بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سلمى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أختنا الكريمة- أنك تقفين أمام معادلة دقيقة تجمع بين مشاعر نبيلة تجاه أهلك، وحق مشروع في أن تصوني مالك وتحفظي مستقبلك، وما يستوقفني في رسالتك هو هذا الوعي الاستثنائي والنضج الذي تبدينه، فأنت لا تتهربين من المسؤولية، ولا تتنكرين لأهلك، ولكنك في الوقت ذاته لا تريدين أن تكوني ساذجة، وهذا بحد ذاته موقف صائب.
ما تشعرين به من تردد ليس أنانية ولا قسوة على الأهل، بل هو تفكير مسؤول يدل على نضجك وإدارتك الواعية لحياتك، ولا شك أن حبك لأهلك وشعورك بأن البيت الذي تعيشون فيه يستحق اهتمامًا هو نابع من قلب بار محب، يقول الله تعالى:﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك)، وهذا الحديث لا يعني أنك ملزمة بدفع كل ما تملكين، بل يدل على عمق الرابطة بين الوالد وولده، وأن الإنفاق على الوالدين، وتوفير المسكن اللائق لهم من أجل الأعمال وأعلاها قدرًا.
ومن الحكمة ما قاله الشاعر عمر اليافي في رحاب الديوان:
من برَّ والده وأمَّه ْ فاقصده مختاراً وأُمَّه
واغنم فضائله فذا لك وحده في الدهر أُمَّهْ
تذكري أن المسألة ليست بين خيار التضحية الكاملة، أو الانسحاب الكامل، فهناك طريق وسط عقلاني وشرعي. ويمكن أن ننظر إليها من زاويتين:
الزاوية الأولى: تتعلق بما إذا كانت مساهمتك ستكون تبرعًا خالصًا أو استثمارًا منظمًا، فالتبرع الخالص لوجه الله في تحسين بيت أهلك أمر مثاب عليه، غير أن الشريعة الإسلامية لم تُلزم البنت البالغة العاملة بالإنفاق على ما لا تملكه.
والزاوية الثانية: هي أن الفكرة التي خطرت لك، وهي اقتراح أن يُملِّكك أبوك العقار الذي لديه مقابل ما ستصرفينه في البيت، هذه الفكرة ليست فكرة باردة ولا هي استغلال، بل هي فكرة نظامية تحفظ الحقوق وتمنع النزاعات المستقبلية، وهذا ما تسميه الشريعة المعاوضة المشروعة التي تصون حق الجميع.
من الأمور التي ستعينك بإذن الله:
الأمر الأول هو: أن تفتحي حوارًا صريحًا ومحبًا مع أبيك، ليس بمنطق المطالبة، بل بمنطق التشاور والاحترام، أخبريه بأنك تريدين المساهمة في تحسين البيت، لكنك في الوقت ذاته تفكرين في مستقبلك، وفي مشاريعك الشخصية، إنسان حكيم مثل أبيك سيفهم ويقدر هذا الوضوح.
الأمر الثاني هو: الاتفاق على صيغة رسمية موثقة، سواء اخترتم صيغة تمليك جزء من العقار، أو وثيقة دين مكتوبة، أو حصة في ميراث محدد مقابل ما ستنفقين، فإن توثيق الاتفاقيات المالية بين الأقارب واجب شرعي وعقلي، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
الأمر الثالث هو: أن تضعي لنفسك ميزانية واضحة، لا تضعي كل ما تكسبينه في البيت، بل حددي نسبة مريحة يمكنك المساهمة بها دون أن تتضرر مشاريعك الخاصة، سواء كانت بالادخار، أو بالاستثمار، أو الزواج، أو التطوير الشخصي.
الأمر الرابع هو: الاستعانة بمن يثق به الجميع من أقارب، أو علماء للجلوس مع الأسرة، وترتيب هذا الأمر بطريقة تحفظ حق الجميع، وتمنع أي خلاف مستقبلي بينك وبين إخوتك.
وها هنا تنبيه مهم احذري من طرفين كلاهما خطأ: الطرف الأول هو: أن تعطي كل ما تملكين بدافع العاطفة، ثم تندمي لاحقًا، والطرف الثاني هو: أن تحسبي الأمور بمنطق تجاري بحت مع أهلك، فتفقدي شيئًا أعمق وأغلى من المال، والحل في الوسط وهو التوثيق العادل مع القلب المحب.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يبارك لك في رزقك، ويجعله نورًا لك ولأهلك، وأن يجمع شملكم على الخير والمحبة.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)