نتائج البحث عن (-سنة خمس وسبعين) 10 نتيجة

-سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ السُّلَمِيُّ. وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، وَكُرَيْبُ بْنُ أبرهة الأصبحي أمير الإسكندرية، وَبِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأَوْدِيُّ فِيهَا، وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَسُلَيْمُ بْنُ عِتْرٍ التُّجِيبِيُّ قَاضِي مِصْرَ وَقَاصُّهَا.
وَفِيهَا وَفَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ عَلَى أَخِيهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مِصْرَ زِيَادَ بْنَ حُنَاطَةَ التُّجِيبِيَّ، فتُوُفِّيَ زِيَادُ فِي شَوَّالٍ، وَاسْتَخْلَفَ أَصْبَغُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَخَطَبَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَسُيِّرَ عَلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ الْحَجَّاجُ، فَسَارَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْكُوفَةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا بَعْدَ أَنْ وَهَبَ الْبَشِيرُ ثَلاثَةَ آلافِ دِينَارٍ.
قَالَ الْوَليِدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ عَامِلا لِعَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِوِلايَتِهِ عَلَى الْعِرَاقِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ فِي نَفَرٍ ثَمَانِيَةٍ أَوْ تِسْعَةٍ عَلَى النَّجَائِبِ، فَلَمَّا كُنَّا بِمَاءٍ قَرِيبٍ مِنَ الْكُوفَةِ نَزَلَ فَاخْتَضَبَ وَتَهَيَّأَ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثُمَّ رَاحَ مُعْتَمًّا قَدْ أَلْقَى عَذْبَةَ الْعِمَامَةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مُتَقلَّدًا سَيْفَهُ، حَتَّى نَزَلَ عِنْدَ دَارِ الإِمَارَةِ عِنْدَ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَقَدْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالأَذَانِ الأَوَّلِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْحَجَّاجُ وَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، فَجَمَعَ بِهِمْ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَسَكَتَ، وَقَدِ اشْرَأَبُّوا إِلَيْهِ وَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ وَتَنَاوَلُوا الْحَصَى لِيَقْذِفُوهُ بِهَا، وَقَدْ كَانُوا حَصَبُوا عَامِلا قَبْلَهُ، فَخَرَجَ عنهم، فَسَكَتَ سَكْتَةً أَبْهَتَتْهُمْ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَسْمَعُوا كَلامَهُ، فَكَانَ بَدْءُ كَلامِهِ أَنْ قَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَيَا أَهْلَ النِّفَاقِ، وَاللَّهِ إنْ كَانَ أَمْرُكُمْ لَيَهُمُّنِي قَبْلَ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يبتليكم بي، فأجاب دعوتي، ألا إني أسريت الْبَارِحَةَ فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي، -[765]- فَاتَّخَذْتُ هَذَا مكَانَهُ - وَأَشَارَ إِلَى سَيْفِهِ - فَوَاللَّهِ لَأَجُرَّنَّهُ فِيكُمْ جَرَّ الْمَرْأَةِ ذَيْلَهَا، وَلَأفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ. قَالَ يَزِيدُ: فَرَأَيْتُ الْحَصَى مُتَسَاقِطًا مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ: قُومُوا إِلَى بَيْعتِكُمْ، فَقَامَتِ الْقَبَائِلُ قَبِيلَةً قَبِيلَةً تُبَايِعُ، فَيَقُولُ: مَنْ؟ فَتَقُولُ: بَنُو فُلانٍ، حَتَّى جَاءَتْهُ قَبِيلَةٌ فَقَالَ: مَنْ؟ قَالُوا: النَّخَعُ، قَالَ: مِنْكُمْ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ؟ قَالُوا: أَيُّهَا الأَمِيرُ شَيْخُ كَبِيرٌ، قَالَ: لا بَيْعَةَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرُبُونِ حَتَّى تَأْتُونِي بِهِ. قَالَ: فَأَتَوُهُ بِهِ مَنْعُوشًا فِي سَرِيرٍ حَتَّى وَضَعُوهُ إِلَى جَانِبِ الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: أَلا لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ الدَّارَ غَيْرَ هَذَا، فَدَعَا بِنَطْعٍ وَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: حَدَّثَنِي مَنْ شَهِدَ الْحَجَّاجَ حِينَ قَدِمَ الْعِرَاقَ، فَبَدَأَ بِالْكُوفَةِ، فَنُودِيَ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَالْحَجَّاجُ مُتَقَلِّدٌ قَوْسًا عَرَبِيَّةً وَعَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ حَمْرَاءُ مُتَلَثِّمًا، فَقَعَدَ وَعَرَضَ الْقَوْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى امْتَلأَ الْمَسْجِدُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَمْنَعُهُ الْعَيُّ، وَأَخَذْتُ فِي يَدِي كَفًّا مِنْ حَصًى أَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ بِهِ وَجْهَهُ، فَقَامَ فَوَضَعَ نِقَابَهُ، وَتَقَلَّدَ قَوْسَهُ، وَقَالَ:
أَنَا ابْنُ جَلا وَطَلاعُ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعُ العمامة تعرفوني.
إني لأرى رؤوسا قَدْ أينعت وحان قطافها، كأني أنظر إلى الدماء بَيْنَ الْعَمَائِمُ وَاللِّحَى.
لَيْسَ بَعِشَّكِ فَادْرِجِي ... قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا فَشَمِّرِي
هَذَا أَوَانُ الْحَرْبِ فَاشْتَدِّي زِيَمْ ... قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ
لَيْسَ بِرَاعِي إِبِلٍ وَلا غَنَمْ ... وَلا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرٍ وَضَمْ
قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِعَصْلَبي ... أروعَ خَرَّاج من الدَّوِّي
مُهَاجِرٌ لَيْسَ بِأَعْرَابِيٍّ -[766]- إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَغْمِزُ غَمْزَ التِّينِ، وَلا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، وَلَقَدْ فُرِرْتُ عَنْ ذَكَاءٍ، وفتشت عن تجربة، وجريت من الْغَايَةِ، فَإِنَّكُمْ يَا أَهْلِ الْعِرَاقِ طَالَمَا أَوْضَعْتُمْ فِي الضَّلالَةِ، وَسَلَكْتُمْ سَبِيلَ الْغُوَايَةِ، أَمَّا وَاللَّهِ لألحينكم لحي الْعُودَ، وَلأَعَصِبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلَمَةِ، وَلأَقْرَعَنَّكُمْ قَرْعَ الْمَرْوَةِ، وَلأَضْرِبَنَّكُمْ ضَرْبَ غَرَائِبِ الإِبِلِ، أَلا إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَثَلَ كِنَانَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعُجِمَ عِيدَانُهَا، فَوَجَدَنِي أَمَرَّهَا عُودًا وَأَصْلَبُهَا مَكْسَرًا، فَوَجَّهَنِي إِلَيْكُمُ، فَاسْتَقِيمُوا وَلا يَمِيلَنَّ مِنْكُمْ مَائِلٌ، وَاعْلَمُوا أَنِّي إِذَا قُلْتُ قَوْلا وَفَيْتُ بِهِ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَنْ بَعْثَ الْمُهَلَّبَ فَلْيَلْحَقْ بِهِ، فَإِنِّي لا أجد أحدا بعد ثالثة إلا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَإِيَّايَ وَهَذِهِ الزَّرَافَاتِ فَإِنِّي لا أَجِدُ أَحَدًا يَسِيرُ فِي زَرَافَةٍ إِلا سَفَكَتْ دَمَهُ، وَاسْتَحَلْلَتْ مَالَهُ. ثُمَّ نَزَلَ.
رَوَاهُ المبرد بنحوه، عن التوزي، بِإِسْنَادٍ، وَزَادَ فِيهِ: قُمْ يَا غُلامُ فَاقْرَأْ عَلَيْهِمْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ بِالْكُوفَةِ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ. فَسَكَتُوا، فَقَالَ: اكْفُفْ يَا غُلامُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عليهم فَقَالَ: يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، هَذَا أَدَبُ ابْنِ نِهْيَةَ. أَمَّا وَاللَّهِ لَأُؤَدِّبَنَّكُمْ غَيْرَ هَذَا الأَدَبِ أَوْ لَتَسْتَقِيمُنَّ. اقْرَأْ يَا غُلامُ، فَقَرَأَ قَوْلَهُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ إلا قَالَ: وَعَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ السَّلامُ.
الْعَصْلَبِيُّ: الشَّدِيدُ مِنَ الرِّجَالِ.
وَالسُّوَاقُ الْحُطَمُ: الْعَنِيفِ فِي سَوْقِهِ.
وَالوَضَمِ: كُلُّ شَيْءٍ وَقَيْتَ بِهِ اللَّحْمَ مِنَ الأَرْضِ من خوان وقرمية وغيره.
وَعَجَمْتُ الْعُودَ: إِذَا عَضَضْتُهُ بِأَسْنَانِكَ.
وَالزَّرَافَاتُ: الْجَمَاعَاتُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأَوَّلُ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْحَجَّاجِ بِالْعِرَاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ -[767]- الْجَارُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ نَدَبَهُمْ إِلَى اللِّحَاقِ بالمهلب، ثم خرج فنزل رستاق آباد وَمَعَهُ وُجُوهُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُهَلَّبِ يَوْمَانِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي زَادَكُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فِي أَعْطِيَاتِكُمْ زِيَادَةُ فَاسِقٍ مُنَافِقٍ لَسْتُ أُجِيزُهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ زِيَادَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَذَّبَهُ وَتَوَعَّدَهُ، فَخَرَجَ ابن الجارود على الحجاج، وتابعه خلق، فَقُتِلَ ابْنُ الْجَارُودِ فِي طَائِفَةٍ مَعَهُ.
وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْمُهَلَّبِ وَإِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ: أَنْ نَاهِضُوا الْخَوَارِجَ، قَالَ: فَنَاهِضُوهُمْ وَأَجْلَوْهُمْ عَنْ رَامَهُرْمُزَ، فَقَالَ الْمُهَلَّبُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُخَنْدِقَ عَلَى أَصْحَابِكَ فَافْعَلْ، وَخَنْدَقَ الْمُهَلَّبُ عَلَى نَفْسِهِ كَعَادَتِهِ، وَقَالَ أَصْحَابُ ابْنِ مِخْنَفٍ: إِنَّمَا خَنْدَقْنَا سُيُوفَنَا، فَرَجَعَ الْخَوَارِجُ لِيُبَيِّتُوا النَّاسَ، فَوَجَدُوا الْمُهَلَّبَ قَدْ أَتْقَنَ أَمْرَ أَصْحَابِهِ، فَمَالُوا نَحْوَ ابْنِ مِخْنَفٍ، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ جَيْشُهُ، وَثَبَتَ هُوَ فِي طَائِفَةٍ، فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا، فَبَعَثَ الْحَجَّاجُ بَدَلَهُ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ، وَتَأَسَّفُوا عَلَى ابْنِ مِخْنَفٍ، وَرَثَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: ثُمَّ فِي ثَالِثِ يَوْمٍ مِنْ مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ الْكُوفَةَ أَتَاهُ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ الْبُرْجُمِيُّ، وَهُوَ الْقَائِلُ:
هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ... تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ.
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَخِّرُوهُ، أَمَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ فَتَغْزُوهُ بِنَفْسِكَ، وَأمَّا الْخَوَارِجُ الأَزَارِقَةُ فَتَبْعَثْ بَدِيلا، وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ بِابْنِهِ فَقَالَ: إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَهَذَا ابْنِي مَكَانِي، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فضربت عُنُقُهُ.
وَاسْتَخْلَفَ الْحَجَّاجُ لَمَّا خَرَجَ عَلَى الْكُوفَةِ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَقَدِمَ الْبَصْرَةَ يَحُثُّ عَلَى قِتَالِ الأَزَارِقَةِ.
وَفِيهَا خَرَجَ دَاوُدُ بْنُ النُّعْمَانِ الْمَازِنِيِّ بِنَوَاحِي الْبَصْرَةِ، فَوَجَّهَ الحجاج -[768]- لِحَرْبِهِ الْحَكَمَ بْنَ أَيُّوبَ الثَّقَفِيَّ مُتَوَلِّي الْبَصْرَةِ، فَظَفِرَ بِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ شَاعِرُهُمْ:
أَلا فَاذْكُرْنَ دَاوُدَ إِذْ بَاعَ نَفْسَهُ ... وَجَادَ بِهَا يَبْغِي الْجِنَانَ الْعَوَالِيَا.
وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الصَّائِفَةَ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّومِ بِنَاحِيَةِ مَرْعَشٍ.
وَفِيهَا خَطَبَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بِمَكَّةَ لَمَّا حَجَّ، فَحَدَّثَ أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَنْ قَبْلِي مِنَ الْخُلَفَاءِ يَأْكُلُونَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَيُؤْكَلُونَ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لا أُدَاوِي أَدْوَاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلا بِالسَّيْفِ، وَلَسْتُ بِالْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضْعَفِ - يَعْنِي عُثْمَانَ - وَلا الْخَلِيفَةِ الْمُدَاهِنِ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - وَلا الْخَلِيفَةِ الْمَأْبُونِ - يَعْنِي يَزِيدَ - وَإِنَّمَا نَحْتَمِلُ لَكُمْ مَا لَمْ يَكُنْ عَقْدَ رَايَةٍ، أَوَ وثوب عَلَى مِنْبَرٍ، هَذَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ حَقَّهُ حَقَّهُ وَقَرَابَتَهُ قَرَابَتَهُ، قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، فَقُلْنَا بِسَيْفِنَا هَكَذَا، أَلا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.
وَفِيهَا ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَهَا فِي الإِسْلامِ.
وَحَجَّ فِيهَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَخَطَبَ بِالْمَوْسِمِ غَيْرَ مَرَّةً، وَكَانَ مِنَ الْبُلَغَاءِ الْعُلَمَاءِ الدُّهَاةِ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ سِيرَةَ السُّلْطَانِ تَدُورُ مَعَ النَّاسِ، فَإِنْ ذَهَبَ الْيَوْمَ من يسير بسيرة عمر، أغير عَلَى النَّاسِ فِي بُيُوتِهِمْ، وَقُطِعَتِ السُّبُلُ، وَتَظَالَمَ النَّاسُ، وَكَانَتِ الْفِتَنُ، فَلا بُدَّ لِلْوَالِي أَنْ يسير كل وقت بما يصلحه، نحن نعلم وَاللَّهِ أَنَّا لَسْنَا عِنْدَ اللَّهِ وَلا عِنْدَ النَّاسِ كَهَيْئَةِ عُمَرَ وَلا عُثْمَانَ، وَنَرْجُو خَيْرَ مَا نَحْنُ بِإِزَائِهِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَواتِ وَالْجِهَادِ وَالْقِيَامِ لِلَّهِ بِالَّذِي يُصْلِحُ دِينَهُ، وَالشِّدَّةِ عَلَى الْمُذْنِبِ، وَحسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

-سنة خمس وسبعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمسٍ وسبعين ومائتين
توفي فيها: أبو بكر المروذي الفقيه، وأحمد بْن ملاعب، والحسين بْن محمد بْن أبي معشر نجيح، وأبو دَاوُد صاحب السنن، وأبو عوف البزوريّ عَبْد الرَّحْمَن بْن مرزوق، ويحيى بن جعفر بن الزبرقان.
وفيها غزا يازمان البحر، فأخذ عدّة مراكب للروم.
وفيها حبس الموفَّق ابنه أَبَا الْعَبَّاس، فشغب أصحابه وحملوا السلاح، واضطربت بغداد. فركب الموفَّق وقَالَ: يا أصحاب ولدي أتراكم أشفق على ابني منّي؟ وقد احتجت إِلَى تأديبه. فوضعوا السلاح وتفرقوا، واطمأنوا عليه.

-سنة خمس وسبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس وسبعين وثلاثمائة
فيها هَمَّ صمصام الدولة أن يجعل المَكْسَ عَلَى الثّياب الحرير والقطن، مما يُنْسَج ببغداد ونواحيها، ودُفع له في ضمان ذلك ألف ألف درهم في السنة، فاجتمع النّاس في جامع المنصور، وعزموا على المنع من صلاة الجمعة، وكاد البلد يفتتن، فأعفاهم من ضمان ذلك.

-سنة خمس وسبعين وأربعمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس وسبعين وأربعمائة
فيها قدِم الشريف أبو القاسم البكْريّ الواعظ الأشعريّ بغداد، وكان جاء من الغرب وقصد نظام المُلْك فأحبّه ومال إليه، وبعثه إلى بغداد، فوعظ -[314]- بالنظامية، وأخذ يذكر الحنابلة ويرميهم بالتجسيم، ويثني على الإمام أحمد ويقول: {{وَمَا كَفَرَ سليمان ولكن الشياطين كفروا}}. ثمّ وقَعَ بينه وبين جماعة من الحنابلة سب وخصام، فَكَبَس دُورَ بني الفرّاء وأخذ كتابَ أبي يَعْلَى الفرّاء - رحمه الله - في إبطال التّأويل، فكان يُقرأ بين يديه وهو جالس على المنبر فيُشنِّع به، فلقّبوه عَلَم السُّنَّة، ولمّا مات دفنوه عند قبر أبي الحَسَن الأشعريّ.
وفي آخر السّنة بعث الخليفة الشّيخ أبا إسحاق الشّيرازيّ رسولًا إلى السّلطان يتضمّن الشكْوى من العميد أبي الفتح.
وفيها قدم مؤيد الملك ابن نظام المُلْك من إصبهان، ونزل بالنّظاميّة، وضُربت على بابه الطبول أوقات الصلوات الثلاث، فأعطي مالًا جزيلًا حتّى قطعها وبعث بها إلى تكريت.

-سنة خمس وسبعين وخمسمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس وسبعين وخمسمائة
أجاز لنا شيخنا أَبُو بَكْر محفوظ بْن معتوق بْن أَبِي بَكْر بْن عُمَر البغدادي بن البُزُوري التاجر قد ذيل " المنتظم " فِي عدة مجلدات ذهبت فِي أيام التتار الغازانية سنة تسع وتسعين وستمائة من خزانة كُتُبه الموقوفة بتُربته بسفْح قاسيون، ثم ظفرنا ببعضها.
فذكر فِي حوادث هذه السنة، سنة خمس وسبعين وخمسمائة، أن أَبَا الْحَسَن علي بْن حمزة بْن طلحة حاجب باب النوبي عُزِل بعميد الدين أبي طالب يحيى بن زيادة.
وفي صفر وصل إلى بغداد ثلاثة عشر نجابًا، نفذهم صلاح الدين يبشرون بكسرة الفِرَنج، فضُرِبت الطبول على باب النوبي، وخُلِع عليهم، وأخبروا أن صلاح الدين حارب الفِرنج ونُصِر عليهم وأسَرَ أعيانهم، وأسَرَ صاحب الرملة، وصاحب طبرية.
قلت: وهي وقعة مرج العيون. ومن حديثها أن صلاح الدين كان نازلًا بتل بانياس يبث سراياه، فلما استَهلَّ المحرَّم ركب فرأى راعيًا، فسأله عن الفِرَنج، فأخبر بقربهم. فعادَ إلى مخيَّمه، وأمر الجيش بالركوب، فركبوا، وسار بهم حتى أشرف على الفِرَنج وهم فِي ألف قنطارية، وعشرة آلاف مقاتل مِن فارس وراجل. فحملوا على المسلمين، فثبت لهم المسلمون، وحملوا عليهم فولوا الأدْبار، فَقُتِلَ أكثرهم، وأسِرَ منهم مائتان وسبعون أسيرًا، منهم: بادين -[473]- مقدم الداوية وأود بن القومصة، وأخو صاحب جبيل، وابن صاحب مَرقية، وصاحب طبرية.
فأما بادين بن بارزان فاستفك نفسه بمبلغ وبألف أسير من المسلمين. واستفك الآخر نفسه بجملة. ومات أود في حبس قلعة دمشق. وانهزم من الوقعة ملكهم مجروحًا.
وأبلى في هذه الوقعة عز الدين فرخشاه بلاءً حسنًا، وأتفق أنْ فِي يوم الوقعة ظفر أسطول مِصْر بَبُطْسَتَين، وأسروا ألف نفس، فلله الحمدُ على نصره.
وكان قليج أرسلان سلطان الروم طالب حصن رَعْبَان، وزعم أنه من بلادهم، وإنما أخذه منه نور الدين على خلاف مُراده، وأن ولده الصالح إسماعيل قد أنعم به عليهم. فلم يفعل السلطان، فأرسل قِليج عشرين ألفًا لحصار الحصن، فالتقاهم تقي الدين عُمَر صاحب حماة ومعه سيف الدين على المشطوب فِي ألف فارس، فهزمهم لأنه حَمَل عليهم بغتةً وهم على غير تعبئة، وضُرِبت كوساته، وعمل عسكره كراديس.
فلما سمعت الروم الضجة ظنوا أنهم قد دهمهم جيش عظيم، فركبوا خيولهم عُرْيًا، وطلبوا النَّجاة وتركوا الخيام بما فِيهَا، فأسر منهم عددًا، ثم مَنَّ عليهم بأموالهم وسرَّحهم. ولم يزل تقي الدين يدل بهذه النصرة، ولا ريب أنها عظيمة.
وورد بغداد رسولُ صلاح الدين، وهو مبارز الدين كشطغاي، وجلس لَهُ ظهير الدين أَبُو بكر ابن العطار، وبين يديه أرباب الدولة، فجاؤوا بين يديه اثنا عشر أسيرًا عليهم الخوذ والزرَديات. ومع كلّ واحدٍ قنطارية، وعلى كتِفِه طارقة منها طارقة ملك الفِرَنج، وعلى القنْطاريات سُعَف الفِرنج.
وبين يديه أَيْضًا من التُحَف والنفائس، من ذلك صنم حجر طوله ذراعان، فِيهِ صناعة عجيبة، قد جعل سبابته على شفته كالمتبسم عجبًا. ومن ذلك صينية ملأي جواهر. وضلْعُ آدمي نحو سبعة أشبار فِي عرض أربع أصابع، وضلْع سمكة طوله عشرة أذرع في عرض ذراعين.
وفِيهَا رتب حاجب الحُجاب أَبُو الفتح مُحَمَّد ابن الداريج، وكان من حجاب المناطق.
وفِيهَا قدِم رسولُ صلاح الدين، وهو القاضي أبو الفضائل القاسم ابن الشهرزوري، وبين يديه عشرة من أسرى الفِرَنج، وقدم جواهر مثمنة. -[474]-
وفيها عُزل عَن نقابة النقباء أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد ابن الزوال بأبي الهيجا نصر بْن عدنَان الزينبي.
وفي شوال مرض الخليفة وأرجف بموته، وهاش الغوغاء ببغداد. ووقع نهب، وركب العسكر لتسكينهم، فتفاقم الشرّ، وأتسَع الخَرْق، وركبت الأمراء بالسلاح. وصُلِب جماعةٌ من المؤذين على الدكاكين. وكانت العامة قد تسوروا على دار الخلافة، ورموا بالنشاب فوقعت نشابةٌ فِي فرس النائب ومعه جماعة، فتأخروا من مكانهم.
وفيه وُقعَ للأمير أَبِي الْعَبَّاس أَحْمَد بولاية العهد. وقال الوزير لمن حَضَرَ من الدولة: اليوم الجمعة، وَلَا بُد من إقامة الدعوة والجهة بنفشا، يعني امْرَأَة الخليفة قد بالغت فِي كتم مرض أمير المؤمنين، وَلَا سبيل إلى ذلك إلَّا بتيقُن الأمر؛ فإنْ كان حيًا جرت الخطبة على العادة، وإنْ كان قد تُوفيَ خَطَبنا لولده حيث وقع لَهُ بولاية العهد.
ثم عيّن الشيخ أبو الفضل مسعود ابن النادر ليحضر بين يدي الخليفة، فدخل صُحبة سعد الشرابي، وقبل الأرض وقال: المملوك الوكيل، يشير بقوله إلى ظهير الدين ابن العطار، يُنهي أنه وقع بالخُطْبة للأمير أَحْمَد بولاية العهد، وما وسع المملوك إمضاء ذلك بدون مشافهة. فقال المستضيء: يمضي ما كُنَّا وقعنا به. فقبلَ الأرض. وعاد فأخبر الوزير ظهير الدين، فسجد شكرا لله تعالى على عافيته، وخطب بولاية العهد لأبي الْعَبَّاس، ونُثِرت الدنانير فِي الجوامع عند ذكره.
وفي شوال ملك عَبْد الوهاب بْن أَحْمَد الكردي قلعة الماهكي، وعمل سلالم موصولة، ونصبها عليها فِي ليلةٍ ذات مطر ورعد، فشعر الحارس، فذهب وعرف المقدم كمشتِكِين، فقام بيده طَبَر، وبين يديه المِشْعَل، فوثبوا عَلَيْهِ فقتلوه، وقتلوا الحارس، ونادوا بشعار عَبْد الوهاب.
وفي سلخ شوّال مات الخليفة. وبويع ابنه أَحْمَد، ولقبوه الناصر لدين اللَّه، فجلس للمبايعة فِي القُبة. فبدأ أخوه وبنو عمّه وأقاربه، ثم دخل الأعيان، فبايعه الأستاذدار مجد الدين هبة اللَّه ابْن الصاحب، ثم شَيْخ الشيوخ، ثم فخر الدولة أَبُو المظفَّر بْن المطلب، ثم قاضي القُضاة علي ابْن الدامغانيّ، وصاحب -[475]- ديوان الإنشاء أَبُو الفَرَج مُحَمَّد ابن الأنباري، والحاجب أبو طالب يحيى بن زبادة.
ثم طلب الوزير ظهير الدين ابن العطار، وكان مريضًا، فأركب على فرس، ثم تعضّده جماعة، وأدخل فصعد وبايع، ووقف على يمين الشُباك الَّذِي فِيهِ الخليفة، فعجز عَن القيام. فأدخل إلى التاج، ثم راح إلى داره. وبايع مِنَ الغَد من بقي من العلماء والأكابر.
وتقدّم بعزْل النقيب أَبِي الهيجا، وبإعادة ابْن الزوال، وتَوَجَّهت الرُسُل إلى النواحي بإقامة الدعوة الناصرية.
وفي اليوم الخامس مِن البَيعة تقدم إلى عماد الدين صَنْدل المُقْتَفَوي، وسعد الدولة نَظَر المستنجدي الحَبَشي بالمُضِي إلى دار ابْن العطار في عدّة من المماليك للقبض عليه، فجاؤوا ودخلوا عَلَيْهِ من غير إذْن، وقبضوا عَلَيْهِ من الحريم. وترسّم بداره أستاذدار، فنهبت العامّة فيها، وعجز الأستاذدار.
وفي سادس ذي القعدة خُلِع على طاشتِكِين خِلْعة إمرة الحاج، وتوجه إلى الحج، وتقدمه خروج الرّكب.
وقُيد ابْن العطار، وسُحِب وسُجِن فِي مطبق، فهلك بعد ثلاثٍ. وحُمِل إلى دار أخته، فغُسَّل وكُفّن، وأخرج بسَحَر فِي تابوت، ومعه عدةٌ يحفظونه. فعرفت العامة به عند سوق الثلاثاء، فسبّوه وهمّوا برجمه، فدافعهم الأعْوان، فكثُرت الغَوغَاء، وأجمعوا على رجْمه، وشرعوا.
فخاف الحمالون من الرجْم، فوضعوه عَن رؤوسهم وهربوا. فأخرج من التابوت وسُحِب، فتعرى من أكفانه، وبدت عَوْرته، وجعلوا يصيحون بين يديه: بسم اللَّه، كما يفعل الحُجاب. وطافوا به المحال والأسواق مسلوبًا مهتوكًا، نَسأل اللَّه السَّتْر والعافية.
قال ابن البزوريّ: وحكى التيميّ قَالَ: كنت بحضرته وقد ورد عَلَيْهِ -[476]- شَيْخ يلوح عَلَيْهِ الخير، فجعل يَعظُه بكلام لطيف، ونهاه عَن محرَّمات، فقال: أخْرِجوه الكلْب سحبا. وكرّره مِرارًا.
وقال الموفق عَبْد اللطيف: صحَّ عندي بعد سِنين كثيرة أن ابْن العطار هُوَ الَّذِي دس الحشيشية على الوزير عضُد الدين حتى قتلوه. وُليَ المخزن، وسكن فِي دار قطب الدين قيماز الذي هلك بنواحي الرحبة، وأخذ يجيب على الوزير، وانتصب لعداوته.
قال ابْن البُزُوري: ثم فِي آخر النهار خلَّص مماليك الحاجب ابْن العطار من باب الأزَج بعد تغيُر حاله وتجرُد لحمه عَن عظْمه، فحُمِل على نَعْشٍ مكشوف، فوارَتهُ امرأةٌ بإزار خليع. ثم دفن.
وكان الوباء والغلاء والمرض شديدًا ببغداد، وكَر القمح بمائة وعشرين دينارًا.
وفي سلْخ الشهر خُلِع على جميع الدولة، وأرسِلت الخِلَع إلى ملوك الأطراف، وركبوا بالخِلَع فِي مُستَهَل ذي الحجة، وجلس الناصر لدين الله للهناء. فدخل إلى بين يدي سُدته أستاذ الدار مجد الدين ابْن الصاحب، وتلاه نائب الوزارة شرف الدين سليمان بن ساروس، فقبلا الأرض.
ثم خرج نائب الوزارة فركب، وخُلِع على ابْن الصاحب قميصٌ أطْلَس أسود، وفرجية نسيج، وعِمامة كُحِلية بعراقي، وقُلد سيفًا مُحَلى بالذهَب. وركب فرسًا بمركب ذهب، وكنْبُوش إبريسم، وسيف ركاب، وضُرِبت الطُبُول على بابه.
وجاءت ببلاد الجبل زلزلة عظيمة سقطت قِلاع كثيرة، وهلك خلق.

-سنة خمس وسبعين وستمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس وسبعين وستمائة
فِي أوّلها دخل السّلطان دمشق من الكرك، فبعث بدر الدّين الأتابكيّ فِي ألفٍ إِلَى الروم، فوصلوا إِلَى البُلُسْتَيْن، فصادفوا بها جماعة من عسكر الروم، فبعثوا إِلَى بدْر الدّين بإقامات وخدموه وسألوه أن يقتل التّتر الّذين بالُبلُسْتَيْن، ويصيروا معه إِلَى السّلطان، فأخذهم معه، ووافوا السّلطان على حارم، فأكرم مَوْردهم، ثُمَّ بعث الأمير حسام الدّين بيجار إِلَى مصر، فخرج الملك السعيد لتلقَّيه، ثُمَّ قدِم على السّلطان ضياءُ الدّين ابن الخطير، ورجع السّلطان إلى مصر بعد ذلك.
وحضر إِلَى الرّوم طائفةٌ كبيرة من المغول، وقتلوا شرف الدّين ابن الخطير، وبعثوا برأسه إِلَى قُونية، وقُتِل معه جماعةٌ من الأمراء والتُّركُمان؛ وذلك لأنّ ابن الخطير شرع يفرّق العساكر وأذِن لهم فِي نهْب مَن يجدونه من التّتار وقتلهم.
وانحاز الأمير مُحَمَّد بْن قرمان وإخوتُه وأصحابه التُّركُمان إِلَى سواحل الرّوم وأغاروا على التتار، وكاتب الملك الظاهر. فطلب الملك غياث -[203]-
الدّين صاحب الروم وابن البرواناه الأمير شرف الدّين ابن الخطير، فقِدم عليهما، فجمعوا من حواليهم من المغول، فخرج تاج الدّين كيوي إِلَى ابن الخطير وعنّفه ابن الخطير وأمر به فقُتِل وقُتِل معه سِنَان الدّين والي قُونية، ثُمَّ نِدم وخاف من البَرَوَاناه، فأتى إِلَى باب الملك غياث الدّين فِي يوم الجمعة ثالث عشر صفر فِي أُهْبة وطائفة. وتخبّط البلد ولم يُصلّوا جُمُعه. ثُمَّ نودي فِي البلد بشِعار الملك الظاهر وراسلوا الملك الظاهر يستوثقون منه باليمين لأنفسهم ولغياث الدّين، فاستأذنهم ابن البَرَوَاناه فِي أن يدخل قيصريّة ويحمل حواصله ويخرج إليهم ودخل وحمل حُرمَهَ وأمواله وخرج ليلًا وسار إِلَى دوقات. فَلَمَّا تحقّق شرف الدّين ابن الخطير مسيرَه إِلَى دوقات بعث أخاه ضياء الدّين وسيف الدّين طرمطاي وولده سِنَان الدّين فِي جماعة نحو الخمسين إِلَى الملك الظاهر يحثه على المجيء، فوافوه على حمص وحرّضوه فقال: أنتم استعجلتم فِي المنابذة وأنا وعدت معينَ الدّين البَرَوَاناه قبل توجُّهه إِلَى الأردو أنّي أطأ البلاد فِي آخر هَذِهِ السّنة. وأنا الآن فعساكري بمصر. وأمّا ذهاب مهذب الدّين ابن البَرَوَاناه إِلَى دوقات فنِعمْ ما فعل. ثُمَّ أكرمهم. فقال ضياء الدّين: يا خَوَنْد مَتَى لم تقصد البلاد الآن لم نأمَنْ على أخي أن يُقتل هُوَ والأمراء الّذين حلفوا لمولانا السّلطان وإنْ كان ولا بُدّ فتبعث عسكرًا يكونون رِدْءًا له. فقال: المصلحة أنْ ترجعوا إِلَى بلادكم وتحصّنوها وتحتموا بالقِلاع إِلَى أنْ أمضي إلى مصر ونربع الخيل ونعود.
ثم جهز الأمير سيف الدّين بَلَبان الزَّيْنيّ إِلَى الروم ليُحضر من خُلّف بها من الأمراء والملك غياث الدين، فلما كان بالطريق جاءه الخبر بعَوْد البَرَوَاناه إِلَى الروم فِي خدمة منكوتمر وإخوته فِي ثلاثين ألفًا، فردّ.
وأمّا شرف الدّين ابن الخطير فعزم على حرب منكوتمر، فسفّه الأمراءُ رأيَه وقالوا: كيف نلتقيه ونحن فِي أربعة آلاف؟ فعلم أنّه مقتول، فقصد قلعة لؤلؤة ليحتمي بها، فَمَا مكَّنَه واليها من دخولها إلّا وحده ومعه مملوك، فَلَمَّا دخل قبض عليه وبعث به إِلَى البَرَوَاناه، فَلَمَّا دخل عليه شَتَمَه وبَصَق فِي وجهه ورسّم عليه. ولما قدِمَ البَرَوَاناه جلس هو والتوامين: تتاون -[204]-
وكريه وتقو، مجلسًا عامًّا وأحضروا الملك غياث الدّين وأمراءه، فقالوا: ما حملك على ما فعلت من خلْع أبْغا ومَيْلك إِلَى صاحب مصر؟ فقال: أنا صبيّ وما علِمتُ المصلحة. ورأيت الأمراء قد فعلوا شيئًا، فخفْتُ إنْ خالفتهم أن يمسكوني، فقام البرواناه إلى الطواشي شجاع الدين قانبا لالا السّلطان فذبحه بيده. ثُمَّ إنّ الأمراء اعتذروا بأن ابن الخطير هُوَ الَّذِي فعل هَذَا كلّه وخفنا أن يفعل بنا كما فعل بتاج الدّين كيوي. فسألوا شرف الدّين ابن الخطير فقال للبرواناه: أنت حرّضتني على ذلك وأنت كاتبت صاحب مصر وفعلت وفعلت. فأنكر البَرَوَاناه ذلك. وكتب المقدَّمون بصورة ما جرى إِلَى أَبْغا ثُمَّ أمروا بضرب ابن الخطير بالسِّياط ويقرّروه بمن كان معه، فأقرّ على نور الدين ابن جيجا وسيف الدين قلاوز وعَلَم الدّين سنْجر الْجَمْدار، وغيرهم. فَلَمَّا تَحقّقّ البَرَوَاناه أنّه يقتل بإقرار ابن الخطير عليه، أوحى إليه يقول: مَتَى قتلوني لم يُبْقوك بعدي، فاعملْ على خلاصي وخلاصك بحيث أنّك تصرّ على الأنكار واعتذر بأنّ اعترافك كان من ألم الضَّرْب.
ثُمَّ جاء الجواب بقتل ابن الخطير، فقُتل فِي جُمَادَى الأولى وبُعِث برأسه إِلَى قُونية وبإحدى يديه إِلَى أنكورية وبالأخرى إِلَى أرزنكان. وقتلوا معه سيف الدّين قلاوز، والجمدار وجماعة كبيرة. وأثبتوا ذنبا على طرمطاي، ففدى نفسه بأربعمائة ألف درهم وبمائتي فرس وعلى أن يقيم بألف من المغل في الشتاء.
وفيها قتل مرخسيا النّصرانيّ القِسّيس، لا رحِم اللّه فِيهِ عُضْوا وكان واصلًا عند أبغا، متمكنًا منه وله عليه دالّةٌ زائدة. وكان يُغريه بأذِيّة المسلمين. قتله مُعين الدّين محمود والي أرْزَنْكان بأمر البَرَوَاناه وقتل نيِّفًا وثلاثين نفسًا معه من أهله وأتباعه، فالحمد لله.
وفيها تواقع أَبُو نُميّ صاحب مكّة وجمّاز صاحب المدينة، فالتقوا على مَرّ الظَّهْران وسببها أنّ إدريس بْن حسن بْن قَتَادَة صاحب اليَنْبُع وهو ابن عم أبي نُمَيّ اتفق هو وجماز على أبي نمي وسارا لقصده، فخرج وكسرهما وأسر إدريس وهرب جماز. -[205]-
وَفِي شوّال قدِم السّلطان دمشق ودخل حلب فِي أول ذي القعدة. وسار ابن مجلّي بعسكر حلب فنزل على الفرات وسار السّلطان بالجيوش فقطع الدَّرْبَنْد الرومي ووقع سُنْقُر الأشقر بثلاثة آلاف من التّتار، فالتقاهم فكسرهم وأسر منهم وصعِد العسكر الْجِبَال وأشرفوا على صحراء البُلُسْتَيْن، فشاهدوا التّتار، قد رتّبوا عسكرهم أحد عشر طُلُبًا، الطُّلُب ألف ومقدَّم الكُلّ النوين تتاون وعزلوا عَنْهُمْ عسكر الروم خوفًا من مخامرتهم، فَلَمَّا التقى الجمعان حملت ميسرة التّتار فصدمت سناجق السّلطان ودخلت طائفةٌ منهم وحملوا على الميمنة، فَلَمَّا رَأَى ذلك السّلطان ردَفهم بنفسه وخاصكيّته، ثُمَّ رَأَى ميسرَته قد اضطّربت، فردَفَها بطائفة، ثُمَّ حمل بالجيش حملة واحدة عليّ التّتار، فترجّلوا وقاتلوا أشدّ قتال وقتل منهم مقتلة عظيمة وانهزم الباقون فِي الجبال والوعر، فأحاطت بهم العساكر المنصورة، فقاتلوا حَتَّى قُتِلَ أكثرهم وقتل من المسلمين جماعة، منهم الأمراء: ضياء الدّين ابن الخطير وشرف الدّين قيران العلّانيّ وعزّ الدّين أخو المحمديّ وسيف الدّين قلنجق الشّشنْكِير وعزّ الدّين أَيْبَك الشَّقِيفيّ وأُسِر خلقٌ من التّتار، فمنهم على ما ذكر المؤيَّدُ: سيف الدّين سلّار وسيف الدّين قبجق، وسنذكر من أخبارهما ونجا البَرَواناه وساق إِلَى قيصريّة وذلك فِي ذي القعدة. واجتمع بصاحب الروم غياث الدّين وأعيان الدولة وأخبرهم بكسرة التّتار، فاجتمع رأيهم على الانتقال إِلَى دوقات خوفا من مرور التتار بهم وأذيتهم.
وأمّا السّلطان فبعث سُنْقُرَ الأشقر إِلَى قيصرية بأمان أهلها وإخراج السُّوقيّة، ثُمَّ رحل السّلطان، عَزّ نصرُه، إِلَى قيصريّة، فمر بقلاع ونزل ولاتها إلى خدمته ودخلوا في الطاعة وقدِم قيصريّة وطلع الأعيان والأمراء والكبار والفضلاء على طبقاتهم وتلقوه وفرح به المسلمون وكان يومًا مشهودًا. وركب يوم الجمعة للصلاة، فدخل إِلَى مدينة قيصرية ونزل بدار السلطنة وجلس على سرير المملكة وجلس بين يديه القضاة والعلماء على -[206]-
قاعدة مملكة الروم ومدّوا سِماطًا عظيمًا وخطبوا له وضُرِبت السكة باسمه، ثُمَّ بلغ السّلطان أن البَرَوَاناه كتب إِلَى أبغا يحرّضه على إدراك السّلطان الملك الظاهر بالرّوم. وبلغه أيضًا الغلاء الَّذِي بالبلد، فرحل عَنْهُ إِلَى الشّام.
وممّن أسر المسلمون فِي وقعة البُلُسْتَين من الكبار: مهذب الدين ابن البرواناه، وابن أُخته والأمير نور الدّين جبريل والأمير قُطْب الدّين محمود والأمير سِراج الدّين إِسْمَاعِيل بْن جاجا والأمير سيف الدّين سُنْقُر شاه الزُّوباشيّ ونُصْرة الدّين بَهْمَن وكمال الدّين إسماعيل عارض الجيش وحسام الدين كياوك والأمير سيف الدّين الجاويش وشهاب الدّين غازي التُّركُمانيّ ومن أمراء التّتار: زيِرك صهر أبْغا، وسرطق، وجركر، وتماديه وسركدة.
وأمّا صاحب الروم فتحول إِلَى دوقات وهي حصينة، على أربعة أيام من قيصرية ورجع الملك الظاهر على المعركة، فسأل عن عدّة القتلى كم بلغت؟ فقيل: إن عدة القتلى المغل ستة آلاف وسبعمائة وسبعون نفسًا. وتعِب الجيش وقاسوا مشقَّةً عظيمة وكان على يَزَك الجيش عزّ الدّين أَيْبك الشَّيْخيّ، وكان قد ضربه السّلطان بسبب تقدُّمه، فتسحّب إِلَى التّتار.
وجاء إِلَى السّلطان رسول البرواناه يستوقفه عن الحركة، فكان جوابه: إنّا قد عرفنا طُرُق الروم وبلاده، وما كان جلوسنا على تخت المُلْك رغبةً فِيهِ إلّا لنُعْلِمَكُمْ أنّه لا عائق لنا عن شيءٍ نريده بحول اللّه وقوته، ثُمَّ قطع السّلطان الدَّربَنْد وعبر النهر الأزرق وقدم الشام في آخر العام.
ولما بلغ شمس الدّين ابن قرمان وقعةُ البُلُسْتَيْن جمع وحشد وقصد أقْصرا ونازلها، ثُمَّ قصد قُونية ومعه ثلاثة آلاف فارس فنازلها ورفع السّناجق الظاهريّة وأحرق بابها ودخلها يوم عَرَفَه، فنهب دُور الأمراء والنّائب، ثُمَّ ظفر بنائبها، فعذّبه وقتله وعلّق رأسه. وأقام بقُونية سبعة وثلاثين يوما.
وأمّا الملك أبغا فإنّه أسرع إِلَى الروم فوافى البلستين على أثر رجوع الملك الظاهر، فشاهد القتلى وبكى وأنكر على البرواناه كوْنه لم يعرفه بجَلِية الأمر، فقال: لم أعرف. فلم يقبل قوله وحنق عليه وبعث أكثر جيشه إِلَى جهة الشّام وكان معه أيْبك الشَّيْخيّ، فقال له: أرني مكان ميمنتكم -[207]-
وميسرتكم، فأراه، فقال: ما هَذَا عسكرٌ يكفيه هَذِهِ الثّلاثون ألفًا التي معي. ثُمَّ بعث يجمع العساكر. وكان قد هلك لهم خيلٌ كثيرة. ثُمَّ عطف، لعنه اللّه، على قيصرية فخرج إليه القضاة والعلماء وقال: كم للملك الظاهر عنكم؟ قَالُوا: خمسة وعشرون يومًا. وعزم على قتْل أَهْل قيصريّة فلاطَفُوه وقالوا: هَؤُلَاء رعيّة لا طاقة لهم بدفع جيش، فلم يقبل هَذَا العُذر وقتل جماعةً من الأعيان صبْرًا. ثُمَّ أمر عسكره بالقتل والنَّهْب فِي البلد.
قَالَ قُطْبُ الدّين فِي "تاريخه": فيقال إنّه قُتِلَ من الرّعية ما يزيد على مائتي ألف، وقيل خمسمائة ألف من قيصريّة إِلَى أرزن الروم. وممّن قُتِلَ: القاضي جلال الدّين حبيب. فَمَا قوّم دخول السّلطان وحُكمه على الروم أسبوعًا بما جرى على أهلها. فلا قوة إلا بالله.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت