تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا أُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَسُلَيْمَان بْنُ صُرَدَ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، وَمَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السُّكُونِيُّ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ - وَقِيلَ: فِي آخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ - وَالْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ الْأَعْوَرُ. -[599]- وَلَمَّا انْقَضَتْ وَقْعَةُ مَرْجِ رَاهِطٍ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ بَايَعَ أَكْثَرُ أَهْلِ الشَّامِ لِمَرْوَانَ، فَبَقِيَ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَمَاتَ، وَعَهِدَ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا دَخَلَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ الْأَزْدِيُّ خُرَاسَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَكَلَّمَهُ أَمِيرُهَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ فِي قِتَالِ الْأَزَارِقَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَمَدُّوهُ بِالْجُيُوشِ، فَسَارَ وَحَارَبَ الْأَزَارِقَةَ أَصْحَابَ ابْنِ الْأَزْرَقِ، وَصَابَرَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ حَتَّى كَسَرَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ أربعة آلاف وثماني مائة. وَفِيهَا سَارَ مَرْوَانُ بِجُيُوشِهِ إِلَى مِصْرَ، وَقَدْ كَانَ كَاتِبُهُ كُرَيْبُ بْنُ أَبْرَهَةَ وَعَابِسُ بْنُ سَعِيدٍ قَاضِي مِصْرَ، فَحَاصَرَ جَيْشَهُ وَالِي مِصْرَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَخَنْدَقَ عَلَى الْبَلَدِ، وَخَرَجَ أَهْلُ مِصْرَ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ يَوْمَ التَّرَاوِيحِ، لِأَنَّ أَهْلَ مِصْرَ كَانُوا يَنْتَابُونَ الْقِتَالَ وَيَسْتَرِيحُونَ، وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلَ فِي الْمَعَافِرِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ معدي كَرِبَ الْكَلَاعِيُّ أَحَدُ الْأَشْرَافِ، ثُمَّ صَالَحُوا مَرْوَانَ، فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِيَدِهِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَأَخَذُوا فِي دَفْنِ قَتْلَاهُمْ وَفِي الْبُكَاءِ، ثُمَّ تَجَهَّزَ والي مِصْرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَحْدَمٍ وَأَسْرَعَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَضَرَبَ مَرْوَانُ عُنُقَ ثمانين رَجُلًا تَخَلَّفُوا عَنْ مُبَايَعَتِهِ، وَضَرَبَ عُنُقَ الْأُكَيْدِرِ بْنِ حَمَامٍ اللَّخْمِيِّ سَيِّدِ لَخْمٍ وَشَيْخِهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَكَانَ مَنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِي نِصْفِ جُمَادِي الْآخِرَةِ يَوْمَ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَمَا قَدَرُوا يَخْرُجُونَ بِجِنَازَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَفَنُوهُ بِدَارِهِ. وَاسْتَوْلَى مَرْوَانُ عَلَى مِصْرَ، وَأَقَامَ بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابْنَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ، وَتَرَكَ عِنْدَهُ أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، وموسى بن نصير وزيرا، وأوصاه بالمبالغة فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَكَابِرِ، وَرَجَعَ إِلَى الشَّامِ. وَفِيهَا وَفَدَ الزُّهْرِيُّ عَلَى مَرْوَانَ، قَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَفَدْتُ عَلَى مَرْوَانَ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ. قُلْتُ: وَهَذَا بَعِيدٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ وِفَادَتَهُ أَوَّلَ شَيْءٍ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَوَاخِرِ إِمَارَتِهِ. وَفِيهَا وَجَّهَ مَرْوَانُ حُبَيْشُ بْنُ دُلْجَةَ الْقَيْنِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ إلى المدينة، -[600]- وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ، فَسَارَ وَمَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ أَخُو مَرْوَانَ، وَأَبُو الْحَجَّاجُ يُوسُفُ الثَّقَفِيُّ، وَابْنُهُ الْحَجَّاجُ وَهُوَ شَابٌّ، فَجَهَّزَ مُتَوَلِّي الْبَصْرَةِ مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ جَيْشًا مِنَ الْبَصْرَةِ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَحُبَيْشٌ بِالرَّبَذَةِ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ، فَقُتِلَ حُبَيْشُ بْنُ دُلْجَةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ وَأَكْثَرُ ذَلِكَ الْجَيْشِ، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ، فَتَخَطَّفَتْهُمُ الْأَعْرَابُ، وَهَرَبَ الْحَجَّاجُ رِدْفَ أَبِيهِ. وَفِيهَا دَعَا ابن الزيبر محمد ابن الحنفية إلى بيعته فَأَبَى عَلَيْهِ، فَحَصَرَهُ فِي شِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ في جماعة من بنيه وَشِيعَتِهِ وَتَوَعَّدَهُمْ. وفِيهَا خَرَجَ بَنُو مَاحُوزٍ بِالْأَهْوَازِ وَفَارِسٍ، وَتَقَدَّمَ عَسْكَرُهُمْ، فَاعْتَرَضُوا أَهْلَ الْمَدَائِنِ، فَقَتَلُوهُمْ أجمع، ثُمَّ سَارُوا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَعَلَيْهَا عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ، فَقَتَلَ ابْنُ مَاحُوزٍ، وَانْهَزَمَ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ مَعَهُ، ثُمَّ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ قَطَرِيَّ بْنَ الفُجَاءَةِ. وَأَمَّا نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ فَإِنَّهُ قَدِمَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي فِي جُمُوعِهِ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَاتَلُوا مَعَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ أَهْلُ الشام اجتمعوا بابن الزبير وسألوه ما يقول فِي عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: تَعَالَوُا الْعَشِيَّةَ حَتَّى أُجِيبَكُمْ، ثُمَّ هَيَّأَ أَصْحَابَهُ بِالسِّلَاحِ، فَجَاءَتِ الْخَوَارِجُ، فَقَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ خَشِيَ الرَّجُلُ غَائِلَتَكُمْ، ثُمَّ دَنَا مِنْهُ فَقَالَ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَابْغَضِ الْجَائِرَ، وَعَادِ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الضَّلَالَةَ، وَخَالِفْ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَإِنْ خَالَفْتَ فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم طَيِّبَاتِهِمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا. ثُمَّ تَكَلَّمَ خَطِيبُ الْقَوْمِ عَبِيدَةُ بْنُ هِلَالٍ، فَأَبْلَغَ. ثُمَّ تَكَلَّمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ فِي آخِرِ مَقَالَتِهِ: أَنَا وَلِيُّ عُثْمَانَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: فَبَرِئَ اللَّهُ مِنْكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَقَالَ: وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْكُمْ يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَتَفَرَّقُوا عَلَى مِثْلِ هَذَا وَرَحَلُوا، فَأَقْبَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ السَّعْدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ إِبَاضٍ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ بَيْهَسٍ، وَعَبْدُ الله وعبيد الله والزبير بنو الْمَاحُوزِ الْيَرْبُوعِيُّ، حَتَّى قَدِمُوا الْبَصْرَةَ، وَانْطَلَقَ أَبُو طَالُوتَ وَأَبُو فُدَيْكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْرٍ وعطية -[601]- الْيَشْكُرِيُّ فَوَثَبُوا بِالْيَمَامَةِ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْحَنَفِيِّ الْحَرُورِيِّ. وَلَمَّا رَجَعَ مَرْوَانُ إِلَى دِمَشْقَ إِذَا مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ قَدِمَ فِي عَسْكَرٍ مِنَ الْحِجَازِ يَطْلُبُ فِلَسْطِينَ، فَسَرَّحَ مَرْوَانُ لِحَرْبِهِ عَمْرَو بْنَ سعيد الأشدق فقاتلهم، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ مُصْعَبٍ. وَوَرَدَ أَنَّ مَرْوَانَ تَزَوَّجَ بِأُمِّ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ. وَفِيهَا بَايَعَ جُنْدُ خُرَاسَانَ سَلْمَ بْنَ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ، وَأَحَبُّوهُ حَتَّى يُقَالُ: سَمَّوْا بِاسْمِهِ تِلْكَ السَّنَةَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفَ مَوْلُودٍ، فَبَايَعُوهُ عَلَى أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ، ثُمَّ نَكَثُوا وَاخْتَلَفُوا، فَخَرَجَ سَلْمُ وَتَرَكَ عَلَيْهِمُ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ، فَلَقِيَهُ بِنَيْسَابُورَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ، فَقَالَ: مَنْ وَلَّيْتَ عَلَى خُرَاسَانَ؟ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: مَا وَجَدْتُ فِي مضر رَجُلًا تَسْتَعْمِلْهُ حَتَّى فَرَّقْتَ خُرَاسَانَ بَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَأَزْدِ عُمَانَ؟ وَقَالَ: اكْتُبْ لِي عَهْدًا عَلَى خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ لَهُ، وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَقْبَلَ إِلَى مَرْوَ، فَبَلَغَ الْمُهَلَّبَ الْخَبَرُ فَتَهَيَّأَ، وَغَلَبَ ابْنَ خَازِمٍ عَلَى مَرْوَ، ثم سار إِلَى سُلَيْمَان بْنِ مَرْثَدٍ، فَاقْتَتَلُوا أَيَّامًا، فَقُتِلَ سُلَيْمَانُ، ثُمَّ سَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَرْثَدٍ وَهُوَ بِالطَّالَقَانِ فِي سَبْعِمِائَةٍ، فَبَلَغَ عمرا فَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا فَقُتِلَ عَمْرٌو، وَهَرَبَ أَصْحَابُهُ إِلَى هَرَاةَ وَبِهَا أَوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَقَالُوا: نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تسير إلى ابن خازم فتخرج مُضَرَ مِنْ خُرَاسَانَ كُلِّهَا، فَقَالَ: هَذَا بَغْيٌ، وَأَهْلُ الْبَغْيِ مَخْذُولُونَ، فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وَسَارَ إِلَيْهِمُ ابْنُ خَازِمٍ، فَخَنْدَقُوا عَلَى هَرَاةَ، فَاقْتَتَلُوا نَحْوَ سَنَةٍ، وَشَرَعَ ابْنُ خَازِمٍ يَلِينُ لَهُمْ، فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ تُخْرِجَ مُضَرَ مِنْ خُرَاسَانَ، وَإِمَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَنْ كُلِّ سِلَاحٍ وَمَالٍ، فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ: وَجَدْتُ إِخْوَانَنَا قَطْعًا لِلرَّحِمِ، قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ رَبِيعَةَ لَمْ تَزَلْ غضابا على ربها مذ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُضَرَ. ثُمَّ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْسٍ بَعْدَ الْحِصَارِ الطَّوِيلِ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ، أَثْخَنَ فِيهَا أَوْسٌ بِالْجَرَّاحَاتِ، وَقُتِلَتْ رَبِيعَةُ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَهَرَبَ أَوْسٌ إِلَى سِجِسْتَانَ فَمَاتَ بِهَا، وَقُتِلَ مِنْ جُنْدِهِ يَوْمَئِذٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَاسْتَخْلَفَ ابن -[602]- خَازِمٍ وَلَدَهُ عَلَى هَرَاةَ، وَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ. وَفِيهَا سَارَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ الثَّقَفِيِّ فِي رَمَضَانَ مِنْ مَكَّةَ، وَمَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَمِيرًا مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى خَرَاجِ الْكُوفَةِ، فَقَدِمَ الْمُخَتْارُ الْكُوفَةَ وَالشِّيعَةُ قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلَى سُلَيْمَان بْنِ صُرَدَ، فَلَيْسَ يَعْدِلُونَ بِهِ، فَجَعَلَ الْمُخْتَارُ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَإِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ، فَتَقُولُ الشِّيعَةُ: هَذَا سُلَيْمَانُ شَيْخُنَا، فَأَخَذَ يَقُولُ لَهْمُ: إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ قِبَلِ المهدي محمد ابن الْحَنَفِيَّةِ، فَصَارَ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى الْكُوفَةُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَنَبَّهُوهُ عَلَى أمر الشيعة، وأن نيتهم أن يتوثبوا، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَسَبَّ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ليبشر هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَلْيَخْرُجُوا ظَاهِرِينَ إِلَى قَاتِلِ الْحُسَيْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَدْ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَا لَهُمْ عَلَى قِتَالِهِ ظَهِيرٌ، فَقِتَالُهُ أَوْلَى بِكُمْ، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ فَنَقَمَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَعَابَهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فَسَبَّهُ، وَشَرَعُوا يَتَجَهَّزُونَ لِلْخُرُوجِ إِلَى مُلْتَقَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ. وَقَدْ كَانَ سُلَيْمَان بْنُ صُرَدَ الْخُزَاعِيُّ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ الْفَزَارِيُّ؛ وَهُمَا مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَمِنْ كِبَارِ أَصْحَابِهِ، خَرَجَا فِي رَبِيعِ الْآخَرَ يَطْلُبُونَ بِدَمِ الْحُسَيْنِ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَنَادَوْا: يَا لِثَارَاتِ الْحُسَيْنِ، وَتَعَبَّدُوا بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ثبط المختار جماعة وقال: إِنَّ سُلَيْمَانَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا، إِنَّمَا يُلْقِي بِالنَّاسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْحَرْبِ، وَقَامَ سُلَيْمَانُ فِي أَصْحَابِهِ فَحَضَّ عَلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ: مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا فَلَا يَصَحَبْنَا، وَمَنْ أَرَادَ وَجْهَ اللَّهِ وَالثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ فَذَلِكَ منا، وَقَامَ صَخْرُ بْنُ حُذَيْفَةَ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ: آتَاكَ اللَّهُ الرُّشْدَ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَخْرَجَتْنَا التَّوْبَةُ من ذنبنا وَالطَّلَبُ بِدَمِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّنَا، لَيْسَ مَعَنَا دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنَّمَا نُقْدِمُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ. وَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ الْأَزْدِيُّ فِي قَوْمِهِ، فَدَخَلَ عَلَى سُلَيْمَان بْنِ صُرَدَ، فَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْنَا نَطْلُبُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ، وَقَتَلَتِهِ كُلِّهِمْ بِالْكُوفَةِ؛ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَشْرَافُ الْقَبَائِلِ، فَقَالُوا: لَقَدْ جَاءَ بِرَأْيٍ، وَمَا نَلْقَى إِنْ سِرْنَا إِلَى الشَّامِ إِلَّا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَنَا أَرَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، وَعَبَّأَ الْجُنُودَ وَقَالَ: لَا أَمَانَ لَهُ عِنْدِي دُونَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ فَأَمْضِي فِيهِ حُكْمِي، فَسِيرُوا إِلَيْهِ، وَكَانَ عُمَرُ -[603]- ابن سَعْدٍ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ خَائِفًا، لَا يَبِيتَ إِلَّا فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَأَتِيَا سُلَيْمَان بْنَ صُرَدَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ أَحَبُّ أَهْلِ بَلَدِنَا إِلَيْنَا، فَلَا تَفْجَعُونَا بِأَنْفُسِكُمْ، وَلَا تُنْقِصُوا عَدَدَنَا بِخُرُوجِكُمْ، أَقِيمُوا مَعَنَا حَتَّى نَتَهَيَّأَ، فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ عَدُوَّنَا قَدْ شَارَفَ بِلَادَنَا خَرَجْنَا كُلُّنَا فَقَاتَلْنَاهُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ خَرَجْنَا لِأَمْرٍ، وَلَا نَرَانَا إِلَّا شَاخِصِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَأَقِيمُوا حَتَّى نَعُبِّئَ مَعَكُمْ جَيْشًا كَثِيفًا، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ وَيَأْتِيكَ رَأْيِي. ثُمَّ سَارَ، وَخَرَجَ مَعَهُ كُلُّ مُسْتَمِيتٍ، وَانْقَطَعَ عَنْهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا أَحَبَّ أَنْ مَنْ تَخَلَّفَ عنكم معكم، وأتوا قبر الحسين فبكوا، وأقاموا يَوْمًا وَلَيْلَةً يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: يَا رَبِّ، إِنَّا قَدْ خَذَلْنَاهُ، فَاغْفِرْ لَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا. ثُمَّ أَتَاهُمْ كِتَابُ عَبْدِ الله بن يزيد مِنَ الْكُوفَةِ يَنْشُدُهُمُ اللَّهَ وَيَقُولُ: أَنْتُمْ عَدَدٌ يَسِيرٌ، وَإِنَّ جَيْشَ الشَّامِ خَلْقٌ، فَلَمْ يَلْوُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمُوا قَرْقِيسِيَاءَ، فَنَزَلُوا بِظَاهِرِهَا وَبِهَا زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ قَدْ حَصَّنَهَا، فَأَتَى بَابِهَا الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، فَأَخْبَرُوا بِهِ زُفَرَ فقال: هذا فارس مُضَرَ الْحَمْرَاءِ كُلِّهَا، وَهُوَ نَاسِكُ دِينٍ، فَأَذِنَ لَهُ وَلَاطَفَهُ، فَقَالَ: مِمَّنْ نَتَحَصَّنُ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا إِيَّاكُمْ نُرِيدُ، فَأَخْرِجُوا لَنَا سُوقًا، فَأَمَرَ لَهُمْ بِسُوقٍ، وَأَمَرَ لِلْمُسَيَّبِ بِفَرَسٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِهِ بِعَلَفٍ كَثِيرٍ، وَبَعَثَ إِلَى وُجُوهِ القوم بعشر جزائز عشر جَزَائِرَ وَعَلَفٍ وَطَعَامٍ، فَمَا احْتَاجُوا إِلَى شِرَاءِ شَيْءٍ مِنَ السُّوقِ، إِلَّا مِثْلَ سَوْطٍ أَوْ ثَوْبٍ، وَخَرَجَ فَشَيَّعَهُمْ وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَعَثَ خَمْسَةَ أُمَرَاءَ قَدْ فَصَلُوا مِنَ الرَّقَّةِ؛ حُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ السَّكُونِيَّ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ ذِي الْكَلَاعِ، وَأَدْهَمَ بْنَ مُحْرِزٍ الْبَاهِلِيَّ، وَرَبِيعَةَ بْنَ الْمُخَارِقِ الغنوي، وجبلة الخثعمي، وهم عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا، قَالَ زُفَرُ: فَتَدْخُلُونَ مَدِينَتَنَا، وَيَكُونُ أَمْرُنَا وَاحِدًا، وَنُقَاتِلُ مَعَكُمْ، فَقَالَ: قَدْ أَرَادَنَا أَهْلُ بَلَدِنَا على ذلك فلم نفعل، قال: فبادروهم إلى عَيْنِ الْوَرْدَةِ، فَاجْعَلُوا الْمَدِينَةَ فِي ظُهُورِكُمْ، وَيَكُونُ الرستاق والماء في أيديكم، ولا تقاتلوهم فِي فَضَاءٍ، فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْكُمْ فَيُحِيطُونَ بِكُمْ، وَلَا تُرَامُوهُمْ، وَلَا تَصِفُّوا لَهُمْ، فَإِنِّي لَا أرى معكم رجالا والقوم ذوو رجال وفرسان، والقوهم كراديس. -[604]- قال: فعبأ سليمان بن صرد كتائبه، وَانْتَهَى إِلَى عَيْنِ الْوَرْدَةِ، فَنَزَلَ فِي غَرَبِيَّهَا وَأَقَامَ خَمْسًا، فَاسْتَرَاحُوا وَأَرَاحُوا خُيُولَهُمْ، ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ: إِنْ قُتِلْتُ فَأَمِيرُكُمُ الْمُسَيَّبُ، فَإِنْ أُصِيبَ فَالْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَالْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ وَالٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَالْأَمِيرُ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ، رَحِمَ اللَّهُ مَنْ صَدَقَ مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَهَّزَ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فِي أَرْبِعِمِائَةٍ، فَانْقَضُّوا عَلَى مُقَدِّمَةِ الْقَوْمِ وَعَلَيْهَا شُرَحْبِيلُ بْنُ ذِي الْكَلَاعِ، وَهُمُ غَارُّونَ، فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَأَخَذُوا مِنْ خَيْلِهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ وَرَدُّوا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ الْحُصَيْنَ بْنَ نمير في اثني عشر ألفا، ثم أردفهم بِشُرَحْبِيلَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، ثُمَّ أَمَدَّهُمْ مِنَ الصَّبَاحِ بِأَدْهَمَ بْنِ مُحْرِزٍ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، ووقع القتال، ودام الحرب ثلاثة أيام واقتتلوا قِتَالًا لَمْ يُرَ مِثْلَهُ، وَقُتِلَ مِنَ الشَّامِيِّينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ مِنَ التَّوَّابِينَ، وَكَذَا كَانُوا يُسَمَّوْنَ؛ لِأَنَّهُمْ تَابُوا إِلَى اللَّه مِنْ خِذْلَانِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَاسْتُشْهِدَ أُمَرَاؤُهُمُ الْأَرْبَعَةُ، ثم تحيز رِفَاعَةُ بِمَنْ بَقِيَ وَرُدَّ إِلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ المختار في الحبس، فَكَتَبَ إِلَى رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ: مَرْحَبًا بِمَنْ عَظَّمَ اللَّهُ لَهُمُ الْأَجْرَ فَأَبْشِرُوا، إِنَّ سُلَيْمَانَ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكْنُ بِصَاحِبِكُمُ الَّذِي به تنصرون، إني أنا الأمير المأمور، وَقَاتِلُ الْجَبَّارِينَ، فَأَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا، وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ الْأَمِيرَانِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ، فَبَقِيَ أَشْهُرًا، ثُمَّ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَشْفَعُ فِيهِ إلى الأميرين، فضمنوه جَمَاعَةٌ وَأَخْرَجُوهُ، وَحَلَّفُوهُ فَحَلَفَ لَهُمَا مُضْمِرًا لِلشَّرِّ، فَشَرَعَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ وَأَمْرُهُ يُسْتَفْحَلُ. وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ احْتَرَقَتْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي مِنْ مَجْمَرٍ، عَلِقَتِ النَّارُ فِي الْأَسْتَارِ، فَأَمَر ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي هَذَا الْعَامِ بِهَدْمِهَا إِلَى الْأَسَاسِ، وَأَنْشَأَهَا مُحْكَمَةً، وَأَدْخَلَ مِنَ الْحِجْرِ فِيهَا سِعَةَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، لِأَجْلِ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَتْهُ خَالَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا نَقَضَهَا وَوَصَلُوا إِلَى الْأَسَاسِ، عَايَنُوهُ آخِذًا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، وَأَنَّ السِّتَّةَ الْأَذْرُعَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسَاسِ، فَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَأَلْصَقُوا دَاخِلَهَا بِالْأَرْضِ، لَمْ يَرْفَعُوا دَاخِلَهَا، وَعَمِلُوا لَهَا بَابًا آخَرَ فِي ظَهْرِهَا، ثُمَّ سَدَّهُ الْحَجَّاجُ، فَذَلِكَ بَيِّنٌ لِلنَّاظِرِينَ، ثُمَّ قَصَّرَ تِلْكَ السِّتَّةَ الْأَذْرُعَ فَأَخْرَجَهَا مِنَ الْبَيْتِ، وَدَكَّ تِلْكَ -[605]- الْحِجَارَةَ فِي أَرْضِ الْبَيْتِ، حَتَّى عَلَا كَمَا هُوَ فِي زَمَانِنَا، زَادَهُ اللَّهُ تَعْظِيمًا. وَغَلَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ عَلَى خُرَاسَانَ، وَغَلَبَ مُعَاوِيَةُ الْكِلَابِيُّ عَلَى السِّنْدِ، إِلَى أَنْ قَدِمَ الْحَجَّاجُ الْبَحْرَيْنِ، وَغَلَبَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَعَلَى بَعْضِ الْيَمَنِ. وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فَإِنَّهُ بَعْدَ وَقْعَةِ عَيْنِ الْوَرْدَةِ مَرِضَ بِأَرْضِ الْجِزِيرَةِ، فَاحْتُبِسَ بِهَا وَبِقِتَالِ أَهْلِهَا عَنِ الْعِرَاقِ نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ قَصَدَ الْمَوْصِلَ وَعَلَيْهَا عَامِلُ الْمُخْتَارِ كَمَا يَأْتِي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، وَخَالِدُ بْنُ بَرْمَكٍ وَالِدُ الْبَرَامِكَةِ، وَخَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن سليمان بن زيد بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْبَصْرِيُّ، وَدَاوُدُ الطَّائِيُّ الزَّاهِدُ بِخُلْفٍ، وَعَبْدُ الله بن العلاء بن زيد، بخلف، وعبد الرحمن بن ثابت بْنُ ثَوْبَانَ، وَمَعْرُوفُ بْنُ مُشْكَانَ قَارِئُ مَكَّةَ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ بِالْبَصْرَةِ، وَأَبُو الأَشْهَبِ الْعُطَارِدِيُّ بِخُلْفٍ. وَفِيهَا غَزَا هَارُونُ ابْنُ الْخَلِيفَةِ الصَّائِفَةَ، فَوَغَلَ فِي بِلادِ الرُّومِ، فَافْتَتَحَ مَاجِدَةَ، فَالْتَقَتْهُ الرُّومُ، عليهم يقطنا، فانهزموا فقتل يقطنا، وسار إلى الدمستق بتقفورية، ثُمَّ سَارَ بِالْجُيُوشِ حَتَّى بَلَغَ خَلِيجَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، ثُمَّ صَالَحَ مَلِكَ الرُّومِ فِي الْعَامِ عَلَى سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مُدَّةَ ثَلاثِ سِنِينَ بَعْدَ أَنْ غَنِمَ وَسَبَا وَاسْتَنْقَذَ خَلْقًا مِنَ الأَسْرِ، وَغَنِمَ مَا لا يُوصَفُ مِنَ الْمَوَاشِي، حَتَّى أبيع الْبِرْذَوْنُ بِدِرْهَمٍ، والزَّرَدِيَّةُ بِدِرْهَمٍ، وَعِشْرُونَ سَيْفًا بِدِرْهَمٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْعَدُوِّ نَحْوُ خَمْسِينَ أَلْفًا، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمسٍ وستّين ومائتين
تُوُفيّ فيها: أَحْمَد بْن مَنْصُورٌ الرّماديّ، وإبراهيم بْن الْحَارِث البَغْداديُّ، وإبراهيم بْن هانئ النَّيسابوريّ، وسَعْدان بْن نصر، وصالح بْن أَحْمَد بْن حنبل، وعبد الله بْن محمد بْن أيّوب المُخرّميّ، وعليّ بْن حرب الطائيّ، وأبو حَفْص النَّيسابوريّ الزّاهد عَمْرو بْن سَلْم، ومحمد بْن الحَسَن العسْكريّ من الأثني عشر، ومحمد بن هارون الفلاس شيطا، وهارون بن سليمان الأصبهاني. وفيها خرج أَحْمَد بْن طولون أمير مصر إِلَى الشّام، فحصَر سيما الطّويل بأنطاكيَة إِلَى أن افتتحها وقتل سيما. وفيها خامر محمد المولّد ولِحق بيعقوب بْن اللّيث وصار من خواصّه. وفيها قبض المعتمد على سُلَيْمَان بْن وهْب وابنه عُبَيْد الله واصطفى أموالهما، ثُمَّ صُولحا على تسعمائة ألف دينار واستوزر إسماعيل بن بلبل. وفيها مات يعقوب بْن اللَّيث الصّفّار المتغلّب على خُراسان، وغيرها. تُوُفيّ بالأهواز، فخلفه أخوه عمرو بن اللّيث، ودخل في الطّاعة. وفيها بعث ملك الروم بعبد الله بْن كاوس الَّذِي كان عامل الثغور فأسروه، مع عدّة مصاحف كانوا أخذوها من أَهْل أَذَنَة، إلى أحمد بن طولون هدية. ولما خرج ابن طولون إِلَى الشّام قام ابنه الْعَبَّاس وجماعة من أمرائه فأخذ أموال أَبِيهِ وحَشَمه، وتوجّه نحو برقة إلى إفريقيّة، فنهب وقتل، فانتدب لحربه إلياس بن منصور النفوسيّ من جبل نفوسة رأس الإباضيّة فِي اثني عشر ألفًا، وبعث صاحب إفريقية إيراهيم بْن أَحْمَد بن الأغلب جيشًا كثيفًا مع مولاه، فأطبق الجيشان على الْعَبَّاس فباشر الحرب بنفسه، وقُتِلت صناديده، ونُهِبَت خزائنه، وعاد إِلَى بَرْقَةَ. فبعث أَبُوهُ جيشًا -[246]- فأسروه، وحملوه إِلَى أَبِيهِ، فقيدَّه وحبسه، وقتل جماعة ممّن كان حسَّن إليه العصيان وفيها دخلت الزَّنج النُّعمانيّة، فأحرقوا وسبوا وقتلوا. وفيها استناب الموفّق عَمْرو بْن اللَّيْث على خُراسان، وكَرْمان، وفارس، وبغداد، وإصبهان، والسِّند، وسِجِسْتان، وبعث إليه بالتّقليد والخِلَع العظيمة. وَقِيلَ: إنّ تَرِكَةَ أَخِيهِ يعقوب بْن اللَّيْث بلغت ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف درهم. ونُقل فَدُفِن بجُنْدَيْسابور وكُتِب على قبره: هَذَا قبر المسكين، وتحته: أحسَنْتَ ظنَّك بالأيّام إذ حَسُنَتْ ... ولم تَخَفْ سُوء ما يأتي به القَدَر وسالَمَتْك اللّيالي فاغْتَرَرْت بها ... وعند صَفْوِ اللَّيَالِي يحدُث الكَدَر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس وستين وثلاثمائة
فيها كتب ركن الدولة أبو علي بن بُويْه إلى ولده عَضُد الدولة أبي شجاع أنه قد كبرت سنه وأنّه يؤثر مشاهدته، فاجتمعا، فقسم ركن الدولة الممالك بين أولاده فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان، ولمؤيد الدولة الري وأصبهان، ولفخر الدولة همذان والدّيَنَور، وجعل ولده أبا العبّاس في كنف عضُد الدولة. وفي رجب عُمل مجلس الحكم في دار السلطان عز الدولة، وجلس ابن معروف وحكم، لأنّ عزّ الدولة التمس ذلك ليشاهد مجلس حكمه كيف هو. وفيها وفي التي تليها كانت الحرب تَسْتَعِر بين هفتكين وبين جوهر المعزّي بأعمال دمشق، وعدّة الوقائع بينهما اثنتا عشرة وقعة، منها وقعة الشاغور التي كاد يتلف فيها جوهر، ثم كان بينهما عدّة وقعات بعد ذلك. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس وستين وأربعمائة.
فيها قتل السلطان ألب أرسلان، وقام في الملك ولده ملكشاه. فسار أخو السلطان قاروت بك صاحب كرمان بجيوشه يريد الاستيلاء على السلطنه، فسبقه إلى الري السلطان ملكشاه ونظام الملك، فالتقوا بناحية همذان في رابع شعبان، فانتصر ملكشاه، وأسر عمه قاروت، فأمر بخنقه بوترٍ فخنق، وأقر مملكته على أولاده. ورد الأمور في ممالكه إلى نظام الملك، وأقطعه أقطاعًا عظيمةً، من جملتها مدينة طوس، ولقبه " الأتابك "، ومعناه الأمير الوالد. وظهرت شجاعته وكفايته، وحسن سيرته. وفيها، وفي حدودها وقعت فتنة عظيمة بين جيش المستنصر العبيدي، فصاروا فئتين: فئة الأتراك والمغاربة، وقائد هؤلاء ناصر الدولة، أبو عبد الله الحسين بن حمدان، من أحفاد صاحب الموصل ناصر الدولة ابن حمدان، وفئة العبيد وعربان الصعيد. فالتقوا بكوم الريش، فانكسر العبيد، وقتل منهم وغرق نحو أربعين ألفًا، وكانت وقعة مشهودة. وقويت نفوس الأتراك، وعرفوا حسن نية المستنصر لهم، وتجمعوا وكثروا، فتضاعفت عدتهم، وزادت كلف أرزاقهم، فخلت الخزائن من الأموال، واضطربت الأمور، فتجمع كثير من العسكر، وساروا إلى الصعيد، وتجمعوا مع العبيد، وجاؤوا إلى الجيزة، فالتقوا هم والأتراك عدة أيام، ثم عبر الأتراك إليهم النيل مع ناصر الدولة ابن حمدان، فهزموا العبيد. ثم إنهم كاتبوا أم المستنصر واستمالوها، فأمرت من عندها من العبيد بالفتك بالمقدمين، ففعلوا ذلك، فهرب ناصر الدولة، والتفت عليه الأتراك، فالتقوا ودامت الحرب ثلاثة أيام بظاهر مصر، وحلف ابن حمدان لا ينزل عن فرسه ولا يذوق طعامًا حتى ينفصل الحال. فظفر بالعبيد، وأكثر القتل فيهم، وزالت دولتهم بالقاهرة، وأخذت منهم الإسكندرية، وخلت الدولة للأتراك، فطمعوا في المستنصر، وقلت هيبته عندهم، وخلت خزائنه البتة. فطلب ابن حمدان العروض، فأخرجت إليهم، وقومت بأبخس ثمن، وصرفت إلى الجند. فقيل: إن نقد الأتراك كان في الشهر أربعمائة ألف دينار. -[145]- وأما العبيد فغلبوا على الصعيد، وقطعوا السبل، فسار إليهم ابن حمدان، ففروا منه إلى الصعيد الأعلى، فقصدهم وحاربهم، فهزموه. وجاء الفَلُّ إلى القاهرة. ثم نُصِر عليهم وعظم شأنه، واشتدت وطأته، وصار هو الكُلّ، فحسده أمراء الترك لكثرة استيلائه على الأموال، وشكوه إلى الوزير، فقوى نفوسهم عليه وقال: إنما ارتفع بكم. فعزموا على مناجزته، فتحول إلى الجيزة، فنهبت دوره ودور أصحابه، وذل وانحل نظامه. فدخل في الليل إلى القائد تاج الملوك شاذي واستجار به، وحالفه على قتل الأمير إِلْدِكْز، والوزير الخطير. فركب إِلْدِكْز فقتل الوزير. ونجا إلدكز، وجاء إلى المستنصر فقال: إن لم تركب وإلا هلكت أنت ونحن. فركب في السلاح، وتسارع إليه الجند والعوام، وعبى الجيش، فحملوا على ابن حمدان فانكسر واستحر القتل بأصحابه، وهرب فأتى بني سنبس، وتبعه فل أصحابه، فصاهر بني سنبس وتقوى بهم، فسار الجيش لحربه، فأراد أحد المقدمين أن يفوز بالظفر، فناجزه بعسكره، والتقوا فأسره ابن حمدان، وقتل طائفة من جُنْده. ثم عدَّى إليه فرقة ثانية لم يشعروا بما تم، فحمل عليهم، ورفع رؤوس أولئك على الرماح، فرعبوا وانهزموا، وقتلت منهم مقتلة. وساق وكبس بقية العساكر، فهزمهم، ونهب الريف، وقطع الميرة عن مصر في البر والبحر، فغلت الأسعار، وكثر الوباء إلى الغاية، ونهبت الجند دور العامة، وعظم الغلاء، واشتد البلاء. قال ابن الأثير: حتى أن أهل البيت الواحد كانوا يموتون كلهم في ليلةٍ واحدة. واشتد الغلاء حتى حكي أن امرأة أكلت رغيفًا بألف دينار، فاستبعد ذلك، فقيل إنها باعت عروضها، وقيمته ألف دينار، بثلاثمائة دينار، واشترت بها قمحًا، وحمله الحمال على ظهره، فنهبت الحملة في الطريق، فنهبت هي مع الناس، فكان الذي حصل لها رغيفاً واحداً. وجاء الخلق ما يشغلهم عن القتال، ومات خلق من جند المستنصر، وراسل الأتراك الذين حوله ناصر الدولة في الصلح، فاصطلحوا على أن يكون -[146]- تاج الملك شاذي نائباً لناصر الدولة ابن حمدان بالقاهرة يحمل إليه المال. فلما تقرر شاذي استبد بالأمور، ولم يرسل إلى ابن حمدان شيئا، فسار ابن حمدان إلى أن نزل بالجيزة. وطلب الأمراء إليه فخرجوا، فقبض على أكثرهم، ونهب ظواهر القاهرة، وأحرق كثيرًا منها، فجهز إليه المستنصر عسكرًا، فبيتوه، فانهزم. ثم إنه جمع جمعًا وعاد إليهم، فعمل معهم مصافًا، فهزمهم، وقطع خطبة المستنصر بالإسكندرية ودمياط، وغلب على البلدين وعلى سائر الريف. وأرسل إلى العراق يطلب تقليدًا وخلعًا. واضمحل أمر المستنصر وخمل ذكره. وبعث إليه ابن حمدان يطلب الأموال، فرآه الرسول جَالسًا على حصيرٍ، وليس حوله سوى ثلاثة خدم. فلما أدى الرسالة، قال: أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذه الحال؟ فبكى الرسول وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره بما قال، فرق له وأجرى له في كل يومٍ مائة دينار. وقدم القاهرة وحكم فيها، وكان يظهر التسنن ويعيب المستنصر. وكاتب عسكر المغاربة فأعانوه. ثم قبض على أم المستنصر وصادرها، فحملت خمسين ألف دينار. وكانت قد قل ما عندها إلى الغاية. وتفرق عن المستنصر أولاده وكثير من أهله من القحط، وضربوا في البلاد. ومات كثير منهم جوعًا، وجرت عليهم أمورٌ لا توصف في هذه السنوات بالديار المصرية من الفناء والغلاء والقتل. وانحط السعر في سنة خمس وستين. قال ابن الأثير: وبالغ ناصر الدولة ابن حمدان في إهانة المستنصر، وفرق عنه عامة أصحابه، وكان يقول لأحدهم: إنني أريد أن أوليك عمل كذا. فيسير إليه، فلا يمكنه من العمل، ويمنعه من العود. وكان غرضه من ذلك ليخطب للقائم بأمر الله أمير المؤمنين، ولا يمكنه ذلك مع وجودهم، ففطن له الأمير إِلْدِكْز، وهو من أكبر أمراء وقته، وعلم أنه متى تم له ما أراد، تمكن منه ومن أصحابه. فأطلع على ذلك غيره من أمراء الترك، فاتفقوا على قتل ابن حمدان، وكان قد أمن لقوته وعدم عدوه. فتواعدوا ليلة، وجاؤوا سحرًا إلى داره، وهي المعروفة بمنازل العز بمصر، فدخلوا صحن الدار من غير استئذان، فخرج إليهم في غلالةٍ، لأنه كان آمنًا منهم، فضربوه بالسيوف، فسبهم وهرب، -[147]- فلحقوه وقتلوه، وقتلوا أخويه فخر العرب، وتاج المعالي، وانقطع ذكر الحمدانية بمصر. فلما كان في سنة سبعٍ وستين ولي الأمر بمصر بدر الجمالي أمير الجيوش، وقتل إِلْدِكْز، والوزير ابن كُدِينَه، وجماعةً، وتمكن من الدولة إلى أن مات. وقام بعده ابنه الأفضل. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس وستين وخمسمائة
وردت الأخبار بوقوع زلازل فِي الشام وقع فيها نصف حلب، ويقال: هلك من أهلها ثمانون ألفًا؛ ذكره ابن الجوزيّ. وقال العِماد: تواصلت الأخبار من جميع البلاد الشامية بما أحدثته الزلزلة بها من الانهدام والانهداد، وأنّ زلّات زلازلها حلّت وجلّت، ومعاقد معاقلها انحلت واختلت، وألقت ما فيها وتخلت، وأن أسوارها غرتها الأسواء وعرّتها، وقرَّت بها النّواكب فنكبتها وما أقرَّتها، وانهارت بالأرجاف أجراف أنهارها، وأنّ سماءها انفطرت، وشموسها كورت، وعيونها عورت وغورت. وذكر فصلًا طويلًا فِي الزَّلزلة وتهويلها. -[222]- وقال أبو المظفر ابن الجوزيّ بعد أن أطنب فِي شأن هذه الزّلزلة وأسهب: لم يَرَ النّاسُ زلزلةً من أوّل الْإِسْلَام مثلَها، أفْنَت العالَم، وأخربت القلاع والبلاد. وفرَّق نور الدّين فِي القلاع العساكر خوفا عليها؛ لأنها بقيت بلا أسوار. وفيها نزلت الفرنج عَلَى دِمياط فِي صفر، فحاصروها واحدًا وخمسين يومًا ثمّ رحلوا خائبين، وذلك أنّ نور الدّين وصلاح الدّين أجْلَبا عليها برًّا وبحرًا، وأغارا عَلَى بلادهم. قَالَ ابن الأثير: بلغت غارات المسلمين إلى ما لم يكن تبلغه، لخلو البلاد من مانع، فلمّا بلغهم ذَلِكَ رجعوا، وكان موضع المثل: خرجت النّعامة تطلب قرنين، فعادت بلا أُذُنَين. وأخرج صلاح الدّين فِي هذه المرَّة أموالًا لا تُحصى، حُكيَ لي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ما رَأَيْتُ أكرم من العاضد، أرسل إليَّ مدَّة مُقام الفرنج عَلَى دمياط ألف ألف دينار مصرية، سوى الثياب وغيرها. وفيها توجّه نور الدّين إلى سِنْجار فحاصرها حصارًا شديدًا، ثمّ أخذها بالأمان، ثمّ توجَّه إلى الموصل ورتَّب أمورها، وبنى بها جامعًا وقف عليه الوقوف الجليلة. وفيها دخل نجم الدّين أيّوب مصر، فخرج العاضد إلى لقائه بنفسه، وكان يومًا مشهودًا، وتأدَّب ابنه صلاح الدين معه، وعرض عليه منصبه. وفيها سار نور الدّين فنازل الكَرَك، ونصب عليها منجنيقين، وقاتلهم أشد القتال، فبلغه وصول الفرنج إلى ماء عين، فعطف عليهم فانهزموا. وفيها طَرَقَ الفرنجُ حصنَ عكّار من المسلمين، وأسروا أميرها؛ وهو خطلخ العلمدار مملوك نور الدين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس وستين وستمائة
في أوّلها توجّه السّلطان جريدةً إلى الكَرَك، وتصيَّد بنواحي زيزَى، فتقنطر به الفَرَسُ فانكسرت فخِذُه، فأقام يداويها حتّى تصْلُح بعض الشّيء، وسار في محفَّةٍ إلى غَزَّة وحصل له عرج منها. وفيها سافر صاحب حماة الملك المنصور إلى مصر، فاحتفل له السلطان وأكرمه، ثمّ سافر إلى الإسكندريّة متفرِّجًا، فرسم السّلطان لمتولّيها أن يحمل إليه كلّ يوم مائة دينار برسم النَّفَقَة وأن ينسج له في دار الطراز ما يقترحه. وفيها أمر السّلطان بعمل الجامع بالحُسينيّة، وتمّت عمارتُه في شوّال سنة سبعٍ وستّين، وجاء في غاية الحُسن، وبُني في ميدان قراقوش، وأُحْكِر ما بقي من الميدان، وقُرِّر لمصالح الجامع، ورتب به خطيب حنفي. وفي جُمَادى الآخرة توجّه السّلطان إلى الشّام وصُحْبته صاحب حماة، فنزل على صفد، واهتمّ بعمارتها وتحسينها وتحصينها، ثمّ قدِم دمشق، ثمّ سار إلى الكرك. وفي شعبان ولي قضاء القضاة بالقاهرة والوجه الشرقي الإمام تقيّ الدّين ابن رَزِين الحَمَويّ، وولي قضاء مصر والوجه القبليّ محيي الدّين عبد الله ابن القاضي شرف الدّين ابن عين الدّولة، وولي نظر الأحباس الشّيخ تاج الدّين علي ابن القسطلاني، وولي تدريس الشّافعيّة بالصالحية صدر الدّين ابن القاضي تاج الدّين، وفُوّض نَظَر الخانقاه السّعيديّة إلى قاضي الحنابلة وولي نظر مدرسة الشّافعيّ بهاء الدّين عليّ بن عيسى بن رمضان نيابة عن الصاحب فخر الدّين ابن حنى، وهذه المناصب كلّها كانت بيد القاضي تاج الدّين. -[18]- وفيها توجّه الأمير عزّ الدّين الحلّيّ إلى الحجّ، وناب في السّلطنة بدر الدّين بيليك الظاهر بن الخزندار. ودخل السّلطان مصر في ذي الحجّة، فأمر بتسمير جماعة، منهم الملك الأشرف ابن صاحب ميّافارقين شهاب الدّين غازيّ، والأمير أقوش القفجاقيّ الصّالحيّ الّذي ادَّعى النُّبُوّة من نحو ثلاثة أشهر. ومنهم النّاصح ضامن بلاد واحات، وكان بإخميم، فأنهى إلى السّلطان ما هو فيه من الأمر المُطاع، وأنّه يُخاف من خروجه بأرضه، وأُنهِيَ إليه أنّه اتّفق مع رجلٍ نصرانيّ ومع الملك الأشرف وهم بخزانة البُنُود محبوسين، على أن ينقبوا خزانة البُنُود ويخرجوا إلى واحات، فيسلطن فيها الملك الأشرف ابن غازي، ويكون النّاصح وزيرَه، والنّصرانيّ كاتِبَه، فسُمِّروا. وفيها ورد كتاب قاضي القدس إلى السّلطان يخبر بظهور الماء ببيت المقدس؛ وسبب ذلك أنّ الماء انتزح من بئر السّقاية وبقي الوحْل، وعظُمت مَشَقَّة النّاس لأجل الوضوء، وأنّ القاضي حضر بنفسه إلى البئر، ثمّ نزل فأخبر أنّه شاهد قناةً مسدودة بالرّدم من عهد بُخْتَ نَصَّر الّذي هدم بيت المقدس، قال: فدخلتُ الصّخرة وأنا مهمومٌ بسبب إعواز الماء، فاجتمعت بالأمير علاء الدّين الرّكْنيّ الأعمى، فجرى الحديث واتّفق الرّأي على إحضار بنّائين من غزَّة، وكشف القناة السليمانية، فحضروا فكشفوا الردم أولاً فأولاً ومشوا في القناة، وكلما مشوا في السرب علقوه بالعمد والبلاط، إلى أن وصلوا إلى الجبل الّذي تحت الصّخرة المباركة، فوجدوا بابًا مُقَنْطَرًا، ففتحوا رَدْمَه وإذا هم بالماء، ففار على جماعة بقوّة كاد أن يغرقهم، فهربوا وصعدوا في الحبال، وذلك في ذي الحجّة من السّنة، نقل هذا الكتاب محيي الدّين ابن عبد الظّاهر في " سيرة الملك الظّاهر "، ثمّ قال: وجدتُ في كتاب " دير يامين " من تواريخ النّصارى أنّ ملك المَوْصِل لمّا قصد أوراشلم - يعني بيت المقدس - في جيوشه اتّفق حزقيا هو وجماعتُه على دفْن المياه الّتي ببيت -[19]- المقدس، فدفنوا جميعَ الينابيع الّتي بها وعَفّوا أثَرَها لئلّا يتقوّى عليهم ملك المَوْصِل سنْحاريب بتلك المياه. قال ابن عبد الظّاهر: وقرأت في نُبُوة زكريّا أنّه يخرج ماء عذبٌ فيه حياةٌ من أوراشلم، نصفه إلى البحر الشّرقيّ، ونصفه إلى البحر الغربيّ، ويكون ذلك عند اعتدال الصّيف والشّتاء، قال: فوقْت ظهور الماء نزلت الشّمس برجَ الميزان، وهو برج الاعتدال، في يوم نزولها بعينه، ثمّ وصل كتاب الأمير علاء الدّين الرُّكْنيّ يذكر أنّه دخل الصُّنّاع فوجدوا سُدًّا معمولًا بالشّيد والحجر، فنقب فيه الحجارون مدة أحد وعشرين يومًا، فوجدوا سقفًا بالشّيد والكتّان مُقَلْفَطًا، فنقب فيه طول مائة وعشرين ذراعًا، فخرج الماء، فلمّا قوي خروجُه بحيث أنّه ملأ القناةَ تركوه. وفيها عبر جيحون يراق بنُ جغْتاي بن القان قبلاي، فسار لحربه أباقا، فكان المصافُّ بناحية هَرَاة، فانتصر أباقا، وغَنِم جُنْدُه أشياء كثيرة، وغرق خلْقٌ من جيش يراق. وفيها أنشأ صاحب الدّيوان ببغداد قصرًا كبيرًا وبستانًا عظيمًا زرع فيه حتّى الفُسّتُق، وأنشأ رِباطًا، وجهّز وفدًا من بغداد غرِم عليه أموالاً، فحجوا وسلموا، وأمر بقتل ابن الخشكريّ الشّاعر لكونه فضَّل شِعره على القرآن، وقد كان مدح الصّاحب بقصيدة فأنشده، فأذن المؤذن، فأنصت الصاحب، فقال: ابن الخشكريّ: يا مولانا اسمع الجديد ودَع العتيق، فقتله في سنة ستٍّ وستّين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي