نتائج البحث عن (-سنة إحدى وعشرين) 9 نتيجة

-سَنَة إحدَى وَعشرْين
قيل: فيها فتح عَمْرو بْن العاص الإسكندرية. وقد مرّت.
وفيها شكا أهلُ الكوفة سعدَ بْنَ أبي وقّاص وتعنَّتُوه، فصرفه عُمَر ووّلَى عمار بْن ياسر على الصلاة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بْن حُنَيف على مساحة أرض السّواد.
وفيها سار عثمان بْن أبي العاص فنزل تَوَّج ومَصَّرَها.
وبعث سوار بْن المثني العبدي إلى سابور، فاسْتُشْهِدَ، فأغار عثمان بْن أبي العاص على سيف البحر والسّواحل، وبعث الجارود بْن المعلي فقُتِل الجارود أيضًا.
عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقُتْبَانِيِّ، وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ عَمْرًا سَارَ مِنْ فِلَسْطِينَ بِالْجَيْشِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ عُمَرَ إِلَى مِصْرَ فَافْتَتَحَهَا، فَعَتَبَ عُمَرُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يُعْلِمْهُ، فَكَتَبَ يَسْتَأْذِنُ عُمَرَ بِمُنَاهَضَةِ أَهْلِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَسَارَ عَمْرٌو فِي سَنَةِ إِحْدًى وَعِشْرِينَ، وَخَلَّفَ عَلَى الْفُسْطَاطِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ الْعَدَوِيَّ، فَالْتَقَى الْقِبْطَ فَهَزَمَهُمْ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ الْتَقَاهُمْ عِنْدَ الْكِرْيَوْن فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْتَهَى إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ يَطْلُبُ الصُّلْحَ وَالْهُدْنَةَ مِنْهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ جَدَّ فِي الْقِتَالِ حَتَّى دَخَلَهَا بِالسَّيْفِ، وَغَنِمَ مَا فِيهَا مِنَ الرُّومِ، وَجَعَلَ فِيهَا عَسْكَرًا عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ قُسْطَنْطِينَ بْنَ هِرَقْلَ فَبَعَثَ خصيًّا لَهُ يُقَالُ لَهُ منْوِيل فِي ثَلاثِمِائَةِ مَرْكَبٍ حَتَّى دَخَلُوا الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَقَتَلُوا بها الْمُسْلِمِينَ وَنَجَا مَنْ هَرَبَ، وَنَقَضَ أَهْلُهَا، فَزَحَفَ إِلَيْهَا عَمْرٌو فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَجَدَّ فِي الْقِتَالِ حَتَّى فَتَحَهَا عَنْوَةً، وَخَرَّبَ جُدُرَهَا. رُؤِيَ عَمْرٌو يُخَرِّبُ بِيَدِهِ. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عن علقمة.

-سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فيها: شغب الجُنْد على القاهر بالله، وهجموا الدّار، فنزل في طيّار إلى دار مُؤنس فشكا إليه. فصبّرهم مُؤنس عشرة أيّام.
وكان ابن مُقْلَة منحرفًا عن محمد بن ياقوت، فنقل إلى مُؤنس أنّ ابن ياقوت يدبّر عليهم. فبعث مُؤنس غلمان عليّ بنُ بُلَيْق إلى دار الخلافة يطلبون عيسى الطّبيب لأنّه اتُّهم بالفضول. فهجموا إلى أنّ أخذوه من حضرة القاهر فنفاه مؤْنس إلى الموصل.
واتَّفق ابن مُقْلَة ومؤْنس وبُلَيْق وابنه على الإيقاع بابن ياقوت، فعلم فاستتر وتفرّق رجاله. وجاء عليّ بن بُلَيْق إلى دار الخلافة، فوكلّ بها أحمد بن زَيْرك، وأمره بالتّضييق على القاهر وتفتيش مَن يدخل. وطالب ابن بُلَيْق القاهرَ بما كان عنده مِن أثاث أمّ المقتدر، فأعطاه إيّاه، فبيع وجُعِل في بيت المّال، وصُرِفَ إلى الجُنْد. ونقل ابن بُلَيْق أم المقتدر إلى عند أمّهِ، فبقيت عندها مكرّمة عشرة أيّام، وماتت في سادس جُمَادَى الآخرة.
وفيها: وقع الإرجاف بأنّ عليّ بن بُلَيْق وكاتبه الحسن بن هارون عَزَما على سبّ معاوية على المنابر، فارتجّت بغداد.
وتقدم ابن بُلَيْق بالقبض على رئيس الحنابلة أبي محمد البَرْبهاري فاستتر، فَنُفِي جماعة من أصحابه إلى البصرة.
وبقي تحيُّل القاهر في الباطن على مؤْنس وابن مُقْلَة، فبلغهم فعملوا -[404]- على خلْعهِ وتولية ابن المكتفي. فدبَّر ابن مُقْلَة تدبيرًا انعكس عليه. أشاعَ بأنّ القَرْمَطِي قد غلب على الكوفة، وأرسل إلى القاهر: المصلحة خروج ابن بُلَيْق إلى قتاله. ليدخل ابن بُلَيْق يقبّل يده، فيقبض عليه. ففهِمها القاهر، وكرَّر ابن مُقْلَة الطلب بأنّ يدخل ابن بُلَيْق ليقبّل يده ويسير. فاسترابَ القاهرُ، وراسل الغلمّان الحجريّة وفرَّقهم على الدّركاه، وراح ابن بُلَيْق إلى القاهر في عددٍ يسير، فقام إليه السّاجيّة وشتموه، فهرب واستتر، واضّطرب النّاسُ، وأصبحوا في مُسْتَهَلّ شعبان قلقين. وجاء بُلَيْق إلى دار الخليفة ليعتذر عن ابنِه، فقُبِضَ عليه وعلى أحمد بن زَيْرك، وعلى يُمْن المؤنسي صاحب شرطة بغداد وحُبِسوا وصار الجيش كله في دار الخليفة، فراسل مؤْنساً وقال: أنتَ عندي كالوالد، فأْتِني تُشير عليّ. فاعتذرَ بثقل الحركة. ثم أشاروا عليه بالإتيَان، فلمّا حصَل في دار الخلافة قُبِض عليه، فاختفى ابن مُقْلة، فاستوزرَ القاهر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عُبَيْد الله. وأُحْرِقت دار ابن مقلة، كما أُحْرِقت قبلَ هذه المرّة. وهرب محمد بن ياقوت إلى فارس، فكتب إليه بعهده على أصبهان، وقلَّدَ سلامة الطولوني الحُجّابة. وقبضَ على أبي أحمد ابن المكتفي وطيّن عليه بين حائطين، ونهبَ القاهر دُور المخالفين.
ثمّ إنّه ظَفَرَ بعليّ بن بُلَيْق بعد جمعة، فحبسه بعد الضَّرْب، فاضطّرب رجال مؤْنس وشغبوا، وقصدوا دار الوزير محمد بن القاسم وأحرقوا بعض داره في ثامن عشر شعبان. فدخل القاهر إلى مؤْنس وبُلَيْق وابنه، فأمر بذبح بُلَيْق وابنه، وذَبَح بعدهما مؤْنساً، وأُخرجت رؤوسهم إلى النّاس وطِيْفَ بها. وكان على مؤْنس دماغٌ هائل. ثمْ ذُبح يُمن وابن زَيْرك. ثمّ أطلقت أرزاق الجُنْد فسكنوا.
واستقامت الأمور للقاهر، وعظم في القلوب، وزيد في ألقابه: " المنتقم مِن أعداء دين الله ". ونقش ذلك على السكّة ثمَ أحضر عيسى الطبيب مِن الموصل. وأمَرَ أنْ لا يركب في طيار سوى الوزير والحاجب، والقاضي، وعيسى الطّبيب.
وفيها: خلع القاهر على أحمد بن كَيْغَلَغ، وقلَّدَه مصرَ. -[405]-
وفيها: أمَرَ القاهر بتحريم القِيان والخمر، وقبضَ على المغنّين، ونفى المخانيث، وكسر آلات اللهو. وأمَرَ ببيع المغنّيات من الجواري على أنّهن سواذج. وكان مع ذلك يشرب المطبوخ والسُّلاف، ولا يكاد يصحو مِن السُّكر، ويختار القَيْنات ويسمعهنّ.
وفيها: عزل القاهر الوزير محمداً، واستوزر أبا العبّاس بن الخصيب. وحجّ بالنّاس مُؤنس الورقانيّ.
وفيها: تُوُفّي أبو جعفر الطَّحاويّ شيخ الحنفيّة.
وفي ربيع الأوّل تُوُفّي أمير مصر أبو منصور تكين الخاصّة بمصر وحُمِلَ إلى بيت المقدس، وقام بعده بالأمر ابنه محمد يسيرًا. ثمّ ولي محمد بن طُغْج. وعُزِل بابن كَيْغَلَغ بعد اثنتين وثلاثين يومًا.
وقدِم على قضاء مصر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قُتيبة، ثم صُرِفَ بعد شهرين ونصف.
وفيها: تُوُفّيت شغب أمّ المقتدر كما قدَّمنا. وكان دخْلها من مُغَلِّها في العام ألف ألف دينار، فتتصدّق بها، وتُخرج مِن عندها مثلها. وكانت صالحة. ولمّا قُتِل ابنها كانت مريضه، فعظُم جَزَعُها، وامتنعت من الأكل حتّى كادت تهلك. ثمّ عذّبها القاهرُ، فحلفت أنّه ما عندها مال، فقيل: ماتت في العذاب معلّقة، وقيل لا. ولم يظهر لها إلّا ما قيمته مائه وثلاثون ألف دينار لا غير. وكان لها الأمر والنَّهْي في دولة ابنها.
وقد ذكرنا قُتِل مُؤنس الخادم الملقَّب بالمظفّر، وكان شجاعًا فاتكًا مَهِيباً، عاش تسعين سنة، منها ستون سنة أميراً. وكان كلّ ما له في عُلُوٍّ ورِفْعة. كان قد أبعده المعتضد إلى مكّة، ولمّا بُويع المقتدر أحضره وفوَّض إليه الأمور. وقد مَرّ مِن أخباره.
وفيها: غلبت الرُّوم على رساتيق مَلَطْية وسُمَيْساط، وصار أكثر البلد في أيديهم.

-سنة إحدى وعشرين وأربعمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وعشرين وأربعمائة
في عاشوراء أغلقَ أهل الكرْخ أسواقهم، وعلّقوا عليها المُسُوح وناحوا؛ وذلك لأنّ السلطان انحدر عنهم فوقع القتال بينهم وبين السُّنة. ثمّ أُنزلت المُسُوح وقُتل جماعة من الفريقين، وخرِّبت عدة دكاكين، وكَثُرت العملات من البرجميّ مقدّم العيّارين وأخذ أموالا عظيمة.
وفيها دخل جلال الدّولة وعسكره إلى الأهواز ونهبتها الأتراك وبدّعوا بها، وزاد قيمة الّذي أخذ منها على خمسة آلاف ألف دينار، وأُحرقت عدّة أماكن، بل ما يمكن ضبطه.
وفي جُمَادى الأولى جلس القادر بالله، وأذِن للخاصّة والعامّة، وذلك عقِيب شَكاةٍ عرضت له، وأظهر في هذا اليوم تقليد ولده أبي جعفر بولاية العهد وهنّأ الناس أبا جعفر ودعوا له، وذكر في السكة والخطبة.
وجاء الخبر أن مطلوبا الكُرديّ غزا الخَزَر فقَتَل وسبي وغنِم وعاد، فاتّبعوه وكسروه واستنقذوا الغنائم والسَّبْي، وقتلوا من الأكراد والمطّوعة أكثر من عشرة آلاف، واستباحوا أموالهم.
وكان ملك الروم، لعنه الله، قد قَصَد حلب في ثلاثمائة ألف، ومعه أموال على سبعين جمّازة، فأشرف على عسكره مائة فارس من العرب، وألف راجل، فظنّ أنّها كبْسة، فلبس ملكهم خُفًّا أسود حتى يخفى أمره، فهرب، وأخذوا من خاصه أربعمائة بغْل بأحمالها، وقتلوا من جيشه مقتلةً عظيمة.
وفي شوّال اجتمع الهاشميّون إلى جامع المنصور، ورفعوا المصاحف -[342]- واستنفروا الناس، فاجتمع له الفُقَهاء، وخلقُ من الكَرْخ وغيرها، وضجوّا بالاستعْفاء من الأتراك. فلمّا رَأَوْهم قد رفعوا أوراق القرآن على القَصَب رفعوا لهم قناةً عليها صليب، وترامى الفريقان بالآجُرّ والنشّاب وقُتِل طائفة، ثمّ أُصلح الحال.
وكَثُرت العَمْلات والكَبْسات من البرجميّ ورجاله، وأخذ المخازن الكِبار وفتح الدّكاكين، وتجدد دخول الأكراد المتلصِّصة إلى بغداد، وأخذوا خيل الأتراك من الإصطبلات.
ولم يخرج رَكْبٌ من العراق في هذه السنة.
وتوفي ابن حاجب النعمان الكاتب.
وفيها اشترى ملك الروم الَّنْصرانيّ نصف مدينة الرها بعشرين ألف دينار من ابن عُطَيْر النُّمَيريّ، فهدمَ الملعون المساجد وأجلى المسلمين منها. ثمّ أخذها السّلطان مَلكْشاه سنة تسعٍ وسبعين، وسلّمها إلى الأمير توران. ثمّ أخذتها الفرنج في أوّل ظهورهم على البلاد سنة اثنتين وتسعين، وبقيت بأيديهم إلى أن افتتحها زنْكي والد الملك نور الدين محمود سنة تسعٍ وثلاثين وخمسمائة.

-سنة إحدى وعشرين وخمسمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
قد ذكرنا أن أهل بغداد كلهم كانوا بالجانب الغربي، وعسكر محمود في الجانب الشرقي، وتراموا بالنَّشّاب، ثم إن جماعة من عسكر محمود حاولوا الدّخول إلى دار الخلافة من باب النّوبي، فمنعتهم الخاتون، فجاءوا إلي باب الغربة في رابع المحرَّم، ومعهم جمع من الساسة والرُّعاع، فأخذوا مطارق الحدّادين، وكسروا باب الغربة، ودخلوا إلي التاج فنهبوا دار الخلافة من ناحية الشّطّ، فخرج الجواري حاسرات يلطمن، ودخَلْنَ دار خاتون، وضجّ الخلْق، فبلغ الخليفة، فخرج من السّرادق، وابن صَدَقة بين يديه، وقدموا السفن في دفعةً واحدة، ودخل عسكر الخليفة، وألبسوا الملاحين السلاح، وكشفوا عنهم بالنشاب، ورمى العيّارون أنفسهم في الماء وعبروا، وصاح المسترشد بالله بنفسه: يا آل بني هاشم، فصَدَق الناس معه القتالَ، وعسكرُ السلطان مشغولون بالنَّهْب، فلما رأوا عسكر الخليفة ذلّوا وولوا الأدْبار، ووقع فيهم السيف، واختفوا في السراديب، فدخل وراءهم البغداديون وأسروا جماعة، وقتلوا جماعة من الأمراء، ونهب العامة دور أصحاب السلطان، ودار وزيره، ودار العزيز أبى نصر المستوفي، وأبي البركات الطيب، وأُخذ من داره ودائع وغيرها بما قيمته ثلاثمائة ألف، وقُتِلَ من أصحاب السلطان عدةٌ وافرةٌ في الدروب والمضائق.
ثم عبر الخليفة إلى داره في سابع المحرم بالجيش، وهم نحو ثلاثين ألف مقاتل بالعوام وأهل البر، وحفروا بالليل خنادق عند أبواب الدروب، ورتب على أبواب المحال من يحفظها، وبقي القتال أيامًا إلى يوم عاشوراء، انقطع القتال، وترددت الرسل، ومال الخليفة إلى الصُّلح والتحالف، فأذعن -[340]- السلطان وأحب ذلك، وراجع الطاعة، وأطمأن الناس، وطُمَّت الخنادق، ودخل أصحاب السلطان يقولون: لنا ثلاثة أيام ما أكلنا خبزا، ولولا الصُّلح لمتنا جوعًا، وكانوا يسلقون القمح ويأكلونه، فما رؤي سلطانٌ حاصر فكان هو المحاصَر، إلا هذا، وظهر منه حلم وافر عن العوام، وبعث الخليفة مع علّي بن طِراد إلى سَنْجر خِلعًا وسيفين، وطوقًا ولواءين، ويأمره بإبعاد دبيس من حضرته.
وجاء الخبر بأن سنجْر قتل من الباطنية اثني عشر ألفًا، فقتلوا وزيره المعين، لأنه كان يحرض عليهم وعلى استئصالهم، فتحيل رجل منهم، وخدم سائسا لبغال المعين، فلما وجد الفرصة وثب عليه وهو مطمئن فقتله، وقُتِلَ بعده، وكان هذا الوزير ذا دِين ومروءة، وحسن سيرة.
ومرض السّلطان محمود في الميدان، وغُشى عليه، ووقع من فرسه، واشتد مرضه، ثم تماثل فركب، ثم انتكس، وأُرجِف بموته ثمّ خُلع عليه وهو مريض، وأشار عليه الطّبيب بالرواح من بغداد، فرحل يطلب هَمَذَان، وفوّض شِحْنكيَّة بغداد إلى عماد الدين زنكي.
وبعد أيام جاء الخبر من همذان بأن السلطان قَبض على العزيز المستوفي وصادره وحبسه، وعلى الوزير فصادره وحبسه، وكان السبب أنّ الوزير تكلَّم على العزيز، وأن برنقش الزكوي تكلم على الوزير، ثمّ بعث السلطان إلي أنوشروان بن خالد الملقب شرف الدين، وهو ببغداد، فاستوزره، فلم يكن له ما يتجهَّز به حتى بعث له الوزير جلال الدين من عند الخليفة الخِيَم والخيل، فرحل إلي أصبهان في أول رمضان في السنة، أقام في الوزارة عشرة أشهر، واستعفى وعاد إلى بغداد.
وفي رمضان وصل مجاهد الدّين بهروز إلي بغداد، وقد فوض إليه السلطان بغداد والحلة، وفوض إلى زنكي الموصل، فسار إليها.
ومات عزّ الدّين مسعود بن آقْسُنْقُر البُرْسُقيّ في هذه السنة، وكان قد ولي الموصل بعد قتل والده، واتفق موتُه بالرَّحْبَة، فإنه سار إليها، وكان بطلًا شجاعًا، عالي الهمَّة، ردّ إليه السُلطان جميع إقطاع والده، وطمع في التّغلُّب -[341]- على الشّام، فسار بعساكره، فبدأ بالرَّحْبَة، فحاصرها، ومرض مرضًا حادًا، فتسلم القلعة، ومات بعد ساعة، وبقي مطروحًا على بساط، وتفرق جيشه، ونهب بعضُهم بعضًا، فأراد غلمانه أن يُقيموا ولده، فأشار الوزير أنوشروان بالأتابك زنكي لحاجة الناس إلى من يقوم بإزاء الفرنج، لعنهم الله.
وفيها سئل أبو الفتح الإِسْفَرَايِينِيُّ فِي مَجْلِسِهِ بِبَغْدَادَ عَنِ الْحَدِيثِ: " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ "، فَقَالَ: لَمْ يصح، والحديث في الصّحيح.
وقال يومًا على المنبر: قيل يا رسول الله، كيف أصبحت؟ فقال: " أعمى بين العُمْيان، ضالًّا بين الضلال "، فاستحضره الوزير، فأقر، وأخذ يتأول تأولات فاسدة، فقال الوزير للفُقهاء: ما تقولون؟ فقال ابن سلمان مدرّس النّظاميَّة: لو قال هذا الشّافعي ما قبِلْنا منه، ويجب على هذا أن يجدد إيمانه وتوبته، فمُنع من الجلوس بعد أن استقرّ أنّه يجلس، ويشدّ الزّنّار، ثم يقطعه ويتوب، ثم يرحل، فنصره قومٍ من الأكابر يميلون إلى اعتقاده، وكان أشعريًا، فأعادوه إلى الجلوس، وكان يتكلَّم بما يُسقِط حُرْمة المُصْحَف من قلوب العوامّ، فافتتن به خلق، وزادت الفتن ببغداد، وتعرض أصحابه لمسجد ابن جردة فرجموه، ورُجم معهم أبو الفتوح، وكان إذا ركب يلبس الحديد ومعه السيوف مُسَلَّلَة، ثم اجتاز بسوق الثُّلاثاء، فرُجم ورُميت عليه الميتات، ومع هذا يقول: ليس هذا الّذي نتلوه كلام الله، إنما هو عبارة ومَجَاز، ولمّا مات ابن الفاعوس انقلبت بغداد، وغُلَّقت الأسواق، وكان عوامّ الحنابلة يصيحون على عادتهم: هذا يوم سُنّيّ حنبلي لَا أشعريّ ولا قشيري ويصرحون بسب أبي الفتوح هذا، فمنعه المسترشد بالله من الجلوس، وأمره أن يخرج من بغداد، وكان ابن صَدَقة يميل إلى السُّنَّة، فنصرهم. -[342]-
ثم ظهر عند إنسان كرّاس قد اشتراها، فيها مكتوب القرآن، وقد كُتِب بين الأسطر بالأحمر أشعار على وزن أواخر الآيات، ففُتَّش على كاتبها، فإذا هو مودب، فكُبس بيته، فإذا فيه كراريس كذلك، فحُمل إلى الديوان، وسُئل عن ذلك، فأقرّ، وكان من أصحاب أبي الفتوح، فنُودي عليه على حمار، وشُهر، وهمّت العامَّة بإحراقه، ثم أُذن لأبي الفتوح، فجلس.
وظهر في هذه الأيام الشيخ عبد القادر الجيلي، فجلي في الحَلبة، فتشبَّث به أهل السُّنَّة، وانتصروا بحسن اعتقاد الناس فيه.

-سنة إحدى وعشرين وستمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وعشرين وستمائة
فيها استردّ الأشرفُ خِلاطَ من أخيه شهاب الدّين غازي، وأبقى عليه ميّافارقين.
وفيها ظهر السّلطان جلال الدّين ابن خُوارزم شاه - بعدما انفصل عن بلاد الهند وكِرمان - على أَذْرَبَيْجَان، وحكم عليها، وراسله الملكُ المعظُّمُ لِيُعينه على قتال أخيه الأشرف، وكتب المعظُّمُ إلى صاحب إرْبِلَ في هذا المعنى، وبعث ولده النّاصر داود إليه رهينةً.
وفيها استولى بدرُ الدِّين لؤلؤٌ على المَوْصِل، وأظهر أنّ محمود ابن المَلِك القاهر قد توفّي، وكان قد أمر بخنقه.
وفيها بنيت دار الحديث الكامليّة بين القصرين، وجعل أبو الخطّاب بن دحية شيخها.
وفيها قَدِمَ الملكُ المسعود أقسيس على أبيه الملك الكامل، من اليمن، طامعًا في أخْذ الشّام من عمّه المعظُّم، وقدَّم لأبيه أشياءَ عظيمة منها: ثلاثة فيلة، ومائتا خادم.
قال ابن الأثير: وفيها عادت التّتارُ من بلاد القَفْجَاق، ووصلت إلى الرَّيّ، وكان من سلم من أهلها قد عمَّروها، فلم يشعروا إلّا بالتّتر بغتةً، فوضعوا فيهم السّيفَ، وسَبَوْا، ونهبُوا، وساروا إلى سَاوَةَ، ففعلوا بها كذلك، ثمّ ساروا إلى قُمَّ وقاشان، وكانت عامرةً، فأخذوها، ثمّ وصلوا إلى هَمَذَانَ فقتلوا أهلَها، ثمّ ساروا إلى تبريز، فوقع بينهم وبين الخوارزميّة مصافٌّ. -[632]-
وفيها سار غياثُ الدِّين محمد ابن السُّلطان علاء الدِّين محمد خُوارزم شاه إلى بلاد فارس، فلم يشعر صاحبُها أتابِك سعدٌ إلّا بوصوله، فلم يتمكّن من الامتناع، واحتمى بقلعة إصْطَخْرَ، فملك غياثُ الدِّين شيراز بلا تعب، وأقام بها، واستولى على أكثر بلاد فارس، وبقي لسعدٍ بعضُ الحصون، وتصالحا على ذلك.
وفيها أو قبلَها بيسير جرت واقعةٌ قبيحة، وهي أنّ الكُرْج - لَعَنَهم الله تعالى - لم يبق فيهم من بيت المُلك أحدٌ سوى امرأةٍ، فملَّكوها عليهم.
قال ابن الأثير: طلبوا لها رجلًا يتزوَّجُها، وينوبُ عنها في المُلْك، ويكون من بيت مملكة، وكان صاحب أرزن الرّوم مغيث الدّين طغريل شاه بْن قَلِيج أرسلان بْن مَسْعُود بْن قِليج أرسلان، وهو من الملوك السّلجوقية، وله ولد كبير، فأرسل إلى الكُرْج يَخْطُبُ الملكةَ لولده، فامتنعوا، وقالوا: لا يملكنا مسلمٌ، فقال لهم: إنَّ ابني يتنصَّرَ ويتزوّجها، فأجابوه، فتنصَّر، وتزوَّج بها، وأقام عندها حاكمًا في بلادهم، نعوذُ بالله من الخذلان، وكانت تهوى مملوكًا لها، وكان هذا الزّوجُ يسمع عنها القبائحَ، ولا يُمكنه الكلام لعجزه، فدخل يومًا، فرآها مع المملوكِ، فأنكر ذلك، فَقالَتْ: إنْ رضيتَ بهذا، وإلّا أنتَ أخبرُ، ثمّ نقلته إلى بلد، ووكَّلَتْ به، وحَجَرتْ عليه، وأحضرت رجلين وُصِفَا لها بِحُسْنِ الصورة فتزوّجت أحدهما، وبقي معها يسيرًا، ثمّ فارقتْه، وأحضرت آخر من كَنْجَة وهو مُسْلم، فطلبت منه أن يتنصَّر ليتزوّجها، فلم يفعل، فأرادت أنْ تَتَزَوّجَهُ، فقام عليها الأمراءُ ومعهم إيواني مقدَّمهم، فقالوا لها: فضَحْتِنا بينَ الملوك بما تفعلين، قال: والأمرُ بينهم متردّد، والرجل الكُنْجِيّ عندهم، وهي تهواه.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت