تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَهُبَيْرَةُ بْنُ يَرِيمَ، وَأَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ الْفَزَارِيُّ. وَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ ذِي الْكَلَاعِ، وَحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ السَّكُونِيُّ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قُتِلُوا فِي أَوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ. وَفِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ عَزَلَ ابْنُ الزبير عن الكوفة أميريها وَأَرْسَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ، فَخَرَجَ مِنَ السِّجْنِ الْمُخْتَارُ، وَقَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ مِنَ الشِّيعَةِ، وَقَوِيَتْ بَلِيَّتُهُ، وَضَعُفَ ابْنُ مُطِيعٍ مَعَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَوَثَّبَ بِالْكُوفَةِ، فَنَاوَشَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْقِتَالَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ قَيْسٍ، وَغَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ، وَهَرَبَ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَجَعَلَ يتتبع قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ، وَقَتَلَ عُمَرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَشِمْرَ بْنَ ذِي الْجَوْشَنِ الضَّبَابِيَّ وَجَمَاعَةً، وَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ، فَلِهَذَا قِيلَ لَهُ: الْمُخْتَارُ الْكَذَّابُ، كَمَا قَالُوا: مُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابَ. وَلَمَّا قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ فِي هَذَا الْعَامِ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ يَحِطُّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، وَيَقُولُ: رَأَيْتُهُ مداهنا لبني أُمَيَّةَ، فَلَمْ يَسَعْنِي أَنْ أَقِرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، فَصَدَّقَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِوِلَايَةِ الْكُوفَةِ، فَكَفَاهُ جَيْشُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَأَخْرَجَ مِنْ عِنْدِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ، وَقَدْ جَهَّزَهُ لِحَرْبِ ابْنِ زِيَادٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَشَيَّعَهُ الْمُخْتَارُ إِلَى دَيْرِ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ، وَاسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ أَصْحَابَ -[606]- الْمُخْتَارِ قَدْ حَمَلُوا الْكُرْسِيَّ الَّذِي قَالَ لَهُمُ الْمُخْتَارُ: هَذَا فِيهِ سِرٌّ، وَإِنَّهُ آيَةٌ لَكُمْ كَمَا كَانَ التَّابُوتُ آيَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: وَهُمْ يَدْعُونَ حَوْلَ الْكُرْسِيِّ وَيَحُفُّونَ بِهِ، فَغَضِبَ ابْنُ الْأَشْتَرِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فعل السفهاء منا، سنة بني إسرائيل إذ عكفوا على العجل. وَافْتَعَلَ الْمُخْتَارُ كِتَابًا عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ يَأْمُرُهُ فيه بِنَصْرِ الشِّيعَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُ الْأَشْرَافِ إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ انْتَصَرَ لَنَا بمن شاء، فتوثب إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ، وَكَانَ بَعِيدُ الصَّوْتِ كَثِيرُ العشيرة، فخرج بالليل وَقَتَلَ إِيَاسَ بْنَ مُضَارِبٍ أَمِيرَ الشُّرْطَةِ، وَدَخَلَ عَلَى الْمُخْتَارِ فَأَخْبَرَهُ، فَفَرِحَ وَنَادَى أَصْحَابَهُ فِي الليل بشعارهم، واجتمعوا فعسكر الْمُخْتَارِ بِدِيرِ هِنْدٍ، وَخَرَجَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ فَنَادَى: يَا ثَارَاتِ الْحُسَيْنِ، أَلَا إِنَّ أَمِيرَ آلِ مُحَمَّدٍ قَدْ خَرَجَ. ثُمَّ الْتَقَى الْفَرِيقَانِ مِنَ الْغَدِ، فَاسْتَظْهَرَ الْمُخْتَارُ، ثُمَّ اخْتَفَى ابْنُ مُطِيعٍ، وَأَخَذَ الْمُخْتَارُ يَعْدِلُ وَيُحْسِنُ السِّيرَةَ، وَبَعَثَ فِي السِّرِّ إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ - وَكَانَ صَدِيقُهُ قَبْلَ ذَلِكَ - وَقَالَ: تَجَهَّزْ بِهَذِهِ وَاخْرُجْ، فَقَدْ شَعَرْتُ أَيْنَ أَنْتَ، وَوَجَدَ الْمُخْتَارُ في بيت المال سبعة آلاف ألف، فأنفق في جنده وقواهم. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بن طلحة: حدثني معبد بن خالد قال: حَدَّثَنِي طُفَيْلُ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِجَارٍ لِي زَيَّاتٍ كُرْسِيٌّ، وَكُنْتُ قَدِ احْتَجْتُ، فَقُلْتُ لِلْمُخْتَارِ: إِنِّي كُنْتُ أَكْتُمُكَ شَيْئًا، وَقَدْ بَدَا لِي أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ: وَمَا هو؟ قلت: كرسي كان لأبي يَجْلِسُ عَلَيْهِ، كَانَ يَرَى أَنَّ فِيهِ أَثَرَةً مِنْ عِلْمٍ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَخَّرْتَهُ إِلَى الْيَوْمِ! قَالَ: وكَانَ رَكِبَهُ وَسَخٌ شَدِيدٌ، فَغُسِلَ وَخَرَجَ عَوَّادًا نَضَّارًا، فَجِيءَ بِهِ وَقَدْ غُشِيَ، فَأَمَرَ لِي بِاثْنَى عَشَرَ أَلْفًا، ثُمَّ دَعَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ أَمْرٌ إِلَّا وَهُوَ كَائِنٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّابُوتُ، وَإِنَّ فِينَا مِثْلَ التَّابُوتِ، اكشفوا عن هذا، فكشفوا الأثواب، وقامت السبئية فرفعوا أيديهم، فقام شبث من رِبْعِيٍّ يُنْكِرُ، فَضُرِبَ. فَلَمَّا قُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بن زياد وجنده الْمَقْتَلَة الْآتِيَةَ ازْدَادَ أَصْحَابُهُ بِهِ فِتْنَةً، -[607]- وَتَغَالُوا فِيهِ حَتَّى تَعَاطُوا الْكُفْرَ، فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ، وَنَدِمْتُ عَلَى مَا صَنَعْتُ، فَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَغُيِّبَ، قَالَ مَعْبَدٌ: فَلَمْ أَرَهُ بَعْدُ. قَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ جَرِيرٍ: وَوَجَّهَ الْمُخْتَارُ فِي ذِي الْحِجَّةِ ابْنَ الْأَشْتَرِ لِقِتَالِ ابْنِ زياد، وذلك بعد فراغ الْمُخْتَارِ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ السَّبِيعِ وَأَهْلِ الْكُنَاسَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى الْمُخْتَارِ وَأَبْغَضُوهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَوْصَى ابْنَ الْأَشْتَرِ وَقَالَ: هَذَا الْكُرْسِيُّ لَكُمْ آيَةٌ، فَحَمَلُوهُ عَلَى بَغْلٍ أَشْهَبَ، وَجَعَلُوا يَدْعُونَ حَوْلَهُ ويَضَجُّونَ، وَيَسْتَنْصِرُونَ بِهِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا اصْطَلَمَ أَهْلُ الشَّامِ ازْدَادَ شِيعَةُ الْمُخْتَارِ بِالْكُرْسِيِّ فِتْنَةً، فَلَمَّا رَآهُمْ كَذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ تَأَلَّمَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، سُنَّةُ بَنِي إسرائيل إذ عَكَفُوا عَلَى العِجْلِ. وَكَانَ الْمُخْتَارِ يَرْبِطُ أَصْحَابَهُ بِالْمُحَالِ وَالْكَذِبِ، وَيَتَأَلَّفُهُمْ بِمَا أَمْكَنَ، وَيَتَأَلَّفُ الشِّيعَةُ بِقَتْلِ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي مَعَ الْمُخْتَارِ مِنَ الْكُوفَةِ، فَقَالَ لَنَا: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ شُرْطَةَ اللَّهِ قَدْ حَسُوهُمْ بِالسُّيُوفِ بِنَصِيبِينَ أَوْ بِقُرْبِ نَصِيبِينَ، فَدَخَلْنَا الْمَدَائِنَ، فوالله إنه ليخطبنا إذ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى بِالنَّصْرِ، فَقَالَ: أَلَمْ أُبَشِّرْكُمْ بِهَذَا؟ قَالُوا: بَلَى وَاللَّهِ. قَالَ: يَقُولُ لِي رَجُلٌ هَمْدَانِيٌّ مِنَ الْفُرْسَانِ: أَتُؤْمِنُ الْآنَ يَا شَعْبِيُّ؟ قُلْتُ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِأَنَّ الْمُخْتَارَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ، أَلَمْ يَقُلْ: إِنَّهُمُ انْهَزَمُوا؟ قُلْتُ: إِنَّمَا زَعَمَ أَنَّهُمْ هُزِمُوا بِنَصِيبِينَ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِالْخَازَرِ مِنَ الْمَوْصِلِ، فَقَالَ لِي: وَاللَّهِ لَا تُؤْمِنُ حَتَّى تَرَى الْعَذَابَ الْأَلِيمَ يَا شَعْبِيَّ. وَرُوِيَ أَنَّ أَحَدَ عُمُومَةِ الْأَعْشَى كَانَ يَأْتِي مَجْلِسَ أصحابه، فيقول: قَدْ وُضِعَ الْيَوْمَ وَحيُ مَا سَمِعَ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا يَكُونُ مِنْ شَيْءٍ. وَعَنْ مُوسَى بْنِ عَامِرٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يضع لَهُمْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَوْفٍ وَيَقُولُ: إن المختار أمرني به، ويتبرأ منها الْمُخْتَارُ. وَفِي الْمُخْتَارِ يَقُولُ سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْبَارِقِيُّ الْأَزْدِيُّ: كَفَرْتُ بِوَحْيِكُمُ وَجَعَلْتُ نَذْرًا ... عَلَيَّ هِجَاكُمْ حَتَّى الْمَمَاتِ -[608]- أري عيني ما لم ترياه ... كِلَانَا عَالِمٌ بِالتُرَّهَاتِ وَفِيهَا وَقَعَ بِمِصْرَ طَاعُونٌ هَلَكَ فِيهِ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِهَا. وَفِيهَا ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ بِمِصْرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَهَا فِي الْإِسْلَامِ. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ الْتَقَى عَسْكَرُ الْمُخْتَارِ - وَكَانُوا ثَلَاثَةُ آلَافٍ - وعسكر ابن زياد، فقتل قائد أَصْحَابُ ابْنِ زِيَادٍ، وَاتَّفَقَ أَنَّ قَائِدَ عَسْكَرِ الْمُخْتَارِ كَانَ مَرِيضًا فَمَاتَ مِنَ الْغَدِ، فَانْكَسَرَ بِمَوْتِهِ أَصْحَابِهِ وَتَحَيَّزُوا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُرِّيُّ، وَخُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ السَّدُوسِيُّ، وَصَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّمِينُ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرِّفَاعِيُّ الأَصَمُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ الْبَاهِلِيُّ الْبَصْرِيَّانِ، وَعُفَيْرُ بْنُ مَعْدَانَ الْحِمْصِيُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ نَافِعٍ الْمَعَافِريُّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ فِي قَوْلٍ، وَالصَّوَابُ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ، وَعَاصِمُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْفِهْرِيُّ شَيْخٌ لابْنِ وَهْبٍ، ومعقل بن عبيد اللَّهِ الْجَزَرِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ، وَفِي أَوَّلِهَا دَفَنُوا أَبَا الأَشْهَبِ الْعُطَارِدِيَّ. وَفِيهَا رَجَعَ هَارُونُ بِالْغَنَائِمِ وَبِالذَّهَبِ مِنَ الرُّومِ. -[277]- وَفِيهَا عُزِلَ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَوَلِيَهَا خَالِدُ بْنُ طَلِيقِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فَلَمْ يُحْمَدْ. وَفِيهَا غَضِبَ الْمَهْدِيُّ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ طَهْمَانَ، وَكَانَ والده كَاتِبًا لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، فَلَمَّا كَانَتْ أَيَّامُ خروج يَحْيَى بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ كَانَ دَاوُدُ يُنَاصِحُهُ سِرًّا، فَلَمَّا ظَهَرَ أَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ، وطلب بدم يحيى بن زيد وَتَتَبَّعَ قَتَلَتَهُ، كَانَ دَاوُدُ هَذَا مُطْمَئِنًّا، فَصَادَرَهُ أَبُو مُسْلِمٍ ثُمَّ أَمَّنَهُ، فَخَرَجَ أَوْلادُهُ أُدَبَاءَ فُضَلاءَ، وَلَمْ يَرَوْا لَهُمْ مَنْزِلَةً عِنْدَ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَهَلَكَ أَبُوهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا مَقَالَةَ الزَّيْدِيَّةِ، وَانْضَمُّوا إِلَى آلِ حَسَنٍ، وَتَرَجَّوْا أَنْ يَقُومَ لَهُمْ دَوْلَةٌ. وَكَانَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ يَجُولُ فِي الْبِلادِ، وَكَتَبَ أَخُوهُ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ وَقْتَ ظُهُورِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ اخْتَفَوْا مُدَّةً، ثُمَّ ظَفِرَ الْمَنْصُورُ بِهَذَيْنِ الأَخَوَيْنِ، فَحَبَسَهُمَا حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمَا الْمَهْدِيُّ، وَكَانَ مَعَهُمَا فِي الْمُطَبَّقِ إِسْحَاقُ بْنُ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ، وَكَانَا يَلْزَمَانِهِ، وَبَقِيَ الْمَهْدِيُّ مُدَّةً يَتَطَلَّبُ عِيسَى بْنَ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَدُلَّ عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ تَحَصَّلَ لَهُ حَسَنًا، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ وَعِمَامَةُ قُطْنٍ، فَفَاتَحَهُ فَوَجَدَهُ رَجُلا كَامِلا بَارِعًا، فَسَأَلَهُ عَنْ عِيسَى، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ وَعَدَهُ بِأَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَعَظَّمَهُ الْمَهْدِيُّ وَاخْتَصَّ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُ يَرْتَفِعُ لَدَيْهِ حَتَّى اسْتَوْزَرَهُ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ الأُمُورَ، وَتَمَكَّنَ فَوَلَّى الزَّيْدِيَّةَ الْمَنَاصِبَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ: بَنِي أُمَيَّةَ هُبُّوا طَالَ نَوْمُكُمُ ... إِنَّ الْخَلِيفَةَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ ضَاعَتْ خِلافَتُكُمْ يَا قَوْمِ فاطلبوا ... خليفة الله بين الدن وَالْعُودِ ثُمَّ إِنَّ مَوَالِيَ الْمَهْدِيِّ حَسَدُوا يَعْقُوبَ وَسَعَوْا بِهِ. وَمِمَّا حَظِيَ بِهِ يَعْقُوبُ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ أَنَّهُ أَحْضَرَ لَهُ الْحَسَنَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بن عبد الله، جمع بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِمَكَّةَ، وَدَخَلَ فِي الطَّاعَةِ، فَاسْتَوْحَشَ أَقَارِبُ حَسَنٍ مِنْ صَنِيعِ يَعْقُوبَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ إن كانت لَهُمْ دَوْلَةٌ لَمْ يُبْقُوهُ، وَعَلِمَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ لا يُنظِرُهُ لِكَثْرَةِ السُّعَاةِ فِي شَأْنِهِ، فَمَالَ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ، وَأَقْبَلَ يُرَبِّصُ لَهُ الأُمُورَ، وَسَعَوْا إِلَى الْمَهْدِيِّ حَتَّى قَالُوا: البلاد -[278]- فِي قَبْضَةِ يَعْقُوبَ وَأَصْحَابِهِ، إِنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِمْ فَيَثُورُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَلَى مِيعَادٍ، فَيَمْلُكُوا الدُّنْيَا، وَيُسْتَخْلَفُ إِسْحَاقُ بْنُ الْفَضْلِ، فَمَلأَ هَذَا الْقَوْلُ مَسَامِعَ الْمَهْدِيِّ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ: فَذَكَرَ لِي بَعْضُ خَدَمِ الْمَهْدِيِّ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِ الْمَهْدِيِّ، إذا دَخَلَ يَعْقُوبُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ عَرَفْتَ اضْطِرَابِ مِصْرَ، وَأَمَرْتَنِي أَنْ أَلْتَمِسَ لَهَا رَجُلا وَقَدْ أَصَبْتُهُ، قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ابن عَمُّكَ إِسْحَاقُ بْنُ الْفَضْلِ، فَتَغَيَّرَ الْمَهْدِيُّ، وَرَأَى يَعْقُوبُ تَغَيُّرَهُ، فَقَامَ وَخَرَجَ، وَأَتْبَعَهُ الْمَهْدِيُّ بَصَرَهُ ثُمَّ قَالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ، ثم رفع رأسه، وقال لِي: اكْتُمْ وَيْلَكَ هَذَا. وَقِيلَ: كَانَ يَعْقُوبُ قَدْ عَرَفَ مِنَ الْمَهْدِيِّ خُلُقَهُ وَنُهْمَتَهُ فِي النِّسَاءِ وَالْجِمَاعِ، وَكَانَ يُبَاسِطُهُ فِي ذَلِكَ، فَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ الْمَهْدِيُّ فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ فِي مَجْلِسٍ مَفْرُوشٍ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَبُسْتَانٍ فِيهِ أَنْوَاعُ الأَزْهَارِ، وَإِذَا عِنْدَهُ جَارِيَةٌ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا، فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى؟ قُلْتُ: مَتَّعَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمْ أرَ كَالْيَوْمِ، فَقَالَ: هو لك خذ الْمَجْلِسَ بِمَا فِيهِ وَالْجَارِيَةَ، فَدَعَوْتُ لَهُ ثُمَّ قَالَ: وَلِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، قُلْتُ: الأَمْرُ لَكَ، فَحَلَّفَنِي بِاللَّهِ، فَحَلَفْتُ لَهُ، فَقَالَ: ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِي وَاحْلِفْ، فَفَعَلْتُ، فَقَالَ: هَذَا فُلانٌ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهُ وَتُسْرِعُ، قُلْتُ: أَفْعَلُ، قَالَ: فَحَوَّلْتُهُ إِلَيْهِ وَحَوَّلْتُ الْجَارِيَةَ وَالْمَفَارِشَ، وَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَمَضَيْتُ بِالْجَمِيعِ، فَلِشِدَّةِ سُرُورِي بِالْجَارِيَةِ تَرَكْتُهَا عِنْدِي في المجلس، وأدخلت إلي الْعَلَوِيَّ، فَأَخْبَرَنِي بِجُمَلٍ مِنْ حَالِهِ، فَإِذَا أَلَبُّ النَّاسِ وَأَحْسَنُهُمْ إِبَانَةً، وَقَالَ لِي: وَيْحُكَ، تَلْقَى اللَّهَ غَدًا بِدَمِي، وَأَنَا ابْنُ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْتُ: فَهَلْ فِيكَ خَيْرٌ؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتَ بِي خَيْرًا شكرت ذلك عندي دعاء واستغفارا، قُلْتُ: فَأَيُّ الطَّرِيقِ تُحِبُّ؟ ثُمَّ أَعْطَيْتُهُ مَالا، وَهَيَّأْتُ مَعَهُ مَنْ يُوصِلُهُ فِي اللَّيْلِ، فَإِذَا الْجَارِيَةُ قَدْ حَفِظَتْ عَلَيَّ قَوْلِي، فَبَعَثَتْ بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَشَحَنَ تِلْكَ الطَّرِيقَ بِرِجَالٍ، فَلَمْ يلبث أن جاؤوه بِالْعَلَوِيِّ. قَالَ: فَلَمَّا طَلَعَ النَّهَارُ طَلَبَنِي الْمَهْدِيُّ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَحْضَرَ الْعَلَوِيَّ وَالْمَالَ بَعْدَ أَنْ كَانَ حَلَّفَنِي أَنَّنِي قَتَلْتُهُ، فَحَلَفْتُ، قَالَ: فأُسْقِطَ فِي يَدِي، فَقَالَ لِي: قَدْ حَلَّ دَمُكَ، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي الْمُطْبَقِ دَهْرًا، وَأُصِبْتُ بِبَصَرِي، -[279]- وَطَالَ شَعْرِي حَتَّى اسْتَرْسَلَ، قَالَ: فَإِنِّي لَكَذَلِكَ، إذا دعي بي، فَمَضَوْا بِي إِلَى مَوْضِعٍ، فَقِيلَ: سَلِّمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - وَقَدْ عَمِيتُ - فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ لِي: أَيُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا؟ قُلْتُ: الْمَهْدِيُّ، قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْمَهْدِيَّ، قُلْتُ: فَالْهَادِي، قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْهَادِي، قُلْتُ: فَالرَّشِيدُ، قَالَ: نَعَمْ، سَلْ حَاجَتَكَ، قُلْتُ: الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ، قَالَ: نَفْعَلُ، فَهَلْ غَيْرُ هَذَا؟ قُلْتُ: مَا بَقِيَ فِيَّ مُسْتَمْتَعٌ لِشَيْءٍ وَلا بَلاغَ، قَالَ: فَرَاشِدًا، فَخَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ ابْنُهُ: فَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ بِهَا حَتَّى مَاتَ. قُلْتُ: مَاتَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. وَعَنْ يَعْقُوبَ الْوَزِيرِ قَالَ: كَانَ الْمَهْدِيُّ لا يُحِبُّ النَّبِيذَ، لَكِنْ يَتَفَرَّجُ عَلَى غِلْمَانِهِ، وَهُمْ يَشْرَبُونَ، فَأَعِظُهُ فِي سَقْيِهِمُ النَّبِيذَ وَفِي الطَّرَبِ وَأَقُولُ: مَا عَلَى ذَا اسْتَوْزَرْتَنِي، أَبَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْجَامِعِ يُشْرَبُ النَّبِيذُ عندك، وتسمع السماع؟! فكان يقول: قد سمعت عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَأَقُولُ: لَيْسَ هَذَا من حسناته. وقال عبيد اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ: كَانَ أَبِي قَدْ أَلَحَّ عَلَى الْمَهْدِيِّ فِي حَسْمِهِ عَنِ السَّمَاعِ حَتَّى ضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي قَدْ ضَجِرَ مِنَ الْوَزَارَةِ وَتَابَ وَنَوَى التَّرْكَ، قَالَ: فَكُنْتُ أَقُولُ لِلْمَهْدِيِّ: وَاللَّهِ لَخَمرٌ أَشْرَبُهُ وَأَتُوبُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْوَزَارَةِ، وَإِنِّي لأَرْكَبُ إِلَيْكَ، فَأَتَمَنَّى يَدًا خَاطِئَةً تُصِيبُنِي، فَاعْفِنِي وَوَلِّ مَنْ شِئْتَ، فَإِنِّي أحب أن أسلم عليك أنا وولدي فما أتفرغ، وليتني أمور الناس، وإعطاء الجند، وليس دنياك عوضا عن آخرتي، قال: فَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ غُفْرًا، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قَلْبَهُ. وَقَالَ قَائِلٌ: فَدَعْ عَنْكَ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ جَانِبًا ... وَأَقْبِلْ عَلَى صَهْبَاءَ طَيِّبَةِ النَّشْرِ وَلَمَّا حَبَسَهُ الْمَهْدِيُّ عَزَلَ أَصْحَابَهُ، وَسَجَنَ أَهْلَ بَيْتِهِ. وَفِيهَا سَارَ مُوسَى الْهَادِي إِلَى جُرْجَانَ، وَجَعَلَ على قضاء عسكره القاضي أبا يوسف. وَفِيهَا تَحَوَّلَ الْمَهْدِيُّ إِلَى قَصْرِ السَّلامِ، وَضَرَبَ بِهَا الدَّنَانِيرَ، وَأَمَرَ فَأُقِيمَ لَهُ الْبَرِيدُ مِنَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَمِنَ الْيَمَنِ وَمَكَّةَ إِلَى الْحَضْرَةِ، بغالا -[280]- وإبلا، وهو أول ما عمل من الْبَرِيدَ إِلَى الْحِجَازِ مِنَ الْعِرَاقِ. وَفِيهَا اضْطَرَبَتْ خُرَاسَانُ عَلَى الْمُسَيَّبِ بْنِ زُهَيْرٍ، فَصَرَفَهُ الْمَهْدِيُّ بِالْفَضْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيِّ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ سِجِسْتَانَ. وفيها قدم، وضاح الشروي بعبد الله ابن الْوَزِيرِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الأَشْعَرِيِّ، وَكَانَ رُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ، فَقَتَلَهُ بِحَضْرَةِ أَبِيهِ، وَأَبَادَ الْمَهْدِيُّ الزَّنَادِقَةَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ستًّ وستّين ومائتين
فيها تُوُفيّ: إِبْرَاهِيم بْن أُورَمَة الحافظ، وصالح بْن أَحْمَد بْن حنبل بخُلْف، وهذا أصّح، ومحمد بْن شجاع الثلْجيّ الفقيه، ومحمد بْن عبد الملك الدّقيقيّ، وأبو السّاج الأمير. وفيها كتب عَمْرو بْن اللَّيْث الصّفّار إِلَى عُبَيْد الله بْن عَبْد الله بن طاهر بأن يكون نائبه على شرطة بغداد. وفيها وصلت عساكر الروم إِلَى ديار ربيعة، فقتلت جماعة من المسلمين، وهرب أهل الجزيرة والموصل. وفيها استعمل عمرو بن الليث أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف على أصبهان، واستعمل الموفّق على الحَرَمَيْن محمد بْن أبي السّاج. وفيها كَانَتْ وقعة بين الزَّنج وعسكر الخليفة، وظهرت الزَّنج، لعنهم الله. وفيها قتل أهل حمص أميرهم الكرخيّ. وفيها دعا الْحَسَن بْن محمد بْن جَعْفَر الأصغر أهل طبرستان إلى نفسه. وفيها سار أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ إلى الحسن بن زيد، فهزمه -[247]- أحمد، ثُمَّ سار الْحَسَن بْن زَيْدُ إِلَى الْحَسَن بن الأصغر، واحتال عليه حتى قتله. وفيها حارب أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ عَمْرو بن اللَّيث، وظهر على عَمْرو، ودخل نَيْسابور، وقتل جماعة ممّن كان يميل إِلَى عمرو. وفيها وثبت الأعراب على كُسْوَة الكعبة فانتهبوها، وأصاب الوفد شدّة منهم. وفيها دخلت الزَّنج رامهُرْمُز، فاستباحوها قتْلًا وَسَبْيًا، فلا قوة إلا بالله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وستين وثلاثمائة
في جمادى الأولى زُفّت بنت عزّ الدولة إلى الطائع لله. وفيها جاء أبو بكر محمد بن علي بن شَاهَوَيْه صاحب القرامطة، ومعه ألف رجل منهم إلى الكوفة، وأقام الدعوة بها لعَضُد الدولة، وأسقط خطبة عزّ الدولة، وكان قدومه معونة من القرامطة لعَضُد الدولة. وفيها كانت وقعة بين عز الدولة وعضد الدولة، أسر فيها غلام تركي لعزّ الدولة، فجنّ عليه واشتدّ حُزْنُه، وتسلّى عن كل شيء إلّا عنه، وامتنع من الأكل، وأخذ في البكاء، واحتجب عن الناس، وحرّم على نفسه الجلوس في الدّسّت، وكتب إلى عَضُد الدولة يسأله رد الغلام إليه، ويتذلّل، فصار ضحكة بين الناس، وعوتب فما ارْعَوَى، وبذل في فداء الغلام جاريتين عوديّتين، كان قد بذل له في الواحدة مائة ألف، فأبي أن يبيعها، وقال للرسول: إنْ توقّف عليك في رده فزد ما رأيت ولا تفكر فقد رضيت أن آخذه وأذهب إلى أقصى الأرض، فرده عضد الدولة عليه. وحج بالناس من العراق أبو عبد الله أحمد بن أبي الحسين العلوي، وحجّت جميلة بنت ناصر الدولة ابن حمدان ومعها أَخَواها إبراهيم وهبة الله، فضُرِب بحجّتها المثل، فإنها استصحبت أربعمائة جمل، وكان معها عدّة محامل لم يُعْلَم في أيها كانت، وكست المجاورين، ونثرت على الكعبة لما رأتها عشر آلاف دينار، وسقت جميع أهل الموسم السّويق بالسُّكّر والثلج - كذا قال أبو منصور الثعالبي، فمن أين لها ثلج؟ وقُتل أخوها هبة الله في الطريق، وأعتقت ثلاثمائة عبد ومائتي جارية، وأغنت المجاورين بالأموال. قال أبو منصور الثعالبي: خلعت على طبقات الناس خمسين ألف ثوب، وكان معها أربعمائة عمارية لا يُدْرَى في أيّها كانت، ثم ضرب الدهر ضربانه، واستولى عَضُدُ الدولة على أموالها وحصونها وممالك أهل بيتها، -[188]- حتى أفضت بها الحال إلى كلّ قلّة وذِلّة، وتكشّفت عن فقر مُدْقِع. وقد كان عَضُد الدولة خطبها، فامتنعت ترفُّعًا عليه، فحقد عليها، وما زال يعنف بها حتى عرّاها وهتكها، ثم ألزمها أنْ تختلف إلى دار القُحّاب فتتكسّب ما تؤدّيه في المصادرة، فلما ضاق بها الأمر غَرّقَتّ نفسها في دِجْلَة، فلا قوة إلا بالله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وستين وأربعمائة
فيها كان الغرق العظيم ببغداد، فغرق الجانب الشرقي، وبعض الغربي، وهلك خلق كثير تحت الهدم. وقام الخليفة يتضرع إلى اللَّه، ويصلي. واشتد الأمر وأقيمت الجمعة في الطيار على ظهر الماء مرتين، ودخل الماء في هذه النوبة من شبابيك المارستان العضدي. وارتفعت دجلة أكثر من عشرين ذراعًا، وبعض المحال غرقت بالكلية، وبقيت كأن لم تكن. وهلكت الأموال والأنفس والدواب. وكان الماء كأمثال الجبال. وغرقت الأعراب والتركمان وأهل القرى. وكان من له فرس يركبه ويسوق إلى التلال العالية. وقيل: إن الماء ارتفع ثلاثين ذراعًا. ولم يبلغ مثل هذه المرة قط، وركب الناس في السفن، وقد ذهبت أموالهم، وغرقت أقاربهم، واستولى الهلاك على أكثر الجانب الشرقي. قال سبط ابن الجوزي: انهدمت مائة ألف دار وأكثر، وبقيت بغداد خلقة واحدة، وانهدم سورها، فكان الرجل يقف في الصحراء فيرى التاج، ونهب للناس ما لا يحصيه إلا اللَّه، وجرى على بغداد نحو ما جرى على مصر من قريب. قال ابن الصابئ في " تاريخه ": تشققت الأرض، ونبع منها الماء الأسود، وكان ماء سخطٍ وعقوبة. ونهبت خزائن الخليفة. فلما هبط الماء أُخْرِجَ الناس من تحت الهدْم وعلا الناسَ الذُّلُّ. ثم فسد الهواء بالموتى، ووقع الوباء، وصارت بغداد عبرة ومثلاً. وفيها كان صاحب سَمَرْقَنْد خاقان ألتكين قد أخذ ترمذ بعد قتل السلطان ألب أرسلان، فلما تمكن ابنه ملكشاه سار إلى ترمذ وحصرها، وَطمَّ خندقها، -[148]- ورماها بالمنجنيق، فسلموها بالأمان. فأقام فيها نائبًا، وحصنها وأصلحها وسار يريد سمرقند، ففارقها ملكها وتركها، وأرسل يطلب الصُّلْح، ويضرع إلى نظام الملك ويعتذر، فصالحوه. وسار ملكشاه بعد أن أقطع أخاه شهاب الدين تكِش بلْخ وطخارِسْتان. ثم قدم الري، فمات ولده إياس، وكان فيه شر وشهامة، بحيث إن أباه كان يخافه، فاستراح منه. وفيها بنيت قلعة صرخد، بناها حسان بن مسمار الكلبي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وستين وخمسمائة
فيها وفاة المستنجد بالله، وما زالت الحُمرة الكثيرة تعرض فِي السّماء منذ مرِض، وكانت ترمي ضوءها على الحيطان، وبويع ابنه المستضيء بالله أبو -[223]- محمد الحسن، وأمه أرمنية؛ بايعه النّاس وصلّى ليومه عَلَى المستنجد، ونادى برفع المكوس، ورد مظالم كثيرة، وأظهر من العدل والكَرَم ما لم نره من الأعمار؛ قاله ابن الجوزيّ. ثمّ قَالَ: واحتجب المستضيء عن أكثر الناس، فلم يركب إلا مع الخدم، ولم يدخل عليه غير قايماز. وقال العِماد الكاتب: أنشأتُ عَنْ نور الدّين كتابًا إلى العاضد يهنئّه برحيل الفرنج عَنْ دِمياط. وكان قد ورد كتاب العاضد بالاستقالة من الأتراك فِي مصر خوفًا منهم، والاقتصار منهم عَلَى صلاح الدّين. فقلت: الخادم يهنّئ بما نشأه اللَّه من الظَّفَر الَّذِي أضحك سنّ الْإِيمَان. ثمّ ذكر أنّ الفرنج لا تؤمن غائلتهم، والرأي إبقاء الترك بديار مصر. ولمّا بلغ نورَ الدّين وفاةُ أخيه قُطْب الدين بالموصل توجه ليدبر أحوالها، وكان الخادم فخر الدّين عَبْد المسيح قد تعرَّض للحكم، وأقام سيف الدّين غازي مُقام أَبِيهِ، فقال نور الدّين: أَنَا أَوْلَى بتدبير البلاد، فسار مارًّا عَلَى قلعة جَعْبَر، واستصحب معه العسكر، ثمّ سيّر من الرّقَّة العماد الكاتب فِي الرّسْليَّة إلى الخليفة. ثمّ حاصر نور الدّين سِنْجار، وهدم سورها بالمجانيق، ثمّ تسلّمها، وسلّمها إلى ابن أخيه زنكي بْن مودود. وقصد الموصل فنزل عليها، خاض إليها دِجلة من مخاضةٍ دلّه عليها تُرْكُمانيّ. ثمّ أنعم نور الدّين عَلَى أولاد أخيه، وأقرّ غازيًا عليها، وألبسه التّشريف الَّذِي وصل إِلَيْهِ من الْإِمَام المستضيء. ثمّ دخل نور الدّين قلعة المَوْصِل، فأقام بها سبعة عشر يومًا، وجدّد مناشير ذوي المناصب، فكتب منشورًا لقاضيها حجة الدين الشّهرزُوريّ، وتوقيعًا لنقيب العلويّين، وكَتب منشورًا بإسقاط المُكُوس والضّرائب، فما أعيدت إلّا بعد وفاته. قال العماد: وكتبت له منشورا أيضا بإسقاط المكوس والضّرائب فِي جميع بلاده. قَالَ: وحضر مجاهد الدّين قايماز صاحب إربل فِي الخدمة النورية، وزخرفت الموصل بأنوار هداياه. ثمّ ولّى نور الدّين سعَد الدَّين كمشتكين بقلعة -[224]- المَوْصِل عَنْهُ نائبًا، وأمر فخر الدّين عَبْد المسيح أن يكون لَهُ فِي خدمته بالشّام مُصاحِبًا، واقتطع عَنْ صاحب المَوْصِل: حَرّان، ونصيّبين، والخابور. وعاد إلى سنجار فأعاد عمارة أسوارها، ودخل حلب في رجب. وكان ثلاثمائة من الفرنج قد أغاروا، فصادفهم صاحب البِيرة شهاب الدّين مُحَمَّد بْن إلياس بْن إيلغازي بْن أُرْتُق وهو يتصيَّد، فقَتَل وأسَرَ أكثرهم، وقدم بالأسارى على نور الدين، وكان منهم سبعة عشر فارسًا فيهم مُقَدَّم الإسبِتار الأعور بحصن الأكراد، وللعماد الكاتب فِي شهاب الدّين قصيدة مَطْلَعُها: يروق ملوكَ الأرض صيْدُ القَنَائصِ ... وصيد شهاب الدين صيد القوامص وفيها عمل صلاح الدّين بمصر حبْس المعونة مدرسة للشّافعيَّة، وبنى دار الغَزْل مدرسة للمالكيَّة. وقلَّد القضاء بديار مصر صدر الدّين عَبْد الملك بن درباس. وخرج بجيوشه فأغار عَلَى الرملة وعسقلان وأولي الكُفْر الخذلان، وهجم رَبَض غزَّة، ورجع إلى مصر. وافتتح قلعة أَيْلَة فِي السّنة، غزاها جُنْدُه في المراكب واستباحها قتلا وسبيا. وفيها سار إلى الإسكندريَّة ليشاهدها ويرتّب قواعدها، وسمع بها حينئذ من السلفي. وفيها اشترى تقيُّ الدِّين عُمَر بْن شاهنشاه بْن أيّوب منازل العزّ بمصر، وصيَّرها مدرسة للشافعية. وفي جُمَادى الآخرة تُوُفّي بمصر القاضي ابن الخلّال صاحب ديوان الإنشاء بمصر، ولمّا كَبُر جلس فِي بيته. وكان القاضي الفاضل يوصل إليه كل ما كان له. وفيها ظهر ملك الخَزَر وفتح دَوِين؛ وهي بلْدةٌ قرب أَذَرْبَيْجان، وقتلوا من المسلمين بها ثلاثين ألفا. وفيها ظهر بدمشق معز في أخلاط طائفة من الأغبياء، وأظهر التخاييل، ثمّ ادَّعى الرُّبوبيَّة فَقُتِلَ، ولله الحمد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وستين وستمائة
في صَفَر عُقِد مجلسٌ بين يدي السّلطان للضياء ابن الفُقّاعيّ وجرى فيه ما اقتضى ضربُه والحَوْطةُ عليه، وأُخِذ خطّه بجملةٍ عظيمة، ثمّ لم يزل يضرب -[20]- إلى أن مات، قال قُطْبُ الدّين: أُحصيت السّياط الّتي ضُرِبها فكانت سبعة عشر ألفًا ونيف. وفيها وصل رسولُ صاحب اليمن الملك المظفّر شمس الدّين يوسف بن عمر بتقادم، منها: فِيل، وحمار وحْش، وخيول، ومِسْك، وعنْبر، وصينيّ، وأشياء، وطلب معاضدة السّلطان له وأنّه يخطب له في بلاده، فبعث إليه الأمير فخر الدّين إياز المقرئ ومعه خِلْعة وسَنْجَق وتقليدٌ بالسلطنة. وفي جمادى الآخرة خرج السلطان إلى الشّام واستناب بيليك الخَزْنَدَار، فأتته رُسُل صاحب يافا فاعتقلهم وأمر العسكر بلبْس السّلاح ليلًا، وسار فصبَّح يافا، فهربوا إلى القلعة، ومُلكت المدينة بلا كلْفة، وطلب أهل القلعة الأمان، فأمَّنَهم وعوَّضهم عمّا نهب لهم أربعين ألف درهم، وركبوا في البحر إلى عكّا، ثمّ هدمت يافا وقلعتها، ثمّ سار طالبًا الشَّقِيف فنازلها وظفر بكتابٍ من عكّا إلى الشَّقِيف استفاد منه أشياءَ كَتَبَها إليهم كانت سبب الخُلْف بينهم، واشتدّ الحصار والزَّحْف والمجانيق، فطلبوا الأمان، فتسلَّم السّلطان الحصن، وكان فيه نحو خمسمائة رجل، فساروا إلى صور، وكان الحصار عشرة أيام، ثمّ سار السّلطان جريدةً فأغار على طرابُلُس، وخرَّب قُراها، وقطّع أشجارها، وغوَّر أنهارها، ورحل، فنزل على حصْن الأكراد بالمَرْج الّذي تحت الحصْن، فنزل إليه رسولٌ بإقامةٍ وضيافة، فردّها وطلب منهم دِيَة رجلٍ من أجناده قتلوه مائة ألف دينار، ثمّ رحل إلى حمص وحماة، ثم إلى فامية، ثمّ رحل ليلًا وأمر العسكر بلبْس العدّة فنزل على أنطاكيّة في أوّل رمضان، فخرجوا إليه يطلبون الأمان، وشرطوا أشياء لم يُجَبْهم إليها، وزحف عليها فافتتحها في رابع رمضان، وصمَّد غنائمها، ثمّ قسّمها على الجيش بحسب مراتبهم، وحصروا من قُتل فيها من النّصارى، فكانوا فوق الأربعين ألفًا. وأمّا ابن عبد الظّاهر فقال: ما رُفع السيف عَن رَجُل بمدينة أنطاكية قطّ حتى لو حلف الحالف ما سلم منها أحدٌ لصدق، ثُمَّ قَالَ: وكان بها على ما يقال مائة ألف وثمانية آلاف من الذّكور، وذلك حسبما عَدَّه نائب التّتار الّذي -[21]- ورد إليها شِحْنة واستخرج على الرّأس دينارًا، هذا سوى من دخل إليها عند هجوم العساكر من الفلاحين، وأما قلعتها فلجؤوا إليها وتحاشروا بها، فكانوا ثمانية آلاف رجل، غير الحريم والأولاد، فمات بها عالمٌ كثير في زحمة الباب، وأمّا الوزير والوالي وغيرهما فلمّا شاهدوا الحال هربوا في اللّيل في الجبال رَجّالةً، فأصبح النّاس فطلبوا الأمان من القتل وأن يؤسروا، ثمّ خرجوا في أحسن زيِّ وزينةٍ كأنّهم الزَّهْر، وصاحوا بين يدي السّلطان وسجدوا، وقالوا بصوت واحد: العفْو، ارحمْنا يرحَمَك الله، فرقَّ قلبُه ورحمهم، ورفع عنهم القتل. قلت: هذه مجازفة متناقضة. وكان بها طائفة من الأسرى فخلّصهم الله، وكانت أنطاكية للبَرّنس صاحب طرابُلُس، وهي مدينةٌ عظيمة، مسافةُ سُورها اثنا عشر ميلًا، وعددُ أبراجها مائةٌ وستةٌ وثلاثون بِرجًا، وشُرُفاتها أربعٌ وعشرون ألفًا وفي داخلها جبلٌ وأشجار ووحوش، وماء يجري، وفواكه مختلفة، وكان لها في يد النّصارى أكثر من مائةٍ وسبعين سنة أو نحوها. ثمّ إنّه تسلَّم بغراس بالأمان، وكان قد هرب أكثر أهلها وتسلَّم دركوش، وصالح أهلَ القُصَير على مناصفته ومناصفة القلاع المجاورة له، ودخل دمشق في السّابع والعشرين من رمضان، وكان يوماً مشهوداً. وفيها كانت الصَّعْقة الكبرى الكائنة على غوطة دمشق في ثالث نيسان أحرقت الشّجر والثّمر والزَّرْع والكَرْم، وهلك للنّاس ما لا يُوصف، وكان السّلطان قد احتاط على الغوطة وأراد أن يتملكها، وتعثرّ النّاس بالظُّلم والمصادرة وضجُّوا واستغاثوا بالله، فلمّا شدّدوا على المسلمين وألزموهم بوزن ضمانِ بساتينهم حتّى تطرّقوا إلى الأوقاف، أحرق الله الجميع، وجاء الفلاحون والضمان بالثمر والورق والكَرم، وهو أسودٌ محروق، ورفعوا الأمر إلى نوّاب السّلطنة، فلم يلتفتوا عليهم وأهانوهم، وأُلزموا بضمان أملاكهم، والله المستعان. قال قُطْب الدّين: احتاط السّلطان على البساتين وعلى القُرى، وهو -[22]- نازلٌ على الشَّقِيف. وكان قد تحدَّث في ذلك مع العلماء، فقال له القاضي شمس الدّين ابن عطاء الحنفيّ: هذا لا يجوز لأحدٍ أن يتحدث فيه، وقام مغضباً وتوقف الحال، ولما وقعت الحوطة على البساتين صقعت بحيث عُدِمت الثّمار بالكُلّيّة، وظنّ النّاس أنّه يرِقّ لهم، فلمّا أراد التَّوجُّه إلى مصر عقد بدار العدل مجلسًا، وأحضر العلماء، وأخرج فتاوى الحنفيّة بأنّه يستحقها بحُكم أنّ عمر رضي الله عنه فتح دمشق عَنْوةً، ثمّ قال: من كان معه عتيقٍ أمضيناه، وإلّا فنحن فتحنا البلاد بسيوفنا، ثمّ قرر عليهم ألف ألفِ درهم عن الغُوطة، فسألوه أن يقسّطها عليهم، فأبى، وتمادى الحال إلى أنْ خرج متوجّهًا إلى مصر في ذي القعدة، فلمّا وصل إلى اللّجون عاوده الأتابك وفخر الدّين ابن حنى وزير الصُّحبة، فاستقرّ الحال إنّ يعجّلوا منها أربعمائة ألفِ دِرهم، ويُعاد إليهم ما قبضه الدّيوان من المُغَلّ ويسقط ما بقي كلّ سنة مائتي ألف درهم، وكُتِب بذلك توقيع. قلت: جاء على كلّ مُدْي بضعة عشر درهمًا وباع النّاس أملاكهم بالهوان وعجزوا، فإنّ بعض الأمداء لا يغلّ في السّنة ستّة دراهم. أعجوبة اللَّهُمّ أعْلَمُ بصحّتها، قد خلّدها ابن عبد الظّاهر في " السّيرة الظّاهرية "، فقال: بُعِثْتُ رسولًا إلى عكّا في الصُّلح، فبالغوا في إكرامنا ونزلنا دارًا على بابها أعلام وصُلْبان وجرص كبير كالكنائس، فحرّكوا الأجراس ومعنا رِكابيّ اسمه ريّان، فنادى: يا لله يا الله كسِّر هذه الأعلام واقْطع هذه الأجراس وملِّك السّلطان الملكَ الظّاهرَ عكّا، فما استتمّ حديثَه إلا والجرص قد انقطع والأعلام قد وقعت وتكسَّرت الرّماح. قال قُطْب الدّين: وبعث صاحب سِيس يستفكّ ولَدَه من الأسر، فطُلِب منه من جملة الفِداء أن يسعى في خلاص الأمير شمس الدّين سُنْقُر الأشقر من التّتار، فبعث صاحبُ سِيس إليهم متوسِّلًا بطاعته وبذل أموالًا فلم يُجِيبوه، فلمّا استولى السّلطان على أنطاكية بعث إليه صاحب سِيس يبذل القِلاع الّتي كان أخذها من التّتار عند استيلائهم على حلب وهي دَرْبساك وبهَسْنا، -[23]- ورعْبان، فأبى عليه إلّا أنْ يحضر سُنقر الأشقر، فسار صاحب سِيس إلى التّتار، واستغاث بهم على الملك الظّاهر، واستصحب معه أحد البحريّة عَلَم الدّين سلطان، فكان يجتمع بسُنْقُر الأشقر سرًّا وعليه زِيّ الأرمَن، والأشقر يخاف أن يكون دسيسة عليه فلا يُصغي إلى قوله فيقول: ما أعرف صاحب مصر، ولا أخرج عن هؤلاء القوم، فلم يزل عَلَم الدّين يذكر له أماراتٍ وعلامات عرف منها صحّة قصده، فأذعن للهرب، فلمّا خرج صاحب سِيس لبس سُنقُر الأشقر زيِّهم واختفى معهم، فلمّا وصل به صاحب سِيس إلى بلاده جاء عَلَم الدّين وعرّف السّلطانَ بوصوله، فطلب ابن صاحب سِيس من مصر، فأُحضِر إليه وهو على أنطاكية، ثمّ سيّره مع جماعة إلى سِيس، فوقفوا على النّهر به بالقُرب من حدّ دَرْبساك ووصل سُنْقُر الأشقر مع جماعةٍ من سِيس، فوقفوا على جانب النّهر، ثمّ أطلق كلٌّ من الفريقين أسيرهم، وتسلَّم نوّاب السّلطان درْبساك ورعبان وبقيت بهَسْنا، سأل صاحب سِيس من سُنْقُر الأشقر أن يشفع له عند السّلطان في إبقائها له على سبيل الإقطاع، فوعده بذلك، ولمّا وصل الخبر خرج السّلطان من دمشق لتلقّيه، فلمّا رآه ترجَّل واعتنقا طويلًا وسارا حتّى نزلا في المُخيّم، فلمّا أصبحا خرجا منه جميعًا، وشفع في بهَسْنا، فامتنع السّلطان فقال: " إني قد رهنتُ لساني معه، وأحسن إليَّ بما لا أقدر على مكافأته "، فقبِل شفاعته، وأجاب طلْبته. وكان هولاكو قد أخذ سُنْقُر الأشقر من حبْس الملك النّاصر يوسف لمّا افتتح حلب، وعزل البابا حاكم المَوْصِل بالنّصرانيّ الفلّاح مسعود ومعه أشموط شحنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي