الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:
فإن من صدر منه ما يقع به الكفر، جاهلاً بالحكم، أو دون قصد، أو حاكيا له، لا يحكم بردته؛ لأن الردة التي يكفر بها المسلم هي شرح صدر الإنسان للكفر، ويدل لذلك قول الله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {النحل:106}.
قال النووي في منهاج الطالبين: الردة هي قطع الإسلام بنية، أو قول كفر، أو فعل، سواء قاله استهزاء، أو عنادا، أو اعتقادا. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: لا بد في العقود وغيرها من قصد التكلم وإرادته، فلو فرض أن الكلمة صدرت من نائم أو ذاهل، أو قصد كلمة، فجرى على لسانه بأخرى، أو سبق بها لسانه من غير قصد لها، لم يترتب على مثل هذا حكم في نفس الأمر قط. انتهـى.
ولكن زعمك أن من قال لفظة الكفر بالغا عاقلا مختارا فإنه يكفر، ولا يشترط معرفة الحكم، ولا انشراح الصدر، فإنه لا يحكم بكفر الجاهل إذا كان مثله ممن يعذر بالجهل، وأما انشراح الصدر، فإن من نطق بالكفر مختارا، فاهما لما يقول، فيعتبر منشرح الصدر به.
فقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية -في الفتاوى-: فإنه من كفر من غير إكراه، فقد شرح بالكفر صدراً ... وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعاً، فقد شرح بالكفر صدراً ... قال تعالى: وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا {النحل: 106} أي لاستحبابه الدنيا على الآخرة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمنا، ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. اهـ.
ثم إنه يحكم على المرتد بالإسلام بمجرد الصلاة؛ كما قال صاحب الروض المربع، معلقًا على قول صاحب زاد المستقنع: (فإن صلّى فمسلم حكمًا): فإن صلّى الكافر على اختلاف أنواعه في دار الإسلام، أو الحرب جماعة، أو منفردًا بمسجد، أو غيره، فمسلم حكمًا، فلو مات عقب الصلاة فتركته لأقاربه المسلمين، ويغسّل، ويصلَّى عليه، ويدفن في مقابرنا. اهـ.
وراجعي الفتاوى ذوات الأرقام التالية: مع إحالاتها: 21800، 721، 57445.
ونكتفي بما ذكرنا، ونعتذر عن الاسترسال معك في التفريعات التي ذكرت، التزامًا منا بنظام الموقع، من أن على السائل الاكتفاء بكتابة سؤال واحد فقط، وأن السؤال المتضمن عدة أسئلة، يجاب السائل عن الأول منها فحسب.
والله أعلم.