لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
الأصل في هذه العبارة أنها عبارة تجريح ، قال حرب بن إسماعيل الكِرمانيُّ: (قلت لأحمد بن حنبل: قيس بن الربيع ، أيُّ شيء ضعفه ؟ قال: روى أحاديث منكرة)(1).
ولكن إذا كان الراوي ممن ثبتت عدالته فهي حينئذ إشارة إلى أن في أحاديثه أحاديث منكرة قليلة نسبياً ، لا ينزل بسببها عن درجة الثقات في الجملة ، وإن نزل بها عن درجة المتقنين؛ فينبغي - لذلك - الحذرُ من قبول أفراده قبل التثبت والدراسة الكافية. وفرْقٌ بين (منكر الحديث) و (روى أحاديث منكرة)، وكما يلي بيانه: قال الزيلعي في (نصب الراية) (1/179): (حديث آخر: أخرجه الحاكم في "مستدركه"(2) عن عبد الغفار بن داود الحراني ثنا حماد بن سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر وثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليصل فيهما ، وليمسح عليهما ، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة" ؛ انتهى. قال الحاكم: إسناده صحيح على شرط مسلم ، ورواته عن آخرهم ثقات ؛ انتهى. وأخرجه الدارقطني في "سننه"(3) عن أسد بن موسى ثنا حماد بن سلمة به ؛ قال صاحب "التنقيح"(4): إسناده قوي، وأسد ابن موسى صدوق، وثقه النسائي. وغيره. انتهى. ولم يعله ابن الجوزي في "التحقيق" بشيء، وإنما قال: هو محمول على مدة الثلاث. قال الشيخ [يعني ابن دقيق العيد] في "الإمام": قال ابن حزم(5): هذا ممن(6) انفرد به أسد بن موسى عن حماد، وأسد منكر الحديث لا يحتج به. قال الشيخ(7): وهذا مدخول من وجهين: أحدهما: عدم تفرد أسد به، كما أخرجه الحاكم(8) عن عبد الغفار ثنا حماد. الثاني: أن أسداً ثقة، ولم يُر في شيء من كتب الضعفاء له ذكرٌ، وقد شرط ابن عدي أن يذكر في كتابه كل من تُكلم فيه، وذكر فيه جماعة من الأكابر والحفاظ، ولم يذكر أسداً، وهذا يقتضي توثيقه، ونقل ابن القطان توثيقه عن البزار، وعن أبي الحسن الكوفي. ولعلَّ ابن حزم وقف على قول ابن يونس في "تاريخ الغرباء": "أسد بن موسى حدّث بأحاديث منكرة، وكان ثقة، وأحسب الآفة من غيره" ؛ فإن كان أخذ كلامه من هذا فليس بجيد، لأن من يقال فيه: "منكر الحديث" ليس كمن يقال فيه: "روى أحاديث منكرة" ، لأن "منكر الحديث" وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه، والعبارة الأخرى تقتضي أنه وقع له في حين لا دائماً، وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم التيمي: "يروي أحاديث منكرة "، وقد اتفق عليه البخاري ومسلم، وإليه المرجع في حديث "إنما الأعمال بالنيات" ؛ وكذلك قال في زيد بن أبي أنيسة: "في بعض أحاديثه نكارةٌ" ، وهو ممن احتج به البخاري ومسلم، وهما العمدة في ذلك. وقد حكم ابن يونس [أي في أسد بن موسى] بأنه ثقة، وكيف يكون ثقة وهو لا يحتج بحديثه؟! انتهى(9). انتهى كلام الزيلعي. قلت: كلمة (روى أحاديث منكرة) يختلف معناها باختلاف السياق: فتكون دفاعاً عن الراوي وتوثيقاً له ، وذلك إذا ورد في السياق ما يفيد أن النكارة من غيره ، كما في النص المتقدم. وتكون توهيناً للراوي وحكماً عليه بالترك ، وذلك إذا قُرن بها ما يدل على ذلك ، مثل قول الناقد (روى أحاديث منكرة عن شيوخ ثقات) أو (روى أحاديث منكرة والحمل فيها عليه) (روى أحاديث منكرة لا يتابع عليها) (روى أحاديث منكرة وهو متهم). وأما إذا لم يقرن الناقد بكلمة (روى أحاديث منكرة) ما يدل صراحة على تبرئة الراوي من تبعة تلك الأحاديث ، أو يدل صراحة على أن الحمل فيها عليه ، ولم يوجد على هذا ولا ذاك أيُّ قرينة صريحة أو شبه صريحة، بل وردت هذه الكلمة مجردةً ، فالأصل فيها حينئذ أنها جرح في الراوي ، وأن الحمل في تلك النكارة يكون عليه ؛ ولكن مع ذلك قد يكون المراد بها أنه كان ذلك يقع منه أحياناً ، وقد يكون المراد أنه منكر الحديث أي أن كل ما رواه - أو معظمه - منكر ؛ فلا بد إذن من البحث عن الدلائل والقرائن المعيِّنة للمراد والمُعِينة على فهمه أو المرجحة له. وبمعنى قولهم (روى أحاديث منكرة) قولهم (روى مناكير). وانظر (ليس به بأس ولكنه روى أحاديث مناكير). __________ (1) الجرح والتعديل (3 / 2 / 98). (2) 1/181). (3) 1/203 - دار المعرفة 1386هـ). (4) هو الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى. (5) أي في (المحلى) (2/122). (6) كذا. (7) هو ابن دقيق العيد. (8) والبيهقي. (9) يعني كلام الإمام ابن دقيق العيد. |