بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام وحُسن العرض للسؤال، ونوصيك بوالديك خيرًا، ونسأل الله أن يرزقك بر والديك، وأن يُلهمك السداد والرشاد، هو وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
لا يخفى عليك أننا لا نملك اختيار آبائنا وأُمَّهاتنا، ولكن الشرع يضع لهم فضلاً كبيراً، ومكانةً رفيعةً مهما حصل منهم من التقصير، واعلمي أن البر عبادة لله تبارك وتعالى، نتقرَّبُ بها إلى الله تبارك وتعالى، والوالد يستحق هذا البر لكونه أباً.
كذلك الأم تستحق البر المضاعف لكونها أُماً، ولا يُؤثّر على بِرِّنا لهم تقصيرهم في حقِّنا أو في حقّ غيرنا، بل حتى لو قصّروا في حق الله تبارك وتعالى، فإن ذلك بينهم وبين الله الذي ربط عبادته بطاعتهم، وتوحيده بالإحسان إليهم، فقال سبحانه: {وقضى ربُّك ألَّا تعبدوا إلَّا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا}، بل لو أن الوالد أو الوالدة أمر ابنه أو بنته بمعصيةٍ لله تبارك وتعالى فإنهما لا يُطاعان في تلك المعصية، لكن لا بد من الصحبة بالمعروف، {وإن جاهداك على أن تُشرك بي ما ليس لك به علمٌ فلا تُطعمهما}، (فلا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق)، لكن لم يقل بعدها: تشتمهم، أو تشتد عليهم، أو تحتدَّ عليهم بالكلام، ولكن إنما قال: {وصاحبهما في الدنيا معروفًا}.
انتبهي لهذا الجانب، ولا تُحاسبي والدك بما يحصل منه من أخطاء، وقومي بما عليك من البرِّ، وتلطّفي به، واستجلبي رضاه، حتى إذا شعرت أنك قسوتِ عليه في موقفٍ ينبغي أن تطلبي منه السماح، وتُحسني إليه، وتجتهدي في بِرِّه، فهو صاحب حقٍّ كبيرٍ وصاحب فضلٍ كبيرٍ.
لذلك نتمنَّى أن تنتبهي لمثل هذه التصرفات، ونحن سعداء بهذه الاستشارة التي تدلُّ على أنك بدأت تشعرين بما حدث من خلل وبما حدث من تقصير.
نحن بلا شك لا نُؤيّد الوالد في المعاصي التي يقع فيها والمخالفات التي تبدر منه، فهذه أمور شرعية لا نملك إلَّا أن نرفضها كما رفضها الشرع، ولكن ذلك لا يُبرّر لك أبدًا ولا لغيرك من إخوانك أو أفراد أسرتك أن يتطاولوا على الوالد أو يُسيئوا إليه، أو يُشعروه بأنه ليس صاحب مكانة أو صاحب منزلة.
انتبهي لنفسك، ونشكر لك هذا الحرص على الخير، وأنت ما كتبت هذه الاستشارة إلَّا للخير الذي في نفسك، وإلَّا لأنك تملكين نفسًا لوّامة تلومك على التقصير، فاجتهدي في تطبيق هذا الشرع، واقتربي من والدك، واسألي الله له الهداية والتوفيق، واستبشري بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا - طبعًا: أو امرأة - خيرٌ لك من حُمْر النِّعم) فكيف إذا كان هذا الواحد هو الأب الحنون كما أشرت.
بادري وبادلي والدك المشاعر، وقومي بالوفاء، وقومي بالوفاء أيضًا لوالدتك، فهي صاحبة حقوق مضاعفة، وأحسنوا إلى هذا الوالد، ولا تحاولوا عزله، بل اقتربوا منه، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يقرّ أعينكم بصلاحه، وإذا فعل شيئًا يُرضي الله تبارك وتعالى فأرجو ألَّا تقفوا في طريقه، وكونوا عونًا له على أن يُحسّن إدارة أمور حياته، ولن يحصل ذلك إلَّا بالقُرب منه والبرّ له.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد والهداية.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)