بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملك حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
ابنتنا الكريمة، من الجميل أن تتمتعي بهذه الروح العفوية المرحة التي تجعل من حولك يشعرون بالبهجة، وأن يراك الناس بأنك روح المكان، وصانعة الأجواء الطيبة بينهم، فهذه صفة جميلة يحبها الناس فيمن حولهم، وهي في الحقيقة نعمة من الله تعالى تستحق الشكر؛ لأن إدخال السرور على الآخرين خلق كريم يدل على قلب طيب، وحضور اجتماعي محبب، لكن مثل هذه النعمة تحتاج أيضاً إلى شيء من التوازن حتى لا تنقلب إلى عبء على صاحبها، فليس من المطلوب أن يكون الإنسان دائماً مسؤولاً عن إسعاد الجم??ع، أو أن يحمل وحده طاقة المجلس كله، فالإنسان بطبيعته يحتاج أحياناً إلى الهدوء أو الصمت، أو أن يكون مستمعاً فقط، وهذا أمر طبيعي ولا يعني أنه تغير أو فقد روحه المرحة.
وفي مثل عمرك -وهي مرحلة ما زالت الخبرة الاجتماعية فيها تتشكل- قد يقع البعض في اختيار صداقات لا تتوافق تماماً مع طبيعتهم الشخصية، فيحدث نوع من عدم التوازن في العلاقة، فيصبح أحد الأطراف هو الذي يبذل الجهد الأكبر في الحديث أو في إحياء الجو، بينما يكتفي الآخرون بالتلقي، ومع مرور الوقت قد يشعر الشخص بأن العلاقة أصبحت عبئاً عليه، خاصة إذا كانت هناك تقلبات مزاجية، أو إذا توقع الآخرون منه أن يكون المصدر الدائم للبهجة والطاقة.
والأصل في الصداقة أن تقوم على قدر من التوازن في الحقوق والمسؤوليات، وعلى الأخذ والعطاء بين الجميع، فالصديق الحقيقي لا ينتظر منك أن تبقى دائماً في دور معين لإسعاده، بل يبادلك الاهتمام والمشاركة؛ لذلك فإن مراجعة الإنسان لنوعية صداقاته أمر طبيعي ومفيد، خاصة إذا شعر أن بعض العلاقات أصبحت تستنزف طاقته بدلاً من أن تمنحه الراحة.
ومع ذلك فإن ما لديك من حضور وتأثير بين صديقاتك ليس أمراً سلبياً كله، بل فيه جانب مضيء يمكن أن يكون بداية لشخصية مؤثرة وقيادية في المستقبل؛ لأن القدرة على إدخال البهجة والتفاعل مع الناس مهارة اجتماعية مهمة، لكن الفرق أن الشخصية الناضجة تتعلم كيف تستخدم هذه المهارة باعتدال، دون أن تجعلها التزاماً ثقيلاً عليها.
ولهذا يمكنك التعامل مع الأمر بخطوات بسيطة وهادئة، فمن حقك أحياناً أن تكوني هادئة أو أقل حديثاً دون أن تشعري بالذنب، فإذا سألك أحدهم لماذا أنت صامتة يمكنك ببساطة أن تقولي إنك متعبة قليلاً أو في مزاج هادئ اليوم، ومع الوقت سيتعود من حولك على أن لك حالات مختلفة مثل أي إنسان.
كما يمكنك توسيع دائرة معارفك واختيار صديقات تتقارب شخصياتهن مع شخصيتك في الحيوية والتفاعل؛ لأن التقارب في الطباع يجعل العلاقة أكثر راحة وتوازناً، أما إذا شعرت أن بعض العلاقات أصبحت مرهقة فعلاً، فليس من الضروري أن تقطعيها فجأة أو بصدام، بل يمكن أن تقللي الوقت الذي تقضينه فيها تدريجياً، وأن تشغلي نفسك بأنشطة أخرى في المدرسة أو خارجها، ومع الوقت سيصبح وجودك أقل دون أن يحدث توتر أو مواجهة.
ومن المفيد أيضاً أن تمنحي نفسك مساحات خاصة للراحة والهدوء، فالإنسان لا يستطيع أن يبقى في حالة نشاط اجتماعي دائم، الاهتمام بالهوايات، أو القراءة، أو ممارسة الرياضة، أو قضاء وقت مع أفراد الأسرة قد يعيد لك التوازن ويجدد طاقتك.
وتذكري أن الصداقة الصحية هي التي تشعرك بالراحة والقبول، لا تلك التي تجعلك تشعرين أنك مطالبة دائماً بأداء دور معين، ومع مرور الوقت واكتساب الخبرة ستصبحين أكثر قدرة على اختيار من يناسبك من الأصدقاء، وعلى وضع حدود هادئة تحمي طاقتك دون أن تجرحي أحداً أو تدخلي في صدام.
نسأل الله أن يوفقك، ويحفظ فيك روحك الجميلة، ويجعلها سبباً للخير لك ولمن حولك.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)