بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أختي الكريمة، ما كتبته لا يصدر عن قلبٍ غافل، ولا عن نفسٍ مستهينة بحرمات الله تعالى، بل نحسب أنك ذات قلبٍ مجتهدٍ، يحمل همّ القوت، ويخاف أن يكون قد أغلق على نفسه باباً لا يدري من أين أُغلق، ولو لم يكن فيكِ خير؛ لما قلتِ: "لا أريد إلا قوت يومنا"، ولما بحثتِ عن السبب، ولما سألتِ عن التوبة.
فاطمئني أولاً، واعلمي أن الله تعالى أرحم بكِ من أن يضيّع من قصدُه الحلال، وسأله سبحانه الستر.
أختي الكريمة، لا بد أن نقرر حقيقة مهمة قبل كل شيء: ليس كل ضيق رزقٍ عقوبة، وليس كل تأخر فتحٍ علامة سخط؛ قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، وقد ابتُلي أنبياء الله تعالى بالفقر والجوع والانتظار الطويل، وهم أحبّ الخلق إليه، فالضيق قد يكون تربية، وقد يكون تمحيصاً، وقد يكون جمعاً بين أسباب دنيوية وحِكَم ربانية لا نراها الآن، لكنَّ خبيئاتِ القدر تخبِّئ للعبد ما يسرُّه ولو بعد حينٍ.
لكن مع هذا الاطمئنان، لا يصح أن نغفل عن بابٍ خطير ذكرتِه بصدق، وهو باب الربا، الربا – يا أختي – ليس ذنباً عادياً، بل من أعظم ما توعّد الله تعالى عليه، حتى قال سبحانه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، ومحق الربا لا يكون دائماً بانعدام المال، بل بنزع البركة، وتتابع القلق، وضيق الصدر، وذهاب الجهد بلا ثمرة، قال النبي ﷺ: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل» (أخرجه ابن ماجه)؛ فوجود القروض الربوية قد لا يقطع الرزق فجأة، لكنه يجعل الرزق متعباً، لا يثبت ولا يكفي، ولا يطمئن القلب.
ومع ذلك، أنبّهك برفق: أنتِ لم تتكلمي بلسان المستهين، بل بلسان المضطر الذي يحاول التوبة، ثم يضعف تحت ضغط قاسٍ، وهذا فرق عظيم في ميزان الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، وقال النبي ﷺ: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه»، الاضطرار لا يُحلّ الربا، لكنه يُبقي باب الرحمة مفتوحاً، ويمنع اليأس، ويجعل التوبة مقبولة إذا صدقت النية وبُذل الجهد، وكذلك الظنُّ بكِ.
وأما التوبة من الربا، فهي ليست كلمة تُقال، بل مسار يُسلك، وأركانها باختصار: الندم الصادق، والعزم الحقيقي على تركه مستقبلاً، والسعي الجاد لقطع أسبابه ما أمكن ولو تدريجياً، مع الإكثار من الاستغفار والصدقة؛ لأن الله تعالى جعل دواء الربا من جنسه، فقال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وما دمتم تحاولون الخروج منه وتكرهون الوقوع فيه، فأنتم على باب نجاة لا على باب هلاك.
وأما قولك إنك تصلين الفروض فقط، فاعلمي أن ترك السنن ليس سبباً مباشراً لقطع الرزق، فلا تُثقلي على نفسك بما لا طاقة لكِ به، لكن السنن أبواب بركة وجبر خلل، ولو أردتِ بداية خفيفة لا تُرهقك، فابدئي بركعتي الضحى؛ فقد قال ﷺ: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة.. ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»، وهما من أعظم ما يُستفتح به باب الرزق.
وأوصيكِ – مع صدق التوكل – بأمرين لا غنى عنهما: الإكثار من الاستغفار بنية الفرج، فقد قال ﷺ: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب»، والصدقة ولو بالقليل، فإن القليل مع الإخلاص عظيم عند الله تعالى. ومع هذا، راجعي مشروعك أيضاً بعين الأسباب: طريقة العرض، التسويق، الوصول للناس، فالله سبحانه يفتح الأبواب، لكنه يحب أن تُطرق.
وأختم لكِ بدعاء جامع، قوليْه بقلب منكسر لا مستعجل: اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمّن سواك، اللهم إن كان رزقنا بعيداً فقرّبه، وإن كان قليلاً فكثّره، وإن كان بلا بركة فبارك فيه، وإن كان في طريقه ذنب فاغفره، وإن كان في قلوبنا ضعف فقوّنا بك لا بأنفسنا.
أختي الكريمة، الله تعالى لا يخيّب عبداً سأله القوت لا الترف، والستر لا المباهاة، وقد وعد فقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، أنتِ في طريق الأوبة لا في طريق الهلاك، فاثبتي، وأحسني الظن، وواصلي السعي، فإن الله تعالى لا يضيع دمعة صدقٍ، ولا نية حلالٍ.
وفقك الله لمرضاته.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)