نتائج الاقتباسات لـ: أبو الحسن الندوي

الصفحة 1 / 3
الزعامة الإسلامية تقتضي صفات واسعة جدا نستطيع أن نجمعها في كلمتين الجهاد والإجتهاد فهما كلمتان خفيفتان بسيطتان ولكنهما جامعتان عامرتان بالمعاني الكثيرة.
إذا حكمت على عصرك وطبائعه وأذواقه وأنت بمعزل عن الحياة وبنيت حكمك على مؤلفات ومقالات إنما تكتب في زاوية من زوايا الكتب فإنك تغالط نفسك.
لم يكن نظر الناس إلى الدين على أنه المعين يستمد منه الناس ما يعينهم على العمل الصالح بل كان الدين في نظرهم هو الاعتقاد المجرد في أصول معينة.
بل إن كثيرا من هؤلاء السلاطين والأمم كانوا كلا على ظهر الأرض وويلا للنوع الإنساني وعذابا للأمم الصغيرة والضعيفة ومنبع الفساد والمرض في جسم المجتمع البشري .
محمدا صلى الله عليه و سلم, لم يبعث لينسخ باطلا بباطل, و يبدل عدوانا بعدوان, و يحرم شيئا في مكان و يحله في مكان آخر, ويبدل أثرة أمة بأثرة أمة أخرى, لم يبعث زعيما وطنيا أو قائدا سياسيا, يجر النار إلى قرصه و يصغي الإناء إلى شقه, و يخرج الناس من حكم الفرس و الرومان إلى حكم عدنان و قحطان.
إذا تغلبت جماعة لا تعبد إلا المادة وما إليها من لذة ومنفعة محسوسة، ولا تؤمن إلا بهذه الحياة، ولا تؤمن بما وراء الحس أثرت طبيعتها ومبادئها وميولها في وضع المدنية وشكلها، وطبعتها بطابعها، وصاغتها في قالبها، فكملت نَوَاحٍ للإنسانية واختلت نَوَاحٍ أُخرى أهمّ منها وعاشت هذه المدنية وازدهرت في الجصِّ والآجر وأخصبت في ميادين الحروب وساحات وماتت وأجدبت في القلوب والأرواح .
إِنَّ الْإِسْلَامَ عَقِيدَةُ اسْتِعْلَاءٍ، مِنْ أَخَصِّ خَصَائِصِهَا أَنَّهَا تَبْعَثُ فِي رُوحِ الْمُؤْمِنِ بِهَا إِحْسَاسَ الْعِزَّةِ مِنْ غَيْرِ كِبْرٍ، وَرُوحَ الثِّقَةِ فِي غَيْرِ اعْتِزَازٍ، وَشُعُورَ الِاطْمِئْنَانِ فِي غَيْرِ تَوَاكُلٍ. وَأَنَّهَا تُشْعِرُ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّبِعَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْمُلْقَاةِ عَلَى كَوَاهِلِهِمْ، تَبِعَةَ الْوِصَايَةِ عَلَى هَذِهِ الْبَشَرِيَّةِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.
عندما سئل الأستاذ أبو الحسن علي الندوي –رحمه الله تعالي – عن مصر : فقال في الحسنات: الإيمان بالله والدين, والمحبة للمسلم خاصة إذا كان غريباً, ورقة القلب, وسلامة الصدر, وكثرة الأعمال المنتجة .. أما عن السيئات فقال في تحرج: السفور وعدم التستر والصور الخليعة في الصحف والمجلات, واستهانة بعض العلماء ببعض المحرمات, وعدم المحافظة علي صلاةِ الجماعة في المساجد بالرغم من كثرتها, والإندفاع في تقليد الحضارة الغربية بلا تبصر.
شرب الخمر ليس إلا نتيجةَ نفسيةٍ تعشق اللذة حتى في السم، وتبتغي النشوة حتى في الإثم، فلا تهجره بمجرد الدعاية والنشر والكتب والخطب وبيان مضارِّه الطبية ومفاسده الخلقية، وبِسَنِّ القوانين الشديدة والعقوبات الصارمة. لا تهجره إلا بتغيير نفسٍ عميق، وإذا أُرغمت على تركه بغير هذا التغيير تسللت إلى غيره من أنواع الجريمة أو استباحته بتغيير الأسماء والصور.
لم يسجل التاريخ حادثة دافع فيها مسلم في مكة عن نفسه بالسيف مع كثرة الدواعي الطبيعية إلى ذلك وقوتها، وذلك غاية ما روي في التاريخ من الطاعة والخضوع، حتى إذا تعدت قريش في الطغيان وبلغ السيل الزبى أذن الله لرسوله ولأصحابه بالهجرة : وهاجروا إلى يثرب وقد سبقهم إليها الإسلام .
الرسول صلى الله عليه وسلم غذِّي أرواح الصحابة بالقرآن وربي نفوسهم بالإيمان وأخضعهم أمام رب العالمين خمس مرات في اليوم عن طهارة بدن وخشوع قلب وخضوع جسم وحضور عقل، فازدادو كل يوم سمو روح ونقاء قلب ونظافة خلق وتحرراً من سلطان الماديات ومقاومة للشهوات ونزوعاً إلى رب الأرض والسموات، وأخذهم بالصبر على الأذى والصفح الجميل وقهر النفس .
بالإيمان الواسع العميق والتعليم النبوي المتقن، وبفضل هذا الكتاب السماوي المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا تخلق جدته، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنسانية المحتضرة حياة جديدة, عمد إلى الذخائر البشرية وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناءها الأرض فأوجد فيها بإذن الله الإيمان والعقيدة وبعث فيها الروح الجديدة.
إن هذا الرعيل من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم كان خليقاً بأن يسعد النوع الإنساني في ظله وتحت حكمه،وأن يسير بقيادته سديد الخطى رشيد الغاية مستقيم السير، وأن يعمر ويطمئن العالم في دوره وتخصب الأرض وتأخذ زخرفها، فإنهم كانوا خير القائمين على مصالحها حارسين لها.
الإسلام يهدي الناس إلى الشعور بالمسئولية الخلقية في كل عمل يعمله كبيراً كان أو صغيراً إن نظام الإسلام الديني لا يسمح أبداً بمثل ما أمر به الإنجيل قائلاً " أعطوا ما لقيصر لقيصر وأعطوا ما لله لله "، لأن الإسلام لا يسمح بتقسيم حاجات حياتنا إلى خلقية وعملية، ليس هناك إلا خيرة فقط، خيرة بين الحق والباطل، وليس شيء وسطاً بينهما .
الإسلام لا يسمح بالنظرية المادية القائلة (( إن مملكتي ليست إلا هذا العالم)) ولا بالنظرية المسيحية التي تزدري الحياة وتقول (( ليس هذا العالم مملكتي )) وطريق الإسلام طريق وسط بينهما، القرآن يرشدنا أن ندعو: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً } .
الإسلام دين سائغ معقول كله حكمة وبداهة إزاء أوهام وخرافات وأساطير، وشرع إلهي ووحي سماوي إزاء أقيسة وتجارب إنسانية وتشريع بشري، ومدنية فاضلة قوية البنيان محكمة الأساس، يسود فيها روح التقوى والعفاف والأمانة، وتقدر فيها الأخلاق الفاضلة فوق المال والجاه، والروح فوق المظاهر الجوفاء، يتساوى الناس فلا يتفاضلون إلا بالتقوى .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنما ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية . ولا يجب على كل مسلم أن تكون معرفته دقيقة بالكفر والجاهلية ومظاهرهما وأشكالهما وألوانهما . ولكن على من يتزعم الإسلام ويتولى قيادة الجيش الإسلامي ضد الكفر والجاهلية، أن تكون معرفته بالكفر والجاهلية فوق معرفة عامة المسلمين وأوساطهم .
إن الزعامة الإسلامية تقتضي صفات دقيقة، واسعة جداً نستطيع أن نجمعها في كلمتين "الجهاد " و "الاجتهاد" , فالجهاد هو بذل الوسع وغاية الجهد لنيل أكبر مطلوب، وأكبر وطر للمسلم طاعة الله ورضوانه والخضوع لحكمه والإسلام لأوامره .
صرف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، شجاعة العرب من المنافسات القبلية والتقاتل وأخذ الثأر والأحقاد القديمة إلى الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله، وصرف تبذيرهم وسماحتهم إلى الإنفاق في سبيل الله، وشغلهم عن الجاهلية بالدين الإسلامي.
إن الذي يوجد الاعتدال ويخفض من المادية الجامحة ويجعل منها حياة معتدلة هو النظام الروحي الديني الخلقي الحكيم الذي يوافق الفطرة الإنسانية الصحيحة، والذي لا يتصدى لأن يزيل الفطرة الإنسانية، بل يوجهها توجيهاً نافعاً، فإنها لا تزول ولكن تميل من شر إلى خير ؛ وهكذا فعل الإسلام .
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت