|
إذا وُصف الناقد بأنه متساهل فمعنى ذلك أن من شأنه أنه يتكرر منه في أحيان غير قليلة رفعُ الراويَ أو الحديثَ الذي يَحكم عليه ، إلى رتبة فوق التي يستحقها ذلك الراوي أو الحديث.
فمن المعلوم أنَّ وصفَهم الناقدُ بأنه متساهل فإنما ذلك بالنظر إلى كثرة تساهله في أحكامه ، وأنَّ ما وقع منه من تساهل فيها ، أكثرُ بكثير مما وقع منه فيها من تشدد ، فلا يلزم مِن وصفه بالتساهل أنه لا يقع منه التشدد أحياناً ، وكذلك لا يلزم منه أن لا يكون الغالبُ على أحكامه هو الاعتدال دون التساهل. ونظيرُ هذا يقال في معنى كلمة (متشدد) ؛ وانظر (التساهل). كتبت هذا ثم وقفت بعد ذلك على كلام أطول منه كنت كتبته في غير هذا المعجم فرأيت نقله هنا ، وهذا هو: تساهل النقاد نوعان: النوع الأول: تساهل في القواعد؛ وهو تساهل في المعاني والأحكام؛ وحقيقة هذا النوع اختيار قواعد وأصول للنقد مبنية على حسن الظن، فيؤدي التفريع عليها إلى إنشاء أحكام ترفع الراوي أو السند أو الحديث عن الرتبة التي يستحقها بحسب القواعد المعتدلة إلى رتبة تكون أكثر قوة لحاله خلافاً لما يستحق. والنوع الثاني: تساهل في المصطلحات؛ وهو تساهل في العبارات والألفاظ؛ وحقيقته تجوز وتوسع باستعمال المصطلح بمعنى غير معناه الذي استعمله به الجمهور. وهذا النوع الثاني جائز ولا يشاحّ فاعله إذا بين مراده بذلك المصطلح؛ وكذلك لا يطلق عليه وصف التساهل، ولكنه يسمى متساهلاً مع التقييد، كأن يقال مثلاً: ابن حبان يتساهل في كلمة (صحيح) فيطلقها على الحديث الحسن كما يطلقها على الحديث الصحيح. وتشدد النقاد نوعان أيضاً، كالتساهل؛ أول النوعين نقل الراوي من رتبة يستحقها في التعديل إلى ما هو دونها أو في التجريح إلى ما هو أسوأ منها وأشد؛ وكذلك التشدد في نقد الأحاديث؛ وثانيهما مثاله أن يتشدد الناقد في إطلاق لفظة (ثقة) على الثقات فيكون شحيحاً بها على أكثرهم، وإنما يستعمل لوصفهم لفظة (صدوق) ونحوها. ولكن ليعلم أنه إذا رأينا ناقداً من النقاد يستعمل لفظة (صدوق) مثلاً في مرات كثيرة في وصف من هو عند التحقيق ثقة، أو في وصف من هو عند التحقيق لا يرتقي إلى رتبة الصدوق، فإن هذا لا يلزم منه أن يكون بمجرده كافياً لتعيين نوع تساهله أو تشدده؛ بل إنه فوق ذلك(1) يحتمل أن يكون مضطرباً في قواعده في النقد أو في أحواله في التساهل والتشدد والاعتدال، أو أنه متفاوت الأمر في سعة اطلاعه على أحوال الرواة وما قيل فيهم، فيصيب مرة ويجانب الصواب قليلاً أو كثيراً مرة أخرى؛ والتحقيق أنه لا يصح تعيين أحد هذه الاحتمالات المذكورة إلا بقرينة صحيحة كافية. ومما ينبغي التنبيه له بعد هذا التقسيم أن معنى تساهل النقاد ينصرف عند الإطلاق إلى النوع الأول من التساهل دون النوع الثاني منه؛ وكذلك يقال في حق التشدد. (2) أعني فوق احتماله أكثر من نوع من التساهل أو التشدد. |