نتائج البحث عن (اليُونِينِي) 17 نتيجة

ابن الجراح، اليونيني

سير أعلام النبلاء

ابن الجراح، اليونيني:
5516- ابن الجراح 1:
الأَدِيْبُ المُنْشِئُ تَاجُ الدِّيْنِ يَحْيَى بنُ مَنْصُوْر ابْن الجَرَّاحِ المِصْرِيُّ، صَاحِبُ الخَطِّ الأَنِيقِ، وَالتَّرسُّلِ البديع.
خدم مُدَّة، وَرَوَى عَنِ السِّلَفِيّ، وَلَهُ لغزٌ: ماشي قلبه حجر، ووجه قمر، إِن نُبِذَ اعْتَزل البَشَر، وَإِن أَجعتَه رضِي بِالنّوَى، وَانطوَى عَلَى الخوَى، وَإِن أَشْبَعْتَهُ قَبَّل الْقدَم وَصَحِبَ الْخَدَم، وَإِن غلَّفتَه ضَاع، وَإِنْ أَدَخَلته السُّوق أَبَى أَنْ يُبَاع، وَإِن شدّدت ثَانِيَة وَحذفت رَابعه كدرَ الحَيَاة وَخفّف الصلاة وأحدث وقت العصر الضجر ووقت الفَجْر الْخدر، وَإِنْ فَصلتَه دَعَا لَكَ وَبقَّى، مَا إِن ركبته هَالكَ وَرُبَّمَا كثّر مَالك، وَأَحْسَن بعُوْن المسَاكين مآلك.
قَوْله: قَلْبه حجر أَي جَلْمَد، وَالمسَاكين أَهْل السَّفِيْنَة فِي البَحْر.
تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ، سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتّ مائة، وله خمس وسبعون سنة.
5517- اليونيني 2:
الزَّاهِدُ العَابِدُ أَسَدُ الشَّامِ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ بنِ عُثْمَانَ بنِ جَعْفَرٍ اليُوْنِيْنِيُّ.
كَانَ شَيْخاً طَوِيْلاً مَهِيْباً شُجَاعاً حَادّ الحَال، كَانَ يَقوم نِصْف اللَّيْل إِلَى الفُقَرَاء، فَمَنْ رَآهُ نَائِماً وَلَهُ عصَا اسْمهَا العَافِيَة ضربَه بِهَا، وَيَحْمِل الْقوس وَالسِّلاَح، وَيلبس قُبعاً مِنْ جِلْدِ مَاعز بصوفه، وكان أمارًا بالمعروف لا يهاب المُلُوْك، حَاضِر القَلْب، دَائِم الذّكر، بعيد الصِّيْت. كَانَ مِنْ حدَاثته يَخْرُج وَيَنطرح فِي شَعْرَاء يُونِيْن فِيردّه السّفَّارَة إِلَى أُمّه، ثُمَّ تَعبّد بِجَبل لُبْنَان، وَكَانَ يَغْزُو كَثِيْراً.
قَالَ الشَّيْخُ عليّ القَصَّار: كُنْت أَهَابه كَأَنَّهُ أَسد، فَإِذَا دَنَوْت مِنْهُ وَدِدْت أَنْ أَشقّ قَلْبِي وَأَجعله فِيْهِ.
قِيْلَ: إِنَّ العَادل أَتَى وَالشَّيْخ يَتوضَأَ، فَجَعَلَ تَحْتَ سجَادته دَنَانِيْر، فَرَدَّهَا وَقَالَ: يَا أَبُو بَكْرٍ كَيْفَ أَدْعُو لَكَ وَالخُمُوْر دَائِرَة فِي دِمَشْق، وَتبيع المَرْأَة وَقيَة يُؤْخَذ مِنْهَا قرطيس? فَأَبطل ذَلِكَ.
وَقِيْلَ: جلس بَيْنَ يَدَيْهِ المُعَظَّمُ، وَطلب الدُّعَاء مِنْهُ، فَقَالَ: يَا عِيْسَى، لا تكن نحس مثل أبيك، أظهر الزعل، وافسد على الناس المعاملة.
__________
1 ترجمته في وفيات الأعيان "6/ ترجمة 810"، وشذرات الذهب لابن العماد "5/ 71، 72".
2 ترجمته في شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "5/ 73-75".
اللغوي: عليّ بن محمّد بن أحمد بن عبد الله اليُونيني، الشيخ شرف الدين، أَبو الحسن.
ولد: (621 هـ) إحدى وعشرين وستمائة.
من مشايخه: البهاء عبد الرحمن، وابن الصباح، وابن الزبيدي وغيرهم.
من تلامذته: الذهبي، والبرزالي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* السير: "الشيخ الإمام المحدِّث الحافظ الفقيه المفتي شيخ الجماعة .. ما كان في وقته أحد مثله، وكان حسن اللقاء خيرًا ديِّنًا، متورد الوجه، كثير الهيبة، جم الفضائل استعنت بصحبته وكثرت عنه" أ. هـ.
* المعجم المختص: "الإمام العلامة الصالح العارف المحدث المتقن الديِّن شيخ العلماء .. كان ذا عناية بالغريب والأسماء وضبطها مديمًا للمطالعة، كثير المحاسن منور الشيبة عظيم الهيبة" أ. هـ.
* البداية: "كان عابدًا عاملًا كثير الخشوع .. وتأسف الناس عليه لعلمه وعمله وحفظه الأحاديث وتودده إلى الناس وتواضعه وحسن سمته ومروءته" أ. هـ.
* الدرر: "عني بالحديث وضبطه وكان عارفًا بكثير من اللغة حافظًا لكثير من المتون عارفًا بالأسانيد وكان شيخ بلاده والرحلة إليه. كان وقورًا مهابًا كثير الود لأصحابه فصيحًا مقبول القول والصورة.
قال الذهبي: كان حسن اللقاء دينًا متواضعًا منوَّر الوجه كثير الهيبة جم الفضائل انتفعت بصحبته"
أ. هـ. .
وفاته: (701 هـ) إحدى وسبعمائة.

452 - عبد الله بن عثمان بن جعفر بن محمد اليونيني الزاهد، أسد الشام، رحمة الله عليه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

452 - عَبْد اللَّه بن عُثْمَان بن جَعْفَر بن مُحَمَّد اليونِينيّ الزّاهد، أسد الشَّام، رحمة اللَّه عَلَيْهِ. [المتوفى: 617 هـ]
كَانَ شيخًا طُوالاً مَهيباً، حادّ الحال، كأنه نار، كَانَ يقوم نصف الليل إلى الفُقراء، فمن رآه نائمًا ضربه، وَكَانَ لَهُ عصاة اسمها العافية.
حكى الشَّيْخ عَبْد اللَّه بن شُكر اليُونينيّ، قال: كان الشيخ - رحمه اللَّه - في شبوبيّته قد انقطع في الجبل؛ وكانت أختُه تأتيه كلّ يوم بقُرص وبيْضَتين، فأتته بذلك مرة؛ وَإِذَا بفقيرٍ قد خرجَ من عنده ومعه قرص وبيضتان، فَقَالَتْ لَهُ: من أَيْنَ لك هَذَا؟ قَالَ: من ذاك القاعد، لَهُ شهر كلّ يوم يعطيني قرصًا وبيضتين. فأتته وسَأَلْتُهُ، فنهرها، وزعق فيها.
قُلْتُ: وَكَانَ أمّارًا بالمعروف، نَهّاء عن المُنكر، شُجاعاً، صاحب سلاح ظاهر وباطن، مقبلا على شأنه، مجدا لَا يفتر، حاضرَ القلب، دائمَ الذكر، لا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وَكَانَ من حين اشتدّ يخرج وينطرح في شَعراء يونين، فَإِذَا رآه السَّفّارة حملوه إلى أمّه؛ وكانت امْرَأَة صالحة. فَلَمَّا انتشى كَانَ يتعبّد بجبل لبنان. وَكَانَ كثير الغزو أيام السُّلْطَان صلاح الدِّين.
وقد جمع مناقبه خطيب زَمْلَكا أبو محمد عبد الله ابن العزّ عُمَر المَقْدِسِيّ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الشَّيْخ إسرائيل، عن الشَّيْخ عَليّ القصّار، قَالَ: كُنْت إِذَا رَأَيْت الشَّيْخ عَبْد اللَّه أهابه، كَأَنَّهُ أسد، فَإِذَا دنوت منه وددت أنّي أشقّ قلبي وأجعله فيه. -[499]-
قَالَ ابن العزّ: وَحَدَّثَنِي الزَّاهد خليل بن عَبْد الغني بن مقلَّد، قَالَ: كُنْت بحلقة الحنابلة إلى جانب الشَّيْخ عَبْد اللَّه، فقام ومعه خادمه توبة إلى الكلّاسة، ليتوضأ، وإذا برجل متختّلٍ يفرّق ذهبًا، فَلَمَّا وصل إليَّ أعطاني خمسة دنانير، وَقَالَ: أين سيّدي الشَّيْخ؟ قُلْتُ: يتوضأ. فجعل تحت سجّادته ذهبًا، وَقَالَ: إِذَا جاء قل لَهُ: مملوكك أَبُو بَكْر التَّكْرِيتيّ يُسلّم عليك، ويشتهي تدعو لَهُ. فجاء الشَّيْخ وَأَنَا ألعب بالذهب في عُبّي، ثُمَّ ذكرتُ لَهُ قول الرجل، فَقَالَ توبة: من ذا يا سيدي؟ قَالَ: صاحب دمشق؛ وَإِذَا بِهِ قد رجع، ووقف قُدّام الشَّيْخ، وَالشَّيْخ يُصلي، فَلَمَّا سلّم أخذ السِّواك ودفع بِهِ الذَّهَب، وَقَالَ: يا أَبَا بَكْر، كيف أدعو لك والخُمور دائرة في دمشق؟ وتغزل امْرَأَة وقيَّةُ تبيعها فيؤخذ منها قرطيس؟ فَلَمَّا راحَ أبطلَ ذَلِكَ، وَكَانَ الملك العادل.
قَالَ ابن العزّ: وَأَخْبَرَنِي المعمَّر مُحَمَّد بن أَبِي الفضل، قَالَ: كُنْت عند الشيخ وقد جاء إليه المعظَّم، فَلَمَّا جلس عنده، قَالَ: يا سيدي ادعُ لي. قَالَ: يا عيسى لَا تكن نحس مثل أبيك. فَقَالَ: يا سيدي وَأَبِي كَانَ نحس؟ قَالَ: نعم؛ أظهر الزّغل، وأفسد عَلَى النَّاس المُعاملة، وما كَانَ محتاج. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الغد أخذ الملك المُعَظَّم ثلاثة آلاف دينار، وطلع إلى عند الشَّيْخ بها، وَقَالَ: هذه تشتري بها ضيعة للزاوية. فنظر إِلَيْهِ، وَقَالَ: قم يا ممتحن يا مبتَدع، لَا أدعو اللَّه تنشقّ الْأرض وتبتلعك، ما قعدنا عَلَى السّجاجيد حَتَّى أغنانا؛ تحتي ساقية ذهب وساقية فضة! أَوْ كما قَالَ.
وَأَخْبَرَنِي إسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، عن أَبِي طَالِب النَّجَّار، قَالَ: أنْكَر الشَّيْخ عَبْد اللَّه عَلَى صاحب بَعْلَبَكّ، وَكَانَ يسمّيه مُجَيد، فأرسل إليه الْأمجد يَقُولُ: إن كانت بَعْلَبَكّ لك فأشتهي أن تُطلقها لي، فلم يبلِّغه رَسُول الْأمجدِ ذَلِكَ.
قَالَ: وأخبرني الإِمَام أبو الحسن الموصلي، قَالَ: حضرتُ مجلس الشَّيْخ الفقيه ببَعْلَبَكّ، وَهُوَ عَلَى المنبر، فسألوه أن يحكي شيئًا من كرامات الشَّيْخ عَبْد اللَّه، فَقَالَ بصوتٍ جهير: كَانَ الشَّيْخ عَبْد اللَّه عظيم، كنتُ عنده؛ وقد ظهر -[500]- من ناحية الجبل سحابة سوداء مظلمة، ظاهر منها العذاب، فَلَمَّا قرُبت قامَ الشَّيْخ وَقَالَ: إلى بلدي؟ ارجعي، فرجعت السّحابة. ولو لم أسمع هذه الحكاية من الفقيه ما صَدّقت.
حَدَّثَنِي الشَّيْخ إسرائيل، أَنَّ الشَّيْخ مُحَمَّدًا السَّكاكيني حدّثه، وَكَانَ لَا يكاد يفارق الشَّيْخ، قَالَ: دعاني إِنْسَان والحّ عَليّ فأتيته، وخرجت في الليل من السُّور من عند عمود الراهب، وجئت إلى الزاوية، فَإِذَا الشَّيْخ وَهُوَ يَقُولُ: يا مولاي، ترسل إليّ النَّاس في حوائجهم؟ من هُوَ أَنَا؟ اقضِها أَنْتَ لهم يا مولاي، إبراهيم النصراني من جبة بشرين يا مولاي، ودعا لَهُ، فبهتّ لِذَلِكَ، ونمتُ ثُمَّ قمتُ إلى الفَجْر، وبقيت يومئذ عنده. فَلَمَّا كَانَ الليل وَأَنَا خارج الزَّاوية، إذا بشخصٍ فَقُلْتُ: أيش تعمل هنا؟ وَإِذَا بِهِ إِبْرَاهِيم النَّصْرَانيّ، قُلْتُ: أيش جابك؟ قَالَ: أَيْنَ الشَّيْخ؟ قُلْتُ: يكون في المغارة. قَالَ: رَأَيْت البارحة رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ في النوم، وَهُوَ يَقُولُ: تروح إلى الشَّيْخ عَبْد اللَّه، وتسلّم عَلَى يده فقد ينتفع فيك. فأتينا الشَّيْخ، وإذا بِهِ في المغارة، فقصّ على الشيخ الرؤيا؛ فتغرغرت عينا الشَّيْخ بالدّموع، وَقَالَ: سمّاني رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ شويخ. فأسلم إِبْرَاهِيم، وجاء منه رجل صالح.
وَأَخْبَرَنِي العماد أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سعْد، قَالَ: طلعنا جماعة إلى زيارة الشَّيْخ الفقيه مُحَمَّد، فَقُلْتُ: يا سيدي، حَدَّثَنَا عن منام الشيخ عبد الله الثقة، فقال: أخبرني الشَّيْخ عَبْد الله الثقة، قَالَ: كُنْت قد رَأَيْت من ثلاث عشرة سنة كأني في مكانٍ واسع مضيء، وفيه جماعة فيهم رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ، فَجِئْتُ إِلَيْهِ، وَقُلْتُ: يا رَسُول اللَّه خذ عليّ العَهْد، ومددت يدي إليه، فَقَالَ: بعد الشَّيْخ عَبْد اللَّه - أعدتها عَلَيْهِ ثلاثًا - وَهُوَ يَقُولُ: بعد الشَّيْخ عَبْد اللَّه. فَلَمَّا كَانَ البارحة جاء إليَّ شخص، وَقَالَ: رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ في النوم، وَهُوَ يَقُولُ لي: قل لعبد اللَّه الثقة يخرج من المدينة وإلا يُمسَك. قُلْتُ: يا رَسُول اللَّه، ما يُصدّقني؟ قَالَ: قل لَهُ بعلامة ما رآني، وَقَالَ لي: خذ عَليّ العهد، فَقُلْتُ لَهُ: بعد الشَّيْخ عَبْد اللَّه. قَالَ: ولو لم يرَ لي هَذَا المنام، ما أعلمت بمنامي أحدًا. قَالَ: فَقُلْتُ: ما بعد هَذَا شيء، أخرج، قَالَ: فمُسك بعد أيام. أَوْ ما هَذَا معناه.
أَخْبَرَنِي الشيخ إسرائيل، حَدَّثَنِي عَبْد الصَّمَد. قَالَ: وَالَّذِي لَا إله إِلَّا هو -[501]- مُذ خدمتُ الشَّيْخ عَبْد اللَّه ما رأيته استند إلى شيء، ولا سَعَلَ، ولا تَنَحْنَحَ، ولا بصق.
وَقَالَ الشَّيْخ الفقيه: حضرتُ الشَّيْخ عَبْد اللَّه مرتين، وسأله ابن خاله حُميد بن بَرق، فَقَالَ: زوجتي حامل، إنْ جاءت بولد ما أسمّيه؟ قَالَ: سمِّ الواحد: سُلَيْمَان، والآخر: دَاوُد، فولدت اثنين توأمًا. وَقَالَ لَهُ ابنه مُحَمَّد: امرأتي حامل إن جاءت بولد ما أسمّيه؟ قَالَ: سمِّ الْأَوَّل: عَبْد اللَّه، والثاني: عَبْد الرَّحْمَن.
وعن سَعِيد المارديني، قَالَ: جاء رجالٌ من بَعْلَبَكّ إلى الشَّيْخ، فقالوا: جاءت الفرنج، قَالَ: فمسك لحيته وَقَالَ: هَذَا الشَّيْخ النَّحس ما قعوده هاهنا؟ فردت الفرنج.
وقال أبو المظفر سِبط ابن الْجَوْزيّ في ترجمة الشَّيْخ عَبْد اللَّه اليونينيّ: كَانَ صاحب رياضات ومُجاهدات وكرامات وإشارات. لم يقم لأحدٍ تعظيمًا لله؛ وَكَانَ يَقُولُ: لَا ينبغي القيام لغير اللَّه. صحِبتُه مُدَّة، وَكَانَ لَا يدَّخر شيئًا، ولا يمسّ دينارًا ولا دِرهماً، وما لبس طول عمره سوى الثّوب الخام، وقَلَنْسُوة من جِلد ماعِز تساوي نصف درهم، وفي الشتاء يبعث لَهُ بعض أصحابه فروة، فيلبسها، ثُمَّ يؤثر بها في البرد. قَالَ لي يومًا ببَعْلَبَكّ: يا سيّد أَنَا أبقى أيامًا في هذه الزاوية ما آكلُ شيئا، فَقُلْتُ: أَنْتَ صاحب القبول كيف تجوع؟ قَالَ: لأنَّ أهل بَعْلَبَكّ يتّكل بعضهم عَلَى بعض، فأجوع أَنَا. فحدثني خادمه عَبْد الصَّمَد قَالَ: كَانَ يأخذ ورق اللّوز يفركه ويَسْتَفّه.
وَكَانَ الْأمجد يزوره، فَكَانَ الشَّيْخ يهينه وَيَقُولُ: يا مُجَيد أَنْتَ تظلم وتفعل، وهُوَ يعتذر إِلَيْهِ.
وأظهر العادل قراطيس سودًا، فَقَالَ الشَّيْخ: يا مسلمون انظروا إلى هَذَا الفاعل الصّانع يفسد عَلَى النَّاس معاملاتهم. فبلغ العادلَ ذَلِكَ، فأبطلها. سافرتُ إلى العراق سنة أربعٍ وحججت، فصعدت عَلَى عرفات، وَإِذَا بالشيخ عَبْد اللَّه قاعدٌ مستقبل القبلة، فسلّمت عَلَيْهِ، فرحّب بي وسألني عن طريقي، وقعدتُ عنده إلى الغياب، ثُمَّ قُلْتُ: ما نقوم نمضي إلى المُزْدلِفة؟ فَقَالَ: اسبقني؛ فلي رفاق. فأتيت مزدلفة ومِنى، فدخلت مسجد الخِيف فإذا بالشيخ تَوْبة، فسلَّم عَليّ، -[502]- فَقُلْتُ: أَيْنَ نزلَ الشَّيْخ؟ قَالَ: أيُّما شيخ؟ قُلْتُ: عَبْد اللَّه اليُونينيّ. قَالَ: خلَّفته ببَعْلَبَكّ. فقطبتُ وَقُلْتُ: مبارك. ففهم وقبض عَلَى يدي وبكى، وقَالَ: بالله حَدَّثَني، أيش معنى هذا؟ قُلْتُ: رأيته البارحة عَلَى عرفات. ثُمَّ رجعت إلى بَغْدَاد ورجع تَوْبة إلى دمشق، وَحَدَّثَ الشَّيْخ عَبْد اللَّه، ثُمَّ حَدَّثَنِي الشَّيْخ توبة قَالَ: قَالَ لي ما هُوَ صحيح منك، فلان فتى، والفتى لَا يكون غمّازًا. فَلَمَّا عدت إلى الشَّام عتَبَني الشَّيْخ. وَحَدَّثَنِي الجمال يعقوب قاضي البِقاع، قَالَ: كُنْت عند الجسر الْأبيض وَإِذَا بالشيخ عَبْد اللَّه قد جاء ونزل إلى ثورا، وَإِذَا بنصرانيّ عابر، ومعه بَغْل عَلَيْهِ حِمل خَمْر فعثرَ البغل ووقع، فصعد الشَّيْخ وَقَالَ: يا فقيه، تعال. فعاونته حَتَّى حمَّلناه، فَقُلْتُ في نفسي: أيش هَذَا الفعل؟ ثُمَّ مشيت خلف البَغْل إلى العُقيبة فجاء إلى دكان الخَمّار، فحلّ الظرف وقلَبَه، وَإِذَا بِهِ خَلّ، فَقَالَ لَهُ الخَمّار. ويحك هَذَا خل، فبكى، وَقَالَ: واللَّه ما كَانَ إِلَّا خمْرًا من ساعة، وإنّما أَنَا أعرف العِلَّة، ثُمَّ ربط البَغْل في الخان، وردَّ إلى الجبل، وَكَانَ الشَّيْخ قد صلَّى الظُّهر عند الجسر في مسجدٍ، قَالَ: فدخل عَلَيْهِ النَّصْرَانيّ، وأسلم، وصار فقيرًا.
قَالَ أَبُو المُظَفَّر: وَكَانَ الشَّيْخ شجاعًا ما يبالي بالرجال قَلُّوا أَوْ كثروا، وَكَانَ قوسه ثمانين رِطلًا، وما فاتته غزاة في الشَّام قطّ، وَكَانَ يتمنى الشهادة ويُلقي نفسه في المهالك. حَدَّثَنِي خادمه عَبْد الصَّمَد قَالَ: لَمَّا دخل العادل إلى بلاد الفرنج إلى صافيتا قَالَ لي الشَّيْخ ببَعْلَبَكّ: انزل إلى عَبْد اللَّه الثقة، فأطلب لي بغلته. قَالَ: فأتيته بها، فركبها، وخرجت معه فبِتنا في يُونين، وقمنا نصف الليل، فجئنا المُحدثَة الفجَر، فَقُلْتُ لَهُ: لَا تتكلم فهذا مكمن الفرنج. فرفع صوته وَقَالَ: اللَّه أكبر، فجاوبته الجبال، فيَبستُ من الفَزَع، ونزل فصلّى الفجْر، وركب، فطلعت الشمس، وإذا قد لاح من ناحية حِصن الْأكراد طلب أبيض، فظنّهم الأسبتار، فقال: الله أكبر، ما أكبرك من يوم، اليوم أمضي إلى صاحبي. وساق إليهم وشهر سيفه، فَقُلْتُ في نفسي: شيخ وتحته بغلة وبيده سيف يسوق إلى طلب فرنج. فَلَمَّا كَانَ بعد لحظةٍ وقربوا، إِذَا هم بمائة حُمَيْر -[503]- وحش، فجئنا إلى حِمص، فجاء الملك المُجاهد أسدُ الدِّين، وقدَّم لَهُ حصانًا، فركبه، ودخل معهم، وفعل عجائب.
وَكَانَ الشَّيْخ عَبْد اللَّه يَقُولُ للفقيه مُحَمَّد: فيّ وفيك نزلت: " {{إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ والرُّهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بالباطل}} ".
وَقَالَ ابن العديم في " تاريخ حلب ": أَخْبَرَنِي الفقيه محمد اليُونينيّ أَنَّ الشَّيْخ عَبْد اللَّه كَانَ يصلّي بعد العشاء الآخرة وِرداً إلى قريب ثلث الليل، فَكَانَ ليلةً يعاتب ربّه - عَزَّ وَجَلَّ - وَيَقُولُ: يا ربّ النَّاس ما يأتوني إِلَّا لأجلك، وأنا قد سألتك في المرأة الفلانية والرجل الفلانيّ أن تقضي حاجته، وما قضيتَها، فهكذا يكون؟ وَكَانَ يتمثّل بهذه الْأبيات كثيرًا ويبكي:
شفيعي إليكُم طُولُ شَوقي إليكم ... وكُلُّ كريمٍ للشفيع قُبول
وعُذري إليكم أنني في هواكم ... أسيرٌ ومأسورُ الغرام ذليلُ
فإن تقبلوا عُذري فأهلًا ومرحبًا ... وإن لم تُجيبوا فالمُحبُّ حَمُولُ
سأصبرُ لَا عنكم ولكن عليكمُ ... عسى لي إلى ذاكَ الجَنابِ وصولُ
قَالَ الصّاحب أَبُو الْقَاسِم: وقد صحِبته ووهب لي قميصًا له أزْرَق، وَقَالَ لي يومًا ببيت المَقْدِس: يا أَبَا الْقَاسِم، اعشق تفلح! فاستحييت، وَذَلِكَ في سنة ثلاث وستمائة، ثُمَّ بعد مُدَّة سارَّني بجامع دمشق، وَقَالَ: عَشِقت بعدُ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: شُهْ عليك. واتفق أنّي تزوجت بعد ذاك بسنة، ومِلْتُ إلى الزوجة مَيْلًا عظيمًا، فما كُنْت أصبر عَنْهَا.
قَالَ ابن العزّ عُمَر: قرأت في " تاريخ ابن العديم "، بغير خطّه، قَالَ سيّدنا العلّامة أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن أَبِي الحُسَيْن اليُونينيّ: كُنْت عند الشَّيْخ يومًا فجاءه رجلان من العرب، فقالا: نطلع إليك؟ قَالَ: لَا، فذهب أحدهما وجلس الآخر، فَقَالَ الشَّيْخ: " فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا مَا ينفع الناس فيمكث في الأرض "، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اطلع. وطلع، فأقام عندنا أيامًا، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ: تحبّ أن أريك قبرك؟ قَالَ: نعم، فأتى بِهِ المَقْبرة، فَقَالَ: هَذَا قبرك. فأقام بعد ذَلِكَ اثنى عشر يوماً أو أربعة عشر يومًا، ثُمَّ مات، فدُفن في ذَلِكَ المكان. وَكَانَ لَهُ -[504]- زَوْجَة ولها بنت، فطلبتُ أن يزوجني بها، فتوقّفت أمها، وقالت: هَذَا فقير ما لَهُ شيء. فَقَالَ: واللَّه إنّي أرى دارًا قد بُنيت لَهُ وفيها ماءٌ جارٍ وابنتك عنده في الإيوان، وَلَهُ كفاية عَلَى الدوّام، فَقَالَتْ: ترى هَذَا؟ قَالَ لها: نعم.
فزوّجَتنيها، ورأت ذَلِكَ، وأقامت معي سنين، وَذَلِكَ سنة محاصرة الملك العادل سِنجار.
وكانت امْرَأَة بعد موتها تطلب زواجي، وتشَفّعت بزوجة الشَّيْخ، فَلَمَّا أكثرت عَليّ، شكوتها إلى الشَّيْخ، فَقَالَ: طوِّل روحك يومين، ثلاثة ما تعود تراها. قَالَ: فقدِم ابنُ عمِّها من مِصْر أميرٌ كبيرٌ بعد أيام، فتزوّج بها، وما عدت رأيتها. وكراماته في هَذَا كثير.
كتب الفقيه تحت هَذَا الكلام: " صحيح ذَلِكَ، كتبه مُحَمَّد بن أَبِي الحسين اليونيني ".
وقال أبو القاسم ابن العديم: تُوُفِّي في عشْر ذي الحجَّة، وَهُوَ صائم، وقد جاوز الثمانين. فَقَالَ لي الفقيه مُحَمَّد: كُنْت عند الشَّيْخ، فالتفت إلى دَاوُد المؤذن، فَقَالَ: وصيَّتك بي غدًا، فظنَّ المؤذن أَنَّهُ يريد يوم القيامة. وَكَانَ ذَلِكَ يوم الْجُمُعة، وَهُوَ صائم، فَلَمَّا جاء وقت الإفطار قَالَ لجاريته: يا درَّاج أجد عطشًا، فسقته ماء لينوفر، فباتَ تِلْكَ الليلة، وأصبحَ وجلس عَلَى حجَر موضِع قَبر مُستقبل القِبلة، فمات وَهُوَ جالس، ولم يُعلم بموته، حَتَّى حركوه، فوجدوه ميتًا، فجاء ذَلِكَ المؤذن وغَسَّله، رحمه اللَّه.
قُلْتُ: وَلَهُ أصحاب كبار منهم: ولده مُحَمَّد، وَالشَّيْخ الفقيه، وَالشَّيْخ عَبْد اللَّه بن عَبْد العزيز، وَالشَّيْخ عيسى بن أَحْمَد، وَالشَّيْخ تَوْبَة، وَمُحَمَّد بن سيف؛ وأقدمهم الشَّيْخ عَبْد الخالق اليُونينيّ، تُوُفِّي بيونين في هذه السنة أَيْضًا؛ وَكَانَ صالحًا زاهدًا، كبير القدر، صاحب كرامات، وَهُوَ عمّ الشَّيْخ عيسى اليُونينيّ.

188 - عبد الله بن عبد العزيز اليونيني الزاهد،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

188 - عبد الله بن عبد العزيز اليونيني الزاهد، [المتوفى: 643 هـ]
والد شيخنا أحمد. من أصحاب الشيخ عبد الله اليونيني.
توفي في ثامن رجب. وكان من الصالحين الأولياء. -[445]-
حكى شيخنا ولده أحمد، قَالَ: عنَّفني مرَّةً وانزعج، فقال: والك، أَنَا قضيت إلى يومي هذا صلاةَ أربعين سنة. وحدَّثني فقيرٌ، قَالَ: اقتات أبوك سنة بثلاثة دراهم؛ اشترى بدرهم دقيقا، وبدرهم سمنا، وبدرهم عسلا، ولته وجعله ثلاثمائة وستّين كبّة، كَانَ يُفْطر كلّ ليلة عَلَى كبّة. وقيل إنّه عمل مرّةً مجاهدةً تسعين يومًا، يُفطِر كلّ ليلةٍ عَلَى حِمصة حتّى لا يواصل!.
وقال الشَّيْخ إسرائيل بْن إِبْرَاهِيم: كَانَ الشَّيْخ عَبْد اللَّه بْن عزيز إذا دخل رجب تمارض ويأكل فِي كلّ عشرة أيّام أكلة.
وحكى العماد أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعْد قَالَ: أخبرني الشَّيْخ إِبْرَاهِيم البطائحيّ، قَالَ: كَانَ فِي المِزّة شابٌّ يشرب، فَقَالَ الشَّيْخ عَبْد اللَّه بْن عَبْد العزيز: أحضِروه لعلَّه يتوب، وكان يُحسِن إلى جماعة المِزّة. قال: فدعا إنسان للشيخ عبد الله وأصحابه، فحضر الشاب، فأنشد فقير أبياتاً فطاب للشيخ، وكان ثم شمعةٌ فجعل الشّيخ لحيته عليها وبقيت النّار تخرج من خَلَلها. وكان الشَّيْخ كَثّ اللّحية، فوقع الشّابّ عَلَى رِجْليّ الشَّيْخ وتاب، وجاء منه رجلٌ صالح. وحكى غيرُ واحدٍ من أهل المِزّة أنهّم شاهدوا الشَّيْخ والنّار تخرج من خَلَل لحيته، وأنّ الشّابّ تاب. وهذه حكاية صحيحة.
وقال الشَّيْخ يوسف الزّاهد: قدِمتُ من الحج وأنا عريان، قال: فخطر لي أنّ ما فِي دمشق مثل الشَّيْخ عَبْد اللَّه بْن عَبْد العزيز، فذكرته للشّيخ مُحَمَّد السّلاويّ فَقَالَ: وأزيدك، ما فِي الشّام.
وعن الشَّيْخ عَلِيّ الشِّبْليّ قَالَ: احتاجت زوجتي إلى مقنِّعة وطالَبَتْني، فقلت: عليَّ دَينٌ خمسة دراهم فمن أَيْنَ أشتري لك؟ فنمتُ فرأيت كأن من يقول لي: إن أردت أن تنظر إلى إِبْرَاهِيم الخليل فانظُر إلى الشَّيْخ عَبْد اللَّه بْن عَبْد العزيز. فلمّا أصبحت أتيتُه بقاسيون، فَقَالَ لي: والَكَ يا عليّ اجلِس. وقام إلى منزله وعاد ومعه مُقَنِّعة وفي طَرَفها خمسة دراهم، فرجعت، وكان عندنا وردٌ فجمعتْهُ المرأةُ وأتت بِهِ إلى بيت الشَّيْخ عَبْد اللَّه فوجدت زوجته وما عَلَى رأسها سوى مِئْزَرٍ معقودٍ تحت حِنكها. -[446]-
وحكى ولده الفقيه أَحْمَد، قَالَ: قَالَ أَبِي: واللَّهِ ما نظرتُ إلى فقير إلّا قلت: هذا خيرٌ منّي.
قلت: وبَلَغَنَا أنّ الشَّيْخ عبد الله كان كثير الذِّكر، كثير الإيثار مَعَ الفقر، كبير القدرْ، بعيد الصِّيت. صحِب الشَّيْخ عَبْد اللَّه اليونينيّ الكبير مدّة. وقبره بسفح قاسيون بقرب التُّربة المعظمية، رحمه الله.
روى لنا ولده عَن ابن الزُّبَيْديّ.
ومن مناقب ابن عزيز فيما رَوَاهُ ابن العزّ عُمَر خطيب زَمْلَكا عَن الشَّيْخ مُرّيّ خادم ابن عزيز أنه كان الشيخ إذا رأى الفقير قال: ما تجيء تعمل عندي فِي جُبّ؟ فإذا أجاب قَالَ: عَلَى شرط أيّ شيء جاءنا فُتُوح تأخذه. فكان إذا عمل الفقير عُمْقَ شِبْرَيْن، فإنْ أُتَيَ الشّيخ بشيءٍ دفعه إِلَيْهِ فإذا راح عمد الشيخ فطم ما حفر الفقير.

35 - محمد ابن الشيخ القدوة عبد الله بن عثمان بن جعفر، الشيخ أبو عبد الله اليونيني الزاهد.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

35 - محمد ابن الشّيخ القُدوة عبد الله بن عثمان بن جعفر، الشيخ أبو عَبْد الله اليُونينيّ الزاهد. [المتوفى: 651 هـ]
ذكره خطيب زَمْلكا، فقال: كان صاحب كرامات ورياضات، زاهدا ورِعاً متواضعا، لا يمكِّن أحدًا من تقبيل يده حتى يقبل أيضًا يد ذلك الرجل. حدثني الْحَسَن بن مظفَّر قال: طلعنا إلى زاوية الشَّيْخ فتلقانا الشَّيْخ مُحَمَّد، فقال فيما حَدَّثَنَا: يا فُقراء، كان سيدي الشَّيْخ قد جهزني إلى الحجاز، فلما كانت الليلة التي تُوُفّي فيها رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ في النّوم وهو يُعزّيني فِي الشَّيْخ فورّخْنا تلكَ الليله، فلما وصلْنا وجدناه قد تُوُفّي فيها.
قال خطيلب زمْلَكا: وقد اختلفوا على ما قيل فيمن يكون شيخًا بعد الشَّيْخ عَبْد الله، فقال بعضهم: الشَّيْخ الفقيه، وقال آخرون: يكون الشَّيْخ توبة، وقال بعضهم: الشَّيْخ عَبْد الله بن عَبْد العزيز. فحدثني الشَّيْخ إسرائيل قال: فرأى الشَّيْخ الفقيه فِي النوم الشَّيْخ عَبْد الله وهو يقول: أنت والشيخ توْبة أصحابي، والشيخ عَبْد الله مُريدي، وولدي مُحَمَّد ما هُوَ صغير. فلما أصبح أخبر الفُقراء بما رَأَى، فلما قدِم الشَّيْخ مُحَمَّد من الحج بسطوا له السّجّادة وقاموا حوله.
تُوُفي إلى رحمة الله في رجب.

165 - عيسى بن أحمد بن إلياس بن أحمد، اليونيني الزاهد،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

165 - عيسى بن أَحْمَد بن إلياس بن أَحْمَد، اليُونينيّ الزاهد، [المتوفى: 654 هـ]
صاحب الشَّيْخ عَبْد الله اليُونينيّ.
كان زاهدًا، عابدًا، صوامًا، قوامًا، قانتًا لله حنيفًا، متواضعًا، لطيفًا، كبير القدر، منقطع القرين. صحِب الشّيخَ مدةً طويلة. وكان من أجل أصحابه. لم يشتغل بشيء سائر عمره إلا بالعبادة ومطالعة كتب الرقائق، ولم يتزوج قط، لكنه عقد عقدًا على عجوزٍ كانت تخدمه. وكان يعامل الأكابر إذا زاروه بما يعامل به آحاد النّاس. وقد زاره الباذرائيّ رسولُ الخليفة فوصل إلى يُونين وأتى -[761]-
الزاوية، فلما صلى الشَّيْخ المغرب قام ليدخل إلى خلوته على عادته فعارضه بعضُ أصحابه وقال: يا سيدي هذا الرجل مجتازٌ وقد قصد زيارتك. فجاء الباذرائيّ وسلم عليه وسأله الدعاء، وأخذ فِي محادثته، فقال الشَّيْخ: رحِم الله من زار وخفَّف. وتركه ودخل.
وكان يستحضر كثيرًا من مطالعته لكُتُب الرقائق، وكان يكتب أوراقًا بشفاعات فيُسارع أولو الأمر إلى امتثالها. وكان مع لُطف أخلاقه ذا هيْبَةٍ شديدة. وقد سرد الصَّوم أكثر من أربعين سنة. وكان لا يمشي إلى أحدٍ أبدًا. وكان يقال له: سلاب الأحوال، لأنه ما ورد عليه أحدٌ من أرباب القلوب فسلك غير الأدب إلا سلبه حاله.
قال الشيخ قُطْبُ الدّين موسى ابن الفقيه فِي " تاريخه ": له كرامات ظاهرة، ولقد سلب جماعة من الفقراء أحوالهم. وكان والدي - رحمه الله - إذا خرج إلى يونين طلع إلى زاويته من بكرةٍ، ويدخلان إلى الخلْوة، فلا يزالان كذلك إلى الظُّهر. وكان بينهما ودادٌ عظيم واتحاد ومُحاببة فِي الله، وفي هذه السنة كان والدي يأمرني فِي كل وقت بقصد زيارته، فكنت بعد كل أيام أتردد إليه.
قال: وأخبر الشَّيْخ عيسى قبل موته بمدةٍ أن مُلك بني أيوب يزول ويملك بعدهم التُّرْك ويفتحون الساحل بأسْره.
قال: وحكى بعضهم أنه توجه إلى طرابلُس فوجد أسيرًا فعرفه فقال له: لا تتخلى عني واشترِني وأنا أعطيك ثمني حال وصولي إلى قريتي قرية رُعْبان. قال: فاشتريتُه بستين دينارًا وجئت معه، فلم يكن له ولا لأولاده تلك الليلة عَشاء، فندمت، فقال لي أهل القرية: نَحْنُ أيام البَيْدر نجمع لك ثمنه، فضاق صدري. فاتفق أني جئت إلى يُونين فرأيت الشَّيْخ عيسى ولم أكن رَأَيْته قبل ذلك، فحين رآني قال: أنت الذي اشتريت سهلا؟ قلت: نعم. فأعطاني شيئًا، فإذا ورقة ثقيلة، قال: ففتحتها فوجدت فيها الستين دينارًا التي وزنتُها بعينها، فتحيَّرت وأخذتها وانصرفت. -[762]-
قال قُطْبُ الدين: وشكوا إليه التفاح وأمر الدُّودة، وسألوه كتابة حِرْزٍ، فأعطاهم ورقةً فشمعوها وعلقوها على شجرةٍ، فزالت الدُّودة عن الوادي بأسره، وأخصبت أشجار التفاح بعد يبسها وحملت. وبقوا على ذلك سنين فِي حياة الشَّيْخ وبعد موته. ثم خشوا من ضياع الحِرْز ففتحوه لينسخوه، فوجدوه قطعة من كتابٍ ورد على الشَّيْخ من حماة، فندِموا على فتحه، ثم شمعوه وعلقوه فما نفع، وركبت الدُّودةُ الأشجار.
قال: وأراد بعض الناس بناء حمام بُيونين وحصل الاهتمام بذلك، فقال الشَّيْخ: هذا لا تفعلوه. فما وسِعَهم خلافُه، فلما خرجوا قال بعضهم: كيف نعمل بالآلات؟ فقال رفيقه: نصبر حتى يموت الشَّيْخ. فطلبهما إليه وقال: قلتم كذا وكذا، وهذا ما يصير وما يعّمر فِي هذه القرية حمام، وقد أراد نائبا الشّام التُّجِيبيّ وعز الدين أيْدُمُر بناء حمام بيُونين فلم يقَّدر لهما.
وقال خطيب زمْلَكا فِي ترجمة الشَّيْخ عيسى: سمعت شيخنا شمس الدِّين عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عُمَر يقول: كان الشَّيْخ عيسى صاحب مطالعة فِي الكُتُب. قال: وحدّثني الشيخ ناصر بن أحمد قال: ما رأيت رجلا أكثر هيبة من الشيخ عيسى ولا قريبا منه. قال: وحدثني عَبْد الرَّحْمَن بن إِسْمَاعِيل قال: كان الشّيخ عيسى يكون فطره على خبزٍ يابس، وما عاب طعامًا، وما لبس طول عُمره سوى ثوبٍ وعباءةٍ وقَلَنسُوةٍ ما زاد عليها، وورد إلى زيارته الباذرائي فخرج إليه وصافحه، ودخل وأغلق الباب، فنادى فلم يردّ عليه، فقال: ما رَأَيْت شيخًا مثل هذا، أو قال: هذا هُوَ الشَّيْخ.
وأخبرني الشَّيْخ إسرائيل بن إِبْرَاهِيم قال: كنت أخدم الشيخ عَبْد الله بن عَبْد العزيز فِي يُونين، وكان المشايخ والفقراء يزورونه من كل مكان، والشيخ عيسى ما يجيء إليه أحد، فخطر ببالي هذا، فبينا أَنَا عند الشَّيْخ عَبْد الله وما عندنا أحد وقد خطر لي هذا إذ أخذ بأُذُني وقال: يا إسرائيل تأدَّب، الشَّيْخ عيسى قد حصل له الحق أيش يعمل بي أَنَا؟! قال: فبادرت وطلعتُ إلى الشَّيْخ -[763]-
عيسى، فلمّا رآني دق بإصبعه على أنفي، وكان إذا مزح مع أحدٍ دق بإصبعه على أنفه، أو ما هذا معناه.
وأخبرني محمد ابن الشَّيْخ عثمان بدَيْر ناعس، قال: خرجت صُحبةَ والدي إلى زيارة الفقيه إلى بَعْلَبَكّ، وكان يومئذٍ بيُونين، فأتيناها وسلمنا عليه، وجلس والدي، فقال له الشَّيْخ الفقيه: ما تزور الشَّيْخ عيسى وعليَّ الضمان. فقام والدي وأنا معه. فلما رآه الشَّيْخ عيسى وقف ووقف والدي من بعد الظُّهر إلى قريب العصر، ثم خطا الشَّيْخ عيسى وجاء إلى والدي فتعانقا وجلساً. قال: فلما رجع والدي إلى عند الشَّيْخ الفقيه قال له: ما أوفيتَ بالضَّمان، قال: فسأل الفقراء والدي عن هذا فقال: كان لي ثلاثةٌ وعشرون سنة حَرْدانٌ على الشَّيْخ عيسى لكوْنه إذا جاء إليه صاحب حالٍ يسلبه حالَه، فلما رَأَيْته وقف طويلًا ورجع عمّا كان عليه.
قال: وأخبرني الفقيه عَبْد الولي بن عَبْد الرَّحْمَن الخطيب قال: لما دخل الخُوارزميّة جاء والٍ لهم إلى يونين، وطلب من الفلاحين شيئًا ما لهم به قوة، فشكا الفلاحون إلى الشَّيْخ عيسى. فاتفق أن الوالي طلع إلى عند الشَّيْخ فقال له: ارفِقْ فهؤلاء فقُراء. فقال: ما إلى هذا سبيل، قال: وبقى الشَّيْخ يردد عليه ويقول: ما إلى هذا سبيل، فنظر إليه وأطال النظر، وإذا به قد خبط الأرض وأزْبَدَ، فلمّا أفاق انكبّ على رجلي الشَّيْخ واعتذر ونزل، فقال للخُوارزميّة: من أراد أن يموت يطلع إلى القرية. أو ما هذا معناه.
قال: وأخبرني الشَّيْخ إسرائيل بن إبراهيم، قال: حدثنا الشَّيْخ عيسى اليُونينيّ، قال: طلعتُ صُحْبة عمي الشَّيْخ عَبْد الخالق اليُونينيّ- قلت: وقد تُوُفي عبد الخالق سنة سبْع عشرة وستمائة- إلى جبل لُبنان، وكان ثمَّ بِرْكة كبيرة، فجلسنا عندها وبقربها حَشيش له قرمية حُلْوة، فقال لي عمي: اجلس ههنا، وإذا جُعْت كلْ من هذه الحشيش. قال: فإذا بأسدٍ كبير قد استقبله، فخفتُ عليه وبقيتُ أقول: يا عمي يا عمي، وكان هُناك قَرمية شجرةٍ فصعِد عليها عمي وركب الأسد ثم سار به حتى غاب عني، فبقيتُ هناك يومين، فلما -[764]-
كان اليوم الثالث إذا بعمي قد أقبل راكبًا الأسد، فنزل على تلك القرمية ومضى الأسد.
وقال الشَّيْخ قُطبُ الدين مُوسَى: مرض الشَّيْخ عيسى فِي أواخر شوال، وبقي أيامًا وأهل بعْلبَكّ يترددون إلى زيارته ويغتنمون بَرَكته، ولما وصل خبرُ موته إلى بعْلبكّ لم يبق فِي البلد إلا القليل خرجوا ليشهدوه، فكانوا منتشرين من البلد إلى يُونين، والمسافة فوق فرسخين. وحصل لوالدي من الحُزْن والوجوم لموته ما لا رَأَيْته حصل له بموت غيره، ودُفِن إلى جانب عمّه الشيخ عَبْد الخالق.
وتُوُفي فِي رابع ذي القعدة ودُفِن بزاويته.

217 - محمد بن سيف اليونيني، الزاهد.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

217 - مُحَمَّد بن سيف اليُونيني، الزاهد. [المتوفى: 655 هـ]
كان صالحًا ورِعاً، كريمًا، كبير القدْر، من أصحاب الشيخ عَبْد الله. وله زاوية بيُونين. -[786]-
توفّي في هذه السنة، وخَلَفَه فِي الزاوية ابنُ أخيه الشَّيْخ الصالح سليمان بن علي بن سيف، رضى الله عنه.

458 - محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي الرجال أحمد بن علي الشيخ الفقيه، أبو عبد الله اليونيني، شيخ الإسلام الحنبلي، الحافظ.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

458 - محمد بن أبي الحسين أحمد بْن عَبْد الله بْن عيسى بْن أبي الرجال أحمد بْن عليّ الشَّيْخ الْفَقِيهُ، أبو عَبْد الله اليونيني، شيخ الإسلام الحَنْبليّ، الحافظ. [المتوفى: 658 هـ]
ذكره ولده الشَّيْخ قُطْبُ الدين فِي " تاريخه " فرفع نَسَبَه إلى عَلي رَضِيَ اللَّهُ -[890]-
عَنْهُ، فقال: ابن أبي الرجال أحمد بْن عليّ بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصّادق بْن محمد الباقر بْن عَلِيِّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيِّ بْن أبي طالب رضي الله عنهما.
وحدَّث شيخنا الإمام الثّقة أبو الحُسَيْن أن والده الشَّيْخ الْفَقِيهُ ذكر لَهُ قبل أن يموت بقليل أننا من ذرية الحُسَيْن بْن عليّ، وساق لَهُ هذا النسب.
وُلِد فِي رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بيُونين، ولبس الخِرقَة من الشَّيْخ عَبْد الله البطائحي صاحب الشَّيْخ عَبْد القادر؛ ولزِم الشَّيْخ عَبْد الله اليونيني، وكان يشفق عَلَيْهِ ويربيه، فإنه رُبّي يتيماً، وتعلم الخطَّ المنسوب، واشتغل بدمشق عَلَى الشَّيْخ الموفَّق في المُذْهب، وعلى الحافظ عَبْد الغني فِي الحديث، وسمع منهما. ومن أبي طاهر الخُشُوعيّ، وحنبل الرَّصافيّ، وأبي اليمن الكِنْديّ، وأبي التمام القلانسي، وجماعة. وروى الكثير بدمشق وبَعْلَبَكّ. وكان والده مرخمًا ببَعْلَبَكّ وبدمشق، ثُمَّ سافر وترك محمدًا عند أمه بدمشق بناحية الكشك، وكان فِي جوارهم أولاد أمير، فتردد محمد معهم إلى الجامع، فتلقن أحزابًا، ثُمَّ طلع الصبيان إلى بستانٍ، فأسلَمَتْه أمُه نشابيًا، فصار لَهُ فِي الشهر خمسة دراهم، فكان يرتفق بها. ثُمَّ ذهب يومًا إلى المقرئ يسلم عَلَيْهِ، فقال له: لم لَا تلازم القرآن يا ولدي، فإنك يجيء منك شيء. فاعتذر بأنه فِي دكان، فقال: كم يُعطيك المعلم؟ قَالَ: خمسة دراهم فِي الشهر. فأخرج لَهُ خمسة دنانير وقال: أَنَا أعطيك كل شهر هكذا. فاجتمع بأمه وكلمَها. فلازَمه فختم عَلَيْهِ القرآن فِي مدةٍ يسيرة، ثُمَّ طلب لَهُ الشَّيْخ عَبْد الله اليُونيني مجوداً، وقال له: إن كتب محمد مثلك أعطيتك ثلاثمائة. فتعلم الخطّ وبرع فيه، وشارطه المجود عَلَى نسخ كتاب قصص بثلاثمائة، فكتب من أوله ورقة، وأعطاه لمحمد فَنَسَخَه بخطه، ثُمَّ قَالَ: يا بُنَيَّ قد برئت ذمة الشيخ من الثلاثمائة.
ثُمَّ لازم الحفظ حتى حفظ " الجمع بين الصحيحين ". وكان ربما يجوع. وقد سَمِعَ مُرَّة من الكندي إذ ذاك فكتب الطبقة، فنظر فيها الكِنْديّ فأعجبه خطه، فقال: هذا خطك وهذا حظك. -[891]-
روى عَنْهُ أولاده أبو الحُسَيْن وأبو الخير وآمنة وأمه الرحيم، وأبو عَبْد الله بْن أبي الفتح، وموسى بْن عَبْد العزيز، وإبراهيم بْن أحمد بْن حاتم، وأبو الحَسَن بْن حصن، ومحمد وإبراهيم ابنا بركات ابن القُرَيْشَة، ومحمد ابن المحب، والمحييّ إمام المشهد، وعليّ ابن الشاطبيّ، ومحمد ابن الزراد، وعبد الرحيم ابن الحبال، وعلي بْن المظفَّر الكاتب، وطائفة سواهم فِي الأحياء. وكان يكرر عَلَى " الجمع بين الصحيحين " للحميديّ.
ذكره عمر ابن الحاجب الحافظ فِي " مُعْجَمه " فِي سنة بضْع وعشرين وستمائة، فأطنب فِي نعته وأسهب، وأرغب فِي وصفه وأغرب، فقال: اشتغل بالفقه والحديث إلى أن صار إمامًا حافظًا، وصار مقدم الطائفة، لم ير فِي زمانه مثْلَ نفسه فِي كماله وبراعته. جمع بين عِلمَيِ الشريعة والحقيقة. وكان حُمَيْد المساعي والآثار، حَسَن الخَلق والخُلُق، نفاعًا للخلق، مطرحاً للتكلف. من جملة محفوظاته " الجمع بين الصحيحين " للحُمَيْديّ. وحدثني أَنَّهُ حفظ " صحيح مُسْلِم " جميعه، وكرر عَلَيْهِ فِي أربعة أشهر. وكان يكرر عَلَى أكثر " مُسْنَد أحمد " من حفظه، وأنه كَانَ يحفظ فِي الجلسة الواحدة ما يزيد عَلَى سبعين حديثًا.
وقال قُطْبُ الدين: كَانَ: رحمه الله، يصلي بالشيخ عَبْد الله، وحفظ " الجمع بين الصحيحين " وأكثر " المسند "، وحفظ " صحيح مُسْلِم " فِي أربعة أشهر. وحفظ سَوْرَة الأنعام فِي يوم، وحفظ من " المقامات " ثلاثة إلى نصف نهار الظهر. وتزوج ستٌّ زوجات، وخلف خمسة أولاد: عليا وخديجة وآمنة وأمهم تركمانية، وموسى- يعني نفسه - وأمه الرحيم، وأمُّهما زينُ العرب بِنْت نصر الله أخي قاضي القضاة شمس الدّين يحيى ابن سَنِي الدّولة.
ثُمَّ قَالَ: والنسب الَّذِي ذكرناه رواه عَنْهُ ولده أبو الحُسَيْن عليّ. قَالَ: أظهره لي قبل وفاته لأعلم بأن الصَدَقَة تحرم علينا. وكان المُلْك الأشرف موسى يحترمه ويعظمه ويعتقد فيه، وكذلك أخوه المُلْك الصالح. -[892]-
قَالَ: ولما قِدم المُلْك الكامل إلى دمشق طلب من أخيه الأشرف أن يُحِضر لَهُ الشيخ الفقيه ليراه، فاحضره من بَعْلَبَكّ. فلمّا رآه عظُم فِي عينه وأرسل إِليْهِ مالًا فلم يقبله. ولما مَلَكَ الصالح نجمُ الدين البلادَ قَالُوا لَهُ عَنْهُ: إنه يميل إلى عمه الصالح إسماعيل، فبقي فِي نفسه منه، فلمّا اجتمع بِهِ بالغ فِي إكرامه، ولم يشتغل عَنْهُ بغيره، فلمّا فارقه بالَغَ فِي الثناء عَلَيْهِ، فقيل لَهُ: إلّا أَنَّهُ يحب عمك الصالح إسماعيل. فقال: حاشى ذاك الوجه المليح.
وقدِم فِي أواخر عُمُرُه دمشقَ سنة خمسٍ وخمسين، فخرج المُلْك النّاصر إلى زيارته بزاوية الفرنثي، وتأدب معه، وعظمه، واستعرض حوائجه. وكان يكره الاجتماع بالملوك ولا يؤثره، ولا يقبل إلّا هدية من مأكول ونحوه.
قلت: وقد خدمه مدةً شيخُنا عليّ بْن أحمد بْن عَبْد الدائم، فقال: كَانَ للشيخ الْفَقِيهُ أوراد، لو جاء ملكٌ من الملوك ما أخرها عَنْ وقتها. وكنت أخدمه، فورد الشَّيْخ عثمان شيخُ ديْر ناعِس، فجلس ينتظر الشَّيْخ، فقال: أشتهي أن يكشف الشيخ الفقيه صدره فأعانقه، ويُعطيني ثوبه. فلمّا جاء الشَّيْخ وأكلوا، قال: قم يا شيخ عثمان. ثم كشف عَنْ صدره وعانقه، وأعطاه ثوبه، وقال: كلما تقطع ثوبٌ أعطيتُك غيره.
وكان ما يرى إظهار الكرامات، ويقول: كما أوجب الله على الأنبياء إظهار المعجزات، أوجب عَلَى الأولياء إخفاء الكرامات. قال: وذكروا عنده الكرامات فقال: والكم أيش الكرامات. كنت عند الشَّيْخ عَبْد الله وأنا صغير، وكان عنده بَغَادِدَة يعملون مجاهدات، فكنت أرى من يخرج من باب دمشق، وأرى الدنيا قدامي مثل الوردة فكنت أقول للشيخ: يا سيدي بيجي إلى عندك من دمشق أناسٌ ومعم كذا وكذا، وأناس من حمص ومن مصر، فإذا جاء ما أقول يقولون: يا سيدي، نَحْنُ نعمل مجاهدات وَمَا نرى، وهذا يرى. فيقول: هذا ما هُوَ بالمجاهدات، هذا موهبةٌ من الله.
وقال خطيب زَمْلَكا ابن العز عُمَر: حدَّثني العارف إسرائيل بْن إبراهيم قَالَ: طلب الشَّيْخ الْفَقِيهُ من الشَّيْخ عثمان شيخ دير ناعِس قضية، قَالَ: فقضيت -[893]-
الحاجة، فقال الشَّيْخ الْفَقِيهُ: أحسنْتَ يا شيخ عثمان. فقال بعض الفُقراء: يا سيدي أنت ما عندك أحدٌ مثل الْفَقِيهُ لِمَ لَا قام هُوَ فِي هذا بنفسه؟ فقال: الخليفة إذا أراد شغلًا يأمر بعض مَن عنده يقوم فيه.
وحدثني إسرائيل أن الوزير أمين الدّولة دعا الشَّيْخ الْفَقِيهُ والشيخ عثمان والفقراء، وكنت فيهم، فلما قِدم الشَّيْخ الْفَقِيهُ قام ابن البغيلة النّقيب وتلقى الشَّيْخ وتكلم، فلمّا شرعوا فِي الأكْل شمر الشَّيْخ الْفَقِيهُ سواعده وأكل، ولم يأكل الشَّيْخ عثمان، فقال أمين الدّولة: يا سيدي، لِمَ لَا تأكل؟ فقال الفقيه: خليه فقد حصلت لك البركة. فلمّا خرجوا قِيلَ للشيخ عثمان: أنت تحب الشَّيْخ محمد وَمَا تشتهي تفارقه، وأكل وأنت لم تأكل. فقال: نظرت إلى الطعام فوجدته نارًا، ورأيته إذا مد يده إلى اللقمة وأخذها تصير نورًا، وأنا هذا الحال ما أقدر عَلَيْهِ.
وأخبرني الإمام فخر الدين عَبْد الرَّحْمَن بْن يوسف البَعْلَبَكِّيّ قَالَ: أخبرني الشَّيْخ عثمان، قَالَ: كَانَ فِي خاطري ثلاث مسائل أريد أن أسأل عَنْهَا الشَّيْخ الْفَقِيهُ. قَالَ: فأجابني عَنْهَا قبل أن أسأله.
وأخبرني شيخنا شمس الدين حسين بْن دَاوُد قَالَ: كَانَ الشَّيْخ الْفَقِيهُ حَسَن المحاورة، ما كنت أشتهي أن أفارقه من فصاحته.
وأخبرني إبراهيم ابن الشيخ عثمان بدير ناعس، قال: أخبرني أبي، قال: قُطْبُ الشَّيْخ الْفَقِيهُ ثمان عشرة سنة.
أخبرني الشيخ تقي الدّين إبراهيم ابن الواسطيّ، قال: رأيت للشيخ الفقيه رؤيا تدلُ عَلَى أَنَّهُ أعطي ولاية، أوْ كما قَالَ.
وسمعت قاضي القُضاة أبا المفاخر - يعني ابن الصائغ - يَقُولُ: سَأَلَ المُلْك الأشرف الشَّيْخ الْفَقِيهُ فقال: يا سيدي أشتهي أبصِر شيئًا من كراماتك. فقال الشَّيْخ: أيش يكون هذا. فلمّا أراد الشَّيْخ الخروج بادر الأشرف إلى مداسة وقدَّمه، فقال لَهُ الشَّيْخ: هذا الَّذِي كنتَ تطلُبُه قد رأيتَه. أنت المُلْك الأشرف ابن المُلْك العادل، وأنا ابن واحدٍ من يُونين تقدَّم مداسي. فأطرق الأشرف. -[894]-
قلت: وحدثني الشَّيْخ أبو الحُسَيْن شيخنا أن أَبَاهُ توضأ بقلعة دمشق عَلَى البركة، فلمّا فرغ نقض لَهُ السُّلطان المُلْك الأشرف بعض عمامته، وقدمها لَهُ تنشَّف بها.
وقال ابن الحاجب: وكان، رحمه الله، مليح الشَّيْبة، حَسَن الشَّكْلِ والصورة، زاهداً وقوراً، ظريف الشمائل، مليح الحركات، حُمَيْد المساعي، بَشُوش الوجه، لَهُ الصيت المشهور، والإفضال عَلَى المنتابين. وكان من المقبولين المعظمين عند الملوك.
قلت: هذا كله قاله ابن الحاجب والشيخ الْفَقِيهُ كهل. وعاش بعد ذَلِكَ ثلاثين سنة فِي ازدياد. وكان الشَّيْخ بهيًا، نورانيًا، عَلَيْهِ جلالة وهيبة، لَا يشبع الشخص من النظر إِليْهِ، فرحمه الله عَلَيْهِ.
تُوُفّي فِي تاسع عشر رمضان ببَعْلَبَكّ، ودُفِن عند شيخه عبد الله اليُونيني.

352 - علي بن عمر بن نبا، نور الدولة اليونيني،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

352 - عليّ بن عمر بن نَبَا، نور الدّولة اليُونينيّ، [المتوفى: 670 هـ]
تربية الشّيخ الفقيه أبي عبد الله اليُونينيّ.
ربّاه الشّيخ الفقيه وزوّجه ببناته الثّلاث واحدةً بعد واحدة، وأسمعه الحديث من البهاء عبد الرحمن، والعز ابن رواحة.
وكان غزير المروءة شجاعًا مِقْدامًا، له حكايات في الشّجاعة وفي قتْل الوحوش.
تُوُفّي فِي جُمَادَى الآخرة وقد نيَّفٍ عَلَى السّتّين.

173 - عبد الله بن شكر بن علي، اليونيني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

173 - عَبْد اللّه بْن شُكر بْن عليّ، اليُونينيّ. [المتوفى: 674 هـ]
شيخٌ، صالح، عابد، قانع، متعفّف، صحِب المشايخّ وسمع الكثير فِي كهولته، روى عَنْهُ ابن الخبّاز.
قَالَ قُطْبُ الدّين: كان قانعًا باليسير، متحرِّيًا فِي مَطْعَمه وملبسه ويتقوَّت من مُغَلّ أرضٍ له، لعلّ مغلّها خمسون درهمًا. وحصل له من الجوع -[277]-
يَبَسٌ أورثه تخيُّلات فاسدة، وتُوُفِّي بدمشق فِي رمضان وقد جاوز السّبعين.
حدَّث عن الحافظ الضياء.
روى عَنْهُ ابن تمّام وابن الخبّاز.

523 - عبد الله ابن الشيخ محمد ابن الشيخ القدوة عبد الله بن عثمان، اليونيني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

523 - عبد الله ابن الشيخ محمد ابن الشَّيْخ القُدوة عَبْد اللّه بْن عُثْمَان، اليُونينيّ. [المتوفى: 680 هـ]
وُلِدَ سنة أربعٍ وستّمائة، وأدرك جدّه.
قَالَ الشَّيْخ قُطْبُ الدّين: كان خيّرًا، كثير التّعبُّد، سليم الصّدر، متواضعًا، ذا مروءة غزيرة، وشجاعة، وإقدام، قاتل يوم حمص قتالًا شديدًا، ثُمَّ قُتِلَ شهيدًا رحمه اللّه.

428 - أحمد بن عبد الله بن محمد ابن الشيخ الكبير عبد الله اليونيني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

428 - أَحْمَد بن عبد الله بن محمد ابن الشّيْخ الكبير عبد اللَّه اليُونينيّ. [المتوفى: 687 هـ]
قام مُقام أبيه عندما استشهد على حمص، وكان فيه فقر وديانة ومكارم، ومات فِي شوّال وهو فِي عَشْر السّتّين، وقد صحب جده الشيخ محمدًا. وله إجازة من ابن روُزبة وابن بهروز والأنجب الحمامي، وما أراه حدّث.

561 - حسان بن سلطان بن رافع بن منهال بن حسان بن عيسى، الفقيه، عماد الدين اليونيني،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

561 - حسّان بْن سلطان بْن رافع بْن مِنْهال بْن حسّان بْن عيسى، الفقيه، عماد الدّين اليُونينيّ، [المتوفى: 689 هـ]
خطيب قرية زَحْلَة.
وُلِد سنة ثلاثٍ وعشرين وسمع من أَبِي القاسم بْن رواحة وإسماعيل بْن ظفر، وصحب الشّيْخ إِبْرَاهِيم البطائحيّ.
وكان صالحًا، خيِّرًا، تاليًا، ذاكرًا، فقيرًا، بيته مأوى الأضياف، توفي فِي ربيع الآخر.

233 - عبد الولي بن عبد الرحمن بن رافع، الشيخ الزاهد، أبو نصر اليونيني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

233 - عَبْد الوليّ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن رافع، الشَّيْخ الزَّاهد، أبو نصر اليُونينيّ. [المتوفى: 694 هـ]
خطيب يُونين.
شيخ صالح، زاهد، فقيه حنبليّ، من أصحاب الشَّيْخ إِبْرَاهِيم البطائحيّ، سمع من ابن اللَّتّيّ، وابن صباح، وأبي القَاسِم بْن رواحة، وكان حَسَن الصوت، خشن العيش. فيه فقر وتعفف وترك تكلف.
تفقَّه بالمسماريّة مُدّةً، وولي خطابة يُونين نيّفًا وأربعين سنة، وبها تُوُفّي فِي رمضان، سَمِعت منه.

414 - عثمان بن موسى بن رافع بن منهال، أبو عمرو اليونيني، الزاهد،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

414 - عثمان بْن مُوسَى بْن رافع بْن منهال، أبو عَمْرو اليُونينيّ، الزّاهد، [المتوفى: 696 هـ]
فقيه قرية نَبْحَا من أعمال بَعْلَبَكَّ.
سمع: أَبَا القَاسِم بْن رواحة وإسماعيل بْن ظفر، سمع منه ابن أبي الفتح والبِرْزاليّ وابن النّابلسيّ وأنا وطائفة، وكان شيخًا مُقرئًا، صالحًا وقورًا، حَسَن السّمْت.
تُوُفّي فِي أول ربيع الآخر ببَعْلَبَكَّ، وعاش أربعًا وسبعين سنة.

520 - عبد الحميد بن عبد الرحمن بن رافع بن منهال بن عيسى، الفقيه، الزاهد، العابد، حسام الدين اليونيني، الحنبلي

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

520 - عَبْد الحميد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن رافع بْن منهال بْن عِيسَى، الفقيه، الزَّاهد، العابد، حُسام الدِّين اليُونينيّ، الحنبليّ [المتوفى: 698 هـ]
مُريد الشَّيْخ إِبْرَاهِيم البطائحيّ، وفقيه قرية عَمِشْكا وخطيبها.
شيخ عالم، صالح، عابد، دائم الذِّكر والتّلاوة والمراقبة، كثير الصيام، -[875]-
قليل الكلام، حَسَن السِّمت، صاحب أوراد وتهجُّد وخوف، صحِب الشَّيْخ إِبْرَاهِيم، ثُمَّ صحِب الشَّيْخ الفقيه، وروى لنا عن إِسْمَاعِيل بْن ظفر، سمعت منه مع الشيخ شمس الدين ابن أبي الفتح، وسمع منه: البِرْزاليّ وابن النّابلسيّ وجماعة.
وتُوُفيّ أواخر اليوم المنصف لشعبان بقريته، وكان قد عمل فِي الكرم بيده، ثُمَّ جاء وصلّى بالنّاس العشاء، ثُمَّ صلّى بهم مائة ركعة صلاة النّصف التي رُويَ فِيها حديث واهٍ، وأصبح ضعيفًا، وتوفي إلى رحمة الله بسهولة عن نيِّفٍ وسبعين سنة.

573 - أحمد ابن القدوة الزاهد عبد الله بن عبد العزيز بن مهاد، الفقيه، الزاهد، المقرئ، شهاب الدين، أبو العباس اليونيني، البعلبكي، الحنفي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

573 - أَحْمَد ابْن القُدوة الزَّاهد عَبْد اللَّه بْن عبد العزيز بْن مَهَاد، الفقيه، الزَّاهد، المقرئ، شهاب الدِّين، أبو الْعَبَّاس اليُونينيّ، البَعْلَبَكيّ، الحَنَفِيّ. [المتوفى: 699 هـ]
وُلِدَ سنة عشرين وستّمائة، وسمع حضورًا من البهاء عَبْد الرَّحْمَن، وسمع من ابن الزُّبَيْديّ وابن اللّتّيّ وابن ظَفَر، وكان من فقهاء الظاهرية ويسكن بالجبل بخطّ المعظّمية، وفيه دين وتواضع وفقر، سمعنا منه، وتُوُفيّ فِي الحادي والعشرين من ربيع الآخر شهيدًا، عذّبه التَّتَار ورفسوه فمات رحمه اللَّه بالجبل.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت