مقاييس اللغة لابن فارس
|
(رَبَلَ)الرَّاءُ وَالْبَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى تَجَمُّعٍ وَكَثْرَةٍ فِي انْضِمَامٍ. يُقَالُ رَبَلَ الْقَوْمُ يَرْبُلُونَ. وَالرَّبِيلَةُ: السِّمَنُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَمْ يَكُ مَثْلُوجَ الْفُؤَادِ مُهَبَّجًا...أَضَاعَ الشَّبَابَ فِي الرَّبِيلَةِ وَالْخَفْضِ وَمِنَ الْبَابِ الرَّبَْلَةُ: بَاطِنُ الْفَخِذِ، وَالْجَمْعُ الرَّبَلَاتُ. وَامْرَأَةٌ مُتَرَبِّلَةٌ: كَثِيرَةُ اللَّحْمِ; وَقَدْ تَرَبَّلَتْ. وَالِاسْمُ الرَّبَالَةُ. وَمِمَّا يُقَارِبُ هَذَا الْبَابَ الرَّبْلُ، وَهُوَ ضُرُوبٌ مِنَ الشَّجَرِ، إِذَا بَرَدَ الزَّمَانُ عَلَيْهَا وَأَدْبَرَ الصَّيْفُ، تَفَطَّرَتْ بِوَرَقٍ أَخْضَرَ مِنْ غَيْرِ مَطَرٍ. يُقَالُ تَرَبَّلَتِ الْأَرْضُ. وَمِنَ الَّذِي يُقَارِبُ هَذَا: الرِّئْبَالُ، وَهُوَ الْأَسَدُ; سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَجَمُّعِ خَلْقِهِ. |
المخصص
|
أَبُو حنيفَة إِذا أدبر العشب وَأخذ فِي الهيج ثمَّ مطر فَعَادَت إِلَيْهِ خضرته ورأيته تغير لَونه فَذَلِك - النشر وَقد نشر نشراً قَالَ وَزعم بعض الروَاة أَنه الْكلأ يبيس ثمَّ يُصِيبهُ الْمَطَر فَيخرج فِيهِ شَيْء كَهَيئَةِ الحلمة أَحْمَر وَالْمَعْرُوف الأول قَالَ وَلَا يكون النشر إِلَّا بالصيف وَهُوَ الجميم لِأَنَّهُ يَأْتِي عِنْد هيج الأَرْض فَإِذا أصَاب العشب فَرده إِلَى رطوبته كَانَ ذَلِك زِيَادَة فِي الْجُزْء أَي الاجتزاء بالرطب عَن المَاء ومدله وَهُوَ - النسيء وكل تَأْخِير ومدٍ فِي مدةٍ فَهُوَ - نسيء وَإِذا مطر اليبيس فنبت فِي أُصُوله نبت الخضرة جَدِيدا حَتَّى يغمر الأول فَهُوَ - غمير وَقد غمره يغمره وَمِنْه قَول زُهَيْر: ثلاثٌ كأقواس السَّرَّاء وناشطٌ قد اخضر من لس الغمير حجافله وَأَن يكون الغمير الْأَخْضَر الَّذِي ترَاهُ عمره الْعَاميّ أصوب لقَوْل زُهَيْر: قد اخضر من لس الغمير حجافله لِأَنَّهُ صغارٌ وَلَو كَانَ هُوَ الغامر لما احْتَاجَ إِلَى لسه لِأَن اللس لما لم يطلّ وَلم يستمكن قَالَ وَقَالَ بَعضهم إِذا يَبِسَتْ البهمي وتحطمت كَانَت كلأ يرعاه النَّاس حَتَّى يُصِيبهُ الْمَطَر من عامٍ مقبل وينبت م تَحْتَهُ حبه الَّذِي سقط من سنبله فيسمى عِنْد ذَلِك الغمير ويأكله المَال على ريح الْغَيْث الَّذِي فِيهِ ابْن السّكيت
الغمير - مَا كَانَ فِي الأَرْض من خضرَة قليلةٍ إِمَّا ريحةٍ وَإِمَّا نباتاً وَالْجمع أغمراءٌ وَوجدت أَرضًا تغمر غنمها أَبُو حنيفَة والمودس - الَّذِي اخضر بعد ذهَاب فَرعه وَأنْشد: أَو كمجلوح جعثنٍ بله القط رفأضحى مودس الْأَعْرَاض وَقد تقدم أَن التوديس اخضرار الأَرْض فِي أول انباتها والمعنيان متقابلان أَبُو حنيفَة الخلفة والريحة والربة والربل والعدوي - نَبَات ينْبت فِي دبر القيظ بعد يبس الأَرْض إِذا أحس بانكسار الْحر وَبرد لَهُ اللَّيْل فَمِنْهُ مَا يكون ذَلِك أول نَبَاته وَمِنْه مَا يكون نباتاً فِي أصُول قد ذهبت فروعها فَأكلت وَمِنْه مَا ينْبت والنبات الأول بِحَالهِ أَخْضَر غير أَنه يَتَجَدَّد لَهُ ورقٌ وأفنان رطبَة كَهَيئَةِ مَا ينْبت فِي أول الزَّمَان وَرُبمَا أزهى مَعَ ذَلِك الشّجر وأثمر ثمراً جَدِيدا يبلغ أَن يُؤْكَل وَإِن لم ينْتَه إِلَى إِنَاء ابْن السّكيت العدوية كالعدوي أَبُو حنيفَة وَيُقَال من الخلفة اسْتخْلف النَّبَات وأخلف كَمَا يُقَال فِي الطَّائِر أخلف - إِذا نفض قوادمه الأول وَنبت لَهُ قوادم جدد وَيُسمى خلفة وَقد يخلف بعد النبت الأول وَلذَلِك قيل لزرع الْحُبُوب خلفة لِأَنَّهُ يسْتَخْلف من الْبر وَالشعِير والخلفة أَيْضا قد يُقَال لغير الربل وَهُوَ كل شَيْء يَجِيء بعد شَيْء وَيُقَال من الريحة تروح النبت وروح وَرَاح يراح ريوحاً - خرجت فِيهِ الريحة وَمن الربل أربل النَّبَات وتربل وَأنْشد فِي الاربال: فِي مربلات روحت صفرية بنواضحٍ يقطرن غير مريس صفرية - منسوبة إِلَى الزَّمَان الَّذِي يُسمى الصفري وَهُوَ مَا بَين القيظ والشتاء وَفِيه يتربل الشّجر ويستخلف وَأنْشد: تبيح لنا أرماحنا كل عازبٍ من الصفري سوقه قد تولت الصفرية - أَوَاخِر الْحر وأوائل الْبرد قَالَ وَيسْأل الرجل صَاحبه فِي زمَان الصفرية كَيفَ مَالك فَيَقُول قد تصفر المَال وَحسنت حَاله إِذا ذهبت عَنهُ وغرو القيظ وَجمع الربل ربول وَإِن كَانَ فِي الأَصْل اسْما لجمع قَالَ الشَّاعِر وَوصف ظَبْيَة: لَهَا من وراقٍ ناعمٍ مَا يكنها مربٌ فترعاه الضُّحَى وربول يكنها - يصونها فَلَا تطلب غَيره - والوراق - الخضرة مَا كَانَت فَأَرَادَ أَن لَهَا مَعَ الربل وراقاً من غَيره وَذَلِكَ أَن من النَّبَات نباتاً تدوم خضرته إى أخر القيظ حَتَّى يتَّصل بالربل فيجتمع المرعيان وَمِنْه قَول العجاج: فَاجْتمع الرّبيع والربلي مكراً وجدراً واكتسى النصي وَهَذِه الَّتِي عدد ضروب مِمَّا يتربل من النَّبَات واكتسى النصي - أَي اكتسى بالورق الْجَدِيد من الريحة وَلِهَذَا قَالَ الْأَصْمَعِي فِي وصف الْعَرَب تَيْس الْحَلب بالسرعة حِين شبهت الْفرس بِهِ فَقَالَت لِأَنَّهُ اتَّصل لَهُ الرّبيع والربل قَالَ وأسرع الظباء تَيْس الْحَلب لِأَنَّهُ قد رعى الرّبيع والربل فاتصل لَهُ المرعى والريحة تكون من الْحَلب وَهُوَ - أَن يظْهر النبت فِي أُصُوله الَّتِي بقيت من عَام أول فِي مربٍ يرب الثرى صَاحب الْعين المقيظة - نَبَات أَخْضَر يبْقى إِلَى القيظ يكون علقَة للابل إِذا يبس مَا سواهُ غَيره النَّبَات إِذا سلخ ثمَّ عَاد واخضر فَهُوَ - سالخٌ من الحمض وَذَلِكَ إِلَى نصف الشَّهْر أَو عشْرين لَيْلَة أَكثر ذَلِك أَبُو حنيفَة وهف النَّبَات وهفاً ووهيفاً - اهتز واشتدت خضرته أَبُو صاعد الصربات - أَشْيَاء تنْبت إِمَّا من مطرٍ قَلِيل وَإِمَّا خضرَة رعيت ثمَّ تخيرت بعد الْيَابِس وقدصربت الأَرْض وَهِي بِلَاد كَانَ أَصَابَهَا أول الرّبيع ثمَّ دلكها النَّاس حَتَّى طسم ترابه ثمَّ بذر النَّاس وتركوها فَنَبَتَتْ بِشَيْء يسير بعد ذَلِك وَأَرْض صاربةٌ - فِيهَا صريبة من مربع وَلَا تكون الصربة إى فِي الْخَلَاء ابْن الْأَعرَابِي الخضب من النَّبَات - مَا يُصِيبهُ الْمَطَر فيخضر وَجمعه خضوب وكل بهيمةٍ أَكلته فَهِيَ - خاضبٌ صَاحب الْعين الغميم - الاخضر تَحت الْيَابِس |
|
النحوي، اللغوي: حسن بن أحمد، المعروف بالمغربل، الشافعي الدمشقي.
من مشايخه: الشيخ إسماعيل العجلوني، وقرأ على الشيخ حسن المصري نزيل بني السفرجلاني بالآلات التفسيرية والعلوم العقلية والشرعية وغيرهما. كلام العلماء فيه: * سلك الدرر: "النحوي" اللغوي، كان كاتبًا حافظًا، له فضيلة سيما بالنحو والعربية، مشتغلًا في صنعة غربلة القمح. وكان عفيفًا دينًا له شرف نفس ووقار ... وكان له شعر قليل" أ. هـ. من أقواله: ومن نثره الذي كتبه إلى أحمد المنيني ¬__________ * سلك الدرر (2/ 19). الدمشقي قوله: " ... سيدنا ومولانا بعد حمد الله تعالى مؤلف القلوب وإن كانت لأجساد نائية، والجامع بينها بعد بينها فأصبحت بقدرته في عيشة راضية، ولا برحت مرقاة السيادة مشرفة بلثم قدميه وأهد به سلامًا تتناسب جداول المحبة في رياض أسراره ... " وفيه كلام آخر يدل على تعلقه بالشيخ تعلق المريد بشيخه. وفاته: بعد سنة (1150 هـ) خمس ومائة وألف. من مصنفاته: كتب تاريخ الأمين مرات، وشرح دلائل الخيرات، وشرح تاريخ العتبي للشيخ أحمد المنيني. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
مسير مظفر الدين صاحب إربل إلى الموصل وعوده عنها.
623 جمادى الآخرة - 1226 م استقرت القاعدة بين مظفر الدين بن زين الدين، صاحب إربل وبين جلال الدين بن خوارزم شاه وبين الملك المعظم، صاحب دمشق، وبين صاحب آمد، وبين ناصر الدين، صاحب ماردين، ليقصدوا البلاد التي بيد الأشرف، ويتغلبوا عليها، ويكون لكل منهم نصيب، فبادر مظفر الدين إلى الموصل, وأما جلال الدين فإنه سار من تفليس يريد خلاط، فأتاه الخبر أن نائبه ببلاد كرمان، واسمه بلاق حاجب، قد عصى عليه, فلما أتاه الخبر بذلك ترك خلاط ولم يقصدها، إلا أن عسكره نهب بعض بلدها وخرب كثيراً منه، وسار مجدداً إلى كرمان؛ فانفسخ جميع ما كانوا عزموا عليه، إلا أن مظفر الدين سار من إربل ونزل على جانب الزابن ولم يمكنه العبور إلى بلد الموصل, وكان بدر الدين قد أرسل من الموصل إلى الأشرف، وهو بالرقة، يستنجده، ويطلب منه أن يحضر بنفسه الموصل ليدفع مظفر الدين، فسار منها إلى حران، ومن حران إلى دنيسر، فخرب بلد ماردين وأهله تخريباً ونهباً, وأما المعظم، صاحب دمشق، فإنه قصد بلاد حمص وحماة، وأرسل إلى أخيه الأشرف ليرحل عن ماردين وحلب، على أن يعود كل منهم إلى بلده. فرحل الأشرف عن ماردين، ورحل المعظم عن حمص وحماة، ورحل مظفر الدين عن الموصل. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وصول طائفة من التتر إلى إربل ودقوقا.
628 ذو الحجة - 1231 م وصل طائفة من التتر من أذربيجان إلى أعمال إربل، فقتلوا من على طريقهم من التركمان الإيوانية والأكراد الجوزقان وغيرهم إلى أن دخلوا بلد إربل، فنهبوا القرى، وقتلوا من ظفروا به من أهل تلك الأعمال، وعملوا الأعمال الشنيعة التي لم يسمع بمثلها من غيرهم، وبرز مظفر الدين، صاحب إربل، في عسكره، واستمد عساكر الموصل فساروا إليه، فلما بلغه عود التتر إلى أذربيجان أقام في بلاده ولم يتبعهم، فوصلوا إلى بلد الكرخيني، وبلد دقوقا، وغير ذلك، وعادوا سالمين لم يذعرهم أحد، ولا وقف في وجوههم فارس. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
606 - كوكبوري بن عليّ بن بكتكين بن محمد، السُّلطان الملك المعظم مُظَفَّر الدِّين أبو سعيد ابن صاحب إربل الأمير زين الدِّين أبي الحَسَن عليّ كوجك التركماني، [المتوفى: 630 هـ]
وكوجك: لفظ أعجمي معناه لطيف القد. كَانَ شجاعًا، شهمًا، ملك بلادًا كثيرة - أعني عليّ كوجك - ثمّ فرَّقها على أولاد الملك قطب الدِّين مودود صاحب المَوْصِل. وكان موصوفًا بالقوة المفرطة، وطال عُمره، وحجَّ هُوَ والأمير أسد الدِّين شيركوه بن شاذي في سَنَةِ خمسٍ وخمسين وخمسمائة، ومات في آخر سَنَة ثلاثٍ وستّين بإربل، ولَهُ مدرسةٌ بالمَوْصِل وأوقاف. فلمّا مات ولي إربل مظفر الدِّين هذا وهُوَ ابن أربع عشرة سَنَة. وكان -[931]- أتابكَه مجاهد الدِّين قايماز، ثمّ تعصَّب عليه مجاهد الدّين وكتب محضرًا أنَّه لا يَصلح واعتقلَه، وشاور الخليفة في أمره. وأقام موضعه أخاه زين الدِّين يوسف بن عليّ، وطردَ مظفّر الدِّين عن البلاد فتوجّه إلى بغداد، فلم يلتفتوا عليه، فقَدِمَ المَوْصِل، وبها الملكُ سيفُ الدِّين غازي بن مودود، فأقطعه حَرَّان، فأقام بها مُدَّةً، ثمّ اتّصل بخدمة السُّلطان صلاح الدِّين، ونفقَ عليه، وتمكّن منه، وزاد في إقطاعه الرُّها سَنَة ثمانٍ وسبعين، وزوَّجه بأخته ربيعةَ خاتون وكانت قبلَه عند سَعْد الدِّين مسعود ابن الأمير مُعين الدِّين أُنر الّذي يُنسب إليه قصر مُعين الدِّين. وتُوُفّي سعدُ الدِّين في سَنَةِ إحدى وثمانين وخمسمائة. وشهِد مظفّر الدِّين مع السُّلطان صلاح الدِّين مواقف كثيرةً أبان فيها عن نجدةٍ وقوّةٍ، وثبتَ يوم حطّين، وبيَّن. ثمّ وفد أخوه زين الدّين يوسف على صلاح الدّين نجدة، وخدمةً من إربل، فمرض في العسكر على عكّا وتوفّي في رمضان سَنَة ستٍّ وثمانين. فاستنزل صلاح الدِّين مظفّر الدِّين عن حَرَّان والرُّها ففعل، وأعطاه إربل وشهرَزور فسارَ إليها وقدِمها في آخر السنة. ذكره القاضي شمس الدِّين وأثنى عليه، وقال: لم يكن شيء أحبّ إليه من الصَّدقة، وكان لَهُ كلّ يوم قناطير مُقنْطرة من الخُبز يفرِّقها، ويكسو في السنة خَلقًا ويُعطيهم الدِّينار والدِّينارين. وبنى أربع خَوانِك للزُّمنى والعُميان، وملأها بهم، وكان يأتيهم بنفسه كلَّ خميس واثنين، ويدخلُ إلى كلّ واحد في بيته، ويسأله عن حاله، ويتفقّده بشيءٍ، وينتقل إلى الآخر حَتّى يدور على جميعهم، وهُوَ يُباسطهم ويمزَح معهم. وبنى دارًا للنِّساء الأرامل، ودارًا للضعفاء الأيتام، ودارًا للملاقيط رتَّب بها جماعة من المراضع. وكان يدخل البيمارستان. ويقف على كل مريض مريض ويسألُه عن حاله. وكان لَهُ دارٌ مَضيف يدخل إليها كلّ قادم من فقيرٍ أو فقيهٍ فيها الغداءُ والعشاءُ، وإذا عزمَ -[932]- على السفر، أعطوه ما يليقُ به. وبني مدرسةً للشافعية والحنفية وكان يأتيها كلَّ وقتٍ، ويعمل بها سماطًا ثمّ يَعمل سماعًا، فإذا طاب وخلعَ من ثيابه سيَّر للجماعة شيئًا من الإنعام، ولم تكن لَهُ لذّةٌ سوى السَّماع، فإنَّه كَانَ لا يتعاطى المُنكر، ولا يمكن من إدخاله البلد. وبنى للصّوفية خانقاتين، فيهما خلقٌ كثير، ولهما أوقافٌ كثيرة، وكان ينزل إليهم ويعمل عندهم السَّماعات. وكان يبعثُ أُمناءَه في العام مرتين بمبلغ يَفْتَكُّ به الأَسرى، فإذا وصلوا إليه أعطى كلَّ واحد شيئًا. ويُقيم في كلَّ سَنَة سبيلًا للحجّ، ويبعث في العام بخمسة آلاف دينارٍ للمُجاورين. وهُوَ أوّل من أجرى الماءَ إلى عَرفات، وعمِل آبارًا بالحجاز، وبنى لَهُ هناك تُربةً. قال: وأمَّا احتفالُه بالمَولد، فإنَّ الوَصْف يَقْصُر عن الإحاطة به، كَانَ الناسُ يقْصدُونه من المَوْصِل، وبغداد، وسِنجار، والجزيرة، وغيرها خلائق من الفُقهاء والصُّوفية والوعّاظ والشعراء، ولا يزالون يتواصلون من المحرَّم إلى أوائل ربيع الأوّل ثمّ تُنْصب قِباب خَشب نحو العشرين، منها واحدةً لَهُ، والباقي لأعيان دولته، وكلُّ قبة أربع خمس طبقات ثمّ تزيّن من أوّلِ صفر، ويقعد فيها جَوْق المغاني والمَلاهي وأَرْبابُ الخَيال، ويبطل معاشُ النَّاس للفُرجة. وكان ينزل كلَّ يومٍ العصر، ويقف على قُبَّة قُبة، ويسمع غِناءهم، ويتفرَّج على خيالاتهم، ويبيت في الخانقاه يعمل السَّماع، ويركب عَقيب الصُّبح يتصيَّدُ، ثمّ يرجع إلى القلعة قبل الظُّهر، هكذا يفعلُ كلّ يوم إلى ليلة المولد، وكان يعمله سنةً في ثامنٍ الشهر وسَنةَ في ثاني عشرة للاختلاف، فيُخرجُ من الإِبل والبقَر والغنم شيئًا زائدًا عن الوصف مزفوفة بالطّبول والمغاني إلى الميدان، ثمّ تُنحر وتُطبخُ الألوان المختلفة، ثمّ ينزلُ وبين يديه الشُّموع الكبيرة وفي جملتها شمعتان أو أربع - أشكّ - من الشموع الموكبية التي تحمل كلُّ واحدةٍ على بغلٍ يسنِدُها رجل، حَتّى إذا أتى الخانقاه نزل. وإذا كَانَ صبيحةُ يوم -[933]- المولد أنزلَ الخِلع من القَلْعة على أيدي الصُّوفية في البُقَج، فينزل شيءٌ كثير، ويجتمع الرؤساء والأعيان وغيرهم، ويَتَكَلَّم الوعاظُ، وقد نُصبَ لَهُ برج خَشب لَهُ شبابيك إلى النَّاس وإلى المَيدان وهُوَ مَيدان عظيم يَعْرض الْجُند فيه يومئذٍ ينظر إليهم تارةٍ وإلى الوعّاظ تارةً، فإذا فرغ العَرضُ، مدَّ السِّماط في المَيدان للصّعاليك وفيه من الطّعام شيء لا يحدٌ ولا يُوصَف، ويمدُّ سماطًا ثانيًا في الخانقاه للناس المجتمعين عند الكُرسي، ولا يزالون في الأكل ولُبْس الخِلع وغير ذلك إلى العصر، ثمّ يبيتُ تلك الليلة هناك، فيعمل السّماعات إلى بُكْرة. وقد جمع لَهُ أبو الخطّاب بن دِحية أخبارَ المولد، فأعطاه ألف دينار. وكان كريمَ الأخلاق، كثيرَ التواضع، مائلًا إلى أهل السُّنَّة والجماعة، لا يَنْفُقُ عنده سوى الفقهاء والمحدّثين، وكان قليلَ الإقبال على الشِّعر وأهلِه. ولم يُنقل أنَّه انكسر في مصافٍّ. ثمّ قال: وقد طوَّلت ترجمته لِما لَهُ علينا من الحقوق التي لا نقدر على القيام بشكره، ولم أذكر عنه شيئًا على سبيل المُبالغة، بل كلُّ ذلك مشاهدة وعِيان. وُلِدَ بقلعة إربل في المحرَّم سنة تسعٍ وأربعين وخمسمائة. وقال ابن السَّاعي: طالت على مظفّر الدِّين مراعاة أولاد العادل ولم يجد منهم إعانةَ على نوائبه كما كَانَ هُوَ لهم في حروبهم. فأخذَ مفاتيحَ إربل وقِلاعها وسارَ إلى بغداد وسلَّم ذلك إلى المستنصر بالله في أوّل سَنَة ثمانٍ وعشرين فاحتفلوا لَهُ، وجلسَ لَهُ الخليفةُ، ورُفِعَ لَهُ السَّتر عن الشُّبّاك فقبَّل الكلَّ الأرضَ ثمّ طلعَ إلى كرسيَّ نُصب لَهُ وسلَّم وقرأ: {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكم}} .. الآية. فردَّ عليه المُستنصر السّلامَ، فقبّل الارضَ مِرارًا. فقال المستنصر: {{إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مكينٌ أمينٌ}}. وقال ما معناه: ثبت عندنا إخلاصك في العبودية. ثمّ أسبلت السّتارة، ثمّ خلعوا على مظفّر الدّين وقُلِّدَ سيفين، ورُفِعَ وراءه سَنجقان مذهبّة. ثمّ اجتمع بالخليفة يومًا آخر، -[934]- وخُلع أيضًا عليه، ثمّ أُعطي راياتٍ وكوساتٍ، وستّين ألف دينار، وخَلعوا على خواصّه. قلتُ: وأمّا أبو المظفّر الجوزيّ فقال في " مرآة الزمان " - والعُهدة عليه، فإنَّه خسَّاف مُجازف لا يتورع في مقاله -: كَانَ مظفّر الدِّين ابن صاحب إربل ينفق في كلِّ سَنَة على المولد ثلاثمائة ألف دينار، وعلى الخانقاه مائتي ألف، وعلى دار المضيف مائة ألف، وعلى الأسارى مائتي ألف دينار، وفي الحرمين والسبيل ثلاثين ألف دينار. وقال: قال من حَضَر المولد مرَّةً: عددتُ على السّماط مائة فرس قشلمش، وخمسة آلاف رأسٍ شوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زُبديَّة، وثلاثين ألف صحن حلْواء. ثمّ قال ابن الجوزيّ، وأبو شامة: تُوُفّي سَنَة ثلاثين. وقال الحافظ زكيّ الدِّين: تُوُفّي في هذه السنة بإربل. سَمِعَ من حنبل الرصافي، وغيره. وحدَّث. وقال ابن خَلّكان: تُوُفّي ليلة الجمعة رابعَ عشر رمضان سَنَة ثلاثين. ثمّ حُمِلَ وقتَ الحجّ بوصيّته إلى مكَّة، فاتّفق أنّ الحاجّ رجعوا تلك السنة لعدم الماء، وقاسوا شدَّةً فدفن بالكوفة. وكوكبريّ: كلمة تركية معناها: ذئب أزرق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
329 - محمد بْن نصر بْن يحيى الصاحب تاج الدين، أبُو المكارم بْن صلايا، نائب إربل الهاشمي، العَلَويّ، الشيعي. [المتوفى: 656 هـ]
كَانَ نائب الخليفة بإربل، وكان مِنْ رجال العالم عقلًا ورأيًا وحزْماً وصرامة وكان سمْحاً، جوادًا، ماجدًا. بَلَغَنَا أن صدقاته وهِباته كانت تبلغ فِي السَّنَة ثلاثين ألف دينار، وكان بينه وبين صاحب الموْصل لؤلؤ منافسة، فلمّا استولى هولاوو عَلَى العراق أحضرهما عنده، فيقال إن لؤلؤ قال لهولاوو: هذا شريف علوي، ونفْسه تحدثه بالخلافه، ولو قام لتبعه النّاس واستفحل أمرُه. -[847]- فقتله هولاوو فِي شهر ربيع الأوّل، أوْ فِي ربيع الآخر، بقُرب تبريز، وله أربعٌ وستون سنة عَلَى الأصح. وكان ذا فضيلةٍ تامة، وأدبٍ وشِعر. وكان يشدد العقوبة عَلَى شارب الخمر بأنْ يقلع أضراسه، ولقد دارى التّتار حتى انقادوا لَهُ، وكان مِنْ دخل منهم إلى حدود إربل بددوا ما معهم مِن الخمور رعاية لَهُ. |