاريخ من خلال الطبيعة والعودة إلى الأصول الكونية، وعلى الإنسان أن يُعيد اكتشاف قداسة حياته الجسدية ويرفض تماماً محاولة تجاوزها: فيجب عليه أن يستسلم لجسمانيته ويتمتع بها. والصهيونية والعودة للتربة هي بشائر عودة اليهودي الذي فصله اللاهوت اليهودي عن الأرض والطبيعة. والصهيونية بهذا المعنى تشير إلى تحرير اليهودي نهائياً من سلبية التاريخ وعودته إلى حيوية التجدد الذاتي من خلال الطبيعة.
ومن ثم، فيجب التأكيد على ما يُسمَّى طقوس الانتقال (من مرحلة عمرية إلى مرحلة أخرى) ، ويجب الاحتفال بها مع الاحتفاظ بأصالتها الطبيعية والكونية وقدمها. ويجب أن تتناقل الأجيال التراث اليهودي دون تغيير أو تبديل، بل يجب تأكيد الجوانب القربانية في اليهودية على حساب الجوانب العقيدية (يسميها روبنشتاين «البنيوية» ) لأن القرابين (حتى لو كانت شكلية أو اسمية أو لفظية) تُوجِّه عدوانية الشعب وتقلل من إحساسه بالذنب. وهذه عودة كاملة للحلولية الوثنية القديمة. ويُعَدُّ هذا أهم تعبير عن الحلولية بدون إله حيث يقوم الإنسان بكل الشعائر بهدف العلاج النفسي (ثيرابي therapy) ، وبهذا يتحول المعالج النفسي إلى كاهن عبادة جديدة يحل فيها محل الإله الذي تَوحَّد بالإنسان ومات. وإذا كان الأمر كذلك، فليس من الغريب أن تكون الصهيونية أنقى تعبير عن العقيدة اليهودية، داخل هذه المنظومة، ومن ثم فإن تأييدها هو جوهر الحل الذي يقدمه روبنشتاين.

نجح روبنشتاين في أن يقرن الصهيونية بالعقيدة اليهودية، بل وفي أن يعود باليهودية إلى العبادة القربانية المركزية الوثنية. كما جعل الشعائر الدينية وسيلة للتفريغ النفسي بدلاً من أن تكون حركات جسمانية يقوم بها المرء طاعةً للإله وأملاً في أن يُدخل على حياته قدراً من القداسة يساعده على كبح جماحها وتنظيم نفسه. ورغم تطرُّف أطروحة روبنشتاين، فإنها تعبِّر عن شيء جوهرى في النسق اليهودي، خصوصاً اليهودية المحافظة التي ترى اليهودية تعبيراً عن الشعب العضوي اليهودي.
ونشر روبنشتاين كتاباً آخر عام 1975 بعنوان مكر التاريخ بدأ ينظر فيه إلى الإبادة باعتبارها مجرد برامج تدار بطريقة بيروقراطية ترشيدية تهدف إلى التخلص من الفائض السكاني الناجم عن الانفجار السكاني في العالم، ويرى روبنشتاين أن يهود العالم محكوم عليهم بالاختفاء شاءوا أم أبوا.
إميل فاكنهايم (1916-)
‏Emil Fackenheim
مفكر ديني يهودي من كندا، وأحد دعاة لاهوت موت الإله. وُلد في ألمانيا، وتم ترسيمه حاخاماً فيها عام 1939، ثم هاجر إلى كندا حيث درس الفلسفة في جامعة تورنتو وحصل على درجة الدكتوراه عام 1945، وعمل أستاذاً فيها، ثم هاجر إلى إسرائيل عام 1983 حيث يعمل أستاذاً للفلسفة في الجامعة العبرية.

بدأ فاكنهايم حياته الفكرية الدينية بالتركيز على الوجود الإنساني باعتباره النقطة التي تؤدي إلى الإله، حيث ينظر الإنسان في ذاته وينتظر الكشف الإلهي (وهذه صيغة حلولية مخففة، فرغم أن الإله داخل الإنسان إلا أنه متجاوز له) . ويميِّز فاكنهايم بين الفلسفة العلمانية والعقيدة الدينية، فالفلسفة العلمانية تتعامل مع ما هو واضح ومحدد وقابل للتفسير، أما العقيدة الدينية فتتعامل مع النهائي، ومع ما لا يمكن الإفصاح عنه: الإله. وقد يتصور المرء، انطلاقاً من هذه الأطروحات، أن فلسفة فاكنهايم اكتسبت مركزاً متجاوزاً للحركة التاريخية والمادة الطبيعية، ولكننا نجد أن النزعة الحلولية عميقة متجذرة، ولهذا لا يتجاوز الإله الإنسان وإنما يحل فيه تماماً وتصبح العلاقة بين الخالق والمخلوق حوارية. وفي النهاية، فإن علاقة الشعب اليهودي بالإله تشكل مركز علاقة الإله بالبشر.
والتاريخ اليهودي الذي يجسد الهوية اليهودية هو المجال الدنيوي الزمني الذي يفصح فيه الخالق عن نفسه. فالتاريخ اليهودي تجسيد لكل من الإرادة (الهوية) اليهودية والإرادة الإلهية، وهذا الترادف كامن في الخطاب الحلولي.

ولهذا، نجد أن الهوية اليهودية هي حجر الزاوية في الفكر الديني عند فاكنهايم، فهو ينطلق من رفض ميراث عصر الاستنارة والإعتاق، وكذلك من رفض فلسفة إسبينوزا، فهذه الفلسفات طلبت من اليهودي أن يصبح إنساناً بشكل عام، وأن يطرح عن كاهله يهوديته ويكتسب هوية جديدة تتفق مع معايير الحضارة الغربية الحديثة. ولكن هذه الحضارة وفلسفتها العلمانية أثبتت فشلها، ففي أحضانها نشأت النازية وتمت الإبادة، وقد وقف اليهود عاجزين تماماً بسبب عدم المشاركة في السلطة وانعدام السيادة، ولهذا فقدت الحضارة الغربية العلمانية مشروعيتها ولم يَعُد بوسعها أن تطلب من اليهود شيئاً. ومن هنا يرفض فاكنهايم اليهودية الإصلاحية أيضاً التي تحاول أن تعيد صياغة اليهودية بما يتفق مع فكر الاستنارة.
وقد يتصور المرء أن فاكنهايم على استعداد لتَقبُّل الفكر الصوفي الحلولي اليهودي الذي يدافع عن تَفرُّد الهوية اليهودية باعتبارها شيئاً مقدَّساً. ولكننا سنكتشف أنه يرفض مفكراً مثل روزنزفايج الذي دعا اليهود إلى أن يصبحوا كياناً فريداً موجوداً خارج التاريخ لا علاقة له بحقائق السلطة والقوة السياسية. وهو يرفض هذا للسبب نفسه الذي من أجله رفض البديل الغربي، ذلك أنه يؤدي إلى العجز بسبب عدم المشاركة في السلطة.

وانطلاقاً من هذه الأطروحات الحلولية الأساسية يقدم فاكنهايم فلسفته الدينية. فالإله يعبِّر عن نفسه في التاريخ اليهودي من خلال أحداث مهمة ودالة، مثل: الخروج من مصر ونزول التوراة في سيناء، وسقوط الهيكل. وهذه الأحداث هي، في الواقع، أحداث فريدة تبدأ عصوراً جديدة وتغيِّر مسار التاريخ الذي لا يُفهَم، منذ وقوع هذه الأحداث، إلا من خلالها، وهي تلقي على عاتق اليهود والبشر جميعاً واجبات جديدة. وهذه الحوادث هي التي تميِّز بين الفترات الأصيلة التي تعبِّر عن الجوهر اليهودي والهوية اليهودية وبين الفترات غير الأصيلة التي ينحرف فيها اليهودي عن جوهره. ويرى فاكنهايم أن الإبادة النازية من أهم هذه الأحداث، فهي تحطيم للاستمرار ولأية علاقة بالماضي، وهي النقطة التي انقطعت فيها العلاقة بين الإله والبشر وثبت فيها عجز اليهود الكامل.
إن شكل استجابة اليهود للأحداث يجعل منهم إما يهوداً حقيقيين أو يهوداً زائفين. فاليهودي الأصيل الحقيقي هو الذي يدرك مغزى الحدث، فإذا كانت الأيديولوجيا النازية هي حيز العدم حيث يُفرَض على الضحية أن ينظر في هوة فارغة تماماً من المعنى ومجردة من أي أمل، وإذا كانت الإبادة هي فناء الشعب اليهودي، فإن الاستجابة الحقة هي إدراك هذه الحقيقة، وهي التي تلقي على عاتق المدرك الوعي بما يسميه فاكنهايم «الأمر الإلهي الجديد» ؛ الأمر أو الوصية (متسفاه) رقم 614، وهي «عام يسرائيل حي» ، أي «شعب إسرائيل حي (باق) » . وبوسع اليهودي الحقيقي أن يتجاهل الأوامر والنواهي السابقة كافة، ولكن لا يمكنه تجاهل هذه الوصية على وجه التحديد، فبعد الإبادة تغيَّر كل شيء.

ولكن كيف يحقق اليهود البقاء؟ يكتشف اليهود حيزاً داخلياً يمكنهم التقهقر إليه، حيث يمكنهم أن يدركوا معنى النازية باعتبارها محاولة القضاء على الحياة والهوية اليهودية والعقل الإنساني (ولنُلاحظ هنا الترادف بين «اليهودي» و «الإنساني» ) . وهم، هناك في هذا الحيز، يشعرون بمقدرة على المقاومة، وهي مقدرة من الإله: إله التاريخ اليهودي. ومقدرة اليهود على المقاومة تعني أن التاريخ اليهودي يستمر، حتى أثناء الإبادة، من خلال أفعال المقاومة التي تقوم مقام المتسفاه، أي تنفيذ الأوامر والنواهي الكبرى التي كانت تُقرِّب المسافة بين اليهودي والإله حتى يتم التوحد الكامل بينهما وينصلح الخلل الكوني (تيقون) . وانطلاقاً من هذا، يصبح واجب اليهود الديني الأساسي هو المقاومة والبقاء، وإلا أصبح النصر من نصيب هتلر. وهذا ما يُطلَق عليه أيضاً «لاهوت البقاء» ، فالبقاء هو التيقون.

ولكن هل للبقاء مضمون أخلاقي وإنساني؟ تتضح الإجابة على هذا السؤال في تعريف فاكنهايم لأهم آليات إصلاح الخلل الكوني أو الدولة الصهيونية التي هاجر إليها مائة ألف ممن بقوا بعد الإبادة. فإنشاء الدولة الصهيونية لا يقل أهمية عن حادثة الإبادة، والإيمان بالدولة الصهيونية يصبح أيضاً معياراً للتفرقة بين اليهودي الحقيقي واليهودي الزائف، فإسرائيل مطلق جديد، وهي أيضاً المكان الوحيد الذي يستطيع اليهود فيه أن يعبِّروا عن هويتهم اليهودية. وهي تحل مشكلة العجز اليهودي الذي سبَّب هذا الانقطاع بين الإله والجنس البشري، وتسمح لليهود بالمشاركة مرة أخرى في العملية التاريخية وبأن يصبحوا أصحاب سلطة وسيادة. وحينما يهاجم المصريون تل أبيب بعد إعلان استقلال إسرائيل، فإن سكان كيبوتس ياد موردخاي هم الذين يقومون بالدفاع عنها، وهو كيبوتس ينتصب فيه تمثال لأحد قادة ثوار جيتو وارسو. ويقول فاكنهايم إنه رأي صورة لأحد يهود أوربا يلبس شال الصلاة (طاليت) وهو ينحني أمام سنكي جندي نازي وبجوارها صورة لجندي إسرائيلي يرتدي الطاليت أمام حائط المبكى. وهذا هو الإصلاح (تيقون) بعينه، الذي سيستمر ما دام أحد الباقين أحياء بعد أوشفيتس يستيقظ يومياً في الفجر ليصلي عند حائط المبكى ثم يعود للكيبوتس ليؤدي عمله. والصلوات التي تقيمها دار الحاخامية الكبرى في إسرائيل هي التي ستضع الدولة الصهيونية على بداية فجر الخلاص.
أما خارج إسرائيل، فيتلخص التيقون فيما يلي:
1 ـ الإصرار على احتكار اليهود، واليهود وحدهم، للإبادة النازية، فهم وحدهم الضحية.
2 ـ تأييد دولة إسرائيل بلا شروط، والصعود للدولة هو ضرب من ضروب الندم، والإقامة فيها مشاركة في عملية إصلاح الخلل الكوني.

ولا يوجد جديد البتة في فكر فاكنهايم، فهو مجرد تحديث لكل أفكار الحلولية اليهودية، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية التي تصل إلى درجة من الحلولية تجعل الشعب اليهودي امتداداً للخالق في التاريخ، وتجعل القيم الأخلاقية غير ذات موضوع. ومن ثم يصبح المطلق الديني الأوحد هو بقاء اليهود واستمرار دولة إسرائيل، والفعل الأخلاقي السليم الوحيد هو تأييدها دون تساؤل، حتى لو أتت بكل الأفعال الإرهابية الممكنة.
ومن أهم أعمال فاكنهايم: البُعد الديني في فكر هيجل (1968) ، ووجود الإله في التاريخ (1970) ، والعودة اليهودية إلى التاريخ (1978) ، والكتاب المقدَّس اليهودي بعد الإبادة (1991) .
إليعازر بركوفيتس (1908-1992 (
‏Eliezer Berkovits
حاخام ومفكر ديني يهودي. وُلد في ترانسلفانيا، وعمل حاخاماً في برلين، ثم في ليدز (إنجلترا) . وبعد ذلك، سافر إلى أستراليا ومنها إلى الولايات المتحدة حيث استقر فيها وقام بالتدريس في كلية لاهوتية يهودية في شيكاغو.
تناولت دراسته الأولى نحو يهودية تاريخية (1943) التوتر بين الصهيونية والتقاليد اليهودية الدينية، ثم كتب بعد ذلك عدة دراسات من بينها الإله والإنسان والتاريخ (1959) ، ونقد يهودي لفلسفة مارتن بوبر (1962) واليهودية: حفرية أم خميرة (1965) ، وهذا الكتاب الأخير رد على المؤرخ أرنولد توينبي.
وقد تناولت أعماله الأخيرة الدلالة الدينية للإبادة النازية ليهود الغرب، ومن ثم فهو ينتمي إلى ما يُسمَّى «لاهوت الإبادة» . ويرى بركوفيتس أن استجابة اليهود للإبادة لابد أن تشبه استجابة أيوب لما لحق به من محن، فيجب أن يؤمن اليهود بالإله لأن أيوب آمن به. فالإله كان مختبئاً في أوشفيتس، ولكنه كان موجوداً رغم اختبائه؛ وهو إله مختبئ يرسل الخلاص للناس، وفي هوة العدم يظل مخلصاً لإسرائيل.

وتظهر أفكاره هذه في كتاباته الأخيرة: الإيمان بعد الإبادة النازية (1973) ، والأزمة والإيمان (1976) ، ومع الإله في جهنم (1979 (.
آرثر كوهين (1928-1987 (
‏Arthur Cohen
روائي أمريكي وناشر ومؤرخ للفنون وعالم لاهوت يهودي. وُلد في نيويورك، وتَلقَّى دراسته العليا في مدرسة اللاهوت العليا في نيويورك، وقد أسس نونداي برس عام 1951 وميريديان بوكس عام 1956. كما أسس عام 1960 دار نشر اكس ليبريس وعمل فيها محرراً حتى عام 1974. وكلها من دورالنشر المهمة في الولايات المتحدة. وكتب كوهين العديد من المقالات عن موضوعات يهودية شتى، كما كتب عدة روايات في موضوعات يهودية وغير يهودية. وأهم دراساته هي اليهودي الطبيعي واليهودي غير الطبيعي الخرافي (عام 1962) ويذهب فيها إلى أن الفكر والوجدان اليهودي (منذ عصر التنوير) ينظران لليهودي باعتباره ظاهرة إنسانية طبيعية عادية مرتبطة تماماً باهتماماته الاجتماعية والسياسية المباشرة، وقد أدَّى هذا الموقف إلى إهمال ما يسميه كوهين «اليهودي الخرافي» ، أي يهودي الميثاق الواعي بمسئوليته عن ضرورة تأكيد تجاوز الطبيعة والمادة. ومهمة اللاهوت اليهودي هي تأكيد اليهودي الخرافي، أي اليهودي الذي يتجاوز الطبيعة والتاريخ، وكأنه لا علاقة له بهذه الدنيا أو هذا الزمان. ويرى كوهين أن اليهودية مهددة بالفناء إن لم تتم هذه العملية. والأمر الذي زاد من الحاجة إلى ذلك الإبادة النازية لليهود حيث قوَّضت كثيراً من دعائم الإيمان لدى اليهود، وهذا الموضوع يجد صداه في روايات كوهين. وتجب ملاحَظة أن العنصر المتجاوز للطبيعة والتاريخ ليس الإله بمفرده وإنما الإله واليهودي الخرافي، أي أن نسق كوهين نسق حلولي متطرف يضع اليهود وحدهم داخل دائرة القداسة. بل إن كوهين يجعل اليهودي مركز الحلول الإلهي، وهو ما يشي بأثر اللاهوت المسيحي، مع الفارق، فبينما حصر اللاهوت المسيحي الحلول في المسيح الذي يُصلَب ويقوم (ومن ثم فهو

حلول مؤقت ومحدَّد) فإن كوهين يجعل اليهودي (ومن ثم كل اليهود) موضع الحلول.
ويُطالب كوهين بإعادة تأسيس اليهودية وهي مهمة صعبة بسبب الإبادة النازية ولكن عدم القيام بهذه المهمة يعني ترك اليهودية تسقط في قبضة الإيمان الأعمى والمشاعر البدائية. ويبيِّن كوهين في كتابه الشيء الرهيب: تفسير لاهوتي للهولوكوست أن الاحتماء بيهودية بدائية يجعل من المستحيل استعادة اليهودية كدين متجاوز للطبيعة.
وليس هناك جديد في آراء كوهين، فهي إعادة إنتاج لكثير من أفكار القبَّالاه اللوريانية، ولكن خطورتها تنبع من أنها، بتأكيدها خرافية اليهود وعجائبيتهم، تنكر إنسانيتهم، إذ أن الاتجاه نحو تقديس اليهود يعني إنكار أنهم بشر، وهذا ما يفعله المعادون لليهود. وهذا مَثَل آخر لتلاقي الفكر النازي والفكر الصهيوني، فكلاهما فكر مشيحاني علماني.
وتوجد أصداء لهذه الموضوعات في روايات كوهين: سنوات النجار (1967) ، وفي أيام سيمون ستيرن (1973) ، وبطل في أيامه (1976) ، وسرقات (1980) ، وامرأة عظيمة (1983) . وحرَّر آرثر كوهين مع بول منديس فور كتاباً بعنوان الفكر الديني اليهودي المعاصر (1987) .
لاهوت التحرير
‏Liberation Theology

«لاهوت التحرير» حركة دينية في العالم الغربي المسيحي ظهرت في صفوف المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت ابتداءً من أوائل الستينيات، لكن أطروحاتها تحدَّدت وتبلورت في منتصف السبعينيات. وتَصدُر الحركة عن الإيمان بأن العقيدة الدينية هي في جوهرها رؤية ثورية للواقع ترى أن الإيمان الديني لا يعبِّر عن نفسه من خلال إقامة الشعائر الدينية وحسب، وإنما أيضاً من خلال الدفاع عن قيم العدل والمساواة الاجتماعية وحقوق الأقليات والمضطهدين ضد الاحتكارات العالمية وقوى الرجعية والطغيان العالمي، أي أنه موقف ديني يؤدي إلى تَبنِّي ما يُسمَّى «قيم التحرير» (ومن هنا التسمية) . ودعاة لاهوت التحرير يتمردون أيضاً على المؤسسات الدينية القائمة باعتبارها مؤسسات تم استيعابها في المؤسسات الحاكمة، سواء المحلية الرجعية أو العالمية الإمبريالية، ولهذ أصبحت هذه المؤسسات، من منظور دعاة لاهوت التحرير، امتداداً للسلطة توظِّف الدين والشعائر الدينية في خدمة مؤسسات الطغيان والظلم.
وكما هو الحال دائماً، تأثر الفكر الديني اليهودي بلاهوت التحرير المسيحي. وكما أدَّت حركة الإصلاح الديني إلى ظهور اليهودية الإصلاحية، وكما أدَّت الحركة المعادية للاستنارة بتأكيدها روح الشعب وروح الأرض إلى ظهور اليهودية المحافظة، وكما أدَّى ظهور موت الإله في المسيحية إلى ظهور مدرسة دينية مماثلة في اليهودية، فإن ظهور لاهوت التحرير في صفوف المسيحيين كان له صداه في صفوف أعضاء الجماعات اليهودية. ولكن، كما هو الحال دائماً، نجد أن هناك مرحلة زمنية تفصل بين الصوت والصدى، وأن لاهوت التحرير ظهر بين اليهود في الثمانينيات.

ولكن لاهوت التحرير اليهودي ذو خصوصية يهودية نابعة من وضعه الخاص. فلاهوت التحرير اليهودي هو تَمرُّد على لاهوت موت الإله في صيغته اليهودية. ولاهوت موت الإله - كما أسلفنا - هو في جوهره حلولية وثنية بدون إله (وحدة وجود مادية) ، وعودة إلى المطلقات القومية وإلى تقديس الذات القومية متمثلة في التاريخ القومي. لكن التاريخ القومي اليهودي هو تاريخ اليهود وحسب؛ تاريخ يستبعد الآخرين، أي أنه عودة إلى الانغلاق الوثني اليسرائيلي. ويدور تاريخ اليهود المقدَّس حول الأحداث التي تقع لليهود في التاريخ الزمني وحول الأفعال التي يأتون بها. ويرى دعاة لاهوت موت الإله أن أهم حدث هو الإبادة النازية وأن أهم فعل هو ظهور دولة إسرائيل. والإبادة ـ حسب لاهوت موت الإله ـ حدث مطلق في التاريخ ينهض دليلاً على موت الإله وغيابه، ولكن هذا الشعب يدور حول نفسه ويصبح هو نفسه المطلق الوحيد ويؤسس دولة إسرائيل التي تنهض دليلاً على مقدرة هذا الشعب على البقاء وعلى مقدرته على التخلص من عجزه. ومن ثم، فإن إسرائيل تصبح ـ بالنسبة لدعاة لاهوت موت الإله ـ القيمة المطلقة التي يصبح بقاؤها بأي ثمن هدفاً مطلقاً للشعب اليهودي.

وينطلق لاهوت التحرير من رفض هذه الحلولية الكمونية الوثنية ومن رفض إضفاء المطلقية على اليهود وتاريخهم. فالإبادة النازية حَدَث تاريخي مهم ولا شك، ولكنها ليست البداية والنهاية في حياة اليهود، كما أنها ليست النمط المتكرر في حياة اليهود في العالم، فقد حدثت تحولات جوهرية لليهود، ومن ثم فلابد من التمييز بين أوضاع اليهود قبل الإبادة وبعدها. فيهود الدياسبورا يعيش معظمهم الآن في سلام في الولايات المتحدة، وهي بلد لا تعرف تقاليد معاداة اليهود ولا تمارس تمييزاً ضدهم، وقد حقق اليهود فيها قدراً عالياً من الحراك الاجتماعي والاندماج، والمنفى لم يعد منفى. غير أن لاهوت موت الإله (في تصوُّر دعاة لاهوت التحرير) يتجاهل هذه الحقائق ويضع اليهود داخل قالب جامد: دور الضحية الأزلية الذي يحتكر الاضطهاد لنفسه، ولذا فإن لاهوت التحرير لا يذكِّر اليهود بأوضاعهم المتميِّزة في الوقت الحالي والتي تجعل الإبادة حديثاً مملاًّ معاداً لا علاقة له بالواقع، وإنما يذكِّرهم أيضاً بضحايا الإبادة الآخرين، بل ويذكِّرهم بضحاياهم، أي الفلسطينيين (فتاريخ الفلسطينيين أصبح جزءاً من تاريخ اليهود) .

والشيء نفسه ينطبق على دولة إسرائيل، فهي جماعة يهودية مهمة، ولكنها ليست الجماعة اليهودية الوحيدة (المطلقة) ، ولا هي مركز الوجود اليهودي ولا سمة الوجود اليهودي الوحيدة. وهي ليست مضطهدة مهددة بالإبادة، وإنما هي دولة مسلحة تحرك جيوشها لتضرب جيرانها وبعض سكانها، أي أن وضع الدولة، مثله مثل وضع يهود العالم، قد تغيَّر. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يذهب لاهوت التحرير إلى أن اليهود واليهودية فقدا براءتهما مع احتلال إسرائيل للضفة الغربية، ومع اندلاع الانتفاضة التي أصبحت نقطة حاسمة في التاريخ اليهودي وفي تاريخ اللاهوت اليهودي. فلم تَعُد الدولة تعبيراً عن رغبة اليهود في التخلص من عجزهم وفي تأكيد إرادتهم، وإنما أصبحت تعبيراً عن إرادة البطش والعنف. بل إن استمرار بقاء الدولة أصبح متوقفاً على موت الأطفال الفلسطينيين، أي إبادتهم! وإذا كان لاهوت موت الإله يُصر على أن الإجابة عن أي سؤال غير ممكنة إلا في حضور الأطفال اليهود المذبوحين، فإن الانتفاضة تواجه الدولة اليهودية واليهود بالسؤال نفسه: إذا كان اليهود يتذكرون عذاب الإبادة وقسوتها، فماذا عن عذاب الفلسطينيين؟ لكل هذا لا يمكن الحديث عن مستقبل اليهود أو عن الهوية اليهودية إلا في ضوء هذا التحول التاريخي. وقد عَرَّفت الإبادة اليهود بأنهم «من ذبحهم هتلر» ، لكن الانتفاضة تطرح أسئلة جديدة: إذا كان اليهود يَعْرفون من كانوا بعد أن حُفرت الإبادة في وجدانهم، فهل يَعْرفون ماذا أصبحوا بعد أن قامت الانتفاضة وكَسَّرت الدولة الصهيونية عظام الأطفال؟ إن من الطبيعي أن يتذكر اليهود أوشفيتس وتربلينكا، ولكن عليهم أيضاً أن يتذكروا صابرا وشاتيلا.

هذا على مستوى قراءة التاريخ، وعلى مستوى تعريف الهوية، أما على المستوى الأخلاقي، فإن الدولة لم تَعُد مطلقاً بعد فك المطلقات الحلولية الوثنية. فإذا كانت الإبادة حدثاً مهماً وليست مطلقاً، فما المطلق إذن؟ يؤكد لاهوت التحرير أن المطلق الوحيد هو القيم الأخلاقية التي وردت في التراث الديني اليهودي (الذي يعرِّفونه تعريفاً إنسانياً عالمياً) . ولذا، فإن بقاء الدولة ليس أمراً كافياً، والتخلص من العجز لا يَجُبُّ التساؤلات الأخلاقية، فمن يحصل على السيادة يمكنه أن يستخدمها في الخير أو البطش. وبالمثل، فإن السيادة ليست ميزة خالصة وإنما لها مخاطرها. ومن ينجز معجزة البقاء يمكن أن يكون خيِّراً أو شريراً، ومن يُكلَّف بالرسالة (الاختيار) يمكنه أن يخونها. ولذا، يقرر لاهوت التحرير أن إسرائيل ليست فوق يهود العالم أو فوق ضمائرهم. ولذا فعليهم الالتزام بالقيم الأخلاقية وحدها، وإذا تحركوا فعليهم أن يتحركوا لا لتأكيد أهمية إسرائيل والدفاع عن بقائها، وإنما لتأكيد القيم الأخلاقية المطلقة. ولن يتم إصلاح الخلل الكوني (تيقون) من خلال الدولة وإنما من خلال الأفعال الأخلاقية الخيرة. ويجب على اليهود أن يقفوا لا ضد ذبح الأطفال اليهود على وجه الخصوص وإنما ضد ذبح أي أطفال، وضمنهم الأطفال الفلسطينيون. ويجب على اليهود أن يلجأوا لكل شيء، وضمن ذلك العصيان المدني، لوضع القيم الأخلاقية المطلقة موضع التنفيذ.

ويُلاحَظ أن الإيقاع العام للفكر الديني اليهودي لا يزال كما كان منذ بدايته، فقد كان هناك دائماً دعاة الوثنية أو القومية أو الحلولية (الكهنة أو الملوك) الذين يَصدُرون عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي، وكان هناك دعاة الأخلاق العالمية والشاملة (الأنبياء وبعض الحاخامات) الذين يدورون في نطاق الإطار التوحيدي. كما أن التوتر بين لاهوت موت الإله ولاهوت التحرير هو نفسه التوتر القديم بعد أن تصاعدت حدته بسبب تصاعد معدلات العلمنة وبعد أن أصبح الخطاب الوثني أكثر صَقْلاً وأكثر إلماماً بالخطاب الديني وأكثر امتلاكاً لناصيته. ويبدو أن حسم مثل هذا الصراع أمر صعب للغاية بسبب التركيب الجيولوجي لليهودية الذي يوفر لكل المتحاورين إمكانية أن يجدوا سوابق وشواهد تدعم وجهة نظرهم وتعطيهم شرعية دينية.
وقد تصاعدت حدة لاهوت التحرير مع تصاعد حدة الانتفاضة، فالانتفاضة هي التي أثبتت أمام الجميع أن الدولة الصهيونية ليست مطلقاً وأن التاريخ اليهودي ليس مقدَّساً وأن أرض فلسطين ليست أرض ميعاد تنتظر سكانها (فهي ليست سوى أرض مأهولة بسكانها الذين يحيون ويموتون ويحبون ويجاهدون) . ويُلاحَظ في الحوار اليهودي المسيحي، أن المحاورين اليهود كانوا يصرون على ضرورة قبول الدولة اليهودية باعتبارها مطلقاً دينياً، ثم أخذوا يتنازلون عن هذا المطلب. ومن أهم مفكري لاهوت التحرير آرثر واسكو ومارك إليس.
آرثر واسكو (1933-)
‏Arthur Waskow

مفكر ديني أمريكي يهودي. وُلد في بلتيمور، وعمل بعض الوقت كمساعد لأحد أعضاء الكونجرس الأمريكي، ثم انخرط في الستينيات في حركة الحقوق المدنية وحركة السلام المعادية لحرب فيتنام. مر بتجربة دينية عميقة جعلته يرفض الأساس العلماني لاتجاهه السياسي ويتبني اليهودية كعقيدة ورؤية للكون، ولذا فهو يُعَدُّ من أهم العائدين (بعلي تشوبفاه) إلى العقيدة اليهودية. ولكنه بدلاً من الانغلاق عليها، والسقوط في الحلولية الوثنية، نادى بأن اليهودية الحاخامية دعوة لاكتشاف الذات، وإلى المساهمة في بناء العالم حتى يصبح العالم مكاناً صالحاً لا لليهود وحسب وإنما لغير اليهود كذلك. وهو يرى أن الإبادة النازية وإسرائيل ليست حقائق نهائية، وإنما هي حقائق تاريخية في مسيرة العقيدة اليهودية، ومن ثم فإنه لا يُضفي على أيٍّ منها قيمة مطلقة ولا يجعل أياً منها المرجعية النهائية والوحيدة لفكره، أي أنه يرفض لاهوت موت الإله. ولذا، فإنه، حتى بعد أن أصبح من العائدين لدينهم، لم يتخل عن مواقفه السياسية الرافضة للاستغلال والتفرقة العنصرية والحرب، بل استمر فيها. وحاول واسكو اكتشاف عناصر داخل العقيدة اليهودية تدعم موقفه، فاقترح إعادة بعث شعائر سنة اليوبيل (وهي السنة التي يتم فيها إعتاق العبيد وتوزيع الأراضي الزراعية) بعد أن تُعطَى هذه الشعائر مضموناً عصرياً، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يُعطَى الفقراء قروضاً دون فوائد.

وواسكو عضو في كثير من الجمعيات اليهودية التي تأخذ موقفاً غير صهيوني من إسرائيل، فلا ترى أن إسرائيل مركز اليهود واليهودية، وتعارض مفهوم تصفية الجماعات اليهودية، وتطالب الدولة الصهيونية بالالتزام بالقيم الأخلاقية اليهودية. ومن هذه الجمعيات جماعة بريرا، وجماعة الأجندة اليهودية الجديدة. ويمكن اعتبار واسكو من أهم دعاة لاهوت التحرر داخل العقيدة اليهودية. وله عدة مؤلفات من أهمها وهذه الشرارات الإلهية (1983 (ويساهم واسكو في تحرير مجلات يهودية مثل مجلة تيقون.
العائدون (بعلي تشوباه)
‏Baalei Teshuva
«العائدون» هو الترجمة العربية للمصطلح العبري «بعلي تشوَّباه» . و «العائدون» اصطلاح يُطلَق على اليهود العلمانيين الذين تركوا تراثهم الديني وقيمه الأخلاقية بعض الوقت ولكنهم يعودون في نهاية الأمر إلى حظيرة الدين، ومعظمهم من يهود الولايات المتحدة من سكان الضواحي أعضاء الطبقة الوسطى الذين رفضوا القيم البورجوازية لمجتمعهم وانضموا إلى الحركات الداعية لوقف الحرب في فيتنام كما انضموا إلى حركة الحقوق المدنية. وهم من المؤمنين بأن الحضارة الحديثة حضارة خالية من المعنى، وأن الرفاهية التي تأتي بها لا تؤدي بالضرورة إلى السعادة. والطريق بالنسبة إلى هؤلاء ليس هو العبادات الجديدة، وإنما العودة إلى العقيدة اليهودية وإعادة اكتشافها. وكثيرون منهم يرفضون الصهيونية باعتبارها حركة علمانية، وهم في هذا يحذون حذو نيثان بيرنباوم المفكر الديني الأرثوذكسي.

وينضم بعض هؤلاء إلى معاهد دينية، ويُعيدون صياغة حياتهم حسبما تتطلب الشريعة اليهودية، ويتبنون القيم الأخلاقية التي يحض عليها دينهم. والواقع أن هذه الظاهرة نفسها توجد في إسرائيل كذلك، وهي ظاهرة تعبِّر عن أزمة العلمانية في العالم. والمفكر اليهودي الأمريكي آرثر واسكو، شأنه شأن كثير من الشباب اليهودي الذي اشترك في حركات التمرد اليسارية في الستينيات، انخرط في صفوف الجماعات الداعية للاهوت التحرر وأصبح من العائدين.

الصهيونية - تاريخ الصهيونية - الصهيونية الإثنية الدينية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الصهيونية الثقافية
‏Cultural Zionism
«الصهيونية الثقافية» مصطلح شائع في الأدبيات الصهيونية. وهو، مثل كثير من المصطلحات الصهيونية، غير دقيق ويرادف مصطلح «الصهيونية الروحية» .
وتذهب الصهيونية الثقافية إلى أن المشروع الصهيوني لابد أن يكون ذا بُعْد ثقافي إثني وروحي (بالمعنى العلماني للكلمة) . ونقترح اصطلاح «صهيونية إثنية علمانية» بديلاً لهذا المصطلح، لأن الصهيونية الإثنية تجعل الإثنوس اليهودي (أي الشعب اليهودي أو روحه) بمنزلة اللوجوس أو المطلق الكامن في النسق.
الصهيونية الروحية
‏Sprititual Zionism
«الصهيونية الروحية» مصطلح شائع في الأدبيات الصهيونية، وهو مرادف لمصطلح «الصهيونية الثقافية» . وهو أيضاً، مثله مثل معظم المصطلحات الصهيونية، غير دقيق. وتذهب الصهيونية الروحية إلى أن المشروع الصهيوني لابد أن يعبِّر عن روح الأمة اليهودية (أي إثنيتها) . ولذا، فنحن نشير إليها بمصطلح «الصهيونية الإثنية العلمانية» .
الصهيونية العلمانية
‏Secular Zionism
نستخدم أحياناً مصطلح «الصهيونية العلمانية» بدلاً من «الصهيونية الإثنية العلمانية» من قبيل الاختصار. وما نعنيه بطبيعة الحال هو المصطلح الثاني.
الصهيونية الدينية
‏Religious Zionism

«الصهيونية الدينية» مصطلح يشير إلى التيار الصهيوني الذي يرى ضرورة أن يكون المشروع الصهيوني مشروع إحياء ديني، وأن رسالة الصهيونية هي إحياء اليهودية (لا اليهود) ، ونحن نفضل مصطلح «الصهيونية الإثنية الدينية» لأن هذه الصهيونية تنظر إلى الدين من منظور حلولي عضوي يساوي بين الشعب والإله، ويجعل الشعب (والإثنية اليهودية) في منزلة الإله. وعلاوة على ذلك، فإن مصطلح «الصهيونية الإثنية الدينية» يؤكد العلاقة بين هذا التيار الصهيوني وتيارالصهيونية الإثنية العلمانية، فهما تياران متشابهان في كثير من الأطروحات الجوهرية، وينحصر الاختلاف في مصدر القداسة التي يتمتع بها الإثنوس أو الشعب اليهودي. ومع هذا نستخدم مصطلح «الصهيونية الدينية» أحياناً من قبيل الاختصار. وما نعنيه بطبيعة الحال هو «الصهيونية الإثنية الدينية» .
الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية (
‏Ethnic Zionism (Religious and Secular)
» الصهيونية الإثنية» تيار صهيوني يتعامل مع المادة البشرية اليهودية من منظور الهوية والوعي ومعنى الوجود. وقد ساهم هذا التيار في تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة عن طريق إسقاط المصطلحات الحلولية العضوية عليها وهي تتفرع إلى اتجاهين أو تيارين: صهيونية إثنية دينية وصهيونية إثنية علمانية. والصهيونية الإثنية الدينية تدور في إطار الحلولية في مرحلة وحدة الوجود الروحية، أما الصهيونية الإثنية العلمانية فتدور في إطار الحلولية في مرحلة وحدة الوجود المادية (فهي حلولية بدون إله (
ويرى أصحاب التيار الأول أن الدين اليهودي هو أساس القومية اليهودية ولا يمكن أن تقوم لها قائمة بدونه، أما أصحاب التيار الثاني فيذهبون إلى أن الدين اليهودي إن هو إلا أحد أبعاد القومية اليهودية. وكلا الفريقين يدعو إلى الإثنية اليهودية ولا يختلفان إلا في مصدر هذه الإثنية: أهو العقيدة اليهودية أم ما يسمونه «التاريخ اليهودي» و «الثقافة اليهودية» .

ويجدر التنبيه إلى أن هناك وحدة بين تياري الصهيونية الإثنية وتماثلاً في الاتجاه، فكلاهما يجعل الشعب اليهودي شيئاً مطلقاً مقدَّساً يتسم بالوحدة العضوية. ولكن، بينما يُفسِّر التيار الإثني الديني هذا التماسك العضوي على أساس ميتافيزيقي (حلول الإله في الشعب) ، يفسر الفريق العلماني التماسك على أساس مادي (العملية التاريخية) أو روح الشعب (أو ما نسميه حلولية بدون إله) . وقد وصل بن جوريون فيما بعد إلى صيغة توفيقية حين صرح بأنه إذا كان الإله قد اختار الشعب فإن الشعب قد اختار الإله. وعلى كل حال، فإن الحاخام إسحق كوك كان كثيراً ما ينسى صيغته الحلولية ويستخدم الصيغة العضوية دون حياء أو ديباجات. وقد اختتم إحدى مقالاته قائلاً: "ستتحقق عودتنا فقط إذا ما رافقت عظمتنا الروحية العودة إلى الجسد من أجل خلق جسم صحيح قوي وعضلات قوية تغلف روحاً ملتهبة"، وهذه العبارات تليق بنيتشه وآحاد هعام.

ويمكن القول بأن ثمة تقسيماً واضحاً بين تيارات الصهيونية الثلاثة الأساسية. فتتركز مهمة الصهيونية الدبلوماسية ثم العامة (التوطينية) في ضمان الدعم الإمبريالي وتجنيد أعضاء الجماعات اليهودية وراء المُستوطَن الصهيوني وترحيل الفائض منهم. وكانت مهمة الصهيونية العمالية (الاستيطانية) هي توطين هذا الفائض في فلسطين من خلال مؤسسات استيطانية مختلفة ذات طابع زراعي عسكري. وعلى هذا، فإن لكل صهيونية منها برنامجاً سياسياً واقتصادياً يغطي مجالها ونشاطاتها. أما الصهيونية الإثنية، بشقيها الديني والعلماني، فلم يكن يعنيها كثيراً التوجه الاقتصادي أو السياسي، ذلك أنها كانت تتعامل مع مستوى التعبير والوعي ومعنى الوجود. وقد حدَّدت مجالها بأنه "اليهود" أينما كانوا في الداخل والخارج، فهم شعب متميِّز ذو تاريخ متميِّز، وحددت وظيفتها بأنها الإتيان بالعلاج الناجع لمشاكل اليهود الروحية (مشكلة المعنى) ، وخلق الوعي اليهودي، وتطهير الفكر الصهيوني من المفاهيم الاندماجية كافة، وتعميق مفهوم الشعب اليهودي بالإصرار على هوية يهودية محددة للمشروع الصهيوني بحيث لا يكون هدفه أن يصبح اليهود شعباً مثل كل الشعوب، له دولة مثل كل الدول، وإنما يهدف إلى تعميق الهوية والوعي اليهوديين وإلى إضفاء معنى يهودي على الوجود اليهودي سواء في فلسطين أو خارجها.
والدولة التي ستُؤسَّس ـ من منظور الصهيونية الإثنية ـ يجب ألا تكون دولة يهود وحسب وإنما يجب أن تكون دولة يهودية شكلاً ومضموناً. ويهدف هذا التيار إلى فرض العزلة الإثنية على اليهود في الخارج حتى يمكن تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية وراء المُستوطَن وإعطاء المستوطنين في الداخل إطاراً عقائدياً ذا بعد زمني بحيث يمكن إضفاء القداسة على الرموز القومية فتتحول فلسطين إلى مركز روحي (بالمعنى الإثني الديني أو بالمعنى الإثني العلماني (

كما تَجدُر ملاحظة أن دعاة الخطاب الإثني باتجاهيه الإثني الديني والإثني العلماني، نظراً لتركيزهم على مشاكل الهوية، لم يكن لهم فكر سياسي أو اقتصادي مستقل. فقد تركوا هذه الصياغات لبنسكر وهرتزل وبوروخوف وجابوتنسكي وغيرهم من الصهاينة، وركزوا هم على الديباجات الإثنية أكثر من تركيزهم على الأمور السياسية أو الاقتصادية، فهم يتحدثون عن لغة الدولة القومية ونوعية القوانين التي ستسود فيها (من منظور إثني) وعلاقتها بالتراث اليهودي ومدى توافق سلوك مستوطنيها مع القيم الإثنية (الدينية أو العلمانية) اليهودية. وقد اهتموا كذلك بالمشاريع الثقافية التي تُوحِّد وعي يهود العالم، وبعلاقة يهود العالم بالدولة المزمع تشييدها.
ولا يعني هذا أنهم لم يكونوا ملتزمين بالصيغة الأساسية الشاملة (ولا بالإيمان بأزلية معاداة اليهود أو بفكرة الشعب أو الاعتماد على الدول العظمى) . فكل فكرهم ينطلق منه ويفترضه ويستند إليه. وإذا كان آحاد هعام قد تَذبذَب لفترة قصيرة بشأن ضرورة إنشاء الدولة الصهيونية، إلا أن هذا التذبذب لم يَدُم طويلاً، كما أنه لم يعارض قط فكرة نَقْل الفائض اليهودي من شرق أوربا إلى فلسطين. وإذا كان ذبح العرب قد سبَّب له بعض القلق لبعض الوقت، فإنه استمر في دعم المشروع الصهيوني وإسداء النصح لوايزمان في الفترة التي سبقت وعد بلفور. وقد استوطن هو نفسه فلسطين في نهاية الأمر دون أن يبين كيف يمكن تنفيذ المشروع الصهيوني دون التخلص من العرب. أما بالنسبة إلى المتدينين، فإن الأمر لا يختلف كثيراً. وأثناء ثورة 1929 في فلسطين، اتهم كوك البريطانيين بالتقاعس عن حماية اليهود، كما اتخذ موقفاً متشدداً أثناء الانتفاضة التي قامت دفاعاً عن البراق (حائط المبكى (

وبالنظر إلى عدم تَعارُض مجال الصهيونية الإثنية مع مجالات الصياغات الصهيونية الأخرى، فإننا نجد أن معارك دعاة هذا التيار كانت تدور إما فيما بينهم، أو بينهم وبين قيادة أحباء صهيون ودعاة الصهيونية الدبلوماسية فيما يختص بالقضايا الدينية والثقافية وحدها. وقد وقع أحد التصادمات بين الإثنيين الدينيين وقيادة جماعة أحباء صهيون عام 1888 ـ 1889، وهي سنة سبتية يُحرَّم فيها على اليهود زراعة الأرض حسب التعاليم الدينية اليهودية. ولا يسري هذا التحريم إلا بعد عودة اليهود إلى أرض الميعاد واستعادتهم إياها، كما أنه لا يسري إن كانت الأرض ملكاً للأغيار. ولكن المستوطنين اليهود استمروا مع هذا في زراعتها رغم ملكيتهم لها. وقد تَطوَّع الحاخام موهيليفر وأفتى بإمكانية بيع الأرض إلى أحد الأغيار، فتعود إلى غير اليهود، ويحل لليهود بالتالي زراعتها (وهو أمر استمر حتى الوقت الحاضر إذ تقوم الدولة الصهيونية ببيع أرض إسرائيل كل ست سنوات إلى أحد المواطنين غير اليهود ثم تشتريها منه مرة أخرى بعد انتهاء السنة السبتية!) . وقد حاول المتدينون عزل بنسكر في مؤتمر جماعة أحباء صهيون الذي عُقد في دروسكينكي (1887) ، ففشلوا في ذلك ولكنهم نجحوا في تعيين ثلاثة حاخامات في اللجنة التنفيذية.
وقد حدث أيضاً حوار ساخن بين الإثنيين العلمانيين وصهاينة أحباء صهيون التسلليين عندما كتب آحاد هعام إحدى مقالاته "ليس هذا هو الطريق" ليبين أن المتسللين إلى فلسطين فقدوا هويتهم اليهودية واستوعبتهم عملية البقاء المادي وأهملوا عالم الروح والهوية. ثم تَحوَّل هذا الحوار الساخن إلى نقد صريح لمشروع هرتزل وفكره فيما بعد. وقد بلغ رفض آحاد هعام الصيغة الهرتزلية مداه حينما اقترح في مؤتمر منسك (الذي عقده الصهاينة الروس عام 1902) الانشقاق عن المنظمة الصهيونية لتأسيس منظمة صهيونية ثقافية مستقلة تدافع عن الخطاب الإثني بين اليهود أينما كانوا.

وقد احتدم النزاع كذلك بين دعاة اتجاهي الخطاب الإثني. ولذا، فقد اضطر العلمانيون حينما ازداد نفوذ الدينيين في مؤتمر فلنا (1889) إلى تأسيس جماعة بني موسى (على غرار المحافل الماسونية) ولكنها حُلَّت عام 1897.
وقد حُسم الصراع بين الصهاينة الإثنيين والصهاينة الذين لا يهتمون كثيراً بالإثنية مع صدور وعد بلفور. ومع استيلاء العناصر اليهودية من شرق أوربا على المنظمة، وتقسيم العمل بين التوطينيين والاستيطانيين، وقد أصبحت الهوية اليهودية الرقعة المشتركة بين الجميع، وتَقبَّل الصهاينة التوطينيون فكرة الهوية اليهودية ما دامت لا تتعارض مع ولائهم لأوطانهم. ولكن الصراع داخل التيار الإثني استمر بين الدينيين والعلمانيين (إذ أن الصراعات الأخرى بين التيارات الصهيونية الأخرى تتم على المستوىين السياسي والاقتصادي) . ومن أهم الصراعات التي تدور بين الاتجاهين، الصراع بشأن الهوية اليهودية (من هو اليهودي؟) .

وكما أسلفنا، فقد نشبت الخلافات عدة مرات بين الفريقين الإثني الديني والإثني العلماني، وتم تعليق الخلاف في برنامج بازل. وأثناء إعداد وثيقة إعلان الدولة (التي يُقال لها وثيقة «إعلان استقلال إسرائيل» ) ، نشب خلاف بين الصهاينة الدينيين والصهاينة العلمانيين حول عبارة "واضعين ثقتنا في الإله" التي أصر المتدينيون على ذكرها في الديباجة. وقد حُلَّ الخلاف عن طريق صياغة صهيونية مراوغة، ألا وهي عبارة «تسور يسرائيل» التي تعني حرفياً «صخرة إسرائيل» ، وهي عبارة غامضة تؤدي معنى لا دينياً لللادينيين ومعنى دينياً لدعاة الصهيونية الدينية. ويبدو أن الدينيين حاولوا كذلك أن تشير الديباجة إلى الوعد الإلهي لجماعة يسرائيل ولكنهم أخفقوا. ولكي يتم إرضاؤهم، جاءت الديباجة مبهمة تحمل كل المعاني الممكنة: "إرتس يسرائيل هي المكان الذي وُلد فيه الشعب اليهودي، وهنا اكتسبت هويتهم الروحية والدينية والسياسية شكلها، وهنا شيَّدوا أول دولة لهم وخلقوا قيماً حضارية ذات مغزى قومي عالمي، وأعطوا العالم كتاب الكتب الأزلي".

والإشارة هنا إلى ميلاد الشعب اليهودي الذي يمكن تعريفه دينياً أو علمانياً، وإلى هويته التي يمكن تعريفها على أسس روحية (والكلمة تعني في الأدبيات الصهيونية «إثنية لادينية» إذ تجري الإشارة إلى صهيونية آحاد هعام على أنها «صهيونية روحية» ) أو على أسس دينية أو سياسية عامة. و «كتاب الكتب الأزلي» أي «الكتاب المقدَّس» يُشار إليه باعتباره الكتاب الذي أعطاه الشعب اليهودي للعالم (دون تحديد ما إذا كان جزءاً من فلكلور هذا الشعب أو مُرسَل من الإله) . ونجد في برنامج القدس (1968) استمراراً للصيغ المبهمة نفسها، فإسرائيل قامت على أساس رؤية الأنبياء للعدل والسلام التي يمكن أن تكون مُرسَلة من الإله أو تكون من صنع البشر. كما يشير البرنامج إلى ضرورة الحفاظ على هوية الشعب اليهودي من خلال تشجيع التربية اليهودية والعبرية والقيم الروحية والثقافية اليهودية. ولعل الإشارة إلى التربية اليهودية والعبرية هي في واقع الأمر إشارة إلى التربية الإثنية الدينية والعلمانية.
الصهيونية الإثنية الدينية
‏Religious Ethnic Zionism

» الصهيونية الإثنية الدينية» تيار صهيوني يتقبل معظم مقولات الصهيونية الأساسية الشاملة بعد إدخال ديباجة إثنية دينية عليها. وحينما ظهرت الصهيونية برفضها العميق لليهود واليهودية تَصدَّى لها كثير من المتدينين (الأرثوذكس والإصلاحيين) ، باعتبارها هرطقة وكُفراً وإلحاداً ونكوصاً. وإذا كان الصهاينة قد أعلنوا عزمهم غزو الجماعات اليهودية، فإنهم قد قرروا أن يُغيِّروا اليهودية نفسها ويعلمنوها من الداخل حتى ولو لم يعلنوا عن ذلك. ولعل مما يسَّر هذه العملية عدة عوامل من أهمها أن اليهودية نفسها في أواخر القرن التاسع عشر كانت تمر بأزمة حادة بعد خروجها من الجيتو. فعالم الأغيار في الغرب قد أثبت جاذبيته الشديدة، كما أن اليهودية كانت قد أجادت التعامل مع العالم من داخل أسوار الجيتو والعزلة، ولكنها لم تكن بعد قد أجادت التعامل معه في إطار الإعتاق والاستنارة والمساواة.

ولعل زيادة علمنة المجتمع الغربي وانتشار العلم والتكنولوجيا قد جعلا استمرار اليهودية صعباً، وخصوصاً أن اليهودية الحاخامية كانت قد تجمدت وأصبحت مثل القشرة اليابسة. وقد تهاوت مع اليهودية المؤسسات التقليدية التي ساعدت الحاخامات وأثرياء اليهود على إحكام قبضتهم على جماهير اليهود، مثل القهال. وقد ساهمت حركة التنوير في خلق جيل جديد من شباب اليهود الذي كان يتحرك بيُسر بين عالم اليهود وعالم الأغيار ويجيد علوم الغرب، وأصبحت القيادة الحاخامية معزولة عن هذا الوضع الجديد. ومما زاد الأمور سوءاً أن اليهودية نفسها كانت منقسمة بحدة إلى المؤسسة الحاخامية التقليدية والحركة الحسيدية التي اكتسحت شرق أوربا، وهي حركة حلولية متصوفة تمثل احتجاجاً على وضع اليهود، وعلى جفاف العقيدة التلمودية. وقد أحست المؤسسة الدينية بأن الوضع آخذ في الانهيار. وربما كان أكبر دليل على ذلك انتشار اليهودية الإصلاحية وما تبع ذلك من زيجات مُختلَطة، حتى أن الحديث عن اختفاء اليهود كان مطروحاً بين علماء الاجتماع في الغرب.
في هذا السياق، كان للعقيدة الصهيونية في صياغتها المراوغة (المتمثلة في برنامج بازل) بريقها. فهي، رغم هجومها على اليهود واليهودية، قد استخدمت كل الرموز التقليدية من عودة إلى صهيون والأرض المقدَّسة والشعب المقدَّس. ودولة اليهود التي تحدَّث عنها هرتزل تُشبه في نهاية الأمر الجيتو والقهال من بعض الوجوه، فهي دولة بدون أغيار. وكان أعضاء المؤسسة الدينية يدركون مدى حدة معاداة اليهود في أوربا عامة، وأكثر من هذا مدى خطورة الاندماج والعلمانية. ولذا، فلم يكن من العسير عليهم أن يأخذوا بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة (بعد صهينة اليهودية (

وعلى كلٍّ، فإن هرتزل نفسه لم يمانع في إنشاء حزب ديني بل رحب به قبل فاته، وقام بتمويل حزب مزراحي، حيث أدرك أنه لا تعارض حقيقياً بين صهيونيته الدبلوماسية التي تهدف إلى إخلاء أوربا من يهودها وبين الخطاب الإثني الديني. كما أن دعاة الصهيونية الدبلوماسية وجدوا أنه قد يكون من المفيد استخدام الدين لتجنيد اليهود، بل إزالة الفوارق بين الصهيونية واليهودية في نهاية الأمر بحيث يتم تهويد الصهيونية وصهينة اليهودية. وقد اتخذ المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) قراراً بتأسيس حركة دينية تُسهم في تثقيف اليهود بروح القومية اليهودية، أي تُظهر التلاحم الكامل بين القومية والدين.
وقد طوَّر الصهاينة الدينيون هذا البرنامج، فطرحوا الأفكار الدينية التقليدية كافة بعد تفريغها من بُعدها الأخلاقي وتأكيد بُعدها الإثني، فأعادوا صياغة فكرة العودة بطريقة تتفق مع متطلبات الاستيطان الصهيوني، فتم تفسير الاستيطان (أو العودة الجسدية الفعلية إلى فلسطين) الذي كان يُعَدُّ هرطقة من المنظور الديني التقليدي باعتباره مجرد إعداد لعودة الماشيَّح. بل إن فكرة القومية العضوية نفسها تم التعبير عنها من خلال الصيغة الحلولية، فالصهاينة الدينيون يرون أن اليهود أمة ولكنهم أمة تختلف عن بقية الأمم لأن الإله هو الذي أسسها بنفسه، فهم يدورون في إطار المفهوم الحلولي الخاص بوحدة التوراة والأمة وأن اليهود كشعب لا يمكنه الاستمرار بدون التوراة. وأن هذه الوحدة، مع هذا، لا يمكن أن تأخذ شكلها الكامل خارج فلسطين، أي أن عناصر الثالوث الحلولي: الأمة والكتاب والأرض لابد أن تلتحم، وبالتحامها تنبجس عبقرية الأمة كالينبوع الذي تعود له الحياة فجأة، والذي لا تملك البشرية الخلاص دون فيضه السخي. وهذه الفكرة هي فكرة القومية العضوية نفسها بعد أن اكتسبت ديباجة دينية حلولية.

بل إن مفكري الصهيونية الدينية كانوا من المؤمنين بأن علمانية الصهيونية الظاهرة هي مجرد وهم، وأنها مجرد إطار ساهم هو نفسه في إحكام قبضة القيم الإثنية الدينية على الوجدان اليهودي، وأن المشروع الصهيوني سَيسقُط في يد الصهاينة الدينيين. وبهذا، تكون الصهيونية الدينية قد سوَّغت الصهيونية للمتدينين ولكنها تكون في الوقت نفسه قد قامت بصهينة الدين اليهودي حتى أصبح لا يختلف كثيراً عن الصياغة الإثنية التي طرحها آحاد هعام والتي لا تتعارض بأي شكل مع الصياغة الدبلوماسية التي طرحها هرتزل.
وكما هو مُتوقَّع، نشب صراع حاد بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والصهاينة الإثنيين العلمانيين، فهم يتحركون في المجال نفسه، منطقة الوعي وإدراك الهوية ومعنى الوجود. وقد كان الصراع حاداً منذ البداية، منذ أحباء صهيون، واستقرت حدته بعد ظهور هرتزل داخل المؤتمرات الصهيونية المختلفة، وقد هدأت الأمور قليلاً بعد وعد بلفور وتقسيم مناطق النفوذ بين الصهيونية العمالية التي تبنت الصيغة الإثنية العلمانية والصهيونية الدينية التي مُنحت الإشراف على المدارس الدينية وعلى المحاكم وبعض المؤسسات الأخرى. ومع ظهور أزمة الصهيونية وظهور مشكلة الشرعية داخل المُستوطَن الصهيوني بعد عام 1967، بدأ الاتجاه الإثني الديني يتغلب على الاتجاه الإثني العلماني حتى بدأ كثير من أعضاء النخبة الحاكمة في إسرائيل يدَّعي التدين ويستخدم مصطلحاً إثنياً دينياً، وأخيراً ظهر مائير كهانا وهو من أكبر دعاة الصهيونية الإثنية الدينية وهي صهيونية مُفرَّغة تماماً من أي مضمون خلقي أو ديني.

والصهيونية الدينة في الوقت الحاضر هي العمود الفقري لليمين الصهيوني، والأرثوذكس هم طليعة الاستيطان في الضفة الغربية ودعاة صهيونية الأراضي بعد أن أصبحت الأرض هي مركز القداسة، وأصبح التنازل عن أي شبر منها كفر وهرطقة (على عكس الأرثوذكس في الماضي الذين كانوا يرون العودة للأرض باعتبارها كفراً وهرطقة (
وأهم مفكري الصهيونية الإثنية الدينية هما موهيليفر وكوك. وتسيطر المؤسسة الصهيونية الدينية الآن على جمهور ثابت في الشارع الإسرائيلي عن طريق توليها شئون الدين والزواج والطلاق وشبكة واسعة من المدارس والمعاهد الدينية والمؤسسات المالية وحركات الاستيطان التابعة لها.
والمشكلة الكبرى التي تواجهها الصهيونية الإثنية الدينية الآن أن أغلبية يهود العالم الساحقة ليست أرثوذكسية، كما أنها تعيش في مجتمعات علمانية تحقق لها قسطاً كبيراً من الحرية، ولذلك يصدمهم سلوك هذه المؤسسة التي تصر على الخطاب الإثني الديني وعلى تطبيق مقولاته، وتظهر المشكلة دائماً في شكل سؤال: من هو اليهودي؟
مزراحي (حركة (
‏Mizrahi
» مزراحي» هو مزج لكلمتي «مركز» و «روحاني» ، وهما كلمتان عبريتان تطابقان في النطق والمعنى مثيلتيهما العربيتين. وقد طرحت الحركة شعار "أرض يسرائيل لشعب يسرائيل حسب شريعة وتوراة يسرائيل"، كما لُخِّص الشعار في عبارة «توراه وعفوداه» ، أي «التوراة والعمل» ، ومعناها أن على الصهيوني الحق المتدين أن يتعلم الشريعة اليهودية وأن يعمل بنشاط من أجل إعادة بناء إسرائيل.

وقد أُثيرت قضية الدين في المؤتمر الصهيوني الثاني (1898) . وكان رد القيادة السياسية (العلمانية) هو أن الدين مسألة شخصية وأن المنظمة الصهيونية العالمية ليس لديها موقف رسمي منه. وقد كان هذا الموقف مقبولاً من المتدينين طالما لم يتوجه المشروع الصهيوني إلا للقضايا السياسية والاقتصادية، وهي قضايا تقع خارج نطاق الإثنية والعقيدة. ولكن حينما تَقرَّر (بناءً على طلب العصبة الديموقراطية) في المؤتمر الخامس (1901) أن تُشرف المنظمة على برنامج تربوي يقوم بعملية تعليم اليهود روح القومية (الإثنية) اليهودية بالمعنى العلماني الذي حدده آحاد هعام ودعاة الصهيونية الإثنية العلمانية، شعر المتدينون بأن هذا قد يؤدي إلى القضاء على اليهودية. وهنا قرر الحاخام يعقوب راينس عام 1902 تأسيس حزب ديني قوي داخل المنظمة الصهيونية.
وفي العام نفسه، عُقد مؤتمر منسك الذي نظمه اليهود الروس وقد تم فيه الاعتراف بالاتجاهين الإثنيين: الديني والعلماني. وحينما اندلع الخلاف بينهما، تم حسمه عن طريق إقامة لجنتين متوازيتين إحداهما إثنية دينية والأخرى إثنية علمانية. وعندئذ قرَّر الصهاينة المتدينون إنشاء منظمة تُدعَى مزراحي. وقد قرَّرت مزراحي القيام بنشاط ديني داخل المنظمة وفي إطار الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المتهودة (برنامج بازل) ، وهذا بمقتضى القرار الذي صدر في المؤتمر الخامس الذي سمح بتكوين اتحادات مستقلة داخل المنظمة. وعقدت منظمة مزراحي أول مؤتمر لها عام 1903، وعبَّر فيه بعض المتدينين عن اعتراضهم على قرارات منسك التي تضمنت الاعتراف بالصهيونية الإثنية العلمانية.

وفي عام 1904، عُقد أول مؤتمر عالمي لحركة مزراحي ضم 100 مندوب، وهناك تمت صياغة برنامج الحركة الذي نص على الالتزام ببرنامج بازل وبالتوراة وبتنفيذ الأوامر والنواهي والعودة إلى أرض الآباء والبقاء داخل المنظمة الصهيونية ونشر الوعي الديني الإثني. ثم تم نقل مقر الرئاسة إلى فرانكفورت عام 1905، وهو العام الذي تم فيه الاعتراف بالمزراحي كتنظيم مستقل داخل المنظمة الصهيونية.
وقد بدأت مزراحي نشاطها التثقيفي الواسع فنقلت نشاطها إلى فلسطين، وأنشأت أول مدرسة دينية عام 1908. وحينما أُثيرت قضية النشاط الصهيوني الثقافي في المؤتمر العاشر (1911) ، انسحب وفد مزراحي منه، ولكن تقرَّر بعد ذلك معارضة النشاط الثقافي دون الانسحاب من المنظمة.
وانتقل مركز مزراحي إلى الولايات المتحدة عام 1913 ـ 1914، فتَوقَّف نشاطها لبعض الوقت في أوربا ولكنها عاودت النشاط مرة أخرى بعد وعد بلفور وأصبح لها فرع استيطاني. وقد تم تنظيم دار الحاخامية الأساسية والمحاكم الدينية اليهودية التي تسيطر عليها مزراحي، ثم تم تأسيس عمال مزراحي (هابوعيل هامزراحي) في القدس عام 1921، وأصبح للحركة بالتالي منظمتها الاستيطانية فأقامت أول مستوطنة تعاونية (موشاف) تابعة للحركة عام 1925 وأول مستوطنة جماعية (كيبوتس) عام 1930. وتمكنت الحركة من مد نفوذها عن طريق استيعاب أولاد المهاجرين وإيوائهم في المدارس الفنية والزراعية التابعة للحركة. وتتميَّز حركة مزراحي بالمقدرة على التنازل في الأمور الدينية، وهو ما أتاح التعاون بسهولة بينها وبين الصهيونية العمالية.

ولحركة مزراحي فروع في كل العالم، ولها تنظيم نسائي وآخر شبابي. وترجمت الحركة نفسها في الداخل إلى أحزاب دينية تتبعها منظمات شبابية ونسائية. والمؤتمر العام للحركة يتكون من مجلس مزراحي العالمي (الذي يمثل يهود الخارج) واللجنة التنفيذية المشتركة لمزراحي وهابوعيل هامزراحي (الذي يمثل يهود الداخل) . ويتبع الحركة في الداخل عدة مدارس ومعاهد تعليمية وجامعة بار إيلان وعدد من المزارع الجماعية ومذابح شرعية ومؤسسات مالية مثل بنك هامزراحي وبنك هابوعيل هامزراحي وشركات بناء مساكن.
وقد اندمج حزبا مزراحي وهابوعيل هامزراحي وكونا حزب المفدال (الحزب الديني القومي) الذي اشترك في كل الحكومات الائتلافية في إسرائيل. وكان الحزب، حتى عام 1967، قد حصر اهتمامه في استصدار التشريعات التي تمس الجوانب الدينية وحسب. ولكن بعد ذلك التاريخ سيطرت عليه تلك العناصر التي تدافع عن الاحتفاظ بأرض إسرائيل الكاملة، وهو الأمر الذي أدى إلى توسيع نطاق اهتمام الحزب بحيث أصبح يشمل كل السياسات الداخلية والخارجية. وقد انضم الحزب إلى وزارة الليكود عام 1977 و1981 وأيَّد سياسات مناحم بيجين، أي أن الحزب القومي الديني أصبح عنصراً أساسياً في اليمين الديني.
أجودات إسرائيل
‏Agudat Israel
تأسَّست حركة أجودات إسرائيل عام 1912 كتنظيم ديني يضم جميع الجماعات الدينية الأرثوذكسية في ألمانيا وبولندا وليتوانيا (كمجموعة متحدة) ضد الحركة الصهيونية لمحاولة تغيير بنية ومضمون الحياة اليهودية. كما تصدَّت الحركة للحركات العلمانية الأخرى كافة، مثل البوند واليهودية الإصلاحية. وبعد بداية متعثرة اتخذ المؤتمر الصهيوني العاشر (1911) قراراً بضم مشاريع ثقافية (علمانية) ضمن برامجها، مما أدى إلى انسحاب بعض المندوبين الألمان وانضموا لجماعة أجودات إسرائيل، الأمر الذي أعطاها قوة دفع شديدة.
وقد تكونت الحركة من خلال ثلاثة عناصر أساسية:

1 ـ الأرثوذكسية الجديدة الألمانيةمن أتباع سمسون هيرش، وهؤلاء كانوا يحاولون تنفيذ كل التعاليم الدينية وإقامة كل الشعائر مع شيء من التكيف مع البيئة غير اليهودية التي يعيش فيهااليهود.
2 ـ الأرثوذكسية المجرية.
3 ـ الأرثوذكسية البولندية.
وهذان الفريقان الأخيران كانا يضمان العناصر الحسيدية وحاخامات الأكاديميات الليتوانية، وكانا يعارضان تبني المعارف الغربية. وكان أتباع الأرثوذكسية الألمانية والمجرية يرون أن الجماعات الأرثوذكسية يجب أن تفصل نفسها تماماً عن الجماعات اليهودية غير الأرثوذكسية، على عكس أتباع الأرثوذكسية البولندية وبعض قيادات الأرثوذكسية الألمانية فكانوا يرفضون هذا الموقف.
وقد أعلنت الحركة أن برنامجها هو توحيد شعب إسرائيل حسب تعاليم التوراة بجميع مظاهر الحياة الاقتصادية والسياسية والروحية. وقد أسس المؤتمر التأسيسي ما يُسمَّى مجلس القيادات التوراتية، مهمته التأكد من عدم جنوح تنظيم أجودات إسرائيل عن تعاليم التوراة. وأقامت الجمعية فرعاً لها في فلسطين عام 1919، كما أقامت عام 1922 حركة عمالية في بولندا لمنع العمال من الانضمام للأحزاب الصهيونية. وقد أخذت الحركة شكلاً عالمياً عام 1927 حين افتتحت فروعاً في نيويورك ولندن والقدس. كما عارضت الحركة الاستيطان في فلسطين باعتباره تحدياً للأوامر الإلهية، ذلك أن تجميع المنفيين لا يمكن أن يتم إلا بمشيئة الإله وفي الوقت الذي يحدده.
وقد قامت الجمعية بنشاط ضد الاستعمار الصهيوني والإنجليزي بالاشتراك مع العرب والمستوطنين اليهود المتدينين، وقامت بحملة إعلامية ضد الاستعمار الصهيوني إلى أن سقط أحد قوادها (جيكوب دي هان) صريعاً برصاص الصهاينة.
ولم تعترف المنظمة بالمُستوطَن الصهيوني ولا بالحاخامية الأساسية، وكان لها محاكمها الحاخامية الخاصة، وطالبت السلطات البريطانية بالاعتراف بها كجماعة دينية يهودية مستقلة ولكن رُفض هذا الطلب.

ومع الثلاثينيات، شهدت فلسطين وصول أعداد كبيرة من أعضاء الجمعية من بولندا. وقد وجد هؤلاء أن من الصعب عدم الاشتراك في النشاطات الصهيونية السياسية والاقتصادية، كما وصل يهود من الأرثوذكس الجدد ومن العناصر العلمانية من ألمانيا.
وقد تم التحول عام 1937 في مؤتمر الجمعية إذ تَغلَّب التيار الصهيوني الذي يعارض عودة اليهود إسماً ولكنه يرى مع هذا ضرورة العودة لفلسطين للإعداد لمقدم الماشيَّح. وتعاونت حركة أجودات مع المنظمة الصهيونية، فظهر مندوبوها أمام اللجنة الملكية (لجنة بيل وشو) وصرحوا بأن وعد بلفور والانتداب يتفقان مع روح الوعد الإلهي بالخلاص، أي أنها تبنت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد إلباسها الديباجة الأرثوذكسية.

وفي عام 1944، أقام حزب أجودات إسرائيل مزرعة جماعية (كيبوتس) بأموال الصندوق القومي اليهودي، وانضم أعضاء الحزب إلى منظمة الهاجاناه. ثم تعمَّقت العلاقة بهذا الاتفاق الذي صاغه بن جوريون وهو الاتفاق المعروف باسم «اتفاق الوضع الراهن» الذي بموجبه حصلت الحركة الصهيونية على تأييد الصهاينة المتدينين شريطة أن تحافظ الدولة الصهيونية الجديدة على "الوضع الراهن" كما هو في الأمور الدينية. وعشية قرار التقسيم بدأت أصوات مؤيدة لقيام إسرائيل ترتفع أكثر وأكثر داخل معسكر الأجوداه. وقد فسرت قرارات الأمم المتحدة وتعاطف المجتمع الدولي مع اليهود بأنها من مظاهر العناية الإلهية. وبدأ التوجه العام في أوساط اليهودية الأرثوذكسية ينتقل بالتدريج إلى موقف متوازن: الاعتراف الواقعي «دي فاكتو de facto» بالدولة بدون منحها اعترافاً قانونياً «دي جوري de jure» ، أي الرفض الأيديولوجي للدولة والتعامل مع مؤسساتها في آن واحد، أي أن الدولة الصهيونية لم تعد لها أية دلالة دينية خاصة، فهي مجرد مؤسسة يحكم عليها بمقدار ما تقرب الشعب إلى الإله والتوراة. واشترك حزب أجودات في المجلس المؤقت وفي العملية السياسية. ومع هذا، استمرت أجودات إسرائيل في التمحك بالمصطلح الديني الرافض للصهيونية، ورفضت التحدث عن الدولة فكانت تشير لها بأنها «السلطات اليهودية في فلسطين» .

ويشير عزمي بشارة إلى أنه عندما ثار نقاش بين قيادة أجودات إسرائيل في فلسطين وقيادتها في الولايات المتحدة، التي عارضت الانضمام إلى الحكومة المؤقتة، كان تبرير القيادة المحلية لمشاركتها منطلقاً من موقف الضعف، موقف الأقلية المضطرة إلى الانضمام إلى الحكومة لتأمين مصالحها ـ لكن التطور استبدل منطق الضعف بمنطق القوة، منطق السلطة والتأثير فيها فيما بعد، لا لتأمين الحريات الدينية وإنما من أجل فرض الشرائع الدينية على الحياة اليومية للأكثرية العلمانية، ومن أجل تأمين المصادر المالية لمؤسسات الحركات الدينية من مدارس دينية وجمعيات خيرية ومراكز صحية وغير ذلك.
ثم تزايدت معدلات الصهينة بعد عام 1967 حينما أصبح اليهود الأرثوذكس من غلاة المدافعين عن الاحتفاظ بأرض إسرائيل الكاملة ومن دعاة صهيونية الأراضي (انظر: «صهينة العناصر الدينية الأرثوذكسية بعد عام 1967» )
وقد ترجمت الحركة نفسها إلى حزب أجودات إسرائيل وعمال أجودات إسرائيل في الداخل، وينصب اهتمامها على الشئون الثقافية والتربوية. وقد شهد التيار الديني الصهيوني بعض الانقسامات داخل الدولة الصهيونية فتم تأسيس حزب ديغل هتوراه (لواء التوراة) الذي يمثل الطوائف اللتوانية (المتنجديم) ، ويوجد كذلك حزب شاس الذي يمثل السفارد. وقد تحوَّلت حركة أجودات إسرائيل المناوئة للصهيونية إلى حركة عنصرية ذات ديباجة دينية تلعب دوراً خطيراً في تنشئة الأجيال الجديدة في إسرائيل على كره العرب وتفرض عليها الخطاب الإثني الديني. ولا يزال هناك جناح صغير من أجودات إسرائيل يتمسك بموقفه الديني القديم ويناوئ الصهيونية ألا وهو جماعة الناطوري كارتا.
إلياهو جوتماخر (1795-1874 (Elijah Guttmacher

حاخام صهيوني وُلد في بوزن. درس القبَّالاه وعمل كحاخام في عدة أماكن من بينها جراتز في النمسا (منذ عام 1840 إلى تاريخ وفاته) ، حتى أن العديد من اليهود كانوا يحجون إليه. وقد كان جوتماخر من الحاخامات القلائل الذين قاموا بصهينة الفكرة المشيحانية.
رفض جوتماخر فكرة انتظار الماشيَّح، ودعا إلى توجيه كل الجهود من أجل الإسراع بالخلاص وذلك عن طريق العمل البناء في أرض إسرائيل تمهيداً لمجئ الماشيَّح. وقد أعلن أنه "يجب على الأغنياء من شعبنا أن يشتروا الأرض في فلسطين لتوطين فقراء اليهود هناك، فتلك المسألة هي حجر الأساس للخلاص الكامل". وقد كانت فكرة استخدام أموال الأغنياء اليهود لتوطين فقراء اليهود في فلسطين هي الفكرة التي بُنيت عليها جمعية أحباء صهيون التي عارضت الحاخامات الأرثوذكسيين الاندماجيين.
تسفي كاليشر (1795-1874 (Tzvi Kalischer
حاخام بولندي روسي، ومن أوائل دعاة الصهيونية. وُلد في مدينة ليسا، وهي مدينة بولندية ضمتها بروسيا. ومع أن غالبية السكان كانت تتحدث البولندية، فإن الأقلية الألمانية كانت مهيمنة. وكانت السلطات البروسية تصنف اليهود الذين يتحدثون اليديشية على أنهم ألمان لزيادة عدد الأقلية الألمانية. وكان هذا مصدر غبطة لليهود الذين كانوا ينظرون إلى ألمانيا باعتبارها وطنهم الروحي، وقد أدَّى ذلك إلى التوتر بين اليهود والبولنديين، ولذا فقد كانت حركات التحرير البولندية القومية تنظر إلى اليهود باعتبارهم أقلية عميلة. وكانت المقاطعة أيضاً في منطقة حدودية بين يهود ألمانيا المندمجين ويهود اليديشية، ولذا فقد كانت حياة أعضاء الجماعة اليهودية فيها خليطاً من الحياة التقليدية السائدة في شرق أوربا والحياة اليهودية العصرية السائدة في غرب أوربا. وقد بدأت الحياة الفكرية عند كاليشر مع بدايات اليهودية الإصلاحية، فهاجمها مدافعاً عن القيم التقليدية، وخصوصاً فكرة الماشيَّح وأرض الميعاد.

وكتاب كاليشر السعي لصهيون (1862) هو أول كتاب ظهر في شرق أوربا عن موضوع الاستيطان الزراعي وفلسطين، وهو مكتوب بالعبرية التقليدية الجامدة.
ينطلق كاليشر من الرؤية الحلولية العضوية، فيقترح على اليهود أن يطرحوا الفكرة الدينية التقليدية جانباً ويأخذوا بزمام الأمور. وبدلاً من الانتظار السلبي للماشيَّح عليهم أن يعودوا بأنفسهم، فالعودة لن تتم بهجرة فجائية وخلاص إسرائيل سيأتي بأناة. والخلاص على الطريقة الحديثة سيبدأ بعودة بعض اليهود واستيطانهم الأرض المقدَّسة، على أن يتم ذلك بدعم الأمم وبموافقتها وبدعم المحسنين من أثرياء الغرب الذي سيحاولون الحصول على براءة من السلطان العثماني. ويمكن أن تُرسَل الصدقات (حالوقاه) لليشوف (المُستوطَن الديني التقليدي في فلسطين) ، ولكن يجب أن تتكون مؤسسة هدفها تشجيع الاستيطان في الأرض المقدَّسة يمولها أثرياء اليهود وتقوم بشراء المزارع والكروم وجني ثمارها.
ويثير كاليشر قضية تطبيع الشخصية اليهودية ودمج اليهود في مجتمع الأمم. فبعد الاستيطان سيتحمس المستوطنون للعمل في الأرض بأيديهم، كما ستعمل سياسة الاستيطان على كسب احترام الأمم الأخرى لليهود، فهم سيقولون إن أعضاء جماعة يسرائيل لديهم الإرادة أن ينقذوا أرض أجدادهم التي أصبحت قاحلة ومهجورة. ثم يطلب كاليشر في نهاية المقال من اليهود أن يقتدوا بالأغيار "لماذا يضحي شعب إيطاليا وشعوب العالم من أجل أرض آبائهم ونحن لا نعمل شيئاً؟ لنقتد بالإيطاليين والبولونيين والمجريين [أصحاب القوميات العضوية] الذين ضحوا بكل شيء من أجل الاستقلال".

إن الإطار هنا زماني دنيوي، فالعودة ستتم في الزمان وستستخدم آليات زمانية لتحقيق أهداف زمانية كتطبيع اليهود، وتحسين صورتهم، والحصول على أرض الأجداد. ولكن كاليشر، على طريقة الصهاينة الدينيين، يتدارك ويضيف ديباجة إثنية دينية، فاليهود يجب أن يكافحوا من أجل أرضهم لأن هدفهم ليس إحياء مجد الأسلاف وحسب وإنما العمل على إحياء مجد الإله الذي اختار صهيون.
ويقول كاليشر أيضاً: "إذا قدَّمنا الخلاص للأرض بهذه الطريقة الدنيوية، فسوف تظهر لنا علامات الخلاص تدريجياً وسيسمع الإله للمستوطنين وسيسرع بيوم خلاصهم". وقد تَوصَّل كاليشر إلى صيغة الصهيونيتين، فقد أدرك من البداية أنه لن يهاجر سوى بعض اليهود وسيبقى الكثيرون في الخارج، وسيقوم المحسنون الأثرياء منهم بدعم المستوطنين. بل يبدو أن كاليشر اكتشف أيضاً الديباجات العمالية إذ يقول: "وشكل الاستيطان سيكون تعاونياً إذ سيتجمع يهود من روسيا وبولندا وألمانيا [وليس من الغرب المندمج] ويتلقون أجورهم من الشركة اليهودية ويتعلمون الزراعة تحت إشراف معلمين تعينهم الشركة. وبعد أن يتعلم الفرد منهم الزراعة سيُعطَى قطعة من الأرض يزرعها وستموله الشركة وستمول العملية كلها".

وكتاب كاليشر من الوثائق الصهيونية الأولى التي حاولت تغييب العرب. فبعد أن استوطن فلسطين، اقترح أن يقوم المستوطنون بتنظيم جماعات حراسة تجمع بين العمل الزراعي والعسكري للدفاع عن النفس. ونجد في كتابات كاليشر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ونجد الملامح الأساسية للديباجة الإثنية الدينية والعلمانية بل العمالية، ولكن المشكلة الأساسية بالنسبة له (وبالنسبة لكل الرواد الصهاينة) أنهم كانوا يخلطون بين المشروع الذي يقترحونه، وهو مشروع استعماري، وبين مشاريع يهود الغرب لتوطين اليهود. فيهود الغرب لم يكونوا مهتمين بالمشروع الصهيوني إلا كمشروع لإنقاذ شرق أوربا والتخلص منهم. أما المضمون السياسي لهذا المشروع، فقد كانوا يرفضونه تماماً. كما أن كاليشر لم يدرك حدود الحركة، فأثرياء الغرب يمكنهم التوسط لدى حكوماتهم أو لدى الدولة العثمانية للإفراج عن اليهود أو رعاية أحوالهم، ولكنهم لم يكن في مقدورهم أن يطلبوا من حكوماتهم أن تتوسط لدى الباب العالي ليأذن لليهود باستيطان فلسطين.
وقد وقع هرتزل في هذا الخطأ في البداية، ولكنه تدارك الأمر وطرح مشروعه على الدول الاستعمارية مباشرةً. وقد ساعدته الظروف التاريخية إذ أن الدولة العثمانية كان قد تقرَّر تقسيمها. وقد قرأ هس عن كتاب كاليشر، بعد أن كان قد فرغ من مؤلفه، فنوَّه به.
بدأ النشاط العملي عند كاليشر عام 1836 بالكتابة إلى عميد الأثرياء اليهود في العالم (روتشيلد) في برلين ليشرح له نظريته الجديدة عن الخلاص دون انتظار الماشيَّح. وحين تأسست جمعية رعاية الاستيطان اليهودي في فلسطين في ألمانيا، انضم إليها. وفي عام 1864، كان كاليشر المسئول عن تأسيس اللجنة المركزية لاستعمار فلسطين في برلين. ثم ساهم في إقامة بعض الجمعيات الزراعية الاستيطانية، كما ساهم في توجيه نشاط الأليانس نحو إنشاء مدرسة زراعية (مكفاه إسرائيل) في فلسطين عام 1870.

يهودا القلعي (1798-1878 (Yehudah Alkalai
حاخام ورائد من رواد الفكر الصهيوني. وُلد في سيراييفو (في البوسنة والهرسك) والتي كانت جزءاً من الدولة العثمانية آنذاك، وفي وقت كانت فيه شبه جزيرة البلقان تمور بالصراعات القومية الحادة بين الصرب والبلغار والرومانيين. وكانت يوغسلافيا تُعَدُّ النقطة التي يلتقي فيها السفارد بالإشكناز، وتقع داخل الدولة العثمانية على مقربة من الإمبراطورية النمساوية وكلتاهما كانت إمبراطوريات تتعدد فيها الجماعات الإثنية والدينية.
عمل حاخاماً للسفارد في ريمون، وكان متأثراً منذ صباه بالنزعات الصوفية القبَّالية، فكان من المؤمنين بأن عام 1840، وهو عام مؤتمر لندن الذي وضع حداً لآمال محمد علي في الاستقلال، سيكون بداية الخلاص المشيحاني. ولكن النبوءة لم تتحقق، فاضطر إلى أن يُعدِّل من موقفه من فكرة الماشيَّح.
ولا تتسم كتابات القلعي بالتماسك أو التحدد أو التبلور، فقد كان يكتب بالعبرية التقليدية، وهي لغة شديدة الجمود، كما أن إطاره الفكري كان تقليدياً إلى أقصى حد. ومع هذا، فإن كتاباته هذه تشكل جزءاً من التراث الفكري الصهيوني في مرحلته الجنينية.
إن نقطة انطلاقه، شأنه شأن كل الصهاينة الإثنيين الدينيين، هي رؤية حلولية عضوية تجعل الإله يحل في الشعب والأرض ومؤسساته القومية بحيث يصبح هو مصدر التماسك العضوي بينهما. فاليهود لا يليق بهم أن يُلقَّبوا «يسرائيل» إلا إذا كانوا في أرض يسرائيل، وبذلك تكون الرؤية الحلولية قد اقترنت بفكرة القومية العضوية السائدة في أوربا خارج إنجلترا وفرنسا.

لهذا، لم يجد القلعي صعوبة كبيرة في المزاوجة بين الرؤية العضوية العلمانية والرؤية الحلولية الدينية. يذهب القلعي إلى أن اليهود يجب أن يتدخلوا بأنفسهم في مسار الأحداث بدلاً من انتظار عودة الماشيَّح، ويقوموا بتحديد الطريقة المناسبة للعودة وزمانها. واستناداً إلى بعض النصوص الحلولية وطرق التأويل المختلفة مثل الجماتريا، يقول القلعي إنه كخطوة أولى "يجب أن نعمل على إعادة اثنين وعشرين ألفاً إلى الأرض المقدَّسة. فهذه تهيئة ضرورية لحلول دلالات أخرى". فالخلاص لا يمكن أن يتم فجأة، والأرض يجب أن تُبنَى وتُعَدُّ وتُجَهَّز بالتدريج. وحتى يضفي شرعية على رؤيته الجديدة، فإنه يشير إلى عقيدة الماشيَّح الأول (المسيح بن يوسف) الذي سيشترك في حرب يأجوج ومأجوج وسيحاول تحرير أرض يسرائيل من الكفرة ولكنه سيَسقُط في المعركة، وبعد هذا سيأتي الماشيَّح الثاني والنهائي (المسيح بن داود) . وهو يفسر وجود الماشيَّح الأول بأنه يعني ضرورة أن يسبق العصر المشيحاني النهائي إعداد دنيوي إنساني. ثم يضيف أنه يجب النظر لرؤية الماشيَّح بن داود على أنها مجاز، فهي عملية ستأخذ في الأزمنة الحديثة شكل قيادة سياسية، ولذا سيبدأ الخلاص باليهود أنفسهم، هؤلاء الذين يجب أن يملكوا زمام أمورهم بأنفسهم ويُعجِّلوا بالنهاية (وهذا الموقف يُعَدُّ من المنظور الحاخامي التقليدي شكلاً من أشكال الهرطقة والتجديف (
وعملية تغيير متتالية الخلاص التقليدية (الماشيَّح ـ العودة ـ الخلاص) إلى متتالية جديدة (العودة للإعداد لوصول الماشيَّح ـ الماشيًَّح ـ الخلاص) هي الطريقة التي لجأت إليها الصهيونية الإثنية الدينية لصهينة أو تحديث اليهودية، ومن ثم أصبح بإمكان الصهاينة الملحدين أن يُسمُّوا أنفسهم يهوداً إذ أنهم يشاركون في عملية الاستيطان الصهيوني التي أصبحت عملية دينية هدفها الإعداد لمقدم الماشيَّح.

وقد تَوصَّل القلعي لفكرة الصهيونيتين، فبيَّن أن بعض اليهود الفقراء سيهاجرون إلى فلسطين (صهيونية استيطانية) وسيبقى يهود عديدون في الخارج في أرض الشتات بعض الوقت "لمساعدة المستوطنين الأوائل في فلسطين"، أي أنه قام بتقسيم يهود العالم حسب الدور الذي سيلعبونه في الحركة الصهيونية. كما أنه تَوصَّل إلى أهمية إدخال الصيغة الإثنية على الصيغة الصهيونية. ويواكب ذلك بعث اللغة العبرية، فكل جالية يهودية تتكلم لغة تختلف عن الأخرى ولكل منها عادات مختلفة. وهو يرى أن العبرية يجب أن تكون أساس عملنا التعليمي بمعنى أنها ستكون لغة الدنيا لا لغة الدين كما كان يصر المتدينون.
ثم يقترح القلعي تعيين مجلس من الوجهاء أو الحكماء يأخذ شكل مجلس يهودي عالمي أو منظمة يهودية عالمية للإشراف على عملية الهجرة وللحصول على تصريح من السلطان. ويقترح أيضاً تنظيم شركة على غرار شركات التأمين وشركات السكك الحديدية لاستئجار فلسطين من السلطان. ولا شك في أن هذه الشركة، بعد أن يعاد تسمية فلسطين باسم «إسرائيل» ، ستثير حماس يهود العالم فيساعدون هذه الشركة بكل وسيلة.
وبعد إدراك ضرورة الحصول على التأييد المالي والسياسي لمشروعه، سافر القلعي إلى العواصم الأوربية (1851 ـ 1852) ووجَّه النداءات إلى كبار المموِّلين اليهود أمثال مونتفيوري وأدولف كريمييه، ونشر في لندن كتيباً يحمل أفكاره وأسس فيها أيضاً جمعية استيطانية لم تُعمَّر طويلاً.

والتحق القلعي بجمعية استيطان فلسطين التي أسَّسها لورج في ألمانيا وقام بنشاط بارز في صفوفها. وفي عام 1871، زار فلسطين وأسَّس هناك جمعية استيطانية ما لبثت أن توقفت. ثم استقر نهائياً في فلسطين عام 1874. وقد قام بعض أتباعه بعد وفاته مباشرة بشراء أرض بتاح تكفا حيث أُقيمت أول مستعمرة يهودية زراعية في فلسطين. ويُلاحَظ أن القلعي تَوصَّل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية، وإلى معظم الديباجات الإثنية الدينية والعلمانية، ولكن فكره لم يكن حديثاً بقدر كاف، فلم يكتشف حتمية الاستعانة بالإمبريالية الغربية لوضع الفكرة الصهيونية موضع التنفيذ، ولذا، فقد تَحرَّك داخل نطاق الجماعات اليهودية وحسب، كما توجَّه إلى أثرياء اليهود وبعض الساسة اليهود في الغرب.
صمويل موهيليفر (1824-1898 (Samuel Mohilever
حاخام روسي، وأحد مؤسسي حركة أحباء صهيون. تلقَّى ثقافة دينية. وتعمَّق في دراسة القبَّالاه والحسيدية وتواريخ الجماعات اليهودية، كما كانت له معرفة أيضاً بالرياضيات واللغات الروسية والألمانية والبولندية. وقد اشتغل بالتجارة بعض الوقت قبل قيامه بأعماله ومهامه الدينية التي قَبلْها كارهاً، ثم ذاع صيته كعالم تلمودي. وهو من أهم المدافعين عن التعليم اليهودي وممارسة الأعمال اليدوية والزراعة. وقد ساهم موهيليفر في تنظيم الهجرة إلى فلسطين، وأقنع كلاًّ من هيرش وروتشيلد بأن يساهما في تمويل ومساعدة الاستيطان اليهودي لفلسطين (التوجُّه إلى أغنياء اليهود هو دائماً الخطوة الأولى في أي عمل صهيوني (
وقد استمر موهيليفر نشيطاً في حركة أحباء صهيون رغم علمانيتها الواضحة، وحينما نشب الخلاف بين العلمانيين من أحباء صهيون ومناوئيهم، عُهد إليه بأن يعمل في أوساط المتدينين، وسمَّى مكتبه آنذاك «المركز الروحاني» ومنه جاءت كلمة «مزراحي» . وقد كان من الداعين لمؤتمر كاتوفيتش، وحاول أكثر من مرة الاستيلاء على قيادة أحباء صهيون دون جدوى.

لم يتمكن موهيليفر من حضور المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ولكنه بعث رسالة تؤيد برنامج المؤتمر وتَوجُّهه الدبلوماسي. ويبدو أنه لم يكن يدرك أن الصهيونية قد تَحوَّلت من مجرد حركة استيطانية لإنقاذ بعض اليهود إلى حركة استعمارية استيطانية، أي جزء من المشروع الاستعماري الغربي. ولذلك، فإن خطابه يتحدث عن ضرورة التدخل لدى الحكومة التركية " لكي تسمح لشعبنا بأن يشتري الأرض ويبني البيوت". وهو يرى ضرورة التعاون مع العلمانيين لأن وضع اليهود يشبه حال من تلتهم النيران بيته. ولذا، فهو يَقْبل مساعدة كل من يمد له يد العون. وقد طلب من المؤتمر تقديم الشكر "للمحسن الكبير البارون إدموند دي روتشيلد" الذي أنفق عشرة ملايين فرنك على الاستيطان. وطالب المؤتمر بألا يمس أموال الصدقة التي تُعطَى لفقراء اليهود والقدس بدافع التقوى الدينية. وهو، بموقفه هذا، كان يعبِّر تعبيراً دقيقاً عن مشاكل حركة أحباء صهيون التي لم تدرك قط حتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.
ولكنه، مع هذا، بدأ يساهم في عملية التحديث بترويض اليهودية، فطالب بالتعاون مع اللادينيين ودعا إلى العودة للإقامة في فلسطين وشراء الأراضي وتعمير البيوت وزَرْع البساتين وفلاحة الأرض، بل يشير إلى أن العودة إحدى الوصايا الأساسية في التوراة وأن الحكماء اعتبروا هذه العودة بمنزلة الناموس الإلهي. وقد وجد موهيليفر سنداً لرؤيته التوفيقية هذه في التلمود الذي جاء فيه أن الإله يفضل أن يعيش أبناؤه في أرضهم، حتى ولو لم يُنفِّذوا تعاليم التوراة، على أن يعيشوا في المنفى ويُنفِّذوا تعاليمها (ولم يذكر الحاخام الصهيوني أن عكس هذا القول أيضاً ورد في التلمود (

ويذكر في خطابه كذلك أن القومية لا تتناقض مع عقيدة الماشيَّح، فالماشيَّح سيأتي ويجمع إسرائيل المشتتة ليسكن أبناؤها في بلدهم بدلاً من أن يظلوا هائمين على وجه الأرض يتنقلون من مكان إلى آخر.
وقد بدأ موهيليفر تلك السلسلة الطويلة من الحاخامات الصهاينة الذين أصدروا الفتاوى لتذليل الصعاب أمام عملية الاستيطان. وحينما واجه المستوطنون اليهود مشكلة حلول السنة السبتية، كان موهيليفر ضمن الحاخامات "التقدميين" الذين أفتوا بإباحة بيع الأرض للأغيار بيعاً صورياً حتى يتمكن اليهود من زراعتها.
موسى جلازنر (1856-1924 (Moses Glazner
حاخام صهيوني أرثوذكسي وأحد القادة المؤسسين لحركة مزراحي في المجر ورومانيا. هاجم الأرثوذكس بشدة في المؤتمر التأسيسي لحركة مزراحي، كما نشر الأفكار الصهيونية بين الدوائر الأرثوذكسية، وألَّف عدة كتب في الشريعة اليهودية.
هاجر إلى القدس عام 1923 ليشارك في النشاطات التعاونية والتربوية لحركة مزراحي، وتُوفي هناك عام 1924.
أبراهام كوك (1865-1924 (Abraham Kook
أهم مفكري الصهيونية الإثنية الدينية وأول حاخام أكبر لليهود الإشكناز في فلسطين. وُلد في شمال روسيا، وتلقى تعليمه الديني في إحدى المدارس التلمودية العليا، ثم هاجر إلى فلسطين عام 1904 واستقر فيها. وقد تَعرَّف كوك إلى تقاليد القبَّالاه وسعى وراء تجارب الإشراق الداخلية، والواقع أن كتاباته كلها مفعمة بروح قبَّالية وإيمان بالحلول الرباني في الشعب اليهودي. وتتلخص سيرة حياته ونشاطاته القومية الدينية في محاولة تقريب الصهيونية إلى المتدينين وتقريب المتدينين من الصهيونية.

ويأخذ كوك بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ويقوم بتهويدها تماماً من خلال ديباجته الدينية الصوفية الحلولية. فهو أولاً يرى أن المنفى حالة غير طبيعية، على عكس الرؤية التقليدية التي ترى المنفى جزءاً لا يتجزأ من التجربة الدينية عند اليهود فهي أمر الإله والعقاب الذي حاق باليهود نتيجة الذنوب التي اقترفوها. وحسب تصوُّره، لا يستطيع اليهودي أن يكون مخلصاً وصادقاً في أفكاره وعواطفه وخيالاته في أرض الشتات. فاليهودية في أرض الشتات ليس لها وجود حقيقي.
وكما هو متوقَّع، لا يرفض كوك اليهودية التقليدية بشكل صريح، فهو يقوم بترويضها وتحديثها وعلمنتها من الداخل من خلال الديباجات الدينية وذلك عن طريق تغليب الطبقة الحلولية داخل تركيب اليهودية الجيولوجي التراكمي وتجَاهُل الطبقة التوحيدية تماماً حتى تتفق اليهودية قلباً وربما قالباً مع الصهيونية. ويطرح كوك رؤية حلولية للأمة اليهودية (حلولية بدون إله تقترب إلى حدٍّ كبير من فكرة القومية العضوية بل تترادف معها) ، فالإله يحل في الإنسان والمادة (الشعب اليهودي والأرض اليهودية) فيوحدهما في وحدة حلولية عضوية، والقومية الدينية والدين القومي هما في واقع الأمر القومية العضوية بعد أن يحل الإله في المادة ويصبح كامناً فيها تماماً.

يؤكد كوك أن اليهود شعب، شعب واحد، واحد كوحدانية الكون (واحدية كونية) . ولكنه شعب من نوع خاص، فاليهودية دين قومي وقومية دينية. ولذا، فهو يهاجم دعاة العضوية الذين يتحدثون عن "روح الأمة" أو "روح الشعب العضوي" (بالألمانية: فولكس جايست Volksgeist، وبالعبرية: رواح ها أما) ويقول إنهم يخدعون أنفسهم، فما يسري في الأمة ليس قوة طبيعية عضوية وحسب، وإنما روح الإله نفسه. ولكن كوك يهاجم أيضاً المتدينين التقليديين الذين ينادون بأن مفهوم الأمة حسب العقيدة اليهودية لا علاقة له بالتعريفات القومية العلمانية الغربية الجديدة. يُسمِّي كوك هؤلاء «الانشطاريين» ، فريق منهم يحاول إسقاط العنصر الديني تماماً، والثاني يحاول إسقاط العنصر القومي تماماً أيضاً، أما كوك نفسه فيزيل كل الثنائيات ويرى أن ثمة تمازجاً كاملاً بين المطلق والنسبي وبين الخالق والمخلوق وبين القومية والدين، فكل عامل من عوامل الروح اليهودية يضم بشكل حتمي جميع جوانب نفسية الشعب اليهودي. ومن ثم، فإن فصل القومية عن الدين تزييف لكليهما، فثمة مادة إلهية تسري في جماعة يسرائيل تجعل روحها ملتصقة بروح الإله، بل إن روح يسرائيل وروح الإله شيء واحد (فهما من مادة واحدة) . هذا الإله الذي يكمن داخل الشعب هو مصدر روحهم القومية. ولذا، يجب على أعضاء هذا الشعب أن يدركوا حقيقة الإله الموجود داخلهم، ويدركوا من ثم حقيقة قوميتهم، فروح الإله تسري في الأرض سريانها في الشعب (وهنا يكتمل الثالوث الحلولي وهو نفسه الثالوث العضوي: الأرض والشعب والرابطة العضوية بينهما) . وكل ممتلكات اليهود القومية من أرض ولغة وتقاليد وتاريخ هي عروق تجري فيها روح الإله. ولذا، فإن أرض إسرائيل ليست شيئاً منفصلاً عن روح الشعب اليهودي، إنها جزء من جوهر الوجود اليهودي القومي ومرتبطة بحياة الوجود وبكيانه الداخلي ارتباطاً حلولياً عضوياً.

والوحي المقدَّس لا يمكن أن يكون نقياً إلا في أرض إسرائيل (أما خارجها، في المنفى، فهو مُشوَّش ومُلوَّث وغير نقي) . فالتجسد الإلهي من خلال الشعب لا يمكن أن يتم إلا على الأرض المقدَّسة (وفي هذا عودة للوثنية القديمة وللعبادة القربانية المركزية) ، وكلما ازداد تعلُّق الشخص بأرض إسرائيل، زادت أفكاره طهارة، والطهارة هنا هي نتيجة التعلق بشيء مادي وهو الأرض وليس نتيجة فعل الخير.
لكل هذا، تصبح العودة إلى الأرض المقدَّسة هي حل المسألة اليهودية، فهذا هو مصدر تميُّز اليهودية ولا أمل ليهود المنفى إلا بإعادة زَرْع أنفسهم في فلسطين والاعتماد على ينبوع الحياة الحقيقي المقدَّس الموجود في أرض إسرائيل وحدها. وإن عاد هذا الشعب ظهرت قدسيته الحقيقية، فهذا هو الطريق الوحيد لإعادة ولادة هذا الشعب (وهكذا يتحول الخطاب الاسترجاعي البروتستانتي والخطاب الاستيطاني الإمبريالي إلى خطاب صهيوني حلولي تجسدي)
وكما هو الحال مع المنظومات الحلولية، فبعد أن يتعادل المطلق والنسبي، والكل والجزء، والخالق والمخلوقات، تَرجَح كفة المخلوقات المادية على الخالق، فينسى كوك الروح الإلهية ويتحدث بدلاً من ذلك عن القومية العضوية دون أية إشارة إلى إله أو دين. ولذلك فهو يشير إلى اليهود في أرض الشتات باعتبارهم جماعة أدارت ظهورها للحياة الطبيعية ولتطوير الأحاسيس، وأهملت كل ما له علاقة حسية بحقيقة الجسد، ينقصها الإيمان بقدسية الأرض التي لا تختلف عن قدسية الجسد، فأخذوا يتحللون بشكل مخيف (وليُلاحَظ أن المرجعية النهائية هنا هي الطبيعة والجسد) . والبعث القومي (الصهيوني) هو الحل، وبعدها ستقوم الحياة الحسية (الطبيعية) مرة أخرى، وسينشط الحلم الذي بدأ ينال منه التعب.

ولكن القداسة هنا قداسة كامنة في المادة لا تتجاوزها، ومن ثم فهي لا تختلف عن القداسة التي يبحث عنها أهارون جوردون وغيره من الصهاينة العماليين الملحدين. ويقتبس كوك من المشناه العبارة التالية: "إن الإيمان يمكن التعبير عنه بقوة الحياة في الزرع، فالإنسان يمكن أن يبرهن على إيمانه بالحياة الأزلية عن طريق الزراعة". ثم ينهي كوك مقاله بعبارة دالة: "ستتحقق عودتنا فقط إذا ما رافقت عظمتنا الروحية عودة إلى الجسد من أجل جسم صحيح قوي وعضلات قوية تُغلِّف روحاً ملتهبة". وهذا الحديث لا يختلف البتة عن حديث داروين أو نيتشه، كما أنه لا يختلف عن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية. وفي مثل هذه الأنساق، تتحول وحدة الوجود إلى علمانية إلحادية صريحة.
في هذا الإطار الحلولي المادي التجسيدي، يصبح البعث السياسي وإنشاء الدولة اليهودية هو نفسه العصر المشيحاني. ويقدم كوك تاريخاً للدولة اليهودية ولاشتراك اليهود في معترك السياسة الدولية (وهي إشكالية العجز وانعدام السيادة) ، فيلاحظ أن قوى خارجية (وليس الإله) جعلت اليهود يضطرون إلى ترك هذه الحلبة، ولكن يبدو أن الانسحاب تم أيضاً برضاً تلقائي فقد كان العالم آثماً وقذراً ويتخلل الحياة السياسية فيه الكثير من الآثام. ولكن اليوم الذي سيصبح فيه العالم أكثر لطفاً قد دنا، ولذا يجب على اليهود أن يهيئوا أنفسهم ليحكموا دولة خاصة بهم. ثم يعطي كوك هذه الدولة طابعاً مشيحانياً حين يقول: "إن تأمين نظام العالم الذي تمزقه الحروب اليهودية يتطلب بناء الدولة اليهودية. وجميع الحضارات ستتجدد بولادة شعبنا من جديد".
ومن الواضح أن هذه الأفكار إعادة إنتاج لفكرة مشاركة الشعب اليهودي للخالق في إصلاح الكون (تيقون) وفي استعادة الخالق لوجوده وكليته الروحية.

وبعد ترويض اليهودية على هذا النحو، وبعد توليد الإلحاد من وحدة الوجود، لم يَعُد من الصعب تَبنِّي الصهيونية كعقيدة، وعقد الزواج بينها وبين اليهودية، مع افتراض أن اليهودية الحلولية هي التي ستحقق الانتصار النهائي. وقد كان كوك على يقين من أن جيل المستوطنين الصهاينة في فلسطين هو الجيل الذي تتحدث النبوءة عنه وعن أنه ينتمي إلى عصر الماشيَّح، وأن الرواد (بغض النظر عن علمانيتهم) كانوا ينفذون تعاليم الدين باستيطانهم الأرض في فلسطين. ولتسهيل مهمة الرواد، حاول كوك أن يصل إلى صيغ دينية يمكن أن تتسع للمتدينين والعلمانيين، وحاول أن يصبغ الصهيونية بالشرعية الدينية التي كانت تفتقر إليها في نظر الأرثوذكس على الأقل. وقد نادى بالتحالف مع "اللادينيين" لأنه كان على ثقة من أن جميع المستوطنين، الديني منهم والعلماني، سيرضخون في نهاية الأمر للصيغة الحلولية، لأن القومية اليهودية (على حد قوله) قومية مقدَّسة لا يستطيع العلمانيون مقاومة تيارها الأساسي. كما أنه كان يرى أن كل اليهود، ومنهم العلمانيون، تسري فيهم روح القداسة رغماً عنهم.
وقد شرح كوك موقفه وتصوُّره في صورة مجازية تفسيرية شهيرة قال فيها: حينما كان الهيكل المقدَّس قائماً، كان محظوراً على الأجانب أو حتى على أي يهودي عادي أن يدخل قدس الأقداس، وكان الكاهن الأكبر وحده هو المُصرَّح له بالدخول مرة واحدة في يوم الغفران. ومع هذا، فحينما كان الهيكل في دور التشييد، كان بإمكان أي عامل مشترك في البناء أن يدخل الحجرة الداخلية مرتدياً الملابس العادية.
ومن الواضح أن الهيكل في هذا التشبيه هو الدولة الصهيونية، والرواد هم العمال (أو لعلهم الصهاينة العماليون) ، أما الكهنة الحقيقيون فهم ولا شك اليهود الأرثوذكس الذين سيسيطرون على الهيكل بعد بنائه.

ولتسهيل مهمة البناء، حاول كوك أن يزيل المصاعب التي تقف في طريق النشاط الاستيطاني ويذللها للمستوطنين اليهود، فأصدر فتاوى متسامحة تُسهِّل لهم الحياة في فلسطين. وعلى سبيل المثال أصدر فتوى تبيح زراعة الأرض في سنة شميطاه أو السنة السبتية على أن تباع أرض الميعاد بشكل صوري للأغيار، كما صرَّح بلعب كرة القدم يوم السبت على أن تُباع التذاكر يوم الجمعة.
ويبدو أن كوك، انطلاقاً من رؤيته العضوية الحلولية، كان لا يرى مكاناً للعرب، فهم يقفون خارج دائرة القداسة. فأثناء ثورة عام 1929، اتهم كوك البريطانيين بالتقاعس عن حماية اليهود، واتخذ موقفاً متشدِّداً أثناء المعركة التي دارت حول حائط المبكى. وكان كوك قريباً من حركة مزراحي، ومع هذا فقد حضر مؤتمراً من مؤتمرات أجودات إسرائيل ليعرض وجهة النظر الصهيونية الدينية.
وسافر كوك إلى أوربا عام 1914، لكن الحرب حالت دون رجوعه فعمل حاخاماً في سويسرا ثم في لندن، وعاد إلى فلسطين عام 1917 حيث أسَّس مدرسة تلمودية لغة الدراسة فيها هي العبرية وكان يُدرِّس فيها ما يُسمَّى «الفلسفة اليهودية» إلى جانب الشريعة اليهودية. وقد نشر كوك بحوثاً في كل جوانب المعرفة الحاخامية والتصوف اليهودي والفلسفة والشعر، ونُشرت رسائله في عدة مجلدات، كما أن له العديد من الفتاوى.
ويمكننا أن نقول إن اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية تختفي تقريباً في أعمال كوك وتصبح صهيونية حلولية عضوية تطالب بضم كل أرض إسرائيل وبطرد العرب وبالحد الأقصى الصهيوني. وقد نجحت صيغته في الهيمنة على اليهودية الأرثوذكسية بحيث لم يبق سوى أقلية أرثوذكسية (الناطوري كارتا) هي التي تعارض الصهيونية.
مائير بار إيلان (برلين (1880-1949) (
‏Meir Bar Ilan (Berlin)

زعيم صهيوني ديني، من عائلة برلين، غيَّر اسمه بعد قيام إسرائيل فصار يُعرَف باسم «بار إيلان» . وُلد في فولوجن (روسيا) وتلقَّى تعليمه الديني هناك، وساهم في إنشاء حركة مزراحي. وفي عام 1905، شارك للمرة الأولى كمندوب في المؤتمر الصهيوني السابع. ومنذ 1910، استقر في برلين وأسس مجلة أسبوعية بالعبرية. وفي عام 1911، اختير عضواً باللجنة التنفيذية لحركة مزراحي العالمية ثم سكرتيراً عاماً لها عام 1912 بعد أن افتتحت مكتبها المركزي بالعاصمة الألمانية.
وأثناء الحرب العالمية الأولى، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك قام بدور بارز في النشاط الصهيوني وفي الأوساط اليهودية، فساهم في تطوير المجموعات المحلية لمزراحي وتولى رئاسة منظمة مزراحي من عام 1916 إلى عام 1926 حيث أصبح رئيساً شرفياً لها. وعمل بار إيلان بنشاط من خلال اللجنة اليهودية الأمريكية المشتركة للتوزيع وغيرها من المنظمات التي عملت على مساعدة اليهود من لاجئي الحرب في شرق أوربا. ثم استقر في فلسطين عام 1926، وتزعَّم حركة مزراحي العالمية منذ ذلك الحين وحتى وفاته، فيما عدا بعض الانقطاعات القصيرة. كما شغل عدة مناصب قيادية في المنظمة الصهيونية العالمية، وكان من دعاة التشدد مع العرب والبريطانيين، فعارض عام 1937 المشروع البريطاني لتقسيم فلسطين، وانسحب من مؤتمر سان جيمس بلندن عام 1939 عندما ظهرت بوادر خطط بريطانية معارضة للصهيونية في نظره. وبعد نشر الكتاب الأبيض عام 1939، نادى بسياسة المواجهة مع السلطات البريطانية في فلسطين ورفض أي تعاون معها. كما كان بار إيلان من أنصار الحرب على مظاهر عدم التدين بين المستوطنين الصهاينة.

وبوصفه خطيباً مُفوَّهاً، قام بار إيلان بعدة جولات وزيارات للمراكز اليهودية في أنحاء العالم من أجل إلقاء الخطب وعقد الندوات التي تدور حول الدعوة للأفكار الصهيونية. وقد نشر عدة مقالات صحفية، وألف عدة كتب من بينها: من فولوجن إلى القدس، وهو سيرة ذاتية في جزءين، ومعلم في إسرائيل. وقد أسَّس بار إيلان صحيفة هاتسوفيه وكان أول رئيس لتحريرها. وقد أُطلق اسمه على إحدى الجامعات في إسرائيل.
صمويل لانداو (1892-1928 (Samuel Landau
حاخام بولندي الأصل، وزعيم صهيوني ديني، ومؤسِّس جماعة عمال مزراحي. نشأ في بيئة حسيدية في بولندا حيث تلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً في المدرسة التلمودية وأصبح حاخاماً في سن الثامنة عشرة، ثم قرأ بنفسه الكتب غير الدينية وانخرط في سلك حركة مزراحي في بولندا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. وكتب لانداو عدة مقالات هاجم فيها موقف اليهود الأرثوذكس السلبي من الصهيونية. وفي عام 1926، هاجر إلى فلسطين حيث تابع نشاطه الصهيوني.
وينطلق لانداو من رؤية حلولية عضوية، ولذا فإنه يشدِّد في كتاباته على أهمية الاستيطان في الأرض، فالإقامة في الأرض المقدَّسة هي أحد الأوامر والنواهي (متسفوت) لأن القبس الإلهي لا يؤثر في الشعب اليهودي إلا وهو في أرضه، أي أنه يدور في إطار الثالوث الحلولي العضوي (الإله ـ الأرض ـ الشعب) . وهو يُطعِّم هذه الفكرة الحلولية العضوية بفكرة العمل وزراعة الأرض وبالديباجات الصهيونية العمالية الأخرى، ولكنه يبيِّن أنها قيَم مرتبطة في نهاية الأمر بالتوراة والوجود اليهودي المنفصل.
كما أنه يشير إلى أن هذه القيم العمالية اليهودية لا علاقة لها بمسألة النظام الاقتصادي أو بالعدالة الاجتماعية وإنما ترمي إلى خلق البدايات الأولى للحياة القومية، فالبعث القومي هو القيمة المطلقة الحاكمة وما عدا ذلك مجرد تجليات لها.

إعلان تغيير المناهج الدينية بمصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إعلان تغيير المناهج الدينية بمصر.
1431 جمادى الأولى - 2010 م
أعلن أحمد زكى بدر وزير التربية والتعليم المصري، والدكتور علي جمعة، مفتى الجمهورية، اتفاقهما على بدء تعديل مناهج التربية الدينية الإسلامية المقررة على الصفوف من الأول الابتدائي وحتى الثالث الثانوي عبر لجنة يشكلها الطرفان تبدأ عملها بناءً على معايير يضعها المفتي. وأوضحا أن عملية تغيير كتب الدين الإسلامي تستهدف تنقيتها مما أسمياه الأفكار التي يمكن فهمها على محمل التحريض ضد الآخر والانعزال عن المجتمع!! وقال المفتى المعروف بتوجهاته الصوفية: الكتب الحالية أدت الغرض منها ونحتاج إلى كتب دين جديدة تتواصل مع التطور الزمني وتجعل الطلاب أكثر تعايشاً مع المجتمع لكن هذا لا يعنى فساد الكتب السابقة. وأضاف أن دار الإفتاء تملك خطة عشرية لتعديل المناهج الدينية خلال العقد القادم، على أن يُرَاعى تعديلها في المستقبل.

الأول: وهو ما ينجلب بالعلم من المنافع الدينية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الأول: وهو ما ينجلب بالعلم من المنافع الدينية
وهو: حقي، وخلقي.
أشار إلى نفعه الأول: قوله - عليه الصلاة والسلام - في الحديث السابق: (فإن تعلمه لله خشية ... الخ) .
وإلى نفعه الثاني: قوله - عليه الصلاة والسلام -: (وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة) .

القسم الثالث: ما يندفع بالعلم من المضار الدينية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

القسم الثالث: ما يندفع بالعلم من المضار الدينية
وهو نوعان: فعل النواهي، وترك الأوامر.
فالأول: اتباع الشهوات المضرة، وأشار إليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: (التفكر فيه يعدل الصيام..) ، أي: في كسره الشهوتين.
والثاني: الغفلة، والميل إلى الكسل، وأشار إليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: (ومدارسته تعدل القيام..) ، أي: في نفي ما عرض في ذلك، لحصول التنبيه، والنشاط، والتذكرة، والانبساط.

الإرشادات السنية في تحقيق مسائل العقائد الدينية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الإرشادات السنية، في تحقيق مسائل العقائد الدينية
رسالة.
في الكلام.
أولها: (الحمد لله العليم ... الخ) .
مرت على: خمسة عشر إرشادا.
كتاب الأصول الدينية
للشيخ، الإمام، أبي منصور: عبد القاهر بن طاهر البغدادي، الشافعي.
المتوفى: سنة 429، تسع وعشرين وأربعمائة.
أوله: (الحمد لله ذي الحكم البوالغ، والنعم السوابغ ... الخ) .
ذكر فيه: خمسة عشر أصلا.
وشرح كل أصل: بخمس عشرة مسألة.
على: قواعد الرأي، والحديث.
المعارف الدينية
تأليف:
الإمام، الرباني، الشيخ: أحمد بن عبد الواحد الفاروقي، النقشبندي، السهرندي.
المتوفَّى: سنة 1034.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت