نتائج البحث عن (مقارب الحديث) 1 نتيجة

قولهم في الراوي (مقارِب الحديث ) - بكسر راء مقارب - الأصح في معناه أن حديثه يقرب من حديث الثقات ، وأنه لا بأس به ، وهذا تعديل في الجملة.
وللعلماء في قول أهل الحديث في الراوي (مقارب الحديث) مذاهب:
الأول: أن الصواب في ضبط هذه اللفظة من مصطلحات المحدثين كسر رائها لا فتحها ، وأن الفتح خطأ ، وأن معناها - أي حال الكسر - هو ما تقدم بيانه.
الثاني: أنها تستعمل بكسر الراء ، وتستعمل بفتحها ، وأن معناها في الحالتين واحد ، وهو التعديل أيضاً ، كما تقدم.
الثالث: أنها تستعمل بالكسر ، وهي حينئذ تفيد التعديل ، كما تقدم ، وتستعمل أيضاً بالفتح ، وهي حينئذ تفيد التجريح(1).
أما القول الأول فهو أصحها ، كما سبقت الإشارة إليه ، ويدل عليه ما يلي من تعقب القولين الآخرين ونقدهما.
وأما القول الثاني ، ففيه نظر ، وأنا أستبعد بعض الشيء أن يكون المتقدمون من نقاد الحديث استعملوا هذه العبارة بفتح الراء ، على إرادة أن أحاديث الثقات تقارب حديثه ، فهذا غريب ، لأن أحاديث الثقات هي الأصل في النقد والمقياس والميزان ، وهي الشيء المعلوم حكمه ومنزلته ، وحديث ذلك الراوي هو الفرع المقيسُ والشيء الذي يوزن بأحاديث الثقات ويحكم عليه بقربه منها أو بعده عنها ، والأصل أن يقال في وصف شيء قريب من الحق الظاهر المعلوم: (هو قريب من الحق) ، ونحو ذلك ؛ وليس الأصل أن يقال في مثل ذلك: ( الحق قريب منه) ، فيكون من باب إحالة المقيس به على المقيس ، أو إحالة المعلوم على المجهول.
وأما القول الثالث ، فمن قال به فقد وهم وأبعد ، ولقد تعقب العراقي هذا التفصيل في (التقييد والإيضاح) (ص162) فارجعْ إليه ، وقال السخاوي في (فتح المغيث) (2/130) بعد شيء ذكره: (ومِن ذلك مقارب الحديث ، حيث قيل إنه بفتح الراء رديء(2) ، ولكن المعتمد - كما تقدم - أنه لا يختلف أمرها في فتح ولا كسر ).
هذا وفقد قصَرَ ابنُ الجزري في (منظومته) لفظة (مقارب) على التجريح ، فقصَّر في ذلك ؛ وقال السخاوي في شرحها - وهو (الغاية في شرح الهداية) - (1/202-203) وهو يتكلم على هذه اللفظة حيث أوردها ابن الجزري في (الهداية): (وإيراد الناظم لها في ألفاظ التجريح شيء قد انفرد به عن ابن الصلاح ومن تبعه ، إذ هي عندهم في المرتبة الأخيرة من ألفاظ التعديل ، وصنيع البخاري - وتبعه الترمذي - يؤيده ).
أي: (ويشهد له حكايةُ شيخنا عن بعضهم "مقارَب" ، بالفتح ، من قولهم "هذا شيء مقارَب" ، أي رديء ؛ قال شيخنا: وحينئذ يبقى من باب الجرح ؛ انتهى ، ولعل هذا هو سلف الناظم) ؛ انتهى كلام السخاوي.
والظاهر أن الكلمة التي تكلم عليها ابن الجزري هي ذات الراء المفتوحة ، وأما إن كانت بالكسر فهو قول رابع.
وإليك كلام السخاوي على هذه اللفظة بتمامه حيث شرح بيت العراقي:
وصالحُ الحديثِ أو مقارِبُه ... جيّدُه ، حسنُه ، مُقارِبُه
قال السخاوي في (فتح المغيث) (2/114-115) في ضبط هذه اللفظة (مقارب الحديث) وشرحِ معناها ما لفظه:
(مِن القُرْب ، ضد البعد ، وهو بكسر الراء ، كما ضُبط في الأصول الصحيحة من كتاب ابن الصلاح المسموعة عليه ، وكذا ضبطها النووي في مختصريه(3) ، وابن الجوزي ، ومعناه أن حديثه مقارِبٌ لحديث غيره من الثقات.
أو بفتح الراء ، أي حديثه يقاربه حديثُ غيرِه.
فهو - على المعتمد - بالكسر والفتح: وسط ، لا ينتهي إلى درجة السقوط ولا الجلالة ؛ وهو نوع مدح.
وممن ضبطها بالوجهين ابنُ العربي وابن دحية والبطليوسي وابن رُشيد في (رحلته) ؛ قال(4): ومعناها يقارب الناس في حديثه ويقاربونه ، أي ليس حديثه بشاذٍّ ولا منكر.
قال: ومما يدلك على أن مرادهم بهذا اللفظ هذا المعنى ما قاله الترمذي في آخر باب من فضائل الجهاد من "جامعه" وقد جرى له ذكر إسماعيل بن رافع فقال: ضعفه بعضُ أهل الحديث ، وسمعت محمداً - يعني البخاري - يقول: هو ثقة مقارب الحديث ؛ وقال في باب ما جاء من أذن فهو يقيم: والأفريقي - يعني عبد الرحمن - ضعيف عند أهل الحديث ، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره ، وقال أحمد: لا أكتب عنه ، قال الترمذي: ورأيت البخاري يقوي أمرَه ويقول: هو مقارب الحديث ؛ فانظر إلى قول الترمذي ، ان قوله مقارب الحديث تقوية لأمره ، وتفهمه ؛ فإنه من المهم الخافي الذي أوضحناه ؛ انتهى ) ؛ انتهى كلام السخاوي.
قلت: ومثْلُ ذلك قولُ علي بن المديني في عبد السلام بن حرب: (قد كنت استنكر بعض حديثه حتى نظرت في حديث مَن يُكثر عنه فإذا حديثه مقارب عن مغيرة والناس، وذلك أنه كان عسراً فكانوا يجمعون غرائبه في مكان فكنت أنظر إليها مجموعة فاستنكرتها)؛ نقله الذهبي في (السير) (8/336).
وكذلك قول علي بن المديني في عبد الرحمن بن أبي الزناد: (حديثه بالمدينة مقارب وبالعراق مضطرب) نقله ابن حجر في (فتح الباري) (13/187) في شرحه (باب ترجمة الحكام وهل يجوز ترجمان واحد)(5).
وقال العلامة عبد الحق الإشبيلي في (كتاب التهجد) (ص103 ) (حديث رقم 456 - طبعة دار الكتب العلمية ): (قال البخاري: أبو ظلال مقارب الحديث ؛ يريد أن حديثه يقرب من حديث الثقات ، أي لا بأس به ) ؛ انتهى كلامه.
وقال عبد الله بن يوسف الجديع في (التحرير) (1/578-579): (وقع استعمال هذه العبارة في كلام أحمد بن حنبل ، والبخاري ، وهي عبارة تعديل وقبول ، تساوي مرتبة "حسن الحديث" ، على هذا دل استقراء أحوال من قيلت فيه ، على قلة ذلك في كتب الجرح والتعديل ؛ بل وجدت البخاري قال في الوليد بن رباح: "مقارب الحديث" ، وحكم على حديث رواه ، بقوله "حديث صحيح"(6) ؛ والترمذي يبني على من يقول فيه البخاري ذلك أن يحسِّن حديثََه(7) ، نعم ، ربما خالف شيخَه في قوله ذلك ولم يقنع به في رواة شاع لأهل العلم بالحديث فيهم الجرح.
وبمعناه أيضاً عبارة "حديثه مقارب" ، ووقعت في كلام أحمد بن حنبل ، وأبي حاتم الرازي ، وبنَدرة في كلام يحيى بن معين ، وغيرهم) ؛ انتهى.
وقال محمد عوامة في تعليقه على (الكاشف) (2/384) بعد شيء ذكره: (فيستفاد من هذا أن "مقارب الحديث" و "ليس به بأس" و "صدوق" في مرتبة واحدة عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى ، وثلاثتها من مراتب التعديل ؛ لا كما استنتجه المعلق على "العلل الكبرى" 2/970). انتهى.
(8) العلل الكبير للترمذي (2/676-677).
(9) أقول: هذا بناه عبد الله الجديع على أن معنى التحسين عند الترمذي هو التحسين الاحتجاجي، ولقد أظهر التحقيق أن في إطلاق ذلك نظراً.
__________
(1) قال الدكتور قاسم علي سعد في (مباحث في علم الجرح والتعديل) (ص43): (كما أن القسطلاني في (مقدمة إرشاد الساري) (1/19) عدَّ هذه اللفظة من ألفاظ التجريح ، وجعلها أدنى من قولهم (ليس بقوي) وأرفع من قولهم (واه بمرة) ، وقد ذكر القسطلاني مراتب ألفاظ الجرح والتعديل لكنه لم يحررها مع أنه من المتأخرين).
(2) قال السيوطي في (تدريب الراوي) (وممن جزم بأن الفتح تجريحٌ البلقيني في "محاسن الاصطلاح").
(3) يعني (الإرشاد) و(التقريب).
(4) السياق يدل على أن المراد ابن رشيد.
(5) وهذا كلام ابن حجر في هذا الموضع أنقله بطوله ، لأجل ما فيه من من زيادة في إيضاح مقصودنا ومن فوائد خارجة عنه ولكنها داخلة في جملة مباحث هذا الفن الشريف:
قال رحمه الله: (وقد اعترض بعضهم على ابن الصلاح ومن تبعه في أن الذي يجزم به البخاري يكون على شرط الصحيح وقد جزم بهذا [يعني الحديث المعلق الذي هو قيد الشرح] مع أن عبد الرحمن بن أبي الزناد قد قال فيه ابن معين: ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث ، ليس بشيء ، وفي رواية عنه: ضعيف ، وعنه: هو دون الدراوردي ، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق وفي حديثه ضعف سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب وبالعراق مضطرب ، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث ، وقال عمرو بن علي نحو قول علي ، وقالا: كان عبد الرحمن بن مهدي يحط على حديثه ، وقال أبو حاتم والنسائي: لا يحتج بحديثه ؛ ووثقه جماعة غيرهم كالعجلي والترمذي ، فيكون غاية أمره أنه مختلف فيه فلا يتجه الحكم بصحة ما ينفرد به ، بل غايته أن يكون حسناً ؛ وكنت سألت شيخيَّ الإمامين العراقي والبلقيني عن هذا الموضع فكتب لي كل منهما بأنهما لا يعرفان له متابعاً وعوَّلا جميعاً على أنه عند البخاري ثقة فاعتمده ، وزاد شيخنا العراقي أن صحة ما يجزم به البخاري لا يتوقف أن يكون على شرطه ، وهو تنقيب جيد ، ثم ظفرت بعد ذلك بالمتابع الذي ذكرتُه فانتفى الاعتراض من أصله ؛ ولله الحمد).
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت