السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك مجددًا -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى أن يصلح أحوالك كلها، وأن ييسر أمرك، ويكفيك بحلاله عن حرامه، ويُغنيك بفضله عمّن سواه.
أولًا نؤكد – أيها الحبيب – ما سبق أن أوصيناك به في الاستشارة السابقة من ضرورة الصبر على والدك فيما لو أساء إليك، فإن الله تعالى أوصانا بهذا في كتابه العزيز، كما قال الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}، وكنا قد ذكرنا لك هذا في الاستشارة السابقة.
والآن نضيف – أيها الحبيب – أنه لا بد لك أن تفهم حدود حقوقك على والدك؛ حتى لا يحاول الشيطان أن يغرس في قلبك النُّفرة والكراهية تجاه أبيك، فيما يُوهمك أنه حق من حقوقك، وأن هذا الوالد قصّر فيه أو ضيّعه، وإذا علمت حدود هذه الحقوق، وأن كثيرًا مما تتضايق منه من تصرفات والدك ليس مما يصفه الشرع بالتقصير أو الذنب، سيسهل عليك - إذا فهمت هذا- الشعور بالرضا تجاه والدك، ويخفف حزنك وألمك من تصرفاته.
وقد اتضح لنا – أيها الحبيب – من خلال السطور هذه التي سطّرتها أن تضايقك من والدك وشعورك تجاهه بشيء من الكراهية والحزن هو أنه يريد أن يفضل إخوانك عليك فيما يعطيهم.
وبداية نقول: إن العطاء للأولاد يختلف باختلاف الحاجة، فالنفقات متفاوتة بين ولد وآخر، وعليه فإذا تصرف الوالد بأن أعطى أحدهم ما يحتاجه ولم يُعطِ الآخر، فإن هذا ليس من التصرفات المحرمة التي منع الله تعالى منها الوالد.
ثم ينبغي أن تعلم أن المال الذي في يد والدك -المال الذي اكتسبه هو- هو ماله، وله حق التصرف فيه، ولا يجوز لإنسانٍ أن يفرض عليه تصرفًا معينًا في ماله، والتفضيل بين الأولاد في الهبات والعطايا جائز عند أكثر المذاهب الإسلامية، وإن كان لا ينبغي للأب أن يفعله، ولا يُستحب له ذلك، ولكنه من حيث الجواز جائز وإن كان مكروهًا.
إذا فهمت هذا سهل عليك أن تتفهم مواقف والدك، وأن تُخفِّف الأمر عن نفسك، فهذه الأموال التي في يده ليست كسبك أنت، ولا هي أموالك أنت حتى تغضب إذا أعطاها والدك لأحدٍ من إخوانك.
فنحن نوصيك بأن تتقي الله تعالى في نفسك، ولا تظلمها، فإن المعصية ظلمٌ للنفس قبل أن يقع الظلم على الآخرين، فاتق الله تعالى في نفسك، وقف عند حدود الله تعالى، واعرف لوالدك حقه عليك، فإن حق الوالد عظيم، والإنسان لا يستطيع أن يجزي والده ويرد إليه جميله مهما فعل، كما قال الرسول ﷺ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا» فلا تستطيع أن تجزي والدك مهما أساء إليك، فإن أعظم نعم الله تعالى عليك نعمة الوجود في هذه الحياة، وهذه النعمة الكبيرة الجليلة كان سببها هذا الوالد.
لهذا نحن ننصحك بأن تتأنَّى، وتتريث قليلًا، وأن تُجاهد نفسك وتُقاوم مشاعر الكراهية التي يحاول الشيطان أن ينفخها في قلبك بسبب تصرفات والدك.
إذا أردت أن تُوصل رسالتك إلى أبيك ليواسيك أو يعطيك، فحاول أن تأتي بالهدوء واللين، وحاول أن تستعين على والدك ببرِّه، والإحسان إليه، والتودد إليه، ومحاولة التقرب منه، وإظهار حاجتك لِمَا تحتاجه من إعانته، وحاول أن تستعين بمن لهم كلمة مقبولة عند والدك من الأقارب كأعمامك ونحوهم، وإذا لم يستجب الوالد لهذا ففوّض أمورك إلى الله تعالى، واعلم أن الله تعالى قدير على أن يفتح أمامك أبواب الخيرات، فبِرّك بأبيك ووقوفك عند حدود الله تعالى لن يجلب لك إلا الخير والسعادة، فقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}.
واعلم أن رزقك قد كتبه الله تعالى قبل أن تخرج أنت لهذه الأرض، فلن يصل إليك إلَّا ما قدّره الله تعالى لك، وما قدّره الله تعالى لك من الرزق فلن يستطيع أحد أن يحرمك منه، فالله تعالى هو الرزاق، وهو الذي قسم الأرزاق بين العباد.
فتوجه بقلبك إلى الله، واسأله -سبحانه وتعالى- أن يقضي حاجاتك، ويعينك على بِرِّ أبيك، ويُليِّن قلب والدك تجاهك.
هذه نصيحتنا لك حتى لا تُضيِّق على نفسك الأمر الواسع، وتعيش في كربٍ نفسيٍّ وحُزنٍ لغير مُوجب يقتضيه.
نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)