لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
إذا أطلقت هذه العبارة فالمراد طريق أخرى لذلك الحديث نفسه ؛ ولكن متى تعد الروايتان المتقاربتان حديثاً واحداً ومتى تعدان حديثين؟ دونك بيان ذلك.
قال العلائي في (نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد) (ص256) وما بعدها: (تقدم في ألفاظ طرق حديث أبي هريرة تباين في مواضع عديدة لا يمكن الجمع بينها والكل في الصحيح، وترتب عليها فوائد فقهية مما اختلف فيه العلماء. ففي بعض الطرق أن النبي ﷺ قال لذي اليدين: لم أنس ولم تقصر، فقال له ذو اليدين بعد ذلك: بلى قد نسيت؛ ولم تذكر هذه الزيادة في كثير من الروايات. وفي رواية أخرى فقال النبي ﷺ: (كل ذلك لم يكن)، فقال له ذو اليدين: (قد كان بعض ذلك يا رسول الله). وفي رواية أن النبي ﷺ قال للناس: ماذا يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق يا رسول الله، لم تصل إلا ركعتين. وفي أخرى: فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله؛ وفي أخرى: فأومأوا أي نعم. وقد جمع بعض الأئمة بين هاتين الروايتين بأن بعض الناس أجاب النبي ﷺ بقول نعم، باللفظ، وبعضهم أجابه بالإيماء؛ وهذا الجمع إنما يقوى إذا كان الاختلاف واقعاً من رواية صحابيين؛ فنقول: أحدهما سمع الإجابة باللفظ، والآخر رأى الذين أومأوا ولم يسمع المجيب باللفظ(1). وهذا الحديث بهذه الألفاظ مداره على أبي هريرة رضي الله عنه. والظاهر أن القصة واحدة ولكن الرواة تصرفوا فيها فرواه بعضهم بالمعنى على نحو مما سمع فحصل هذه الاختلافات. فيتعين حينئذ إما الجمع بينها بوجه ما، وإما الترجيح، وهذا ما يتعلق بقاعدة شريفة عظيمة الجدوى في علم الحديث وهي: الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرق ورد بعضها إلى بعض إما بتقييد الإطلاق أو تفسير المجمل أو الترجيح حيث لا يمكن الجمع أو اعتقاد كونها وقائع متعددة. ولم أجد إلى الآن أحداً من الأئمة الماضين شفى النفس في هذا الموضع بكلام جامع يرجع إليه؛ بل إنما يوجد عنهم كلمات متفرقة وللبحث فيها مجال طويل؛ فنقول وبالله التوفيق: إذا اختلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه فالذي ينبغي أن يجعلا حديثين مستقلين؛ وذلك كحديث أبي هريرة وعمران بن حصين ومعاوية بن حديج في هذا الباب كما سبق بيانه وهذا لا إشكال فيه. وأما إذا اتحد مخرج الحديث وتقاربت ألفاظه فالغالب حينئذ على الظن أنه حديث واحد وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة لا سيما إذا كان ذلك في سياقه [لعل الصواب: سياق] واقعة تبعد أن يتعدد مثلها في الوقوع كحديث أبي هريرة وحده في قصة السهو. فالذي يسلكه كثير من الفقهاء: أن يحمل اختلاف الألفاظ على تعدد الوقائع ويجعل كل لفظ بمنزلة حديث مستقل؛ وهذه الطريقة يسلكها الشيخ محيي الدين [هو النووي] رحمه الله في كتبه كثيراً، كما تقدم عنه مِن جعله حديث أبي هريرة الذي نتكلم عليه وقع مرتين للنبي ﷺ، إحداهما في صلاة الظهر والأخرى في العصر من أجل صحة كل من اللفظين؛ حتى إنه قال في حديث ابن عمر (إن عمر رضي الله عنه كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية فسأل النبي ﷺ عنه فأمره أن يفي بنذره)، وجاء في رواية [أن الـ]اعتكاف المنذور يوم)، وكلاهما في الصحيح؛ فقال الشيخ محيي الدين رحمه الله: هما واقعتان، وكان على عمر رضي الله عنه نذران فسأل النبي ﷺ عن هذا مرة وعن الآخر مرة أخرى، واستدل بذلك على صحة الاعتكاف بغير الصوم لأن عمر رضي الله عنه اعتكف ليلة وحدها. وفي هذا القول نظر لا يخفى لأنه من البعيد جداً أن يستفتي عمر رضي الله عنه النبي ﷺ في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا ينسى في مثلها لأن في كل من القصتين: أن ذلك كان عقب غزوة حنين أيام تفرقة السبي ثم إعتاقهم؛ وإلحاق اليوم بالليلة في حكم الاعتكاف من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق كما في الأمة والعبد في العتق؛ ولا يظن بعمر رضي الله عنه أن يخفى عليه ذلك. والذي يقتضيه التحقيق رد إحدى الروايتين إلى الأخرى بأن كل من قال لفظاً عبر به عن المجموع، وهو أمر يستعمل به كثيراً في كلام العرب: أن تطلق اليوم وتريد به بليلته وبالعكس؛ فكان على عمر رضي الله عنه اعتكاف يوم وليلة، سأل النبي ﷺ عنه، فأمره بالوفاء به، عبر عنه بعض الرواة بيوم، وأراد بليلته، والآخر بليلة وأراد بيومها. وأغرب من ذلك ما ذكره الشيخ محيي الدين رحمه الله أيضاً في حديث (بني الاسلام على خمس)، لأنه جاء في الصحيح من رواية ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت) فقال رجل: (وحج البيت وصوم رمضان)؛ فقال ابن عمر رضي الله عنه: (لا، وصوم رمضان وحج البيت، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ)، ثم جاء الحديث في الصحيح أيضاً من رواية ابن عمر ولفظه (وحج البيت وصوم رمضان)، فقال الشيخ محيي الدين: هذا محمول على أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع الحديث من النبي ﷺ على الوجهين. وهذا بعيد جداً، لأنه لو سمعه على الوجهين لم ينكر على من قاله بأحدهما إلا أن يكون حينئذ ناسياً لكون النبي ﷺ قاله على ذلك الوجه الذي أنكره. والظاهر القوي أن أحد رواة هذه الطريق رواه على المعنى، فقدم وأخر، ولم يبلغه نهي ابن عمر عن هذا التصرف، وغفل هذا الراوي عن المناسب المقتضي لتقدم صوم رمضان على الحج، وكونه وجب قبله، وكونه يتكرر كل سنة بخلاف الحج، وكونه يعم جميع المكلفين والحج يتخلف عن كثير منهم لعدم الاستطاعة؛ وهذا الاحتمال أولى من تطرق النسيان إلى ابن عمر رضي الله عنه أو الإنكار والرد لشيء سمعه من النبي ﷺ. وإذا عرف ضعف هذه الطريقة فنقول والله الموفق للصواب: إذا اتحد مخرج الحديث واختلفت ألفاظه فإما أن يمكن رد إحدى الروايتين إلى الأخرى أو يتعذر ذلك فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه). ثم قال العلائي: ولهذا القسم أمثلة؛ ثم ذكر أربعة أنواع من كيفيات رد إحدى الروايتين إلى الأخرى. وقال شيخ الاسلام ابن تيمية في (علم الحديث) (ص67 - طبعة عالم الكتب): (وقل أن يشتمل الحديث الواحد على جمل إلا لتناسب بينها، وإن كان قد يخفى التناسب في بعضها على بعض الناس، فالكلام المتصل بعضه ببعض يسمى حديثاً. وأما إذا روى الصاحب كلاماً فرغ منه ثم روى كلاماً آخر وفصل بينهما بأن قال: وقال رسول الله ﷺ؛ أو بأن طال الفصل بينهما فهذا حديثان----) الخ. وورد في كلامه ما يتعلق بتفرقة الحديث إلى أقسام وجعله أحاديث وقال: (وهذا يجوز إذا لم يكن في ذلك تغيير المعنى). وقال عبد الحق الأشبيلي رحمه الله في مقدمة كتابه (الأحكام الوسطى)(2): (وإذا ذكرتُ الحديث لمسلم أو لغيره عن صاحب ثم أقول: وعنه ، أو: وعن فلان ، وأذكر ذلك الصاحب أو صاحباً آخر ، فإنما كل ذلك لمسلم ، أو الكتاب الذي أذكر أولاً ، حتى أسمّيَ غيرَه ، وربما تخللها كلامٌ في رجلٍ أو في شيءٍ ما. وإذا قلت: "وفي رواية أخرى" ، أو: "في طريق أخرى" ، ولا أذكر الصاحبَ ، فإنه من ذلك الكتاب ، وعن ذلك الصاحب ، عن النبي ﷺ ). (3) كما في مقدمة محقق (بيان الوهم والإيهام) د. الحسين آيت سعيد (1/184) ، وهو في مطبوعة (الأحكام الوسطى) (1/66) ، ولكني آثرت الاعتماد على المرجع المذكور لأن المطبوعة وقع في هذا الموضع منها سقط أو خلل. __________ (1) أو أن كلاً منهما سمع الجواب ورأى الإيماء ولكن أحدهما اقتصر على ذكر ما سمع دون ما رأى والآخر فعل عكس ذلك. وكذلك يقوى هذا الجمع وإن كان الاختلاف واقعاً بين روايتي صحابي واحد بعينه بشرط أن يكون للحديث عنه طريقان صحيحان إليه وأن يترجح أنه روى الحديث مرتين اقتصر في إحداهما على ذكر إيماء من أومأ وفي الأخرى على ذكر قول المجيبين بكلمة (نعم). |