الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.. وقد اختلف العلماء في حكم التسوية بين الأولاد في العطية، فذهب جمهور العلماء إلى استحباب التسوية، فإن فضل بعضاً كان مكروهاً، وذهب الحنابلة إلى وجوب التسوية إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل كمرض، أو الانشغال بطلب العلم دون غيره أو كثرة عياله أو نحو ذلك، وإذا فضل أحداً بدون سبب فإن ذلك حرام ويجب عليه الرجوع أو العدل للآخرين، وقد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى المفاضلة جوراً، قال ابن قدامة: وهو دليل على التحريم لأنه سماه جوراً، وأمر برده وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب لأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم.
وأما أنه أنفق على أحدهم للتعليم، فهذا لا يستدعي المفاضلة في الهبة لما قدمناه ولا يستلزم ذلك المساواة، فقد يحتاج أحدهم في النفقة أكثر من الآخر، وراجع في ذلك الفتاوى ذات الأرقام التالية: 111358، 107734، 106428، 104031.
ولكن إذا فاضل الأب بين الأولاد فلا يكون ذلك سبباً للولد لعقوق أبيه وترك مكالمته، بل الواجب عليه البر لوالده، والإحسان إليه ومحاولة التماس العذر له، وغالباً ما يفعل الأب ذلك جهلاً منه بالحكم الشرعي، والأب له على ابنه عظيم الفضل مهما أساء إليه، وإن كان الأب قد فضل بعض بنيه على بعضٍ من غير مسوغ شرعاً فينبغي أن يبين له الحكم الشرعي بحكمة ورفق، فإن استجاب لذلك فهو خير، وإن لم يستجب فلا تجوز للابن مقاطعته، بل يجب الإحسان إليه والبر به، قال الله تعالى: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا {لقمان:15}، فإذا كان بذل المعروف إليهما مطلوباً شرعاً مع شركهما ودعوتهما للشرك فمن باب أولى مصاحبة المسلم المقصر بالمعروف، وراجع في ذلك الفتوى رقم: 50959.
والله أعلم.