نتائج البحث عن (-سنة تسع وستين) 11 نتيجة

-سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ صَاحِبِ النَّحْوِ.
وَكَانَ فِي أَوَّلِهَا طَاعُونُ الْجَارِفِ بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: حَدَّثَنِي مَنْ أَدْرَكَ الْجَارِفَ قَالَ: كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَمَاتَ فِيهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا.
قَالَ خَلِيفَةُ: قَالَ أَبُو الْيَقْظَانِ: مَاتَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي طَاعُونِ الْجَارِفِ ثَمَانُونَ وَلَدًا، وَيُقَالُ: سَبْعُونَ.
وَقِيلَ: مَاتَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ أَرْبَعُونَ وَلَدًا، وَقَلَّ النَّاسُ جِدًّا بِالْبَصْرَةِ، وَعَجَزُوا عَنِ الْمَوْتَى، حَتَّى كَانَتِ الْوُحُوشُ تَدْخُلُ الْبُيُوتَ فَتُصِيبَ مِنْهُمْ. وَمَاتَتْ أُمُّ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ، فَلَمْ يَجِدُوا مَنْ يَحْمِلُهَا إِلَّا أَرْبَعَةٌ. وَمَاتَ لِصَدَقَةَ بْنِ عَامِرٍ المازني فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعَةُ بَنِينَ، فَقَالَ: اللهم إني مسلم مُسْلِمٌ، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ خَطَبَ الْخَطِيبُ ابن عَامِرٍ، وَلَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ -[617]- إِلَّا سَبْعَةُ أَنْفُسٍ وَامْرَأَةٌ، فَقَالَ: مَا فَعَلَتِ الْوُجُوهُ؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: تَحْتَ التُّرَابِ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ عِشْرُونَ أَلْفِ عَرُوسٍ، وأصبح الناس في رابع يوم ولم يَبْقَ حَيًّا إِلَّا الْقَلِيلُ، فَسُبْحَانَ مَنْ بِيَدِهِ الْأَمْرُ.
وَمِمَّنْ قِيلَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِيهَا يَعْقُوبُ بن بحير بْنُ أُسَيْدٍ، وَقَيْسُ بْنُ السَّكَنِ، وَمَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ السَّكْسَكِيُّ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَحَسَّانُ بْنُ فَائِدٍ الْعَبْسِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ عَامِرٍ الوادعي، وَحُرَيْثُ بن قبيصة.
قال الواقدي: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ فليح قال: ركبني دين، فجلست يوما إلى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَخَذْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فوتدت في ظهره أربعة أوتاد، فقال: مَا رَأَيْتُ ذَا، فَأَخْبِرْنِي مَنْ رَآهَا؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِهَا، قَالَ: يَقْتُلُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ يَكُونُ خَلِيفَةُ، فَرَكِبْتُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ لِي بِخَمْسِمِائَةِ دِيَنارٍ وَثِيَابٍ.
وَفِيهَا أَعَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَخَاهُ مُصْعَبًا إِلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ، لِضَعْفِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْأُمُورِ وَتَخْلِيطِهِ، فَقَدِمَهَا مُصْعَبٌ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ يُرِيدُ الشَّامَ فِي جَيْشٍ كَبِيرٍ، وَسَارَ إِلَى حَرْبِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَسَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى آخِرِ وِلَايَتِهِ، وَهَجَمَ عَلَيْهِمَا الشِّتَاءُ فَرَجَعَا.
قال خليفة: كانا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ حَتَّى قُتِلَ مصعب، واستناب مصعب على عمله إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ.
وَفِيهَا عَقَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ أَمِيرُ مِصْرَ لِحَسَّانٍ الْغَسَّانِيِّ عَلَى غَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَافْتَتَحَ قُرْطَاجَنَّةَ، وَأَهْلُهَا إِذْ ذَاكَ رُومٌ عُبَّادُ صليب. -[618]-
وَفِيهَا قُتِلَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ؛ مَالَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ: اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَتَلُوهُ.

-سنة تسع وستين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: الْقَاضِي أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْسِيُّ، وَثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ الأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ إِيَاسٍ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْمَهْرِيُّ بِالثَّغْرِ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ وَالِدُ عِرَاكٍ الْمُقْرِئِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فِي قَوْلٍ، وَدِحْيَةُ بْنُ الْمُغْضَبِ بن أصبغ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ الأُمَوِيُّ، قُتِلَ -[282]- بِمِصْرَ، وَالسَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى فِي آخِرِهَا، وَسَعِيدُ بن أبي أَيُّوبَ بِخُلْفٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ كَيْسَانَ، وَطُعْمَةُ بْنُ عَمْرٍو الْكُوفِيُّ في قول، وعبيد الله بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ الْكُوفِيُّ، وَعُمَارَةُ بْنُ زَاذَانَ الْبَصْرِيُّ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ اللَّيْثِيُّ الشَّاعِرُ، وَمَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ فِي قَوْلٍ، وَمُوسَى بْنُ محمد الأنصاري، ونافع بن عمر الْجُمَحِيُّ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ قَارِئُ الْمَدِينَةِ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَأَبُو إِسْرَائِيلَ الملائي بخلف، وأبو سعيد المؤدب محمد بن مسلم.
وَفِيهَا خِلافَةُ الْهَادِي، فِي الْمُحَرَّمِ سَارَ الْمَهْدِيُّ إِلَى مَاسَبَذَانَ عَازِمًا عَلَى تَقْدِيمِ ابْنِهِ هَارُونَ فِي وِلايَةِ الْعَهْدِ، وَأَنْ يُؤَخِّرَ مُوسَى الْهَادِي، فَنَفَّذَ إِلَى مُوسَى فِي ذَلِكَ فَامْتَنَعَ، فَطَلَبَهُ فلم يأت، فهم المهدي بالسير إِلَى جُرْجَانَ لِذَلِكَ، فَسَاقَ يَوْمًا خَلْفَ صَيْدٍ فَاقْتَحَمَ الصَّيْدُ خَرِبةً، وَدَخَلَتِ الْكِلابُ خَلْفَهُ، وَتَبِعَهُمُ الْمَهْدِيُّ، فَدُقَّ ظَهْرُهُ فِي بَابِ الْخَرِبَةِ مَعَ شِدَّةِ سَوْقِ الْفَرَسِ، فَهَلَكَ لِسَاعَتِهِ.
وَقِيلَ: بَلْ أَطْعَمُوهُ السُّمَّ، سَقَتْهُ جَارِيَةٌ لَهُ سُمًّا اتَّخَذَتْهُ لِضُرَّتِهَا، فَمَدَّ يَدَهُ، وَفَزِعَتْ أَنْ تَقُولَ: هُوَ مَسْمُومٌ، وَكَانَ لُبًّا فِيمَا قِيلَ، وَقِيلَ: كَانَ إِنْجَاصًا، فَأَكَلَ وَصَاحَ: جَوْفِي، وَتَلِفَ مِنَ الْغَدِ، وَعُلِّقَتِ الْمُسُوحُ عَلَى قِبَابِ حُرَمِهِ.
وَفِي ذَلِكَ يقول أبو العتاهية:
رحن في الوشي وأصبحـ ... ـن عليهن المسوح
كل نطاح من الدهـ ... ـر له يوم نطوح
لست بالباقي ولو عمـ ... ـرت مَا عُمِّرَ نُوحُ
نُحْ عَلَى نَفْسِكَ يَا مسـ ... ـكين إِنْ كُنْتَ تَنُوحُ
مَاتَ لِثَمَانٍ بَقَيْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَلَهُ ثَلاثٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ الرَّشِيدُ، وَدُفِنَ تَحْتَ جَوْزَةٍ، وَبَعَثُوا بِالْخَاتَمِ وَالْقَضِيبِ إِلَى مُوسَى الْهَادِي، فَرَكِبَ مِنْ وَقْتِهِ، وَقَصَدَ الْعِرَاقَ، فَوَصَلَهَا فِي بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَنَزَلَ بِقَصْرِ الْخُلْدِ، وكتب بخلفته إِلَى الآفَاقِ.
وَفِيهَا اشْتَدَّ تَطَلُّبُ الْهَادِي لِلزَّنَادِقَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ جماعة كابن داب، وَعَلِيِّ بْنِ يَقْطِينَ، وَقَتَلَ يَعْقُوبَ بْنَ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيَّ، وَكَانَ قَدْ أَقَرَّ بِالزَّنْدَقَةِ لِلْمَهْدِيِّ، وَقَالَ: لا سَبِيلَ إِلَى أَنْ أُظْهِرَ مَقَالَتِي وَلَوْ قَرَضْتَنِي بِالْمَقَارِيضِ، فَقَالَ لَهُ: وَيْلُكَ لَوْ كُشِفَتِ السَّمَاوَاتُ، وَالأَمْرُ كَمَا تَقُولُ، لَكُنْتَ جَدِيرًا أَنْ تُؤْمِنَ لابْنِ -[283]- عَمِّكَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَوْلاه مَنْ كُنْتَ؟ وَلَوْلا أَنِّي عَاهَدْتُ اللَّهَ أَنْ لا أَقْتُلَ هَاشِمِيًّا لَمَا نَاظَرْتُكَ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمَهْدِيُّ وَلَدَ عَمِّهِ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ، فَاعْتَرَفَ بالزندقة، نسأل الله السلامة، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ لِوَلَدِهِ الْهَادِي: إِنْ وُلِّيتَ مِنْ بَعْدِي فَلا تُمْهِلْ هَذَيْنِ، فَمَاتَ ابْنُ دَاوُدَ فِي السِّجْنِ، وَخَنَقَ الْهَادِي يَعْقُوبَ هَذَا، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ الْفَضْلِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مَاتَ فِي السِّجْنِ، وَظَهَرَتْ بِنْتُهُ فَاطِمَةُ أَنَّهَا حُبْلَى مِنْهُ، أَكْرَهَهَا.
وَفِيهَا فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ وَقْعَةُ فَخٍّ، وَمِنْ خَبَرِهَا أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ آلُ بَيْتِهِ قَدْ كَفَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسَكِرَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، فَحَدَّهُ وَالِي الْمَدِينَةِ فَغَضِبَ وَفَقَدُوهُ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ قد كفله.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كَفَّلَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، فَكَانَ الْحُسَيْنُ هَذَا، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ قَدْ كَفَلا الْحَسَنَ الَّذِي حُدَّ، فَتَغَيَّبَ الْحَسَنُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَطَلَبَهُمَا الأَمِيرُ، فَقَالَ: أَيْنَ الْحَسَنُ؟ قَالا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي، إِنَّمَا غَابَ مِنْ يَوْمَيْنِ، فَأَغْلَظَ لَهُمَا، فَحَلَفَ يَحْيَى أَنَّهُ لا يَنَامُ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِهِ، أَوْ يَرُدَّ الْخَبَرَ، فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا دَعَاكَ إِلَى الْيَمِينِ؟ وَمِنْ أَيْنَ نَجِدُ الْحَسَنَ؟ قَالَ: فَنَخْرُجُ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: فَيُكْسَرُ بِخُرُوجِنَا اللَّيْلَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَصْحَابِنَا مِنَ الْمِيعَادِ، قَالَ: فَمَا الْحِيلَةُ؟ وَقَدْ كَانُوا تَوَاعَدُوا عَلَى الْخُرُوجِ بِمِنًى فِي الْمَوْسِمِ.
وَقَدْ كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ مِنْ شِيعَتِهِمْ، وَمِمَّنْ بَايَعَ لَهُمْ مُخْتَفِينَ فِي دَارٍ، فَمَضَوْا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ خَرَجُوا، وَأَقْبَلَ يَحْيَى حَتَّى ضَرَبَ دَارَ الأَمِيرِ بِالسَّيْفِ، فَلَمْ يَخْرُجْ، وكأنه علم بأمرهم، فاختفى، فجاؤوا، وَاقْتَحَمُوا الْمَسْجِدَ وَقْتَ الصُّبْحِ، فَجَلَسَ الْحُسَيْنُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَأْتُونَ لِلصَّلاةِ، فَإِذَا رَأَوْهُمْ رَجَعُوا، فَلَمَّا صَلَّى الْغَدَاةَ جَعَلَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ وَيُبَايِعُونَهُ، فَأَقْبَلَ خَالِدٌ الْبَرْبَرِيُّ، وَهُوَ نَازِلٌ بِالْمَدِينَةِ يَحْفَظُهَا مِنْ خُرُوجِ خَارِجٍ، وَمَعَهُ مِائَتَا فَارِسٍ، فَأَقْبَلَ بِهِمْ فِي السِّلاحِ، وَمَعَهُ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ أَخُو الزَّاهِدِ العمري، ومعهم الحَسَن بن جعفر بن الحَسَن بن الحَسَن بْنِ عَلِيٍّ الْحَسَنِيِّ عَلَى حِمَارٍ فَاقْتَحَمَ خَالِدٌ الْبَرْبَرِيُّ الرَّحْبَةَ، وَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَجَذَبَ السَّيْفَ، وَهُوَ يَصِيحُ: يَا حُسَيْنُ يَا كَشْكَاشُ، -[284]- قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى خَالَطَهُمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخُوهُ إِدْرِيسُ، فَضَرَبَهُ يَحْيَى فَقَطَعَ أَنْفَهُ، فَدَخَلَ الدَّمُ فِي عَيْنَيْهِ، فَجَعَلَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ بِالسَّيْفِ وَهُوَ لا يُبْصِرُ، فَاسْتَدَارَ لَهُ إِدْرِيسُ فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ، ثُمَّ جُرِّدَ وَسُحِبَ إِلَى الْبَلاطِ، وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ بِعَيْنِي، وَجُرِحَ يَحْيَى، وَشُدُّوا عَلَى الْمُسَوِّدَةِ، وَبَيْنَهُمُ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَصَاحَ الْحُسَيْنُ: ارْفِقُوا - وَيْلَكُمْ - بِالشَّيْخِ، ثُمَّ انْتَهَبُوا بَيْتَ الْمَالِ.
وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَضْعَفَ أَمْرَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْغَايَةِ، وَأَخْلاهَا مِنَ السِّلاحِ وَالْمَالِ، قَالَ: فَوَجَدُوا فِي بَيْتِ الْمَالِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ لَيْسَ إِلا، وَقِيلَ: وَجَدُوا سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَغْلَقَ الرَّعِيَّةُ أَبْوَابَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ تَهَيَّأَ الْجَمْعَانِ لِلْحَرْبِ، فَالْتَقَوْا وَكَثُرَ الْجِرَاحُ، ودام القتال إلى الظهر، ثم تحاجزوا، فَجَاءَ الْخَبَرُ بِالْعَشِيِّ أَنَّ مُبَارَكًا التُّرْكِيَّ نَزَلَ بِئْرَ الْمُطَّلِبِ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِ الْعَسْكَرُ، فَأَقْبَلَ مِنَ الْغَدِ إِلَى الثَّنِيَّةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَوَالِي الْعَبَّاسِيِّينَ، فَالْتَحَمَ الْقِتَالُ يَوْمَئِذٍ إِلَى الظُّهْرِ، وَغَفَلَ النَّاسُ عَنْ مُبَارَكٍ، فَانْهَزَمَ عَلَى الْهُجُنِ.
ثُمَّ تَجَهَّزَ الْحُسَيْنُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَسَارَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَالرَّعِيَّةُ يَدْعُونَ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ، فَإِنَّهُ آذَى النَّاسَ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ فَسَقَةً يَتَغَوَّطُونَ فِي جَوَانِبِ المسجد، فمضى إِلَى مَكَّةَ، وَتَجَمَّعَ مَعَهُ خَلْقٌ مِنْ عَبِيدِ مَكَّةَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ الْهَادِي، وَكَانَ قَدْ حَجَّ تِلْكَ اللَّيَالِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَخُو الْمَنْصُورِ عَبَّاسٌ، وَمُوسَى بْنُ عِيسَى، وَمَعَهُمُ الْعُدَدُ وَالْخَيْلُ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ، فَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بفَخٍّ بِقُرْبِ مَكَّةَ، فَقُتِلَ فِي الْمَصَافِّ الْحُسَيْنُ، وَأَرَاحَ اللَّهُ مِنْهُ.
وَنُودِيَ بِالأَمَانِ فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو الزِّفْتِ مُغْمِضًا عَيْنَهُ، قَدْ أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنَ الْحَرْبِ، فَوَقَفَ خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَسْتَجِيرُ بِهِ، فَأَمَرَ بِهِ مُوسَى بْنُ عِيسَى فَقُتِلَ فِي الْحَالِ، فَغَضِبَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ ذلك، واحتزت رؤوس القتلى، فكانت مِائَةً، وَغَضِبَ الْهَادِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِيسَى لِقَتْلِهِ أَبَا الزِّفْتِ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَغَضِبَ أَيْضًا على مبارك التركي، فأخذ أَمْوَالَهُ، وَصَيَّرَهُ فِي سَاسَةِ الدَّوَابِّ.
وَانْفَلَتَ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، فَصَارَ إِلَى مِصْرَ، وَتَوَصَّلَ إِلَى الْمَغْرِبِ، إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ بِطَنْجَةَ، وَهِيَ عَلَى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَأَعَانَهُ عَلَى الْهُرُوبِ نَائِبُ مِصْرَ وَاضِحٌ الْعَبَّاسِيُّ، وَكَانَ -[285]- يَتَرَفَّضُ فَسَيَّرَهُ عَلَى الْبَرِيدِ، فَطَلَبَ الْهَادِي وَاضِحًا وَصَلَبَهُ، وَقِيلَ: بَلْ صَلَبَهُ الرَّشِيدُ، ثُمَّ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ شَمَّاخًا الْيَمَامِيَّ دَسِيسَةً، وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةِ، فَتَوَصَّلَ إِلَى إِدْرِيسَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ شيعي متحرق، وأنه عارف بالطب، فأنس به إدريس، ثم شكا إِلَيْهِ وَجَعًا بِأَسْنَانِهِ، فَأَعْطَاهُ سُنُونًا مَسْمُومًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ سَحَرًا، وَهَرَبَ الشَّمَّاخُ فِي الليل، واستن إدريس فتلف، فقام بعده إدريس بْنُ إِدْرِيسَ، فَتَمَلَّكَ هُوَ وَأَوْلادُهُ بِالْمَغْرِبِ زَمَانًا بِنَاحِيَةِ تَاهِرْتَ، وَانْقَطَعَتْ عَنْهُمُ الْبُعُوثُ، وَجَرَتْ لِلإِدْرِيسِيَّةِ أُمُورٌ يَطُولُ شَرْحُهَا، وَبَنَوُا الْقُصُورَ وَالْمَدَائِنَ.
وَحَكَى عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ مَوْلَى آلِ حَسَنٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَقْتُولِ لَمَّا قَدِمَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَجَازَهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَفَرَّقَهَا فِي النَّاسِ بِبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ، فَوَاللَّهِ مَا خَرَجَ من الكوفة إلا وعليه فرو ما تَحْتَهُ قَمِيصٌ، وَكَانَ يَسْتَقْرِضُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ مَوَالِيهِمْ مَا يُمَوِّنُهُمْ.
قَالَ النَّوْفَلِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بِشْرٍ قَالَ: صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ فِي يَوْمِ خُرُوجِ الحسين صاحب فخ بالمدينة، فصلى بنا، ثم صعد الْمِنْبَرَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَبْيَضُ وَعِمَامَةٌ بَيْضَاءُ قَدْ سَدَلَهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَسَيْفُهُ مَسْلُولٌ قُدَّامَهُ، إِذْ أَقْبَلَ خَالِدٌ الْبَرْبَرِيُّ وَأَصْحَابُهُ، فَبَدَرَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ خَالِدٌ، فَضَرَبَهُ يَحْيَى فَقَتَلَهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ رَجَعَ يَحْيَى فَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْحُسَيْنِ، وَسَيْفُهُ يَقْطُرُ دَمًا، فَقَالَ الْحُسَيْنُ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا ابْنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٌّ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ، أَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ أَفِ بِذَلِكَ فَلا بَيْعَةَ لِي فِي أَعْنَاقِكُمْ.
وَيُقَالُ: إِنَّ يَقْطِينَ بْنَ مُوسَى لَمَّا قَدِمَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْهَادِي قَالَ: كَأَنَّكُمْ وَاللَّهِ جِئْتُمْ بِرَأْسِ طَاغُوتٍ، إِنَّ أَقَلَّ مَا أجزيكم أَنْ أَحْرِمَكُمْ جَوَائِزَكُمْ، فَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا.
وَفِيهَا ثَارَ بِالصَّعِيدِ دِحْيَةُ بْنُ مُغَصَّبٍ الأُمَوِيُّ، وَقَوِيَتْ شكوته، ثُمَّ قُتِلَ بِمِصْرَ لِسَنَتِهِ، قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ.
وَفِيهَا كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العزيز العمري، وعلى مكة عبيد اللَّهِ بْنُ قُثَمَ، وَعَلى الْيَمَنِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ سُوَيْدٌ الخراساني، وعلى الكوفة موسى بن عيسى بن موسى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى جُرْجَانَ حَجَّاجٌ مَمْلُوكُ الْهَادِي، وَعَلَى قُومِسَ حَسَّانٌ، -[286]- وَعَلَى طَبَرِسْتَانَ صَالِحُ بْنُ شَيْخِ بْنِ عُمَيْرَةَ الأسدي، وعلى أصبهان ظفر مَمْلُوكُ الْهَادِي، وَعَلَى بَاقِي الْمَدَائِنِ نُوَّابٌ ذُكِرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقْتَ وِلايَتِهِمْ.

-سنة تسع وستين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسعٍ وستّين ومائتين
فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن عَبْد الحميد الحارثيّ، وحُذَيْفة بْن غِياث، وإبراهيم بْن منقذ الخَوْلانيّ، وعبد الله بْن حمّاد الآمُليّ، ومحمد بْن إِبْرَاهِيم، أبو حَمْزَةَ الصُّوفيّ، وأبو فَروة يزيد بْن محمد بْن يزيد بن سنان.
وفي المحّرم انكسفت الشّمس والقمر.
وفيها قطعت الأعراب الطريق على الحُجّاج، فأخذت خمسمائة جمل بأحمالها.
وفيها وثب خلف الفرغانيّ على يازمان خادم الفتح بْن خاقان، فحبسه بالثّغْر فوثب أَهْل الثّغر فخلَّصوه، وَهَمُّوا بقتل خَلَف، فهرب إِلَى دمشق، ولعنوا ابْنَ طولون على منابر الثَّغر، فسار أَحْمَد بْن طولون من مصر حَتَّى نزل أَذَنَةَ، وقد تحصّن بها يازمان الخادم، وفعل ذلك أَهْل طَرَسُوس، فأقام ابنُ طولون مدّة على أَذَنَة، فلم يظفْر بها بطائل، فعاد إلى دمشق.
وفيها افتتح لؤلؤ قرقيسياء عنوةً، وأخذها من ابن صفوان العقيلي، وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق. -[252]-
وفيها دخل الموفَّق مدينة الخبيث عَنْوَة. وكان الخبيث عند قُتِلَ بَهْبُوذ أَخَذَ تَرِكَتَه وأمواله، وضربَ أقاربه بالسِّياط، ففسدت نيّات خواصّه لذلك، فعبر الموفَّق المدينة ونادى بالأمان فتسارع إليه أصحاب بَهْبُوذ، فأحسنَ إليهم، ثُمَّ دخل المدينة بعد حربٍ شديد، وقصدَ الدّار الّتي سماها الخبيث جامعًا، فقاتل أصحابه دونه أشدّ قتالٍ، حَتَّى قُتِلَ منهم خلق، ثُمَّ هدم أصحاب الموفَّق فِي الدّار، وهو يبذل الأموال فِي الْجُنْد لينصحوا، فهدموها وأتوا بالمِنْبَر الَّذِي للخبيث، ففرح وخرج إِلَى مدينته بعد أن نهب خزائن الخبيث، وأحرق الأسواق والدُّور. وذلك فِي جمادى الأولى. وَرُمِيَ يومئذٍ الموفَّق بسهمٍ فجرحه، ثمّ إنه أصبح على القتال، فزاد عليه الألم بالحركة، وخيف عليه، وخافوا قوّة الخبيث عليهم، وأشاروا عليه بالرحيل إِلَى بغداد، فأبى وتصبَّر حَتَّى عوفي وعاد لحرب الخبيث، وقد رمّ الخبيث ما وهى من مدينته.
وَفِي نصف جُمادى الأولى شخص المعتمد من سرَّ من رَأَى يريد اللّحاق بابن طولون لأمرٍ تقرَّر بينهما.
قَالَ أَحْمَد بْن يوسف الكاتب: خرج أَحْمَد بْن طولون من مصر، وحمل معه ابنه الْعَبَّاس معتَقَلًا، فقدِم دمشق، وخرج المعتمد من سامُراء على وجه التّنزُّه، وقصْدُه دمشق لاتّفاقٍ جرى بينه وبين ابنُ طولون، فَلَمَّا بلغ ذلك الموفَّق كتب إِلَى إِسْحَاق بْن كُنْداج يقول: مَتَى استولى ابنُ طولون على المعتمد لم يبق منكم مَعْشَر الموالي اثنان فاجتهد فِي ردّه. وكان ابنُ كُنْداج فِي نصِّيبين فِي أربعة آلاف، فصار إِلَى المَوْصِل، فوجد حرّاقات المعتمد وقُوّاده بموضعٍ يُقَالُ له الدَّواليب، فوكَّل بهم هناك، وسار فلقي المعتمد بين المَوْصِل والحديثة، فخرج إليه نحرير الخادم، وسلَّم عليه واستأذن فأُذِنَ له، فدخل ابنُ كنْداج ومعه ابنه محمد وجماعة يسيرة، فسلَّم ووقف، وقَالَ: يا إِسْحَاق لِمَ منعت الحَشَم من الدّخول إِلَى المَوْصِل؟ وكان بين يديه أَحْمَد بْن خاقان وخطارمِش، فقال: يا أمير المؤمنين أخوك فِي وجه العدوّ، وأنت تخرج عن مستقرّك ودار مُلْكك، ومتى صحّ عنده هَذَا رجع عن مقاومة الخارجيّ، فيغلب عدوّك على دار آبائك. وهذا كتاب أخيك يأمرنا بردّك. فقال: أنت غلامي أو غلامه؟ فقال: كلُّنا غلمانك ما -[253]- أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لك وقد عصيت الله فيما فعلت من خروجك، وتسليط عدوّك على المسلمين ثُمَّ خرج من المضرب ووكّل به جماعة. ثُمَّ بعث إِلَى المعتمد يطلب ابن خاقان وخطارمش وتينك ليناظرهم. فبعث بهم إليه فقال: ما جنى أحد على الْإِسْلَام والخليفة ما جنيتم، أخرجتموه من دار مُلْكه فِي عدّةٍ يسيرة، وهارون الشّاري بإزائكم فِي جمعٍ كبير؟ فلو حضركم وأخذ الخليفة لكان عارًا وسبَّةً على الْإِسْلَام. ثُمَّ رسّم عليهم، وبعث إِلَى الخليفة يقول: ما هذا بمقام، فارجع. فقال المعتمد: فاحلف لي أنّك تنحدر معي ولا تسلّمني. فحلف له، وانحدر إِلَى سامراء، فتلقّاه صاعد بْن مَخْلد كاتب الموفَّق، فسلّمه إِسْحَاق إليه، فأنزله فِي دار أَحْمَد بْن الخصيب، ومنعه من نزول دار الخلافة، ووكّل به خمسمائة رَجُل يمنعون من الدّخول إليه.
وأمّا الموفَّق فبعث إِلَى إِسْحَاق بخلعٍ وأموالٍ، وأقطعه ضياع القُوّاد الذين كانوا مع المعتمد.
وقَالَ الصُّوليّ: كان المعتمد قد تخيل من أَخِيهِ الموفَّق، فكاتب ابنُ طولون واتّفقا فذكر الحكاية كما تقدم.
وقَالَ المعتمد:
أليس من العجائب أنّ مثلي ... يَرَى ما قلَّ ممتنعًا عليه؟
وتُوكَلُ باسمه الدُّنيا جميعًا ... وما من ذاك شيءٌ فِي يديه؟
ولقّب الموفَّق صاعدًا: ذا الوزارتين، ولقب ابنُ كُنْداج: ذا السَّيفين.
وأقام صاعد فِي خدمة المعتمد، ولكن ليس للمعتمد حلّ ولا ربْط.
ولمّا بلغ ابنُ طولون ذلك جمع القُضاة والأعيان وقَالَ: قد نكث الموفَّق أبو أَحْمَد بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد. فخلعوه إلّا القاضي بكّار بن قتيبة؛ فإنه قال: أنت أوردت عليَّ كتابًا من المعتمد بولايته العهد، فأورِدْ عليَّ كتابًا آخر منه بخلْعه. فقال: إنّه محجورٌ عليه ومقهور. فقال: لا أدري. فقال ابن طولون: غرّك النّاس بقولهم: ما فِي الدُّنيا مثل بكّار؛ أنت شيخ قد خرَّفت. وحبسهُ وقيّدهُ، وأخذ منه جميع عطاياه من سنين، فكان عشرة آلاف دينار، فَقِيلَ: إنّها وُجدت فِي بيت بكّار بختمْها وحالها. وبلغ -[254]- الموفَّق فأمر بلعنة ابنُ طولون على المنابر.
وفيها سار ابنُ طولون إِلَى المصِّيصة. وبها يازمان الخادم، فتحصّن ونزل ابنُ طولون بالمَرْج والبردُ شديد. فشقّ عليه يازمان نهر طَرَسُوس، فغرق المرج وهلك غالب عسكر ابنُ طولون، فرحل وهو خائف، وخرج أَهْل طَرَسُوس، فنهبوا بقايا عسكره، ومرِض فِي طريقه مرضته التي مات فيها مغبونًا. وولّي الموفَّق إِسْحَاق بْن كُنْداج المغرب كلّه والعراق كلّه، وما كان بيد أَحْمَد بْن طولون.
وفيها عبر الموفَّق إِلَى الخبيث وأحرق قطعة من البلد، وجرح ابنُ الخبيث وكاد يتلف.
وَفِي شوّال كَانَتْ بين الموفَّق والخبيث وقعةٌ عظيمة. ولمّا رَأَى الخبيث أنّ الميرة قد انقطعت عَنْهُ وصعُب أمره، وقلّ عنده الشيء، حَتَّى كان أحدهم إذا وقع بامرأة أو صبي ذبحه وأكله. وكان الخبيث لا يعاقب من يفعل ذلك لكن يحبسه. ثُمَّ إنّ الموفَّق أحرق عامّة البلد وقصر الإمارة، وخافت الزَّنج، فقاتلوا قتالًا شديدًا، ثُمَّ انهزموا، وعبر الخبيث إِلَى الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، واستأمن إِلَى الموفَّق جماعة من القُوّاد أصحاب الخبيث وخاصّته، وفتحوا سجنًا كبيرًا كان للخبيث فِيهِ خلْق من عساكر المسلمين وأصحاب الموفَّق، فأطلقوهم.
وَفِي ذي القعدة دخل المعتمد إلى واسط.
وفيه سارت السُّفن والسّماريات وجيوش الموفَّق على ترتيب لم يُرَ مثله كثْرةً وأُهْبةً، فَلَمَّا رَأَى الخبيث ذلك بَهره وزال عقله. وزحف الجيش نحو الخبيث، فالتقاهم فِي جيشه، والْتحم القتال، وحمل الموفَّق وابنه والخواصّ، فهزموا الزَّنج، وقتلوا منهم مقتلةً هائلة، وأسروا خلقًا، فَضُرِبَتْ أعناقهم. وقصد الموفَّق دار الخبيث، وقد التجأ إليها، وانتخب أنجاد أصحابه ليدافعوا عَنْهَا، فَلَمَّا لم يُغْنوا عَنْهُ شيئًا أسلمها، وتفرّق عَنْهُ أصحابه، ونُهِبَتْ داره وحُرَمُه وأولاده، فهرب الخبيث نحو دار المهلّبيّ قائده. وأُتِيَ بحريمه وذرِّيتّه فكان عددهم أكثر من مائة، فأمر الموفَّق بحملهم إِلَى الموفَّقيّة وأحسن إليهم، وأمر بإحراق دار الخبيث. وكان عنده نساء علويّات وحرائر قد استباحهنّ، وجاءه منهنّ أولاد. فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العليّ العظيم.

-سنة تسع وستين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسع وستين وثلاثمائة
في صفر قبض عَضُد الدولة على قاضي القضاة أبي محمد بن معروف، فأنفذه إلى القلعة بفارس، وقلّد أبا سعد بِشْر بن الحسين القضاء.
وفي شعبان ورد رسول العزيز صاحب مصر إلى عَضُد الدولة بكتاب، وما زال يبعث إليه رسالة بعد رسالة، فأجابه بما مضمونه صِدْق الطّوِيّة وحُسْن النيّة.
وسأل عَضُدُ الدولة الطائعَ أن يزيد في لقبه " تاج الملّة " ويجدّد الخُلع عليه ويُلّبِسه التاج، فأجابه، وجلس الطائع على السرير وحوله مائة بالسيوف والزّينة، وبين يديه مُصْحَف عثمان، وعلى كتفه البُرْدَةُ، وبيده القضيب، وهو متقلّد سيف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وضُرِبت ستارة بعثها عَضُدُ الدولة، وسأل أن تكون حجابًا للطائع، حتى لا تقع عليه عين أحدٍ من الْجُنْد قبله، ودخل الأتراك والدّيْلَم، وليس مع أحد منهم حديد، ووقف الأشراف وأصحاب المراتب من الجانبين، ثم أذِن لعَضُد الدولة فدخل، ثم رُفعت الستارة، وقبّل عضد الدولة الأرض، فارتاع زياد القائد لذلك، وقال بالفارسية: ما -[191]- هذا أيّها الملك، أهذا هو الله عَزَّ وَجَلَّ؟ فالتفت إلى عبد العزيز بن يوسف وقال له: فَهّمْه وقل له: هذا خليفة الله في الأرض، ثم استمر يمشي ويقبّل الأرض سبع مرات، فالتفت الطائع إلى خالص الخادم وقال: استذنه، فصعد عضُدُ الدولة، فقبّل الأرض دفعتين، فقال له: ادن إلي ادن إلي، فدنا فقبل رجله، وثنى الطائع يمينه عليه، وأمره، فجلس على كُرْسيّ، بعد أن كرر عليه: اجلس، وهو يستعفي فقال له: أقسمت لتجلسن، فقبّل الكرسيّ وجلس، وقال له: ما كان أشوقنا إليك وأتوقنا إلى رؤيتك ومفاوضتك، فقال: عُذْري معلوم، وقال: نِيّتُك موثوقٌ بها، وعقيدتك مسكون إليها، فأومأ برأسه، ثم قال له الطائع: قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إليّ من أمور الرعيّة في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع جهاتها، سوى خاصّتي وأسبابي، فَتَوَلَّ ذلك مستخيرًا بالله. قال: يعينني الله على طاعة مولانا وخِدْمته، وأريد وُجُوهَ القوّاد أن يسمعوا لفظ أمير المؤمنين. فقال الطائع: هاتوا الحسين بن موسى، ومحمد بن عمرو بن معروف، وابن أمّ شيبان، والزينبي، فقدموا، فأعاد الطائع له القول بالتفويض، ثم التفت إلى طريف الخادم، فقال: يا طريف تفاض عليه الخُلَع ويُتَوّج، فنهض إلى الرّواق وألْبِس الخُلَع، وخرج قادمًا ليقبّل الأرض، فلم يُطِقْ لكثرة ما عليه، فقال الطائع: حسبك، حسْبُك! وأمره بالجلوس، ثم استدعى الطائع تقديم ألويته، فقدّم لواءين، واستخار الله، وصلّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعقدهما، ثم قال: يقرأ كتابه، فقرئ فقال له الطائع: خار الله لك ولنا وللمسلمين، آمرك بما أمرك الله به، وأنهاك عما نهاك الله عنه، وأبرأ إلى الله مما سوى ذلك، انهض على اسم الله، ثم أخذ الطائع سيفًا كان بين المخدَّتَيْن فقلَّده به مضافًا إلى السيف الذي قلّده مع الخلْعة، وخرج من باب الخاصّة، وسار في البلد، ثم بعث إليه الطائع هديّة فيها غلالة قصب، وصينية ذهب، وخردادين بلور فيه شراب، وعلى فم الخردادين خرقة حرير مختومة وكأس بلّور، وأشياء من هذا الفنّ، فجاء من الغد أبو نصر الخازن ومعه من الأموال نحو ما ذكرنا في دخوله الأول في السنة الماضية. وجلس للهناء، فقال أبو إسحاق الصابي قصيدة منها: -[192]-
يا عَضُد الدّوْلة الذي علقت ... يداه من فخره بأعرقهْ
يفتخر النّعل تحت أَخْمَصِهِ ... فكيف بالتّاجِ فوق مَفْرِقهُ
وفيها تزوج الطائع لله ببنت عضُدُ الدولة على مائة ألف دينار، وكان الوكيل عن عضُدُ الدّولة أبو علي الفارسي النّحوي، والذي خطب القاضي أبو علي المُحَسّن بن علي التّنوخي.
وفي هذا الوقت كان قسّام متغلّبًا على دمشق كما هو مذكور في ترجمته.

-سنة تسع وستين وأربعمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسع وستين وأربعمائة.
فيها سار أَتْسِز بجيوشه الشامية، وقصد مصر وحاصرها، ولم يبق إلا أن يملكها، فاجتمع أهلها عند ابن الجوهري الواعظ، ودعوا وتضرَّعوا، فترحل عنهم شبه المنهزم من غير سبب. وعصى عليه أهلُ القدس فقاتلهم، ودخل البلد عنوة، فقتل وعمل كل نحس، وقتل فيها ثلاثة آلاف نفس، وذبح القاضي والشهود صبرًا بين يديه. وقيل: إنه إنما جاء من مصر منهزمًا في أنحس حالٍ بعد مصافٍ كان بينه وبين بدر الجمالي، وهذا أشبه.
وفيها قدم بغداد أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري، فوعظ بالنظامية، وبرباط شيخ الشيوخ. وجرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة، لأنه تكلم على مذهب الأشعري، وحط عليهم. وكثر أتباعه والمتعصبون له، فهاجت أحداث السُّنّة، وقصدوا نحو النظامية، وقتلوا جماعةً نعوذ بالله من الفتن.
وفيها قال هبة الله ابن الأكفاني: كان كسرة أَتْسِز بن أوق بمصر، ثم -[152]- رجع وجمع، وطلع إلى القدس ففتحها، وقتل بها ذلك الخلق العظيم، فمنهم حمزة بن علي العين زربي الشاعر.
وقال أبو يعلى القلانسي: سار أَتْسِز، فكسره أمير الجيوش، فأفلت في نفرٍ يسير وجاء إلى الرملة وقد قُتِل أخوه، وقُطِعِت يد أخيه الآخر. فسُرَّت نفوس الناس بمُصَابه، وتحكم السيف في أصحابه.

-سنة تسع وستين وخمسمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسع وستين وخمسمائة
فِي المحرَّم وقع حريق بالظَّفَرِيَّة، فاحترقت مواضع كثيرة.
قَالَ ابن الجوزيّ: وجلست يوم عاشوراء فِي جامع المنصور، فحُزِر الجميع بمائة ألف. كذا قال.
قَالَ: وسألني فِي ربيع الأوّل أهل الحربيَّة أن أعمل عندهم مجلسًا، فوعدتهم ليلةً، فانقلبت بغداد وعبر أهلها، وتلقيت بشموع حزرت بألف شمعة، وما رَأَيْت البرّيَّة إلّا مملوءة بالضّوء، وكان أمرًا مُفْرِطًا، فلو قَالَ قائل: إنّ الخلق كانوا ثلاثمائة ألف لما أبعد.
وفي رجب وصل ابن الشّهْرُزُوريُّ بتُحَفٍ وتقادُم للخليفة من نور الدّين، وفيها حمار مخَطَّط كثوب عتابيّ، وخرج الخلْق للفُرْجة عَلَيْهِ وكان فيهم رَجُل عَتّابيّ كثير الدّعَاوَى، وهو بليد ناقص الفضيلة، فقال رجل: إن كان قد بُعِث إلينا حمارٌ عتّابيّ، فنحن عندنا عتّابيّ حمار.
وفيها وُلّي أَبُو الخير القَزْوينيّ تدريسَ النّظاميَّة ببغداد.
وخرج ابن أخي شملة التركماني، ويعرف بابن سنكة، وأخذ قلعة -[233]- بنواحي باذرايا ليتّخذها عَوْنًا لَهُ عَلَى الإغارة، فسارت لقتاله العساكر، فالتقوا، فطحن المَيْمنة، ثمّ حميَ القتال وظفروا بِهِ، وجيء برأسه إلى بغداد.
وفيها وقع بَرَدٌ بالسّواد هدم الدُّور، وقتل جماعة وكثيرًا من المواشي؛ وقال ابن الجوزي: فحدّثني الثّقة أنّهم وَزَنُوا بَرَدَةً فكانت سبعة أرطال. قال: وكان عامته كالنارنج.
وفي رمضان زادت دجلة زيادةً عظيمة عَلَى كلّ زيادةٍ تقدَّمْت منذ بُنِيت بغداد بذراعٍ وكسر، وخرج الناس إلى الصحراء، وأَيِسُوا من البلد، وضجّوا إلى اللَّه بالبكاء، وانهدمت دُورٌ كثيرة بمرَّة، وكان آيةً من الآيات، وهلكتْ قُرى ومزارع لا تُحْصَى، ونُصِب يوم الجمعة مِنْبرٌ خارج السّور، وصلّى الخطيب بالناس هناك.
وفي الجمعة الأخرى جمعوا بمسجد التوثة، ودام الغَرَق أيّامًا، وكُثر الابتهال إلى اللَّه، وبقي الخلق والأمراء كلما سدوا بثقا وتعبوا عَلَيْهِ غَلَبَهُم الماءُ وخرَّبه، أو انفتح آخر غيره.
وجاءت أمطارٌ هائلة بالمَوْصِل، ودامت أربعة أشهر حتّى تهدَّم بها نحو ألفَيْ دار، وهلك خلْقٌ تحت الرَّدْم، وزادت الفُرات زيادةً كبيرة، وفاضت حتى أهلكت قرى ومزارع. ومن العجائب أنّ هذا الماء عَلَى هذه الصّفة، ودُجَيْل قد هلكت مزارعه بالعطش.
وتُوُفّي السّلطان نور الدّين فتجدد بحلب بعد موته اختلاف بين السُّنَّة والرّافضة، فقتل من الطائفتين خلق، ونهب ظاهر البلد.
وكان ممّا قدِم بِهِ ابن الشّهرزُوريّ من البشارة فتْحُ اليمن، وكسْر الفرنج مرَّةً ثانية، ومقدمهم الدُّوقْش، وكان أسيرًا عند نور الدّين، أسره نَوْبة حارِم، ففداه بخمسةٍ وخمسين ألف دينار وخمسمائة ثوب أطلس، وفي كتابه يَقُولُ: " ولم ينج من عشرة آلاف غير عشرة حُمُرٍ مستنفرة، فرت من قسورة ".
وذكر ابن الأثير أنّ صلاح الدّين لمّا استولى عَلَى مصر وأراد أن -[234]- يستبدّ بالأمر خاف من نور الدّين، وعرف أَنَّهُ ربّما يقصده ويأخذ منه مصر، فشرع هُوَ وأهل بيته فِي تحصيل مملكة تكون لهم ملجأ إن قصدهم، فجهّز أخاه تورانشاه إلى النُّوبَة فافتتح منها. فلمّا عاد تجهّز إلى اليمن بقصد عَبْد النَّبِيّ صاحب زبيد وطرده عَنِ اليمن، وحسّن لهم ذَلِكَ عُمارة اليمنيّ، فَسَار فِي أكمل الهيبة والأهْبة فلم يثبُت لَهُ أهلُ زَبِيد، وانهزموا، فعمد العسكر إلى سُور زَبِيد، ونصبوا السّلالم وطلعوا، فأسروا عَبْد النَّبِيّ وزوجته الحُرَّة، وكانت صالحةً كثيرة الصَّدَقة، فعذّبوا عَبْد النَّبِيّ، واستخرجوا منه أموالًا كثيرة، ثمّ سار تُورَانشاه إلى عدن، وهي لياسر، فهزموه وأسروه. ثمّ سار فافتتح حصون اليمن، وهي قلعة تَعِز وقلعة الجند، واستناب بعدن عز الدين عثمان ابن الزَّنْجَبِيليّ، وبزَبِيد سيف الدولة مبارك بْن مُنْقذ، زاد أبو المظفّر السِّبْط فقال: يقال إنّه افتتح ثمانين حصنًا ومدينة، وقتل عَبْد النَّبِيّ بْن مهدي.
وذكر ابن أبي طيئ قال: في هذه السنة وصل الموفق ابن القَيْسَرانيّ إلى مصر رسولًا من نور الدّين، فاجتمع بصلاح الدّين وأنهى إِلَيْهِ رسالةً، وطالبه بحساب جميع ما حصّله من ارتفاع البلاد فشق ذَلِكَ عَلَيْهِ، وأراد شقّ العصا ثمّ ثاب، وأمر النُّوّاب بالحساب، ثمّ عرضه عَلَى ابن القَيْسرانيّ، وأراه جرائد الأجناد بالإقطاع. ثمّ أرسل معه هديَّةً عَلَى يد الفقيه عيسى، وهي ختْمة بخطّ ابن البّواب، وختمه بخطّ مُهَلْهَلٍ، وختمه بخطّ الحاكم البغداديّ، ورَبْعة مكتوبة بالذّهب بخطّ يانَس، ورَبْعة عشرة أجزاء بخطّ راشد، وثلاثة أحجار بَلَخْش، وستّ قَصَبات زُمُرّد، وقطعة ياقوت وزن سبعة مثاقيل، وحجر أزرق ستَّة مثاقيل، ومائة عِقْد جوهر وزنها ثمانمائة وسبعة وخمسون مثقالًا، وخمسون قارورة دهْن بلْسان، وعشرون قطعة بِلَّوْر، وأربع عشرة قطعة جزع، وإبريق يشم، وطست يشم، وصحون صينيّ، وزبادي أربعون، وكُرَتان عُود قماريّ وزن إحداهما ثلاثون رِطْلًا بالمصريّ، والأخرى أحد وعشرون، ومائة ثوب أطْلَس، وأربعة وعشرون -[235]- بقيارا مذهبة، وخمسون ثوبا حرير، وحلة فلفلي مذهّب، وحلَّة مرايش صفراء، وغير ذَلِكَ من القماش قيمتها مائتان وخمسة وعشرون ألف دينار، وعدَّة من الخيل والغلْمان والْجَوَاري والسّلاح، ولم تصل إلى نور الدّين؛ لأنه مات، فمنها ما أُعيد ومنها ما استُهْلك، لأنّ الفقيه عيسى وابن القَيْسرانيّ وضعا عليها من نهبها واستبدّا بأكثرها. وقيل: رُدَّت كلّها إلى صلاح الدّين، وكان معها خمسة أحمال مالا.
وتحرّكت الفرنج بالسّواحل، وكان بدمشق الملك الصّالح إِسْمَاعِيل ابن السّلطان نور الدّين، صبيّ عمره عشر سنين أو أكثر، فاستنجد بصلاح الدّين صاحب مصر. وبلغ صلاحَ الدّين نزولُ الملاعين عَلَى بانياس، فصَالحهم الأمراء وأهل دمشق، وهادنوهم عَلَى مالٍ وأَسارَى يُطْلَقُون. فكتب إلى جماعة يوبخهم، فكتب إلى الشيخ شرف الدين ابن أَبِي عصرون يخبره أَنَّهُ لمّا أتاه كتاب الملك الصّالح تجهّز للجهاد وخرج، وسار أربع مراحل، فجاءه الخبر بالهدنة المؤْذِنة بذُلّ الْإِسْلَام، من رفْع القطيعة، وإطلاق الأَسارَى، وسيّدنا المسيح أوّل من جرّد لسانه الَّذِي تُغمد لَهُ السّيوف وتُجَرّد. وكتب فِي ذي الحجَّة من السّنة.
مصرع الّذين سَعَوْا فِي إعادة دولة بني عبيد
كانت دولة العاضد وذويه لذيذة لأُناس، وهم يتقلَّبون فِي نعيمها، فأُخِّروا وأُبْعِدوا، فذكر جمال الدّين بْن واصل وغيره أنّ فِي سنة تسعٍ وستّين أراد جماعةٌ من شيعة العُبَيْديّين ومُحِبّيهم إقامةَ الدّعوة وردَّها إلى العاضد، فكان منهم عُمارةُ اليَمنيّ وعبدُ الصمد الكاتب والقاضي هبة الله ابن كامل وداعي الدّعاة ابن عَبْد القَوِيّ وغيرهم من الْجُنْد والأَعيان والحاشية، ووافقهم عَلَى ذَلِكَ جماعةٌ من أمراء صلاح الدّين، وعيّنوا الخليفة والوزير، وتقاسموا الدُّور؛ واتّفق رأيُهم عَلَى استدعاء الفرنج من صَقَلِّية والشّام يقصدون مصر ليَشْغَلوا صلاح الدّين بهم ويحلو لهم الوقْت، ليتمّ أمرُهُم ومكرهم، -[236]- وقال لهم عُمارة اليمنيّ: أَنَا قد أبعدت أخاه تورانشاه إلى اليمن خوفًا من أن يسدّ مَسَدَّه، وقرّروا الأمور، وكاد أمرهم أن يتمّ، وأبى اللَّهُ إلّا أن يُتِمّ نورَه، فأدخلوا فِي الشُّورَى الواعظ زين الدّين علي بْن نجا، فأظهر لهم أَنَّهُ معهم، ثمّ جاء إلى صلاح الدّين فأخبره، وطلب من صلاح الدّين ما لابن كامل من الحواصل والعقار، فبذل لَهُ، وأمره بمخالطتهم وتعريف شأنهم، فصار يُعْلِمُه بكلّ مُتَجَدَّد. فجاء رسول ملك الفرنج بالسّاحل إلى صلاح الدّين بهديَّةٍ ورسالة، وفي الباطن إليهم. وأتى الخبر إلى صلاح الدّين من أرض الفرنج بَجليَّة الحال، فوضع صلاح الدّين عَلَى الرَّسُول بعضَ من يثق إِلَيْهِ من النّصارى، فداخَل الرَّسُولَ فأخبره بحقيقة الأمر.
وقيل: إنّ عَبْد الصّمد الكاتب كَانَ يلقى القاضي الفاضل بخضوعٍ زائد، فلقِيَه يومًا فلم يلتفت إِلَيْهِ، فقال القاضي الفاضل: ما هذا إلّا لسبب. فأحضر ابن نجا الواعظ وأخبره الحال، وطلب منه كشف الأمر، فأخبره بأمرهم، فبعثه إلى صلاح الدّين فأوضح لَهُ الأمر، فطلب صلاح الدّين الجماعة، وقرَّرهم فأقرّوا؛ وكان بين عُمارة وبين الفاضل عداوة، فلمّا أراد صلاح الدّين صلْبَه تقدَّم الفاضل وشفع فِيهِ، فظنّ عُمارة أَنَّهُ يحثّه عَلَى هلاكه، فنادي: يا مولانا، لا تسمع منه فِي حقّي. فغضب القاضي الفاضل وخرج، فقال صلاح الدّين: إنّما كَانَ يشفع فيك. فندِم، وأُخرج ليُصْلَب، فطلب أن يمرّوا بِهِ عَلَى مجلس القاضي الفاضل، فاجتازوا بِهِ عَلَيْهِ فأغلق بابه، فقال عُمارة:
عَبْدُ الرّحيم قد احتجبْ ... إنّ الخلاصَ من الْعَجَبْ
ثمّ صُلِبَ هُوَ والجماعة بين القصرين، وذلك فِي ثاني رمضان، وأفنى بعد ذَلِكَ من بقي منهم.
قَالَ العماد الكاتب: وكان منهم داعي الدُّعاة ابن عَبْد القويّ، وكان عارِفًا بخبايا القصر وكنوزه، فباد ولم يسمح بإبدائها. وأمّا الّذين نافقوا عَلَى صلاح الدّين من جُنْده فلم يعرِض لهم، ولا أعلمهم بأنّه علم بهم. وكان ممّن صُلِب القاضي العوريس؛ فحكى القاضي تاج الدّين ابن بنت الأعز أن قاضي -[237]- القضاة عوريس رأى عيسى ابن مريم كأنه أخرج له رأسه من السماء، فقال له العوريس: الصّلب حقّ؟ فقال لَهُ ابن مريم: نعم. فعبرها العابر وقال: صاحب هذه الرؤيا يصلب لأنّ المسيح معصوم، ولا يمكن أن يكون ذَلِكَ راجعًا إِلَيْهِ، لأن اللَّه تعالى نصّ لنا أَنَّهُ لم يُصْلَب، فبقي أن يكون راجعا للرائي. وجاء الكتاب إلى دمشق بقصة هَؤُلَاءِ يوم موت نور الدّين رحمه اللَّه، وكانوا أيضًا قد كاتبوا سنانا وأهل الحصون يستعينون بهم.
فلما كان في السادس والعشرين من ذي الحجة وصل أصطول الفرنج من صَقَلّية، فنازلوا الإسكندريَّة بغتة، فجاءوا بناء على مراسلة الذين صلبوا، وكان معهم ألف وخمسمائة فَرَس، وعُدّتُهم ثلاثون ألف مقاتل من بين فارس وراجل، وكان معهم مائتا شِينيّ وستّ سُفُن كبار وأربعون مركبًا، وبرز لحربهم أهل الثّغر، فحملوا عَلَى المسلمين حملةً أوصلتهم إلى السّور، ففُقِد من المسلمين فوق المائتين، فلمّا أصبحوا زحفوا عَلَى الإسكندريَّة، ونصبوا ثلاث دبّابات بكِباشها، وهي كالأبراج، وثلاثة مجانيق تضرب بحجارةٍ سُود، استصحبوها من صَقَلّية، فزحفوا إلى أن قاربوا السّور، فرأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندريَّة ما رَاعَهُم. وبُعثت بطاقة إلى الملك صلاح الدّين وهو نازل عَلَى فاقوس، فاستنهض الجيش وبادروا، واستمرّ القتال.
وفي اليوم الثّالث فتح المسلمون باب البلد، وكبسوا الفرنج عَلَى غفلةٍ، وحرّقوا الدّبّابات، وصدقوا اللّقاء، ودام القتال إلى العصر، ونزل من اللَّه النّصر، واستحرّ بالفرنج القتْل. وردّ المسلمون إلى البلد لأجل الصّلاة، ثمّ كبّروا عند المغرب، وهاجموا الفرنج فِي خيامهم، فتسلّموها بما حَوَت، وقتلوا من الرّجّالة ما لا يوصف. واقتحم المسلمون البحر، فغرّقوا المراكب وحرّقوها، وهربت باقي المراكب، وصار العدو بين أسير وقتيل وغريق، واحتمى ثلاثمائة فارس في رأس تلّ فأُخذوا أسرى، وغنم المسلمون غنيمةً عظيمةً، فلله الحمد كثيرا. -[238]-
وفي آخر السّنة هلك مُرّي ملك الفرنج لا رحمه اللَّه، وهو الَّذِي حاصر القاهرة وأشرف على أخذها.
ولمّا بلغ صلاح الدّين سوء تدبير الأُمراء فِي دولة ابن نور الدّين كتب إليهم ونهاهم عَنْ ذَلِكَ. فكتب إِلَيْهِ ابن المقدَّم يردعه عَنْ هذه العزيمة، ويقول لَهُ:
" لا يُقال عنك إنّك طمَعْتَ فِي بيت مَنْ غرسك، ورباك وأسسك، وأصفى مشربك، وأضوى مَلْبَسَك، وفي دَسْت ملْك مصر أجْلَسَك، فما يليق بحالك غيرُ فضلك وإفضالِك ". فكتب إِلَيْهِ صلاح الدّين: إنّه لا يُؤْثِر للإسلام وأهله إلّا ما جَمَعَ شَمْلَهم، وألَّف كلمتهم، وللبيت الأتابكيّ، أعلاه اللَّه تعالى، إلّا ما حفظ أصله وفَرْعَه، فالوفاء إنّما يكون بعد الوفاة، ونحن في واد، والظانون بنا ظن السوء في واد.
وفيها وَعَظ الطُّوسيّ بالتّاجيَّة من بغداد، فقال: ابن مُلْجَم لم يكفر بقتْله عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فجاءه الآجُرّ من كلّ ناحية، وثارت عَلَيْهِ الشّيعة، ولولا الغلمان الّذين حوله لَقُتِلَ. ولمّا همّ الميعادُ الآخر بالجلوس، تجمّعوا ومعهم قوارير النِّفْط ليحرّقوه، فلم يحضر، فأحرقوا مِنْبره، وأحضره نقيب النّقباء وسبّه، فقال: أنت نائب الدّيوان، وأنا نائب الرَّحْمَن. فقال: بل أنت نائب الشّيطان. وأمر بِهِ فسُحِب ونُفي، فذهب إلى مصر وعظُم بها، ولَقَبُه: الشّهاب الطوسي.

-سنة تسع وستين وستمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسع وستين وستمائة
في صفر توجّه السّلطان من مصر في بعض العسكر إلى عسقلان، فهدم بقيّة سُورها المهمل من الأيام الصّلاحيّة.
وورد عليه الخبر بأنّ عسكر ابن أخي بركة كسر عسكر أبغا.
ثمّ بلغه أنّ أهل عكّا ضربوا رقاب جماعةٍ من الأسارى، فأخذ أعيان من عنده مِن الأسرى فغرَّقهم في النّيل، وكانوا مائة.
وفيها قبض السلطان على الملك العزيز ابن صاحب الكرك الملك المغيث.
وكان من كبار الأمراء بالقاهرة، فقبض عليه وعلى جماعة عزموا على سلطنته.
وفي جُمَادى الأولى ورد الخبر أنّ أبا نمي محمد بن أبي سعْد بن عليّ بن قَتَادة أمير مكّة تواقع هو وعمّه إدريس، فاستظهر إدريس عليه وتفرد بإمرة مكة. -[28]-
فذهب أبو نمي إلى ينُبع، فاستنجد بصاحبها، وجمع وقصد مكّة، فالتقيا، فحمل أبو نمي على عمّه فطعنه رماه، ونزل فذبحه واستبدّ بإمرة مكة.
وفي جُمَادى الآخرة خرج السّلطان بالجيش لقصْد حصن الأكراد، فبدأ بالإغارة على اللّاذقيّة، والمَرْقَب، ومرقية، وتلك النواحي، وافتتح في ذلك صافيثا، والمجدل، ثمّ نزل عَلَى حصْن الأكراد في تاسع عشر رجب، ونُصِبت المجانيق والسّتائر، وللحصن ثلاثة أسوار فأُخذت الباشورة بعد يومين وأُخذت الباشورة الثّانية في سابع شعبان، وفُتِحت الثّالثة الملاصقة للقلعة في نصف شعبان، وكان المحاصِر لها الملك السّعيد، وبيليك الخَزْنَدَار، وبَيْسَريّ الصّالحيّ، ودخلوا البلد بالسّيف، فأسروا مَن فيه من الجبليّة والفلّاحين، ثمّ أطلقهم السّلطان وتسلَّم القلعة في الخامس والعشرين من شعبان بالأمان وترحّل أهلها إلى طرابُلُس، ثمّ رتّب الأفرم لعمارة الحصن، وصيِّرت الكنيسة جامعاً.
وطلب صاحب أنطرسوس المهادنة، وبعث بمفاتيحها إلى السّلطان، فصالحه على نصف ما يُتَحَصَّل منها، وجعل عندهم نائباً وجاءت رُسُل صاحب المَرْقَب، فصالحهم على النِّصف أيضًا، وقُرِّرت الهُدنةُ عشر سِنين، وعشرة أشهر، وعشرة أيام.
ثمّ نزل السّلطان على حصن ابن عكّار، ونُصِبت المجانيق، ثمّ تسلَّمها بالأمان، وهي قلعة في واد بين جبال.
ثمّ خيَّم في رابع شوّال على طرابلس، فسيرَّ إليه صاحُبها يسأل عن سبب قصْده، فقال: لأرعى زرْعَكم وأُخرِّب بلادكم، ثمّ أعود لحصاركم، فبعث إليه يستعطفه، ثمّ هادنه عشر سنين.
وفي شوّال جاء دمشقَ سيلٌ عظيم مهُول هدم البيوت، وأخذ النُّزّال من الحجّاج الرّوميّين بين النّهرين وجِمالهم، وغرق جماعة، وذهب للنّاس شيءٌ كثير، وكان ذلك بالنّهار والشّمس طالعة، والمشمش قد شرع، فغُلقِّت أبوابُ المدينة، وطغَى الماء وارتفع حتّى بلغ أحد عشر ذراعًا، وارتفع عند باب الفَرَج ثمانية أذرُع، وكادت دمشق أنّ تغرق، وسدّت الزّيادة الأنهار بطين أصفر، ودخل الماء إلى البلد، وخرَّب خَان ابن المقدَّم، وطلع الماء فوق أسطحةٍ كثيرة -[29]-
عند جسر باب تُوما، حتّى بلغني أنّه وُجِد فوق سطحٍ سمكةٌ ميّتة، واصطادوا السّمك من رواء العادليّة عند دار ابن يغمور، وتحدَّثت العَوَامّ أنّ الّذين هلكوا بالزيّادة والرّدْم فوق الألفين، ووُجِد في بساتين مرتفعة سمكٌ في النّقع إذا رأى الشّخصُ ارتفاعَ تلك الأماكن زاد تعجُّبُه، وحدَّثني رجلٌ أن أهل الوادي الشّرقيّ وجدوا جملًا ميّتًا فوق أصل سَفَرْجَل، وضجّ الخلْق بالبكاء والاستغاثة بالله، وكان يومًا مشهودًا وأشرفَ النّاس على التَّلف، ثمّ لَطَفَ اللهُ ورحم النّاس وتَنَاقَصَ الماء، ولو ثبت ساعةً أخرى أو ارتفع ذراعًا آخر لغرِقت نصفُ دمشق.
ولبعضهم:
لقد أظهر الجبّار بعضَ اقتدارِه ... فأرسل بحرًا طاميًا من بحارِه
وأرعدها حتّى توافَتْ مياهُها ... مطنَّبة محفوفة بازدجَارِه
وأهلك فيه خَلْقَه وعبيدَه ... فأضحوا وهم غَرَقَى بأقصى قرارِه
فكَمْ مِن شبابٍ مع نساءٍ وصبيةٍ ... وكم من دوابّ قد صليْن بنارِه
فسُبْحان من أبدَى عجائبَ صُنْعِه ... وأزعج كلَّ الخلقِ عند ابتدارِه
وعاد بلُطْفٍ منه عفْوًا ومنَّةً ... فنسأله الزلفى غداً في جواره
وفي شوّال قبل يوم الزِّيادة الموصوفة جاء الشّيخ خضر شيخ السّلطان إلى كنيسة اليهود، ومعه أمراء وأعيان والوالي، وأخرجوا اليهود منها يوم سَبْتهم وآذوهم، وقرأ القرآن بها غيرُ واحدٍ، ثمّ غنّى المغنّون، ورقص النّاس بحضرة الشّيخ خضر، وكان يومًا عجيبًا، ونُهِب كلُّ ما فيها، وعمل الشّيخ ثاني يوم بسيسةً عظيمة بالسّمن والعسل، وازدحم الخلْق حتّى دِيسَت بالرجلين في الكنيسة، وفضلت ورُمِيت في نهر قلوط. واتّخذ الشّيخ خضر الكنيسة زاوية له، وكان صاحب كشْفٍ وأحوالٍ شيطانيّة، وجرى ما لا ينبغي، وسيأتي ذكر خضر في سنة ست وسبعين.
وجاء السّلطان بالجيش في نصف شوّال بعد الزّيادة بيومين إلى دمشق، ولَطَفَ اللهُ بهم إذ تأخّروا عن الزّيادة، وإلّا كانت غرّقتْ نصفَ الجيش وأكثر، فعزل السّلطان ابن خَلِّكان من القضاء بابن الصائغ، ثمّ سار بعد عشرة أيّام، فنزل على القُرَين، ونصب عليها المجانيق، وصدق أهلها في القتال، ودام -[30]-
الحصار جمعتين، ثمّ أُخذت بالأمان وهُدِمت، وكانت من أمنع الحصون.
ثمّ سار السّلطان بالجيش حتّى أشرف على عكّا، ورجع ودخل مصر في ثالث عشر ذي الحجّة، ونابَه في هذه السّفْرة فوق ثمانمائة ألف دينار، فلمّا دخل قبض على هؤلاء الأمراء الكبار: الحلبيّ، والمحمّديّ، وإيدُغدي الحاجبيّ، والمساح، وبيدغان، وطرطح؛ لأنّه بلغه عنهم أنّهم همّوا بالفتْك به.
ومن عجيب الاتّفاق أنّ مكّة جاء بها زيادةٌ وسيلٌ عَرَمْرم، بحيث أنّ الماء بلغ إلى فوق الحجر الأسود.
ومن العجائب أن مياه دمشق والعاصي والفُرات قلّت ونقصت نقصًا مجحِفًا، حتّى هلك شيءٌ من الأشجار وبَطَلَت الطّواحين، وعُمِلت طواحين بمدارات، وكانت الفواكة في هذه السنة قليلة.
وممّا جرى في هذه السّنة وقبلها وبعدها تولي القاضي نجم الدّين ابن سَنِيّ الدّولة تدريس الأمينيّة، والقاضي عزّ الدّين ابن الصّائغ تدريس العادليّة، وأخوه عماد الدّين تدريس العَذْراويّة، ورشيد الدّين الفارقيّ النّاصريّة، والبُرهان المَرَاغيّ الركُّنية، والعزّ بن عبد الحقّ الأَسَديّة، وتاج الدّين عبد الرحمن المجاهدية، وأخوه شرف الدّين الصارمية، والبهاء ابن النّحّاس القليجيّة، وابن عمّه مُجير الدّين الرَّيحانية، والوجيه ابن منجى المسماريَّة، والتقيّ الترُّكماني المعظَّمية، والشمس ابن الكمال الضّيائيّة، والعزّ عمر الأربِليّ الجاروخيّة، وشَرف الدّين ابن المقدسيّ العادلية الصغيرة.
وجهز السلطان وهو منازل حصن الأكراد سبعة عشر شينياً في البحر، عليها الرئيّس ناصر الدّين رئيّس مصر، والهواري رئيّس الإسكندرية، وعلوي رئيّس دِمياط، والجمال بن حَسُّون مقدَّم على الجميع، لكونه بَلَغَه أنّ صاحب قبرس قدِم عكّا، فاغتنم السّلطان الفُرصةَ وبعث هؤلاء إلى قبرس، فوصلوها ليلًا، فهاجت عليهم ريحٌ طردتهم عن المَرْسى وألقت بعض الشّوانيّ على بعض، فتحطّمت وتكسّر منها أحَدَ عَشَرَ شينيًّا، وأُسر من فيها من المقاتِلَة والبحّارة، وكانوا نحوًا من ألفٍ وثمانمائة، وسلِم ناصر الدّين وابن حسّون في الشّواني السّالمة. -[31]-
قال الشّيخ قُطْب الدّين: وفي ذي الحجّة أمر السّلطان بإراقة الخمور في بلاده، والوعيد على من يعصرها بالقتل، فأُرِيق ما لا يُحصر، وكان ضمانُ ذلك في ديار مصر خاصة ألف دينار في كل يوم.
قال: وفيها نزلت الفرنج على تُونس انتصارًا لأهل جَنَوَة بسبب ما أُخِذ من أموالهم، فنازلها الفرنسيس في أربعمائة ألف منها: ستّة وعشرون ألف فارس، وفيهم جماعة ملوك، ومجموع عدّه مراكبهم أربعمائة مركب، وقاتلتهم البربر والعربان والعوامّ فقُتل وَلَد الفرنسيس.
وقيل إنّ الفرنسيس مات ولم يبق عندهم ملك يحكم عليهم، وطلبت الفرنج الصُّلح، فوقع الصُّلح على ردّ مال أهل جنوة.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت