تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ سَبْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ، وَبَشِيرُ بْنُ النَّضْرِ قَاضِي مِصْرَ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ، وَبِخُلْفٍ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ. وَفِيهَا أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ سَهْلِ بْنِ الْأَبْرَدِ الْأَنْصَارِيِّ، وَعُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ، وَبَشِيرُ بْنُ عَقْرَبَةَ، وَيُقَالُ: بِشْرُ الْجُهَنِيُّ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثَانِ، وَأَبُو الْجَلْدِ. وَيُقَالُ: إِنَّ طَاعُونَ الْجَارِفِ الْمَذْكُورَ كَانَ فِيهَا. وَفِيهَا كَانَ الْوَبَاءُ بِمِصْرَ، فَهَرَبَ مِنْهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الشَّرْقِيَّةِ، فَنَزَلَ حُلْوَانَ وَاتَّخَذَهَا مَنْزِلًا، وَاشْتَرَاهَا مِنَ الْقِبْطِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِيَنارٍ، وَبَنَى بِهَا دَارَ الْإِمَارَةِ وَالْجَامِعَ، وَأَنْزَلَهَا الْجُنْدَ وَالْحَرَسَ. وَفِيهَا ثارت الرُّومُ وَاسْتَجَاشُوا عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَعَجَزَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَنْهُمْ لِاشْتِغَالِهِ بِخَصْمِهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَصَالَحَ مَلِكَ الرُّومِ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ. وَفِيهَا وَفَدَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى مَكَّةَ عَلَى أَخِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْد اللَّهِ بأموال عظيمة وتحف وأشياء فاخرة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فيها مات: إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الأُمَوِيُّ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ الْبَصْرِيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ الْحَاجِبُ، وَسَعِيدُ بْنُ حُسَيْنٍ الأَزْدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَبُو السِّوَارِ الْمَدَنِيُّ بِمِصْرَ، رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ الْمَكِّيُّ، وعبد الله ابن الْخَلِيفَةِ مَرْوَانَ الأُمَوِيُّ فِي السِّجْنِ، وَعَمْرُو بْنُ ثَابِتِ الْكُوفِيُّ، وَغِطْرِيفِ بْنِ عَطَاءٍ مُتَوَلِّي الْيَمَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ الْجُعْفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمُعَيْطِيُّ إِمَامُ مَسْجِدِ حَرَّانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ بِخُلْفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ الأَنْصَارِيُّ الْحِمْصِيُّ، وَمَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ في قول، وموسى الهادي ابن المهدي الخليفة، وأبو معشر نجيج السِّنْدِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَأَبُو جَزْءٍ الْقَصَّابُ نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، وَيَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الأَزْدِيُّ مُتَوَلِّي إِفْرِيقِيَّةِ. وَفِيهَا: وُلِدَ الْمَأْمُونُ، وَالأَمِينُ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، وَدُحَيْمٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. وَفِيهَا هَلَكَ الْخَلِيفَةُ مُوسَى الْهَادِي مِنْ قُرْحَةٍ أَصَابَتْهُ فِي جَوْفِهِ، وَقِيلَ: سَمَّتْهُ أمُّه الْخَيْزُرَان لَمَّا أَجْمَعَ قَتْلَ أَخِيهِ الرَّشِيدِ، وَكَانَتْ أَيْضًا حَاكِمَةً مُسْتَبِدَّةً بِالأُمُورِ الْكِبَارِ فَمَنَعَهَا، وَقَدْ كَانَتِ المواكب تغدو إلى بابها، فزجرهم عن ذلك، وكلمها بكلام فج، وقال: لئن وَقَفَ بِدَارِكِ أَمِيرٌ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، أَمَا لَكِ مغزل يشغلك، أَوْ مُصْحَفٌ يُذَكِّرُكِ، أَوْ سِبْحَةٌ؟ فَقَامَتْ مَا تَعْقِلُ مِنَ الْغَضَبِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهَا بِطَعَامٍ مَسْمُومٍ، فَأَطْعَمَتْ مِنْهُ كَلْبًا فَانْتَثَرَ، فَعَمِلَتْ عَلَى قَتْلِهِ لَمَّا وَعِكَ، بِأَنْ غَمُّوا وَجْهَهُ بِبِسَاطٍ جَلَسُوا عَلَى جَوَانِبِهِ، وَكَانَ يُرِيدُ إِهْلاكَ الرَّشِيدِ لِيُوَلِّيَ الْعَهْدَ وَلَدَهُ، صَغِيرٌ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ بعيساباذ مات فِي نِصْفِ رَبِيعٍ الآخِرِ، وَكَانَتْ خِلافَتُهُ سَنَةً وَرُبْعًا، وَعَاشَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَخَلَّفَ سَبْعَةَ بَنِينَ، وَأَفْضَتِ الْخِلافَةُ إِلَى وَلِيِّ الْعَهْدِ بَعْدَهُ أَخِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ بْنِ الْمَهْدِيِّ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبعين ومائتين
فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن طولون صاحب مصر، وأحمد بْن عَبْد الله ابن البَرْقيّ، وأحمد بْن المقدام الهَرَويّ، وإبراهيم بْن مرزوق الْبَصْرِيُّ، وأسيد بْن عاصم، وبكّار بْن قُتَيْبَةَ القاضي، والحسن بْن عليّ بْن عفان العامريّ، وداود الظّاهريّ الفقيه، والربيع بْن سُلَيْمَان المراديّ، وزكريّا بْن يحيى المَرْوَزِيّ، وعبّاس بْن الْوَلِيد البَيروتيّ، وأبو البَخْتَرِيّ عَبْد الله بْن محمد بْن شاكر، ومحمد بن إِسْحَاق الصّغانيّ، ومحمد بْن ماهان زنبقة، ومحمد بْن مُسْلِم بْن وَارَةَ، ومحمد بْن هشام بن ملاس. وفيها وصل لؤلؤ الطُّولوني فِي جيشٍ عظيم نجدةً للموفق فِي المحرّم، فكانت بين الموفَّق وبين الخبيث وقعةٌ أوهنت الخبيث، ثُمَّ وَقْعَةٌ أخرى قُتِلَ فيها الخبيث وعجل الله بروحه إِلَى النّار. وهو عليّ بْن محمد المدَّعي أنّه علويّ، وَقِيلَ: اسمه بَهْبُوذ. قد ذكرنا وقائعه مع الموفَّق وحصاره الزّمن الطّويل له، إلى أن اجتمع مع الموفَّق زهاء ثلاثمائة ألف مقاتل مطَّوّعة وَفِي الديوان. فَلَمَّا كان فِي ثاني صفر، وقد التجأ الخبيث إِلَى جبلٍ ثُمَّ تراجع هُوَ وأصحابه إِلَى مدينتهم خُفْية، وجاءت مقدّمات الموفَّق، فَلَمَّا وصلوا إِلَى المدينة لم يَدْرُوا أنّهم قد رجعوا إليها، فأوقعوا بهم، فانهزم الخبيث وأصحابه، وتبعهم أصحاب الموفَّق يأسرون ويقتلون، وانقطع الخبيث فِي جماعةٍ من قوّاده وفرسانه، وفارقه ابنه انكلائي، وسليمان بْن جامع، فظفر أبو الْعَبَّاس بن الموفَّق بابن جامع، فكبّر النّاس لمّا أتى به إِلَى أَبِيهِ. ثُمَّ شدّ الخبيث وأصحابه، فأزال النّاس عن مواقفهم، فحمل عليه الموفَّق فانهزموا وتَبِعهم إِلَى آخر نهر أبي الخصيب، فبينا القتال يعمل إذ أتى فارس من أصحاب لؤلؤ إِلَى الموفَّق ورأس الخبيث فِي يده، فلم يصدّقه فعرضه على جماعةٍ فعرفوه. فترجل الموفَّق وابنه والأمراء وخرّوا سجَّدًا لله، وكبّروا وحمدوا الله تعالى. وَقِيلَ: إنّ أصحاب الموفَّق لمّا أحاطوا به لم يبق معه إلّا المهلَّبيّ، ثُمَّ ولّى وتركه، فقذف نفسه فِي النّهر فقتلوه. وسار أبو الْعَبَّاس ومعه رأس الخبيث على رمحٍ فدخل به بغداد، وعُمِلت قِباب الزّينة، وضجّ النّاس بالدّعاء للموفَّق وولده. وكان يومًا -[256]- مشهودًا، وأمِن النّاس وتراجعوا إِلَى المدن الّتي أخذها الخبيث. وكان ظهوره من سنة خمسٍ وخمسين. قَالَ الصُّولي: إنّه قتَل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدميّ، وقتل فِي يومٍ واحدٍ بالبصرة ثلاثمائة ألف. وكان له منبرٌ فِي مدينته يصعد عليه ويسبّ عُثْمَان وعليّ ومعاوية وطلحة والزُّبير وعائشة، وهو رَأَى الأزارقة. وكان ينادى على المرأة العلوية بِدرْهَمين وثلاثةٍ فِي عسكره، وكان عند الواحد من الزَّنج العشرة من العلويّات يطأهنّ وتخدمن نساءهم، ومدح الشعراء الموفَّق. وَفِي نصف شعبان أعيد المعتمد إِلَى سامراء، ودخل بغداد ومحمد بن طاهر بين يديه بالحربة والحسن في خدمته كأنه لم يحجر عليه. وفيها انبثق ببغداد في الجانب الغربيّ بثق في نهر عيسى، فجاء الماء إِلَى الكَرْخ، فهدم سبعة آلاف دار. وفيها ظهر أَحْمَد بْن عَبْد الله بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ بالصعيد، وتبعه خلْق. فجهّز أَحْمَد بن طولون لحربه جيوشًا، وكانت بينهم وقعات وظفروا به وأتوا ابن طولون به فقتله. ومات بعده ابن طولون بيسير. وفيها ظهرت دعوة المهديّ باليمن، وكان قبلها بنحو سنتين قد سيّر والده عبيدة، جّد بني عبيد خلفاء المصرييّن الرَّوافض المَلاحِدة الَّذِي زعم أنّه ابنُ محمد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق، داعيين لولده عَبْد الله المهديّ، أحدهما أبو القاسم بْن حَوْشَب الكوفي، والآخر أبو الْحَسَن، فَدَعَوْا إِلَى المهدي سرًّا. ثُمَّ سيّر والد المهديّ داعيًا آخر يُسمّى أَبَا عَبْد الله، فأقام باليمن إِلَى سنة ثمانٍ وسبعين، فحجّ تلك السنة، واجتمع بقبيلة من كُتامة، فأعجبهم حاله، فصحبهم إلى مصر، ورأى منهم طاعةً وقوّة، فصحبهم إِلَى المغرب، فكان ذلك أوّل شأن المهديّ. وفيها نازلت الرّوم طَرَسُوس فِي مائة ألف وبها يازمان الخادم، فبيَّتهم ليلًا وقتل مقدّمهم وسبعين ألفًا. وأخذ منهم صليبهم الأكبر وعليه جواهر لا قيمة لها، وأخذ من الخيل والأموال والأمتعة ما لا ينحصر، ولم يُفِلت منهم إلّا القليل؛ وذلك فِي ربيع الأوّل. وكان فتحًا عظيمًا عديم المثل منَّ الله به على الْإِسْلَام يوازي قَتْلَ الخبيث صاحب الزنج. والحمد لله وحده. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبعين وثلاثمائة
فيها خرج من همذان عضُدُ الدولة وقدم بغداد، فتلقّاه الطائع، وزُيّنت بغداد. قال عبد العزيز ابن حاجب النعمان: لم تجر عادة بخروج الخلفاء لتلقّي أحدٍ من الأمراء، فلما توفّيت فاطمة بنت مُعِزّ الدّولة ركب المطيع لله فَعزّاه، فقبّل الأرض. قال حاجب النعمان: وجاء رسوله يطلب من الطائع أن يتلقّاه، فما وسِعَه التَّاخُّر وتلقّاه في دجلة، ثم أمر عضُدُ الدولة بأن يُنادي قبل دخوله بمنع العَوَامّ من الدعاء له والصّيْحَة، وتوعّد على ذلك بالقتل، قال: فما نطق أحد، فأعجبه ذلك من طاعة العوام له. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبعين وأربعمائة.
فيها اصطلح تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية مع الناصر بن علناس صاحب قلعة حماد بعد حروبٍ وفصول تطول. وَزَوَّجَهُ تميم بابنته، فبعث الصَّداق ثلاثين ألف دينار، فأخذ منها تميم دينارًا واحدًا ورد الباقي، وبعث معها جهازاً عظيماً. وفيها كانت ببغداد فتنة هائلة بسبب الاعتقاد، ونهب بعضهم بعضًا، فركب الجند وقتلوا جماعة، فسكنوا على حنق، وتشفت بهم الرافضة. وفيها نزل المصريون مع ناصر الدولة الجيوشي على دمشق، فأقام عليها مُدَيْدة، ثم ترحل عنها. وفيها نزل تاج الدولة تتش على حلب محاصراً لها، ثم ترحل عنها. ثم جاء جيش مصر، فنازلوا دمشق ثانيا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبعين وخمسمائة
فيها أعيد أبو الحسن ابن الدامغاني إلى قضاء القضاة ببغداد بعد أن بقي معزولا خمسة عشر عاما. وفيها أراد المستضيء بالله إعادة ابن المظفّر إلى الوزارة، فغضب من ذَلِكَ قايماز، وأغلق باب النُّوبيّ، وبات العامَّة وهم بأمر سوء، وقال: لا أقيم ببغداد حتّى يخرج منها ابن المظفّر هُوَ وأولاده، فإنّه عدوّي، ومتى عاد إلى الوزارة قتلني، فقيل لابن المظفّر: تخرج من البلد. فقال: لا أفعل. فلمّا شُدِّد عَلَيْهِ قَالَ: إنْ خرجت قُتِلت، فاقتلوني فِي بيتي. فتلطّفوا بِهِ، فجاء فخر -[239]- الدولة ابن المطَّلِب وشيخ الشّيوخ، وحلف لَهُ قايماز أن لا يؤذيه ولا يتبعه. وأصبح العسكر فِي السّلاح، والدّروب تُحْفَظ، ثمّ خرج بالليل الوزير ابن رئيس الرؤساء وأولاده، وسكن البلد. ثم دخل قايماز إلى الخليفة فاعتذر، ثم خرج طيب النفس. ثم بقيت الرسل تتردد، واستقر الأمر أن ابن رئيس الرؤساء يعبر إلى الجانب الغربي. وفي رجب تكلم ابن الجوزيّ، قَالَ: تقدّم إليَّ بالجلوس تحت منظرة أمير المؤمنين، فتكلمت بعد العصر، وحضر السّلطان، واكترى النّاس الدّكاكين، وكان موضع كلّ رَجُل بقيراط، حتّى إنّه اكتُرِيَت دُكّانٌ بثمانية عشر قيراطًا، ثمّ جاء رَجُلٌ فأعطاهم ستَّة قراريط حتّى جلس معهم. ودرّست بالمدرسة الّتي وَقَفْتها أمّ الخليفة، وحضر قاضي القُضاة، وخُلِعَت عليَّ خِلْعة، وألقيت يومئذٍ دروسًا كثيرة من الأُصول والفُروع. ووقف أهل بغداد من باب النُّوبّي إلى باب هذه المدرسة كما يكون العيد وأكثر، وعلى باب المدرسة أُلُوف، وكان يومًا مشهودًا لم يُرَ مثلُه. ودخل عَلَى قلوب أرباب المذاهب غمٌّ عظيم، وتقدَّم ببناء دِكَّةٍ لنا في جامع القصر فانزعجوا، وقالوا: ما جَرَت عادة الحنابلة بدِكَّة؛ فبُنيت وجلست فيها. وكان الأمير تُتَامُش قد بعث إلى بلد الغرّاف من نهبهم وآذاهم، ونجا منهم جماعة، فاستغاثوا، ومنعوا الخطيب أن يخطب، وفاتت الصّلاة أكثر النّاس، فأنكر أمير المؤمنين ما جرى، وأمر تُتَامُش وزوج أخته قايماز، فلم يَحْفِلا بالإنكار، وأصرّا عَلَى الخلاف، وجرت بينهما وبين ابن العطّار مُنَابَذَات، ثمّ أصلح بينهم. فلمّا كَانَ الغد، أظهروا الخلاف، وضربوا النَّار فِي دار ابن العطّار، وطلبوه فاختفى. فطلب الخليفة قايماز، فأبى وبارز بالعناد. وكان قد حلّف الأمراء، وخرج هُوَ وتُتَامِش وجماعةٌ من الأمراء من بغداد، فَنَهَبت العوامُّ دُورَهم، وأخذوا أموالًا زائدة عن الحد. قال ابن الأثير: ودخل بعض الصّعاليك فأخذ أكياس دنانير، وفزع لا يؤخذ منه، فدخل إلى مطبخ الدّار، فأخذ قِدْرةً مملوءة طبيخًا، فألقى فيها -[240]- الدنانير وحملها عَلَى رأسه، فضحك النّاس منه، فقال: دعوني أطعمه عيالي ثمّ استغنى بعد ذَلِكَ، ولم يبق من نعمة قُطْب الدّين فِي ساعةٍ واحدة لا قليل ولا كثير. وأمّا العامَّة فثاروا بأعوان قُطْب الدّين، وأحرقوا من دُورهم مواضعَ كثيرة، وبقي أهلها فِي جَزَع وحَيْرة، وقصدوا الحِلَّة، ثمّ طلبوا الشّام وقد تقلّل جَمْعُهُم، وبقي مع قايماز عدد يسير. ثمّ خُلع عَلَى الوزير ابن رئيس الرؤساء، وأعيد إلى الوزارة، وكتب الفقهاء فتاويهم أنّ قايماز مارِق، وذلك فِي ذي القعدة. ثمّ جاء الخبر فِي ذي الحجَّة أنّ قايماز تُوُفّي، وأنّ أكثر أصحابه مَرْضَى، فسبحان مُزِيل النِّعَم عَنِ المتمرّدين. وفيها ملك صلاح الدّين دمشق بلا قتال، وكتب إلى مصر رَجُلٌ من بُصْرَى فِي الرابع والعشرين من ربيع الأوّل، وقد توجّه صاحبها فِي الخدمة: ثمّ لقينا ناصر الدّين ابن المولى أسد الدّين والأمير سعد الدّين بْن أُنُر، ونزلنا فِي الثّامن والعشرين بجسر الخَشَب، والأجناد إلينا متوافية من دمشق. وأصبحنا ركِبْنا عَلَى خيرة اللَّه، فعرض دون الدّخول عددٌ من الرجال، فَدَعَسَتْهم عساكرنا المنصورة وصَدَمتهم، ودخلنا البلد، واستقرّت بنا دار ولدنا، وأَذَعْنا فِي أرجاء البلد النّداء بإطابة النّفوس وإزالة المُكُوس، وكانت الولاية فيهم قد ساءت وأسرفت وأجحفت، فشرعنا في امتثال أمر الشرع. ثم نازل صلاح الدين حمص، ونصبت المجانيق على قلعتها حتى دكتها. وسار إلى حماه فَمَلَكَها فِي جُمادى الآخرة، ثمّ سار إلى حلب وحاصرها إلى آخر الشهر، واشتد على الصالح إسماعيل ابن نور الدّين بها الحصار، وأساء صلاح الدّين العشرة في حقّه، واستغاث الصّالح بالباطنيَّة ووعدهم بالأموال، فقتلوا الأمير ناصح الدّين خُمارتِكِين وجماعة، ثم قتلوا عن آخرهم. ورجع النّاصر صلاح الدّين إلى حمص فحاصرها بقية رجب، وتسلمها بالأمان في شعبان. ثم عطف على بعلبك فتسلمها، ثمّ ردّ إلى حمص وقد اجتمع عسكر حلب، وكتبوا إلى صاحب الموصل فجهّز جيشه، وأمدّهم بأخيه عزّ الدّين مَسْعُود بْن مودود بْن زنكيّ، فأقبل الكلّ إلى حماه فحاصروا البلد، فسار صلاح الدّين فالتقاهم عَلَى قُرون حماه، فانكسروا أقبح كسْرة، ثمّ سار إلى جهة حلب. ثم وقع الصلح بينه وبين ابن زنكيّ عَلَى أن يكون لَهُ إلى آخر بلد حماة -[241]- والمَعَرَّة، وأن يكون لابن نور الدّين حلب وجميع أعمالها. وتحالفوا وردّ إلى حماه، فجاءه رُسُلُ المستضيء بالهدايا والتشريفات والتهنئة بالملك. ثمّ سار إلى حصن بارين، فحاصره ثمّ أخذه. وأنعم بحمص عَلَى ابن عمّه الملك ناصر الدين محمد ابن أسد الدّين شيركوه، واستناب بقلعة دمشق أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين. ورجع من حمص فسار إلى بعلبك، فأخذها من الخادم يُمْن الرَّيْحانيّ ثمّ أعطاها للأمير شمس الدين محمد ابن المقَّدم، فعصى عَلَيْهِ فِي سنة أربعٍ وسبعين فسار إليه، ثم حاصره أشهرا. ومن كتاب فاضليّ إلى العادل نائب مصر عَنْ أخيه صلاح الدّين: " قد أعلمنا المجلس أنّ العدوّ المخذول كَانَ الحلبيّون قد استنجدوا بصُلْبانهم واستطالوا عَلَى الْإِسْلَام بعدوانهم، وأنّه خرج إلى حمص، فوردنا حماه وترتّبنا للّقاء، فَسَار العدوّ إلى حصن الأكراد متعلّقًا بحبله مفتَضَحًا بحِيَله، وهذا فتحٌ تُفْتَح لَهُ القلوب، قد كفى اللَّه فِيهِ القتال المحسوب. ومن كتاب فاضلي إلى الدّيوان العزيز من السّلطان مضمونه تعداد ما للسلطان من الفتوحات، ومن جهاد الفرنج مَعَ نور الدّين، ثمّ فتح مصر واليمن وأطراف المغرب، وإقامة الخطْبة العبّاسيَّة بها، ويقول فِي كتابه: " ومنها قلعةٌ بثغر أَيْلَة بناها العدوّ فِي البحر، ومنه المَسْلَك إلى الحرمين، فغزوا ساحل الحَرَم، وقتلوا وسبوا، وكادت القِبْلة أن يُستولَى عَلَى أصْلها، والمشاعر أن يسكنها غيرُ أهلها، ومضجع الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتطرّق إِلَيْهِ الكُفّار. وكان باليمن ما عُلِم من الخارج ابن مهديّ الملْحد، الَّذِي سبى الشّرائف الصّالحات وباعهنَّ بالثّمن البَخْس واستباحهنّ، ودعا إلى قبر أَبِيهِ وسمّاه كعبة، وأخذ الأموال، فأنهْضنا إِلَيْهِ أخانا بعسكرنا فأخذه، والكلمة هناك بمشيئة اللَّه إلى الهند سامية. ولنا فِي المغرب أثرٌ أغرب، وفي أعماله أعمال دون مطلبها مهالك، كما المهلك دون المطْلب، وذلك أنّ بني عَبْد المؤمن قد اشتهر أنّ أمرهم قد أَمِر، وملكهم قد عُمِر، وجيوشهم لا تطاق، وأمرهم لا يُشاقّ، ونحن فتملّكنا ما يجاورنا منه بلادًا تزيد مسافتها عَلَى شهر، وسيّرنا إِلَيْهِ عسكرًا بعد عسكر، فرجع بنصر بعد نصر، ومن ذلك: برقة، قفصة، قسطيلة، تَوْزَرَ؛ كلّ هذه تُقام فيها الخطبة لأمير المؤمنين، ولا عهْدَ لإقامتها من دهر. -[242]- وفي هذه السّنة كَانَ عندنا وفدٌ نحو سبعين راكبا، كلهم يطلب لسلطان بلده تقليدًا، ويرجو منَّا وعدًا ويخاف وعيدًا، وسيّرنا الخِلَع والمناشير والأَلْوية. فأمّا الأعداء الّذين يقاتلوننا، فمنهم صاحب قسطنطينة؛ وهو الطّاغية الأكبر، والجالوت الأكفر، جَرَت لنا معه غَزَوات بحريَّة، ولم نخرج من مصر إلى أنْ وصَلَتْنا رسالةٌ فِي جُمعةٍ واحدةٍ نوبتين بكتابين، يُظْهر خفْضَ الْجَنَاح والانتقالَ من مُعاداةٍ إلى مهاداة، ومن مُفَاضَحَةٍ إلى مُنَاصَحَة، حتّى أندر بصاحب صَقَلّية وأساطيله، وهو من الأعداء، فكان حين علم بأنّ صاحب الشّام وصاحب قسطنطينيَّة قد اجتمعا فِي نَوْبة دِمياط فكسروا، أراد أن يظهر قوّته المستقلة، فعمّر أسطولًا استوعب فِيهِ ماله وزمانه، فله الآن خمسُ سنين يُكْثِر عُدّته وينتخب عدته، إلى أن وصل منها فِي السّنة الخالية إلى الإسكندرية أمْرُ رائع، وخَطْب هائل، ما أثقل ظهْرَ البحر مثلُ حمْله، ولا ملأ صدرهُ مثلُ خيله ورَجُله، وما هُوَ إلّا إقليم نقله، وجيش ما احتفل ملك قطّ بنظيره، لولا أنّ اللَّه خذله. ثمّ عدَّد أشياء، إلى أن قَالَ: والمُراد الآن تقليدٌ جامعٌ بمصر واليمن والمغرب والشّام، وكلّ ما تشتمل عَلَيْهِ الولاية النّوريَّة، وكلّ ما يفتحه اللَّه للدّولة العبّاسيَّة بسيوفنا، ولمن يقيم من أخٍ وولدٍ من بعدنا تقليدًا، يضمن للنّعمة تخليدًا، وللدعوة تجديدًا، مَعَ ما تنعم عَلَيْهِ من السِّمات الّتي فيها المُلْك، والفرنج فهم يعرفون منّا خصمًا لا يملّ حتّى يملّوا، وقَرْنًا لا يزال يحرم السّيفَ حتّى يُحِلِّوا، وإذا شدّ رأينا حُسْن الرأي ضربْنا بسيفٍ يقطع فِي غمده، وبلغنا المُنَى بمشيئة اللَّه، ويد كلٍّ مؤمن تحت برده، واستعدنا أسيرًا من المسجد الأقصى الَّذِي أسرى اللَّه إليه بعبده. وفيها ملك البهلوان بْن إلْدكز مدينة تُوريز بالأمان، واستعمل عليها أخاه قُرا رسلان، وتسلم مراغة. قَالَ ابن الأثير فِي فتنة قطب الدّين قايماز: ولما أقام قايماز بالحلة امتنع الحاج من السَّفَر، فتأخّروا إلى أن رحل، فبادروا ورحلوا من الكوفة إلى عَرَفَات فِي ثمانية عشر يومًا، وهذا ما لم يُسْمَع بِمِثْلِهِ، ومات كثيرٌ منهم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبعين وستمائة
في المحَّرم ركب السّلطان من الصّناعة في الشّواني ومعه نائب السَّلْطنة بيليك الخَزْنَدَار، فلمّا صار في الشّيني مال فوقع الخزندار في البحر، فنزل خلفه من أطلعه بشعره، وقد كاد. ثمّ خرج السّلطان إلى الكَرَك وأخذ معه النّائب عزّ الدّين أَيْدَمُر، وقدِم به دمشقَ، فجعله نائبًا عليها وعزل النّجيبيّ، ثمّ سار إلى حماة ورجع، ثمّ مضي إلى حلب، وسببُه أنّ صَمْغَرا ومعين الدّين البرواناه والتّتر لمّا عادوا من عند أبْغا في السّنة الخالية جاءهم أمرٌ بقصْد الشّام فحشدوا، وجاء صمغرا في عشرة آلاف إلى البُلُسْتَين، ثمّ إلى مَرْعَش، وبَلَغَهم إنّ السلطان بدمشق، فبعثوا من المغل ألفاً وخمسمائة للإغارة وتجسُّس الأخبار، فوصلوا إلى عين تاب ثمّ إلى قسطون، ووقعوا على التُّركُمان هناك بين حارم وأنطاكية فاستأصلوهم، فأمر السّلطان بتجفيل البلاد حتّى أهل دمشق ليُطْمع التّتار فيتوغّلون في البلاد ويتمكّن منهم، وطلب جيشَ مصر فقدموا ومقدَّمهم الأمير بدر الدّين بَيْسَريّ، فوصلتهم الأخبار فأسرعوا الرَّجعة، وساق الفارقانيّ وراء التّتر فلم يدركهم. -[32]- وأغارت الفرنج من عثليث إلى قاقون، وأُخذت التركمان، وساق الأمير علاء الدّين طَيْبَرس الوزيريّ، وعيسى بن مُهنى، فخاضوا الفُرات إلى حرّان، فخرج إليهم مَن بها مِن التّتار، فطاردهم ابن مُهنَّى، فخرج عليهم طَيْبَرس، فلمّا رأوا الجيشَ نزلوا وقبّلوا الأرض وألقوا سلاحهم، فأخذوهم وكانوا ستّين نفْسًا، وسار طَيْبَرس فغلّقوا أبواب حَرّان سِوى بابٍ واحد، وخرج إليه الشّيخ محاسن وهو من أصحاب الشّيخ حيوة وجماعة من الأعيان، ومعهم أطعمة، فأكرمهم طيبرس، ونزل عن فرسه وأتوه بمفاتيح حَرّان، وقالوا: البلد للسّلطان أيَّده الله، ثمّ عاد طيبرس. قال شمس الدّين محمد ابن الفخر، رحمه الله: من أعجب ما يؤرّخ أن امرأة أمشاطي في جوار دار بني هلال بباب النّاطفيّين في جُمَادى الأولى في مدّة سبعة أيّام وضعت طُروحًا أحد عشر ولدًا ذكورًا وإناثًا، وبعضهم قد كملت خلقته وبعضهم قد تبين بعضها لأربعة أشهُرٍ ونصف، وهذا غريبٌ نادر، واشتهر ذلك في دمشق، واستثبته قاضي القُضاة عز الدّين وأرّخه. وفي جُمَادى الآخرة عبر السّلطان إلى بَرّ الجيزة، فأُخبِر أنّ ببُوصِير مغارةٌ فيها مطلب، فجمع لها خلّقًا وحفروا مدًّا طويلًا، فوجدوا كلابًا ميّتة وقِطاطًا وطُيُورًا، والكلُّ ملفوفٌ في عصائب وخرقٍ، فإذا حُلت اللّفائف ولاقي ذلك الحيوانَ الهواءُ صار هباءً، وأقاموا ينقلون من ذلك شيئاً كثيراً ولا ينفد فتركوه. وفي شعبان احتيط على دار القاضي شمس الدّين محمد ابن العماد، وحمل ما فيه من الودائع إلى قلعة الجبل؛ وذلك لأنّ ابن العماد عزل نجم الدّين ابن حمْدان عن نيابة الحُكم لأمرٍ، فحمل أخاه التّقيَّ شبيبًا الكحّال التّعُّصبُ على أنْ كتب ورقةً إلى السلطان أن عند ابن العماد ودائع كثيرة لتُجَّارٍ من حَرّان وبغداد والشّام وقد مات أهلُها، فاستدعاه السّلطان وسأله عن الودائع فأنكر، فحلف متأوّلًا، فكُبس بيتُه، فوُجِد فيه كثيرٌ ممّا قيل، لكنّ أصحابها أحياء ومنهم من مات وله وارث، فأخذ من ذلك زكاته مدة سنتين وحنق عليه السّلطان وحبسه، فتسلَّط عليه شبيب، وادَّعى أنّه حَشَويّ، وأنّه يقدح في الدّولة وكتب بذلك محضرًا، وسافر السّلطان إلى الشّام، ثمّ عُقِد مجلسٌ بحضرة الأمير بدر الدّين بيليك الخزندار، فاستدعي بالشهود الذين -[33]- في المحضر، فرجع بعضهم في الشَّهادة وشهِد الباقون، فأخرِق بهم وجرّحهم، وتبيّن للخَزْنَدَار تحامُل شبيب فحبَسَه، واحتاط على موجوده، وأُعيد الشّيخ شمس الدّين إلى الحبّس بالقلعة، فأقام بها سنتين إلى أنْ أُفْرِج عنه في نصف شعبان من سنة اثنتين وسبعين، ولولا عناية الخزندار به ومحبته له لكان شيئاً آخر. وأمّا السّلطان فسار إلى الشّام وشنّ الغارات على بلاد عكّا فراسلوه، وطلبوا الصُّلْح، فصالحهم عشر سنين، ثم دخل دمشق. وفي رمضان جاءت طائفة من التّتار، فأخربوا شرفات سور حرّان وبعض أسوقها، ونقلوا كثيرًا من أخشابها واستاقوا معهم أهلَها وأخليت ودثرت بالكلية. وفيها وصلت رسل صمغرا والبَرَوَاناه فقالوا للسّلطان: إنّ صَمْغَرًا يقول لك: منذ جاورك في البلاد لم يصِلْه من جهتك رسول، وقد رأى من المصلحة أنْ تبعث إلى أبْغا رسولًا بما تُحبّ حتّى نُساعدك ونتوسّط، فأكرم السّلطان الرُّسُل، ثمْ بعث في الرسلية الأمير فخر الدّين إياز المقري، والأمير مبارز الدّين الطُّوريّ إلى أبْغا، وبعث له جيوشنا، وبعث لصمغرا قوسًا، فوصلا قُونية، فسار بهما البرواناه إلى أبْغا، فقال: ما شأنكما؟ قالا: إنّ سلطاننا أرسلنا يقول لك: إنْ أردت أن أكونَ مطاوِعًا لك فرُدّ ما في يدك من بلاد المسلمين، فغضب وأغلظ لهما وقال: ما يرضى رأسًا برأس، وانفصلا من غير اتّفاق. وعندي في وقوع ذلك نَظَرٌ، لكنْ لعلّه سأله ردّ ما بيده من العراق والجزيرة، وإلّا فجميع ما بيده بلاد المسلمين. وفيها وصلت رسل بيت بركة من عند منكوتمر بن طُغان يطلبون من السلطان الإعانة على استئصال شأفة أبغا. وفي ذي الحجّة سار السّلطان إلى حصْن الأكراد وحصن عكّار، فأشرف عليهما، ورجع إلى دمشق. وفيها تزوج الصاحب شرف الدّين هارون ابن الوزير شمس الدّين الجوينيّ ببغداد برابعة بنت أحمد بن أمير المؤمنين المستعصم، على صداقٍ -[34]- مَبلغُهُ مائة ألف دينار مصريّ، وعقده قاضي القُضاة سِراجُ الدّين محمد بن أبي فِراس في دار صاحب الدّيوان علاء الدّين، بإنشاء بهاءَ الدّين عليّ بن عيسى الإربليّ، وشرطت عليه والدةُ العروس بأنْ لا يشرب الخمر، فأجاب. واحترق ببغداد سوق النّظاميّة كلّه، واحترق فيه خلقٌ كانوا في الغرف. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي