الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الطَّلَبُ فِي اللُّغَةِ: مُحَاوَلَةُ وِجْدَانِ الشَّيْءِ وَأَخْذِهِ. وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (1) وَالْعِلْمُ لُغَةً: الْيَقِينُ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْمَعْرِفَةِ. وَاصْطِلاَحًا اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِهِ: فَتَارَةً عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، وَهَذَا عِلْمُ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَمَّا عِلْمُ الْخَالِقِ فَهُوَ الإِْحَاطَةُ وَالْخَبَرُ عَلَى مَا هُوَ بِهِ. (2) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْجَهْل: 2 - الْجَهْل لُغَةً: نَقِيضُ الْعِلْمِ، وَيُطْلَقُ عَلَى السَّفَهِ وَالْخَطَأِ، يُقَال جَهِل عَلَى غَيْرِهِ سَفِهَ وَأَخْطَأَ. وَالْجَهْل اصْطِلاَحًا: هُوَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ. (3) ب - الْمَعْرِفَةُ: 3 - الْمَعْرِفَةُ لُغَةً: الْعِلْمُ يُقَال عَرَّفَهُ الأَْمْرَ: أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، وَعَرَّفَهُ بَيْتَهُ: أَعْلَمَهُ بِمَكَانِهِ. (4) وَالْمَعْرِفَةُ اصْطِلاَحًا: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، قَال صَاحِبُ التَّعْرِيفَاتِ: وَهِيَ مَسْبُوقَةٌ بِجَهْلٍ بِخِلاَفِ الْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الْحَقُّ تَعَالَى بِالْعَالِمِ دُونَ الْعَارِفِ. وَفَرَّقَ صَاحِبُ الْكُلِّيَّاتِ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ تُقَال لِلإِْدْرَاكِ الْمَسْبُوقِ بِالْعَدَمِ، وَلِثَانِي الإِْدْرَاكَيْنِ إِذَا تَخَلَّلَهُمَا عَدَمٌ، وَلإِِدْرَاكِ الْجُزْئِيِّ، وَلإِِدْرَاكِ الْبَسِيطِ. وَالْعِلْمُ يُقَال لِحُصُول صُورَةِ الشَّيْءِ عِنْدَ الْعَقْل، وَلِلاِعْتِقَادِ الْجَازِمِ الْمُطَابِقِ الثَّابِتِ، وَلإِِدْرَاكِ الْكُلِّيِّ، وَلإِِدْرَاكِ الْمُرَكَّبِ. (5) حُكْمُ طَلَبِ الْعِلْمِ: الْعِلْمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الشَّرْعِ، أَوْ غَيْرَ شَرْعِيٍّ. أ - طَلَبُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ: 4 - طَلَبُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مَطْلُوبٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ طَلَبِهَا بِاخْتِلاَفِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا. فَمِنْهَا مَا طَلَبُهُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَهُوَ تَعَلُّمُ الْمُكَلَّفِ مَا لاَ يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ الَّذِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ إِلاَّ بِهِ، كَكَيْفِيَّةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، وَحَمَل عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ. (6) قَال النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ. ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ لاَ يَجِبُ طَلَبُهَا إِلاَّ بَعْدَ وُجُوبِهَا، وَيَجِبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا يَتَوَقَّفُ أَدَاءُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ غَالِبًا دُونَ مَا يَطْرَأُ نَادِرًا، فَإِنْ وَقَعَ وَجَبَ التَّعَلُّمُ حِينَئِذٍ، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْبَيْعَ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ مَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُبَايَعَاتِ، كَمَا يَجِبُ مَعْرِفَةُ مَا يَحِل وَمَا يَحْرُمُ مِنَ الْمَأْكُول، وَالْمَشْرُوبِ، وَالْمَلْبُوسِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا لاَ غِنَى لَهُ عَنْهُ غَالِبًا، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ إِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ، ثُمَّ إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْفَوْرِ كَانَ تَعَلُّمُ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالْحَجِّ فَعَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ مَنْ يَقُول بِذَلِكَ. وَمِنْهَا مَا طَلَبُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ تَحْصِيل مَا لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ فِي إِقَامَةِ دِينِهِمْ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ كَحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَالأَْحَادِيثِ، وَعُلُومِهِمَا، وَالأُْصُول، وَالْفِقْهِ، وَالنَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَالتَّصْرِيفِ، وَمَعْرِفَةِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَالإِْجْمَاعِ، وَالْخِلاَفِ. وَالْمُرَادُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ تَحْصِيل ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ بِهِ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَيَعُمُّ وُجُوبُهُ جَمِيعَ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ مَنْ تَحْصُل بِهِ الْكِفَايَةُ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِذَا قَامَ بِهِ جَمْعٌ تَحْصُل الْكِفَايَةُ بِبَعْضِهِمْ فَكُلُّهُمْ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الْقِيَامِ بِالْفَرْضِ فِي الثَّوَابِ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ جَمْعٌ ثُمَّ جَمْعٌ ثُمَّ جَمْعٌ فَالْكُل يَقَعُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَلَوْ أَطْبَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى تَرْكِهِ أَثِمَ كُل مَنْ لاَ عُذْرَ لَهُ مِمَّنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَأَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِهِ. وَمِنْهَا مَا طَلَبُهُ نَفْلٌ، كَالتَّبَحُّرِ فِي أُصُول الأَْدِلَّةِ، وَالإِْمْعَانُ فِيمَا وَرَاءَ الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُل بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ. (7) ب - الْعُلُومُ غَيْرُ الشَّرْعِيَّةِ: 5 - يَعْتَرِي طَلَبُ الْعُلُومِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ الأَْحْكَامَ التَّكْلِيفِيَّةَ الْخَمْسَةَ، إِذْ مِنْهَا مَا طَلَبُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، كَالْعُلُومِ الَّتِي لاَ يُسْتَغْنَى عَنْهَا فِي قِوَامِ أَمْرِ الدُّنْيَا، كَالطِّبِّ، إِذْ هُوَ ضَرُورِيٌّ لِبَقَاءِ الأَْبْدَانِ، وَالْحِسَابِ، فَإِنَّهُ ضَرُورِيٌّ فِي الْمُعَامَلاَتِ، وَقِسْمَةِ الْوَصَايَا وَالْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْهَا مَا يُعَدُّ طَلَبُهُ فَضِيلَةً وَهُوَ التَّعَمُّقُ فِي دَقَائِقِ الْحِسَابِ، وَالطِّبِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ يُفِيدُ زِيَادَةَ قُوَّةٍ فِي الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ. وَمِنْهَا مَا طَلَبُهُ مُحَرَّمٌ، كَطَلَبِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ وَالشَّعْوَذَةِ، وَالتَّنْجِيمِ، وَكُل مَا كَانَ سَبَبًا لإِِثَارَةِ الشُّكُوكِ، وَيَتَفَاوَتُ فِي التَّحْرِيمِ. (8) فَضْل طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْحَثُّ عَلَيْهِ: 6 - تَكَاثَرَتِ الآْيَاتُ وَالأَْخْبَارُ وَالآْثَارُ فِي الْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ. فَمِنَ الآْيَاتِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ قَوْله تَعَالَى: {{فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}} (9) قَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الآْيَةُ أَصْلٌ فِي وُجُوبِ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَقَوْل مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ يَقْتَضِي نَدْبَ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْحَثَّ عَلَيْهِ دُونَ الْوُجُوبِ وَالإِْلْزَامِ، وَإِنَّمَا لَزِمَ طَلَبُ الْعِلْمِ بِأَدِلَّتِهِ وَهُوَ أَبْيَنُ. وَمِنَ الآْيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْل طَلَبِ الْعِلْمِ قَوْله تَعَالَى: {{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}} . (10) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. (11) وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ فِي سَبِيل اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ (12) وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّل اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. (13) وَمِنَ الآْثَارِ قَوْل مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَِهْلِهِ قُرْبَةٌ. وَمِنَ الآْثَارِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا قَوْل أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : مَنْ رَأَى أَنَّ الْغُدُوَّ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ لَيْسَ بِجِهَادٍ فَقَدْ نَقَصَ فِي رَأْيِهِ وَعَقْلِهِ. وَقَوْل الشَّافِعِيِّ: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَل مِنَ النَّافِلَةِ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَرْتَبَةٌ شَرِيفَةٌ لاَ يُوَازِيهَا عَمَلٌ. (14) تَرْجِيحُ طَلَبِ الْعِلْمِ عَلَى الْعِبَادَاتِ الْقَاصِرَةِ عَلَى فَاعِلِهَا: 7 - حَكَى النَّوَوِيُّ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ وَالاِشْتِغَال بِهِ أَفْضَل مِنْ الاِشْتِغَال بِنَوَافِل الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالتَّسْبِيحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ نَوَافِل عِبَادَاتِ الْبَدَنِ. فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَضْل الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ (15) وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: الْعَالِمُ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْغَازِي فِي سَبِيل اللَّهِ، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالاَ: بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ نَتَعَلَّمُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَلْفِ رَكْعَةِ تَطَوُّعٍ؛ وَلأَِنَّ نَفْعَ الْعِلْمِ يَعُمُّ صَاحِبَهُ وَالْمُسْلِمِينَ، وَالنَّوَافِل الْمَذْكُورَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَلأَِنَّ الْعِلْمَ مُصَحِّحٌ، فَغَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ، وَلاَ يَنْعَكِسُ، وَلأَِنَّ الْعِلْمَ تَبْقَى فَائِدَتُهُ وَأَثَرُهُ بَعْدَ صَاحِبِهِ، وَالنَّوَافِل تَنْقَطِعُ بِمَوْتِ صَاحِبِهَا. (16) كَمَا أَنَّ الْمُثَابَرَةَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهَ فِيهِ، وَعَدَمَ الاِجْتِزَاءِ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ يَجُرُّ إِلَى الْعَمَل بِهِ، وَيُلْجِئُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْل الْحَسَنِ: كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا فَجَرَّنَا إِلَى الآْخِرَةِ. (17) وَقْتُ طَلَبِ الْعِلْمِ: 8 - لَيْسَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ، بَل هُوَ مَطْلُوبٌ فِي جَمِيعِ مَرَاحِل الْعُمْرِ، لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ فَضَّلُوا الطَّلَبَ فِي مَرْحَلَةِ الصِّغَرِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمَرَاحِل، لِصَفَاءِ الذِّهْنِ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى رُسُوخِ الْعِلْمِ فِي الذَّاكِرَةِ، قَال الْعَدَوِيُّ نَقْلاً عَنِ الْمُنَاوِيِّ: وَهَذَا فِي الْغَالِبِ، فَقَدْ تَفَقَّهَ الْقَفَّال وَالْقُدُورِيُّ بَعْدَ الشَّيْبِ فَفَاقَا الشَّبَابَ. وَأَوْجَبَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمَ الصِّغَارِ. قَال النَّوَوِيُّ: عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلاَدِهِمْ مَا سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَيُعَلِّمُهُ الْوَلِيُّ الطَّهَارَةَ وَالصَّلاَةَ وَالصَّوْمَ وَنَحْوَهَا، وَيُعَرِّفُهُ تَحْرِيمَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَشَبَهِهَا، وَيُعَرِّفُهُ أَنَّ بِالْبُلُوغِ يَدْخُل فِي التَّكْلِيفِ، وَيُعَرِّفُهُ مَا يَبْلُغُ بِهِ، وَقِيل: هَذَا التَّعْلِيمُ مُسْتَحَبٌّ، وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ. وَدَلِيل تَعْلِيمِ الأَْوْلاَدِ الصِّغَارِ قَوْله تَعَالَى: {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}} (18) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. (19) وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ وُجُوبَ تَعْلِيمِ الصِّغَارِ يَبْدَأُ بَعْدَ اسْتِكْمَال سَبْعِ سِنِينَ، لِحَدِيثِ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ. (20) قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْوُجُوبَ بَعْدَ اسْتِكْمَال السَّبْعِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَيُنْهَى عَنْ جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ. وَقَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ نَقْلاً عَنِ النَّوَوِيِّ: يَجِبُ عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلاَدِهِمُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلاَةَ وَالشَّرَائِعَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ. كَمَا حَضَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِدَامَةِ طَلَبِ الْعِلْمِ وَلَوْ مَعَ التَّقَدُّمِ فِي السِّنِّ، أَوِ التَّقَدُّمِ فِي الْعِلْمِ، قِيل لاِبْنِ الْمُبَارَكِ: إِلَى مَتَى تَطْلُبُ الْعِلْمَ؟ قَال: حَتَّى الْمَمَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَسُئِل سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ؟ قَال: أَعْلَمُهُمْ؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ مِنْهُ أَقْبَحُ. (21) الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ: 9 - الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ مَشْرُوعَةٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْبَابِ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَال: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ، قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا مَرَّتَيْنِ فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ دَخَل عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ فَقَال: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْل الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ. قَالُوا قَبِلْنَا يَا رَسُول اللَّهِ، قَالُوا: جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّل هَذَا الأَْمْرِ، قَال: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُل شَيْءٍ. ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَال: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ، أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا، وَأَيْمُ اللَّهِ فَلَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ. (22) قَال ابْنُ هُبَيْرَةَ: فِيهِ الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَجَوَازُ السُّؤَال عَنْ كُل مَا لاَ يَعْلَمُهُ، وَجَوَازُ الْعُدُول عَنْ سَمَاعِ الْعِلْمِ إِلَى مَا يُخَافُ فَوَاتُهُ، وَجَوَازُ إِيثَارِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ رَحَل إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَلَمَّا قَدِمَ مِصْرَ أَخْبَرُوا عُقْبَةَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، قَال أَبُو أَيُّوبَ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سَتْرِ الْمُسْلِمِ، قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى خِزْيَةٍ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَتَى أَبُو أَيُّوبَ رَاحِلَتَهُ فَرَكِبَهَا وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَا حَل رَحْلَهُ (23) : وَسُئِل الإِْمَامُ أَحْمَدُ: تَرَى الرَّجُل أَنْ يَرْحَل لِطَلَبِ الْعِلْمِ؟ قَال: نَعَمْ، رَحَل أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنْ كُنْتُ لأَُسَافِرُ مَسِيرَةَ اللَّيَالِي وَالأَْيَّامِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَقَال الشَّعْبِيُّ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً سَافَرَ مِنْ أَقْصَى الشَّامِ إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ فَسَمِعَ كَلِمَةً تَنْفَعُهُ فِيمَا يَسْتَقْبِل مِنْ أَمْرِهِ مَا رَأَيْتُ سَفَرَهُ ضَاعَ. قَال الْحَطَّابُ: يَجِبُ الْهُرُوبُ مِنْ بَلَدٍ لاَ عِلْمَ فِيهِ إِلَى بَلَدٍ فِيهِ الْعِلْمُ. (24) اسْتِئْذَانُ الأَْبَوَيْنِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ: 10 - أَجَازَ الْفُقَهَاءُ الْخُرُوجَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي: فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْخُرُوجِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ بَيْنَ خَوْفِ الْهَلاَكِ بِسَبَبِ هَذَا الْخُرُوجِ، وَعَدَمِ خَوْفِ الْهَلاَكِ. فَإِنْ كَانَ لاَ يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلاَكُ كَانَ خُرُوجُهُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ بَيْنَ الْخَوْفِ مِنَ الضَّيْعَةِ عَلَى الأَْبَوَيْنِ وَعَدَمِهِ، فَإِنْ كَانَ يَخَافُ الضَّيْعَةَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِأَنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، وَنَفَقَتُهُمَا عَلَيْهِ، وَمَا لَهُ لاَ يَفِي بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَنَفَقَتِهِمَا، فَإِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا، وَإِنْ كَانَ لاَ يَخَافُ الضَّيْعَةَ عَلَيْهِمَا بِأَنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ وَلَمْ تَكُنْ نَفَقَتُهُمَا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا. وَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ الْهَلاَكَ بِسَبَبِ خُرُوجِهِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ خُرُوجِهِ لِلْجِهَادِ، فَلاَ يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ إِنْ كَرِهَ الْوَالِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا خُرُوجَهُ، سَوَاءٌ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِمَا الضَّيْعَةَ أَوْ لاَ يَخَافُ عَلَيْهِمَا الضَّيْعَةَ. وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَوْلاَدٌ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّعَلُّمِ وَحِفْظِ الْعِيَال فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَل. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلأَْبَوَيْنِ مَنْعَ وَلَدِهِمَا مِنَ الْخُرُوجِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ إِنْ كَانَ فِي سَفَرِهِ خَطَرٌ. قَال الدُّسُوقِيُّ: فُرُوضُ الْكِفَايَةِ كَالْعِلْمِ الزَّائِدِ عَلَى الْحَاجَةِ، كَالتِّجَارَةِ، فَلَهُمَا مَنْعُهُ مِنَ السَّفَرِ لِتَحْصِيلِهِ إِذَا كَانَ لَيْسَ فِي بَلَدِهِمَا مَنْ يُفِيدُهُ حَيْثُ كَانَ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ أَوِ الْبِرِّ خَطَرًا وَإِلاَّ فَلاَ مَنْعَ. وَصَرَّحَ الْعَدَوِيُّ: بِأَنَّ لِلْوَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إِذْنِ وَالِدَيْهِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ الْكِفَائِيِّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُفِيدُهُ إِيَّاهُ بِشَرْطِ أَنْ يُرْجَى أَنْ يَكُونَ أَهْلاً، فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُفِيدُهُ إِيَّاهُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا. وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ السَّفَرَ لِتَعَلُّمِ الْفَرْضِ وَكُل وَاجِبٍ عَيْنِيٍّ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُهُ مُتَّسِعًا وَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الأَْبَوَانِ، كَمَا أَجَازُوا السَّفَرَ لِطَلَبِ الْفَرْضِ الْكِفَائِيِّ، كَدَرَجَةِ الْفَتْوَى، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ أَبَوَاهُ، عَلَى أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ آمِنًا أَوْ قَلِيل الْخَطَرِ، وَلَمْ يَجِدْ بِبَلَدِهِ مَنْ يَصْلُحُ لِكَمَال مَا يُرِيدُهُ، أَوْ رَجَا بِغُرْبَتِهِ زِيَادَةَ فَرَاغٍ، أَوْ إِرْشَادَ أُسْتَاذٍ، وَيُشْتَرَطُ لِخُرُوجِهِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا، وَلَوْ لَزِمَتْهُ كِفَايَةُ أَصْلِهِ احْتَاجَ لإِِذْنِهِ، إِنْ لَمْ يَنُبْ مَنْ يَمُونُهُ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ، وَمِثْلُهُ الْفَرْعُ لَوْ لَزِمَتْ أَصْلَهُ مُؤْنَتُهُ امْتَنَعَ سَفَرُ الأَْصْل إِلاَّ بِإِذْنِ فَرْعِهِ إِنْ لَمْ يَنُبْ. وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ طَاعَةَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي تَرْكِ تَعَلُّمِ عِلْمٍ وَاجِبٍ يَقُومُ بِهِ دِينُهُ مِنْ طَهَارَةٍ وَصَلاَةٍ وَصِيَامٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُل مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ بِبَلَدِهِ فَلَهُ السَّفَرُ لِطَلَبِهِ بِلاَ إِذْنِ أَبَوَيْهِ (25) . آدَابُ طَلَبِ الْعِلْمِ: 11 - لِطَلَبِ الْعِلْمِ آدَابٌ كَثِيرَةٌ يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهَا حَتَّى يَكُونَ الطَّلَبُ فِي أَفْضَل صُورَةٍ وَتَكُونُ الإِْفَادَةُ مِنْهُ أَكْبَرَ، وَهَذِهِ الآْدَابُ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُعَلِّمِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إِلَى طَالِبِ الْعِلْمِ، وَبَعْضُهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا. أَوَّلاً: آدَابُ الْمُعَلِّمِ: وَهِيَ إِمَّا آدَابٌ فِي الْمُعَلِّمِ نَفْسِهِ، أَوْ فِي دَرْسِهِ، أَوْ مَعَ طَلَبَتِهِ. 12 - أَمَّا آدَابُهُ فِي نَفْسِهِ فَهِيَ: أ - دَوَامُ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، فَإِنَّهُ أَمِينٌ عَلَى مَا أُودِعَ مِنَ الْعُلُومِ. قَال الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ الْعِلْمُ مَا حُفِظَ، الْعِلْمُ مَا نَفَعَ، وَمِنْ ذَلِكَ دَوَامُ الْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعُ لِلَّهِ تَعَالَى. ب - أَنْ يَصُونَ الْعِلْمَ وَيَقُومَ لَهُ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الْعِزَّةِ وَالشَّرَفِ، فَلاَ يُذِلُّهُ بِذَهَابِهِ وَمَشْيِهِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ، أَوْ إِلَى مَنْ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنْ عَظُمَ شَأْنُهُ وَكَبِرَ قَدْرُهُ. قَال الزُّهْرِيُّ: هَوَانُ الْعِلْمِ أَنْ يَحْمِلَهُ الْعَالِمُ إِلَى بَيْتِ الْمُتَعَلِّمِ، فَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ أَوْ ضَرُورَةٌ أَوِ اقْتَضَتْهُ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَةِ بَذْلِهِ وَحَسُنَتْ فِيهِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. ج - أَنْ يَتَخَلَّقَ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّقَلُّل مِنْهَا بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعِيَالِهِ. د - أَنْ يُنَزِّهَ عِلْمَهُ عَنْ جَعْلِهِ سُلَّمًا يَتَوَصَّل بِهِ إِلَى الأَْغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مِنْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ سُمْعَةٍ أَوْ شُهْرَةٍ، أَوْ خِدْمَةٍ، أَوْ تَقَدُّمٍ عَلَى أَقْرَانِهِ. هـ - أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ دَنِيءِ الْمَكَاسِبِ وَرَذِيلِهَا طَبْعًا، وَعَنْ مَكْرُوهِهَا عَادَةً وَشَرْعًا، وَكَذَلِكَ يَتَجَنَّبُ مَوَاضِعَ التُّهَمِ وَإِنْ بَعُدَتْ. و أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْقِيَامِ بِشَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ وَظَوَاهِرِ الأَْحْكَامِ، كَإِمَامَةِ الصَّلاَةِ فِي الْمَسَاجِدِ لِلْجَمَاعَاتِ، وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الأَْذَى بِسَبَبِ ذَلِكَ، صَادِعًا بِالْحَقِّ عِنْدَ السَّلاَطِينِ بَاذِلاً نَفْسَهُ لِلَّهِ، وَكَذَلِكَ الْقِيَامُ بِإِظْهَارِ السُّنَنِ، وَإِخْمَادِ الْبِدَعِ، وَالْقِيَامِ لِلَّهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَمَا فِيهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ. ز - أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، فَيُلاَزِمُ تِلاَوَةَ الْقُرْآنِ، وَذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَنَوَافِل الْعِبَادَاتِ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَحَجِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ. ح - أَنْ يُدِيمَ الْحِرْصَ عَلَى الاِزْدِيَادِ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالاِشْتِغَال بِهِ، وَأَنْ لاَ يَسْتَنْكِفَ أَنْ يَسْتَفِيدَ مَا لاَ يَعْلَمُهُ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ، قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لاَ يَزَال الرَّجُل عَالِمًا مَا تَعَلَّمَ، فَإِذَا تَرَكَ الْعِلْمَ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدِ اسْتَغْنَى وَاكْتَفَى بِمَا عِنْدَهُ فَهُوَ أَجْهَل مَا يَكُونُ، وَأَنْ يَشْتَغِل بِالتَّصْنِيفِ وَالْجَمْعِ وَالتَّأْلِيفِ لَكِنْ مَعَ تَمَامِ الْفَضِيلَةِ وَكَمَال الأَْهْلِيَّةِ (26) . وَآدَابُ الْمُعَلِّمِ فِي دَرْسِهِ هِيَ: 13 - أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ وَيَلْبَسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ إِذَا جَلَسَ لِلتَّدْرِيسِ، وَأَنْ يَجْلِسَ بَارِزًا لِجَمِيعِ الْحَاضِرِينَ، وَيُوَقِّرَ فَاضِلَهُمْ، وَيَتَلَطَّفَ بِالْبَاقِينَ، وَيُكْرِمَهُمْ بِحُسْنِ السَّلاَمِ، وَطَلاَقَةِ الْوَجْهِ. وَأَنْ يَقْدَمَ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْبَحْثِ وَالتَّدْرِيسِ قِرَاءَةَ شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا. وَإِذَا تَعَدَّدَتِ الدُّرُوسُ قَدَّمَ الأَْشْرَفَ فَالأَْشْرَفَ، وَالأَْهَمَّ فَالأَْهَمَّ، وَلاَ يَذْكُرُ شُبْهَةً فِي الدِّينِ فِي دَرْسٍ وَيُؤَخِّرُ الْجَوَابَ عَنْهَا إِلَى دَرْسٍ آخَرَ؛ بَل يَذْكُرُهُمَا جَمِيعًا أَوْ يَدَعُهُمَا جَمِيعًا، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُطِيل الدَّرْسَ تَطْوِيلاً يُمَل، وَلاَ يُقَصِّرَهُ تَقْصِيرًا يُخِل. وَأَنْ يَصُونَ مَجْلِسَهُ عَنِ اللَّغَطِ وَعَنْ رَفْعِ الأَْصْوَاتِ. وَأَنْ يُلاَزِمَ الإِْنْصَافَ فِي بَحْثِهِ وَخِطَابِهِ. وَأَنْ لاَ يَنْتَصِبَ لِلتَّدْرِيسِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلاً لَهُ (27) . وَآدَابُ الْمُعَلِّمِ مَعَ طَلَبَتِهِ هِيَ: 14 - أَنْ يَقْصِدَ بِتَعْلِيمِهِمْ وَتَهْذِيبِهِمْ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَشْرَ الْعِلْمِ، وَإِحْيَاءَ الشَّرْعِ. وَأَنْ لاَ يَمْتَنِعَ مِنْ تَعْلِيمِ الطَّالِبِ، لِعَدَمِ خُلُوصِ نِيَّتِهِ، فَإِنَّ حُسْنَ النِّيَّةِ مَرْجُوٌّ لَهُ بِبَرَكَةِ الْعِلْمِ، قَال بَعْضُ السَّلَفِ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إِلاَّ لِلَّهِ، وَلأَِنَّ إِخْلاَصَ النِّيَّةِ لَوْ شُرِطَ فِي تَعْلِيمِ الْمُبْتَدَئِينَ فِيهِ مَعَ عُسْرِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ لأََدَّى ذَلِكَ إِلَى تَفْوِيتِ الْعِلْمِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، لَكِنَّ الشَّيْخَ يُحَرِّضُ الْمُبْتَدِئَ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ بِالتَّدْرِيجِ. وَأَنْ يُرَغِّبَ الطَّالِبَ فِي الْعِلْمِ وَطَلَبِهِ فِي أَكْثَرِ الأَْوْقَاتِ. وَأَنْ يَتَلَطَّفَ فِي تَفْهِيمِهِ، لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ أَهْلاً لِذَلِكَ، وَيُحَرِّضَهُ عَلَى طَلَبِ الْفَوَائِدِ، وَحِفْظِ الْفَرَائِدِ وَلاَ يَدَّخِرُ عَنْهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ مَا يَسْأَلُهُ عَنْهُ وَهُوَ أَهْلٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ لاَ يُلْقِي إِلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَتَأَهَّل لَهُ، لأَِنَّ ذَلِكَ يُبَدِّدُ ذِهْنَهُ وَيُفَرِّقُ فَهْمَهُ. وَأَنْ يَحْرِصَ عَلَى تَعْلِيمِ الطَّالِبِ وَتَفْهِيمِهِ بِبَذْل جَهْدِهِ، وَتَقْرِيبِ الْمَعْنَى لَهُ. وَإِذَا سَلَكَ الطَّالِبُ فِي التَّحْصِيل فَوْقَ مَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ وَخَافَ الْمُعَلِّمُ ضَجَرَهُ أَوْصَاهُ بِالرِّفْقِ بِنَفْسِهِ، وَالأَْنَاةِ، وَالاِقْتِصَادِ فِي الاِجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ نَوْعُ سَآمَةٍ أَوْ ضَجَرٍ أَمَرَهُ بِالرَّاحَةِ وَتَخْفِيفِ الاِشْتِغَال. وَأَنْ لاَ يُظْهِرَ لِلطَّلَبَةِ تَفْضِيل بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الصِّفَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا يُوحِشُ صُدُورَهُمْ وَيُنَفِّرُ قُلُوبَهُمْ. وَأَنْ يَسْعَى فِي مَصَالِحِ الطَّلَبَةِ وَجَمْعِ قُلُوبِهِمْ وَمُسَاعَدَتِهِمْ بِمَا يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ، وَإِذَا غَابَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ زَائِدًا عَنِ الْعَادَةِ سَأَل عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُخْبَرْ عَنْهُ بِشَيْءٍ أَرْسَل إِلَيْهِ، أَوْ قَصَدَ مَنْزِلَهُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ أَفْضَل. وَأَنْ يَتَوَاضَعَ مَعَ الطَّالِبِ وَكُل مُسْتَرْشِدٍ سَائِلٍ (28) فَفِي الْحَدِيثِ: لِينُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ وَلِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ (29) . ثَانِيًا: آدَابُ الْمُتَعَلِّمِ: وَهِيَ إِمَّا آدَابٌ فِي نَفْسِهِ، أَوْ مَعَ مُعَلِّمِهِ أَوْ فِي دَرْسِهِ. آدَابُهُ فِي نَفْسِهِ: 15 - أ - أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ لِيَصْلُحَ بِذَلِكَ لِقَبُول الْعِلْمِ وَحِفْظِهِ، وَأَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ يَقْصِدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعَمَل بِهِ، وَإِحْيَاءَ الشَّرِيعَةِ، وَلاَ يَقْصِدُ بِهِ الأَْغْرَاضَ الدُّنْيَوِيَّةَ، لأَِنَّ الْعِلْمَ عِبَادَةٌ، فَإِنْ خَلَصَتْ فِيهِ النِّيَّةُ قُبِل وَنَمَتْ بَرَكَتُهُ، وَإِنْ قُصِدَ بِهِ غَيْرُ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى حَبَطَ وَخَسِرَتْ صَفْقَتُهُ. ب - أَنْ يُبَادِرَ شَبَابَهُ وَأَوْقَاتَ عُمْرِهِ إِلَى التَّحْصِيل، وَأَنْ يَقْنَعَ مِنَ الْقُوتِ بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَمِنَ اللِّبَاسِ بِمَا يَسْتُرُ. ج - أَنْ يَقْسِمَ أَوْقَاتَ لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَيَسْتَفِيدَ مِنْهَا. د - أَنْ يُقَلِّل نَوْمَهُ، مَا لَمْ يَلْحَقْهُ ضَرَرٌ فِي بَدَنِهِ وَذِهْنِهِ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُرِيحَ نَفْسَهُ وَقَلْبَهُ وَذِهْنَهُ إِذَا كَل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ ضَعُفَ، وَأَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالْوَرَعِ فِي جَمِيعِ شَأْنِهِ وَيَتَحَرَّى الْحَلاَل فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَلِبَاسِهِ وَمَسْكَنِهِ (30) . آدَابُ الْمُتَعَلِّمِ مَعَ مُعَلِّمِهِ: 16 - أ - يَنْبَغِي لِلطَّالِبِ أَنْ يَسْتَخِيرَ اللَّهَ فِي مَنْ يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُ؛ لأَِنَّ الْعِلْمَ، كَمَا قَال بَعْضُ السَّلَفِ: هَذَا الْعِلْمُ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ. ب - أَنْ يَنْقَادَ لِمُعَلِّمِهِ فِي أُمُورِهِ، وَيَتَحَرَّى رِضَاهُ فِيمَا يَعْتَمِدُ وَيُبَالِغُ فِي حُرْمَتِهِ، وَيَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِخِدْمَتِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ تَوَاضُعَهُ لِمُعَلِّمِهِ عِزٌّ، فَقَدْ أَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ نَسَبِهِ وَعِلْمِهِ بِرِكَابِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَال: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَل بِعُلَمَائِنَا، وَأَنْ لاَ يُخَاطِبَ شَيْخَهُ بِتَاءِ الْخِطَابِ وَكَافِهِ، وَلاَ يُنَادِيهِ مِنْ بُعْدٍ، بَل يَقُول يَا أُسْتَاذِي، وَيَا شَيْخِي، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَيَرْعَى ذُرِّيَّتَهُ وَأَقَارِبَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ. ج - أَنْ يَصْبِرَ عَلَى جَفْوَةٍ تَصْدُرُ مِنْ شَيْخِهِ أَوْ سُوءِ خُلُقٍ، وَلاَ يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ مُلاَزَمَتِهِ وَحُسْنِ عَقِيدَتِهِ، وَيَتَأَوَّل أَفْعَالَهُ الَّتِي يَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ خِلاَفُهَا، وَيَبْدَأُ هُوَ عِنْدَ جَفْوَةِ الشَّيْخِ بِالاِعْتِذَارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْقَى لِمَوَدَّةِ شَيْخِهِ وَأَنْفَعُ لِلطَّالِبِ. د - أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعَلِّمِ جِلْسَةَ الأَْدَبِ، وَيُصْغِيَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُحْسِنَ خِطَابَهُ مَعَهُ، وَأَنْ لاَ يَسْبِقَ إِلَى شَرْحِ مَسْأَلَةٍ أَوْ جَوَابٍ، وَلاَ يَقْطَعَ عَلَى الْمُعَلِّمِ كَلاَمَهُ، وَيَتَخَلَّقَ بِمَحَاسِنِ الأَْخْلاَقِ بَيْنَ يَدَيْهِ (31) . آدَابُ الْمُتَعَلِّمِ فِي دَرْسِهِ: 17 - أ - أَنْ يَبْدَأَ أَوَّلاً بِكِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ فَيُتْقِنَهُ حِفْظًا، وَيَجْتَهِدَ فِي إِتْقَانِ تَفْسِيرِهِ وَسَائِرِ عُلُومِهِ. ب - أَنْ لاَ يَشْتَغِل فِي أَوَّل أَمْرِهِ بِمَسَائِل الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ يُحَيِّرُ الذِّهْنَ. ج - أَنْ يُصَحِّحَ مَا يَقْرَؤُهُ قَبْل حِفْظِهِ تَصْحِيحًا مُتْقَنًا، إِمَّا عَلَى مُعَلِّمِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، ثُمَّ يَحْفَظُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. د - أَنْ يَلْزَمَ مُعَلِّمَهُ فِي التَّدْرِيسِ وَالإِْقْرَاءِ، بَل وَجَمِيعِ مَجَالِسِهِ إِذَا أَمْكَنَ، فَإِنَّهُ لاَ يَزِيدُهُ إِلاَّ خَيْرًا وَتَحْصِيلاً. هـ - أَنْ يَتَأَدَّبَ مَعَ حَاضِرِي مَجْلِسِ الْمُعَلِّمِ فَإِنَّهُ أَدَبٌ مَعَهُ وَاحْتِرَامٌ لِمَجْلِسِهِ. و أَنْ لاَ يَسْتَحِيَ مِنْ سُؤَال مَا أَشْكَل عَلَيْهِ وَيَتَفَهَّمَ مَا لَمْ يَتَعَقَّلْهُ بِتَلَطُّفٍ وَحُسْنِ خِطَابٍ وَأَدَبٍ (32) . ثَالِثًا: الآْدَابُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ: 18 - أ - يَنْبَغِي لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ لاَ يُخِل بِوَظِيفَتِهِ لِطُرُوءِ فَرْضٍ خَفِيفٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُمْكِنُ مَعَهُ الاِشْتِغَال، وَأَنْ لاَ يَسْأَل أَحَدًا تَعَنُّتًا وَتَعْجِيزًا، فَفِي الْحَدِيثِ: نَهَى عَنِ الْغُلُوطَاتِ (33) . ب - أَنْ يَعْتَنِيَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَحْصِيل الْكُتُبِ شِرَاءً وَاسْتِعَارَةً، فَإِنِ اسْتَعَارَهُ لَمْ يُبْطِئْ بِهِ لِئَلاَّ يَفُوتَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَلِئَلاَّ يَكْسَل عَنْ تَحْصِيل الْفَائِدَةِ مِنْهُ، وَلِئَلاَّ يَمْتَنِعَ مِنْ إِعَارَتِهِ غَيْرَهُ. قَال النَّوَوِيُّ: وَالْمُخْتَارُ اسْتِحْبَابُ الإِْعَارَةِ لِمَنْ لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْعِلْمِ مَعَ مَا فِي مُطْلَقِ الْعَارِيَّةِ مِنَ الْفَضْل، وَيُسْتَحَبُّ شُكْرُ الْمُعِيرِ لإِِحْسَانِهِ (34) . __________ (1) لسان العرب مادة (طلب، والكليات 3 / 153) . (2) الكليات 3 / 204. (3) لسان العرب والقاموس المحيط والمصباح المنير والتعريفات للجرجاني مادة (جهل) . (4) لسان العرب مادة (عرف) . (5) التعريفات للجرجاني 283، والكليات 4 / 219، 296. (6) حديث: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ". أخرجه ابن ماجه (1 / 81) من حديث أنس بن مالك بإسناد ضعيف، ولكن له طرقا كثيرة يتقوى بها، ذكر بعضها السخاوي في المقاصد الحسنة (ص275 - 276) وله شواهد عن جماعة من الصحابة، ونقل عن المزي أنه حسنه كما نقل عن العراقي أنه قال: صحح بعض الأئمة بعض طرقه. (7) المجموع 1 / 24 وما بعدها ط. المكتبة السلفية المدينة المنورة، إحياء علوم الدين 1 / 21، 23 ط. مصطفى الحلبي 1939م، الأداب الشرعية 2 / 36، مكتبة الرياض الحديثة حاشية ابن عابدين 1 / 27، 29 وما بعدها. (8) المجموع 1 / 26، إحياء علوم الدين 1 / 23، حاشية ابن عابدين 1 / 29 وما بعدها. (9) سورة التوبة / 122. (10) سورة المجادلة / 11. (11) حديث: " من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 164) ومسلم (2 / 718) من حديث معاوية بن أبي سفيان. (12) حديث: " من خرج في طلب العلم ". أخرجه الترمذي (5 / 29) وأعله المناوي في فيض القدير (6 / 124) براو متكلم فيه. (13) حديث: " من سلك طريقا يلتمس فيه علما. . . ". أخرجه مسلم (4 / 2074) من حديث أبي هريرة. (14) المجموع للنووي 1 / 19ط. المكتبة السلفية، إحياء علوم الدين 1 / 15، 16 ط. مصطفى الحلبي 1939، الأداب الشرعية 2 / 39 ط. مكتبة الرياض الحديثة، تفسير القرطبي 8 / 293 وما بعدها ط. دار الكتب المصرية 1939م. (15) حديث أبي أمامة: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. . . ". أخرجه الترمذي (5 / 50) وقال: " حديث غريب ". (16) المجموع 1 / 20، حاشية ابن عابدين 1 / 27، مغني المحتاج 1 / 8. (17) الموافقات للشاطبي 1 / 76 ط. المكتبة التجارية. (18) سورة التحريم / 6. (19) حديث ابن عمر: " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 380) ومسلم (3 / 1459) . (20) حديث: " مروا أولادكم بالصلاة. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 334) من حديث عبد الله بن عمرو، وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص 171) . (21) حاشية ابن عابدين 1 / 235، حاشية العدوي على الرسالة 1 / 32، 35، المجموع 1 / 26، حاشية الجمل 1 / 390، روضة الطالبين 1 / 190، كشاف القناع 1 / 225، جامع بيان العلم وفضله 1 / 84، 96. (22) حديث: عمران بن حصين: " دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 286، 13 / 403) ، والنص الموجود في البحث ملفق من روايتين للحديث. (23) حديث: أبي أيوب أنه رحل إلى عقبة بن عامر. . . أخرجه الحميدي في مسنده (1 / 190) . (24) الأداب الشرعية لابن مفلح 2 / 57، 59، جامع بيان العلم وفضله 1 / 94، مواهب الجليل 2 / 139. (25) الفتاوى الهندية 2 / 189، 5 / 365، 366 ط. الأميرية 1310 هـ حاشية الدسوقي 2 / 175، 176، حاشية العدوي على شرح الخرشي 3 / 111 حاشية الجمل 5 / 190، 191، كشاف القناع 3 / 45، الإنصاف 4 / 123. (26) تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ص 15 وما بعدها ط. جمعية دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد 1353 هـ، المجموع للنووي 1 / 28، أدب الدنيا والدين 35 ط. المطبعة الأدبية 1317. (27) تذكرة السامع والمتكلم ص 30 وما بعدها، والمجموع 1 / 28 وما بعدها، إحياء علوم الدين 1 / 6 وما بعدها. (28) تذكرة السامع والمتكلم ص 47 وما بعدها، إحياء علوم الدين 1 / 61 ط. مصطفى الحلبي 1939م، المجموع 1 / 30 وما بعدها. (29) حديث: " لينو لمن تعلمون. . . " عزاه العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (بشرحه الإتحاف 8 / 27) إلى ابن السني في رياضة المتعلمين، وقال: " بسنده ضعف ". (30) تذكرة السامع والمتكلم ص 67 وما بعدها. إحياء علوم الدين 1 / 55، المجموع 1 / 35 ط. المكتبة السلفية. المدينة المنورة. (31) تذكرة السامع والمتكلم ص 85 وما بعدها، المجموع 1 / 36، إحياء علوم الدين 1 / 56 جامع بيان العلم وفضله 1 / 129. (32) تذكرة السامع والمتكلم 112 وما بعدها، إحياء علوم الدين 1 / 57 وما بعدها، المجموع 1 / 36. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* الإنفاق على من تفرغ لطلب العلم الشرعي:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أخوان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أحدهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((لعلك تُرزقُ به)). أخرجه الترمذي (¬1). ¬_________ (¬1) صحيح/ أخرجه الترمذي برقم (2345)، صحيح سنن الترمذي رقم (1912). |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
7 - طلب العلم
من نعم الله على خلقه أنه ميزهم بالعلم. وجعل للإنسان قدرة على التعلم لم يجعلها لأى مخلوق آخر، حتى الملائكة المقربين. والعلم هو الأساس فى تقدم الإنسان ورقيه وبالعلم حقق الإنسان إنجازات بشرية هائلة لم يكن يحلم بها خاصة فى النصف الثانى من القرن العشرين حتى الآن. ولاشك أن الفارق بين مجتمع متقدم وآخر متخلف. هو فرق مهم بين من حاز على أكبر قدر من العلوم، ويسير فى حياته وفقا للمنهج العلمى. ومن لازال يتخبط فى اتباع أى منهج. ومازال يعتمد على الخرافات والأوهام بعيدا عما أعطاه الله له من قدرات لا يريد أن يستخدمها. لذلك فرض الله على خلقه أن يتعلموا. وأعطاهم القدرة منذ خلقهم على هذا التعلم، ووصل العلماء إلى أن التعلم من فروض الكفاية فى المجتمعات الإسلامية. لذا نضج العلم نضوجًا كبيرا فى العصور الوسطى وفى مختلف أرجاء الدولة الاسلامية ولاشك أن علوم الدين لها أهمية كبرى فى الإسلام، لأن "من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين" كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذا فرض القرآن الكريم على المسلمين تعلم أصول دينهم والاجتهاد لبذل الجهد فى استخراج الأحكام الكلية من أدلتها التفصيلية. بقول سبحانه وتعالى: {{وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}} (التوبة 122). كما يعلم الله سبحانه وتعالى المسلمين بأن يلجأوا إلى العلماء والفقهاء إن غم عليهم أمر من الأمور. يقول سبحانه وتعالى: {{وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}} (النساء83). وإذا كانت هذه الآيات تتصل بعلوم الفقه والأصول فإن القرآن الكريم يوجه المسلمين إلى التعمق فى الخلق وشئونه مما يقودهم إلى تعلم العلوم المتصلة بالحياة وبالبيئة وبالكون بشكل عام. يقول سبحانه وتعالى: {{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت إلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت}} (الغاشية 17 - 20). أ. د/ جعفر عبد السلام __________ المراجع 1 - حول التأصيل الإسلامى للعلوم الاجتماعية / محمد قطب- دار الشروق، القاهرة 1998م. 2 - تهافت التهافت / ابن رشد – طبعة لندن 1967م. 3 - المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية، دار المعارف |
ترجمة المصطلحات الاسلامية إلى الإنجليزية - موقع أرشيف الإسلام
|
الاجْتِهادُ في مَعْرِفَةِ دِينِ الإسْلامِ وأَحْكامِهِ التي جاءَت عن اللهِ ورَسولِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن المَصادرِ الصَّحيحةِ.
Seeking knowledge: Diligence in learning the religion of Islam and its rulings that came from Allah and His Messenger as derived from the right sources. |